← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال الشافعي ﵁ (١): "قال اللَّه : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وللكفر أحكام، فلما وضعها اللَّه سبحانه عنه (٢) سقطت أحكام الإكراه عن القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه"، وفي "سنن ابن ماجه"، و"سنن البيهقي" من حديث بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "إن اللَّه وضع عن أمتي"، وقال البيهقي: "تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٣)، وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه تجاوز لأمتي ما توسوس به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلم به" زاد ابن ماجه: "وما استكرهوا عليه" (٤). [رأي علي وغيره من الصحابة والأئمة في طلاق المكره] وقال (٥) الشافعي ﵀: "روى حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن أن عليًا (٦) قال: لا طلاق لمكره (٧)، وذكر الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير

стр. 2382

[أن] (١) ابن عباس: لم يجز طلاق المكره" (٢)، وذكر أبو عبيد (٣) عن علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وعبد اللَّه بن [عبيد بن] (٤) عمير أنهم كانوا يرون طلاقه غير جائز. وقال ابن أبي شيبة: ثنا عبد اللَّه بن طلحة (٥)، عن أبي يزيد المديني (٦) عن ابن عباس قال: ليس على المكره ولا المضطهد طلاق (٧)، وحدثنا أبو معاوية، عن عبد اللَّه بن عمير، عن ثابت مولى أهل المدينة، عن ابن عمر وابن الزبير كانا لا يريان طلاق المكره شيئًا (٨)، ثنا وكيع، عن الأوزاعي، عن رجل، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لم يره شيئًا (٩).

стр. 2383

[تحقيق رأي عمر في طلاق المكره] قلت: قد اختلف على عمر، فقال إسماعيل بن أبي أويس: حدثني عبد الملك بن قدامة بن إبراهيم الجمحي، عن أبيه، أن رجلًا تَدَلّى يَشْتَارُ عسلًا في زمن عمر ﵁، فجاءته امرأته فوقفت على الحبل، فحلفت لتقطعنَّه، أو لتطلقني ثلاثًا، فذكَّرها اللَّه والإسلام، فأبت إلا ذلك، فطلَّقها ثلاثًا، فلما ظهر أتى عمر فذكر له ما كان منها إليه و [ما كان] منه إليها، فقال: ارجع إلى أهلك فليس (١) هذا بطلاق (٢)، تابعه عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الملك (٣)، وهو المشهور عن عمر. وقال أبو عبيد: حدثني يزيد، عن عبد الملك بن قدامة، عن أبيه، عن عمر بهذا، لكنه (٤) قال: فرفع إلى عمر فأبانها منه (٥)، قال أبو عبيد: "وقد روي عن عمر خلافه"، ولم يصح عن أحد من الصحابة تنفيذ طلاق المكره سوى هذا الأثر عن عمر، وقد اختلف فيه عنه، والمشهور أنه ردها إليه (٦)، ولو صح إبانتها (٧) منه لم يكن صريحًا في الوقوع، بل لعله رأى من المصلحة التفريق بينهما، وأنهما لا يتصافيان بعد ذلك، فألزمه بإبانتها. [رأي شريح وإبراهيم والشعبي] ولكن الشعبي (٨) وشريح (٩) وإبراهيم (١٠) يجيزون طلاق المكره حتى قال

