← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

الرهن غير الراهن، أو يشهد على من يخشى دعواه الاستحقاق بأنه متى ادعاه كانت دعواه باطلة، أو يضمنه الدرك نفسه. [بيع الثمر وقد بدا صلاح بعضه دون بعضه الآخر] المثال الرابع (١) والتسعون: إذا بدا الصَّلاح في بعض الشجرة جاز بيع جميعها وكذلك يجوز بيع ذلك النوع كله في البستان، وقال شيخنا (٢): يجوز بيع البستان كله تبعًا لما بدا صلاحه، سواء كان من نوعه أو لم يكن، تقارب إدراكه وتلاحق (٣) أم تباعد، وهو مذهب الليث بن سعد (٤)، وعلى هذا فلا حاجة إلى الاحتيال على الجواز، وقالت الحنفية: إذا خرج (٥) بعض الثمرة دون بقيتها أو خرج الجميع وبعضه قد بدا صلاحه دون بعض لا يجوز البيع، للجمع بين الموجود والمعدوم والمتقوّم وغيره، فتصير حصة (٦) الموجود المتقوم مجهولة فيفسد البيع، وبعض الشيوخ كان يفتي بجوازه في الثمار والباذنجان ونحوهما، جعلًا المعدوم (٧) تبعًا للموجود. وأفتى محمد بن الحسن بجوازه في الورد لسرعة تلاحقه، قال شمس الأئمة السرخسي: والأصح المنع (٨). قالوا: فالحيلة في الجواز أن يشتري الأصول، وهذا قد لا يتأتى غالبًا، قالوا: فالحيلة أيضًا أن يشتري الموجود الذي بدا صلاحه بجميع الثمن، ويشهد عليه أنه قد أباح له ما يحدث [من] (٩) بعد، وهذه الحيلة أيضًا قد تتعذر، إذ قد

стр. 2347

يرجع (١) في الإباحة، كان جعلت هبة فهبة المعدوم لا تصح، كان ساقاه على الثمرة من كل ألف جزء (٢) -مثلًا- لم تصح المساقاة عندهم، وتصح عند أبي يوسف ومحمد (٣)، وإن آجره الشجرة لأخذ ثمرتها لم تصح (٤) الإجارة عندهم وعند غيرهم، فالحيلة إذًا أن يبيعه الثمرة الموجودة ويشهد عليه أن ما يحدث بعدها فهو حادث على ملك المشتري، لا حَقَّ للبائع فيه، ولا يذكر سبب الحدوث، ولهم حيلة أخرى فيما إذا بدت الثمار أن يشتريها بشرط القطع، أو يشتريها ويطلق، ويكون القطع [هو] (٥) موجب العقد ثم يتفقان (٦) على التبقية إلى وقت الكمال، ولا ريب أن المَخْرج صها إذا بدا صلاح بعضها أو بإجارة الشجر (٧) أو بالمساقاة أقرب إلى النص والقياس وقواعد الشرع من ذلك كما تقدم تقريره (٨). [حيلة في بيع الموكل لموكله] المثال الخامس (٩) والتسعون: إذا وكله أن يشتري له بضاعة، وتلك البضاعة عند الوكيل، وهي رخيصة تساوي أكثر مما اشتراها به، لا تسمح نفسه أن يبيعها بما اشتراها به فالحيلة أن يبيعها بما تساويه (١٠) بيعًا تامًا صحيحًا لأجنبي، ثم إن شاء اشتراها من لموكله، ولكن (١١) تدخل هذه الحيلة سدًا للذرائع، إذ قد يتخذ ذلك ذريعة إلى أن يبيعها بأكثر مما تساوي فيكون قد غش الموكل، ويظهر هذا إذا اشتراها بعينها دون غيرها، فيكون قد غرَّ الموكل (١٢)، فإن كان الموكل لو اطلع على الحال لم يكره ذلك ولم يره غرورًا فلا بأس به، وإن كان لو اطلع عليه لم يرضه لم يجز، واللَّه أعلم.

стр. 2348

[مقابلة المكر بالمكر] المثال السادس (١) والتسعون: إذا اشترى منه دارًا وخاف احتيال البائع عليه بأن (٢) يكون قد ملكها لبعض ولده فيتركها في يده [مدة] (٣) ثم يدعيها عليه ويحسب سكناها بثمنها كما يفعله المخادعون الماكرون فالحيلة أن يحتاط لنفسه بأنواع من الحيل: منها: أن يضمن من يخاف منه الدرك. ومنها: أن يشهد عليه أنه إن ادّعى هو أو وكيله في الدار كانت دعوى (٤) باطلة، وكل بينة يقيمها [فهي] (٥) زور. ومنها: أن يضمن الدرك لرجل معروف يتمكن من مطالبته. ومنها: أن يجعل ثمنها أضعاف ما اشتراها به، فإن استحقت رجع عليه بالثمن الذي أشهد به، مثاله: أن [يتفقا على أن] (٦) الثمن ألف فيشتريها بعشرة آلاف ثم يبيعه بالعشرة آلاف سلعة (٧) ثم يشتريها منه بالألف (٨)، وهي الثمن، فيأخذ الألف، ويشهد عليه أن الثمن عشرة آلاف، وأنه قبضه، وبرئ منه (٩) المشتري، فإذا (١٠) استحقت رجع عليه بالعشرة آلاف (١١)، وبالجملة فمقابلة الفاسد بالفاسد (١٢) والمكر بالمكر والخداع بالخداع، [و] (١٣) قد يكون حسنًا، [بل] (١٤) مأمورًا به، وأقل درجاته (١٥) أن يكون جائزًا كما تقدم بيانه. [حيلة في شراء العبد نفسه من سيده] المثال السابع (١٦) والتسعون: إذا اشترى العبد نفسه من سيده بمال يؤديه إليه، فأدى إليه معظمه، ثم جحد السيد أن يكون باعه نفسه، وللسيد في يد العبد مال أذن له في التجارة به، فالحيلة أن يشهد العبد في السر أن المال الذي في يده

стр. 2349

لرجل أجنبي، فإن وفَّى له سيده بما عاقده عليه وفَّى له العبد وسلَّمه ماله، وإن غدر به تمكن العبد من الغدر به وإخراج المال عن يده، وهذه الحيلة لا تتأتى على أصل من يمنع مسألة الظفر، ولا على قول من يجيزها، فإن السيد إذا ظلمه بجحده (١) حقه لم يكن له أن يظلمه بمنعه ماله وأن يحول بينه وبينه فيقابل الظلم بالظلم، ولا يرجع إليه منه فائدة، ولكن فائدة هذه الحيلة أن السيد متى علم بصورة الحال وأنه متى جحده البيع حال بينه وبين ماله بالإقرار الذي يظهره منعه ذلك من جحود البيع فيكون بمنزلة رجل أمسك ولد غيره ليقتله فظفر هو بولده قبل القتل فأمسكه وأراه أنه إن قتل ولده قتل هو ولده أيضًا (٢)، ونظائر ذلك. وكذلك إن (٣) كان السيد هو الذي يخاف من العبد أن لا يقر له بالمال ويقر به لغيره يتواطآن عليه فالحيلة أن يبدأ السيد فيبيع العبد لأجنبي في السر، ويشهد على بيعه (٤)، ثم يبيع العبد من نفسه، فإذا قبض المال فاظهر العبد إقرارًا بأن (٥) ما في يده لأجنبي أظهر السيد أن بيعه (٦) لنفسه كان باطلًا، وأن فلانًا الأجنبي قد اشتراه، فإذا علم العبد أن عتقه يبطل ولا يحصل [له] (٧) مقصوده امتنع من التحيل على إخراج مال السيد عنه إلى أجنبي. [حيلة في دفع الظلم] ونظير هذه الحيلة إذا أراد ظالم (٨) أخذ داره بشراء أو غيره فالحيلة أن يملكها لمن يثق به، ثم يشهد على ذلك، وأنها خرجت عن ملكه، ثم يظهر أنه وقفها على الفقراء والمساكين، ولو كان في بلده حاكم يرى صحة وقف الإنسان على نفسه وصحة استثناء الغلة له [وحده] (٩) مدة حياته وصحة وقفه لها بعد موته فحكم له بذلك استغنى عن هذه الحيلة.

стр. 2350

[الحيلة على ثلاثة أنواع] وحيل هذا الباب ثلاثة أنواع: * حيلة (١) عل دفع الظلم والمكر حتى لا يقع. * وحيلة على رفعه بعد وقوعه. * وحيلة على مقابلته بمثله حيث لا يمكن رفعه. فالنوعان الأولان جائزان، وفي الثالث تفصيل (٢)، فلا يمكن القول بجوازه على الإطلاف ولا بالمنع منه على الإطلاق، بل إن كان المتحيَّلُ به حرامًا لحق اللَّه لم يجز مقابلته بمئله، كما لو جرعه الخمر أو زنى بحرمته، وإن كان حرامًا لكونه ظلمًا له في ماله وقدر على ظلمه بمثل ذلك فهي (٣) مسألة الظفر، وقد توسع فيها قوم حتى أفرطوا وجوزوا قلع الباب ونقب الحائط وخرق السقف (٤) ونحو ذلك لمقابلته بأخذ (٥) نظير ماله، ومنعها قوم بالكلية، وقالوا: لو كان [له] (٦) عنده وديعة أو له عليه دين لم يجز له أن يستوفي منه قدر حقه إلا بإعلامه [به] (٧)، وتوسط آخرون وقالوا: إن كان سبب الحق ظاهرًا كالزوجية والأبوة والبنوة وملك اليمين الموجب للإنفاف فله أن يأخذ قدر حقه من غير إعلامه، وإن لم يكن ظاهرًا كالقرض وثمن المبيع ونحو ذلك لم يكن له الأخذ إلا بإعلامه، وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وعليه تدل [السنة] (٧) دلالة صريحة، والقائلون به أسعد بها، وباللَّه التوفيق. وإن كان بهتًا له أو كذبًا (٨) عليه أو قذفًا له أو شهادة عليه بالزور لم يجز له مقابلته بمثله (٩)، وإن كان دعاء عليه أو لعنًا أو مسبَّةً فله مقابلته بمثله على أصح القولين، وإن منعه كثير من الناس، وإن كان إتلاف [مال له] (١٠) فإن كان محترمًا كالعبد والحيوان لم يجز له مقابلته بمثله، وإن كان غير محترم فإن خاف تعديه فيه لم يجز له مقابلته بمثله كما لو حرق داره لم يجز له أن يحرق داره، وإن لم يتعد فيه -بل كان يفعل به نظير ما فعل به سواء كما لو قطع شجرته أو كسر إناءه أو

