← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

فليشهد عليه أنه متى اشتراها لنفسه فهي حرة؛ فإن وكل الوكيل من يشتريها له انبنى ذلك على أصلين: أحدهما: أن الوكيل هل له أن يوكل أم لا؟ والثاني: أن مَنْ حلف لا يفعل شيئًا؛ فوكَّل في فعله هل يحنث أم لا؟ وفي الأصلين نزاع معروف، فإن وكله رجل في بيع جارية ووكله آخر في شرائها، وأراد هو شراءها لنفسه فالحكم على ما تقدم، غير أن هاهنا أصلًا، آخر، وهو أن الوكيل في بيع الشيء هل يملك بيعه لنفسه؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد (١): إحداهما: لا يملك ذلك سَدًّا للذريعة؛ لأنه لا يَستقصي في الثمن. والثانية: يجوز إذا زاد على ثمنها في النداء لتزول التهمة؛ فعلى هذه الرواية يفعل ذلك من غير [حاجة إلى] (٢) حيلة، والثانية لا يجوز فعل هذا، وهل يجوز (٣) له التحيل على ذلك؟ فقيل: له أن يتحيل عليه بأن يدفع إلى غيره دراهم ويقول له: اشْتَرِها لنفسك، ثم يتملَّكها منه، والذي تقتضيه قواعد المذهب أن هذا لا يجوز؛ لأنه تحيل على التوصل إلى فعل محرم، ولأن ذلك ذريعة إلى عدم استقصائه واحتياطه في البيع، بل يسامح في ذلك لعلمه أنَّها تصيرُ إليه، وأنه هو الذي يزن الثمن، ولأنه يعرض نفسه للتهمة، ولأن الناس يرون ذلك نوع غَدْر ومكر؛ فمحاسن الشريعة تأبى الجواز. فإن قيل: فلو وكله أحدهما في بيعها والآخر في شرائها ولم يُرد أن يشتريها لنفسه؛ فهل يجوز ذلك؟ قيل: هذا ينبني على شراء الوكيل في البيع لنفسه؛ فإن أجزناه هناك جاز هاهنا بطريق الأولى، وإن منعناه هناك، فقال القاضي: لا يجوز أيضًا هاهنا؛ لتضاد الغرضين؛ لأن وكيل البيع يستقصي في زيادة الثمن، ووكيل الشراء يستقصي في نقصانه؛ فيتضادان، ولم يذكر غير ذلك، ويتخرَّج الجواز -وإن منعنا الوكيل من الشراء لنفسه من نص أحمد- على جواز كون الوكيل في النكاح وكيلًا من الطرفين، وكونه أيضًا وليّا من الطرفين، وأن يَلِي بذلك على إيجاب العقد وقَبُوله، ولا ريب أن التهمة التي تلحقه في الشِّرَاء لنفسه أظهر من التهمة التي تلحقه في الشراء لموكله.

стр. 2242

والحيلة الصحيحة. في ذلك كله أن يبيعها بيعًا بتاتًا ظاهرًا لأجنبي يثق به، ثم يشتريها منه شراء مستقلًا؛ فهذا لا بأس به، واللَّه أعلم. [حيلة في التخلص من طلاق امرأته] المثال الثالث عشر: إذا قال الرجل لامرأته: "الطلاق يلزمني لا تقولين لي شيئًا إلا قلتُ لك مثله"، فقالت له: أنت طالق ثلاثًا. فالحيلة في التخلّص من أن يقول لها مثل ذلك أن يقول لها: قلتِ لي: أنتَ طالق ثلاثًا. قال أصحاب الشافعي: وفي هذه الحيلة نظر لا يخفى؛ لأنه لم يقل لها مثل ما قالت له، وإنما حكَى كلامَها من غير أن يقول لها نظيره. ولو أن رجلًا سبَّ رجلًا فقال له المسبوب: "أنت قلت لي: كذا وكذا" لم يكن قد ردّ عليه عند أحد، [لا] (١) لغةً ولا عرفًا؛ فهذه الحيلة ليست بشيء. وقالت طائفة أخرى: الحيلة أن يقول لها: "أنْتَ طالق ثلاثًا" -بفتح التاء- فلا تطلق، وهذا نظير ما قالت له سواء، وهذه وإن كانت أقْرَبَ من الأولى؛ فإن المفهوم المتعارف لغةً وعقلًا وعُرْفًا من الرد على المرأة أن يخاطبها خطاب المؤنث؛ فإذا خاطبها خطاب المذكر لم يكن ذلك ردًا ولا جوابًا، ولو فرض أنه ردّ لم يمنع وقوع الطلاق بالمُوَاجهة وإن فتح التاء، كأنه قال: [أيها] (٢) الشخص أو الإنسان. وقالت طائفة أخرى: الحيلة في ذلك أن يقول: أنْتِ طالق ثلاثًا إن شاء اللَّه، أو إن كلمتِ السلطان، أو إن سافرت، ونحو ذلك؛ فيكون قد قال لها نظير ما قالت، ولا يضر زيادة الشرط، وهذه الحيلة أقرب من التي قبلها، ولكن في كون المتكلم بها رادًا أو مجيبًا نظر لا يخفى؛ لأن الشرط وإن تضمن زيادة في الكلام لكنه يخرجه عن كونه نظيرًا لكلامها، ومِثْلًا له، وهو إنما حلف أن يقول لها مثل ما قالت له، والجملة الشرطية ليست مثل الجملة الخبرية، بل الشرط يدخل على الكلام التام فيصيّره ناقصًا يحتاج إلى الجواب، ويدخل على الخبر فيقلبه إنْشَاءً، ويغير صورة الجملة الخبرية ومعناها، ولو قال رجل لغيره: "لعنك اللَّه"، فقال له: "لعنك اللَّه إن بَدَّلْتَ دينك أو ارتددت عن الإسلام" لم يكن سابًا له، ولو قال له:

стр. 2243

"يا زان (١) " فقال: "بل أنت زانٍ إن وطئت فرجًا حرامًا" لم يكن الثاني قاذفًا [له] (٢). ولو بذلَتْ له مالًا على أن يطلقها، فقال: أنتِ طالق إن كلَّمتِ السلطان، لم يستحق المال، ولم يكن مُطَلقًا. وقالت طائفة أخرى: لا حاجة إلى شيء من ذلك، والحالف لم تدخل هذه الصورة في عموم كلامه، وإن دخلت فهي من المخصوص بالعرف والعادة والعقل؛ فإنه لم يرد هذه الصورة قطعًا، ولا خطرت بباله، ولا تناولها لفظه؛ فإنه إنما تناول لفظه القول الذي يصح أن يُقال له، وقولُها: "أنْتَ طالق ثلاثًا" ليس من القول الذي يصح أن يواجَهَ به؛ فهو لغو محضٌ وباطل، وهو بمنزلة قوله (٣): "أنت امرأتي" وبمنزلة قول الأمة لسيدها: "أنتَ أمتي وجاريتي" ونحو هذا من الكلام اللغو الذي لم يدخل تحت لفظ الحالف ولا إرادته، أما عدم دخوله تحت إرادته فلا إشكال فيه، وأما عدم تناول لفظه له؛ فإن اللفظ العام إنما يكون عامًا فيما يصلح له وفيما سيق لأجله. وهذا أقوى من جميع ما تقدم، وغايته تخصيص العام بالعُرْف والعادة، وهذا أقرب لغةً [وعرفًا] (٤) وعقلًا وشرعًا من جعل ما تقدم مطابقًا ومماثلًا لكلامها مثله، [فتأمله] (٥)، واللَّه الموفق. [الإحرام وقد ضاق الوقت] المثال الرابع عشر: إذا خاف الرجل لضيق الوقت أن يحرم بالحج فيفوته فيلزمه القضاء ودم الفوات؛ فالحيلة أن يحرم إحرامًا مطلقًا ولا يعيّنه؛ فإن اتسع له الوقت جعله حجًا أو قِرانًا أو تمتعًا، وإن ضاق عليه الوقت جعله عمرة، ولا يلزمه غيرها. [من جاوز الميقات غير محرم] المثال الخامس عشر: إذا جاوز الميقات غير محرم لزمه الإحرام ودم لمجاوزته للميقات غير محرم. فالحيلة في سقوط الدم عنه أن لا يحرم من