стр. 2384

إبراهيم: لو وضع السيف على مفرقه ثم طلق لأجزت طلاقه. [مذهب ثالث عن الشعبي] وفي المسألة مذهب ثالث، قال ابن أبي شيبة (١): ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن الشعبي في الرجل يُكره على أمر من أمر العتاق أو الطلاق، فقال: إذا أكرهه السلطان جاز، وإذا أكرهه اللصوص لم يجز. ولهذا القول غور وفقه دقيق لمن تأمله. فصل [المكره يظنُّ أن الطلاق يقع به فينويه] واختلفوا في المكره يظن أن الطلاق يقع به فينويه، هل يلزمه؟ على قولين وهما وجهان للشافعية، فمن ألزمه رأى أن النية قد قارنت اللفظ، وهو لم يكره على النية، فقد أتى بالطلاق المنويّ اختيارًا فلزمه، ومن لم يلزمه [به] (٢) رأى أن لفظ المكره لغو لا عبرة به، فلم يبق إلا مجرد النية، وهي لا تستقل بوقوع الطلاق. فصل [المكره يمكنه التورية فلا يوري] واختلف في ما لو أمكنه التورية فلم يُوَرِّ، والصحيح أنه لا يقع به الطلاق (٣) وإن تركها، فإن اللَّه سبحانه (٤) لم يوجب التورية على من أكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، مع أن التورية هناك أولى، ولكن المكره إنما لم يعتبر لفظه لأنه غير قاصد لمعناه، ولا مريد لموجبه، وإنما تكلم به فداء لنفسه من ضرر الإكراه، فصار تكلمه باللفظ لغوًا (٥) بمنزلة كلام المجنون والنائم ومن لا قصد له،

стр. 2385

سواء (١) ورَّى أولم يُوَرِّ، وأيضًا فاشتراط التورية إبطال لرخصة التكلم مع الإكراه، ورجوع إلى القول بنفوذ طلاق المكره، فإنه لو ورَّى بغير إكراه لم يقع طلاقه، والتأثير إذًا إنما هو للتورية لا للإكراه، وهذا باطل، وأيضًا (٢) فإن المورّيَ إنما لم يقع طلاقه مع قصده للتكلم باللفظ؛ لأنه لم يقصد مدلوله، وهذا المعنى بعينه ثابت في الإكراه، فالمعنى الذي منع من النفوذ في [التورية هو الذي منع النفوذ في] (٣) الإكراه. فصل [المخرج الرابع: ويشتمل على حكم الاستثناء في الطلاق] المخرج الرابع: أن يستثني في يمينه أو طلاقه، وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء (٤)، فقال الشافعي وأبو حنيفة [رحمهما اللَّه] (٥): يصح الاستثناء في الإيقاع والحلف، فإذا قال: "أنت طالق إن شاء اللَّه"، أو "أنت حرة إن شاء اللَّه"، أو "إن كلَّمتِ فلانًا فأنت طالق إن شاء اللَّه"، أو "الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا إن شاء اللَّه"، أو "أنت عليَّ حرام أو الحرام يلزمني إن شاء اللَّه" نفعه الاستثناء، ولم يقع به طلاق في ذلك [كله] (٣). ثم اختلفا في الموضع الذي يعتبر فيه الاستثناء، فاشترط أصحاب أبي حنيفة اتصاله بالكلام فقط، سواء نواه من أوله أو قبل الفراغ من كلامه أو بعده. وقال أصحاب الشافعي: إن عقد اليمين ثم عنَّ له الاستثناء لم يصح، وإن عَنَّ له الاستثناء في أثناء اليمين فوجهان: أحدهما: يصح. والثاني: لا يصح. وإن نوى الاستثناء مع عقد اليمين صح وجهًا واحدًا، وقد ثبت بالسنة الصحيحة أن سليمان بن داود ﵁ (٦) قال: لأطوفنَّ الليلة على كذا وكذا امرأة تحمل كل امرأة منهنَّ غلامًا يقاتل في سبيل اللَّه، فقال له المَلَك الموكل به: قل: إن شاء اللَّه، فلم يقل، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لو

стр. 2386

قالها لقاتلوا في سبيل اللَّه [فرسانًا] أجمعون" (١)، وهذا صريح في نفع الاستثناء المقصود بعد عقد اليمين. وثبت في "السنن" عنه ﷺ أنه قال: "واللَّه لأغزون قريشًا، واللَّه لأغزون قريشًا، واللَّه لأغزون قريشًا"، ثم سكت قليلًا ثم قال: "إن شاء اللَّه" ثم لم يغزهم (٢)، رواه أبو داود. وفي "جامع الترمذي" من حديث ابن عمر [﵄] (٣) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حلف على يمين فقال: إن شاء اللَّه فلا حنث عليه" (٤)، وقد قال تعالى: ﴿ولَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣)