стр. 2351

فتح قفصًا عن طائره أو حَلَّ وكاء مائع له أو أرسل الماء على مِسْطَاحه فذهب بما فيه ونحو ذلك وأمكنه مقابلته بمثل ما فعل سواء- فهذا محل اجتهاد لم يدل على المنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح. بل الأدلة [الصحيحة] (١) المذكورة تقتضي جوازه كما تقدم بيانه في أول الكتاب. وكان شيخنا ﵁ يرجح هذا ويقول: هو (٢) أولى بالجواز من إتلاف طرفه بطرفه (٣)، واللَّه أعلم. [في الضمان والكفالة] المثال (٤) الثامن والتسعون: الضمان والكفالة من العقود اللازمة، ولا يمكن الضامن والكفيل أن يتخلص متى شاء، ولا سيما عند من يقول إن الكفالة توجب ضمان المال إذا تعذر إحضار المكفول به مع بقائه، كما هو مذهب الإمام أحمد ومن وافقه. وطريق التخلص من وجوه: أحدها (٥): أن يؤقتها بمدة فيقول: ضمنته، أو تكفلت به شهرًا أو جمعة، أو نحو ذلك، فيصح. الثاني: أن يقيدها بمكان دون مكان فيقول: ضمنته أو تكفَّلْتُ (٦) به ما دام في هذا البلد أو في هذا السوق. الثالث: أن يعلقها (٧) على شرط فيقول: ضمنت أو كفلت (٨) إن رضي فلان، أو يقول: ضمنت ما عليه إن كفل فلان بوجهه، ونحو ذلك. الرابع: أن يشترط في الضمان أنه (٩) لا يطالبه حتى يتعذر مطالبة الأصيل، فيجوز هذا الشرط، بل هو حكم الضمان في أشهر الروايتين عن مالك، فلا يطالب الضامن حتى يتعذر مطالبة الأصيل، وإن لم يشترطه (١٠)، حتى لو شرط أن يأخذ من أيهما شاء كان [الشرط] (١١) باطلًا عند ابن القاسم وأصبغ.

стр. 2352

الخامس: أن يقول: كفلت بوجهه على أني بريء مما عليه، فلا يلزمه ما عليه إذا لم يحضره، بل يلزم بإحضاره إذا تمكن منه. السادس: أن يطالب المضمون عنه بأداء المال إلى ربه ليبرأ هو من الضمان إذا كان قد ضمن بإذنه، ويكون خصمًا في المطالبة، وهذا مذهب مالك، فإن ضمنه بغير إذنه لم يكن له [عليه] (١) مطالبته بأداء المال إلى ربه، فإن أداه عنه (٢) فله مطالبته به حينئذ. [تعليق البيع وغيره بالشرط] المثال التاسع (٣) والتسعون: إذا كان له داران فاشترى منه إحديهما (٤) على [أنه] إن استحقت فالدار الأخرى له بالثمن، فهذا جائز، إذ غايته تعليق البيع بالشرط، وليس في [شيء من] (٥) الأدلة الشرعية ما يمنع صحته، وقد نصَّ الإمام أحمد على جوازه فيمن باع جارية وشرط على المشتري أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، وفعله بنفسه لما (٦) رهن نعله وشرط للمرتهن أنه إن جاءه (٧) بفكاكها إلى وقت كذا وإلا فهي له بما عليها (٨)، ونص على جواز تعليق النكاح بالشرط فالبيع أولى، ونص على جواز تعليق التولية بالشرط كما نص عليه صاحب الشرع (٩) نصًا لا يجوز مخالفته وقد تقدم تقرير ذلك، وكثير من الفقهاء يبطل البيع المذكور؛ فالحيلة في جوازه عند الكل أن يشتري منه المشتري الدار الأخرى التي لا يريد شراءها، ويقبضها منه، ثم يشتري بها الدار التي يريد شراءها ويسلمها إليه، ويتسلم داره، فإن استحقت هذه الدار عليه رجع [في ثمنها] (١٠) وهو الدار

стр. 2353

الأخرى وهذه حيلة لطيفة جائزة لا تتضمن إبطال حق ولا دخولًا في باطل، وهي مثال لما كان من جنسها من هذا النوع مما يخاف استحقاقه، ويشترط على البائع أخذ ما يقابله من حيوان أو رقيق (١) أو غير ذلك. [حيلة في شراء جارية من رجل غريب وخشي أن تكون مستحقة أو معيبة] المثال الموفي المئة (٢): رجل أراد أن يشتري جارية أو سلعة من رجل غريب، فلم يأمن أن تستحق أو تخرج معيبة فلا يمكنه الرجوع ولا الرد، فإن قال له البائع: "أنا أوكل من تعرفه فيما تدعي به من عيب أو رجوع" لم يأمن أن يحتال عليه ويعزله فيذهب حقه، فالحيلة في التوثق أن يكون الوكيل هو الذي يتولى البيع بنفسه، ويضمن له صاحب السلعة الدرك، ويكون وكيلًا لهذا الذي تولى البيع، فيمكن المشتري حينئذ مطالبة هذا الذي تولَّى البيع بنفسه ويأمن ما يحذره. المثال الحادي بعد المئة (٣): رجل قال لغيره: "اشتر هذه الدار -أو هذه السلعة من فلان- بكذا وكذا، وأنا أربحك فيها كذا وكذا" فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها ولا يتمكن من الرد، فالحيلة أن يشتريها على أنه بالخيار ثلاثة أيام أو أكثر، ثم يقول للآمر: قد اشتريتها بما ذكرت، فإن أخذها منه وإلا تمكن من ردها على البائع بالخيار، فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة أن يشترط له خيارًا أنقص (٤) من مدة الخيار التي اشترطها هو على البائع ليتسع له زمن الرد إن ردت عليه. المثال الثاني بعد المئة (٥): إذا اشترى منه جارية أو سلعة ثم اطلع على عيب بها فخاف إن ادعى أنه اشتراها بكذا وكذا أن ينكر البائع قبض الثمن ويسأل الحاكم الحكم عليه بإقراره أو ينكر البيع ويسأله تسليم الجارية إليه فالحيلة التي تخلصه أن يردها عليه [أولًا] (٦) فيما بينه وبينه، ثم يدّعي [عليه] (٧) عند الحاكم

стр. 2354

باستحقاق ثمنها، ولا يعين السبب، فإن أقر فلا إشكال، وإن أنكر لم يلزم المشتري الثمن، فإما أن يقيم عليه بينة أو يحلفه. [حيلة يتخلص بها من غريم يريد الإنقاص أو التأجيل] المثال الثالث (١) بعد المئة: إذا كان له عليه مال حالٌ فأبى أنْ يُقِرَّ له به حتى يصالحه على بعضه أو يؤجله، ولا بيِّنةَ له، فأراد حيلة يتوصل بها إلى أخذ ماله كله حالًا ويبطل الصلح والتأجيل فالحيلة له أن يواطئ رجلًا يدَّعي عليه بالمال الذي له على فلان عند حاكم، فيقر له به، ويصح إقراره بالدين الذي له على الغير، فإنه قد يكون المال مضاربة فيصير ديونًا على الناس، فلو لم يصح إقرارُه به له لضاع ماله، وأما قول أبي عبد اللَّه بن حمدان في "الرعاية"، ولو قال دَيْني الذي على زيد لعمرو احتمل الصحة (٢)، والبطلان أظهر، فهذا إنما هو فيما إذا أضاف الدين إليه ثم قال: هو لعمرو، فيصير نظير ما لو قال: ملكي كله لعمرو، أو داري هذه له فإن هذا لا يصح إقرارًا على أحد الوجهين للتناقض ويصح هبة، فأما إذا قال: "هذا الدَّين الذي على زيد لعمرو ويستحقه دوني" صح ذلك قولًا واحدًا، كما لو قال: "هذه الدار له، أو هذا الثوب له" على أن الصحيح صحة الإقرار ولو أضاف الدين أو العين إلى نفسه، ولا تناقض؛ لأن الإضافة تصدق مع كونه ملكًا للمقر له، فإنه يصح أن يقال: هذه دار فلان، إذا كان ساكنها بالأجرة، ويقول [المضارب] (٣): دَيْني على فلان، وهذا الدين لفلان، يعني أنه يستحق المطالبة به والمخاصمة فيه، فالإضافة تصدق بدون هذا، ثم يأتي صاحب المال إلى من هو في ذمته فيصالحه على بعضه أو يؤجله ثم يجيء المقر له فيدعي على من عليه المال بجملته حالًا، فإذا أظهر كتاب الصلح والتأجيل قال المقر له: هذا باطل، فانه تصرف فيما لا يملك المصالح، فإن كان الغريم إنما أقر باستحقاف غريمه الدين مؤجلًا أو بذلك القدر منه فقط بطلت هذه الحيلة. [إيداع الشهادة] ونظير هذه الحيلة حيلة إيداع الشهادة، وصورتها أن يقول له الخصم: لا أقر لك حتى تبرئني من نصف الدين أو ثلثه، وأشهد (٤) عليك أنك لا تستحق علي بعد

