← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

رضي اللَّه عنهم، والنبي ﷺ لما أشار على عمر بوقف أرضه (١) لم يقل له: "لا يصح ذلك حتى تخرجها عن يدك ولا تلي نظرها" وأي غرض للشارع في ذلك؟ وأي مصلحة للواقف أو الموقوف عليه؟ بل المصلحة خلاف ذلك؛ لأنه أخبَرُ بماله، وأقْوَمُ بعمارته ومصالحه وحفظه من الغريب الذي ليست خبرته وشفقته كخبرة صاحبه وشفقته، ويكفي في صحة الوقف إخراجه عن ملكه وثبوت نظره ويده عليه كثبوت نظر الأجنبي ويده، ولا سيما إن كان متبرعًا، فأي مصلحة في أن يقال له: "لا يصح وقفك حتى تجعله في يد مَنْ لست على ثقة من حفظه والقيام بمصالحه وإخراج نظرك عنه"؟ فإن قيل: إخراجه للَّه يقتضي رفع يده عنه بالكلية كالعتق. قيل: بالعتق خرج العبد [عن] (٢) أن يكون مالًا، وصار محرَّرًا (٣) محضًا، فلا تثبت عليه يد أحد. وأما الوقف فإنه لا بد من ثبوت اليد عليه لحفظه والقيام بمصالحه، وأحق ما يثبت عليه يدُ أشفَقِ الناس عليه وأقومهم بمصالحه، وثبوتُ يدهِ ونظره لا ينافي وقفه للَّه، [فإنه وَقَفه للَّه] (٤) وجعل نظره عليه ويده للَّه فكلاهما قربة وطاعة، فكيف يُحرم ثواب هذه القربة ويقال له: لا [يصح لك] (٥) قربة

стр. 2277

الوقف إلا بحرمان قربة النظر والقيام بمصالح الوقف؟ فأي نص وأي قياس. وأي مصلحة وأي غرض للشارع أوْجَبَ ذلك؟ بل أي صاحب قال ذلك؟ فإن احتاج الواقف إلى ذلك في موضع لا يُحْكم فيه إلا بقول مَنْ يبطل الوقف إذا لم يخرجه عن يده وإذا شرط النظر لنفسه، فالحيلة في ذلك أن يفوض النظر إلى مَنْ يثق به ويجعل إليه تفويض النظر لمن شاء، فيقبل الناظر ذلك، ويصح الوقف ويلزم، ثم يفوضه الناظر إليه؛ فإنه قد صار أجنبيًا بمنزلة سائر الناس، فهذه حيلة صحيحة يتوصل بها إلى حق، فهي (١) جائزة، وكذلك لو جعل النظر فيه للحاكم ثم فوَّضه الحاكم إليه، فإنْ خاف أن لا يفوضه الحاكم إليه فليملّكه لمن يثق به، ويقفه (٢) ذلك على ما يريد المملِّكُ، ويشترط أن يكون نظره له، وأن يكون تحت يده. [حيلة لتجويز وقف الإنسان على نفسه] المثال السابع (٣) والأربعون: إذا وقف على نفسه ثم على غيره صح في إحدى (٤) الروايتين عن الإمام أحمد (٥)، وهو قول أبي يوسف (٦)، [وعليه عمل الحنفية] (٧)، وقول (٨) بعض الشافعية، وممن اختاره أبو عبد اللَّه الزبيري (٩)، وعند الفقهاء الثلاثة (١٠) لا يصح.

стр. 2278

[قول المانعين من صحة الوقف على نفسه] والمانعون من صحته قالوا: يمتنع كون الإنسان معطيًا من نفسه لنفسه؛ ولهذا لا يصح أن يبيع نفسه ولا يهب نفسه ولا يؤجر ماله من نفسه، فكذا لا يصح وقفه على نفسه. [قول المجوزين لصحة وقف الإنسان على نفسه] قال المجوِّزون: الوقف شبيه العتق والتحرير من حيث إنه يمتنع نقل الملك في رقبته، ولهذا لا يفتقر إلى قبول إذا كان على غير معيَّن اتفاقًا، ولا إذا كان على معين على أحد القولين، وأشْبَهُ شيء به أم الولد. وإذا كان مثل التحرير لم يكن الواقف مملكًا لنفسه، بل يكون مخرجًا للملك عن نفسه، ومانعًا لها من التصرف في رقبته مع انتفاعه بالعين كام الولد. وهذا إذا قلنا بانتقال رقبة الوَقْف إلى اللَّه تعالى ظاهر؛ فإن الواقف أخرج رقبة الوقف للَّه وجعل نفسه أحق المستحقين (١) للمنفعة مدة حياته فإن لم يكن أولى من البطون المرتبة فلا يكون دون بعضهم، فهذا محض القياس. وإن قلنا: الوَقْفُ ينتقل إلى الموقوف عليهم بطنًا بعد بطن يتلقونه من الواقف، فالطبقةُ الأولى أحد الموقوف عليهم، ومعلوم أن أحد الشريكين إذا اشترى لنفسه أو باع من مال الشركة جاز على المختار لاختلاف حكم الملكين، فلأن (٢) يجوز أن ينقل ملكه المختص إلى طبقات موقوف عليها [هو أحدها] (٣) أولى؛ لأنه في كلا الموضعين نقل ملكه المختص إلى ملك مشترك اسه فيه نصيبٌ، بل في الشركة الملكُ الثاني من جنس الأول يملك به التصرف في الرقبة، وفي الوقف ليس من جنسه فيكون أولى بالجواز. يؤيده أنه لو وقف على جهة عامة جاز أن يكون كواحد من تلك الجهة، كما وقف عثمان بئر رُومَة (٤) وجعل دَلْوَه فيها كدِلاء المسلمين (٥)، وكما يصلي المرء

стр. 2279

في المسجد الذي وقفه، ويشرب من السِّقاية التي وقفها، ويُدفن في المقبرة التي سَبَّلها، ويمر (١) في الطريق التي فتحها، وينتفع بالكتاب الذي وقفه، ويجلس على البساط والحصير اللذين وقفهما، وأمثال ذلك، فإذا جاز للواقف أن يكون موقوفًا عليه في الجهة العامة جاز مثله في الجهة الخاصة؛ لاتفاقهما في المعنى، بل الجواز هنا أولى من حيث إنه موقوف عليه بالتعيين، وهناك دَخَلَ في الوقف بشمول الاسم له. وتقليد هذا القول خير [له] (٢) من الحيلة الباردة التي يملِّك الرجل فيها ماله لمن لا تطيب له نفسه أن يعطيه درهمًا ثم يقفه (٣) ذلك المملَّك على المملِّك؛ فإن هذه الحيلة تضمنت أمرين: أحدهما: لا حقيقة له، وهو انتقال الملك إلى المملِّك. والثاني: اشتراطه عليه أن يقف على هذا الوجه، أو إذنه له فيه (٤)، وهذا في المعنى توكيل [له] (٥) في الوقف، كما أن اشتراطه حَجْر عليه في التصرف بغير الوقف؛ فصار وجود هذا التمليك وعدمه سواء لم يملكه المملَّك ولا يمكنه [وجود] (٥) التصرف فيه، ولو مات قبل وقفه لم يحل لورثته أخذه، ولو أنه أخذه ولم يقفه على صاحبه ولم يرده إليه عُدَّ ظالمًا غاصبًا (٦)، ولو تصرف فيه صاحبه بعد هذا التمليك لكان تصرفه فيه نافذًا كنفوذه قبله، هذا فيما (٧) بينه وبين اللَّه

стр. 2280

تعالى، وكذلك في الحكم إن قامت بينة بأنهما تواطئَا على ذلك وأنه إنما وهبه إياه بشرط أن يقفه (١) عليه أو أقرَّ له بذلك. فإن قيل: فهل عندكم أحسن من هذه الحيلة؟ قيل: نعم، أن يقفه على الجهات التي يريد، ويستثني غلَّته ومنفعته لنفسه مدة حياته أو مدة معلومة، وهذا جائز بالسنة الصحيحة والقياس الصحيحَ، وهو مذهب فقهاء أهل الحديث؛ فإنهم يجوِّزون أن يبيع الرجل الشيء أو يهبه أو يعتق العبد ويستثني بعض منفعة ذلك مدة. ويجوزون أن يقف الشيء على غيره ويستثني بعض منفعته مدة معلومة أو إلى حين موته (٢). ويستدلون بحديث جابر (٣)، وبحديث عتقِ (٤) أمِ سلمة سفينةَ (٥)، وبحديث عتق صفيَّة (٦)، وبآثار صحاح كثيرة عن الصحابة ﵃ لم يُعلم فيهم مَنْ خالفها، ولهذا القول قوَّة في القياس. فإن قيل: فلو عدل إلى الحيلة الأولى فما حكمها في نفس الأمر؟ وما حكم الموقوف عليه إذا علم بالحال، هل يطيب له تناول الوقف أم لا؟ قيل: لا يمنع ذلك صحة الوقف ونفوذه، ويطيب للموقوف عليه تناولُ