стр. 2387

إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] فهذه النصوص الصحيحة لم يشترط في شيء منها البتة (١) في صحة الاستثناء ونفعه أن ينويه مع الشروع في اليمين ولا قبلها، بل حديث سليمان صريح في خلافه، وكذلك حديث: "لأغزون قريشًا"، وحديث ابن عمر متناول (٢) لكل من قال: إن شاء اللَّه بعد يمينه، [سواء] (٣) نوى الاستثناء قبل الفراغ أو لم ينوه، والآية دالة على نفع

стр. 2388

الاستثناء مع النسيان أظهر دلالة، ومن شرط النية قبل الفراغ لم يكن لذكر الاستثناء بعد النسيان عنده تأثير. وأيضًا فالكلام بآخره، وهو كلام [واحد] (١) متصل بعضه ببعض، فلا (٢) معنى لاشتراط النية في أجزائه وأبعاضه، وأيضًا فإن الرجل قد يستحضر بعد فراغه من الجملة ما يرفع بعضها، ولا يذكر ذلك في حال تكلّمه بها، فيقول: لزيد عندي ألف درهم، ثم في الحال يذكر أنه قضاه منها مئة فيقول: إلا مئة، فلو اشترط نية الاستثناء قبل الفراغ لتعذر عليه استدراك ذلك وألجئ إلى الإقرار بما لا يلزمه والكذب [فيه] (٣). وإذا كان هذا في الإخبار فمثله في الإنشاء سواء، فإن الحالف قد يبدو له فيعلِّق اليمين بمشيئة اللَّه، وقد يذهل في أول كلامه عن قصد الاستثناء، أو يشغله شاغل عن نيته، فلو لم ينفعه الاستثناء حتى يكون ناويًا له من أول يمينه لفات مقصود الاستثناء، وحصل الحرج الذي رفعه اللَّه تعالى عن الأمة به، ولما قال لرسوله إذا نسيه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وهذا متناول لذكره إذا نسي الاستثناء قطعًا، فإنه سب النزول (٤)، ولا يجوز إخراجه وتخصصيه لأنه مراد قطعًا، وأيضًا فإن صاحب هذا القول إن طرده لزمه ألا يصح مخصِّص من صفة أو بدل أو غاية أو استثناء بإلا ونحوها حتى ينويه المتكلم من أول كلامه، فإذا قال: له عليّ ألف مؤجلة إلى سنة" هل يقول عالم: إنه لا يصح وصفها بالتأجيل حتى يكون منويًا من أول الكلام؟ وكذلك إذا قال: "بعتك هذا بعشرة" فقال: "اشتريته على أن لي الخيار ثلاثة أيام" يصح هذا الشرط وإنْ لم ينوه من أول كلامه، بل عَنَّ له الاشتراط عقيب القبول. ومثله لو قال: "وقفت داري على أولادي أو غيرهم بشرط كونهم فقراء مسلمين (٥)، أو متأهلين، وعلى أنه من مات منهم فنصيبه لولده أو للباقين" (٦) صح [له] (٧) ذلك وإن عنَّ له ذكر هذه الشروط بعد تلفظه بالوقف. ولم يقل أحد: لا تقبل منه هذه الشروط إلا أن يكون قد نواها قبل الوقف أو معه، ولم يقع في زمن من الأزمنة [قط] (٨) سؤال الواقفين عن ذلك، وكذلك لو قال: "له عَلَيَّ مئة درهم إلا عشرة" فإنه يصح الاستثناء، وينفعه، ولا يقول له الحاكم: "إنْ كنتَ نويتَ