стр. 2355

ذلك شيئًا، فيأتي صاحب الحق إلى رجلين فيقول: اشهدا أني على طلب حقي كله من فلان، وأني لم أبرئه من شيء منه، وأني أريد أن أظهر مصالحته على بعضه لأتوصل (١) بالصلح إلى أخذ بعض حقي، وأني إذا أشهدت أني لا أستحق عليه سوى ما صالحني عليه فهو إشهاد باطل، [وأني إنما أشهدت] (٢) على ذلك توصلًا إلى أخذ بعض حقي، فهذه تُعرف بمسألة إيداع الشهادة، فإذا فعل ذلك جاز له أن يدعي بقاءه على حقه، ويقيم الشهادة بذلك، هذا مذهب مالك، وهو مطرد على قياس مذهب أحمد وجار (٣) على أصوله، فإن له التوصل إلى حقه بكل طريق جائز (٤)، بل لا يقتضي المذهب غير ذلك، فإن هذا مظلوم توصل إلى [أخذ] (٥) حقه بطريق (٦) لم يسقط بها حقًّا لأحد (٧)، ولم يأخذ بها ما لا يحل له أخذه، فلا خَرَجَ بها من حق، ولا دخل بها في باطل. [حيلة تتخلص بها امرأة من رجل عليه حق لها، ويأبى إلا إذا أقرت له بالزوجية] ونظير هذا أن يكون للمرأة على رجل حق، فيجحده ويأبى أن يقر به حتى تقر له بالزوجية، فطريق الحيلة أن تشهد على نفسها أنها ليست امرأة فلان، وأني أريد أن أقر له بالزوجية إقرارًا كاذبًا لا حقيقة له لأتوصَّلَ بذلك إلى أخذ مالي عنده، فاشهدوا أن إقراري بالزوجية باطل أتوصل به إلى أخذ حقي. ونظيره أيضًا أن ينكر نسب أخيه، ويأبى أن يقر له به حتى يشهد أنه لا يستحق في تركة أبيه شيئًا، وأنه قد أبرأه من جميع ماله في ذمته منها، أو أنه وهب له جميع ما يخصه منها، أو أنه قبضه أو اعتاض عنه أو (٨) نحو ذلك، فيودع الشهادة عدلين أنه باق على حقه وأنه يظهر ذلك الإقرار توصلًا إلى إقرار أخيه بنسبه، وأنه لم يأخذ من ميراث أبيه شيئًا، ولا أبرأ أخاه، ولا عاوضه ولا وهبه. [إقرار المضطهد] وهذا يشبه إقرار المضطهد الذي [قد] (٥) اضطهد ودفع عن حقه حتى يسقط

стр. 2356

حقًا آخر، والسلف كانوا يسمون مثل هذا مضطهدًا، كما قال (١) حماد بن سلمة: حدثنا حميد، عن الحسن أن رجلًا تزوج امرأة وأراد (٢) سفرًا، فأخذه أهلها، فجعلها طالقًا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل ولم يبعث إليها بشيء، [فلما قدم خاصموه] (٣) إلى علي ﵁ (٤) فقال: اضطهدتموه حتى جعلها طالقًا، فردها عليه (٥). ومعلوم أنه لم يكن هناك إكراه بضرب ولا أخذ مال، وإنما طالبوه بما يجب [لها] (٦) عليه من نفقتها، وذلك ليس بإكراه، ولكن لما تعنتوه باليمين جعله مضطهدًا لأنه عقد اليمين ليتوصل إلى قصده من السفر، فلم يكن حلفه عن اختيار (٧)، بل هو كالمحمول عليه. [الفرق بين المضطهد والمكره] والفرق بينه وبين المكره أن المكره قاصد لدفع الضرر (٨) باحتمال ما أكره عليه، وهذا قاصد للوصول إلى حقه بالتزام ما طلب منه، وكلاهما غير راض، ولا مؤثر (٩) لما التزمه، وليس له وَطَر فيه. فتأمل هذا، ونزله على قواعد الشرع ومقاصده، وهذا ظاهر جدًّا في أن علي بن أبي طالب ﵁ (١٠) لم يكن يرى الحلف بالطلاق موقعًا للطلاق إذا حنث به، وهو قول شُرَيْح وطاوس وعكرمة وأهل الظاهر وأبي عبد الرحمن الشافعي (١١) وهو أجل أصحابه على الإطلاق، قال بعض الحفاظ: ولا يعلم لعلي مخالف من الصحابة (١٢)، وسيأتي الكلام في المسألة، إن شاء اللَّه تعالى، إذ المقصود أن من أقرَّ أو حلف أو وهب أو صالح لا عن رضا منه، ولكن منع حقه إلا بذلك، فهو

стр. 2357

بالمكره أشبه منه بالمختار، ومثل هذا لا يلزمه ما عقده من هذه العقود. ومن له قدم راسخ في الشريعة ومعرفة بمصادرها ومواردها، وكان الإنصافُ أحبَّ إليه من التَّعصُّب والهوى، والعلم والحجة آثر عنده من التقليد، لم يكد يخفى عليه وجه الصواب، واللَّه الموفق. وهذه المسألة من نفائس هذا الكتاب، والجاهل الظالم لا يرى الإحسان إلا إساءة، ولا الهدى إلا الضلالة: فَقُل للعيون الرُّمَّدِ: للشمس أعينٌ ... سِوَاكِ تراها في مَغِيبٍ ومَطْلَعِ وسامح نفوسًا بالقُشور قد ارتَضَتْ ... وليسَ لها لِلُّبِّ مِنَ مُتَطَلِّعِ [حبس العين على ثمنها وأجرتها] المثال الرابع (١) بعد المئة: اختلف الفقهاء هل يملك البائع حبس السلعة على ثمنها؟ وهل يملك المستأجر حبس العين بعد العمل على الأجرة؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: يملكه في الموضعين، وهو قول مالك وأبي حنيفة، [وهو المختار] (٢). الثاني: لا يملكه في الموضعين، وهو المشهور من مذهب أحمد (٣) عند أصحابه. والثالث: يملك حبس العين المستأجرة على عملها، ولا يملك حبس المبيع (٤) على ثمنه، والفرق بينهما أن العمل يجري مجرى الأعيان، ولهذا يقابل بالعوض، فصار كأنه شريك (٥) لمالك العين بعمله، فأَثَرُ عمله قائم بالعين، فلا يجب [عليه] (٦) تسليمه قبل أن يأخذ عِوَضَهُ، بخلاف المبيع، فإنه قد دخل في ملك المشتري، وصار الثمن في ذمته ولم يبق للبائع تعلق بالعين، ومن سوَّى بينهما قال: الأجرة قد صارت في الذمة، ولم يشترط رهن العين عليها، فلا (٧) يملك حبسها. [وعلى هذا] (٢) فالحيلة في الحبس في الموضعين حتى يصل إلى حقه أن

стр. 2358

يشترط عليه رهن العين المستأجرة على أجرتها، فيقول: رهنتُك هذا الثَّوبَ على أجرته، وهي كذا وكذا، وهكذا في المبيع يشترط على المشتري رهنه على ثمنه حتى يسلمه إليه، ولا محذور في ذلك أصلًا، ولا معنى، ولا مأخذ قوي يمنع صحة هذا الشرط والرهن، وقد اتفقوا أنه لو شرط عليه رهن عين أخرى على الثمن جاز، فما الذي يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه؟ ولا فرق بين أن يقبضه أو لا يقبضه على أصح القولين، وقد نص الإمام أحمد على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه، وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع وأصوله، وقال القاضي وأصحابه: لا يصح، وعلّله ابن عقيل بأن المشتري رهن ما لا يملك، فلم يصح، كما لو شرط أن يرهنه عبدًا لغيره يشتريه ويرهنه، وهذا تعليل باطل، فإنه إنما حصل الرهن بعد ملكه، واشتراطه قبل الملك لا يكون بمنزلة رهن الملك. والفرق بين هذه المسألة وبين اشتراط (١) رهن عبد زيد أن اشتراط [رهن عبد زيد غرر] (٢) قد يمكن وقد لا يمكن، بخلاف اشتراط رهن المبيع على ثمنه، فإنه إن تم العقد صار المبيع رهنًا، وإن لم يتم تبيَّنا أنه لا ثمن يحبس عليه الرهن، فلا غرر البتة، فالمنصوص أفقه وأصح، وهذا على أصل مَنْ يقول: "للبائع حبس المبيع على ثمنه" ألزمُ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وبعض أصحاب أحمد (٣)، وهو الصحيح وإن كان خلاف منصوص أحمد؛ لأن عقد البيع (٤) يقتضي استوائهما (٥) في [التسلم] (٦) والتسليم، ففي إجبار البائع على التسليم قبل حضور الثمن وتمكينه من قبضه إضرار به، فإذا [كان] (٧) ملك حبسه على ثمنه (٨) من غير شرط فلأن يملكه مع الشرط أولى [وأحرى] (٦)، فقول القاضي وأصحابه مخالف لنص أحمد وللقياس (٩)، [فإن شرط أن يقبض المشتري المبيع ثم يرهنه على ثمنه عند بائعه فأولى بالصحة.