стр. 2244

موضعه، بل يرجع إلى الميقات فيحرم منه؛ فإن أحرم من موضعه لزمه الدم، وإلا (١)؛ فيسقط برجوعه إلى الميقات. [حيلة للبر في يمين] المثال السادس عشر: إذا سُرق له متاع، فقال لامرأته: إن لم تخبريني مَنْ أخذه فأنت طالق ثلاثًا، والمرأة لا تعلم مَنْ أخذه، فالحيلة في التخلص من هذه اليمين أن تذكر الأشخاص التي لا يخرج المأخوذ عنهم [وهذا لا يتأتى إلا فيما إذا علم أن السارق أحدهم واشتبه وجهلت عينه] (٢)، ثم تفرد كل واحد واحد، وتقول: هو أخذه؛ فإنها تكون مُخْبرة عن الآخذ وعن غيره فيبرّ في يمينه ولا تطلق. [ادعاء المرأة نفقة ماضية] المثال السابع عشر: إذا ادَّعَتِ المرأة النفقة والكسوة لمدة ماضية، فقد اختلف في قبول دعواها، فمالك وأبو حنيفة (٣) [لا يقبلان (٤) دعواها، ثم اختلفا في مأخذ الرد؛ فأبو حنيفة] (٥) يسقطها بمضي الزمان، كما يقوله منازعوه في نفقة القريب، ومالك لا يسمع الدعوى التي يكذّبها العرف والعادة، ولا يُحلف [عنده] (٦) فيها، ولا يُقبل فيها بينة (٧)، كما لو كان رجل حائزًا دارًا متصرفًا (٨) فيها مدة السنين الطويلة بالبناء والهَدْم والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة ومع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقًا، ولا مانع يمنعه من خوف أو شركة في ميراث، ونحو ذلك، ثم جاء بعد تلك المدة فادّعاها لنفسه، فدعواه غير مسموعة فضلًا عن إقامة بينته (٩). قالوا: وكذلك إذا كانت المرأة مع الزوج مدة سنين يشاهده الناسُ والجيرانُ داخلًا ببيته بالطعام والفاكهة واللحم والخبز، ثم ادعت بعد ذلك أنه لم ينفق عليها [في] (١٠) هذه المدة؛ فدعواها غير مسموعة، فضلًا عن أن

стр. 2245

يحلف لها، أو يسمع لها بينة. قالوا: وكل دعوى ينفيها (١) العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة. وهذا المذهب هو الذي نَدينُ اللَّه به، ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة سواه، وكيف يليق بالشريعة أن تسمع مثلَ هذه الدعوى التي قد علم اللَّه وملائكته والناس أنها كذب وزور؟ وكيف تَدَّعي المرأة أنها أقامت مع الزوج ستين سنة أو أكثر لم ينفق عليها فيها يومًا واحدًا ولا كساها فيها ثوبًا، ويقبل قولها عليه، ويُلزم بذلك كله؟ ويقال: الأصل معها! وكيف يعتمد على أصل يكذّبه العرف والعادة والظاهر الذي بلغ في القوة إلى حد القطع؟ والمسائل التي يقدَّمُ فيها الظاهر القوي على الأصل أكثر من أن تحصى (٢)، ومثل هذا المذهب في القوة مذهب أبي حنيفة، وهو سقوطها بمضي الزمان؛ فإن البيّنة قد قامت بدونها؛ فهي كحق المبيت والوطء. ولا يعرف أحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ مع أنهم أئمة الناس في الورع والتخلص من الحقوق والمظالم- قضى لامرأة بنفقة ماضية، أو استحلّ امرأة منها، ولا أخبر النبي ﷺ بذلك امرأة واحدة منهن، ولا قال لها: ما مضى من النفقة حق لك عند الزوج؛ [فإنْ شئتِ فطالبيهِ (٣)، وإنْ شئتِ حللتيه (٤)، وقد] (٥) كان النبي ﷺ يتعذَّر عليه نفقة أهله أيامًا حتى سألنه إياها (٦)، ولم يقل لهن (٧): هي باقية في ذمتي حتى يوسِّع اللَّه وأقضيكنَّ، ولما وَّسع اللَّه عليه لم يقض لامرأة منهن ذلك، ولا قال لها: هذا عِوَض عمَّا فاتك من الإنفاق، ولا سمع الصحابة ﵃ لهذه المسألة خبرًا؛ وقول عمر ﵁ للغياب: "إما أن تطلِّقوا وإما أن تَبْعثوا بنفقة ما مضى" (٨) في

стр. 2246

ثبوته نظر، وإن (١) قال ابنُ المنذر: "ثبت عن عمر" (٢) فإنَّ في إسناده ما يمنع ثبوته. ولو قدر صحته فهو حُجَّة عليهم، ودليل على أنهم إذا طلقوا لم يلزمهم بنفقة ما مضى. فإن قيل: وحجة عليكم في إلزامه لهم بها، وأنتم لا تقولون بذلك. قيل: بل نقول به، وإن الأزواج إذا امتنعوا من الواجب عليهم مع قدرتهم عليه لم يسقط بالامتناع ولزمهم ذلك، وأما المعذور العاجز فلا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه جعل النفقة دَيْنًا في ذمته أبدًا، وهذا التفصيل هو أحسن ما يقال في هذه المسألة. والمقصود أن على هذين المذهبين لا تُسمع [هذه] (٣) الدعوى، ويسمعها الشافعي وأحمد (٤) رحمهما اللَّه بناءً على قاعدة الدعاوى، وأن الحق قد ثبت ومستحقه ينكر قبضه فلا يقبل قول الدافع عليه إلا ببينة؛ فعلى قولهما يحتاج الزوج إلى طريق تخلّصه من هذه الدعوى، ولا ينفعه دعوى النشوز، فإن القول فيه قول المرأة، ولا يخلصه دعوى عدم التسليم الموجب للإنفاق لتمكّن المرأة من إقامة البينة عليه، فله حيلتان:

стр. 2247

إحداهما: أن يقيم البيِّنة على نفقته وكسوته لتلك المدة، وللبينة أن تشهد على ذلك بناء على ما علمته وتحققته بالاستفاضة والقرائن المفيدة للقطع؛ فإن الشاهد يشهد بما علمه بأي طريق علمه، وليس على الحاكم أن يسأل البينة عن مستند التحمل، ولا يجب على الشاهد أن يبين مستنده في الشهادة. والحيلة (١) الثانية: أن ينكر التمكين الموجب لثبوت المُدَّعى به في ذمته، ويكون صادقًا في هذا الإنكار؛ فإن التمكين الماضي لا يوجب عليه ما ادعت به الزوجة إذا كان قد أداه إليها، والتمكين الذي يوجب ما ادعت به لا حقيقة له؛ فهو صادق في إنكاره. [شراء معيب ثم تعيّبه عند المشتري] المثال الثامن عشر: إذا اشترى رِبَوِيًا بمثله فتعيَّب عنده ثم وجد به عيبًا، فإنه لا يمكنه رده للعيب الحادث، ولا يمكنه أخذ الأرْش لدخول التفاضل فالحيلة في استدراك ظُلَامته أن يدفع إلى البائع ربويًا معيبًا (٢) بنظير العيب الذي وجده (٣) بالمبيع ثم يسترجع منه الذي دفعه إليه فإن استهلكه استرد منه نظيره، وهذه الحيلة على أصل الشافعي، وأما على أصل أبي حنيفة فالحيلة في الاستدراك أن يأخذ [عوض العيب] (٤) من غير جنسه، بناءً على أصله في تجويز مسألة مُدِّ عَجْوة، وأما على أصل الإمام أحمد فإن كان البائع عَلِم بالعيب فكتمه لم يمنع العيبُ الحادثُ عند المشتري ردّه عليه، بل لو تلَف جميعُه رجع عليه بالثمن عنده. وإن لم يكن من البائع تدليس فإنه يرد عليه المبيع ومعه أرش العيب الحادث عنده، ويسترد العوض، وليس في ذلك محذور، فإنه يبطل العقد؛ فالزيادة ليست زيادة في عوض، فلا يكون رِبًا (٥). [إبراء الغريم في مرض الموت] المثال التاسع عشر: إذا أبرأ الغريم من دَيْنه في مرض موته ودينه يخرج من الثلث وهو غير وارث فخاف المبرأ (٦) أن تقول الورثة: "لم يخلّف مالًا سوى

стр. 2248

الدين" ويطالبون (١) بثلثيه، فالحيلة أن يخرج المريض إلى الغريم مالًا بقدر دَيْنه فيهبه إياه، ثم يستوفيه منه من دينه، فإن عجز عن ذلك ولم تغب عنه الورثة فالحيلة أن يقر بأنه شريكه بقدر الدَّيْن الذي عليه. فإن عَجَزَ عن ذلك فالحيلة أن يقر بأنه كان قَبَضَه منه أو أبرأه منه في صحته، فإن خاف أن يتعذر عليه مطالبته به إذا توفي (٢) فالحيلة أن يُشهد عليه أنه إن ادّعى عليه أو أي وقت ادعى عليه أو متى ادعى عليه بكذا وكذا فهو صادق في دعواه، فإن (٣) لم يدّع عليه بذلك لم يلزمه، وليس لوارثه بعده أن يدعي به، فإنه إنما صدق الموروث إن ادعى، ولم تحصل دعواه، وإنما ينتقل إلى الورثة ما ادعى به الموروث وصدقه المُدَّعى عليه (٤)، ولم يتحقق ذلك. [حيلة لنفاذ عتق عبده مع خوفه جحد الورثة] المثال العشرون: إذا أراد أن يعتق عبده وخاف أن يَجْحَدَ الورثة المال ويُرِقّوا ثلثيه (٥)، فالحيلة أن يبيعه لأجنبي، ويقبض ثمنه منه، ثم يهب الثمن للمشتري، ويسأله إعتاق العبد، ولا ينفعه أن يأخذ إقرار الورثة أن العبد يخرج من الثلث؛ لأن الثلث إنما يُعتبر عند الموت لا قبله، فإن لم يرد تنجيز عتقه وأحَبَّ تدبيره وخاف عليه من ذلك فالحيلة أن يملكه لرجل يثق به، ويعلّق المشتري عتقه بموت السيد المملك، فلا يجد الورثة إليه سبيلًا (٦). [حيلة لمن يريد إثبات دين على الموروث] المثال الحادي والعشرون: إذا كان لأحد الورثة دين على الموروث وأحَبَّ أن يوفيه إياه ولا بيّنة له به، فإن أقر له به أبطلنا إقراره، وإن أعطاه عوضه كان تبرعًا في الظاهر فلباقي الورثة رده، فالحيلة في (٧) خلاصه من دَيْنِه أن يقبض الوارث ماله عليه [من الدين] (٨) في السر، ثم يبيعه سلعة أو دارًا أو عبدًا بذلك الثمن، فيسترد منه المال، ويدفع إليه تلك السلعة التي هي بقدر دينه. فإن قيل: وأي حاجة له إلى ذلك إذا أمكنه أن يعطيه ما له عليه في السر؟