стр. 2281

الوقف؛ فإن المقصود مقصود صحيح شرعي وإن كانت الطريق إليه غير مشروعة وهذا كما إذا أعتق العبد أو طلق المرأة وجَحَد ذلك فأقام العبد أو المرأة شاهدين لم يعلما ذلك فشهدا به وسعَ العبد أن يتصرف لنفسه والمرأة أن تتزوج. وفِقْهُ المسألة: أن هذا الإذن والتوكيل في الوقف وإن حصل في ضمن عقد فاسد فإنه لا يفسد بفساد العقد، كما لو فسدت الشركة أو المضاربة لم يفسد تصرف الشريك والعامل لما تضمنه العقد الفاسد من الإذن، بل هذا أولى من وجهين: أحدهما: أن الاتفاق يلزمهما قبل التمليك إذنٌ صحيح ووكالة صحيحة في الباطن لم يرد بعدها ما ينافيها. وأيضًا [فإنما بطل] (١) عقد الهبة لكونه شَرَط على الموهوب له أن لا يتصرف فيه إلا بالوقف على الواهب، ومعلوم أن التصرف في العين لا يتوقف على الملك بل يصح بالوكالة (٢) وبطريق الولاية؛ فلا يلزم من إبطال الملك بطلان الإذن الذي تضمنه الشرط لأن الإذن مستند (٣) غير الملك. فإن قيل: فإذا (٤) بطل الملك ينبغي أن يبطل التصرف الذي هو من توابعه. قيل: لا يلزم ذلك؛ لأن التصرف في مثل هذه الصورة ليس من توابع الملك الحقيقي، وإنما هو من توابع (٥) الإذن والتوكيل. يوضِّحه أن هذه الحيل التي لا حقيقة لها يجب أن تسلب الأسماء التي أعيرتها وتُعطى الأسماء الحقيقية، كما سُلب منها ما يسمَّى بيعًا ونكاحًا وهدية هذه الأسماء وأعطي اسم الربا (٦) والسفاح والرشوة؛ فكذلك هذه الهبة تسلب اسم الهبة وتسمَّى إذنًا وتوكيلًا، ولا سيما فإن صحة الوكالة لا تتوقف على لفظ مخصوص، بل تصح بكل لفظ يدل على الوكالة؛ فهذه الحيلة في الحقيقة توكيل للغير أن يوقف (٧) على الموكل، فمن اعتقد صحة وقف الإنسان (٨) على نفسه

стр. 2282

اعتقد جواز هذا الوقف، ومن اعتقد بطلانه وبطلان الحيل المُفْضِية إلى الباطل فإنه عنده يكون منقطع الابتداء، وفيه من الخلاف ما هو مشهور، فَمَنْ أبطله رأى أن الطبقة الثانية ومَنْ بعدها تبع للأولى (١)، فإذا لم يصح في المتبوع ففي التابع أولى أن لا يصح، ولأن الواقف لم يَرْضَ أن تصير الثانية (٢) إلا بعد الأولى، فلا يجوز أن يُلزم بما لم يَرضَ به، إذ لا بد في صحَّة التصرف من رضا المتصرف ومُوَافقة الشرع؛ فعلى هذا هو باقٍ على ملك الواقف، فإذا مات فهل يصح الوقف حينئذ؟ يحتمل وجهين، ويكون مأخذهما [أن] (٣) ذلك كما لو قال: "هو وقف بعد موتي" فيصح، أو أنه وقْفٌ معلّق على شرط، وفيه وجهان: فإن قيل بصحته كان من الثُلثِ وفي الزائد يقف على إجازة الورثة، وإن قيل ببطلانه كان ميراثًا، ومَنْ رأى صحته قال: قد أمكن تصحيح تصرف العاقل الرشيد بأن يصحح الوقف ويصرفه في الحال إلى جهته (٤) التي يصح الوقف عليها، وتلغى الجهة التي لا يصح فتجعل كالمعدومة. وقيل على هذا القول: بل تصرف مصرفَ الوقفِ المنقطع، فإذا مات الواقف صرف مصرف الجهة الصحيحة. فإن قيل: فما تقولون لو سلك حيلة غير هذا كله، وأسهل منه وأقرب؟ وهي أن يقرَّ أن ما في يده من العقار وقف عليه انتقل إليه من جائز الملك جائز الوقف، ثم بعده على كذا وكذا، فما حكم هذه الحيلة في الباطن وحكم مَنْ علم بها من الموقوف عليهم؟ قيل: هذه الحيلة إنما قَصَدَ المتكلم بها إنشاءَ الوقف، وإن أظهر أنه قصد بها الإخبار، فهي إنشاءٌ في الباطن إخبارٌ في الظاهر، فهي كمن أقر بطلاق أو عتاق ينوي به الإنشاء، والوقف ينعقد بالصريح وبالكناية مع النية [وبالفعل مع النية] (٥) عند الأكثرين، وإذا كان مقصودُه الوقف على نفسه وتكلم بقوله: "هذا وقف عليّ" وميّزه بفعله عن ملكه صار وقفًا، فإن الإقرار يصح أن يكون كنايةً عن الإنشاء مع النية، فإذا قصده به صح كما أن لفظ الإنشاء يجوز أن يقصد به الإخبار، وإذا أراد به الإخبار دُيِّنَ، فكل من الأمرين صالح لاستعماله في الآخر، فقد يقصد بالإقرار الإخبار عما مضى، وقد يقصد به الإنشاء، وإنما ذكر بصيغة الإخبار لغرض من الأغراض.

стр. 2283

[صيغ العقود إنشاءات وإخبارات] يوضح ذلك أن صيغ العقود قد قيل هي إنشاءاتٌ وقيل إخباراتٌ؛ والتحقيق أنها متضمنة للأمرين؛ فهي إخبار عن المعاني التي في القلب، وقصد تلك المعاني إنشاء؛ فاللفظ خبر والمعنى إنشاء (١)، فإذا أخبر أن هذا وقف عليه وهو يعلم أن غيره لم يقفه (٢) عليه وإنما مقصوده أن يصير وقفًا بهذا الإخبار فقد اجتمع لفظ الإخبار وإرادة الإنشاء، فلو كان أخبر عن هذه الإرادة لم يكن هناك ريب أنه أنشأ الوقف، لكن لما كان لفظه إخبارًا عن غير ما عَنَاه، والذي عَنَاه لم ينشئ له لفظًا صارت المسألة محتملة، ونشات الشبهة؛ ولكن هذه النية مع هذا اللفظ الصالح [يقوم مقام التكلم باللفظ الذي ينشأ به الوقف] (٣)، للكناية مع الفعل الدال على الوقف واللَّه أعلم. [بيع الشيء مع استثناء منفعته مدة] المثال الثامن (٤) والأربعون: لو باع غيره دارًا أو عبدًا أو سلعة؛ واستثنى منفعة المبيع مدة معلومة جاز كما دلّتْ عليه النصوصُ والآثار والمصلحة والقياس الصحيح؛ فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلان هذا الشرط فيبطله عليه، فالحيلة في تخليصه (٥) من ذلك أن يُوَاطئه قبل البيع على أن يؤجره إياه تلك المدة بمبلغ معين، ويقر بقبض الأجرة، ثم يبيعه إياه، ثم يستأجره كما اتفقا عليه، ويقر له بقبض الأجرة، وهذه حيلة صحيحة جائزة لا تتضمن تحليل حرام ولا تحريم حلال. [حيلة في إسقاط نفقة المطلقة البائنة] المثال التاسع (٦) والأربعون: المطلقة البائنة لا نَفَقَةَ لها ولا سكنى بسنة رسول اللَّه ﷺ الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها (٧)، بل هي موافقة

стр. 2284

لكتاب اللَّه، وهي مقتضى القياس، وهي مذهب فقهاء أهل الحديث (١)، فإن خاف المطلِّق أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوب النفقة والسكنى أو السكنى وحدها فالحيلة في تخليصه أن يعلق طلاقَهَا على البراءة الصحيحة من ذلك، فيقول: إن صحت براءتك لي من النفقة والسكنى أو من دعوى ذلك فأنت طالق، فلا يمكنها بعد ذلك أن تدعي بهما البتة. وله حيلة أخرى وهي أن يخالعها على نظير ما يعلم أنه يُفْرَضُ عليه للنفقة والسكنى أو أكثر منه، فإذا ادعت بذلك وفَرَضَه عليه الحاكم صار لها عليه مثل الذي له عليها، فإما أن يأخذ منها ويعطيها وإما أن يتقاصَّا. [حيلة في الشراء] المثال الخمسون (٢): إذا اشترى سلعة من رجل غريب فخاف أن تستحق أو تظهر معيبة ولا يعرفه فالحيلة أن يقيم له وكيلًا يخاصمه إن ظهر ذلك، فإن خاف أن يعزل البائع الوكيل فالحيلة أن يشتريها من الوكيل نفسه ويضمنه درك المبيع. [حيلة في الوكالة والوديعة] المثال الحادي والخمسون (٣): إذا دفع إليه مالًا يشتري به متاعًا من [بلد] (٤) غير بلده فاشتراه وأراد تسليمه إليه وإقامته في تلك البلدة فإن أوْدَعه غيره ضمن لأنه لم يأذن له ربُّه، وإن وكل غيره في دفعه إليه ضمن أيضًا، وإن استأجر من يوصله إليه ضمن؛ لأنه لم [يكن يأمن] (٥) غيره عليه، فالحيلة في إيصاله إلى ربه أن يشهد عليه قبل الشراء أو بعده أن يعمل في المال برأيه، وأن يوكِّل فيه أو أن يودع (٦) إذا رأى المصلحة في ذلك كله، فإن أبى ذلك الموكل وقال: "لا يوافيني به غيرُك" فقد ضاقت عليه الحيلة، فليخرج نفسه من الوكالة، فتصير يده يد مودع، فلا يلزمه مؤنة رد الوديعة، بل مؤنة ردها على صاحبها، فإن أحب أخذ ماله أرسل مَنْ يأخذه أو جاء هو في طلبه.