стр. 2359

وقال ابن عقيل في "الفصول" (١): والرهن (٢) أيضًا باطل؛ لأنهما شرطا رهنه قبل ملكه، وقد عرفت ما فيه، وعلله أيضًا بتعليل آخر فقال: إطلاق البيع يقتضي تسليم الثمن من غير المبيع، والرهن يقتضي استيفاءه من عينه إن كان عينًا أو ثمنه إن كان عرضًا فيتضادا (٣)، وهذا التعليل أقوى من الأول، وهو الذي أوجب له القول ببطلان الرهن قبل القبض وبعده، فيقال: المحذور من التضاد إنما هو التدافع بحيث يدفع كل من المتضادين (٤) المتنافيين الآخر، فأما إذا لم يدفع أحدهما الآخر فلا محذور، والبائع إنما يستحق ثمن المبيع، وللمشتري أن يؤديه (٥) إياه من عين المبيع ومن غيره، فإن له أن يبيعه ويقبضه ثمنه منه، وغاية عقد الرهن أن يوجب ذلك، فأي تدافع و [أي] (٦) تناف هنا؟ وأما قوله: "إطلاق العقد يقتضي التسليم (٧) للثمن من غير المبيع" فيقال: بل إطلاقه يقتضي تسليم الثمن من أيِّ جهة شاء المشتري، حتى لو باعه قفيز حنطة بقفيز حنطة وسلّمه إليه مَلَك أن يوفيه إياه ثمنًا كما استوفاه مبيعًا، كما لو اقترض منه ذلك ثم وفاه إياه بعينه. ثم قال ابن عقيل: وقد قال الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه: إذا حَبَسَ السلعة ببقية الثمن فهو غاصب، ولا يكون رهنًا إلا أن يكون شَرَط عليه في نفس البيع الرهن، فظاهرُ هذا أن (٨) شرط كون المبيع رهنًا [في حال العقد أصح (٩)، قال: وليس هذا الكلام على ظاهره، ومعناه إلا أن يشترط عليه في نفس البيع رهنًا] (١٠)، غير المبيع؛ لأن اشتراط رهن البيع (١١) اشتراط تعويق التسليم في المبيع (١٢).

стр. 2360

[منافاة كلام ابن عقيل لظاهر كلام أحمد في المسألة] قلت: ولا يخفى منافاة ما قاله لظاهر كلام الإمام أحمد، فإن كلام أحمد المستثنى والمستثنى منه في صورة حبس المبيع على ثمنه، فقال: "هو غاصب إلا أن يكون شَرَط عليه في نفس البيع الرهن" أي فلا يكون غاصبًا بحبس السلعة بمقتضى شرطه، ولو كان المراد ما حَمَله عليه لكان معنى الكلام إذا حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب إلا أن يكون قد شرط له رهنًا آخر غير المبيع يسلمه إليه، وهذا كلام لا يرتبط أوله بآخره، ولا يتعلق به، فضلًا عن أن يدخل في الأول ثم يستثنى منه، ولهذا جعله أبو البركات ابن تيمية نصًا في صحة هذا الشرط، ثم قال: وقال القاضي لا يصح (١). وأما قوله: "إن اشتراط رهن المبيع تعويق للتسليم في المبيع (٢) " فيقال: واشتراط التعويق إذا كان لمصلحة البائع وله فيه غرض صحيح وقد قدم عليه المشتري فأي محذور فيه؟ ثم هذا يبطل باشتراط الخيار؛ فإن فيه تعويقًا للمشتري عن التصرف في المبيع، وباشتراط المشتري تأجيل الثمن؛ فإنَّ فيه تعويقًا للبائع عن تسلمه أيضًا، ويبطل على أصل الإمام أحمد وأصحابه باشتراط البائع انتفاعه بالمبيع مدة يستثنيها؛ فإن فيه تعويقًا للتسليم، ويبطل أيضًا ببيع العين المؤجرة. فإن قيل: إذا اشترط (٣) أن يكون رهنًا قبل قبضه تدافع موجب البيع والرهن، فإن موجب الرهن أن يكون تلفه من ضمان مالكه لأنه أمانة في يد المرتهن، وموجب البيع أن يكون تلفه قبل التمكين (٤) من قبضه من ضمان البائع، فإذا تلف هذا الرهن قبل التمكن من قبضه، فمن ضمان أيهما يكون؟ (٥). قيل: هذا السؤال أقوى من السؤالين المتقدمين، والتدافع فيه أظهر من التدافع في التعليل الثاني، وجواب هذا السؤال أن الضمان قبل التمكن من القبض كان على البائع [كما كان] (٦)، ولا يزيل هذا الضمان إلا تمكن المشتري من القبض، فإذا لم يتمكن من قبضه فهو مضمون على البائع كما كان، وحبسه إياه على ثمنه لا يدخله في ضمان المشتري ويجعله مقبوضًا له كما لو حبسه بغير شرط] (٧).

стр. 2361

فإن قيل (١): فأحمد ﵀ [تعالى] (٢) قد قال: "إنه إذا حبسه على ثمنه كان غاصبًا إلا أن يشترط (٣) عليه الرهن" وهذا يدل على أنه [قد] (٢) فرق في ضمانه بين أن يحبسه بشرط أو [يحبسه] (٢) بغير شرط، وعندكم هو مضمون عليه في الحالين، وهو خلاف النص. الجواب أن [الإمام] (٢) أحمد ﵀ [تعالى] (٢) إنما جعله غاصبًا بالحبس، والغاصب عنده يضمن العين بقيمتها أو مثلها، ثم يستوفي الثمن أو بقيته من المشتري، وأما إذا تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع، بمعنى أنه ينفسخ العقد فيه، ولا يملك مطالبة المشتري بالثمن، وإن كان قد قبضه منه أعاده إليه فهذا الضمان شيء وضمان الغاصب شيء آخر. فإن قيل: فكيف (٤) يكون رهنًا وضمانه على المرتهن؟ قيل: لم يضمنه المرتهن من حيث هو رهن، وإنما ضمنه من حيث كونه مبيعًا لم يتمكن مشتريه من قبضه، فحق توفيته بعد على بائعه. [صور حبس البائع السلعة لاستيفاء حقه منها] فإن قيل: فما تقولون لو حبس البائع السلعة لاستيفاء حقه منها، وهذا يكون في صور: إحداها (٥): أن يبيعه دارًا له فيها متاع لا يمكن (٦) نقله في وقت واحد. والثانية: أن يستثني البائع الانتفاع بالمبيع مدة معلومة على أصلكم، أو نحو ذلك (٧)، فإذا تلفت في يد البائع قبل تمكن المشتري من القبض في هاتين الصورتين هل تكون من ضمانه أو [من] (٨) ضمان البائع؟ (٩)

стр. 2362

الثالثة: أن يشترط الخيار ويمنعه من تسليم المبيع قبل انقضاء الخيار. قيل: الضمان في هذا كله على البائع؛ لأنه لم يدخل تحت يد المشتري، ولم يتمكن من قبضه، فلا يكون (١) مضمونًا عليه. فإن قيل: فهل يكون من ضمانه بالثمن أو بالقيمة؟ قيل: بل يكون مضمونًا عليه بالثمن؛ بمعنى أن العقد ينفسخ بتلفه؛ فلا يلزم المشتري تسليم الثمن. [إقرار المريض بدين الورثة] المثال الخامس (٢) بعد المائة: إقرار المريض لوارثه بدَيْن باطل عند الجمهور، للتُّهْمَة، فلو كان له عليه دين ويريد أن تبرأ ذمته منه قبل الموت وقد علم أن إقراره له باطل فكيف الحيلة في براءة ذمته ووصول صاحب الدَّين إلى ماله؟ فههنا وجوه. أحدها: أن يأخذ إقرار باقي الورثة بأن هذا الدين على الميت؛ فإن الإقرار إنما بطل لحقهم (٣)، فإذا أقروا به لزمهم، فإن لم تتم [له] (٤) هذه الحيلة فله: وجه ثان: وهو أن يأتي برجل أجنبي يثق به يقر له بالمال فيدفعه الأجنبي إلى ربه، فإن لم تتم له هذه الحيلة فله: وجه ثالث: وهو أن يشتري منه سلعة بقدر دينه، ويقر المريض بقبض الثمن منه، أو يقبض منه [الثمن] (٥) بمحضر الشهود ثم يدفعه إليه سرًا، فإن لم تتم [له] (٥) هذه الحيلة فليجعل الثمن وديعة عنده فيكون أمانة فيقبل قوله في تلفه، ويتأول أو يدعي رده إليه والقول قوله. وله: وجه آخر: وهو أن يحضر الوارث شيئًا ثم يبيعه [من] (٥) موروثه (٦) بحضرة الشهود ويسلمه إليه فيقبضه ويصير ماله، ثم يهبه الموروث لأجنبي ويقبضه منه، ثم يهبه الأجنبي للوارث، فإذا فعلت هذه الحيلة ليصل المريض إلى براءة ذمته والوارث إلى أخذ دينه جاز ذلك، وإلا فلا.

стр. 2363

[الإحالة بالدين وخوف هلاك المحال به] المثال السادس (١) بعد المئة: إذا أحاله بدينه على رجل فخاف أن يتوى (٢) ماله على المحال عليه فلا يتمكن من الرجوع على المحيل؛ لأن الحوالة تحوّل الحق وتنقله، فله ثلاث حيل: إحداها (٣): أن يقول: [أنا] (٤) لا أحتال، ولكن أكون وكيلًا [لك] (٤) في قبضه، فإذا قبضه فإن استنفقه ثبت له ذلك في ذمة الوكيل، وله في ذمة الموكل نظيره فيتقاصَّان، فإن خاف الموكل أن يدعي الوكيل ضياع المال من غير تفريط فيعود يطالبه بحقه، فالحيلة له: أن يأخذ إقراره بأنه متى [ثبت] (٤) قبضه منه فلا شيء له على الموكل، وما يدعي [عليه] (٤) بسبب هذا الحق [أو] (٤) من جهته (٥) فدعواه باطلة، وليس هذا إبراء معلقًا بشرط حتى يتوصل إلى إبطاله، بل هو إقرار بأنه لا يستحق عليه شيئًا في هذه الحالة (٦). الحيلة الثانية: أن يشترط عليه أنه إن توى (٧) المال [رجع عليه] (٨) ويصح هذا الشرط على قياس المذهب؛ فإن المحتال إنما قَبِل الحوالة على هذا الشرط، فلا يجوز أن يلزم بها دون (٩) الشرط، كما لو (١٠) قبل عقد البيع بشرط الرهن أو الضمين أو التأجيل أو الخيار (١١)، أو قبل عقد الإجارة بشرط الضمين للأجرة أو تأجيلها، أو قبل عقد النكاح بشرط تأجيل الصداق، أو قبل عقد الضمان بشرط تأجيل [الدَّين الحال على المضمون عنه] (١٢)، أو قبل عقد الكفالة بشرط أن لا