стр. 2249

قيل: بل في ذلك خلاص الوارث من دعوى بقية الورثة واتهامهم [له] (١) وشكواهم إياه أنه استولى على مال موروثنا أو صار إليه بغير الحق (٢)، فإذا لم يخرج المال الذي عاينوه عند الموروث عن التركة سَلِمَ من تطرق التهمة والأذى والشكوى. [حيلة لمن خاف انفساخ نكاح بموته] المثال الثاني والعشرون (٣): إذا زوج عبده من ابنته صح، فإن خاف من انفساخ النكاح بموته حيث تملَّكه أو بعضه، فالحيلة في إبقاء (٤) النكاح أن يبيعه من أجنبي ويقبض ثمنه أو يهبه إياه، فإن مات بعد ذلك هو أو الأجنبي لم ينفسخ النكاح. المثال الثالث والعشرون: إذا كان مولاه (٥) سفيهًا إن زوَّجه طلَّق وإن سَرَّاه أعتق وإن أهمله فسق، فالحيلة أن يشتري جارية من مال نفسه ويزوجه إياها فإن أعتقها لم ينفذ عتقه وإن طلقها رجعت إلى سيدها فلا يطالبه بمهرها. [تزويج عبده جاريته بعد أن حلف لا يزوجه إياها] المثال الرابع والعشرون: إذا طَلب عبده منه أن يزوجه جاريته فحلف بالطلاق لا يزوجه إياها، فالحيلة على جواز تزويجه بها ولا يحنث أن يبيعهما جميعًا أو يملّكهما لمن يُثق به، ثم يزوّجهما المشتري، فإذا فعل ذلك استردهما ولا يحنث؛ لأنه لم يزوج أحدهما الآخر، وإنما فعل ذلك غيره، قال (٦) القاضي أبو يعلى: وهذا غير ممتنع على أصلنا؛ لأن الصفة قد وُجِدتْ في حال زوال ملكه، فلا يتعلّق به حنثٌ ولا يتعلق الحنث باستدامة العقد بعد أن ملكهما؛ لأنّ التّزوبجَ عبارة عن العقد وقد تَقَضَّي، وإنما بقي حكمه فلم يحنث باستدامته، قال: ويفارق هذا إذا حلف على عبده لا أدخل هذه الدار فباعه ودخلها ثم ملكه ودخلها بعد ذلك فإنه يحنث لأن الدخول عبارة عن الكون، وذلك موجود بعد الملك كما كان

стр. 2250

موجودًا في الملك الأول، قال: وقد علَّق أحمد القول في رواية مهنَّأ في رجل قال لامرأته: "أنت طالق إن رهنت كذا [وكذا"، فإذا هي] (١) قد رهنته قبل اليمين، فقال: أخاف أن يكون [قد] (٢) حنث، قال: وهذا محمول على أنه قال: "إن كنت رهنتيه" فيحنث لأنه حلف على ماض. ولا يخفى ما في هذا الحمل من مخالفة ظاهر كلام السائل وكلام الإمام أحمد؛ أما كلام السائل فظاهر في أنه إنما أراد رهنًا تنشئه بعد اليمين فإن أداة الشرط تخلّص الفعل الماضي للاستقبال، فهذا الفعل مستقبل بوضع اللغة والعرف والاستعمال. وأما كلام الإمام أحمد فإنه لو فهم من السائل ما حمله عليه القاضي لجزم بالحنث، ولم يقل: "أخاف" فهو إنما يطلق هذه اللفظة فيما عنده فيه نوع توقف. واستقراء أجوبته يدل على ذلك، وإنما وجه هذا أنه جعل استدامة الرهن رهنًا كاستدامة اللبس والركوب والسكنى والجماع والأكل والشرب ونحو ذلك. ولما كان لها شبه بهذا وشبه باستدامة النكاح والطيب ونحوهما لم يجزم بالحنث، بل قال: أخاف أن يكون قد حنث، واللَّه أعلم. [الشركة بالعروض والفلوس] المثال الخامس والعشرون: هل تصحُّ الشركة بالعروض والفلوس -إنْ قلنا: هي عروض- والنقود المغشوشة؟ على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد (٣)، فإن جوَّزنا الشركة بها لم يحتج إلى حيلة، بل يكون رأس المال قيمتها وقت العقد، وإن لم نجوز الشركة بها (٤) فالحيلة على أن يصيرا (٥) شريكين فيها أن يبيع كلُّ واحدٍ منهما صاحبه نصف عرضه بنصف عرضه مشاعًا، فيصير كل منهما شريكًا لصاحبه في عرضه، ويصير عرض كل واحد منهما بينهما نصفين، ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف، هذا إذا كان قيمة العرضين سواء، فإذا كانا متفاوتين -بأن يساوي أحدهما مئة والآخر مئتين- فالحيلة أن يبيع صاحب العرض

стр. 2251

الأدنى ثلثي عرضه بثلث عرض صاحبه كما تقدم، فيكون العرضان بينهما أثلاثًا، والربح على قدر الملكين عند الشافعي (١) وعند أحمد (٢) على ما شَرَطَاه، ولا تمتنع هذه الحيلة على أصلنا فإنها لا تبطل حقًا، ولا تثبت باطلًا، ولا توقع في محرَّم. [الصلح عن الدين ببعضه] المثال السادس والعشرون: إذا كان له عليه ألف درهم فأراد أن يصالحه على بعضها فلها ثمان صور، فإنه إما يكون مقرًا أو منكرًا، وعلى التقديرين فإما أن تكون حالّةً أو مؤجلة، ثم الحلول والتأجيل إما أن يقع في المُصَالحَ عنه أو في المصالح به، وإنما تتبين أحكام هذه المسائل بذكر صورها وأصولها (٣): الصورة الأولى: أن يصالحه عن (٤) ألف حالّةٍ قد أقرَّ بها على خمس مئة حالَّة؛ فهذا صُلْح على الإقرار، وهو صحيح على أحد القولين، باطل على القول الآخر، فإن الشافعي لا يصحح الصلح إلا على الإقرار (٥)، والخرقي ومن وافقه من أصحاب الإمام أحمد لا يصححه إلا على الإنكار (٦)، وابن أبي موسى وغيره يصححونه على الإقرار والإنكار (٧)، وهو ظاهر النص، وهو الصحيح، فالمبطلون له مع الإقرار يقولون: هو هَضْم للحق؛ لأنه إذا أقر له فقد لزمه ما أقر به، فإذا بَذَل (٨) له دونه فقد هَضَمه حقه، بخلاف المنكر فإنه يقول: إنما افتديت يميني والدعوى عليَّ بما بذلته، والآخذ يقول: أخذتُ بعضَ حقي، والمصححون له يقولون: إنما يمكن الصلح مع الإقرار لثبوت الحق به، فتمكن المصالحة على بعضه، وأما مع الإنكار فأي شيء ثبت حتى يصالح عليه؟ فإن قلتم: "صالحه عن الدعوى واليمين وتوابعهما، فإن هذا لا تجوز المعاوضة عليه، ولا هو مما يقابل بالأعواض، فهذا أصل، والصواب جواز الأمرين للنص والقياس والمصلحة،

стр. 2252

فإن اللَّه تعالى أمرنا (١) بالوفاء بالعقود ومراعاة العهود، وأخبر النبي (٢) ﷺ أن المسلمين على شروطهم (٣)، وأخبر أنَّ "الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا" (٤)، وقول مَنْ منع الصلح على الإقرار [به] (٥) "إنه هَضْم

стр. 2253

للحق" ليس كذلك، وإنما الهَضْم أن يقول: لا أقر لك حتى تهَبَ لي كذا وتَضَعَ عني كذا وأما إذا أقرَّ له ثم صالحه ببعض ما أقر به فأي هضم هناك؟ وقول مَن منع الصلح على الإنكار: "إنه يتضمن المعاوضة عما لا تصح المعاوضة عليه" فجوابه أنه افتداء لنفسه من الدعوى واليمين وتكليف إقامة البينة كما تفتدي المرأة نفسَها من الزوج بما (١) تبذله له، وليس هذا بمخالف لقواعد الشرع، بل حكم (٢) الشرع وأصوله وقواعده ومصالح المكلفين تقتضي ذلك. فهاتان (٣) صورتان: صُلحٌ عن الدَّيْن الحال [وصلح] (٤) ببعضه حالًّا مع الإقرار ومع الإنكار. الصورة الثالثة (٥): أن يصالح عنه ببعضه مؤجلًا مع الإقرار والإنكار، فهاتان صورتان أيضًا، فإن كان مع الإنكار ثبت التأجيل، ولم تكن له المطالبة به قبل الأجل؛ لأنه لم يثبت له قبله دينٌ [حالّ] (٦) فيقال: لا يقبل التأجيل، وإن كان مع الإقرار ففيه ثلاثة أقوال للعلماء، وهي في مذهب الإمام أحمد ﵀ (٧): أحدها: لا يصح الإسقاط ولا التأجيل، بناءً على أن الصلح لا يصح مع الإقرار وعلى أن الحال لا يتأجل. والثاني: أنه يصح الإسقاط دون التأجيل، بناءً على صحة الصلح مع الإقرار. والثالث: أنه يصح الإسقاط والتأجيل، وهو الصواب، بناءً على تأجيل القَرْض والعارية، وهو مذهب أهل المدينة، واختيار شيخنا (٨). وإن كان الدَّين مؤجلًا فتارة يصالحه على بعضه مؤجَّلًا مع الإقرار والإنكار (٩)، فحكمه ما تقدم، وتارة يصالحه ببعضه حالًا مع الإقرار والإنكار، فهذا للناس فيه ثلاثة أقوال أيضًا:

стр. 2254

أحدها: أنه (١) لا يصح مطلقًا، وهو المشهور عن مالك (٢)؛ لأنه يتضمن بيع المؤجل ببعضه حالًا، وهو عين الربا، وفي الإنكار المُدَّعي يقول: هذه المئة الحالة عوض عن مئتين مؤجلة، وذلك لا يجوز، وهذا قول ابن عمر (٣). [والقول الثاني: أنه يجوز] (٤)، وهو قول ابن عباس (٥)، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد حكاها ابن أبي موسى (٦) وغيره، واختاره شيخنا (٧)؛ لأن هذا عكس الربا، فإن (٨) الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، [وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل] (٩)، [فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل] (١٠)، فانتفع (١١) به كل واحد منهما،

стр. 2255

ولم يكن هنا ربًا لا حقيقةً ولا لغةً ولا عرفًا، فإن الربا الزيادة وهي منتفية هاهنا، والذين حرَّموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: "إما أن تُرْبي وإما أن تَقْضِي" وبين قوله: عَجِّلْ لي وأهَبُ لك مئة، فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح. والقول الثالث: يجوز ذلك في دَينِ الكتابة، ولا يجوز في غيره، وهو قول الشافعي (١) وأبي حنيفة (٢)، قالوا: لأن ذلك يتضمن تعجيل العتق المحبوب إلى اللَّه، "والمكاتبُ عبدٌ ما بقي عليه درهم" (٣)، ولا ربا بين العبد وبين سيده، فالمكاتب وكسبه للسيد، فكأنه أخذ بعض كسبه وترك له بعضه، ثم تناقضوا فقالوا: لا يجوز أن يبيعه درهمًا بدرهمين؛ لأنه في المعاملات معه كالأجنبي سواء (٤). فياللَّه العجب! ما الذي جَعَله معه كالأجنبي في هذا الباب من أبواب الربا وجعله معه بمنزلة العبد القِنِّ في [هذا] (٥) الباب الآخر؟ فهذه صورة هذ المسائل وأصولها ومذاهب العلماء فيها، وقد تبين أن الصواب جوازها كلها، فالحيلة على التوصل إليها حيلة على أمر جائز ليست على حرام. فصل [الحيلة على الصلح على الإنكار والإقرار] فالحيلة على الصلح على الإنكار عند من يمنعه أن يجيء رجل أجنبي فيقول للمدَّعي: أنا أعلم أن ما في يد المدَّعى عليه لك، وهو يعلم أنك صادق في

стр. 2256

دعواك، وأنا وكيلُه، فصالحني على كذا، فينقلب حينئذ صلحًا على الإنكار (١)، ثم ينظر فإن كان فعل ذلك بإذن المدعى عليه رجَع بما دفعه إلى المدعي، وإن كان بغير إذنه لم يرجع عليه. وإن دفع المدعي عليه المال إلى الأجنبي وقال: "صالِح عني بذلك" جاز أيضًا (٢). فصل (٣) والحيلة في جواز الصلح على الإقرار عند من يمنعه أن يبيعه سلعة ويحابيه فيها بالقدر الذي اتفقا على إسقاطه بالصلح. فصل [الحيلة في الصلح عن الحال ببعضه مؤجَّلًا] والحيلة في الصلح عن الحالِّ ببعضه مؤجلًا حتى يلزمه التأجيل أن يبرئه من الحالِّ، ويُقِرُّ أنه لا يستحق عليه إلا المؤجل، والحيلة في الصلح عن المؤجَّل ببعضه حالًا أن يتفاسخا العقدَ الأول، ثم يجعلانه بذلك القدر الحال، فإذا اشترى منه سلعة أو استأجر منه دابة أو خالَعَتْه على عوض مؤجل فسَخا العقد [ثم جعلا] (٤) عوضه ذلك القدر الحال، فإن لم يكن فيه الفسخ كالدِّية وغيرها فالحيلة في جواز ذلك أن يعاوض على الدَّيْن بسلعة أو بشيء (٥) غير جنسه، وذلك جائز لأن غاية ما فيه بيع الدين ممن هو في ذمته، فإن أتلف له مثليًا لزمُه مثله دينًا عليه، فإن صالح عليه بأكثر من جنسه لم يجز؛ لأنه ربا، وإن كان المتلف متقومًا لزمه قيمته، فإن صالح عليه بأكثر من قيمته فإن كان من جنسها لم يجز ذلك (٦)، وإن كان من غير جنسها جاز، إذ هو بيعٌ للقيمة، وهي دَيْن بذلك العوض، وهو جائز. [اختلاف الوكيل والموكل في ثمن ما وكَّله في شرائه] المثال السابع والعشرون: إذا وكله في شراء جارية بألف، فاشتراها الوكيل،

стр. 2257

وقال: أذنْتَ لي في شرائها بألفين وقد فعْلتُ، فالقول قول الوكيل، ولا يلزمه الألفان، ولا يملك الجارية والوكيل مقرٌّ أنها للموكِّل، فإنه (١) لا يحل له وطؤها، والألف الزائدة دين عليه، ولا يمكن الوكيل بيعها ولا التصرف فيها؛ لأنه معترف أنها ملك للموكل، وأن الألف الأخرى في ذمته والوكيل ضامنٌ لها، فالحيلة في ملك الوكيل لها أن يقول له الموكل: إن كنتُ أذنت لك في شرائها (٢) بألفين فقد بعتكها بالألفين (٣)، فيقول: قد اشتريتها منك، فيملكها حينئذ، ويتصرف فيها، وهذا قول المزني وأكثر أصحاب الشافعي (٤)، ولا يضر تعليق البيع بصورة الشرط، فإنه لا يملك (٥) صحته إلا على هذا الشرط، فهو كما لو قال: "إن كانت ملكي فقد بعتكها بألفين" ولا يلتفت إلى نصف فقيه يقول: هذا تعليقٌ للبيع بالشرط فيبطل، كما لو قال: إن قدم زيد فقد بعتك كذا [بكذا، بل هذا نظيرُ قوله: إن كنت جائز التصرف فقد بعتك كذا] (٦)، وإن أعطيتني ثمن هذا المبيع (٧) فقد بعتكه، [ونحو ذلك] (٨). [الحيلة في سقوط الضمان عن المودع] المثال الثامن والعشرون (٩): إذا أودَعه وديعة وأشهد عليها (١٠) فتَلِفت من غير تفريطه لم يضمن، فإن ادَّعى عليه قبض الوديعة فأنكر فأقام البينة عليه ضمن، فإن ادعى التلف بعد ذلك لم يُقبل منه لأنه معترف أنه غير أمين له، وقد قامت البينة على قبضه ماله فيضمنه، ولا ينفعه تكذيب البينة، فالحيلة في سقوط الضمان أن يقول: مالك عندي شيء، فإن حلَّفه حلف حلفًا صادقًا، فإن أقام البيِّنة بالوديعة فليصدق البينة، ويقول: صدقت فيما شهدت به، ويدعي التلف بغير تفريط؛ فإن كذَّب البينة لزمه الضمان، ولا ينفعه دعوى التلف. [الحيلة في تضمين الراهن تلف المرهون] المثال التاسع والعشرون: إذا رهن عنده رهنًا، ولم يثق بأمانته، وخاف أن

стр. 2258

يدعي هلاكه ويذهب به، فالحيلة في أن يجعله مضمونًا عليه أن يعيره إياه أولًا، فإذا قبضه رهنه منه بعد ذلك، فإذا تلف كان في (١) ضمانه؛ لأن طَرَيان الرهن على العارلة لا يبطل حكمها؛ لأن المرتهن يجوز له الانتفاع بها بعد الرهن بهما كان ينتفع بها قبله، ولو بطل لم يجز له الانتفاع. [الحيلة في سقوط ضمان المستعير عند من يقول ربه] المثال الثلاثون: اختلف الناس في العارية: هل توجب الضمان إذا لم يفرّط المستعير؟ على أربعة أقوال: أحدها: يوجب الضمان مطلقًا، وهو قول الشافعي (٢) وأحمد [مطلقًا] (٣) في المشهور عنه (٤). الثاني: لا يوجب الضمان، وَيدُ المستعيرِ يَدُ أمانة، وهو قول أبي حنيفة (٥). الثالث: [أنه] (٦) إن كان التلف بأمر ظاهر كالحريق وأخذ السَّيْل (٧) وموت الحيوان وخراب الدار لم يضمن، وإن كان بأمر لا يطلع عليه كدَعْوَى سرقة الجوهرة والمنديل والسكين ونحو ذلك ضمن، وهو قول مالك (٨). الرابع: أنه إن شرط نفي ضمانها لم يضمن، وإن أطلق ضمن، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد (٩).