стр. 2285

فإن قيل: فلو لم يعزل نفسه كان (١) مؤنة الرد عليه؟ قيل: لما دخل معه في عقد الوكالة فقد التزم [له أن يسلم إليه المال، فيلزمه ما التزم] (٢) به، فإذا أخرج نفسه من الوكالة بقي كالمودع المحض، فإن كان وكيلًا بجُعْل فهو كالأجير فمؤنة الرد عليه، ولا يملك إخراج نفسه من الوكالة قبل توفية العمل كالأجير (٣). [إسلام ذمي وعنده خمر] المثال الثاني والخمسون (٤): إذا أراد الذمي أن يسلم وعنده خمر، فخاف إن أسلم يجب عليه إراقتها ولا يجوز له بيعها، فالحيلة أن يبيعها من ذمي آخر بثمن معين أو في ذمته، ثم يسلم، ويتقاضاه الثمن، ولا حَرَج عليه في ذلك؛ فإن تحريمها عليه بالإسلام كتحريمها بالكتاب بعد أن لم تكن حرامًا، وفي الحديث: "إن اللَّه تعالى يُعَرِّضُ بالخمر، فمن كان عنده منها شيء فليَبِعْهُ" (٥). فإن قيل: فلو أسلم من اشتراها ولم يؤدِّ ثمنها هل يسقط عنه؟ قيل: لا يسقط، لثبوته في ذمته قبل الإسلام. فإن قيل: فلو أسلم إليه في خمر ثم أسْلَمَا أو أحدهما. قيل: ينفسخ العقد، ويرد إليه رأس ماله. فإن قيل: فلو أراد أن يشتري [منه] (٦) خمرًا ثم عزم على الإسلام، وخاف أن يلزمه بثمنها، فهل له حيلة في التخلص من ذلك؟ قيل: الحيلة أن لا يملكها بالشراء، بل بالقَرْض، فإذا اقترضها منه ثم [أسلما أو أحدهما] (٧) لم يجب عليه رد بدل القرض، فإن موجَبَ القرضِ [ردُّ] (٨) المثل، وقد تعذَّر بالإسلام.

стр. 2286

[حيل في الشفعة] المثال الثالث (١) والخمسون: إذا اشترى دارًا أو أرضًا وقد وقعت الحدود وصُرِفَتِ الطرق بينه (٢) وبين جاره فلا شفعةَ فيها، وإن كانت الحدود لم تقع ولم تصرف الطرق بل طريقهما (٣) واحدة ففيها (٤) الشفعة، هذا أصح الأقوال في شفعة الجوار، وهو (٥) مذهب أهل البصرة، وأحَدُ الوجهين في مذهب الإمام أحمد (٦)، واختاره شيخ الإسلام (٧) وغيره، فإن خاف المشتري أن يرفعه الجار إلى حاكم يرى الشفعة وإن صرفت الطرق فله التحيّل على إبطالها بضروب من الحيل: أحدها: أن يشتريها منه بألف دينار ويكاتبه على ذلك، ثم يعطيه عِوَضَ كل دينار درهمين أو نحو ذلك (٨). وثانيها: أن يهب (٩) منه الدار والأرض (١٠) ثم يهبه ثمنها. وثالثها: أن يقول المشتري للشفيع: إن شئت بعتكها بما اشتريتها به أو أقل (١١) من ذلك أو أَصْبر عليك بالثمن، فيجيبه إلى ذلك فتسقط شفعته. ورابعها: أن يتصادق البائع والمشتري على شرط أو صفة تفسد البيع كأجلٍ مجهول أو خيار مجهول أو إكراه أو تَلْجئه ونحو ذلك، ثم يقرّها البائع في يد المشتري، ولا يكون للشفيع سبيل عليها. وخامسها: أن يشترط الخيار مدة طويلة، فإن صح لم يكن له أن يأخذ قبل انقضائه، وإن بطل لم يكن له أن يأخذ ببيع فاسد. وسادسها: أن يهب له تسعة أعشار الدار أو الأرض، ويبيعه العشر الباقي بجميع الثمن.

стр. 2287

وسابعها: أن يوكِّل الشفيع في بيع داره أو أرضه، فيقبل الوكالة [فيبيع] (١)، أو يوكله المشتري في الشراء له. وثامنها: أن يَزِنَ له الثمن الذي اتفقا عليه سرًا ثم يجعله صُبْرة غير معلومة ويبيعه الدار بها. وتاسعها: أن يقر البائع بسهم من ألف سهم للمشتري فيصير شريكه، ثم يبيعه باقي الدار، فلا يجد جاره إليها سبيلًا؛ لأن حق الشريك مقدَّم على حق الجار. وعاشرها: أن يتصدق عليه ببيت من الدار، ثم يبيعه باقيها بجميع الثمن، فيصير شريكًا، فلا شفعة لجاره. وحادي عشرها: أن يأمر غريبًا أو مسافرًا بشرائها، فإذا فعل دفعها إليه ثم وكله بحفظها، ثم يُشْهد (٢) على الدفع إليه وتوكيله حتى لا يخاصمه الشفيع. وثاني عشرها: أن يجيء المشتري إلى الجار قبل البيع فيشتري منه داره ويرغبه في الثمن أضعاف ما تساوي، ويشترط الخيار لنفسه ثلاثة أيام، ثم في مدة الخيار يمضي ويشتري تلك الدار التي يريد شراءها، فإذا تم العقد بينهما فسخ البيع الأول، ولا يستحق جاره عليه شفعة؛ لأنه حين البيع لم يكن جارًا، وإنما طرأ له الجوار بعد البيع. وثالث عشرها: أن يؤجر المشتري لبائع الدار عَبْدَه أو ثوبه شهرًا بسهم من الدار، فيصير شريكه، ثم بعد يومين أو ثلاثة يشتري منه بقيتها، فلا يكون لجاره عليه سبيل. ورابع عشرها: أن يشتريها بثمن مؤجل أضعاف ما تساوي، فإن الجار لا يأخذها بذلك الثمن، فإذا رغب عنها صالحه من ذلك الثمن على ما يساويه حالًا من غير جنسه (٣). [اعتراض وردّه] فإن قيل: فأنتم قد بالغتم في الإنكار على من احتال ببعض هذه الوجوه على

стр. 2288

إسقاط الشفعة، وذكرتم تلك الآثار، فنكيل لكم بالكيل الذي كلتم به لنا. قلنا: لا سواء (١) نحن وأنتم في ذلك، فإنا ذكرنا هذه الوجوه تحيلًا على إبطال ما أبطله رسول اللَّه ﷺ بقوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" (٢) فلما أبطل الشفعة تحيلنا على تنفيذ حكمه وأمره بكل طريق فكنا في هذه الحيل منفذين لأمره، وأما أنتم فأبطلتم بها ما أثبته بحكمه وقضائه بالشفعة فيما لم يقسم [للبيع] (٣)، وأنه لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه (٤)، فإذا حرم عليه البيع قبل استئذانه فما الظن بالتحيل على إسقاط شفعته؟ فتوصلتم أنتم بهذه الحيل إلى إسقاط ما أثبته، وتوصلنا نحن بها إلى إسقاط ما أسقطه وأبطله، فأي الفريقين أحق بالصواب، وأتْبَعُ لمقصود الرسول ﷺ ؟ واللَّه المستعان. [صحة تعليق الوكالة والولاية بالشرط] المثال الرابع (٥) والخمسون: يصح تعليق الوكالة بالشرط، كما يصح تعليق الولاية بالشرط، كما صحت به السنة، بل تعليق الوكالة أولى بالجواز (٦)؛ فإن الولي وكيل وكالة عامة، فإنه إنما يتصرف نيابة عن المولى، فوكالته أعم من وكالة الوكيل في الشيء المعين، فإذا صح تعليقها فتعليق الوكالة الخاصة أولى بالصحة، وقال الشافعي ﵀ (٧): لا تصح؛ فإذا دعت الحاجة إلى ذلك فالحيلة في جوازه أن يوكله مطلقًا ثم يعلق التصرف على شرط فيصح، ولا يظهر فرق فقهي بين امتناع هذا وجواز هذا، والمقصود من التوكيل التصرف، والتوكيل وسيلة إليه، فإذا صح تعليق الغاية فتعليق الوسيلة أولى بالصحة. [حيلة لإبطال الشهادة على الزنى] المثال الخامس (٨) والخمسون: إذا رفع إلى الإمام وادعى عليه أنه زنى، فخاف إن أنكر أن تقوم عليه البينة فيحد؛ فالحيلة في إبطال شهادتهم أن يقر إذا سُئل مرة واحدة، ولا يزيد عليها؛ فلا تسمع البينة مع الإقرار، وليس للحاكم ولا