стр. 2364

يلزمه من المال الذي عليه شيء، أو قبل عقد الحوالة بشرط ملاءة المحال عليه وكونه غير محجور (١)، ولا مماطل، وأضعاف أضعاف ذلك من الشروط التي لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا، فإنها جائز اشتراطها لازم الوفاء بها كما تقدم تقريره نصًا وقياسًا، وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بصحة هذا الشرط في الحوالة، فقالوا واللفْظُ للخَصَّاف (٢): "يجوز أن يحتال الطالب بالمال على غريم المطلوب على أن هذا الغريم إن لم يوف الطالب هذا المال إلى كذا وكذا فالمطلوب ضامن لهذا المال على حاله، وللطالب أخذه بذلك، وتقع الحوالة على هذا الشرط، فإن وفّاه الغريم إلى الأجل الذي يشترطه، وإلا رجع إلى المطلوب وأخذه بالمال". ثم حكى عن شيخه قال: قلت: وهذا جائز؟ قال: نعم. الحيلة الثالثة: أن يقول طالب الحق للمُحَال عليه: اضمن لي هذا الدين الذي على غريمي، ويرضى منه بذلك بدَلَ الحوالة، فإذا ضمنه تمكن من مطالبة أيهما شاء، وهذه من أحسن الحيل وألطفها. [حيلة في لزوم تأجيل الدين الحال] المثال السابع (٣) بعد المئة: إذا كان له عليه دين حالّ، فاتفقا على تأجيله، وخاف مَنْ عليه الدين أن لا يفي له بالتأجيل؛ فالحيلة في لزومه أن يفسخ العقد الذي هو سبب الدين الحال، ثم يعقده عليهم (٤) مؤجلًا، فإنْ كان عن ضمان أو كان بدل مُتْلفٍ أو عن دية قد حلت (٥) أو نحو ذلك فالحيلة في لزوم التأجيل أن يبيعه سلعة بمقدار هذا الدين، ويؤجّل عليه ثمنها، ثم يبيعه المدين تلك السلعة بالدين الذي أجَّله عليه أولًا، فيبرأ منه، ويثبت في ذمته نظيرُه مؤجلًا، فإنْ خاف صاحبُ الحقِّ أن لا يفي له مَنْ عليه (٦) بأدائه عند كل نجم [كما أجله] (٧) فالحيلة أن يشترط (٨) عليه أنه إن حل نجم ولم يؤده (٩) قسطه فجميع المال عليه حال، فإذا

стр. 2365

نَجَّمَهُ على هذا الشرط جاز، وتمكن من مطالبته به حالًا ومنجمًا عند من يرى لزوم تأجيل الحالِّ ومن لا يراه، أما من لا يراه فظاهر، وأما من يراه فإنه يجوز تأجيله لهذا الشرط (١) كما صرح به أصحاب أبي حنيفة، واللَّه أعلم. [وصية المريض الذي لا وارث له بجميع ماله في البر] المثال الثامن (٢) بعد المئة: إذا أراد المريض الذي لا وارث له أن يُوصِيَ بجميع أمواله (٣) [في أبواب البر، فهل له ذلك؟ على قولين: أصحهما أنه يملك ذلك، لأنه إنما منعه الشارع فيما زاد على الثلث [وكان] (٤) له ورثة، فمن لا وارث له لا يعترض عليه فيما صنع في ماله، فإن خاف أن يبطل ذلك حاكم لا يراه فالحيلة له أن يقر لإنسان يثق بدينه وأمانته بدين يحيط بماله كله، ثم يوصيه إذا أخذ ذلك المال أن يضعه في الجهات التي يريد، فإن خاف المقر له أن يلزم بيمين باستحقاقه لما أقر له به المريض اشترى منه المريض عرضًا من العروض بماله كله، ويسلم العرض فإذا حلف المقر له حلف بارًا، فإن خاف المريض أن يصح فيأخذه البائع بثمن العرض فالحيلة أن يشتريه بشرط الخيار سنة، فإن مات بطل الخيار، وإن عاش فسخ العقد، فإن كان المال أرضًا أو عقارًا أو أراد (٥) أن يوقفه جميعه على قوم يستغلونه ولا يمكن إبطاله فالحيلة أن يقر أن واقفًا وَقَفَ ذلك جميعه عليه، ومن بعده على الجهات التي يعينها، ويشهد على إقراره بأن هذا العقار في يده على جهة الوقف من واقف كان ذلك العقار ملكًا له إلى حين الوقف أو يقر بأن واقفًا معينًا وقفه على تلك الجهات، وجعله ناظرًا عليه، فهو في يده على هذا الوجه، وكذلك الحيلة إذا كان له بنت أو أم أو وارث بالفرض لا يستغرق ماله ولا عصبة له، ويريد أن لا يتعرض له السلطان فله أنواع من المخارج: منها: أن يبيع الوارث تلك الأعيان، ويقر بقبض الثمن منه، وإن أمكنه أن يشهد على قبضه بأن يحضر الوارث مالًا يقبضه إياه، ثم يعيده إليه سرًا، فهو أولى. ومنها: أن يشتري المريض من الوارث سلعة بمقدار التركة: من الثمن،

стр. 2366

ويشهد على الشراء، ثم يعيد إليه تلك السلعة، ويرهنه المال كله على الثمن، فإذا أراد السلطان مشاركته قال: وفّوني حقّي وخذوا (١) ما فَضَل. ومنها: أن يبيع ذلك لأجنبي يثق به، ويقر بقبض الثمن منه، أو يقبض (٢) بحضرة الشهود، ثم يأذن للأجنبي في تمليكه للوارث أو وقفه عليه. ومنها: أن يقر لأجنبي يثق به بما يريد، ثم يأمره بدفع ذلك إلى الوارث. [أمران مخوفان في هذه الحيلة] ولكن في هذه الحيل وأمثالها أمران مخوفان: أحدهما: أنه قد يصح فيحال بينه وبين ماله. والثاني: أن الأجنبي] (٣) قد يَدَّعي ذلك لنفسه، ولا يسلمه إلى الوارث، فلا خلاص من (٤) ذلك إلا بوجه واحد، وهو أن يأخذ إقرار الأجنبي، ويشهد عليه في مكتوب ثان أنه متى أدَّعَى لنفسه أو لمن يخاف أن يواطئه على المريض أو وارثه هذا المال أو شيئًا منه أو حقًا من حقوقه كانت دعواه باطلة وإن أقام به بينة فهي بينة زور، وأنه لا حقَّ له قبل فلان بن فلان ولا وارثه بوجه من الوجوه (٥)، ويمسك الكتاب عنده، فيأمن هو والوارث ادعاء ذلك لنفسه، واللَّه أعلم. [اقتضاء الدين وتواري المدين] المثال التاسع (٦) بعد المئة: رجل يكون له الدَّين، ويكون عليه الدين، فيوكل وكيلًا في اقتضاء ديونه، ثم يتوارى عن غريمه، فلا يمكنه اقتضاء دينه منه، فأراد الغريم ممن له الدين على هذا الرجل حيلة يقتضي بها دينه منه، ولا يضره تواري من عليه الدين، فالحيلة أن يأتي هذا الذي له الدين إلى من عليه الدين فيقول له: وكلتك بقبض مالي على فلان وبالخصومة فيه، ووكلتك أن تجعل ماله عليك قصاصًا بمالي عليه، وأجزت أمرك في ذلك وما عملت فيه من شيء فيقبل الوكيل، ويشهد على الوكالة على هذا الوجه شهودًا، ثم يشهدهم الوكيل أنه قد

стр. 2367

جعل الألف درهم التي لفلان عليه قصاصًا بالألف التي لموكله على فلان، فيصير الألف قصاصًا، ويتحول ما كان للرجل المتواري على هذا الوكيل [للرجل] (١) الذي وكله. وهذه الحيلة جائزة؛ لأن الموكل أقام الوكيل مقام نفسه، والوكيل يقول: مطالبتي لك بهذا الدين كمطالبة موكلي [به] (١) فانا أطالبك بألف (٢) وأنت تطالبني به، فاجعل الألف الذي تطالبني به عوضًا عن الألف الذي أطالبك به، ولو كانت الألف لي لحصلت المُقاصَّة، إذ لا معنى لقبضك الألف (٣) مني ثم أدائها إليَّ، وهذا بعينه فيما إذا طالبتك بها لموكلي؛ أنا أستحق عليك أن تدفع إليّ الألف وأنت تستحق عليَّ [أن أدفع إليك] (٤) ألفًا، فنتقاص [في] (١) الألفين. [إثبات المال على غائب] المثال العاشر (٥) بعد المئة: رجل له على رجل مال، فغاب الذي عليه المال، فأراد الرجل أن يثبت ماله عليه، حتى يحكم له الحاكم عليه وهو غائب، فليرفعه إلى حاكم يرى الحكم على الغائب، فإن (٦) كان حاكم البلد لا يرى الحكم على الغائب فالحيلة أن يجيء رجل فيضمن لهذا الذي له المال جميع ما صحَّ له (٧) على الرجل الغائب، ويسميه وينسبه، ولا يذكر مبلغ المال، بل يقول: ضمنت له جميع ما صح [أنه] (٨) له في ذمته، ويُشهد على ذلك ثم يقدمه إلى القاضي، فيقر الضامن بالضمان، ويقول: لا أعرف له على فلان شيئًا (٩)، فيسأل القاضي المضمون له: هل لك بينة؟ فيقول: نعم، فيأمره بإقامتها، فإذا شهدت ثبت الحق على الغائب، وحكم على الضمين بالمال، وجعله (١٠) خصمًا على الغائب؛ لأنه قد ضمن ما عليه، ولا ينفذ حكمه على الضامن بثبوت المال على وجه الضمان حتى يحكم على الغائب المضمون عنه بالثبوت؛ لأنه هو الأصل، والضامن فرعه، وثبوت الفرع بدون أصله ممتنع، وهو جائز على أصل أهل

