← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الدين (١)، ولا يوحشنَّك (٢) مَنْ قد أقرَّ على نفسه هو وجميع أهل العلم أنه ليس من أولي العلم، فإذا ظفرتَ برجل [واحد] (٣) من أولي العلم طالبٍ للدليل مُحَكم له متبع للحق حيث كان وأين كان ومع من كان زالت الوحشة وحصلت الألفة، ولو خالفك فإنه يخالفك ويعذرك، والجاهل الظالم يخالفك بلا حجّة ويكفّرك أو يُبَدِّعُكَ بلا حجة، وذنبك رغبتك عن طريقته الوخيمة، وسيرته الذميمة، فلا تغتر بكثرة هذا الضرب، فإن الآلاف المؤلفة منهم لا يعدلون بشخص واحد من أهل العلم، والواحد من أهل العلم يعدل بملء الأرض منهم. [العالم صاحب الحق] واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض، قال عمرو بن ميمون الأوْدِيُّ: صحبت معاذًا باليمين، فما فارقتُه حتى واريتُه في التُّراب بالشَّام، ثم صحبتُ [من] (٣) بعده أفقه الناس عبد اللَّه بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد اللَّه على الجماعة (٤)، ثم سمعته يومًا من الأيام وهو يقول: سيولى (٥) عليكم ولاة يؤخِّرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها؛ فهي الفريضة، وصلَّوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت: يا أصحاب محمد! ما أدري ما تحدّثون (٦)، قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول لي: صلِّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصلِّ مع الجماعة وهي نافلة، قال: يا عمرو بنَ ميمون: قد كنتُ أظنُّكَ من أفقه أهل هذه القرية، أتدري (٧) ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحقَّ وإنْ كنتَ وحدَك، وفي لفظ آخر: فضربَ على فخذي وقال: ويحك! إنَّ جمهورَ الناس

стр. 2312

فارقوا الجماعة، كان الجماعة ما وافق طاعة اللَّه تعالى (١). وقال نُعيم بن حمَّاد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ، ذكرهما البيهقي (٢) وغيره. وقال بعض أئمة الحديث وقد ذكر له السواد الأعظم، فقال: أتدري (٣) ما السواد الأعظم؟ هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه (٤). فمسخ المختلفون (٥) الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور، وجعلوهم عيارًا على السنة (٦)، وجعلوا السنة بدعة، والمعروف منكرًا لقلة أهله وتفردهم في الأعصار والأمصار، وقالوا: مَنْ شَذَّ شَذَّ اللَّه به في النار، وما عرف المختلفون (٣) أنَّ الشَّاذَّ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه (٧) إلا واحدًا منهم فهم الشاذون، وقد شَذَّ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل إلا نفرًا (٨) يسيرًا؛ فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه [كلهم] (٩) هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة، ولما لم تحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقُضَاتك ووُلاتَك والفقهاء والمفتون كلهم

стр. 2313

على الباطل وأحمد وحده [هو] (١) على الحق؟ فلم يتسع علمه لذلك؛ فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل؛ فلا إله إلا اللَّه، ما أشبه الليلة بالبارحة، وهي السبيل المَهْيَع لأهل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم، مضى عليها سلفهم، وينتظرها خلفهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] [ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم] (٢). [حيلة للتخلص من نفقة المبتوتة وسكناها] المثال الثالث (٣) والستون: إذا وقعت الفرقة البائنة بين الزوجين لم تجب لها عليه نفقة ولا سكنى بسنة رسول اللَّه ﷺ الصحيحة الصريحة (٤)، فإن خاف أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوب ذلك (٥) عليه فالحيلة أن يتغيب مدة العدة. فإذا رفعته بعد ذلك لم يحكم بها عليه؛ لأنها تسقط عنه بمضي الزمان، كما يقوله الأكثرون في نفقة القريب، وكما هو متفق عليه في نفقة العبد والحيوان البهيم، ولا كراهة في هذه الحيلة لأنها وسيلة إلى إسقاط ما أسقطه اللَّه تعالى ورسوله، بخلاف الحيلة على إسقاط ما أوجبه اللَّه ورسوله (٥)، فهذه لون وتلك لون، فإن لم تمكنه الغيبة وأمكنه أن يرفعها إلى حاكم يحكم بسقوط ذلك فَعَلَ. والحيلة في أن يتوصل إلى حكم حاكم (٦) بذلك أن ينشئ الطلاق أو يقر (٧) به بحضرته ثم يسأله الحكم (٨) بما يراه من سقوط النفقة والسكنى بهذه الفرقة، مع علمه باختلاف العلماء في ذلك، فإن بَدَرَتْه إلى حاكم يرى وجوبها فقد ضاقت عليه وجوه الحيل، ولم يبق له إلا حيلة واحدة، وهي دعواه أنها كانت بانت منه قبل ذلك بمدة تزيد على انقضاء عدتها وأنه نسي سبب البينونة. وهذه الحيلة تدخل في قسم التوصل إلى الجائز بالمحظور كما تقدم [نظائره] (٩).

стр. 2314

[اختلاف الفقهاء في الضمان] المثال الرابع (١) والستون: اختلف الفقهاء في الضمان (٢)، هل هو تعدد لمحل الحق وقيام للضمين مقام المضمون عنه أو هو استيثاق بمنزلة الرهن؟ على قولين، وهما روايتان عن مالك (٣)، يظهر أثرهما في مطالبة الضامن مع التمكن من مطالبة المضمون عنه، فمن قال بالقول الأول -وهم الجمهور- قالوا: لصاحب الحق مطالبة مَنْ شاء منهما على السواء، ومن قال بالقول الثاني (٤) قال: ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر عليه مطالبة المضمون عنه، واحتج هؤلاء بثلاث حجج: إحداها (٥): أن الضامن فرع، والمضمون عنه أصل، وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول كالتراب (٦) في الطهارة والصوم في كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل. [وقد اطرد هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث] (٧) لا يلي فرع (٨) مع أصله ولا يرث معه. الحجة (٩) الثانية: أن الكفالة توثقه وحفظ للحق، فهي جارية مجرى الرهن، ولكن ذاك رهن عين وهي رهن ذمة أقامها الشارع (١٠) مقام رهن الأعيان للحاجة إليها واستدعاء المصلحة لها. والرهن لا يستوفى منه إلا مع تعذر الاستيفاء من الراهن، فكذا الضمين. ولهذا كثيرًا ما يقترن الرهن والضمين لتواخيهما وتشابههما وحصول الاستيثاق بكل منهما.

стр. 2315

الحجة الثالثة: أن الضامن في الأصل لم يوضع لتعدد محل الحق كما لم يوضع لنقله، وإنما وضع ليحفظ صاحب الحق حقه من التّوَى (١) والهلاك، ويكون له محل يرجع إليه عند تعذر الاستيفاء من محله الأصلي، ولم ينصب الضامن نفسه لأن يطالبه المضمون له مع وجود الأصيل ويُسْرَته والتمكن [من مطالبته] (٢). والناسُ يستقبحون هذا، ويعدون فاعله متعديًا، ولا يعذرونه بالمطالبة، حتى إذا تعذر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن وكانوا عَوْنًا له عليه، وهذا أمر مستقر في فطر الناس ومعاملاتهم بحيث لو طالب الضامن والمضمون عنه إلى جانبه والدراهم في كمه وهو متمكن من مطالبته لاستقبحوا ذلك غاية الاستقباح. وهذا القول في القوة كما ترى، وهو رواية ابن القاسم في الكتاب عن مالك (٣). ولا ينافي هذا قول النبي ﷺ : "الزعيم غارم" (٤) فإنه لا عموم له، ولا يدل على

стр. 2316

أنه غارم في جميع الأحوال، ولهذا لو أدّى الأصيلُ لم يكن غارمًا، ولحديث (١) أبي قتادة (٢) في ضمان دين الميت لتعذر مطالبة الأصيل. [ليس الضمان مشتقًا من الضم] ولا يصح الاحتجاج [بأن] (٣) الضمان مشتق من الضم فاقتضى لفظه ضم إحدى الذمتين إلى الأخرى لوجهين: أحدهما: أن الضم من المضاعف، والضمان من الضمين (٤)، فمادتهما مختلفة ومعناهما مختلف وإن تشابها لفظًا ومعنى في بعض الأمور. الثاني: أنه لو كان مشتقًا من الضم فالضم قدر مشترك بين ضم يطالبُ معه استقلالًا وبدلًا، والأعم لا يستلزم الأخص (٥). [حيلة بتعليق الضمان بالشرط] وإذا عرف هذا وأراد (٦) الضامن الدخول [عليه] (٧) فالحيلة أن يعلق الضمان بالشرط فيقول: إن توِيَ المالُ على الأصيل (٨) فأنا ضامن له، ولا يمنع تعليق [الضمان] (٩) بالشرط وقد صرح القرآن بتعليقه بالشرط، وهو محض القياس؛ فإنه