стр. 2389

الاستثناء من أول كلامك لزمك تسعون، وإنْ كنتَ إنما نويته بعد الفراغ لزمك مئة" ولو اختلف الحال لبيَّن له الحاكم (١) ذلك، ولساغ له أن يسأله بل (٢) يُحَلِّفُه أنه نوى ذلك قبل الفراغ إذا طلب المقرُّ له ذلك، وكذلك (٣) لو ادّعى عليه أنه باعه أرضًا فقال: نعم بعته هذه الأرض إلا هذه البقعة، لم يقل أحد: إنه قد أقر [له] (٤) ببيع الأرض جميعها إلا أن يكون قد نوى استثناء البقعة في أول كلامه، وقد قال النبي ﷺ عن مكة: "إنه لا يختلى خلاها" (٥) فقال له العباس: "إلا الإذْخِر" فسكت رسول اللَّه ﷺ ثم قال: "إلا الإذخر" (٦)، وقال في أسرى بدر: "لا ينفلت أحد منهم إلا بفداء أو ضربة (٧) عنق" فقال له ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فقال: "إلا سهيل بن بيضاء" (٨)، ومعلوم أنه لم ينو واحدًا من هذين

стр. 2390

الاستثناءين في أول كلامه، بل أنشأه (١) لما ذُكِّر به، كما أخبر عن سليمان بن داود صلى اللَّه عليهما أنه لو أنشأه (٢) بعد أن ذكَّره به الملك نفعه ذلك (٣). [شبهة من اشترط النية قبل الاستثناء] وشبهة مَنْ اشترط ذلك أنه إذا لم ينو الاستثناء من أول كلامه فقد لزمه موجب كلامه، فلا يقبل منع رفعه (٤)، ولا رفع بعضه [بعد لزومه] (٥). وهذه الشبهة لو صحت لما نفع الاستثناء في طلاق ولا عتاق ولا إقرار البتة، نواه أو لم ينوه؛ لأنه إذا لزمه موجب كلامه لم يقبل منه رفعه ولا رفع بعضه بالاستثناء، وقد طرد هذا بعض الفقهاء فقالوا: لا يصح الاستثناء في الطلاق توهمًا لصحة هذه الشبهة. [جواب الشبهة] وجوابها [أنه] (٦) إنما يلزمه موجب كلامه إذا اقتصر عليه، فأما إذا وصله بالاستثناء أو الشرط ولم يقتصر على ما دونه فإن موجب كلامه ما دل عليه سياقه وتمامه من تقييد باستثناء أو صفة أو شرط أو بدل أو غاية، فتكليفه نية (٧) ذلك التقييد من أول الكلام وإلغاؤه إن لم ينوه أولًا تكليف ما لا يكلفه اللَّه به ولا رسوله ولا يتوقف صحة الكلام عليه، [وباللَّه التوفيق] (٥).

стр. 2391

فصل [رأي مالك] وقال مالك: لا يصح الاستثناء في إيقاعهما، ولا الحلف بهما، ولا الظهار ولا الحلف به، ولا النذر، ولا في شيء من الأيمان، إلا في اليمين باللَّه تعالى وحده. [رأي أحمد] وأما الإمام أحمد فقال أبو القاسم الخرقي (١): وإذا استثنى في العتاق والطلاق (٢) فأكثر الروايات عن أبي عبد اللَّه أنه توقف عن الجواب (٣)، وقد قطع في مواضع [أخر] (٤) أنه لا ينفعه الاستثناء، فقال في رواية ابن منصور: من حلف فقال: "إن شاء اللَّه" لم يحنث، وليس له استثناء في الطلاق والعتاق، وقال في رواية أبي طالب إذا قال: "أنت طالق إن شاء اللَّه" [لم] (٥) تطلق، وقال في رواية [أبي] (٦) الحارث: إذا قال لامرأته: "أنت طالق إن شاء اللَّه": الاستثناء إنما يكون في الأيمان. قال الحسن وقتادة وسعيد بن المسيب: ليس له ثنيا في الطلاق. وقال قتادة: وقوله: "إن شاء اللَّه" قد شاء اللَّه الطلاق حين أذن فيه، وقال في رواية حنبل: من حلف فقال: "إن شاء اللَّه" لم يحنث، وليس له استثناء في الطلاق والعتاق، قال (٧) حنبل: لأنهما ليسا من الإيمان، وقال صاحب "المغني" (٨) [وغيره] (٥): وعنه ما يدل على أن الطلاق لا يقع وكذلك العتاق. [في هذه المسألة ثلاث روايات عن أحمد بن حنبل] فعلى هذا يكون عنه في المسألة ثلاث روايات: الوقوع، وعدمه، والتوقف