стр. 2259

والقول بعدم الضمان قويٌّ متَّجه، وإن كنا لا نقبل قوله في دعوى التلف لأنه ليس بأمينِه، لكن إذا صدقه المالك في التلف بأمر لا يُنْسَب فيه إلى تفريط فعدم التضمين أقوى (١). فالحيلة في سقوط الضمان أن يشترط نفيه، فإن خاف أن لا يفي له بالشرط فله حيلة أخرى وهي أن يُشْهد عليه أنه متى ادعى عليه بسبب هذه العين ما يوجب الضمان فدعواك باطلة. فإن لم تسعد (٢) معه هذه الحيلة أو خاف من ورثته بعده الدعوى فله حيلة ثالثة، وهي أن يستأجر العين منه بأقل شيء للمدة التي يريد الانتفاع بها، أو يستأجرها منه بأجرة مثلها ويشهد عليه أنه قبض الأجرة أو أبرأه منها، فإن تلفت بعد ذلك لم يضمنها، وليست هذه الحيلة مما تحلل حرامًا [أو] تحرم حلالًا (٣). [حيلة في لزوم تأجيل قرض أو عارية] المثال الحادي والثلاثون: اختلف الناس في تأجيل القَرْض والعارية إذا أجَّلها؛ فقال الشافعي (٤) وأحمد (٥) في ظاهر مذهبه وأبو حنيفة (٦): لا يتأجَّل شيء من ذلك بالتأجيل، وله المطالبة به متى شاء، وقال مالك (٧): يتأجَّل بالتأجيل، فإن أطلق ولم يؤجّل ضرب له أجل مثله، وهذا هو الصحيح لأدلة كثيرة مذكورة في موضعها. [الحيلة في لزوم تأجيل القرض والعارية] وعلى هذا القول فالمستقرض والمستعير آمن من غَدْر المقرض غني عن

стр. 2260

الحيلة للزوم الأجل، وعلى القول الأول فالحيلة في لزوم التأجيل أن يشهد عليه أنه لا يستحق ما عليه (١) من الدين إلى مدة كذا وكذا، ولا يستحق المطالبة بتسليم العين إلى مدة كذا وكذا، فإن أراد حيلة غير هذه فليستأجر منه العينَ إلى تلك المدة ثم يبرئه من الأجرة كما تقدم، وأما القرض فالحيلة في تأجيله أن يشتري من المقرض شيئًا ما بمبلغ (٢) القرض ثم يكتبه مؤجلًا من ثمن مبيع قبضه المشتري، فإنه لا يتمكن من المطالبة به قبل الأجل، وهذه حيلة (٣) على أمر جائر لا يبطل بها حقٌّ فلا تكره. [حيلة في جواز بيع الرهن عند حلول الأجل] المثال الثاني والثلاثون: إذا رهنه رهنًا بدين، وقال: "إنْ وفَّيتُك الدين إلى كذا وكذا، وإلا فالرهن لك بما عليه" صح ذلك، وفعله الإمام أحمد، وقال أصحابنا: لا يصح (٤)، وهو المشهور من مذهب الأئمة الثلاثة (٥)، واحتجوا بقوله: "لا يغلق الرهن" (٦) ولا حجة لهم فيه، فإن هذا كان موجبهُ في الجاهلية أن

стр. 2261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2265

المرتهن يتملك الرهن بغير إذن المالك إذا لم يوفه؛ فهذا هو غلق الرهن الذي أبطله النبي ﷺ ، وأما بيعه للمرتهن بما عليه عند الحلول فلم يُبْطِله كتاب ولا سنة

стр. 2266

ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا مفسدة ظاهرة، وغاية ما فيه أنه بيع عُلِّق على شرط، ونعَمْ فكان ماذا؟ وقد تدعو الحاجة والمصلحة إلى هذا من المرتهنين (١)، ولا يحرم عليهما ما لم يحرمه اللَّه ورسوله، ولا ريب أن هذا خيرٌ للراهن والمرتهن من تكليفه (٢) الرفْعَ إلى الحاكم، وإثباته الرهن، واستئذانه في بيعه والتعب الطويل الذي لا مصلحة فيه سوى الخسارة والمشقة، فإذا اتفقا على أنه له بالدين عند الحلول كان أصلح لهما وأنفع وأبعد من الضرر والمشقة والخسارة، فالحيلة (٣) في جواز ذلك بحيث لا يحتاج إلى حاكم أن يملكه العين التي يريد أن يرهنها منه، ثم يشتريها منه بالمبلغ الذي يريد استدانته، ثم يقول: إن وفيتك الثمن إلى كذا وكذا وإلا فلا بيع بيننا، فإن وفاه وإلا انفسخ البيع وعادت السلعة إلى (٤) ملكه. وهذه حيلة حسنة محصِّلة (٥) لغرضهما من غير مفسدةٍ ولا تضمُّن لتحريم ما أحل اللَّه، ولا لتحليل ما حرم اللَّه. [حيلة للخلاص إذا أقرَّ بدين مؤجل] المثال الثالث والثلاثون: إذ كان عليه دَيْن مؤجل فادعى به صاحبه وأقر (٦) به فالصحيح المقطوع به أنه لا يؤخذ به قبل أجله؛ لأنه إنما أقر به على هذه الصفة فإلزامه به على غير ما أقر به إلزامٍ بما لم يقر به (٧)، وقال بعض أصحاب أحمد والشافعي: يكون مقرًا بالحق مدِّعيًا للتأجيل، فيؤاخذ (٨) بما أقر به، ولا تُسمع منه دعواه (٩) الأجل إلا ببينة، وهذا في غاية الضعف، فإنه إنما أقر به إقرارًا مقيدًا لا مطلقًا، فلا (١٠) يجوز أن يلغي التقييد ويحكم عليه بحكم الإقرار المطلق كما لو قال: له عليَّ ألف إلا خمسين أو له عليَّ ألف من ثمن مبيع لم أقبضه، أو له عليّ ألف من نقد كذا وكذا (١١) أو معاملة كذا وكذا، فيلزمهم في هذا ونحوه أن يبطلوا هذه التقييدات كلها ويلزموه بألف (١٢) كاملة من النقد الغالب، ولا يقبل قوله: إنها

стр. 2267

من ثمن مبيع لم أقبضه، ومما يبين بطلان هذا القول أن إقرار المرء على نفسه شهادة منه على نفسه كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] ولو شهد عليه شاهدان بألف مؤجلة لم يحكم عليه بها (١) قبل الأجل اتفاقًا، فهكذا إذا أقر بها مؤجلة فالحيلة في خلاصه من الإلزام بهذا القول الباطل أن يقول: لا يلزمني توفية [ما يدعيه عليّ أو أداؤه] (٢) إليك (٣) إلى مدة كذا وكذا، ولا يزيد على هذا، فإن ألح عليه وقال: "لي عليك كذا أم ليس لي عليك شيء؟ " ولا بد من أن يجيب (٤) بأحد الجوابين، فالحيلة في خلاصه أن يقول: إن ادعيتها مؤجلة فأنا مقرٌّ بها، وإن ادعيتها حالَّة فأنا منكر. وكذلك لو كان قد قضاه الدين وخاف أن يقول: كان له عليّ وقضيته، فيجعله الحاكم مقرًا بالحق مدعيًا لقضائه، فالحيلة أن يقول: ليس له عليَّ شيء، ولا (٥) يلزمني أداء ما يدعيه، فإن ألح عليه لم يكن له جواب غير هذا، على أن القول الصحيح أنه لا يكون مقرًا بالحق مدعيًا لقضائه، بل منكرًا الآن لثبوته في ذمته فكيف يلزم به؟ فإن قيل: هو أقر بثبوت سابق وادعى قضاءً طارئًا عليه. قيل: لم يقر بثبوت مطلق، بل بثبوت مقيد بقيد وهو الزمن الماضي، ولم يقر بأنه ثابت الآن في ذمته، فلا يجوز إلزامه به الآن استنادًا إلى إقراره به في الزمن الماضي؛ لأنه غير منكر ثبوته في الماضي، وإنما هو منكر لثبوته الآن، فكيف يجعل مقرًا بما هو منكر له؟ وقياسهم هذا الإقرار على قوله: "له عليَّ ألف لا يلزمني أو لا يثبت (٦) في ذمتي" قياس باطل، فإنه كلام متناقض لا يعقل، وأما هذا فكلام معقول، وصِدْقه فيه ممكن، ولم يقر بشغل ذمته الآن بالمدَّعَى به، فلا يجوز شَغْل ذمته به بناء على إقراره بشغلها في الماضي، وما نظير هذا إلا قول الزوج: "كنت طلقت امرأتي وراجعتها" فهل يُجعل بهذا الكلام مطلقًا الآن (٧)؟ وقول القائل: كنت فيما مضى كافرًا ثم أسلمت، فهل يجعل بهذا الكلام كافرًا