стр. 2317

التزام، فجاز تعليقه بالشرط كالنذر (١)، و"المؤمنون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (٢) وهذا ليس واحدًا منهما، و"مقاطع الحقوق عند الشروط" (٣)، فإن خاف من قاصر في الفقه (٤) غير راسخ في حقائقه فَلْيَقل: "ضمنت لك هذا الدين عند تعذر استيفائه ممن هو عليه" فهذا ضمان مخصوص بحالة مخصوصة فلا يجوز إلزامه به في غيرها، كما لو ضمن الحال مؤجلًا أو ضمنه في مكان دون مكان، فإن خاف من إفساد هذا أيضًا فليشهد عليه أنه لا يستحق المطالبة له به إلا عند تعذر مطالبة الأصيل، وأنه متى طالبه أو ادعى عليه به مع قدرته على الأصيل كانت دعواه باطلة، واللَّه أعلم. [حكم عقد الإجارة المبهم] المثال الخامس (٥) والستون: قد تدعو الحاجة إلى أن يكون عقد الإجارة مبهمًا غير معين، فمثاله أن يقول له: إنْ ركبت هذه الدابة إلى أرض كذا [فلك عشرة وإن ركبتها إلى أرض كذا فلك] (٦) خمسة عشر، أو يقول: إن خِطْتَ هذا القميص اليوم فلك درهم، كان خطته غدًا [فلك] (٧) فنصف درهم، وإن زرغتَ هذه الأرض حنطة فأجرتها مئة، أو شعيرًا فأجرتها خمسون، ونحو ذلك؛ فهذا (٨) كله جائز صحيح، لا يدل على بطلانه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، بل هذه الأدلة تقتضي صحته، كان كان فيه نزاع متأخر (٩)، فالثابت عن الصحابة ﵃ الذي لا يُعْلَم عنهم فيه نزاع جوازه كما ذكره البخاري في "صحيحه" عن عمر أنه دفع أرضه إلى مَنْ يزرعها وقال: إن جاء عمر بالبذْرِ من عنده فله كذا، كان جاءوا بالبذر فلهم كذا (١٠)، ولم يخالفه صحابي واحد، ولا محذور في ذلك، ولا خطر، ولا غَرَر، ولا أهل مال بالباطل، ولا جهالة تعود إلى العمل ولا إلى العوض، فإنه لا يقع إلَّا معينًا، والخِيَرَةُ إلى الأجير؛ أيَّ ذلك أحَبَّ أن يستوفي فَعَلَ، فهو كما لو قالماله: أي ثوب أخذته من هذه الثياب فقيمته (١١)

стр. 2318

كذا، أو أي دابة ركبتها فأجرتها كذا، أو أجرة هذه الفرس كذا أو أجرة (١) هذا الحمار كذا، فأيها شئت فخذه، أو ثمن هذا الثوب مئة وثمن هذا مئتان، ونحو ذلك مما ليس فيه غرر ولا جهالة ولا ربا ولا ظلم، فكيف تأتي الشريعة بتحريمه؟ وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة على فعله، وكثير من المتأخرين من أتباع الأئمة يبطل [مثل] (٢) هذا العقد. [الحيلة على جواز عقد الإجارة المبهم] فالحيلة على جوازه أن يقول: استأجرتك لتخيطه اليوم بدرهم، فإن (٣) خطته غدًا فلك أجرة [مثله] (٤) نصف درهم، وكذا يقول: أجرتك هذه الدابة إلى أرض كذا بعشرة، [فإن ركبتها إلى أرض كذا] (٥) وكذا فعليك أجرة مثلها كذا وكذا، فإن خاف أن تكون يده يد عُدوَانٍ ضمنه (٦) فليقل: فإذا انقضت المسافة الأولى فهي أمانة عندك، هذا عند من لم يصحح الإجارة المضافة، ومن صححها فالحيلة عنده أن يقول: فإذا قطعت هذه المسافة فقد آجرتكها إلى مسافة كذا [وكذا] (٤)، فإذا انتهت آجرتكها إلى مسافة [كذا] (٤) وكذا، فإن خشي المستأجر أن ينقضي شغله قبل ذلك فيبقي عقد الإجارة لازمًا له وقد فرغ شغْلُه فالحيلة أن يقول: إذا انقضت المسافة أو المدة فقد وكلتك في إجارتها لمن شئت، فليؤجرها لغيره ثم يستأجرها منه، فإن خاف أن لا تتمَّ هذه الحيلة على أصل مَنْ لا يجوز تعليق الوكالة بالشرط فليوكله في الحال وكالة غير معلقة، ثم يعلق تصرفه بالشرط، فيقول: أنت وكيلي في إجارتها، [فإذا انقضَتِ المدة فقد أذنت لك في إجارتها] (٧). وقال القاضي أبو يعلى في كتاب "إبطال الحيل": إن احتال في إجازة هذا الشرط فقال: استأجرها إلى دمشق بكذا، ومن دمشق إلى الرملة بكذا، ومن الرملة إلى مصر بكذا، جاز [له] (٨)؛ لأنه إذا سمى لكل من المسافتين أجرة معلومة فكل واحدة منهما كالمعقود عليه على حاله، فلا يمنع صحة العقد. قلت: ولكن لا تنفعه هذه الحيلة إذا انقضى غرضُه عند المسافة الأولى،

стр. 2319

ويبقى عقد الإجارة لازمًا له فيما وراءها، فتصير كما لو استأجرها إلى مصر فانقضى غرضه في الرملة، فما الذي أفاده تعددُ العقود؟ فوجود هذه الحيلة وعدمها (١) سواء، فالوجه ما ذكرناه، واللَّه أعلم. [بيع المقاثي والباذنجان بعد بدو صلاحها] المثال السادس (٢) والستون: يجوز بيع المَقَاثي (٣) والباذنجان ونحوها (٤) بعد أن يبدو صلاحهما كما تباع الثمار في رؤوس الأشجار (٥)، ولا يمنع من صحة البيع تلاحُقُ المبيع شيئًا بعد شيء، كما لم يمنع ذلك صحة بيع التوت والتين وسائر ما يخرج شيئًا بعد شيء، هذا محض القياس، وعليه تقوم مصالح بني آدم، ولا بد لهم منه، ومَنْ منع بيع ذلك إلا لقطة لقطة فمع أن ذلك متعذر في الغالب لا سبيل إليه إذ (٦) هو في غاية الحرج والعسر فهو مجهول لا ينضبط ولا ما هي اللقطة المبيعة أهي الكبار أو الصغار أو المتوسط أو بعض ذلك؟ وتكون المقثأة كبيرة جدًا لا (٧) يمكن أخذ اللقطة الواحدة إلا في أيام متعددة فيحدث كل يوم لقطة أخرى تختلط بالمبيع ولا يمكن تميزها منه ولا سبيل إلى الاحتراز من ذلك إلا أن يجمع دوابَّ المصر كلها في يوم واحد، ومَنْ أمكنه من القَطَّافين ثم يقطع الجميع في يوم واحد ويعرضه للتلف والضياع، وحاشا أكمل الشرائع -بل غيرها من الشرائع- أن تاتي بمثل هذا، وإنما هذا من الأغلاط الواقعة بالاجتهاد، وأين حرم اللَّه تعالى ورسوله ﷺ على الأمة ما (٨) هم أحوج الناس إليه [ثم] (٩) أباح

стр. 2320

لهم نظيره؟ فإن كان هذا غَرَرًا (١) فبيع الثمار المتلاحقة الأجزاء غرر، وإن [لم] (٢) يكن ذلك غررًا فهذا مثله، والصواب أن كليهما ليس غررًا [لا] (٣) لغة ولا عرفًا ولا شرعًا؛ ودعوى أن ذلك غرر دعوى بلا برهان، فإن ادعى ذلك على اللغة طولب بالنقل، ولن يجد إليه سبيلًا، وإن ادعى ذلك على العرف فالعرف شاهد بخلافه، وأهل العرف لا يعدون ذلك غَررًا، وإن ادعاه على الشرع طولب بالدليل الشرعي، فإن بُلي بمن يقول هكذا في الكتاب وهكذا قالوا؛ فالحيلة في الجواز أن يشتري ذلك بعروقه، فإذا استوفى ثمرته تصرَّف في العروق بما يريد. والمانعون يُجَوِّزون هذه الحيلة، ومن المعلوم أن العروق غير مقصودة، وإنما المقصود الثمرة، فإن امتنع البيع لأجل الغرر فالغرر لم يزل بملك العروق، وهذا في غاية الظهور، وبيع ذلك كبيع الثمار، وهو قول أهل المدينة (٤)، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخنا (٥). [قسمة الدين المشترك] المثال السابع والستون (٦): تجوز قسمة الدَّيْن المشترك بميراث أو عقد [أو] (٧) إتلافِ فينفرد كل من الشريكين بحصته، ويختص بما قبضه، سواء كان في ذمة واحدة أو في ذمم متعددة، فإنَّ الحق لهما فيجوز أن يتفقا على قسمته أو على (٨) بقائه مشتركًا ولا محذور في ذلك، بل هذه أولى بالجواز من قسمة المنافع بالمهاياة بالزمان أو بالمكان، ولا سيما فإن المهايأة بالزمان تقتضي تقدم أحدهما على الآخر، وقد تسلم (٩) المنفعة

стр. 2321

إلى نَوْبة الشريك، وقد تتوى (١)، والدين في الذمة (٢) يقوم مقام العين، ولهذا تصح المعاوضة عليه من الغريم وغيره، وتجب على صاحبه زكاته إذا تمكَّن من قبضه، ويجب عليه الإنفاق على أهله وولده ورقيقه منه، ولا يُعدّ فقيرًا معدمًا، فاقتسامه يجري مجرى اقتسام الأعيان والمنافع، فإذا رضي كل من الشريكين أن يختص بما يخصه من الدين فينفرد هذا برجل يطالبه وهذا برجل يطالبه، أو ينفرد هذا بالمطالبة بحصته وهذا بالمطالبة بحصته، لم يهدما بذلك قاعدة من قواعد الشريعة، ولا استحلا (٣) ما حرَّم اللَّه، ولا خالفا (٤) نص كتاب اللَّه ولا سنة رسوله ولا قول صاحب ولا قياسًا (٥) شهد له الشرع بالاعتبار، وغاية ما يقدر (٦) عدم تكافؤ الذمم ووقوع التفاوت فيها، وأنَّ (٧) ما في الذمة لم يتعيَّن فلا يمكن قسمته، وهذا لا يمنع تراضيهما بالقسمة مع التفاوت، فإن الحق لا يعدوهما، وعدم تعين ما في الذمة لا يمنع القسمة فإنه يتعين تقديرًا، ويكفي في إمكان (٨) القسمة التعين بوجه، فهو معين تقديرًا ويتعين بالقبض تحقيقًا، وأما قول أبي الوفاء ابن عقيل: "لا تختلف الرواية عن أحمد في جواز (٩) قسمة الدَّين في الذمة الواحدة، واختلفت الرواية [عنه] (١٠) في جواز قسمته إذا كان في الذمتين، فعنه [فيه] (١٠) روايتان"، فليس كذلك، بل عنه في كل من الصورتين روايتان، وليس في أصوله ما يمنع جواز القسمة، كما ليس في أصول الشريعة ما يمنعها، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة على الجواز، وأما من منع من القسمة فقد تشتد الحاجة إليها، فيحتاج إلى التحيّل عليها، فالحيلة أن يأذن لشريكه أن يقبض من الغريم ما يخصه، فإذا فعل لم يكن لشريكه أن يخاصمه (١١) فيه بعد الإذن، على الصحيح من المذهب