стр. 2392

فيه، وقد قال في رواية الميموني: إذا قال لامرأته: "أنت طالق يوم أتزوج بك إن شاء اللَّه" ثم تزوجها لم يلزمه شيء، ولو قال لأمة: "أنت حرة يوم أشتريك إن شاء اللَّه" صارت حرة، فلعل أبا حامد الإسفرائيني وغيره ممن حكى عن أحمد الفرق بين "أنت طالق إن شاء اللَّه" فلا تطلق "وأنت حرة إن شاء اللَّه" فتعتق استند [إلى] (١) هذا النص، وهذا من غلطه على أحمد، بل هذا تفريق منه بين صحة تعليق العتق على الملك وعدم صحة تعليق الطلاق على النكاح، وهذا قاعدة مذهبه، والفرق عنده أن الملك قد شرع سببًا لحصول العتق كملك ذي الرحم المحرم، [وقد يعقد البيع سببًا لحصول العتق اختيارًا كشراء من يريد عتقه في كفارة أو قربة أو فداء كشراء قريبه، ولم يشرع اللَّه النكاح سببًا لإزالته البتة، فهذا فقهه وفرقه] (١)، فقد (٢) أطلق القول بأنه لا ينفع الاستثناء في إيقاع الطلاق والعتاق (٣)، وتوقف في أكثر الروايات عنه، فتخرَّج المسألة على وجهين صرح بهما الأصحاب، وذكروا وجهًا ثالثًا، وهو: أنه إنْ قصد التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة لم تطلق، وإن قصد التبرك أو التأدب (٤) طلقت، وقيل عن أحمد: يقع العتق دون الطلاق، ولا يصح هذا التفريق عنه، بل هو خطأ عليه. قال شيخنا (٥): وقد روي في الفرق حديث موضوع على معاذ بن جبل يرفعه (٦). [تعليق الطلاق على فعل يقصد به الحض والمنع] فلو علَّق الطلاق على فعل يقصد به الحض أو المنع كقوله: "أنت طالق إن كلَّمت فلانًا إن شاء اللَّه" فروايتان منصوصتان عن الإمام أحمد. إحداهما (٧): ينفعه الاستثناء، ولا تطلق إن كلمت فلانًا، وهو قول أبي عبيد (٨)؛ لأنه بهذا التعليق قد صار حالفًا، وصار تعليقه يمينًا باتفاق الفقهاء، فصح (٩) استثناؤه فيها لعموم النصوص المتناولة للاستثناء في الحلف واليمين.