стр. 2368

العراق، حيث يجوزون الحكم على الغائب إذا اتصل القضاء بحاضر محكوم عليه كوكيل الغائب (١)، وكما لو ادعى أنه اشترى من غائب [ما فيه] (٢) شفعة فإنه يقضي عليه بالبيع وبالشفعة على المدعي (٣)، وكهذه المسألة ما (٤) لو ادعت زوجة غائب أن له عند فلان وديعة (٥)، فإنه يفرض لها مما في يديه (٦). المثال الحادي عشر (٧) بعد المئة: ليس للمُرتهن أن ينتفع بالرهن إلا بإذن الراهن، فإن أذن له كان إباحة أو عارية له الرجوع فيها متى شاء، ويقضى له بالأجرة من حين الرجوع في أحد الوجهين، فالحيلة في انتفاع المرتهن بالرهن آمنًا من الرجوع ومن الأجرة أن يستأجره منه للمدة التي يريد الانتفاع به فيها، ثم يبرئه من الأجرة، أو يقر بقبضها، و [يجوز أن] (٨) يرد عقد الإجارة على عقد الرهن ولا يبطله، كما يجوز أن يرهنه ما استأجره، فيرد كل من العقدين على الآخر، وهو في يده أمانة في الموضعين، وحقه متعلق به فيهما، [إلا] (٨) أن الانتفاع بالمرهون مع الإجارة والرهن بحاله. المثال الثاني عشر (٩) بعد المائة: إذا كان له على رجل مال، وبالمال (١٠) رهن، فادَّعى صاحب الرهن به عند الحاكم، فخاف المرتهنُ أن يقرَّ بالرهن، فيقول الراهن: قد أقررتَ بأنَّ لي رهنًا في يدك، واذَّعيتَ الدَّين، فينزعه من يده، ولا يقر له بالدين، فقد ذكروا له حيلةَ تُحرزُ (١١) حقَّه، وهي أن لا يقر [له] (١٢) به حتى يقر له صاحبُه بالدين، فإن ادعاه وسأل إحلافه أنكر وحلف، وعَرَّض في يمينه، بأن ينوي أن هذا ليس له قبل ملكه أو إذا باعه أو ليس له عاريًا عن تعلق الحق به، ونحو ذلك. وأحسن من هذه الحيلة أن يفصل في جواب الدعوى فيقول: إن ادعيته (١٣)

стр. 2369

رهنًا في يدي على ألف لي عليك فأنا مقر به، وإن ادعيته على غير هذا الوجه فلا أقر به (١)، وينفعه هذا الجواب، كما قالوا فيما إذا ادعى عليه ألفًا، فقال: إن ادعيتها من ثمن مبيع لم أقبضه منك فأنا مقر، وإلا فلا، وهذا مثله سواء. فإن كان الغريم هو المدعي للمال فخاف الراهن أن يقر بالمال فيجحد المرتهن الرهن فيلزم الراهن المال ويذهب رهنه (٢)، فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول: إن ادعيت هذا المال وأنك تستحقه من غير رهن لي عندك فلا أقر به، وإن ادعيته مع كوني رهنتك به كذا وكذا فأنا مقر به، ولا يزيد على هذا. وقالت الحنفية: الحيلة أن يقر منه بدرهم فيقول: لك عليَّ درهم، ولي عندك رهن كذا وكذا، فإذا سأل الحاكم المدعي عن الرهن، فإما أن يقر به، وإما أن ينكر، فإن أقر به فليقر له خصمه بباقي دينه، وإن أنكره وحلف عليه وسع الآخر أن يجحد باقي الدين ويحلف عليه إن كان الرهن بقدر الدين أو أكثر منه، وإن كان أقل منه لزمه أن يعطيه ما زاد على قيمة الرهن من حقه، قالوا: لأن الرهن إن كان قد تلف بغير تفريطه سقط ما يقابله من الدين (٣)، وإن كان قد فرط فيه صارت قيمته دينًا عليه، فيكون قصاصًا بالدين الذي له (٤). وهذا بناء على أصلين لهم: أحدهما (٥): أن الرهن (٦) مضمون على المرتهن بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الدين. والثاني: جواز الاستيفاء في مسألة الظفر (٧). [حيلة في إبرار زوج وزوجة] المثال الثالث (٨) عشر بعد المئة: إذا قال لامرأته: "إن لم أطأك الليلة فأنت

стр. 2370

طالق ثلاثًا" فقالت: "إن وطئتني الليلة فأمتي حرة" فالمخلص من ذلك أن تبيعه الجارية فإذا وطئها بعد ذلك لم تعتق؛ لأنها خرجت من ملكها ثم تستردها (١). فإن خافت أن يطأ الجارية على قول من لا يرى على الرجل استبراء الأمة التي يشتريها من امرأته (٢) كما ذهب إليه بعض الشافعية والمالكية فالحيلة أن تستردها (٣) منه عقيب الوطء فإن خافت أن لا يرد إليها الجارية ويقيم على ملكها فلا تصل إليها، فالحيلة لها أن تشترط عليه أنه إن لم يرد الجارية إليها عقيب الوطء فهي حرة. فإن خافت أن يملكها لغيره تلجئة (٤) فلا يصح تعليق عتقها فالحيلة [لها] (٥) أن تشترط عليه [أنه] (٥) إن لم يردها إليها عقيب الوطء فهي طالق، فهنا تضيق عليه الحيلة (٦) في استدامة ملكها ولم يجد بدًا من مفارقة إحديهما (٧). المثال الرابع (٨) عشر بعد المئة: إذا أراد [الرجل] (٥) أن يخالع امرأته الحامل على سكناها ونفقتها جاز ذلك، وبرئ منهما، هذا منصوص أحمد، وقال الشافعي: لا يصح الخلع، ويجب مهر المثل، واحتج له بأن النفقة لم تجب بعد فإنها إنما تجب بعد الإبانة (٩)، وقد (١٠) خالعها بمعدوم، فلا يصح، كما لو خالعها على عوض شيء يتلفه (١١) عليها، وهذا اختيار أبي بكر عبد العزيز، وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا خالعها على أن لا سكنى لها ولا نفقة فلا نفقة لها، وتستحق عليه السكنى، قالوا: لأن النفقة حق لها وقد أسقطته (١٢)، والسكنى حق للشارع (١٣) فلا تسقط بإسقاطها، فيلزمه إسكانها قالوا: فالحيلة على سقوط الأجرة عنه أن يشترط (١٤) الزوج في الخلع أن لا يكون عليه مؤنة السكنى، وأن مؤنتها تلزم المرأة في مالها، وتجب أجرة المسكن عليها. فإن قيل: لو أبرأت المرأة زوجها من النفقة (١٥) قبل أن تصير دينًا في ذمته

стр. 2371

لم يصح، ولو شرط في عقد الخلع براءة الزوج عن النفقة صح. قيل: الفرق بينهما أن الإبراء إذا شرط في الخلع كان إبراء بعوض، والإبراء (١) بعوض استيفاء لما وقعت البراءة عنه؛ لأن العوض قائم مقام ما وقعت البراءة عنه والاستيفاء يجوز قبل الوجوب بدليل ما لو تسلَّفت (٢) نفقة شهر جملة، وأما الإبراء من النفقة في غير خلع (٣) قبل ثبوتها فهو إسقاط لما لم يجب فلا يسقط، كما لو أسقطت حقها من القَسْم فإن لها أن ترجع فيه متى شاءت، وأما قول صاحب: "المحرر": "وقيل: إن أوجبنا نفقة الزوجة بالعقد صح، وإلا فهو خلع بمعدوم وقد بينا حكمه" (٤) يعني: إن قلنا: إنَّ نفقة الحامل نفقة زوجة وإن النفقة لها من أجل الحمل وإنها تجب بالعقد فيكون خلعًا بشيء ثابت، وإن قلنا: إن النفقة إنما تجب بالتمكين فقد زال التمكين بالخلع وصارت النفقة نفقة قريب، فالخلع بنفقة الزوجة حينئذٍ خلع بمعدوم، هذا أقرب ما يتوجه به كلامه، وفيه ما فيه، واللَّه أعلم (٥). [للتحليل بعد الطلاق الثلاث] المثال الخامس (٦) عشر بعد المئة: إذا وقع الطلاق الثلاث بالمرأة، وكان دِينها ودِين وليها وزوجها المطلق أعز عليهم من التعرض للعنة اللَّه ومقته بالتحليل الذي لا يحلها ولا يطيبها بل يزيدها خبثًا فلو أنها أخرجت من مالها ثمن مملوك فوهبته لبعض من تثق به فاشترى به مملوكًا ثم خطبها على مملوكه فزوجها منه فدخل بها المملوك ثم وهبها إياه (٧) انفسخ النكاح ولم يكن هناك تحليلٌ مشروطٌ ولا منويٌّ ممن تؤثر نيَّتُه وشرطه وهو الزوج، فإنه لا أثر لنية الزوجة (٨) ولا الولي، وإنما التأثير لنية الزوج الثاني، فإنه إذا نوى التحليل كان محللًا فيستحق اللعنة ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل، فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضر ذلك