стр. 2322

كما صرَّح به الأصحاب، وكذلك (١) لو قبض حصته ثم استهلكها قبل المحاصَّة لم يضمن (٢) لشريكه شيئًا، وكان المقبوض من ضمانه خاصة، وذلك أنه لما أذن لشريكه في قبض ما يخصه فقد أسقط حقه من المحاصة، فيختص الشريك بالمقبوض، وأما إذا استهلك الشريك ما قبضه فإنه لا يضمن لشريكه حصته منه قبل المحاصة؛ لأنه لم يدخل في ملكه، ولم يتعين له بمجرد قبض الشريك له، ولهذا لو وفَّى شريكه نظيره لم يقل انتقل إلى القابض الأول ما كان ملكًا (٣) للشريك، فدل على أنه إنما يصير ملكًا له بالمحاصّة لا بمجرد قبض الشريك. ومن الأصحاب من فرق بين كون الدَّين بعقد وبين كونه بإتلاف أو إرث، ووجه الفرق أنه إذا كان بعقد فكأنه عقد مع الشريكين، فلكل منهما أن يطالب بما يخصه، بخلاف دَيْن الإرث والإتلاف، واللَّه أعلم (٤). [بيع المغيَّبات في الأرض] المثال الثامن (٥) والستون: اختلف الفقهاء في جواز بيع المغيبات في الأرض من البصل والثوم والجزر (٦) واللفت والفجل والقلقاس ونحوها على قولين (٧): أحدهما: المنع من بيعه كذلك لأنه مجهول غير مشاهد، والوَرَق لا يدل على باطنه، بخلاف ظاهر الصُّبرة. وعند أصحاب هذا القول لا يباع حتى يُقلع. والقول الثاني: يجوز بيعه كذلك على ما جَرَت به عادة أصحاب الحقول. وهذا قول أهل المدينة (٨)، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد (٩)، اختاره

стр. 2323

شيخنا (١)، وهو الصواب المقطوع به فإن في المنع من بيع ذلك حتى يقلع أعظم الضرر والحرج والمشقة مع ما فيه من الفساد الذي لا تأتي به شريعة، فإنه إن قلعه كله في وقت واحد تعرَّض للتلف والفساد. وإن قيل: "كما أردت بيع شيء منه فاقلعه" كان فيه من الحرج والعُسْر ما هو معلوم. وإن قيل: "اتركه في الأرض [حتى] (٢) يفسد ولا تبعه فيها" فهذا لا تأتي به شريعة، وبالجملة فالمفتون بهذا القول لو بُلوا بذلك في حقولهم (٣) أو ما هو وقف عليهم ونحو ذلك لم يمكنهم إلا بيعه في الأرض ولا بد، أو إتلافه وعدم الانتفاع به، وقول القائل: "إن هذا غرر ومجهول" فهذا ليس حظّ الفقيه ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عَدُّوه قمارًا أو غررًا فهم أعلم بذلك، وإنما حظُ الفقيه: يحل كذا لأن اللَّه أباحه ويحرم كذا لأن اللَّه حرمه وقال اللَّه تعالى وقال رسوله وقال الصحابة، وأما أن يرى هذا (٤) خطرًا وقمارًا أو غررًا فليس من شانه بل أربابه أخبر بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيبًا أم لا، وكون هذا البيع (٥) مربحًا أم لا، وكون هذه السلعة نافقة في وقف كذا وبلد كذا (٦)، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في (٧) الأحكام الشرعية. فإن بليت بمن يقول: هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا؛ فالحيلة في الجواز أن تستأجر منه الأرض المشغولة بذلك مدة يعلم فراغه منها، ويقر له إقرارًا مشهودًا [له] (٨) به أن ما في باطن الأرض [له] (٩) لا حق للمؤجِّر فيه، ولكن عكس هذه الحيلة (١٠) لو أصابته آفة لم يتمكن من وضع الجائحة عنه، بخلاف ما إذا اشتراه بعد بدوّ صلاحه فإنه كالثمرة على رؤوس الشجر إن (١١) أصابته آفة وضعت عنه الجائحة، وهذا هو الصواب في المسألتين: جواز بيعه، ووضع الجوائح فيه، واللَّه أعلم.

стр. 2324

[المبايعة يوميًا والقبض عند رأس الشهر] المثال التاسع (١) والستون: اختلف (٢) الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقت العقد (٣)، وصورتها البيع ممن يعامله من خبّاز أو (٤) لحّام أو (٤) سمّان أو (٤) غيرهم، يأخذ منه كل يوم شيئًا معلومًا ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع ويعطيه ثمنه (٥)، فمنعه الأكثرون وجعلوا القبض به غير ناقل للملك (٦)، وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغَصْب؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد. هذا، وكلهم إلا من شدَّد على نفسه يفعل ذلك، ولا (٧) يجد منه بدًا، وهو يفتي ببطلانه، وأنه باقٍ على ملك البائع (٨)، ولا يمكنه التخلص من ذلك إلا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها قلَّ ثمنها أو أكثر، كان كان ممن شَرَطَ الإيجاب والقبول لفظًا، [فلا بد مع المساومة أن يقرن بها الإيجاب والقبول لفظًا] (٩). والقول الثاني -وهو الصواب المقطوع به، وهو عمل الناس في كل عصر ومصر- جواز البيع بما ينقطع به السعر، وهو منصوص الإمام أحمد، واختاره شيخنا (١٠)، وسمعتُه يقول: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوةٌ بالناس آخذ بما يأخذ به غيري، قال ﵀ ورضي عنه: والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه، بل هم واقعون فيه، وليس في كتاب اللَّه تعالى ولا سنة رسوله (١١) ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرِّمه، وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل، وأكثرهم يجوِّز (١٢) عقد الإجارة بأجرة المثل كالنكاح (١٣) والغَسَّال والخبَّاز والملَّاح وقيّم الحَمّام والمكاري (١٤)، والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمام، فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعًا (١٥) بثمن

стр. 2325

المثل، فيجوز، كما تجوز المعاوضة بثمن المثل (١) في [مثل] (٢) هذه الصورة وغيرها، فهذا هو القياس الصحيح، ولا تقوم مصالح الناس إلا به. فإن بليت بالقائل: هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا؛ فالحيلة في الجواز أن يأخذ ذلك قرضًا في ذمته، فيجب عليه للدافع مثله، ثم يعاوضه عليه بثمن معلوم، فإنه بيع للدَّين من الغريم وهو جائز. ولكن في هذه الحيلة آفة، وهو (٣) أنه قد يرتفع السعر فيطالبه بالمثل فيتضرر الآخذ، وقد ينخفض فيعطيه المثل فيتضرر الأول، فالطريق الشرعية التي لم يحرمها اللَّه و [لا] (٢) رسوله ﷺ أولى بهما، واللَّه أعلم. [توكيل الدائن في استيفاء الدَّين من غلة الوقف] المثال السبعون (٤): إذا كان له عليه دين، وله وقف من غلة دار أو بستان، فوكَّل صاحب الدين أن يستوفي ذلك من دينه جاز، فإن خاف أن يحتال عليه ويعزله عن الوكالة، فليجعلها حوالة على من في ذمته عوض ذلك المغل، فإن لم يكن قد آجر الدار أو الأرض لأحد، فالحيلة أن يستأجرها منه صاحب الدين بعوض في ذمته، ثم يعاوضه (٥) بدينه من ذلك العوض، فإن أراد أن يكون هو وكيله في استيفاء دينه من تلك المنافع لا بطريق الإجارة ولا بطريق الحوالة، بل بطريق الوكالة في قبض ما يصير إليه من غلَّة ذلك الوقف، وخاف عزله، فالحيلة أن يأخذ إقراره أن الواقف شَرَط أن يقضي ما عليه من الدَّين أولًا، ثم يصرف إليه بعد الدين كذا وكذا، وأنه وجب لفلان -وهو الغريم- عليه من الدين كذا وكذا، وأنه يستحقه من مغل هذا الوقف مقدمًا به على سائر مصارف الوقف، وأنه لا ينتقل من الموقوف شيء قبل قضاء الدين، وأن ولاية أمر هذا الوقف إلى فلان حتى يستوفي دينه، فإذا استوفاه فلا ولاية له عليه، كان حكم حاكم بذلك كان أوفق. [تعليق الإبراء بالشرط] المثال الحادي والسبعون (٦): إذا كان له عليه دين فقال: "إن متَّ قبلي فأنت

стр. 2326

في حل، كان مت قبلك فأنت في حل" صح وبرئ في الصورتين، فإنَّ إحداهما وصية والأخرى إبراء معلق بالشرط، ويصح تعليق الإبراء بالشرط؛ لأنه إسقاط، كما يصح تعليق العتق والطلاق، وقد نص (١) الإمام أحمد ﵀ في الإحلال من العرض والمال مثله. وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: إذا قال: "إن مت قبلك فأنت في حل" هو إبراء صحيح لأنه وصية، كان قال: "إن مت قبلي فأنت في حل" لم يصح، لأنه تعليق للإبراء بالشرط، ولم يقيموا شبهة فضلًا عن دليل صحيح على امتناع تعليق الإبراء بالشرط، ولا يدفعه نص ولا قياس ولا قول صاحب، فالصواب صحة الإبراء في الموضعين، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة. فإن بلي بمن يقول: هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا؛ فالحيلة أن يشهد عليه أن لا يستحق عليه شيئًا (٢) بعد موته من هذا الدَّين ولا في تركته، وإن [شاء] (٣) كتب الفصلين في سجل واحد، وضمَّنه الوصية له به إن مات رب الدين، وإن مات المدين فلا (٤) حق له به قبله، فيصح حينئذ مستندًا إلى ظاهر الإقرار، وهو إبراء في المعنى واللَّه سبحانه أعلم (٥). [استدراك الأمين لما غلط فيه] المثال الثاني والسبعون (٦): لو غَلِط المضارب أو الشريك وقال: "ربحت ألفًا" ثم أراد الرجوع لم يقبل منه؛ لأنه إنكار بعد إقرار، ولو أقام بينة على الغلط فالصحيح أنها تُقبل، وقيل: لا تقبل؛ لأنه مكذب لها؛ فالحيلة في استدراكه ما غلط فيه بحيث تقبل منه أن يقول: خسرتها بعد أن ربحتها، فالقول قوله في ذلك، ولا يلزمه الألف، وهكذا الحيلة في استدراك كل أمين لظلامته كالمودع إذا ردَّ الوديعة التي دفعت إليه ببيِّنة ولم يشهد على ردها، فهل يقبل قوله في الرد؟ فيه