стр. 2289

للإمام أن يقرره تمام النصاب، بل إذا سكت لم يتعرض له (١)؛ فإن كان الإمام ممن يَرَى وجوب الحد بالمرة الواحدة؛ فالحيلة أن يرجع عن إقراره فيسقط عنه الحد؛ فإذا خاف من إقامة البينة عليه أقر أيضًا ثم رجع، وهكذا أبدًا، وهذه الحيلة جائزة؛ فإنه يجوز له دَفْعُ الحد عن نفسه، وأن يُخْلِد إلى التوبة، كما قال النبي ﷺ للصحابة لما فَرَّ ماعز من الحد: "هَلَّا تركتموه يتوب فيتوب اللَّه عليه" (٢) فإذا فر من الحد إلى التوبة فقد أحسن (٣). [حيلة في الخلاص من الحنث بيمين] المثال السادس (٤) والخمسون: إذا حَلَفَ لغادر أو جاسوس أو سارق أن لا يخبر به أحدًا، ولا يدل عليه، فأراد التخلص من هذه اليمين وأن لا يخفيه، فالحيلة أن يسأل عن أقوام هو من جملتهم؛ فإذا سُئل عن غيره قال: لا، فإذا انتهت النوبة إليه سكت؛ فإنه لا يحنث ولا يأثم بالسَّتْر عليه وإيوائه، وسئل أبو حنيفة ﵀ عن هذه المسألة بعينها، قال له السائل: نزل بي اللصوص؛ فأخذوا مالي واستحلفوني (٥) بالطلاق ألا أخبر أحدًا بهم، فخرجت فرأيتهم يبيعون مَتَاعي في السوق جَهْرة، فقال له: اذهب إلى الوالي فقل له يجمع أهل المحلة أو السكة الذين هم فيهم ثم يحضرهم ثم يسألك عنهم واحدًا واحدًا؛ فإذا سالك عمن ليس منهم، فقل: ليس منهم، وإذا سألت عمن هو منهم فاسكت؛ ففعل الرجل، فأخذ الوالي متاعه منهم، وسلمه إليه (٦). فلو عملت هذه الحيلة مع مظلوم لم تنفع، وحنث الحالف؛ فإن المقصود الدفع عنه، وبالسكوت قد أعان عليه، ولم يدفع عنه. [حيلة لأبي حنيفة في الطلاق] المثال السابع (٧) والخمسون: ما سئل عنه أبو حنيفة ﵀ عن امرأة قال لها زوجها: أنت طالق إذا (٨) سألتيني الخلع إن لم أخلعك؛ وقالت المرأة: كل

стр. 2290

مملوك لي حر إن لم أسألك الخلع اليوم، فجاء الزوج إلى أبي حنيفة ﵀ فقال: أحضر المرأة؛ فأحضرها، فقال لها أبو حنيفة: سليه الخلع، فقالت: سألتك أن تخلعني (١)، فقال له [أبو حنيفة] (٢): قل لها قد خلعتك على ألف درهم تعطينيها، فقال لها ذلك، فقال لها قولي: لا أقبل، فقالت [: لا أقبل] (٣)، فقال [لها] (٤): قومي مع زوجك فقد بَرَّ كل واحد منكما ولم يحنث في شيء، ذكرها محمد بن الحسن في كتاب "الحيل" (٥) له، وإنما تتم هذه الحيلة على الوجه الذي ذكره، فلو قالت له: "أسألك الخلع على ألف درهم حالة، أو إلى شهر" فقال: "قد خلعتك على ذلك" وقع الخلع؛ بخلاف ما إذا قالت له: "أخلعني" قال: "خلعتك على ألف" فإن هذا لا يكون خلعًا حتى تقبل وترضى، وهي لم ترض بالألف؛ فلا يقع الخلع. فإن قيل: فكيف يبرأ إذا لم (٦) يقع الخلع؟ قيل: هو إنما حلف على فعله لا على قبولها، فإذا قال: "قد خلعتك على ألفٍ" فقد وجد الخلع من جهته، فانحلت يمينه، ولم يقف حل اليمين على قبولها، كما إذا حلف لا يبيع، فباع، ولم يقبل المشتري، ولا نية له (٧)؛ فإنه يحنث. [حيلة لأخوين زفت زوجة كل منهما إلى الآخر] المثال الثامن (٨) والخمسون: ما ذكره محمد (٩) في كتابه (١٠) أيضًا عنه [أنه] (١١) أتاه أخَوَان قد تزوجا بأختين؛ فزفت كل امرأة منهما إلى زوج أختها؛ فدخل بها ولم يعلم، ثم على الحال لما أصبحا؛ فذكرا له ذلك، وسألاه

стр. 2291

المخرج، فقال لهما: كل منكما راضٍ بالتي دخل بها؟ فقالا: نعم، فقال: ليطلق كل منكما امرأته التي عَقَدَ عليها تطليقة؛ ففعلا، فقال: ليعقد كل منكما على المرأة التي دخل بها، ففعلا، فقال: ليمض كل منكما إلى أهله، وهذه الحيلة في غاية اللطف؛ فإن المرأة التي دخل بها كل منهما قد وَطِئها بشبهة؛ فله أن ينكحها في عدَّتها؛ فإنه لا يصان ماؤها (١) عن مائه، وأمره أن يطلق واحدة فإنه لم يدخل بالتي طلقها فالواحدة تُبينها، ولا عدة عليها منه، فللآخر أن يتزوجها (٢). [حيلة للمرأة تريد الخلاص من زوج لا ترضى به] المثال التاسع (٣) والخمسون: إذا تزوجت المرأة وخافت (٤) أن يسافر عنها الزوج ويَدَعها أو يسافر بها ولا تريد الخروج من دارها أو أن يتزوج عليها أو يتسرَّى أو يشرب المسكر أو يضربها من غير جُرْم أو يتبين (٥) فقيرًا وقد ظنته غنيًا أو مَعيبًا وقد ظنته سليمًا أو أميًا وقد ظنته قارئًا أو جاهلًا وقد ظنته عالمًا أو نحو (٦) ذلك، فلا (٧) يمكنها التخلص، فالحيلة لها في ذلك كله أن تشترط عليه أنه متى وُجِدَ (٨) شيء من ذلك فأمرها بيدها، إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته، وتشهد عليه بذلك، فإن خافت أن [لا] (٩) تشترط ذلك بعد لزوم العقد فلا يمكنها إلزامه بالشرط فلا تأذن لوليها أن يزوجها منه إلا على هذا الشرط، فيقول: زوجتكها (١٠) على أن أمرها بيدها إن كان الأمرُ كيت وكيت؛ فمتى كان الأمر كذلك ملكت تطليق نفسها، ولا بأس بهذه الحيلة؛ فإن المرأة تتخلص بها من نكاح مَنْ لم ترض بنكاحه، وتستغني بها عن رفع أمرها إلى الحاكم ليفسخ [نكاحها] (١١) بالغيبة والإعسار [وغيرهما واللَّه أعلم] (١٢). [عن صحة ضمان ما لا يجب ضمانه] المثال الستون (١٣): يصح ضمان ما لا يجب كقوله: "ما أعطيتَ لفلان فهو

стр. 2292

عليَّ" عند الأكثرين، كما دل عليه القرآن في قول مؤذن يوسف: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] والمصلحة تقتضي ذلك، بل قد تدعو إليه الحاجة أو الضرورة (١)، وعند الشافعي لا يجوز (٢)، وسلم جوازه إذا تبين سبب وجوبه كدرك المبيع. والحيلة في جوازه على هذا القول أنه إذا رضي بأن يلتزم عنه مقدارًا له لم يجب عليه بعد أن يقر المضمون عنه به للدافع ثم يضمنه عنه الضامن، فإن خشي المقر أن يطالبه المقر له بذلك ولا يدفعه إليه فالحيلة أن يقول: هو عليَّ من ثمن مبيع لم أقبضه، فإن تحرج من الإخبار بالكذب فالحيلة أن يبيعه ما يريد أخذه منه بالمبلغ الذي التزم الضامن أداءه، فإذا صار في ذمته ضمنه عنه، وهذا الحكم إذا زوج ابنه أو عبده أو أجيره وضمن للمرأة نفقتها وكسوتها فالصحيحُ في هذا كله جواز الضمان، والحاجة تدعو إليه، ولا محذور فيه، وليس بعقد معاوضة فتؤثر فيه الجهالة، وعقود الالتزام لا تؤثر فيها الجهالة كالنذر، ثم يمكن رفع الجهالة بأن يحد له حدًا فيقول: من درهم إلى كذا وكذا (٣). فإن قيل: ما بين الدرهم والغاية مجهول لا يدري كم يلزمه منه! قيل: لا يقدح ذلك في جواز الالتزام؛ لأنه يتبين في الآخر (٤) كم هو الواجب منه، [ثم] (٥) لو أقر بذلك فقال: "له علي ما بين درهم إلى ألف" صح؛ فهكذا إذا قال: "ضمنت عنه ما بين درهم إلى ألف". فإن قيل: الضامن فرع على المضمون عنه، فإذا كان الأصل لم يثبت في ذمته شيء فعلى أي شيء ينبني الضمان ويتفرع؟ قيل: إنما يصير ضامنًا إذا ثبت في ذمة المضمون عنه، وإلا في الحال فليس هو ضامنًا. وإن صح أن يقال: "هو ضامن بالقوة" ففي الحقيقة هو ضمان مُعَلق على شرط، وذلك جائز، واللَّه أعلم.