стр. 2268

الآن؟ وقول القائل: كنت عبدًا فأعتقني مولاي، هل يجعل بهذا الكلام رقيقًا؟ فإن طَرَدوا الحكم في هذا كله وطلَّقوا [على] (١) الزوج وكفَّروا المعترف بنعمة اللَّه عليه وأنه كان كافرًا فَهَدَاه اللَّه وأمروه أن يجدد إسلامه وجعلوا هذا قنًّا، قيل لهم: فاطردوا ذلك فيمن قال: كانت هذه الدار أو هذا البستان أو هذه الأرض أو هذه الدابة لفلان ثم اشتريتها منه، فأخرجوها من ملكه بهذا الكلام، وقولوا: قد أقر بها لفلان ثم ادعى [أنه] (٢) اشتراها فيُقبل إقراره ولا تقبل دعواه فمن جَرَتْ هذه الكلمة على لسانه وقال الواقعَ فأخرجوا ملكه من يده، وكذلك إذا قالت المرأة: كنت مزوجة بفلان ثم طلقني، اجعلوها بمجرد هذا الكلام زوجته، والكلام بآخره، فلا يجوز أن يؤخذ منه بعضه ويلغى بعضه، ويقال: قد لزمك (٣) حكم ذلك البعض، وليس علينا من بقية كلامك، فإن هذا يرفع حكم الاستثناء والتقييدات جميعها، وهذا لا يخفى فساده، ثم إن هذا على أصل مَنْ لا يقبل الجواب إلا على وَفق الدعوى يحول بين الرجل وبين التخلُّص من ظلم المدعي، ويلجئه إلى أن يقر له بما يتوصل به إلى الإضرار به وظلمه، أو إلى أن يكذب بيانه أنه إذا استدان منه ووفاه، فإن قال: "فليس له عليَّ شيء" لم يقبلوا منه؛ لأنه لم يُجِبْ على نفي الدعوى، وإن قال: "كنت استدنت منه ووفيته" لم تسمعوا منه آخر كلامه وسمعتم منه أوله، وإن قال: "لم أستدن منه" وكان (٤) كاذبًا فقد ألجأتموه إلى أن يظلم أو يكذب ولا بد، فالحيلة لمن بُلي بهذا القول أن يستعمل التورية، ويحلف ما استدان منه، وينوي أن تكون ما موصولة، فإذا قال: "واللَّه إني ما استدنت منه" أي إني الذي استدنت منه، وينفعه (٥) تأويله بالاتفاق إذا كان مظلومًا، كما لا ينفعه إذا كان ظالمًا بالاتفاق. [حيلة في تأجيل الدين على المعسر] المثال الرابع والثلاثون: إذا كان عليه دين فأعْسَرَ به فادَّعى عليه به، فإن أنكره كان كاذبًا، وإن أقر له به ألزمه إياه، وإن جحده أقام به البينة، فإن ادَّعى الإعسار بعد ذلك فإن المدعي قد ظهر للحاكم كذبه في جَحْده الحق فهكذا هو كاذب في دعوى الإعسار، فالحيلة في تخليصه أن يقول: لا يلزمني توفية ما يدعيه

стр. 2269

عليَّ ولا أداؤه، فإن طالبه الحاكم بجواب يطابق السؤال فله أن يورِّي بما تقدم (١)، ويحلف على ذلك، فإن خشي من إقامة البينة فهنا تعز عليه الحيلة، ولم يبق له إلا تحليف المدعي أنه لا يعلم عجزه عن الوفاء (٢) أو إقامة البينة بأنه (٣) عاجز عن الوفاء، فإن حلف المدعي ولم تقم له بينة بالعجز لم يبق له حيلة غير الصبر. [حيلة في تقديم بينة الخارج] المثال الخامس والثلاثون: إذا تداعَيَا عينًا هي في يد أحدهما فهي لصاحب اليد، فإن أقام الآخر بينة حكم له ببينته؛ فإن أقام كل واحد منهما بينة، فقال الشافعي (٤): بينة صاحب اليد أولى؛ لأن البينتين قد تعارضتا، وسلمت اليدُ عن معارض، وقال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه: بينة الخارج أولى (٥)؛ لأن معها زيادة علمٍ خفَيت على بينة صاحب اليد فإنها تستند إلى ظاهر اليد (٦)، وبينة الخارج تستند أيضًا إلى سبب خفي على بينة الداخل فتكون أولى، فالحيلة في تقديم بينة الخارج عند من يقدم بينة الداخل أن يدعي الخارج أنه في يد الداخل غصْبًا أو عارية أو وديعة أو ببيع فاسد. ثم تشهد البينة على وَفق ما ادعاه، فحينئذ تقدَّم بينة الخارج على الصحيح عندهم (٧). [حيلة في التخلص من لدغ المخادع] المثال السادس والثلاثون: الحيلة المخلصة من لَدْغ العقارب، وذلك إذا اشترى الماكر المخادع [من رجل] (٨) دارًا أو بستانًا أو سلعة، وأشهد عليه بالبيع، ثم مضى إلى البيت (٩) أو الحانوت ليأتيه بالثمن، فأقر بجميع ما في يَدِه لولده أو

стр. 2270

لامرأته، فلا يصل البائع إلى أخذ الثمن، فالحيلة له أن يبيعه بحضرة الحاكم أو يمضي بعد البيع معه إليه ليثبت له التبايع، ثم يسأله قبل مفارقته أن يحجر على المشتري في ماله، ويقفه حتى يسلم إليه الثمن؛ لئلا يتلف ماله أو يتبرع به فيتعذر عليه الوصول إلى حقه. ويلزم الحاكم إجابته إذا خشي ذلك من المشتري؛ لأن فيه إعانة لصاحب الحق على التوصل إلى حقه، فإن تعذرت عليه هذه الحيلة ولدغته العقرب وادعى الإعسار [فللبائع الفسخ إذا لم يكن عالمًا بعسرته وقت العقد ولا راضيًا بها فإن الإعسار عيب في محل الحق، فيثبت له خيار الفسخ كما لو كان العيب بالعوض ولهذا إذا احتال على من يظنه موسرًا فبان معسرًا فله فسخ الحوالة والرجوع على المحيل لوجود العيب في محل الحق الذي لم يرضى به المحتال، وإذا كان النبي ﷺ قد ملك البائع الرجوع في عين ماله إذا أفلس المشتري، فكذلك إذا بأن مفلسًا مع أن الحديث نص في تمليكه الفسخ إذا عرض له الإفلاس، وليس فيه اشتراط حجر الحاكم ولا دل عليه بوجه ولا له أصل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة للناس، فمن أين لكم أنه لا يملك الفسخ حتى يحجر عليه الحاكم، وحكم سيد الحكام بالرجوع في عين المال وفسخ البيع أولى بالاعتبار والمراعاة من آحاد الناس، فإذا كان سيد الحكام قد حكم له بالفسخ والرجوع لم يجز أن يقال: لا رجوع لك حتى يحكم حاكم بالفلس والإعسار، فإن قيل: إنما شرطنا ذلك ليتحقق ثبوت فلسه، قيل: لو تحقق ثبوت فلسه بحيث ألا يشك فيه، ولم يحكم به حاكم لم تمكنوه من الفسخ، وهذا مخالف للسنة، والقياس المحض كما تقدم إذ العيب في محل العوض كالعيب في العوض فإن سأل الحاكم الحجر عليه، وفعل ذلك رجع عليه في عين ماله عند الجمهور] (١) فإن كانت العقرب داهيةً بأن غيَّر العين المبيعة أو مَلّكها لولده أو زوجته أو كان الحاكم لا يرى رجوعَ البائع في عين المبيع إذا أفلس المشتري؛ فالحيلة أن يتوصل إلى إبطال العقد بإقرار سابق على المبيع [أن] (٢) المبيع لولده أو لزوجته أو يرهنه أو يبيعه لمن يثق به، ويقدم تاريخ ذلك على بيع العقرب، وله أن يتوصل بهذه الحيلة فإن كانت مكرًا وخداعًا؛ فإن المكر والخداع حَسَنٌ إذا

стр. 2271

كان على وجه المقابلة لا على وجه الظلم، كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا [وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ] (١)﴾ [النمل: ٥٠]، وقال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وأخبر تعالى أنه كادَ ليوسف في مقابلة كيد إخوته وقد تقدم ذلك. [حيلة في عدم سقوط نفقة القريب بمضي الزمان] المثال السابع (٢) والثلاثون: إذا تحيَّل المكَّار المخادع على سقوط نفقة القريب بالمماطلة وقال: إنها تسقط بمضي الزمان فلا يبقى دينًا عليّ، فتركها آمنًا من إلزامه بها لما مضى، فالحيلة للمنفَقِ عليه أن يرفعه إلى الحاكم ليفرضها عليه، ثم يستأذنه في الاستدانة عليه بقدرها، فإذا فعل ألزمه الحاكم بقضاء ما استدانه المنفَقُ عليه، فإن فرضها عليه ولم يستأذنه في الاستدانة ومَضَى الزمان فهل تستقر عليه بذلك؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي (٣)، والأكثرون منهم صرَّحُوا بسقوطها مطلقًا فرضت أو لم تفرض، ومنهم من قال: إن فرضت لم تسقط، فإن لم يمكنه الرفع إلى الحاكم فليقل له: اشفع لي إلى فلان لينفق (٤) عليّ أو يعطيني ما أحتاج [إليه] (١)، فإذا فعل فقد لزم الشافع؛ لأن ذلك حق أدَّاه إلى المشفوع عنده عن الشفيع بإذنه، فإن أنفق عليه الغيرُ بغير إذنه ناويًا للرجوع فله الرجوع في أصح المذهبين، وهو مذهب مالك (٥) وأحمد في إحدى الروايتين (٦)، وهكذا كل من أذى عن غيره واجبًا بغير إذنه [بشرط] (٧) أن يكون واجبًا على المنصوص من مذهب مالك وأحمد، فإن أحمد ﵀ نصَّ في رواية الجرجرائي (٨) على رجوع من عَمَّر قناة غيره بغير إذنه، وهو مذهب مالك، ولو أن القريب استدان