стр. 2327

قولان هما روايتان عن الإمام أحمد (١)، فإذا خاف أن لا يقبل قوله فالحيلة في تخلّصه أن يدّعي تلفها من غير تفريط، فإن حلَّفه على ذلك فليحلف (٢) مورِّيًا متأولًا أنَّ تلفها من عنده خروجها من تحت يده ونظائر ذلك، واللَّه أعلم. [تصرف المدين الذي استغرقت الديون ماله] المثال الثالث (٣) والسبعون: إن (٤) استغرقت الديون ماله لم يصح تبرعه بما يضر بأرباب الديون، سواء حَجَر عليه الحاكم أو لم يحجر [عليه] (٥)، هذا مذهب مالك واختيار (٦) شيخنا (٧). وعند الثلاثة يصح تصرفه في ماله قبل الحجر بأنواع التصرف، والصحيح هو القول الأول، وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره، بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ لأن حق الغرماء قد تعلَّق بماله؛ ولهذا يحجر عليه الحاكم، ولولا تعلُّق حق الغرماء بماله لم يسع الحاكم الحجر عليه، فصار كالمريض مرض الموت لما تعلق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرّع بما زاد على الثلث، فإن في تمكينه من التبرع بماله إبطال حق الورثة منه، وفي تمكين هذا المديان من التبرع إبطال حقوق الغرماء، والشريعة لا تأتي بمثل هذا؛ فإنها إنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق (٨) بكل طريق، وسدِّ الطرق المفضية إلى إضاعتها، وقال النبي ﷺ : "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّاها اللَّه عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه اللَّه" (٩)، ولا ريب أن هذا التبرع إتلاف لها، فكيف ينفذُ تبرع [من] (١٠) دعا رسول اللَّه ﷺ على فاعله؟ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀

стр. 2328

يحكي عن بعض علماء عصره من أصحاب أحمد أنه كان ينكر هذا المذهب ويضعِّفه، قال: إلى أن بُلي بغريم تبرَّع قبل الحجر عليه فقال: واللَّه مذهب مالك هو الحق في هذه المسألة، وتبويب البخاري وترجمته واستدلاله يدل على اختياره هذا المذهب، فإنه قال (١) في باب: (من ردَّ أمر السفيه والضعيف [العقل] وإن لم يكن حجر عليه الإمام): ويُذكر عن جابر أن النبي ﷺ رد على المتصدِّق قبل النهي ثم نهاه، فتأمل هذا الاستدلال، قال عبد الحق (٢): أراد به -واللَّه أعلم- حديث جابر في بيع المدبر (٣)، ثم قال البخاري في هذا الباب نفسه: وقال مالك: إذا كان لرجل [على رجل] (٤) مال وله عبد [و] (٥) لا شيء [له] (٦) غيره فأعتقه لم يجز عتقه، ثم ذكر حديث: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها اللَّه عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه اللَّه" (٧)، وهذا الذي حكاه عن مالك هو في كتب أصحابه، وقال ابن الجلاب (٨): "ولا تجوز هبة المفلس ولا عتقه ولا صدقته إلا بإذن غرمائه، وكذلك المديان الذي لم يفلسه غرماؤه في عتقه وهبته وصدقته". وهذا القول هو الذي لا نختار غيره، وعلى هذا فالحيلة لمن تبرَّع غريمه بهبة أو صدقة (٩) أو وقف أو عتق وليس في ماله سعة له ولدائنه (١٠) أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلان هذا التبرع، ويسأله الحكم ببطلانه، فإن لم يكن في بلده حاكم يحكم بذلك فالحيلة أن يأخذ عليه إذا خاف منه ذلك الضمين أو الرهن، فإن بادر الغريم وتبرع قبل ذلك فقد ضاقت الحيلة على صاحب الحق، ولم يبق له غير أمر واحد، وهو التوصل إلى إقراره بأنَّ ما في يده أعيان أموال الغرماء فيمتنع التبرع بعد الإقرار، فإن قدَّم تاريخ الإقرار بطل التبرع المتقدم أيضًا، وليست هذه حيلة على إبطال حق ولا تحقيق باطل، بل على [إبطال] (١١) جور وظلم؛ فلا بأس بها، واللَّه أعلم.

стр. 2329

[خوف الدائن من جحد المدين] المثال الرابع (١) والسبعون: إذا كان له [عليه] (٢) دين ولا بيَّنة له به، ويخاف (٣) أن يجحده، أو له بينة [به] (٤) ويخاف أن يمطله فالحيلة أن يستدين منه بقدر دينه إن أمكن، ولا يضره أن يعطيه به رهنًا أو كفيلًا، فإذا ثبت له في ذمته نظير دينه قاصَّه به، كان لم يرض على أصح المذاهب، فإن حذَّر غريمه من ذلك وأمكنه أن يشتري منه سلعة ولا يعين الثمن ويخرج النقد فيضعه بين يديه فإذا قبض السلعة وطلب منه الثمن قاصَّه بالدين الذي عليه، وبكل حال فطريق الحيلة أن يجعل له [عليه] (٢) من الدين نظير ماله. [خوف زوج الأمة من رق أولاده] المثال الخامس (٥) والسبعون: إذا خاف العنت ولم يجد طَوْل حرَّة وكره رق أولاده فالحيلة في عتقهم أن يشترط على السيد أن ما ولدته زوجته منه من الولد (٦) فهم أحرار، فكل ولد تلده بعد ذلك منه فهو حر، ويصح تعليق العتق بالولادة كما لو قال لأمته: كل ولد تلدينه فهو حر، قال ابن المنذر: لا أحفظ فيه خلافًا (٧). فإن قيل: فهل تجوّزون نكاح الأمة بدون الشرطين إذا أمن رقَّ ولده بهذا التعليق؟ قيل: هذا محل اجتهاد، ولا تأباه أصول الشريعة، وليس فيه إلا أن الولد يثبت عليه الولاء للسيد، وهو شعبة من الرق، ومثل هذا هل ينتهض سببًا لتحريم نكاح الأمة أو يقال -وهو أظهر-: أن اللَّه تعالى منع من نكاح الإماء لأنهن في الغالب لا يحجبن حجب الحرائر، وهن في مهنة ساداتهن وحوائجهن (٨)، وهن

стр. 2330

برزات لا مخدرات؟ وهذه كانت عادة العرب في إمائهن (١)، وإلى اليوم، فصان اللَّه تعالى الأزواج أن تكون زوجاتهم بهذه المثابة، مع ما يتبع ذلك من رق الولد، وأباحه لهم عند الضرورة إليه كما أباح الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة، وكل هذا منع منه كنكاح غير المحصنة، ولهذا شرط تعالى في نكاحهن أن يكن ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] أي غير زانية مع من كان، ولا زانية مع خدنها (٢)، وعشيقها دون غيره، فلم يبح [لهم] (٣) نكاح الإماء [إلا] (٤) بأربعة شروط: عدم الطَّوْل، وخوف العنت، وإذن سيدها، وأن تكون عفيفة غير فاجرة فجورًا عامًا ولا خاصًا، واللَّه [تعالى] (٥) أعلم. المثال السادس (٦) والسبعون: إذا لم تمكّنه أمته من نفسها حتى يعتقها ويتزوجها، وهو لا يريد إخراجها عن ملكه (٧)، ولا تصبر نفسُه عنها؛ فالحيلة أن يبيعها أو يهبها لمن يثق به، ويُشهد عليه من حيث لا تعلم هي، والبيع أجود؛ لأنه لا يحتاج إلى قبض، ثم يعتقها، ثم يتزوجها، فإذا فعل [ذلك] (٨) استردها من المشتري من حيث لا تعلم الجارية، فانفسخ النكاح، فيطؤها بملك اليمين ولا عدة عليها. [الحيلة في الخلاص من بيع جاريته] المثال السابع (٩) والسبعون: إذا أراده من لا يملك (١٠) ردَّه على بيع جاريته منه فالحيلة في خلاصه أن يفعل ما ذكرناه (١١) سواء، ويُشهد على عتقها أو نكاحها (١٢)، ثم يستقيله البيع، فيطؤها بملك [اليمين] (١٣) في الباطن وهي زوجته في الظاهر، ويجوز هذا لأنه يدفع به عن نفسه، ولا يسقط به حق ذي حق، كان شاء احتال بحيلة أخرى وهي إقراره بأنها وضعت منه ما يتبين (١٤) به خَلْق الإنسان