стр. 2293

[حيلة في الخلاص مما سبق به اللسان] المثال الحادي (١) والستون: إذا سبق لسانُه بما يؤاخذ به في الظاهر ولم يرد معناه، أو أراده ثم رجع عنه وتاب منه، أو خاف أن يشهد عليه به شهود زور ولم يتكلم به، فرفع إلى الحاكم وادعى عليه به، فإن أنكر شهدوا عليه. وإن أقرَّ حكم عليه، ولا سيما إن كان لا يرى قبول التوبة من ذلك، فالحيلة في الخلاص أن لا يقر به ولا ينكر، فيشهد عليه الشهود، بل يكفيه في الجواب أن يقول: "إن كنت قلته فقد رجعت عنه، وأنا تائب إلى اللَّه منه" وليس للحاكم بعد ذلك أن يقول: لا أكتفي منك بهذا الجواب، بل لا بد من الإقرار أو الإنكار، فإن هذا جواب كافٍ في مثل هذه الدعوى، وتكليفه بعد ذلك [خطة الخسف] (٢) بالإقرار -وقد يكون كاذبًا فيه، أو الإنكار وقد تاب منه بينه وبين اللَّه تعالى، فيشهد عليه الشهود- ظلم (٣) وباطل؛ فلا يحل للحاكم أن يسأله بعد هذا هل وقع منك (٤) ذلك أو لم يقع، بل أبلغ من هذا لو شهد عليه بالردة فقال: "لم أزل أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه منذ عَقَلْت وإلى الآن" لم يُسْتَكْشف عن شيء، ولم يسأل لا هو ولا الشهود عن سبب ردته، كما ذكره الخرقي في "مختصره" (٥) وغيرُهُ من أصحاب الشافعي، فإذا ادعى عليه بأنه قال كذا وكذا فقال: "إن كنت قلته فأنا تائب إلى اللَّه منه" أو: "قد (٦) تبت منه" فقد اكتفى منه بهذا الجواب، ولم يكشف عن شيء منه (٧) بعد ذلك. [هل يجوز تعليق التوبة بالشرط ؟] فإن قيل: هذا تعليق للتوبة أو الإسلام بالشرط، ولا يصح تعليقه بشرط. قيل: هذا من قلَّة فقه مُورِدِه؛ فإن التوبة لا تصح إلا على هذا الشرط، تلفظ به أو لم يتلفَّظ به، وكذلك تجديدُ الإسلام لا يصح إلا بشرط أن يوجَدَ ما يناقضه فتلفظه بالشرط تأكيد لمقتضى عقد التوبة والإسلام، وهذا كما إذا (٨) قال: "إن

стр. 2294

كان هذا ملكي فقد بعتك إياه" فهل يقول أحد: إن هذا بيع معلق بشرط فلا يصح؟ وكذلك إذا قال: "إن كانت هذه امرأتي فهي طالق" لا يقول أحد: إنه طلاق معلق، ونظائره أكثر من أن تذكر، وقد شرع اللَّه سبحانه لعباده التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد، حتى بينه وبين ربه كما قال النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير وقد شَكَتْ إليه وقت الإحرام، فقال: "حُجِّي واشترطي على ربك فقولي: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فإن لك ما اشترطت على ربك" (١) فهذا شرط مع اللَّه في العبادة، وقد شرعه على لسان رسوله لحاجة الأمة إليه، ويفيد شيئين: جواز التحلل (٢)، وسقوط الهَدْي، وكذلك الداعي بالخيرة يشترط على ربه في دعائه، فيقول: اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا لي في ديني ومَعَاشي وعاقبة أمري [عاجله وآجله] (٣) فاقْدُرْهُ لي ويسره لي (٤)، فيعلق طلب الإجابة بالشرط لحاجته إلى ذلك لخفاء المصلحة عليه. وكذلك النبي ﷺ اشترط على ربه أيما رجل سَبَّهُ أو لعنه وليس لذلك بأهل أن يجعلها كفارة له وقربة يقربه بها إليه (٥)، وهذا تعليق للمدعو به بشرط الاستحقاق. وكذلك المصلِّي على الميت شرع له تعليق الدعاء بالشرط، فيقول: اللهم أنت أعلم بسره وعلانيته، وإن كان محسنًا فتقبل حسناته، وإن كان مسيئًا فتجاوز عن سيئاته (٦)؛ فهذا طلب للتجاوز عنه

стр. 2295

بشرط، فكيف يمنع تعليق التوبة بالشرط؟ وقال شيخنا: كان يشكل عليَّ أحيانًا حالُ مَنْ أصلِّي عليه [من] (١) الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد الشرط الشرط، أو قال: علق الدعاء بالشرط، وكذلك أرشد أمته ﷺ (٢) إلى تعليق الدعاء بالحياة والموت بالشرط فقال: "لا يتمنى (٣) أحدكم الموتَ لضر نزل به، ولكن ليَقُلْ: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتَوَفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" (٤). وكذلك قوله في الحديث الآخر: "وإذا أردت بعبادك فتنة فتوفني إليك غيرَ مفتون" (٥)

стр. 2296

وقال: "المسلمون عند شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا (١) ". [تعليق العقود والفسوخ بالشروط] وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة؛ فلا يستغني عنه المكلف، وقد صح تعليق النذر (٢) بالشرط بالإجماع ونص الكتاب، وتعليق الضمان بالشرط بنص القرآن، وتعليق النكاح بالشرط في تزويج موسى ﵇ بابنة صاحب مَدْين وهو من أصح نكاح على وجه الأرض، ولم يأت في شريعتنا ما ينسخه، بل أتَتْ مقررة له كقوله ﷺ : "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" (٣) فهذا صريح في أن حل الفروج (٤) بالنكاح قد يعلق على شرط، ونص الإمام أحمد ﵀ على جواز تعليق النكاح بالشرط، وهذا هو الصحيح، كما يُعَلَّق الطلاق والجعالة والنذر وغيرها من العقود، وعلق أمير المؤمنين عمر ﵁ عقد المزارعة بالشرط، فكان يدفع أرضه إلى مَنْ يعمل عليها على أنه إن جاء عمر بالبذر فله كذا وإن جاء العامل بالبذر فله كذا، وذكره البخاري (٥)، ولم يخالفه صاحب، ونص الإمام أحمد (٦) على جواز تعليق البيع بالشرط في قوله: إن بعْتَ هذه الجارية فأنا أحق بها بالثمن، واحتج بأنه قول ابن مسعود ﵁ (٧)، ورهن

стр. 2297

الإمام أحمد نَعْلَه وقال للمرتهن: إن جئتك بالحق إلى كذا وإلا فهو لك، وهذا (١) بيع بشرط، فقد (٢) فعله وأفتى به. وكذلك تعليق الإبراء بالشرط (٣)، نص على جوازه فِعْلًا منه، فقال لمن اغتابه ثم اسْتَحَله: "أنت في حل إن لم تعد" فقال له الميموني: قد اغتابك وتحلله؟ فقال: ألم ترني قد اشترطت عليه أن لا يعود؟ والمتأخرون من أصحابه يقولون. لا يصح تعليق الإبراء بالشرط وليس ذلك موافقًا لنصوصه ولا لأصوله، وقد علق النبي ﷺ ولاية الإمارة بالشرط (٤)، وهذا تنبيه على تعليق الحكم في كل ولاية، وعلى تعليق الوكالة الخاصة والعامة، وقد علق أبو بكر تولية عمر ﵁ بالشرط (٥)، ووافقه عليه سائر الصحابة ﵃ فلم ينكره منهم رجل واحد، وقال النبي ﷺ : "مَنْ باع نخلًا قد أُبِّرَتْ فثمرتُها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع" (٦) فهذا الشرط (٧) خلاف مقتضى العقد المطلق، وقد جوزه الشارع، وقال: "مَنْ أعتق (٨) عبدًا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع" (٩) وفي "السنن" عنه: "مَنْ أعتق عبدًا وله مال فمال العبد له إلا أن يشترطه السيد" (١٠) وفي "المسند" و"السنن" عن سفينة قال: "كنت مملوكًا لأم

стр. 2298

سلمة، فقالت: أعتقتك، واشترطت (١) عليك أن تخدم رسول اللَّه ﷺ ما عِشْتَ، فقلت: إن (٢) لم تشترطي عليَّ ما فَارَقْتُ رسول اللَّه ﷺ ما عِشْتُ، فأعتقتْنِي واشترطت علي" (٣)، وذكر البخاري في "صحيحه" عن عمر [بن الخطاب] (٤) ﵁ قال: مَقَاطعُ الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت (٥)، وقال البخاري في باب الشروط في القرض: "وقال ابن عمر وعطاء: إذا أجَّله في القرض جاز" (٦) وقال

стр. 2299

في باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا (١) في الإقرار والشروط التي يتعارفها الناس بينهم (٢): "قال ابن عون (٣) عن ابن سيرين قال: قال رجل لِكَرِيِّه: أدْخِل (٤) ركابكَ فإن لم أرحل معك [في] (٥) يوم كذا وكذا فلك مئة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: مَنْ شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه. وقال أيوب عن ابن سيرين: إن رجلًا باع طعامًا فقال (٦): إنْ لم آتِكَ الأربعاء فليس بيني وبينك بيْع، فقال للمشتري: أنتَ أخلفْتَه، فقضى عليه". وقال في باب الشروط في المهر [عند عُقْدَةِ النكاح] (٧): وقال المسور سمعت رسول اللَّه ﷺ ذكر صهرًا له فأثْنَى عليه في مصاهرته فأحسن، فقال: "حدثني فصَدَقَني، ووعدني فوفاني" (٨) ثم ذكر فيه حديث "أحَقُّ الشروط أن تُوفوا به ما استحللتم به الفروج" (٩). وقال في كتاب الحَرْث [والمزارعة] (١٠): وعامَلَ عمرُ الناسَ على [أنه إن] (١١) جاء عمرُ بالبَذْر من عنده فلهم الشَّطْر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا (١٢). وهذا صريح في جواز "إن خطْتَه اليوم فَلك كذا، وإن خِطْتَه