стр. 2272

وأنفق على نفسه ثم أحال بالدين على مَنْ تلزمه نفقته لزمه أن يقوم له به؛ لأنه أحال على مَنْ له عليه حق، ولا يُقال: قد سقطت بمضي الزمان فلم تصادف الحوالة محلًا؛ لأنها إنما تسقط بمضي الزمان إذا لم يكن المنفَقُ عليه قد استدان على المنفِقِ، بل تبَّرع له غيره أو تكلف أو صبر، فأما إذا استدان عليه بقدر نفقته الواجبة عليه فهنا لا وَجْهَ لسقوطها، وإن كان الأصحاب وغيرهم قد أطلقوا السقوط فتعليلهم يدل على ما قلناه، فتأمله. [حيلة في جواز بيع الماء] المثال الثامن (١) والثلاثون: إذا استنبط في ملكه أو أرض استأجرها عينَ ماء مَلكَه ولم يملك بيعه لمن [يسوقه إلى] (٢) أرضه أو [يسقي به] (٣) بهائِمَه، بل يكون أولى به من كل أحد، وما فَضَلَ [منه] (٣) لزمه بَذلُه لبهائم غيره وزرعه، فالحيلة (٤) على جواز المعاوضة أن يبيعه نصف العين أو ثلثها أو يؤخره ذلك، فيكون الماء بينه وبينه على حسب ذلك، ويدخل الماء تبعًا لملك العين أو منفعتها، ولا تدخل هذه الحيلة تحت النهي عن بيع الماء (٥)، فإنه لم يبعه، وإنما باع العين، ودخل الماء تبعًا، والشيء قد يستتبع ما لا يجوز أن يُفرد وحده. [حيلة في عدم تسويغ بيع المشتري إلا لمن باعه] المئال التاسع (٦) والثلاثون: إذا باعَ عبدَه من رجل وله غَرضٌ أن لا يكون إلا عنده أو عند بائعه، فالحيلة في ذلك أن يشهد عليه أنه إن باعه فهو أحق به بالثمن، وهذا (٧) يجوز على نص أحمد، وهو قول عبد اللَّه بن مسعود (٨)، ولا محذور في ذلك، وقول المانعين: "إنه يخالف مقتضى العقد" فنعم يخالف مقتضى

стр. 2273

العقد المطلق، وجميع الشروط اللازمة تخالف مقتضى العقد المطلق، ولا تخالف مقتضى العقد المقيَّد، بل هي مقتضاه، فإن لم تسعد (١) معه هذه الحيلة فله حيلة أخرى، وهي أن يقول له في مدة الخيار: إما أن تقول: "متى بعته فهو حر" وإلا فسخت البيع، فإذا قال ذلك فمتى باعه عَتقَ عليه بمجرد الإيجاب قبل قبول (٢) المشتري على ظاهر المذهب؛ فإن الذي علَّق عليه العتق هو الذي يملكه البائع وهو الإيجاب، وذلك بيع حقيقة، ولهذا يقال: "بعته العبد فاشتراه" فكما أن الشراء هو قبول المشتري، فكذلك البيع هو إيجاب البائع، ولهذا يقال: البائع والمشتري، قال الشاعر: وإذا تُبَاع كريمةٌ أو تُشْتَرَى ... فسواك بائعُهَا وأنت المشتري هذا منصوص أحمد، فإن لم تسعد (٣) معه هذه الحيلة فليقل له في مدة الخيار: "إما أن تقول: متى بعتك فأنت حر قبله بساعة، وإما أن أفسخ" فمتى قال ذلك لم يمكنه بيعه البتة. [حيلة في تجويز شهادة الوكيل لموكله] المثال الأربعون (٤): إذا كان للموكل عند وكيله شهادة تتعلق بما هو وكيله (٥) فيه لم تُقبل، فإن أراد قبولها فليعزِله أو ليعزل نفسه قبل الخصومة ثم يقيم الشهادة، فإذا تمت عاد توكله به (٦)، وليس في هذه الحيلة محذور؛ فلا تكون محرَّمة. [حيلة في تجويز المسح على الخفين] المثال الحادي والأربعون (٧): إذا توضأ ولبس أحد (٨) خفيه قبل غسل رجله الأخرى، ثم غسل رجله الأخرى وأدخلها [في] (٩) الخف، جاز له المسحُ على

стр. 2274

أصح القولين، وفيه قول آخر أنه لا يجوز؛ لأنه لم يلبس الأُولى على طهارة كاملة؛ فالحيلة في جواز المسح أن ينزعَ خُفَّ الرِّجل الأولى ثم يلبسه، وهذا نوع عَبَث لا غرض للشارع فيه، ولا مصلحة للمكلَّف؛ فالشرع لا يأمره به (١). [حيلة في عدم حنث الحالف] المثال الثاني والأربعون (٢): إذا (٣) اسْتُحْلِفَ على شيء، فأحب أن يحلف ولا يحنث؛ فالحيلة أن يحرك لسانه بقوله: "إن شاء اللَّه"، وهل يشترط أن يسمعها نفسه؟ فقيل: لا بد أن يُسمع نفسه، وقال شيخنا: هذا لا دليل عليه، بل متى حرَّك لسانه بذلك كان متكلمًا، وإن لم يسمع نفسه، وهكذا حكم الأقوال الواجبة والقراءة الواجبة (٤)، قلت: وكان بعض السلف يطبق شفتيه ويحرك لسانه بلا إله إلا اللَّه ذاكرًا، وإن لم يسمع نفسه، فإنه لا حَظَّ للشفتين في حروف هذه الكلمة، بل كلها حلقية [لسانية] (٥)؛ فيمكن الذاكر أن يحرِّك لسانه بها ولا يسمع نفسه ولا أحدًا من الناس، ولا تراه العين يتكلم، [وهكذا التكلم بقول] (٦): "إن شاء اللَّه" يمكن مع إطباق الفم؛ فلا يسمعه أحدٌ ولا يراه، وإن أطبق أسنانه (٧) وفتح شفتيه أدنى شيء سمعته أذناه بجملته. [حيلة في سقوط القصاص عمن قتل زوجته التي لاعنها أو قتل ولدها] المثال الثالث (٨) والأربعون: إذا لاعَنَ امرأته وانتفى من ولدها، ثم قتل الولد لزمه القصاص، وكذلك إن قتلها فلولدها القصاص إذا بلغ، فإن أراد إسقاط القصاص عن نفسه؛ فالحيلة أن يكذب نفسه، ويقر بأنه ابنه؛ فيسقط القصاص في الموضعين، وفي جواز هذه الحيلة نظر.

стр. 2275

[حيلة في التخلص من المطالبة بدين كان أدَّاه] المثال الرابع (١) والأربعون: إذا كان له عليه حق وقد أبرأه منه ولا بينة له بالإبراء ثم عاد فادّعاه؛ فإن قال: "قد أبرأني منه" لم يكن مقرًا به كما لو قال: "كان له عليّ [وقَضَيْتُه] (٢) " وعلى القول الآخر يكون مقرًا [به] (٣) مدَّعيًا للإبراء، فيكلّف (٤) البينة؛ فالحيلة على التخلص أن يقول: قد أبرأني (٥) من هذه الدعوى؛ فإذا قال ذلك لم يكن مقرًا بالمدَّعى به؛ فإذا سأل إحلاف خَصْمه أنه لم يُبْرئه من الدعوى مَلَكَ ذلك؛ فإن لم يحلف صرفها (٦) [الحاكم] (٧)، وإن حلف طولب بالجواب، ولا يسمع منه بعد ذلك أنه أبرأه من الدعوى؛ فإن قال: "أبرأني (٥) من الحق" ففيه الخلاف المذكور، وإن قال: "لا شيء عندي" اكتفى منه بهذا الجواب عند الجمهور؛ فإن طالبه الحاكم بالجواب على وفقِ الدعوى فالحيلة أن يُجِيبَ (٨) ويُوَرِّيَ كما تقدم. [حيلة في المضاربة] المثال الخامس (٩) والأربعون: إذا خاف المضارب أن يسترجع ربُّ المالِ منه المال فقال: "قد ربحت ألفًا" لم يكن له الاسترجاع؛ لأنه قد صار شريكًا؛ فإن (١٠) قال: "ذلك حيلة، ولم يربح" فقال بعد ذلك: "كذبت" لم يسمع منه؛ فالحيلة في تخلصه أن يدعي خسارتها بعد ذلك أو تَلَفَهَا فيقبل قوله مع يمينه. [حيلة في تجويز نظر الواقف على وقفه] المثال السادس (١١) والأربعون: إذا وقف وَقْفًا وجعل النظر فيه لنفسه مدة حياته ثم من بعده لغيره، صح ذلك عند الجمهور، وهو اتفاقٌ من الصحابة؛ فإن عمر ﵁ كان يلي صَدَقته (١٢)، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة

стр. 2276

رضي اللَّه عنهم، والنبي ﷺ لما أشار على عمر بوقف أرضه (١) لم يقل له: "لا يصح ذلك حتى تخرجها عن يدك ولا تلي نظرها" وأي غرض للشارع في ذلك؟ وأي مصلحة للواقف أو الموقوف عليه؟ بل المصلحة خلاف ذلك؛ لأنه أخبَرُ بماله، وأقْوَمُ بعمارته ومصالحه وحفظه من الغريب الذي ليست خبرته وشفقته كخبرة صاحبه وشفقته، ويكفي في صحة الوقف إخراجه عن ملكه وثبوت نظره ويده عليه كثبوت نظر الأجنبي ويده، ولا سيما إن كان متبرعًا، فأي مصلحة في أن يقال له: "لا يصح وقفك حتى تجعله في يد مَنْ لست على ثقة من حفظه والقيام بمصالحه وإخراج نظرك عنه"؟ فإن قيل: إخراجه للَّه يقتضي رفع يده عنه بالكلية كالعتق. قيل: بالعتق خرج العبد [عن] (٢) أن يكون مالًا، وصار محرَّرًا (٣) محضًا، فلا تثبت عليه يد أحد. وأما الوقف فإنه لا بد من ثبوت اليد عليه لحفظه والقيام بمصالحه، وأحق ما يثبت عليه يدُ أشفَقِ الناس عليه وأقومهم بمصالحه، وثبوتُ يدهِ ونظره لا ينافي وقفه للَّه، [فإنه وَقَفه للَّه] (٤) وجعل نظره عليه ويده للَّه فكلاهما قربة وطاعة، فكيف يُحرم ثواب هذه القربة ويقال له: لا [يصح لك] (٥) قربة

стр. 2277

الوقف إلا بحرمان قربة النظر والقيام بمصالح الوقف؟ فأي نص وأي قياس. وأي مصلحة وأي غرض للشارع أوْجَبَ ذلك؟ بل أي صاحب قال ذلك؟ فإن احتاج الواقف إلى ذلك في موضع لا يُحْكم فيه إلا بقول مَنْ يبطل الوقف إذا لم يخرجه عن يده وإذا شرط النظر لنفسه، فالحيلة في ذلك أن يفوض النظر إلى مَنْ يثق به ويجعل إليه تفويض النظر لمن شاء، فيقبل الناظر ذلك، ويصح الوقف ويلزم، ثم يفوضه الناظر إليه؛ فإنه قد صار أجنبيًا بمنزلة سائر الناس، فهذه حيلة صحيحة يتوصل بها إلى حق، فهي (١) جائزة، وكذلك لو جعل النظر فيه للحاكم ثم فوَّضه الحاكم إليه، فإنْ خاف أن لا يفوضه الحاكم إليه فليملّكه لمن يثق به، ويقفه (٢) ذلك على ما يريد المملِّكُ، ويشترط أن يكون نظره له، وأن يكون تحت يده. [حيلة لتجويز وقف الإنسان على نفسه] المثال السابع (٣) والأربعون: إذا وقف على نفسه ثم على غيره صح في إحدى (٤) الروايتين عن الإمام أحمد (٥)، وهو قول أبي يوسف (٦)، [وعليه عمل الحنفية] (٧)، وقول (٨) بعض الشافعية، وممن اختاره أبو عبد اللَّه الزبيري (٩)، وعند الفقهاء الثلاثة (١٠) لا يصح.

стр. 2278

[قول المانعين من صحة الوقف على نفسه] والمانعون من صحته قالوا: يمتنع كون الإنسان معطيًا من نفسه لنفسه؛ ولهذا لا يصح أن يبيع نفسه ولا يهب نفسه ولا يؤجر ماله من نفسه، فكذا لا يصح وقفه على نفسه. [قول المجوزين لصحة وقف الإنسان على نفسه] قال المجوِّزون: الوقف شبيه العتق والتحرير من حيث إنه يمتنع نقل الملك في رقبته، ولهذا لا يفتقر إلى قبول إذا كان على غير معيَّن اتفاقًا، ولا إذا كان على معين على أحد القولين، وأشْبَهُ شيء به أم الولد. وإذا كان مثل التحرير لم يكن الواقف مملكًا لنفسه، بل يكون مخرجًا للملك عن نفسه، ومانعًا لها من التصرف في رقبته مع انتفاعه بالعين كام الولد. وهذا إذا قلنا بانتقال رقبة الوَقْف إلى اللَّه تعالى ظاهر؛ فإن الواقف أخرج رقبة الوقف للَّه وجعل نفسه أحق المستحقين (١) للمنفعة مدة حياته فإن لم يكن أولى من البطون المرتبة فلا يكون دون بعضهم، فهذا محض القياس. وإن قلنا: الوَقْفُ ينتقل إلى الموقوف عليهم بطنًا بعد بطن يتلقونه من الواقف، فالطبقةُ الأولى أحد الموقوف عليهم، ومعلوم أن أحد الشريكين إذا اشترى لنفسه أو باع من مال الشركة جاز على المختار لاختلاف حكم الملكين، فلأن (٢) يجوز أن ينقل ملكه المختص إلى طبقات موقوف عليها [هو أحدها] (٣) أولى؛ لأنه في كلا الموضعين نقل ملكه المختص إلى ملك مشترك اسه فيه نصيبٌ، بل في الشركة الملكُ الثاني من جنس الأول يملك به التصرف في الرقبة، وفي الوقف ليس من جنسه فيكون أولى بالجواز. يؤيده أنه لو وقف على جهة عامة جاز أن يكون كواحد من تلك الجهة، كما وقف عثمان بئر رُومَة (٤) وجعل دَلْوَه فيها كدِلاء المسلمين (٥)، وكما يصلي المرء

стр. 2279

في المسجد الذي وقفه، ويشرب من السِّقاية التي وقفها، ويُدفن في المقبرة التي سَبَّلها، ويمر (١) في الطريق التي فتحها، وينتفع بالكتاب الذي وقفه، ويجلس على البساط والحصير اللذين وقفهما، وأمثال ذلك، فإذا جاز للواقف أن يكون موقوفًا عليه في الجهة العامة جاز مثله في الجهة الخاصة؛ لاتفاقهما في المعنى، بل الجواز هنا أولى من حيث إنه موقوف عليه بالتعيين، وهناك دَخَلَ في الوقف بشمول الاسم له. وتقليد هذا القول خير [له] (٢) من الحيلة الباردة التي يملِّك الرجل فيها ماله لمن لا تطيب له نفسه أن يعطيه درهمًا ثم يقفه (٣) ذلك المملَّك على المملِّك؛ فإن هذه الحيلة تضمنت أمرين: أحدهما: لا حقيقة له، وهو انتقال الملك إلى المملِّك. والثاني: اشتراطه عليه أن يقف على هذا الوجه، أو إذنه له فيه (٤)، وهذا في المعنى توكيل [له] (٥) في الوقف، كما أن اشتراطه حَجْر عليه في التصرف بغير الوقف؛ فصار وجود هذا التمليك وعدمه سواء لم يملكه المملَّك ولا يمكنه [وجود] (٥) التصرف فيه، ولو مات قبل وقفه لم يحل لورثته أخذه، ولو أنه أخذه ولم يقفه على صاحبه ولم يرده إليه عُدَّ ظالمًا غاصبًا (٦)، ولو تصرف فيه صاحبه بعد هذا التمليك لكان تصرفه فيه نافذًا كنفوذه قبله، هذا فيما (٧) بينه وبين اللَّه

стр. 2280

تعالى، وكذلك في الحكم إن قامت بينة بأنهما تواطئَا على ذلك وأنه إنما وهبه إياه بشرط أن يقفه (١) عليه أو أقرَّ له بذلك. فإن قيل: فهل عندكم أحسن من هذه الحيلة؟ قيل: نعم، أن يقفه على الجهات التي يريد، ويستثني غلَّته ومنفعته لنفسه مدة حياته أو مدة معلومة، وهذا جائز بالسنة الصحيحة والقياس الصحيحَ، وهو مذهب فقهاء أهل الحديث؛ فإنهم يجوِّزون أن يبيع الرجل الشيء أو يهبه أو يعتق العبد ويستثني بعض منفعة ذلك مدة. ويجوزون أن يقف الشيء على غيره ويستثني بعض منفعته مدة معلومة أو إلى حين موته (٢). ويستدلون بحديث جابر (٣)، وبحديث عتقِ (٤) أمِ سلمة سفينةَ (٥)، وبحديث عتق صفيَّة (٦)، وبآثار صحاح كثيرة عن الصحابة ﵃ لم يُعلم فيهم مَنْ خالفها، ولهذا القول قوَّة في القياس. فإن قيل: فلو عدل إلى الحيلة الأولى فما حكمها في نفس الأمر؟ وما حكم الموقوف عليه إذا علم بالحال، هل يطيب له تناول الوقف أم لا؟ قيل: لا يمنع ذلك صحة الوقف ونفوذه، ويطيب للموقوف عليه تناولُ
следующие страницы →