стр. 2331

فصارت بذلك أم ولد لا يمكن نقل الملك فيها فإن أحبَّ دفع التهمة عنه وأنه قصد بذلك التحيل فيبيعها (١) لمن يثق به، ثم يواطئ المشتري على أن يدَّعي عليه أنها وضعت في ملكه ما فيه سورة إنسان، ويقر بذلك فينفسخ البيع، ويكتب بذلك (٢) محضرًا فإنه يمتنع بيعها بعد ذلك. المثال الثامن (٣) والسبعون: إذا أراد أن يبيع الجارية من رجل بعينه، ولم تَطْب نفسُه بأنْ (٤) تكونَ عند غيره، فله في ذلك أنواع من الحيل: إحداها (٥): أن يشترط عليه أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، كما اشترطت ذلك امرأة عبد اللَّه بن مسعود عليه (٦)، ونص الإمام أحمد على جواز [هذا] (٧) البيع والشرط في رواية علي بن سعيد، وهو الصحيح، فإن لم تتم له هذه الحيلة لعدم مَنْ يَنفِّذها [له] (٨) فليشترط عليه أنَّك إنْ (٩) بعتها لغيري فهي حرة، ويصح هذا الشرط، وتعتق عليه إنْ باعها لغيره، إما بمجرد الإيجاب عند صاحب "المغني" (١٠)، وغيره، وإما بالقبول فيقع العتق عقيبه وينفسخ البيع عند صاحب "المحرَّر" (١١)، وهذه طريقة القاضي، [قال] (١٢) في كتاب "إبطال الحيل": إذا قال: "إن بعتك هذا العبد فهو حر"، وقال المشتري: "إن اشتريته فهو حر" فباعه عتق على البائع؛ لأنه ليس له عند دخوله في ملك الآخر (١٣) حال استقرار حتى يعتق عليه بنيته (١٤) التابعة؛ لأن خيار المجلس ثابت للبائع، فملك المشتري غير مستقر، و [هو] (١٥) قول صاحب "المحرر": "وانفسخ البيع " (١٦) تقريرٌ لهذه الطريقة وأنه إنما يعتق بالقبول، ويعتق في مدة الخيار على أحد الوجوه الثلاثة؛ فإن لم تتم له هذه الحيلة عند من لا يصحح (١٧) هذا التعليق ويقول: إذا اشتراها مَلَكَها

стр. 2332

ولا تعتق بالشرط في ملك الغير كما يقوله أبو حنيفة فله حيلة أخرى وهي أن يقول: إذا بعتها فهي حرة قبل البيع، فيصح هذا التعليق، فإذا باعها حكمنا بوقوع العتق قبل البيع على أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد ﵄، فإذا (١) لم تتم له هذه الحيلة عند من لا يصحح هذا التعليق فله حيلة أخرى وهي أن يقول: إذا اشتريتها فهي [حرة] (٢) مدبرة، فيصح هذا التعليق، ويمتنع بيعها عند أبي حنيفة ﵀ فإن التدبير عنده جار مجرى العتق المعلَّق بصفة، فإذا اشتراها صارت مدبرة، ولم يمكنه بيعها عنده، فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من لا يجوز تعليق التدبير بصفة فالحيلة أن يأخذ البائع إقرار المشتري بأنه دبر هذه الجارية بعدما اشتراها، وأنه جعلها حرة بعد موته، فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من يجوز بيع المدبر -وهو الإمام أحمد ومن قال بقوله- فالحيلة أن يُشهد عليه قبل أن يبيعها منه أنه كان تزوجها من سيدها تزويجًا صحيحًا، وأنها ولدت منه ولدًا ثم اشتراها بعد ذلك فصارت أم ولده، فلا (٣) يمكنه بيعها. فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من يعتبر في كونها أم ولد أن تحمل وتضع في ملكه ولا يكفي أن تلد منه في غير ملكه كما هو ظاهر مذهب أحمد والشافعي -فقد ضاقت عليه وجوه الحيل، ولم يبق له إلا حيلة واحدة وهي أن يتراضى سيد الجارية والمشتري برجل ثقة عدل بينهما فيبيعها هذا العدل بطريق الوكالة عن سيدها بزيادة على ثمنها الذي اتفقا عليه، ويزيد ما شاء، ويقبض منه الثمن الذي اتفقا عليه، فإن أراد المشتري بيعها طَالبَه بباقي الثمن الذي أظهره، ولو لم يدخلا بينهما ثالثًا بل اتفقا على ذلك فقال: "أبيعكها بمئة دينار وآخذ (٤) منك أربعين، فإن بعتها طالبتك بباقي الثمن، كان لم تبعها لم أطالبك" جاز، لكن في توسط [العدل] (٥) الذي يثق به المشتري كأبيه (٦) وصاحبه، تطييب لقلبه وأمان له من مطالبة البائع له بالثمن الكثير. [حيلة في تعليق الطلاق قبل التزويج] المثال التاسع (٧) والسبعون: إذا طلب منه ولده أو عبده أن يزوجه، وخاف أن يلحقه ضرر بالزوجة ويأمره (٨) بطلاقها فلا يقبل، فالحيلة أن يقول له: لا

стр. 2333

أزوجك إلا أن تجعل أمر الزوجة بيدي، فإن وثق منه بذلك الوعد قال له بعد التزويج: أمرها بيدك، كان لم يثق منه به وخاف أنه إذا قبل العقد لا يفي (١) له بما وعده، فالحيلة أن لا يأذن له حتى يعلق ذلك بالنكاح، فيقول: إن تزوجتها (٢) فأمرها بيدك، ويصح هذا التعليق على مذهب أهل المدينة وأهل العراق، فإن أراد أن يكون ذلك مجمعًا عليه فليكتب في كتاب الصداق: "وأقر الزوج المذكور أن أمر الزوجة (٣) المذكورة بيد السيد أو الأب" فإذا وقع ما يحذره منها تمكن حينئذ من التطليق عليه، واللَّه تعالى أعلم. لكن قد يخرجه عن الوكالة بعد ذلك فلا يتم مراده، فالحيلة أن يشترط عليه أنه متى أخرجه عن الوكالة فهي طالق. [حيلة في جواز بيع المدبر] المثال الثمانون (٤): إذا دبر عبده أو أمته جاز له بيعه ويبطل تدبيره، فإن خاف أن يرفعه العبد إلى حاكم لا يرى بيع المدبر فيحكم عليه بالمنع من بيعه، فالحيلة أن يقول: إن مت وأنت في ملكي فانت حر بعد موتي، فإذا قال ذلك تم له الأمر كما أراد، فإن أراد بيعه ما دام حيًا فله ذلك، كان مات وهو في ملكه عتق عليه، والفرق بين (٥) أن يقول: "أنت حر بعد موتي"، [وبين أن يقول: "إن مت وأنت في ملكي فأنت حر بعد موتي"] أن هذا تعليق للعتق بصفة، وذلك (٦) لا يمنع بيع العبد كما لو قال: "إن دخلت الدار فأنت حر" فله بيعه قبل وجود الصفة، بخلاف قوله: "أنت حر بعد موتي" فإنه جزم بحريته في ذلك الوقت، ونظير هذا أنه لو قال [له] (٧): "إن مت قبلي فأنت في حل من الدين الذي عليك" فهو إبراء معلق بصفة، ولو قال له: "أنت في حل بعد موتي" (٨) صح ولم يكن تعليقًا للإبراء بالشرط، ونظيره لو قال: "إن مت فداري وقف" فإنه تعليق للوقف بالشرط، ولو قال: "هي وقف بعد موتي" صح، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 2334

[براءة أحد الضامنين بتسليم الآخر] المثال الحادي (١) والثمانون: لو أن رجلين ضمنا رجلًا بنفسه، فدفعه أحدهما إلى الطالب، برئ الذي لم يدفع، وهذا بمنزلة رجلين ضمنا لرجل مالًا فدفعه إليه أحدهما فإنهما يبران جميعًا (٢)؛ لأن المضمون هو إحضار واحد، فإذا سلَّمه أحدهما فقد وجد الإحضار (٣) المضمون فبرئا جميعًا، قال القاضي: وربما ألزمه بعض القضاة الضمان بنفس المطلوب (٤)، ولا يجعل دفع الآخر براءة للذي لم يدفع، فالحيلة أن يضمنا للطالب هذا الرجل بنفسه، على أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعًا بريئان، فيتخلص على قول الكل، أو يشهد أن (٥) كل واحد منهما وكيل صاحبه في دفع هذا الرجل إلى الطالب والتبري إليه، فإذا دفعه أحدهما برئا جميعًا منه؛ لأنه إذا كان كل منهما وكيل صاحبه كان تسليمه كتسليم موكله. [زواج أحد دائني المرأة إياها بنصيبه من الدين] المثال الثاني والثمانون (٦): قال القاضي في كتاب " [إبطال] (٧) الحيل": إذا كان لرجلين على امرأة مال وهما شريكان، فتزوجها أحدهما على نصيبه من المال الذي عليها، لم يضمن لصاحبه شيئًا من المهر؛ لأنه لم يجعل نصيبه في ضمانه، فصار كما لو أبرأه، وربما ضمَّنه بعض الفقهاء، فالحيلة فيه أن يهب لها نصيبه مما عليها ثم يتزوجها بعد ذلك على مقدار ما وهبها، ثم تهب المرأة للزوج المهر الذي تزوجها عليه؛ لأن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لكونه متبرعًا، فإذا تزوجها بعد ذلك على مهر ووهبته له حصل مقصوده وتخلص من أقاويل المختلفين. [حيلة في عدم الحنث في يمين] المثال الثالث (٨) والثمانون: لو (٩) حلف رجل بالطلاق أنه لا يضمن عن أحد

стр. 2335

شيئًا (١) فحلف آخر بالطلاق [أن] (٢) لا بد أن تضمن عني، فالحيلة [في] (٢) أن يضمن عنه، ولا يحنث، أن يشاركه ويشتري متاعًا بينه وبين شريكه، قال القاضي: فإنه يضمن عن شريكه نصف الثمن، ولا يحنث الحالف [في يمينه] (٣)؛ لأن المحلوف عليه (٤) عقد الضمان، وما يلزمه في مسألتنا لا يلزمه بعقد الضمان، وإنما يلزمه بالوكالة؛ لأن كل واحد من الشريكين وكيل صاحبه فيما يشتريه، فلهذا لم (٥) يحنث في يمينه، فإن كانت بحالها ولم يكن بينه وبين المحلوف عليه شركة لكنه وكله المحلوف عليه فاشتراها لم يحنث أيضًا لما بيَّنا. [حيلة في ضمان شريكين] المثال الرابع (٦) والثمانون: شريكان شركة عنان (٧) ضمنا عن رجل مالًا بأمره على أنه إن أدى المال أحد الشريكين رجع به على شريكه، وإن أداه الآخر فشريكه منه بريء، وللمسألة أربع صور: إحداها (٨): أن يقولا أينا أداه رجع به على شريكه. الثانية: عكسه. الثالثة: أن يقول: إن أديته أنا رجعت به عليك ولا ترجع به عليَّ إن أديته. الرابعة: عكسه. فالصورة الأولى والثانية لا تحتاج إلى حيلة، وأما الثالثة والرابعة فالحيلة في جوازهما أن يضمن أحد الشريكين عن المدين ما عليه لصاحبه، ثم يجيء شريكه فيضمن ما لصاحب الحق عليهما، فإذا أدَّى هذا الشريك المال رجع به على شريكه والأصيل (٩)، وإذا أداه شريكه والأصيل لم يرجعا على الشريك بشيء؛ لأن