стр. 2300

غدًا فلك كذا" (١) وفي جواز "بعتكه بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة" فالصواب جواز هذا كله للنص والآثار والقياس. وقال جابر: بِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ بعيرًا، واشترطت حملانه إلى أهلي (٢). وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ عن نافع بن عبد الحارث عامل عمر على مكة أنه اشترى من صَفْوَان بن أمية دارًا لعمر بن الخطاب بأربعة آلاف درهم، واشترط عليه نافع إن رضي عمر فالبيع له، كان لم يَرْضَ فلصفوان أربع مئة درهم (٣)، ومن هاهنا قال الإمام أحمد: لا بأس ببيع العُربون (٤) لأن عمر فعله، وأجاز هذا البيع والشرطَ فيه مجاهد ومحمد ابن سيرين وزيد بن أسلم ونافع بن عبد الحارث، وقال أبو عمر (٥): وكان زيد بن أسلم يقول: أجازه رسولُ اللَّه ﷺ (٦)، وذكر الإمام أحمد

стр. 2301

أن محمد بن مسلمة الأنصاري اشترى من نَبَطِي حزمة حطب، واشترط عليه حملَها إلى قصر سعد (١)، واشترى عبدُ اللَّه بن مسعود جاريةً من امرأته وشَرَطَتْ عليه أنه إن باعها فهي لها بالثمن (٢)، وفي ذلك اتفاقهما على صحة البيع والشرط، ذكره الإمام أحمد (٣) وأفتى به. [شأن الشروط عند الشارع] والمقصود أن للشروط عند الشارع شأنًا ليس عند كثير من الفقهاء؛ فإنهم يُلْغُونَ شروطًا لم يُلْغِها الشارعُ، ويفسدون بها العقدَ من غير مفسدة تقتضي فساده، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود وما لا يقبله؛ فليس (٤) لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل؛ فالصواب الضابط الشرعي الذي دلّ عليه النصُّ أن كل شرط خالف حكم اللَّه تعالى وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف (٥) حكمه فهو لازم. يوضحه أن الالتزام بالشرط كالالتزام بالنذر، والنذر لا يبطل منه إلا ما

стр. 2302

خالف حكم اللَّه وكتابه، بل الشروط (١) في حقوق العباد أوْسَعُ من النذر في حق اللَّه، والالتزام به أوفى (٢) من الالتزام بالنذر. وإنما بسطتُ (٣) القولَ في هذا لأن باب الشروط يدفع حيل أكثر المتحيلين، ويجعل للرجل مخرجًا مما يخاف منه ومما يضيق عليه؛ فالشرط الجائز بمنزلة العقد، بل هو عقد وعهد، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]. [الشرط الباطل والشرط الحق] وهاهنا قضيتان كليتان من قضايا الشرع الذي بعث اللَّه سبحانه به [رسوله] (٤): إحداهما: أن كل شرط خالف حكم اللَّه وناقض كتابه فهو باطل كائنًا ما كان. والثانية: أن كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه -وهو ما يجوز بذله (٥) وفعله بدون الشرط- فهو لازم بالشرط، ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيء، وقد دل عليهما كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ واتفاق الصحابة ﵃، ولا تعبأ بالنقض بالمسائل المذهبية والأقوال الآرائية [فإنها لا تهدم] (٦) قاعدة من قواعد الشرع؛ فالشروط في حق المكلفين كالنذر في حقوق رب العالمين، فكل طاعة جاز فعلها قبل النذر لزمت (٧) بالنذر، وكذلك كل شرط قد جاز بَذْله بدون الاشتراط لزم بالشرط، فمقاطع الحقوق عند الشروط. وإذا كان من علامات النفاق إخلاف الوعد وليس بمشروط فكيف الوعد المؤكد بالشرط؟ بل تَرْكُ الوفاء بالشرط يدخل في الكذب والخلف والخيانة والغدر، وباللَّه التوفيق. [حيلة لمن خاف رد جارية معيبة باعها] المثال الثائي والستون (٨): إذا باعه جاريةً مَعِييةً وخاف [من] (٩) ردها عليه

стр. 2303

بالعيب فليبين له [من] (١) عيبها ويشهد أنه دخل عليه، فإن خاف رَدَّها بعيب آخر لا يعلمه البائع فلْيعيِّن له عيوبًا يدخل في جملتها (٢) وأنه رضي بها كذلك. فإن كان العيب غير متصور ولا يدخل (٣) في جملة تلك العيوب فليقل: "وأنت رضيتَ بها بجملة ما فيها من العيوب التي توجب الرد" مقتصرًا على ذلك. ولا يقل: "وأنك [إن] (٤) أسقطْتَ حقك من الرد" ولا (٥) "أبرأتني من كل دعوى توجب الرد" ولا يبيعها بشرط البراءة من كل عيب؛ فإن هذا لا يسقط الرد عند كثير من الفقهاء، وهي مسألة البيع بالبراءة من العيوب. وللشافعي ﵀ فيها ثلاثة أقوال (٦): أحدها: صحة البيع والشرط. والثاني: صحة البيع وفساد الشرط وأنه لا يبرأ من شيء من العيوب. والثالث: أنه يبرأ من العيوب الباطنة في الحيوان خاصة دون غيرها (٧). والمشهور من مذهب مالك جواز العقد والشرط وأنه يبرأ من جميع العيوب (٨). وهل يعمُّ ذلك جميعَ المبيعات أو يخص بعضها؟ فذكر ابن حبيب عن مالك وابن وهب أنه يعم جميع المبيعات عَزضًا كان المبيع أو حيوانًا. وعنه أنه يختص ببعض المبيعات. واختلف عنه في تعيينه فالذي في "المُوَطّأ" (٩) عنه أنه يختص بالحيوان ناطقًا كان أو بهيمًا (١٠). والذي في "التهذيب" اختصاصه بناطق الحيوان (١١). قالوا: وعلى [هذا] (١٢) المذهب في صحة ذلك مطلقًا، كبيع (١٣) السلطان وبيع

стр. 2304

الميراث إذا علم أنه ميراث جارٍ مجرى بيع البراءة كان لم يشترط، وعلى هذا فإذا قال أبيعك بيع الميراث لا قيام بعيب صح ذلك ويكون بيع براءة (١)؛ وفي الميراث لا يحتاج إلى ذكره. قالوا: وإذا قلنا إن البراءة تنفع فإنما منفعتها في امتناع الرد بعيب لم يعلم به البائع؛ وأما ما علم به البائع فإن شرط البراءة لا يمنع رد المشتري به إذا لم يكن عالمًا به وقت العقد؛ فإذا ادعى المشتري علم البائع فأقرَّ أو نَكَلَ بعد توجه اليمين عليه توجَّهَ الرد عليه. قالوا: ولو ملك شيئًا ثم باعه قبل أن يستعمله بشرط البراءة لم ينفعه ذلك حتى يستعمله ويستبرئه ثم يبيعه بشرط البراءة، قال في "التهذيب" في التجار يقدمون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة ولم تطل إقامة الرقيق عندهم: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلًا، لا تنفعهم البراءة. وقال (٢) عبد الملك وغيره: لا يشترط استعماله (٣)، ولا طول مقامه عنده، بل تنفعه البراءة كما تنفعه مع الطول والاستعمال (٤). قالوا: وإذا كان في المبيع عيب يعلمه البائع بعينه فادخله في جملة عيوب ليست موجودة، وتبرأ منها كلها، لم يبرأ منه حتى يفرده بالبراءة ويعين موضعه وجنسه ومقداره بحيث لا يبقى للمبتاع فيه قول. قالوا: وكذلك لو أراه العيبَ وشاهده لم يبرأ منه إذا كان ظاهره لا يستلزم الإحاطة بباطنه وباطنه فيه فساد آخر كما إذا أراه دَبَرَةَ البعير (٥) وشاهدها وهي مُنغِلة مفسدة (٦) فلم يذكر له ما فيها من نَغَل وغيره، ونظائر ذلك. قالوا: وكذلك لو أخبره أن به إباقًا أو سرقةً وهو (٧) إباق بعيد أو سرقة عظيمة والمشتري يظنه يسيرًا لم يبرأ حتى يبين له ذلك، قال أبو القاسم ابن الكاتب: لا يختلف قول مالك في أن بيع (٨) السلطان بيع براءة على المفلس أو لقضاء ديون من تركة ميت بيع براءة أيضًا كان لم يشترطها، قال: وإنما كان كذلك لأنه حكم منه بالبيع وبيعُ البراءَة مختلف فيه، فإذا حكم السلطان بأحد أقوال العلماء لم تردَّ قضيته عند من يرى خلاف رأيه فيما حكم به (٩)، وردَّ ذلك عليه المازريُّ وغيره، وقالوا:

стр. 2305

السلطان لم يتعرض في البيع إلى خلاف ولا وِفاق، ولا قصد إلى حكم به يرفع النزاع، وقد حكى بعض الشيوخ الخلاف في بيع البراءة ولو تولاه السلطان بنفسه، قال: وذلك لأن سحنون قال: وكان قول مالك القديم أن بيع السلطان وبيع المواريث لا قيام فيه بعيب ولا بعهدة، قال: وهذا يدل على أن له قولاً آخر خلاف هذا، قال (١): ويدل عليه أن (٢) ابن القاسم قال: إذا بيع عبد على مُفلِس فإن للمشتري أن يرده بالعيب، قال: فالصواب (٣) أن بيع السلطان وبيع الورثة كغيرهما، قال المازري: أما بيع الورثة لقضاء ديونه وتنفيذ وصاياه فإن فيه الخلاف المشهور، قال: وأما ما باعوه لأنفسهم للانفصال من شركة بعضهم لبعض فملتحق (٤) ببيع الرجل مال نفسه بالبراءة، وكذلك من باع للإنفاق على من في ولايته. قلت: وقول المازري: "إن بيع السلطان لا تعرض فيه لحكم (٥) " مبني على أصل، وهو أن الحاكم إذا عقد بنفسه عقدًا مختلفًا فيه هل يكون بمنزلة حكمه به [فيسوغ تنفيذه، ولا يسوغ رده أو لا يكون حكمًا منه به] (٦) فيسوغ لحاكم آخر خلافه؟ وفي هذا الأصل قولان للفقهاء، وهما في مذهب الإمام أحمد (٧) وغيره، فهذا تقرير مذهب مالك في هذه المسألة (٨). وأما مذهب أبي حنيفة: فإنه يصحح البيع والشرط (٩)، ولا يمكن المشتري من الرد بعد اشتراط البراءة العامة، سواء علم البائع العيبَ أو لم يعلمه (١٠)، حيوانًا كان المبيع أو غيره، وتناظر في هذه المسألة أبو حنيفة وابن أبي ليلى، فقال ابن أبي ليلى: لا يبرأ إلا من عيب أشار إليه ووضع يَدَه عليه، فقال أبو

стр. 2306

حنيفة: فلو أن امرأة من قريش باعمت عبدًا زنجيًا على ذكره عيب أفتضَعُ أصبعها على ذكره؟ فسكت ابن أبي ليلى (١). وأما مذهب الإمام أحمد فعنه ثلاث روايات (٢): إحداهن: [أنه] (٣) لا يبرأ بذلك ولا يسقط حق المشتري من الرد بالعيب إلا من عيب عينه وعلم به المشتري. والثانية: أنه يبرأ مطلقًا. والثالثة: أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من كل عيب علمه حتى يعلم به المشتري. فإن صححنا البيع والشرط فلا إشكال، كان أبطلنا الشرط فهل يبطل البيع أو يصح ويثبت الرد فيه؟ وجهان، فإذا (٤) أثبتنا الرد وأبطلنا الشرط فللبائع الرجوع بالتفاوت الذي نقص من ثمن السلعة بالشرط الذي لم يسلم له؛ فإنه إنما باعها بذلك الثمن بناء على أن المشتري لا يردها عليه بعيب، ولو علم أن المشتري يتمكن من ردها لم يبعها بذلك الثمن؛ فله الرجوع بالتفاوت، وهذا هو العدل وقياس أصول االشريعة؛ فإن المشتري كما يرجع بالأرْشِ عند فوات غرضه من سلامة المبيع فهكذا البائع يرجع بالتفاوت عند فوات غرضه من الشرط الذي أبطلناه عليه. [الصحيح في هذه المسألة والنكول ورد اليمين] والصحيح في هذه المسألة ما جاء عن الصحابة ﵃؛ فإن عبد اللَّه بن عمر باع زيد بن ثابت عبدًا بشرط البراءة بثمان مئة درهم، فأصاب به زيدٌ عيبًا، فأراد رده على ابن عمر، فلم يقبله، فترافعا إلى عثمان ﵁، فقال عثمان لابن عمر: تحلف أنك لم تعلم بهذا (٥) العيب، فقال: لا، فرده عليه، فباعه ابن عمر بألف درهم (٦)،. . . . . .

стр. 2307

ذكره (١) الإمام أحمد وغيره، وهذا اتفاق منهم على صحة البيع وجواز شرط البراءة، واتفاق من عثمان وزيد على أن البائع إذا علم بالعيب لم ينفعه شرط البراءة، وعلى أن المدعى عليه متى نَكَلَ عن اليمين قضى عليه بالنكول، ولم ترد اليمين على المدعي، لكن هذا فيما إذا كان المدعى عليه منفردًا بمعرفة الحال، فإذا لم يحلف مع كونه عالمًا بصورة الحال قضى عليه بالنكول، وأما إذا كان المدعى هو المنفرد بالعلم بالحال أو كان مما لا يخفى عليه علمها ردت عليه اليمين؛ فمثال الأول: قضية ابن عمر هذه (٢)، فإنه هو العالم بأنه هل كان يعلم العيب أو لا يعلمه، بخلاف زيد بن ثابت، فإنه لا يعلم علم ابن عمر بذلك، ولا عدم علمه، فلا يشرع رد اليمين عليه. ومثال الثاني: إذا ادعى على وارثِ ميتٍ أنه أقرض مورثه مئة درهم أو باعه سلعة ولم يقبضه ثمنها أو أودعه وديعة والوارث غائب لا يعلم ذلك، وسأل إحلافه، فنكل عن اليمين، لم يقض عليه بالنكول، وردت اليمين على المدعي؛ لأنه منفرد بعلم ذلك، فإذا لم يحلف لم يقض له. ومثال الثالث: إذا ادعى عليه أنه باعه أو أجره فنكل عن اليمين، حلف المدعي وقضي له، فإن لم يحلف لم يقض له بنكول المدعى عليه؛ لأنه عالم بصحة ما ادعاه، فإذا لم يحلف ولم يقم له بينة لم يكن مجردُ نكولِ خصمه مصححًا لدعواه. فهذا التحقيق أحسنُ ما قيل في مسألة النكول ورد اليمين، وعليه تدل آثار

стр. 2308

الصحابة ويزول عنها الاختلاف، [ويكون هذا في موضعه وهذا في موضعه] (١). وعرف حذيفة جملًا له فادعاه، فنكل المدعَى عليه، وتوجهت اليمين على حذيفة، فقال: أتراني أترك جَمَلِي؟ فحلف (٢) باللَّه أنه ما باع ولا وهبَ (٣). [متى يثبت تحليف المدعي] فقد (٤) ثبت تحليف المدعي إذا أقام شاهدًا واحدًا، والشاهد أقوى من النكول، فتحليفهُ مع النكول أولى، وقد شرع اللَّه سبحانه ورسوله ﷺ تحليف المدعي في أيمان القَسَامة؛ لقوة جانبه باللّوْث، فتحليفه مع النكول أولى، وكذلك شَرَع تحليفَ الزوج في اللِّعَان، وكذلك شرع تحليف المدعي إذا كان شاهدُ الحال يصدقه كما إذا تداعَيَا متاع البيت أو تداعى النجار والخياط آلة كل منهما فإنه يُقْضَى لمن تدل الحال على صحة دعواه مع يمينه، وقد روي في حديث مرفوع أن النبي ﷺ رَدَّ اليمين على طالب الحق (٥)، ذكره الدارقطني وغيره، وهذا محض

стр. 2309

الفقه والقياس؛ فإنه إذا نكل قَوِيَ جانبُ المدعي فظُنَّ (١) صدقه، فشرع اليمين في حقه؛ فإن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه لقوة جانبه بالأصل، فإذا شهد الشاهدُ الواحدُ ضعف هذا الأصل ولم يتمكن قوته من الاستقلال، وقوى (٢) جانب المدعي باليمين، وهكذا إذا نَكَلَ ضعف أصل البراءة (٣)، ولم يكن النكول مستقلًا بإثبات الدعوى؛ لجواز أن يكون لجهله بالحال، أو لتورعه عن اليمين، أو للخوف من عاقبة اليمين، أو لموافقة قضاء وقدر؛ فظن الظانُّ أنه بسبب اليمين، أو لترفعه (٤) عن ابتذاله باستحلاف خصمه له مع علمه بأنه لو حلف كان صادقًا، وإذا احتمل نكولُه هذه الوجوه لم يكن مستقلًا؛ بل غايته أن يكون مقويًا لجنبة المدعي فترد اليمين عليه، ولم تكن هذه المسألة مقصودة، وإنما جر إليها الكلام في أثر ابن عمر وزيد في مسألة البراءة (٥). وقد علم حكم هذا الشرط، وأين ينتفع به البار، وأين لا ينتفع به. وإن (٦) قيل: فهل ينفعه أن يشترط على المشتري أنه متى رده فهو حر أم لا ينفعه وإذا خاف توكيله في الرد استوثق منه بقوله: "متى رددته أو وكلت في رده" فإن خاف من رد الحاكم عليه حيث يرده بالشرع فلا يكون المشتري هو الراد ولا وكيله بل الحاكم المنفذ للشرع فاستوثق منه بقوله: "إذا ادعيت رده فهو حر" فهنا تصعب الحيلة على الرد، إلا على مذهب أبي ثور (٧) وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد (٨)، وهو إجماع الصحابة ﵃ أن تعليق العتق متى قصد به الحَضُّ أو المنع (٩) فهو يمين جكمه حكم اليمين بالحج والصوم والصدقة، وحكم ما لو قال: "إن رددته فعليَّ أن أعتقه" بل أولى بعدم العتق، فإن هذا نذر قربة،