стр. 2372

العقد شيئًا. وقد علم النبي ﷺ من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه ولم يجعل ذلك مانعًا من رجوعها إليه، وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني فقال [النبي ﷺ ] (١): "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (٢)، وقد صرح أصحابنا بأن ذلك يحلها، فقال صاحب "المغني" (٣) فيه: "فإن تزوجها مملوك ووطئها أحلها، وبذلك قال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم لهم مخالفًا". قلت: هذه (٤) الصورة غير الصورة التي منع منها الإمام أحمد (٥)، فإنه منع من حِلِّها إذا كان الزوج المطلق [قد] (٦) اشترى العبد وزوّجه بها بإذن وليها ليحلها، فهذه حيلة لا تجوز عنده، وأما هذه المسألة فليس للزوج الأول ولا للثاني فيها نية، ومع هذا فيكره؛ لأنها نوع حيلة. [الإبرار من حلف بالطلاق] المثال السادس (٧) عشر بعد المئة: قال عبد اللَّه بن أحمد [في "مسائله"] (٨): "سألت أبي عن رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم أجامعك اليوم، وأنت طالق إن اغتسلت منك اليوم، فقال: يصلي العصر ثم يجامعها، فإذا غابت الشمس اغتسل إن لم يكن أراد بقوله: "اغتسلت" المجامعة". ونظير هذا أيضًا ما نص [عليه] (٩) في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك في رمضان، فسافر مسيرة أربعة أيام أو ثلاثة ثم وطئها، فقال: لا يعجبني؛ لأنها حيلة [ولا يعجبني الحيلة] (١٠) في هذا ولا في غيره. وقال (١١) القاضي: إنما كره الإمام أحمد هذا لأن السفر الذي يبيح الفطر لا بد أن يكون سفرًا مقصودًا مباحًا، وهذا لا يقصد به غير حل اليمين. قال الشيخ

стр. 2373

أبو محمد المقدسي: والصحيح أن هذا تنحلُّ به اليمين، ويباح له الفطر فيه؛ لأنه سفر بعيد مباح لقصد صحيح، وإرادة (١) حل يمينه من المقاصد الصحيحة. وقد أبحنا لمن له طريقان قصيرة لا يقصر فيها وبعيدة أن يسلك البعيدة ليقصر فيها الصلاة ويفطر، مع أنه لا قصد له سوى الترخص، فههنا أولى (٢). قلت: ويؤيد اختيار الشيخ -قدس اللَّه روحه- ما رواه الخطيب في كتابه (٣) "الفقيه والمتفقه" أخبرنا الأزهريُّ: ثنا سهل (٤) بن أحمد: ثنا محمد بن محمد [بن] الأشعث (٥) الكوفي حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ (٦)، ثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي (٧) في رجل حلف فقال: امرأته طالق [ثلاثًا] (٨) إن لم يطأها في شهر رمضان نهارًا، قال: يسافر ثم يجامعها نهارًا (٩). [المخارج من التحليل في الطلاق] المثال السابع عشر بعد المئة (١٠): في المخارج من الوقوع في التحليل الذي

стр. 2374

لعن رسول اللَّه ﷺ من غير وجه فاعله المطلق والمحلَّلَ له (١)، فأي قول من أقوال المسلمين خرج به من لعنة رسول اللَّه ﷺ كان أعذر عند اللَّه ورسوله وملائكته وعباده المؤمنين من ارتكابه لما يُلعن عليه ومباءته باللعنة، فإن هذه المخارج التي نذكرها دائرة بين ما دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما أو أفتى به الصحابة، بحيث لا يعرف عنهم فيه خلاف (٢)، أو أفتى به بعضهم، أو هو خارج عن أقوالهم (٣)، أو هو قول جمهور الأئمة (٤) أو بعضهم [أو إمام] (٥) من الأئمة الأربعة أو أتباعهم أو غيرهم من علماء الإسلام، ولا تخرج هذه الآثار (٦) التي نذكرها عن ذلك، فلا يكاد يوصل إلى التحليل بعد مجاوزة جميعها إلا في أندر النادر، ولا ريب أن من نصح (٧) للَّه ورسوله وكتابه ودينه ونصح نفسه ونصح عباده أن أيًا منها ارتكب فهو أولى من التحليل (٨). [الأول أن يكون زائل العقل] المخرج الأول: أن يكون المطلق أو الحالف زائل العقل إما بجنون أو إغماء أو شرب دواء أو شرب مسكر يعذر به أو لا يعذر أو وسوسة، وهذا المخلص مجمع عليه بين الأمة إلا في شرب (٩) مسكر لا يعذر به، فإن المتأخرين من الفقهاء اختلفوا فيه، والثابت عن الصحابة ﵃ الذي لا يعلم فيه خلاف بينهم أنه لا يقع طلاقه. قال البخاري في "صحيحه" (١٠): باب الطلاق في الإغلاق والمكره

стр. 2375

والسكران والمجنون وأمرهما والغَلَط والنسيان في الطلاق والشرك [وغيره] لقول النبي ﷺ : "الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى" (١)، وتلا الشعبي: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وما لا يجوز من إقرار الموسوس، وقال النبي ﷺ للذي أقر على نفسه: "أبك جنون" (٢)، وقال علي: بقر حمزة [خواصر] شارفي (٣) فطفق (٤) النبي ﷺ يلوم حمزة، فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيد لآبائي؟ فعرف النبي ﷺ أنه قد ثمل، فخرج وخرجنا معه. وقال عثمان: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق (٥)، وقال ابن عباس: طلاق

стр. 2376

السكران والمستكره ليس بجائز (١). وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس" (٢)، هذا لفظ الترجمة، ثم ساق بقية الباب، ولا يعرف عن رجل من الصحابة أنه خالف عثمان وابن عباس ﵃ في ذلك، ولذلك رجع الإمام أحمد إلى هذا القول بعد أن كان يفتي بنفوذ طلاقه؛ فقال أبو بكر عبد العزيز في كتاب "الشافي"، و"الزاد": قال أبو عبد اللَّه في رواية الميموني: قد كنت أقول: إن (٣) طلاق السكران يجوز، حتى تبينته (٤)، فغلب عليَّ أنه لا يجوز طلاقه، لأنه لو أقر لم يلزمه، ولو باع لم يجز بيعه، قال: وألزمه الجناية (٥)، وما كان من غير ذلك فلا يلزمه، قال أبو بكر: وبهذا أقول. وفي "مسائل الميموني"؛ سألت أبا عبد اللَّه عن طلاق السكران، فقال: أكثر ما عندي فيه أنه لا يلزمه الطلاق، قلت: أليس كنت مرة تخاف أن يلزمه؟ قال: بلى، ولكن أكثر ما عندي فيه أنه لا يلزمه [الطلاق] (٦)؛ لأني رأيته ممن لا يعقل، قلت: السكر شيء أدخله

стр. 2377

على نفسه فلذلك يلزمه، قال: قد يشرب رجل البنج (١) أو الدواء فيذهب عقله؟ قلت: فبيعه وشراؤه وإقراره؟ قال: لا يجوز وقال في رواية أبي الحارث (٢): أرفع شيء في حديث الزهري، عن أبان بن عثمان، عن عثمان: "ليس لمجنون ولا سكران طلاق" (٣). وقال في رواية أبي طالب: والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة والذي يأمر بالطلاق قد أتى خصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره، فهذا خير من هذا وأنا أتقي جميعها (٤). وممن ذهب إلى القول بعدم نفوذ طلاق السكران من الحنفية أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي، وحكاه صاحب "النهاية" عن أبي يوسف وزفر. ومن الشافعية المزني وابن سُريج وجماعة ممن اتبعهما، وهو الذي اختاره الجويني في "النهاية"، والشافعي [﵀] نص على وقوع طلاقه (٥)، ونص في أحد قوليه على أنه لا يصح ظهاره، فمن أتباعه من نقل عن (٦) الظهار قولًا إلى الطلاق، وجعل المسألة على قولين، ومنهم من قرر حُكْمَ النصين ولم يفرق بطائل. والصحيح أنه لا عبرة بأقواله من طلاق ولا عتاق ولا بيع ولا هبة ولا وقف ولا إسلام ولا ردة ولا إقرار، لبضعة عشر دليلًا ليس هذا موضع ذكرها، ويكفي منها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وأمر النبي ﷺ باستنكاه (٧) ما عز لما أقرَّ بالزنا بين يديه (٨)، وعدم أمر النبي ﷺ حمزة بتجديد إسلامه لما قال في سكره: "أنتم عبيد

стр. 2378

لآبائي" (١)، وفتوى عثمان وابن عباس (٢) ﵄ ولم يخالفهما أحد من الصحابة ﵃، والقياس الصحيح المحض على زائل العقل بدواء أو بنج أو مسكر هو فيه معذور بمقتضى قواعد الشريعة (٣)، فإن السكران لا قصد له، فهو أولى بعدم المؤاخذة من اللاغي ومن جرى اللفظ على لسانه من غير قصد له، وقد صرَّح أصحاب أبي حنيفة بأنه لا يقع طلاق الموسوس، وقالوا: لا يقع طلاق المعتوه (٤)، وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون. فصل [المخرج الثاني ويشتمل على القول في طلاق الغضبان] المخرج الثاني: أن يُطلِّق أو يحلف في حال غضب شديد وقد حال بينه وبين كمال قصده وتصوره، فهذا لا يقع طلاقه ولا عتقه ولا وقفه، ولو بدرت منه كلمة الكفر في هذا الحال لم يكفر، وهذا نوع من الغلق والإغلاق الذي منع رسول اللَّه ﷺ وقوع الطلاق والعتاق فيه (٥)، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، قال أبو بكر عبد العزيز في كتاب "زاد المسافر" (٦) له: باب في الطلاق في الإغلاق (٧)، قال أحمد في رواية حنبل: وحديث عائشة ﵂[أنها] (٨) سمعت النبي ﷺ يقول: "لا طَلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاق" (٩) يعني الغضب، وبذلك فسره أبو داود [في "سننه"] عقب ذكره الحديث] (١٠)، فقال: والإغلاق أظنه الغضب (١١).