стр. 2336

شريكه قد صار صاحب الأصل (١) هاهنا، فلو رجع عليه لرجع هو عليه، فمن حيث يثبت يسقط، فلا معنى للرجوع عليه. [تحيل المظلوم على مسبة الناس للظالم] المثال الخامس (٢) والثمانون: لا بأس للمظلوم أن يتحيل على مسبة الناس لظالمه والدعاء عليه والأخذ من عرضه، كان لم يفعل ذلك بنفسه؛ إذ لعل ذلك يردعه ويمنعه من الإقامة على ظلمه، وهذا كما لو أخذ ماله فلبس أرثَّ الثياب بعد أحسنها، وأظهر البكاء والنَّحيب والتأوه، أو اذاه في جواره فخرج من داره وطرح متاعه على الطريق، أو أخذ دابته فطرح حمله على الطريق وجلس يبكي، ونحو ذلك، فكل هذا مما يدعو الناس إلى لعن الظالم له وسبه والدعاء عليه، وقد أرشد النبي ﷺ المظلوم بأذى جاره له إلى نحو ذلك، ففي (٣) "السنن" و"مسند الإمام أحمد" من حديث أبي هريرة ﵁ "أن رجلًا شكا إلى النبي (٤) ﷺ من جاره، فقال: اذهب فاصبر، فأتاه مرتين أو ثلاثًا، فقال: اذهب فاطرح متاعك في الطريق، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه: "فَعَلَ اللَّه به وفعل، فجاء إليه جاره فقال له: ارجع لا ترى مني شيئًا تكرهه" (٥) [هذا لفظ أبي داود] (٦). [من لطائف حيل أبي حنيفة] المثال السادس (٧) والثمانون: ما ذكر في "مناقب أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى" أن رجلًا أتاه بالليل فقال: أَدْرِكني قبل الفجر وإلا طلقت امرأتي، فقال: وما ذاك؟ قال: تركت الليلة كلامي، فقلت لها: إن طلع الفجر ولم تكلميني فأنت طالق ثلاثًا، وقد توسلَّت إليها بكل أمران تكلمني فلم تفعل، فقال [له] (٨): اذهب فمر مؤذن المسجد أن ينزل فيؤذن قبل الفجر، فلعلها إذا سمعته أن تكلمك، واذهب إليها وناشدها أن تكلمك قبل أن يؤذن المؤذن، ففعل الرجل،

стр. 2337

وجلس يناشدها، وأذَّن المؤذن، فقالت: قد طلع الفجر وتخلصت منك، فقال: قد كلمتيني قبل الفجر وتخلَّصتُ من اليمين (١)، وهذا من أحسن الحيل. [حيلة أخرى له] المثال السابع (٢) والثمانون: قال بشر بن الوليد (٣): كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلسه، فقال له يومًا: إني أريد التزوج بامرأة، وقد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي، و [قد] (٤) تعلقت بالمرأة، فقال له: أعطهم ما طلبوا منك، ففعل، فلما عقد العقد جاء إليه فقال: قد طلبوا مني المهر، فقال: احتل واقترض وأعطهم ففعل، فلما دخل بأهله قال: إني أخاف المطالبين بالدين وليس عندي ما أوفيهم (٥)، فقال: أظْهر أنك تريد سفرًا بعيدًا، وأنك تريد الخروج بأهلك، ففعل، واكترى جمالًا، فاشتد ذلك على المرأة وأوليائها، فجاءوا إلى أبي حنيفة ﵀، فسألوه، فقال: له أن يذهب بأهله حيث شاء، فقالوا: نحن نرضيه ونرد إليه ما أخذنا منه ولا يسافر، فلما سمع الزوج طمع وقال (٦): لا واللَّه حتى يزيدوني، فقال له: إن رضيت بهذا، وإلا أقرَّت المرأة أن عليها دَيْنًا لرجل، فلا يمكنك أن تخرجها حتى توفيه. فقال: باللَّه لا يسمع أهل المرأة ذلك منك (٧)، أنا أرضى بالذي أعطيتهم (٨). [تعليق الفسخ والبراءة بالشروط] المثال الثامن (٩) والثمانون: قال القاضي أبو يعلى: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على مئة درهم يؤديها إليه في شهر كذا فإن لم يفعل وأخَّرها إلى شهر (١٠) آخر فعليه مئتان، فهو جائز، وقد أبطله قوم آخرون،

стр. 2338

قال (١): أما جواز الصلح من ألف على مئة (٢) فالوجه فيه أن التسع مئة لا يستفيدها بعقد الصلح وإنما استفادها بعقد المداينة وهو العقد السابق؛ فعلم أنها ليست مأخوذة على وجه المعاوضة (٣)، وإنما هي على طريق الإبراء عن بعض حقه، قال: ويفارق هذا إذا كانت له ألف مؤجلة فصالحه على تسع مئة حالة أنه لا يجوز؛ لأنه استفاد هذه التسع مئة بعقد الصلح؛ لأنه لم يكن مالكًا لها (٤) حالَّة، وإنما كان يملكها مؤجلة، فلهذا لم يصح. وأما جوازه على الشرط المذكور -وهو أنه إنْ لم يفعل فعليه مئتان- فلأن المصالح إنما علَّق فسخَ البراءة بالشرط، والفسخ يجوز تعليقه بالشرط وإن لم يجز تعليق البراءة بالشرط، ألا ترى أنه لو قال: "أبيعك هذا الثوب بشرط أن تنقدني الثمنَ اليوم، فإن لم تنقدني الثمن اليوم فلا بيعَ بيننا" [أنه] (٥) إذا لم ينقد الثمن في يومه انفسخ العقد بينهما، كذلك هاهنا، ومَنْ لم يُجِز (٦) ذلك يقول: هذا تعليق براءة المال بالشرط، وذلك لا يجوز، قال: والوجه في جواز هذا الصلح على مذهب الجميع أن يعجل (٧) رب المال حطَّ ثمان مئة يحطّها على كل حال، ثم يصالح المطلوب من المئتين الباقيتين على مئة يؤديها إليه في شهر كذا على أنه إنْ أخَّرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما، فإذا فعل هذا فقد استوثق في قول الجميع؛ لأنه متى صالحه على مئتين و [قد] (٨) حطَّ عنه الباقي يصير كأنه لم يكن عليه من الدَّين إلا مئتا درهم، ثم صالحه عن (٩) المئتين الباقيتين على مئة يؤدّيها إليه في شهر كذا، فإنْ أخَّرها فلا صلح بينهما، فيكون [على] (١٠) قول الجميع فسخ العقد معلّقًا بترك النقد، وذلك جائز على ما بينّاه في البيع. فإن أراد أن يكاتب عبده على ألف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل فعليه ألف أخرى، فهي كتابة (١١) فاسدة؛ لأنه علَّق إيجاب المال بخطر، وتعليق

стр. 2339

المال بالأخطار لا يجوز، والحيلة في جوازه أن يكاتبه على ألفي درهم، ويكتب عليه بذلك كتابًا، ثم يصالحه بعد ذلك على ألف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، فيكون تعليقًا للفسخ بخطر، وذلك جائز على ما قدمناه من مسألة البيع؛ فإن كان السيد كاتب عبده على ألفي درهم إلى سنتين فأراد العبد أن يصالح سيّده على النصف يعجلها له؛ فإن ذلك جائز عندنا، ويبطله غيرنا، انتهى كلامه. [صلح الشفيع من الشفعة] المثال التاسع (١) والثمانون: قال القاضي: إذا اشترى رجل من رجل دارًا بالف درهم؛ فجاء الشفيع يطلب الشفعة؛ فصالحه المشتري على أن أعطاه نصف الدار بنصف الثمن، جاز؛ لأن الشفيع صَالحَ على بعض حقه، وذلك جائز كما لو صالح من ألف على خمس مئة؛ فإن صالحه على بيت من الدار بحصته من الثمن لم يجز؛ لأنه صالح على شيء مجهول؛ لأن ما يأخذه الشفيع يأخذه على وجه المعاوضة، وحصة المبيع [من الثمن] (٢) مجهولة، وجهالة العوض تمنع صحة العقد؛ فالحيلة حتى يسلم البيت للشفيع والدار للمشتري أن يشتري الشفيع هذا البيت من المشتري بثمن مسمَّى، ثم يسلم الشفيع للمشتري ما بقي من الدار، وشراء الشفيع لهذا البيت تسليم للشفعة، ومساومته بالبيت (٣) تسليم للشفعة؛ لأنه إذا اشتراه بثمن مسمَّى كان عوض البيت معلومًا، ودخوله في شراء البيت تسليم للشفعة فيما بقي من الدار، وذلك جائز؛ فالحيلة (٤) أن يأخذ البيت بهذا الثمن المسمى من غير أن يكون مسلمًا للشفعة حتى يجب له البيت أن يبدأ المشتري فيقول للشفيع: هذا البيت ابتعتُه لك بكذا وكذا درهمًا، فيقول الشفيع: قد رضيتُ واستوجبتُ؛ لأن المشتري متى ابتدأ بقوله: "هذا البيت لك بكذا" لم يكن الشفيع مسلمًا للشفعة. [مشاركة العامل للمالك وأنواعها] المثال التسعون (٥): تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره، بأن يدفع