стр. 2310

ولكن إخراجه مخرج اليمين منع لزوم الوفاء به، مع أن الالتزام به أكثر من الالتزام بقوله: "فهو حر" فكل ما في التزام قوله: "فهو [حر] (١) " فهو داخل في التزام (٢): "فعليَّ أن أعتقه" ولا ينعكس، فإن قوله: "فعليّ أن أعتقه" يتضمن وجوبَ الإعتاق وفعل العتق ووقوع الحرية، فإذا منَعَ قصدَ الحض (٣) أو المنع وقوع ثلاثَةِ [أشياء] (٤) فلأن يمنع وقوع واحد منها أولى وأحْرَى، وهذا لا جواب عنه، وهو مما يبين [فضل] (٤) فقه الصحابة ﵃، وأن بين فقههم وفقه من بعدهم كما بينهم (٥) وبينهم، وحتى لو لم يصح ذلك عنهم لكان هذا مَحْضَ القياس ومقتضى قواعد الشرع وأصوله من أكثر من عشرين وجهًا لا تخفى على متبحّر (٦) تتبعها، ويكفي قولُ فقيه الأمة وحَبْرِهَا وترجمان القرآن ابن عباس ﵁: "العتق ما ابتغي به وجه اللَّه، والطلاق ما كان عن وطر" (٧). فتأمل هاتين الكلمتين الشريفتين الصادرتين عن علم قد رسخ أسفلُه، وبَسَقَ أعلاه، وأينعت ثمرتُه، وذللت للطالب قطوفُه، ثم احكم بالكلمتين (٨) على أيمان الحالفين بالعتق والطلاق، هل تجد الحالفَ بهذا ممن يبتغي به (٩) وجه اللَّه والتقربَ إليه بإعتاق هذا العبد؟ وهل تجد (١٠) الحالفَ بالطلاق ممن له وطر في طلاق زوجته؟ فرضي اللَّه عن [حَبْرِ هذه الأمة] (١١) لقد شَفَتْ كلمتاه هاتان الصدورَ، وطبقتا المفصلَ (١٢)، وأصابَتَا المحزَّ (١٣)، وكانتا برهانًا على استجابة دعوة رسول اللَّه ﷺ [له] (١٤) أن يعلمه اللَّه التأويل ويفقهه في

стр. 2311

الدين (١)، ولا يوحشنَّك (٢) مَنْ قد أقرَّ على نفسه هو وجميع أهل العلم أنه ليس من أولي العلم، فإذا ظفرتَ برجل [واحد] (٣) من أولي العلم طالبٍ للدليل مُحَكم له متبع للحق حيث كان وأين كان ومع من كان زالت الوحشة وحصلت الألفة، ولو خالفك فإنه يخالفك ويعذرك، والجاهل الظالم يخالفك بلا حجّة ويكفّرك أو يُبَدِّعُكَ بلا حجة، وذنبك رغبتك عن طريقته الوخيمة، وسيرته الذميمة، فلا تغتر بكثرة هذا الضرب، فإن الآلاف المؤلفة منهم لا يعدلون بشخص واحد من أهل العلم، والواحد من أهل العلم يعدل بملء الأرض منهم. [العالم صاحب الحق] واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض، قال عمرو بن ميمون الأوْدِيُّ: صحبت معاذًا باليمين، فما فارقتُه حتى واريتُه في التُّراب بالشَّام، ثم صحبتُ [من] (٣) بعده أفقه الناس عبد اللَّه بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد اللَّه على الجماعة (٤)، ثم سمعته يومًا من الأيام وهو يقول: سيولى (٥) عليكم ولاة يؤخِّرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها؛ فهي الفريضة، وصلَّوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت: يا أصحاب محمد! ما أدري ما تحدّثون (٦)، قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول لي: صلِّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصلِّ مع الجماعة وهي نافلة، قال: يا عمرو بنَ ميمون: قد كنتُ أظنُّكَ من أفقه أهل هذه القرية، أتدري (٧) ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحقَّ وإنْ كنتَ وحدَك، وفي لفظ آخر: فضربَ على فخذي وقال: ويحك! إنَّ جمهورَ الناس

стр. 2312

فارقوا الجماعة، كان الجماعة ما وافق طاعة اللَّه تعالى (١). وقال نُعيم بن حمَّاد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ، ذكرهما البيهقي (٢) وغيره. وقال بعض أئمة الحديث وقد ذكر له السواد الأعظم، فقال: أتدري (٣) ما السواد الأعظم؟ هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه (٤). فمسخ المختلفون (٥) الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور، وجعلوهم عيارًا على السنة (٦)، وجعلوا السنة بدعة، والمعروف منكرًا لقلة أهله وتفردهم في الأعصار والأمصار، وقالوا: مَنْ شَذَّ شَذَّ اللَّه به في النار، وما عرف المختلفون (٣) أنَّ الشَّاذَّ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه (٧) إلا واحدًا منهم فهم الشاذون، وقد شَذَّ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل إلا نفرًا (٨) يسيرًا؛ فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه [كلهم] (٩) هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة، ولما لم تحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقُضَاتك ووُلاتَك والفقهاء والمفتون كلهم

стр. 2313

على الباطل وأحمد وحده [هو] (١) على الحق؟ فلم يتسع علمه لذلك؛ فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل؛ فلا إله إلا اللَّه، ما أشبه الليلة بالبارحة، وهي السبيل المَهْيَع لأهل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم، مضى عليها سلفهم، وينتظرها خلفهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] [ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم] (٢). [حيلة للتخلص من نفقة المبتوتة وسكناها] المثال الثالث (٣) والستون: إذا وقعت الفرقة البائنة بين الزوجين لم تجب لها عليه نفقة ولا سكنى بسنة رسول اللَّه ﷺ الصحيحة الصريحة (٤)، فإن خاف أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوب ذلك (٥) عليه فالحيلة أن يتغيب مدة العدة. فإذا رفعته بعد ذلك لم يحكم بها عليه؛ لأنها تسقط عنه بمضي الزمان، كما يقوله الأكثرون في نفقة القريب، وكما هو متفق عليه في نفقة العبد والحيوان البهيم، ولا كراهة في هذه الحيلة لأنها وسيلة إلى إسقاط ما أسقطه اللَّه تعالى ورسوله، بخلاف الحيلة على إسقاط ما أوجبه اللَّه ورسوله (٥)، فهذه لون وتلك لون، فإن لم تمكنه الغيبة وأمكنه أن يرفعها إلى حاكم يحكم بسقوط ذلك فَعَلَ. والحيلة في أن يتوصل إلى حكم حاكم (٦) بذلك أن ينشئ الطلاق أو يقر (٧) به بحضرته ثم يسأله الحكم (٨) بما يراه من سقوط النفقة والسكنى بهذه الفرقة، مع علمه باختلاف العلماء في ذلك، فإن بَدَرَتْه إلى حاكم يرى وجوبها فقد ضاقت عليه وجوه الحيل، ولم يبق له إلا حيلة واحدة، وهي دعواه أنها كانت بانت منه قبل ذلك بمدة تزيد على انقضاء عدتها وأنه نسي سبب البينونة. وهذه الحيلة تدخل في قسم التوصل إلى الجائز بالمحظور كما تقدم [نظائره] (٩).

стр. 2314

[اختلاف الفقهاء في الضمان] المثال الرابع (١) والستون: اختلف الفقهاء في الضمان (٢)، هل هو تعدد لمحل الحق وقيام للضمين مقام المضمون عنه أو هو استيثاق بمنزلة الرهن؟ على قولين، وهما روايتان عن مالك (٣)، يظهر أثرهما في مطالبة الضامن مع التمكن من مطالبة المضمون عنه، فمن قال بالقول الأول -وهم الجمهور- قالوا: لصاحب الحق مطالبة مَنْ شاء منهما على السواء، ومن قال بالقول الثاني (٤) قال: ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر عليه مطالبة المضمون عنه، واحتج هؤلاء بثلاث حجج: إحداها (٥): أن الضامن فرع، والمضمون عنه أصل، وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول كالتراب (٦) في الطهارة والصوم في كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل. [وقد اطرد هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث] (٧) لا يلي فرع (٨) مع أصله ولا يرث معه. الحجة (٩) الثانية: أن الكفالة توثقه وحفظ للحق، فهي جارية مجرى الرهن، ولكن ذاك رهن عين وهي رهن ذمة أقامها الشارع (١٠) مقام رهن الأعيان للحاجة إليها واستدعاء المصلحة لها. والرهن لا يستوفى منه إلا مع تعذر الاستيفاء من الراهن، فكذا الضمين. ولهذا كثيرًا ما يقترن الرهن والضمين لتواخيهما وتشابههما وحصول الاستيثاق بكل منهما.

стр. 2315

الحجة الثالثة: أن الضامن في الأصل لم يوضع لتعدد محل الحق كما لم يوضع لنقله، وإنما وضع ليحفظ صاحب الحق حقه من التّوَى (١) والهلاك، ويكون له محل يرجع إليه عند تعذر الاستيفاء من محله الأصلي، ولم ينصب الضامن نفسه لأن يطالبه المضمون له مع وجود الأصيل ويُسْرَته والتمكن [من مطالبته] (٢). والناسُ يستقبحون هذا، ويعدون فاعله متعديًا، ولا يعذرونه بالمطالبة، حتى إذا تعذر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن وكانوا عَوْنًا له عليه، وهذا أمر مستقر في فطر الناس ومعاملاتهم بحيث لو طالب الضامن والمضمون عنه إلى جانبه والدراهم في كمه وهو متمكن من مطالبته لاستقبحوا ذلك غاية الاستقباح. وهذا القول في القوة كما ترى، وهو رواية ابن القاسم في الكتاب عن مالك (٣). ولا ينافي هذا قول النبي ﷺ : "الزعيم غارم" (٤) فإنه لا عموم له، ولا يدل على
следующие страницы →