стр. 2393

والثانية: لا يصح الاستثناء، وهو قول مالك كما تقدم؛ لأن الاستثناء إنما ينفع في الأيمان المكفَّرة، فالتكفير والاستثناء متلازمان، ويمين الطلاق والعتاق لا يكفَّران، فلا ينفع فيهما الاستثناء. [لم يجعل ابن تيمية الكفارة في يمين الطلاق] ومن هنا (١) خرَّج شيخنا على المذهب إجزاء التكفير فيهما؛ لأن أحمد ﵁ نص على أن الاستثناء إنما يكون في اليمين المكفَّرة، ونص على أن الاستثناء ينفع في اليمين بالطلاق والعتاق، فيخرج (٢) من نصه إجزاء الكفارة في اليمين بهما (٣)، وهذا تخريج في غاية الظهور والصحة، ونص أحمد على الوقوع لا يبطل صحة هذا التخريج، كسائر نصوصه ونصوص غيره من الأئمة التي يخرج منها على مذهبه خلاف ما نص عليه، وهذا أكثر وأشهر من أن يذكر. [رأي بعض أصحاب أحمد] ومن أصحابه من قال: إنْ أعاد الاستثناء إلى الفعل نفعه قولًا واحدًا، وإنْ أعاده إلى الطلاق فعلى روايتين، ومنهم من جعل الروايتين على اختلاف حالين، فإنْ أعاده إلى الفعل نفعه، وإن أعاده إلى قوله: "أنت طالق" لم ينفعه. وإيضاح ذلك أنه إذا قال: "إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء اللَّه" فإنه تارة يريد: "فأنت طالق إن شاء اللَّه طلاقك"، وتارة يريد: "إن شاء اللَّه تعليق اليمين بمشيئة اللَّه" أي إن شاء اللَّه عقد هذه اليمين فهي معقودة، فيصير كقوله: "واللَّه لأقومنَّ إن شاء اللَّه" فإذا قام علمنا أن اللَّه قد شاء القيام، وإن لم يقم علمنا أن اللَّه لم يشأ قيامه (٤)، [فما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن] (٥)، فلم يوجد الشرط فلم يحنث، [فينقل هذا بعينه إلى الحلف بالطلاق] (٥)؛ فإنه (٦) إذا قال: "الطلاق يلزمني لأقومن إن شاء اللَّه [لي] (٧) القيام" فلم يقم لم يشأ اللَّه له القيام، فلم يوجد الشرط فلم يحنث، فهذا الفقه بعينه.

стр. 2394

فصل [حكم: أنت طالق إلا أن يشاء اللَّه] فإن قال: "أنت طالق إلا أن يشاء اللَّه" فاختلف الذين يصححون الاستثناء في قوله: "أنت طالق إن شاء اللَّه" هاهنا: هل ينفعه الاستثناء ويمنع وقوع الطلاق أو لا ينفعه؟ على قولين، وهما وجهان لأصحاب الشافعي، والصحيح عندهم أنه لا ينفعه الاستثناء ويقع الطلاق، والثاني ينفعه [الاستثناء] (١)، ولا تطلق، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، والذين لم يصححوا الاستثناء احتجوا بأنه أوقع الطلاق وعلَّق رفعه بمشيئة لم تعلم (٢)، إذ المعنى قد وقع عليك الطلاق إلا أن يشاء اللَّه رفعه وهذا يقتضي وقوعًا منجزًا ورفعًا معلقًا بالشرط، والذين صححوا الاستثناء قولهم أفقه، فإنه لم يوقع طلاقًا (٣) منجَّزًا، وإنما وقع طلاقًا معلقًا على المشيئة، فإن معنى كلامه: أنت طالق إن (٤) شاء اللَّه طلاقك، فإن شاء عدمه لم تطلقي، بل لا تطلقين إلا بمشيئته، فهو داخل في الاستثناء من قوله: إن شاء اللَّه، فإنه جعل مشيئة اللَّه لطلاقها شرطًا فيه، وهاهنا (٥) أضاف إلى ذلك جَعْلَه عدم مشيئته مانعًا من طلاقها. [تحقيق المسألة] والتحقيق أن كل واحد من الأمرين يستلزم الآخر، فقوله: "إن شاء اللَّه" يدل على الوقوع عند وجود المشيئة صريحًا، وعلى انتفاع الوقوع عند انتفائها لزومًا، وقوله: "إلا أن يشاء اللَّه" يدلل على عدم الوقوع عند عدم المشيئة صريحًا، وعلى الوقوع عندها لزومًا، فتأمله، فالصورتان سواء كما سوَّى بينهما أصحاب أبي حنيفة وغيرهم من الشافعية. وقولهم: "إنه أوقع الطلاق وعلَّق رفعه بمشيئة لم تعلم" (٦) فهذا بعينه يحتج به عليهم من قال: إن الاستثناء لا ينفع في الإيقاع بحال، فإن صحت هذه الحجة بطل الاستثناء في الإيقاع جملة، وإن لم يصح لم يصح الفرق وهو لم يوقعه مطلقًا، وإنما علقه بالمشيئة نفيًا وإثباتًا كما قررناه (٧)، فالطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع.