стр. 2340

إليه أرضه ويقول: اغرسها من الأشجار كذا وكذا والغرس بيننا نصفان (١)، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان (١)، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهما، وكما يدفع إليه شجرة يقوم عليها والثمر (٢) بينهما، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها (٣) والدَّرُّ والنَّسْل بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها والأجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه يَغْزُو عليها وسهمها بينهما، وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها والماء بينهما، ونظائر ذلك. [كل ما مضى شركة صحيحة] فكل (٤) ذلك شركة صحيحة قد دلَّ على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها، والذين منعوا ذلك (٥) عذرهم أنهم ظنوا ذلك كله من باب الإجارة فالعوض مجهول فيفسد (٦). [حكم المساقاة والمزارعة والمضاربة] ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيها والمضاربة للإجماع (٧) دون ما عدا ذلك، ومنهم من خص الجواز بالمضاربة، ومنهم من جوَّز بعض أنواع المساقاة والمزارعة، ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطَّحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه (٨) الثمرة مع بقاء الأصل كالدر والنسل، والصواب جواز ذلك كله، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها؛ فإنه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك؛ هذا بماله وهذا بعمله، وما رزق (٩) اللَّه فهو بينهما، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الإجارة، [حتى] قال شيخ الإسلام (١٠): هذه المشاركات أحل من

стр. 2341

الإجارة، قال: لأن المستأجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصوده وقد لا يحصل، فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر، إذ قد يكمل الزرع وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة؛ فإن الشريكين في الفوز وعدمه (١) على السواء، إن رزق اللَّه الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا في الحرمان وهذا غاية العدل؛ فلا تأتي الشريعة بحل الإجارة وتحريم هذه المشاركات، وقد أقر النبي ﷺ المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام، فضارب (٢) أصحابه في حياته وبعد موته، وأجمعت عليها الأمة (٣)، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (٤)، وهذا كأنه رأي عين، [ثم] (٥) لم ينسخه ولم ينه عنه ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه بعده، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها، وهم مشغولون بالجهاد وغيره، ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع إلا فيما منع منه النبي (٦) ﷺ ، وهو ما قال الليث بن سعد: إذا نظر ذو البصر بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز، ولو لم تأت هذه النصوص والآثار فلا حرام إلا ما حرمه اللَّه ورسوله، واللَّه ورسوله لم يحرم شيئًا من ذلك، وكثير من الفقهاء يمنعون [من] (٧) ذلك، فإذا بلي الرجل بمن يحتج [في التحريم] (٨) بأنه هكذا في الكتاب وهكذا قالوا، ولا بد له من فعل ذلك، إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به، فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدي إليه (٩)، فإنها حيل تؤدي إلى فعل ما أباحه اللَّه ورسوله ولم يحرمه على الأمة، وقد تقدم ذكر الحيلة على جواز المساقاة والمزارعة، ونظيرها في الاحتيال على المغارسة أن يؤجّره الأرض يغرس فيها ما شاء من الأشجار لمدة (١٠) كذا وكذا سنة بخدمتها وغرس كذا وكذا من الأشجار فيها، فإن

стр. 2342

اتفقا بعد ذلك [على] (١) أن يجعلا لكل منها غراسًا معيَّنًا مقررًا (٢) جاز، كان أحب (٣) أن يكون [الجميع] (٤) شائعًا بينهما، فالحيلة أن يقر كل منهما للآخر أن جميع ما في هذه الأرض من الغراس [فهو] (٤) بينهما نصفين، أو غير ذلك، والحيلة في جواز المشاركة على البقر والغنم بجزء من درّها ونسلها أن يستأجره للقيام عليها كذا وكذا سنة للمدة التي يتفقان عليها بنصف الماشية أو ثلثها، على حسب ما يجعل له (٥) من الدرّ والنسل، ويقر له بأن هذه الماشية بينهما نصفين أو أثلاثًا، فيصير درها ونسلها بينهما على حسب ملكيهما (٦)، فإن خاف رب الماشية أن يدَّعي عليه العامل بملك نصفها حيث أقر له به فالحيلة أن يبيعه ذلك النّصف بثمن في ذمته، ثم يسترهنه على ذلك الثمن، فإن ادعى الملك بعد هذا طالبه بالثمن، فإن ادعى الإعسار اقتضاه من الرهن (٧). والحيلة في جواز قفيز الطَّحان (٨) أن يملكه جزءًا من الحبِّ أو الزيتون، إما ربعه أو ثلثه أو نصفه، فيصير شريكه فيه، ثم يطحنه أو يعصره فيكون بينهما على حسب ملكيهما فيه، فإن خاف أن يملكه ذلك فيملكه عليه ولا يحدث [فيه] (٩) عملًا، فالحيلة أن يبيعه إياه بثمن في ذمته، فيصير شريكه فيه، فإذا عمل فيه سلم إليه بحصته أو أبرأه (١٠) من الثمن، فإن خاف الأجير أن يطالبه بالثمن [ويتسلم الجميع] (٤) ولا يعطيه أجرته، فالحيلة في أمنه من ذلك أن يشهد عليه أن الأصل مشترك بينهما قبل العمل، فإذا أحدث فيه العمل فهو على الشركة. وهكذا الحيلة في جميع هذا الباب، وهي حيلة جائزة، فإنها لا تتضمن إسقاط حق ولا تحريم حلال ولا تحليل حرام [واللَّه تعالى أعلم] (١١).

стр. 2343

[حيلة في إسقاط المحلل في السباق] المثال الحادي والتسعون (١): إذا خرج المتسابقان في النِّضَال معًا جاز في أصح القولين، والمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز، وعلى القول بجوازه فأصح القولين أنه لا يحتاج إلى محلل كما هو مقتضى المنقول عن الصِّدِّيق (٢)، وأبي عبيدة بن الجرَّاح (٣)، ﵄ واختيار شيخنا (٤) وغيره. والمشهور من أقوال الأئمة الثلاثة (٥) أنه لا يجوز إلا بمحلل، على تفاصيل لهم في المحلل وحكمه، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير في "الفروسية الشرعية (٦) "، وذكرنا فيه وفي كتاب

стр. 2344

"بيان الاستدلال، على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال" بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجهًا، وبيّنا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه، وكلام الأئمة في ضعفه، وعدم الدلالة منه على تقدير صحته (١). والمقصود هنا بيان وجه الحيلة على الاستغناء عنه عند من يقنع بهذا (٢) قالوا: وهكذا في الكتاب، فالحيلة على تخلّص المتسابقين المخرجين منه أن يملكا العوضين لثالث يثقان به، ويقول الثالث: أيكما سبق فالعوضان له، كان جئتما معًا فالعوضان بينكما، فيجوز هذا العقد، وهذه الحيلة ليست حيلة على جواز [أمر] (٣) محرَّم، ولا تتضمن إسقاط حق، ولا تدخل في مأثم، فلا بأس بها، واللَّه أعلم. [اشتراط الخيار لأكثر من ثلاثة أيام] المثال الثاني والتسعون (٤): يجوز اشتراط الخيار في البيع فوق ثلاث على أصح قولي العلماء، وهو منهب الإمام أحمد (٥) ومالك (٦) ﵄[على تفاصيل عند مالك] (٦)، وقال الشافعي (٧) وأبو حنيفة (٨) ﵄: لا يجوز، وقد تدعو الحاجة إلى جوازه، لكون (٩) المبيع لا يمكنه استعلامه في ثلاثة أيام، أو لغيبة من يشاوره ويثق برأيه، أو لغير ذلك، والقياس المحض جوازه كما يجوز تأجيل الثمن فوق

стр. 2345

ثلاث، والشارع لم يمنع من الزيادة على الثلاثة، ولم يجعلها حدًا فاصلًا بين ما يجوز من المدة وما لا يجوز، وإنما ذكرها في حديث حَبَّان بن منقذ (١) وجعلها له بمجرد البيع كان لم يشترطه (٢)؛ لأنه كان يُغلب في البيوع، فجعل له ثلاثًا في كل سلعة يشتريها، سواء شرط ذلك أو لم يشترطه (٣)، هذا ظاهر الحديث، فلم يتعرض للمنع من الزيادة على الثلاثة (٤) بوجه من الوجوه، فإن أراد الجواز على قول الجميع، فالمخرج أن يشترط الخيار ثلاثًا، فإذا قارب انقضاء الأجل فسخه ثم اشترط ثلاثًا، وهكذا حتى تنقضي المدة التي اتفقا عليها، وليست هذه الحيلة محرَّمة؛ لأنها لا تدخل في باطل، ولا تخرج من حق، وهذا بخلاف الحيلة على إيجار الوقف مئة سنة وقد شرط الواقف أن لا يؤخِّر أكثر من سنة واحدة فيتحيل (٥) على إيجاره أكثر منها بعقود متفرقة في ساعة واحدة كما تقدَّم. [حيل في الرهن] المثال الثالث (٦) والتسعون: إذا أراد أن يقرض رجلًا (٧) مالًا ويأخذ منه (٨) رهنًا، فخاف أن يهلك الرهن فيسقط من دينه بقدره عند حاكم يرى ذلك، فالمخرج له أن يشتري العين التي يريد ارتهانها بالمال الذي يقرضه، ويشهد عليه أنه لم يقبضه، فإن وثق بكونه عند البائع تركه عنده، فإن تلف تلف من ضمانه، وإن بقي تمكن من أخذه منه متى شاء، كان رد عليه المال أقاله البائع. وأحسن من هذه الحيلة أن يستودع العين قبل القرض، ثم يقرضه وهي عنده، فهي في الظاهر وديعة، وفي الباطن رهن، فإن تلفت لم يسقط بهلاكها شيء من حقه. فإن خاف الراهن أنه إذا وفاه حقه لم يقله البيع فالمخرج [له] (٩) أن يشترط عليه الخيار إلى المدة التي يعلم أنه يوفيه فيها على قول أبي يوسف ومحمد ومالك وأحمد. فإن خاف المرتهن أن يستحق الرهن أو بعضه فالمخرج له أن يضمن درك