стр. 2379

وقسم شيخ الإسلام [ابن تيمية قدس اللَّه روحه] الغضب إلى ثلاثة أقسام (١): قسم يزيل العقل كالسكر، فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب. وقسم يكون في (٢) مبادئه بحيث لا يمنعه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع معه الطلاق (٣)، وقسم يشتد بصاحبه، ولا يبلغ به زوال عقله، بل يمنعه من التثبت والتروي (٤) ويخرجه عن حال اعتداله، فهذا محل اجتهاد (٥). [التحقيق في مسألة طلاق الإغلاق] والتحقيق أن الغلق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره كالسكران والمجنون والمبرسم (٦) والمكره والغضبان، فحال هؤلاء كلهم حال إغلاق، والطلاق إنما يكون عن وَطَر، فيكون عن قصد من المطلق وتصور لما يقصده، فإن تخلف أحدهما لم يقع طلاقه (٧)، وقد نص الإمام مالك والإمام وأحمد (٨) في إحدى الروايتين عنه فيمن قال لامرأته: "أنت طالق ثلاثًا" ثم قال: أردت أن أقول: إن كلَّمتِ فلانًا، أو خرجت من بيتي بغير إذني، ثم بدا لي فتركت اليمين، ولم أُرِدْ التَّنجيز في الحال، إنه لا تطلق عليه، وهذا هو الفقه بعينه لأنه لم يرد التنجيز، ولم يتم اليمين. وكذلك لو أراد أن يقول: "أنت طاهر" فسبق لسانه فقال: "أنت طالق" لم يقع طلاقه، لا في الحكم الظاهر ولا فيما بينه وبين اللَّه (٩)، نص عليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين، والثانية لا يقع

стр. 2380

فيما بينه وبين اللَّه ، ويقع في الحكم، وهذا إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وقال ابن أبي شيبة: ثنا محمد بن مروان، عن عمارة: سُئل جابر بن زيد عن رجل غلط بطلاق امرأته، فقال: ليس على المؤمن غلط (١)، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، [عن جابر]، عن عامر في رجل أراد أن يتكلم في شيء فغلط، فقال الشعبي: ليس بشيء (٢). فصل [المخرج الثالث ويشتمل على القول في طلاق المكره] المخرج الثالث: أن يكون مُكْرهًا على الطلاق أو الحلف به عند جمهور الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو قول أحمد ومالك الشافعي وجميع أصحابهم، على اختلاف بينهم في حقيقة الإكراه وشروطه (٣)، قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: يمين المستكره إذا ضرب، ابن عمر و [ابن الزبير] (٤) لم يرياه شيئًا، وقال في رواية [أبي] الحارث: إذا طلَّق المكره لم يلزمه الطلاق، فإذا (٥) فعل به كما فعل بثابت بن الأحنف فهو مكره؛ لأن ثابتًا عصروا رجله حتى طلَّق، فأتى ابن عمر و [ابن الزبير] (٤) فلم يريا ذلك شيئًا (٦)، وكذا قال اللَّه تعالى:

стр. 2381

﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال الشافعي ﵁ (١): "قال اللَّه : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وللكفر أحكام، فلما وضعها اللَّه سبحانه عنه (٢) سقطت أحكام الإكراه عن القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه"، وفي "سنن ابن ماجه"، و"سنن البيهقي" من حديث بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "إن اللَّه وضع عن أمتي"، وقال البيهقي: "تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٣)، وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه تجاوز لأمتي ما توسوس به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلم به" زاد ابن ماجه: "وما استكرهوا عليه" (٤). [رأي علي وغيره من الصحابة والأئمة في طلاق المكره] وقال (٥) الشافعي ﵀: "روى حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن أن عليًا (٦) قال: لا طلاق لمكره (٧)، وذكر الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير

стр. 2382

[أن] (١) ابن عباس: لم يجز طلاق المكره" (٢)، وذكر أبو عبيد (٣) عن علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وعبد اللَّه بن [عبيد بن] (٤) عمير أنهم كانوا يرون طلاقه غير جائز. وقال ابن أبي شيبة: ثنا عبد اللَّه بن طلحة (٥)، عن أبي يزيد المديني (٦) عن ابن عباس قال: ليس على المكره ولا المضطهد طلاق (٧)، وحدثنا أبو معاوية، عن عبد اللَّه بن عمير، عن ثابت مولى أهل المدينة، عن ابن عمر وابن الزبير كانا لا يريان طلاق المكره شيئًا (٨)، ثنا وكيع، عن الأوزاعي، عن رجل، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لم يره شيئًا (٩).

стр. 2383

[تحقيق رأي عمر في طلاق المكره] قلت: قد اختلف على عمر، فقال إسماعيل بن أبي أويس: حدثني عبد الملك بن قدامة بن إبراهيم الجمحي، عن أبيه، أن رجلًا تَدَلّى يَشْتَارُ عسلًا في زمن عمر ﵁، فجاءته امرأته فوقفت على الحبل، فحلفت لتقطعنَّه، أو لتطلقني ثلاثًا، فذكَّرها اللَّه والإسلام، فأبت إلا ذلك، فطلَّقها ثلاثًا، فلما ظهر أتى عمر فذكر له ما كان منها إليه و [ما كان] منه إليها، فقال: ارجع إلى أهلك فليس (١) هذا بطلاق (٢)، تابعه عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الملك (٣)، وهو المشهور عن عمر. وقال أبو عبيد: حدثني يزيد، عن عبد الملك بن قدامة، عن أبيه، عن عمر بهذا، لكنه (٤) قال: فرفع إلى عمر فأبانها منه (٥)، قال أبو عبيد: "وقد روي عن عمر خلافه"، ولم يصح عن أحد من الصحابة تنفيذ طلاق المكره سوى هذا الأثر عن عمر، وقد اختلف فيه عنه، والمشهور أنه ردها إليه (٦)، ولو صح إبانتها (٧) منه لم يكن صريحًا في الوقوع، بل لعله رأى من المصلحة التفريق بينهما، وأنهما لا يتصافيان بعد ذلك، فألزمه بإبانتها. [رأي شريح وإبراهيم والشعبي] ولكن الشعبي (٨) وشريح (٩) وإبراهيم (١٠) يجيزون طلاق المكره حتى قال

стр. 2384

إبراهيم: لو وضع السيف على مفرقه ثم طلق لأجزت طلاقه. [مذهب ثالث عن الشعبي] وفي المسألة مذهب ثالث، قال ابن أبي شيبة (١): ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن الشعبي في الرجل يُكره على أمر من أمر العتاق أو الطلاق، فقال: إذا أكرهه السلطان جاز، وإذا أكرهه اللصوص لم يجز. ولهذا القول غور وفقه دقيق لمن تأمله. فصل [المكره يظنُّ أن الطلاق يقع به فينويه] واختلفوا في المكره يظن أن الطلاق يقع به فينويه، هل يلزمه؟ على قولين وهما وجهان للشافعية، فمن ألزمه رأى أن النية قد قارنت اللفظ، وهو لم يكره على النية، فقد أتى بالطلاق المنويّ اختيارًا فلزمه، ومن لم يلزمه [به] (٢) رأى أن لفظ المكره لغو لا عبرة به، فلم يبق إلا مجرد النية، وهي لا تستقل بوقوع الطلاق. فصل [المكره يمكنه التورية فلا يوري] واختلف في ما لو أمكنه التورية فلم يُوَرِّ، والصحيح أنه لا يقع به الطلاق (٣) وإن تركها، فإن اللَّه سبحانه (٤) لم يوجب التورية على من أكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، مع أن التورية هناك أولى، ولكن المكره إنما لم يعتبر لفظه لأنه غير قاصد لمعناه، ولا مريد لموجبه، وإنما تكلم به فداء لنفسه من ضرر الإكراه، فصار تكلمه باللفظ لغوًا (٥) بمنزلة كلام المجنون والنائم ومن لا قصد له،

стр. 2385

سواء (١) ورَّى أولم يُوَرِّ، وأيضًا فاشتراط التورية إبطال لرخصة التكلم مع الإكراه، ورجوع إلى القول بنفوذ طلاق المكره، فإنه لو ورَّى بغير إكراه لم يقع طلاقه، والتأثير إذًا إنما هو للتورية لا للإكراه، وهذا باطل، وأيضًا (٢) فإن المورّيَ إنما لم يقع طلاقه مع قصده للتكلم باللفظ؛ لأنه لم يقصد مدلوله، وهذا المعنى بعينه ثابت في الإكراه، فالمعنى الذي منع من النفوذ في [التورية هو الذي منع النفوذ في] (٣) الإكراه. فصل [المخرج الرابع: ويشتمل على حكم الاستثناء في الطلاق] المخرج الرابع: أن يستثني في يمينه أو طلاقه، وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء (٤)، فقال الشافعي وأبو حنيفة [رحمهما اللَّه] (٥): يصح الاستثناء في الإيقاع والحلف، فإذا قال: "أنت طالق إن شاء اللَّه"، أو "أنت حرة إن شاء اللَّه"، أو "إن كلَّمتِ فلانًا فأنت طالق إن شاء اللَّه"، أو "الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا إن شاء اللَّه"، أو "أنت عليَّ حرام أو الحرام يلزمني إن شاء اللَّه" نفعه الاستثناء، ولم يقع به طلاق في ذلك [كله] (٣). ثم اختلفا في الموضع الذي يعتبر فيه الاستثناء، فاشترط أصحاب أبي حنيفة اتصاله بالكلام فقط، سواء نواه من أوله أو قبل الفراغ من كلامه أو بعده. وقال أصحاب الشافعي: إن عقد اليمين ثم عنَّ له الاستثناء لم يصح، وإن عَنَّ له الاستثناء في أثناء اليمين فوجهان: أحدهما: يصح. والثاني: لا يصح. وإن نوى الاستثناء مع عقد اليمين صح وجهًا واحدًا، وقد ثبت بالسنة الصحيحة أن سليمان بن داود ﵁ (٦) قال: لأطوفنَّ الليلة على كذا وكذا امرأة تحمل كل امرأة منهنَّ غلامًا يقاتل في سبيل اللَّه، فقال له المَلَك الموكل به: قل: إن شاء اللَّه، فلم يقل، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لو
следующие страницы →