стр. 2346

الرهن غير الراهن، أو يشهد على من يخشى دعواه الاستحقاق بأنه متى ادعاه كانت دعواه باطلة، أو يضمنه الدرك نفسه. [بيع الثمر وقد بدا صلاح بعضه دون بعضه الآخر] المثال الرابع (١) والتسعون: إذا بدا الصَّلاح في بعض الشجرة جاز بيع جميعها وكذلك يجوز بيع ذلك النوع كله في البستان، وقال شيخنا (٢): يجوز بيع البستان كله تبعًا لما بدا صلاحه، سواء كان من نوعه أو لم يكن، تقارب إدراكه وتلاحق (٣) أم تباعد، وهو مذهب الليث بن سعد (٤)، وعلى هذا فلا حاجة إلى الاحتيال على الجواز، وقالت الحنفية: إذا خرج (٥) بعض الثمرة دون بقيتها أو خرج الجميع وبعضه قد بدا صلاحه دون بعض لا يجوز البيع، للجمع بين الموجود والمعدوم والمتقوّم وغيره، فتصير حصة (٦) الموجود المتقوم مجهولة فيفسد البيع، وبعض الشيوخ كان يفتي بجوازه في الثمار والباذنجان ونحوهما، جعلًا المعدوم (٧) تبعًا للموجود. وأفتى محمد بن الحسن بجوازه في الورد لسرعة تلاحقه، قال شمس الأئمة السرخسي: والأصح المنع (٨). قالوا: فالحيلة في الجواز أن يشتري الأصول، وهذا قد لا يتأتى غالبًا، قالوا: فالحيلة أيضًا أن يشتري الموجود الذي بدا صلاحه بجميع الثمن، ويشهد عليه أنه قد أباح له ما يحدث [من] (٩) بعد، وهذه الحيلة أيضًا قد تتعذر، إذ قد

стр. 2347

يرجع (١) في الإباحة، كان جعلت هبة فهبة المعدوم لا تصح، كان ساقاه على الثمرة من كل ألف جزء (٢) -مثلًا- لم تصح المساقاة عندهم، وتصح عند أبي يوسف ومحمد (٣)، وإن آجره الشجرة لأخذ ثمرتها لم تصح (٤) الإجارة عندهم وعند غيرهم، فالحيلة إذًا أن يبيعه الثمرة الموجودة ويشهد عليه أن ما يحدث بعدها فهو حادث على ملك المشتري، لا حَقَّ للبائع فيه، ولا يذكر سبب الحدوث، ولهم حيلة أخرى فيما إذا بدت الثمار أن يشتريها بشرط القطع، أو يشتريها ويطلق، ويكون القطع [هو] (٥) موجب العقد ثم يتفقان (٦) على التبقية إلى وقت الكمال، ولا ريب أن المَخْرج صها إذا بدا صلاح بعضها أو بإجارة الشجر (٧) أو بالمساقاة أقرب إلى النص والقياس وقواعد الشرع من ذلك كما تقدم تقريره (٨). [حيلة في بيع الموكل لموكله] المثال الخامس (٩) والتسعون: إذا وكله أن يشتري له بضاعة، وتلك البضاعة عند الوكيل، وهي رخيصة تساوي أكثر مما اشتراها به، لا تسمح نفسه أن يبيعها بما اشتراها به فالحيلة أن يبيعها بما تساويه (١٠) بيعًا تامًا صحيحًا لأجنبي، ثم إن شاء اشتراها من لموكله، ولكن (١١) تدخل هذه الحيلة سدًا للذرائع، إذ قد يتخذ ذلك ذريعة إلى أن يبيعها بأكثر مما تساوي فيكون قد غش الموكل، ويظهر هذا إذا اشتراها بعينها دون غيرها، فيكون قد غرَّ الموكل (١٢)، فإن كان الموكل لو اطلع على الحال لم يكره ذلك ولم يره غرورًا فلا بأس به، وإن كان لو اطلع عليه لم يرضه لم يجز، واللَّه أعلم.

стр. 2348

[مقابلة المكر بالمكر] المثال السادس (١) والتسعون: إذا اشترى منه دارًا وخاف احتيال البائع عليه بأن (٢) يكون قد ملكها لبعض ولده فيتركها في يده [مدة] (٣) ثم يدعيها عليه ويحسب سكناها بثمنها كما يفعله المخادعون الماكرون فالحيلة أن يحتاط لنفسه بأنواع من الحيل: منها: أن يضمن من يخاف منه الدرك. ومنها: أن يشهد عليه أنه إن ادّعى هو أو وكيله في الدار كانت دعوى (٤) باطلة، وكل بينة يقيمها [فهي] (٥) زور. ومنها: أن يضمن الدرك لرجل معروف يتمكن من مطالبته. ومنها: أن يجعل ثمنها أضعاف ما اشتراها به، فإن استحقت رجع عليه بالثمن الذي أشهد به، مثاله: أن [يتفقا على أن] (٦) الثمن ألف فيشتريها بعشرة آلاف ثم يبيعه بالعشرة آلاف سلعة (٧) ثم يشتريها منه بالألف (٨)، وهي الثمن، فيأخذ الألف، ويشهد عليه أن الثمن عشرة آلاف، وأنه قبضه، وبرئ منه (٩) المشتري، فإذا (١٠) استحقت رجع عليه بالعشرة آلاف (١١)، وبالجملة فمقابلة الفاسد بالفاسد (١٢) والمكر بالمكر والخداع بالخداع، [و] (١٣) قد يكون حسنًا، [بل] (١٤) مأمورًا به، وأقل درجاته (١٥) أن يكون جائزًا كما تقدم بيانه. [حيلة في شراء العبد نفسه من سيده] المثال السابع (١٦) والتسعون: إذا اشترى العبد نفسه من سيده بمال يؤديه إليه، فأدى إليه معظمه، ثم جحد السيد أن يكون باعه نفسه، وللسيد في يد العبد مال أذن له في التجارة به، فالحيلة أن يشهد العبد في السر أن المال الذي في يده

стр. 2349

لرجل أجنبي، فإن وفَّى له سيده بما عاقده عليه وفَّى له العبد وسلَّمه ماله، وإن غدر به تمكن العبد من الغدر به وإخراج المال عن يده، وهذه الحيلة لا تتأتى على أصل من يمنع مسألة الظفر، ولا على قول من يجيزها، فإن السيد إذا ظلمه بجحده (١) حقه لم يكن له أن يظلمه بمنعه ماله وأن يحول بينه وبينه فيقابل الظلم بالظلم، ولا يرجع إليه منه فائدة، ولكن فائدة هذه الحيلة أن السيد متى علم بصورة الحال وأنه متى جحده البيع حال بينه وبين ماله بالإقرار الذي يظهره منعه ذلك من جحود البيع فيكون بمنزلة رجل أمسك ولد غيره ليقتله فظفر هو بولده قبل القتل فأمسكه وأراه أنه إن قتل ولده قتل هو ولده أيضًا (٢)، ونظائر ذلك. وكذلك إن (٣) كان السيد هو الذي يخاف من العبد أن لا يقر له بالمال ويقر به لغيره يتواطآن عليه فالحيلة أن يبدأ السيد فيبيع العبد لأجنبي في السر، ويشهد على بيعه (٤)، ثم يبيع العبد من نفسه، فإذا قبض المال فاظهر العبد إقرارًا بأن (٥) ما في يده لأجنبي أظهر السيد أن بيعه (٦) لنفسه كان باطلًا، وأن فلانًا الأجنبي قد اشتراه، فإذا علم العبد أن عتقه يبطل ولا يحصل [له] (٧) مقصوده امتنع من التحيل على إخراج مال السيد عنه إلى أجنبي. [حيلة في دفع الظلم] ونظير هذه الحيلة إذا أراد ظالم (٨) أخذ داره بشراء أو غيره فالحيلة أن يملكها لمن يثق به، ثم يشهد على ذلك، وأنها خرجت عن ملكه، ثم يظهر أنه وقفها على الفقراء والمساكين، ولو كان في بلده حاكم يرى صحة وقف الإنسان على نفسه وصحة استثناء الغلة له [وحده] (٩) مدة حياته وصحة وقفه لها بعد موته فحكم له بذلك استغنى عن هذه الحيلة.

стр. 2350

[الحيلة على ثلاثة أنواع] وحيل هذا الباب ثلاثة أنواع: * حيلة (١) عل دفع الظلم والمكر حتى لا يقع. * وحيلة على رفعه بعد وقوعه. * وحيلة على مقابلته بمثله حيث لا يمكن رفعه. فالنوعان الأولان جائزان، وفي الثالث تفصيل (٢)، فلا يمكن القول بجوازه على الإطلاف ولا بالمنع منه على الإطلاق، بل إن كان المتحيَّلُ به حرامًا لحق اللَّه لم يجز مقابلته بمئله، كما لو جرعه الخمر أو زنى بحرمته، وإن كان حرامًا لكونه ظلمًا له في ماله وقدر على ظلمه بمثل ذلك فهي (٣) مسألة الظفر، وقد توسع فيها قوم حتى أفرطوا وجوزوا قلع الباب ونقب الحائط وخرق السقف (٤) ونحو ذلك لمقابلته بأخذ (٥) نظير ماله، ومنعها قوم بالكلية، وقالوا: لو كان [له] (٦) عنده وديعة أو له عليه دين لم يجز له أن يستوفي منه قدر حقه إلا بإعلامه [به] (٧)، وتوسط آخرون وقالوا: إن كان سبب الحق ظاهرًا كالزوجية والأبوة والبنوة وملك اليمين الموجب للإنفاف فله أن يأخذ قدر حقه من غير إعلامه، وإن لم يكن ظاهرًا كالقرض وثمن المبيع ونحو ذلك لم يكن له الأخذ إلا بإعلامه، وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وعليه تدل [السنة] (٧) دلالة صريحة، والقائلون به أسعد بها، وباللَّه التوفيق. وإن كان بهتًا له أو كذبًا (٨) عليه أو قذفًا له أو شهادة عليه بالزور لم يجز له مقابلته بمثله (٩)، وإن كان دعاء عليه أو لعنًا أو مسبَّةً فله مقابلته بمثله على أصح القولين، وإن منعه كثير من الناس، وإن كان إتلاف [مال له] (١٠) فإن كان محترمًا كالعبد والحيوان لم يجز له مقابلته بمثله، وإن كان غير محترم فإن خاف تعديه فيه لم يجز له مقابلته بمثله كما لو حرق داره لم يجز له أن يحرق داره، وإن لم يتعد فيه -بل كان يفعل به نظير ما فعل به سواء كما لو قطع شجرته أو كسر إناءه أو
следующие страницы →