стр. 2395

[من قال: إن شاء اللَّه وهو لا يعلم معناها] وعلى هذا فإذا قال: "إن شاء اللَّه"، وهو لا يعلم معناها أصلًا، فهل ينفعه هذا الاستثناء؟ قال أصحاب أبي حنيفة: إذا قال: "أنت طالق إن شاء اللَّه"، ولا يدري أي شيء "إن شاء اللَّه" لا يقع [الطلاق] (١)، قالوا: لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع، فعلمه وجهله سواء، قالوا: ولهذا لما كان سكوت البكر رضا استوى فيه العلم والجهل، حتى لو زوَّجها أبوها فسكتت وهي لا تعلم أن السكوت رضا صح النكاح، ولم يُعتبر جهلها. ثم قالوا: فلو قال (٢) لها: "أنت طالق" فجرى على لسانه من غير قصد: "إن شاء اللَّه"، وكان قصده إيقاع الطلاق لم يقع الطلاق؛ لأن الاستثناء قد وجد حقيقة، والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعًا، وهذا القول في طرف وقول من يشترط نية الاستثناء في أول الكلام أو قبل الفراغ منه في طرف آخر، وبينهما أكثر من بعد المشرقين. [حكم قوله: أنت طالق إن لم يشأ اللَّه، أو ما لم يشأ اللَّه] لو (٣) قال: "أنت طالق إن لم يشأ اللَّه (٤)، أو ما لم يشأ اللَّه" فهل يقع الطلاق في الحال أو لا يقع؟ على قولين، وهما وجهان في مذهب أحمد: • فمن أوقعه احتج بأن كلامه تضمن أمرين: محالًا، وممكنًا، فالممكن التطليق (٥)، والمحال وقوعه على هذه الصفة، وهو إذا لم يشأه اللَّه (٦)، فإن ما شاء اللَّه وجب وقوعه، فيلغو هذا التقييد المستحيل، ويسلم أصل الطلاق فينفذ. • الوجه (٧) الثاني: لا يقع، ولهذا القول مأخذان: أحدهما: أن تعليق الطلاق على الشرط المحال يمنع من وقوعه، كما لو قال: "أنت طالق إن جمعت بين الضدين" أو "إن شربت ماء الكوز"، ولا ماء فيه لعدم وقوع شرطه، فهكذا إذا قال: "أنت طالق إن لم يشأ اللَّه" فهو (٨) تعليق للطلاق على شرط مستحيل، وهو عدم مشيئة اللَّه، فلو طلقت لطلقت بمشيئته، وشرط وقوع الطلاق عدم مشيئته.

стр. 2396

والمأخذ الثاني -وهو أفقه- أنه استثناء في المعنى، وتعليق على المشيئة، والمعنى إن لم يشأ اللَّه عدم طلاقك، فهو كقوله: "إلا أن يشأ اللَّه" سواء كما تقدم بيانه. فصل [رأي من قال: إن الاستثناء في الطلاق لا يفيد] قال الموقِعُون: قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: حدثنا خالد [بن يزيد] (١) بن أسد القسري: ثنا جُميع بن عبد الحميد الجعفي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري وابن عمر ﵄ قالا: كنَّا معاشر أصحاب رسول اللَّه ﷺ نرى الاستثناء جائزًا في كل شيء إلا في الطلاق والعتاق (٢)، قالوا: وروى أبو حفص ابن شاهين بإسناده عن ابن عباس ﵁ قال: إذا قال الرجل لامرأته: "أنت طالق إن شاء اللَّه" فهي طالق (٣)، [وكذلك روى عن أبي بردة، قالوا: ولأنه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح، كقوله: "أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا"] (٤) قالوا: ولأنه إنشاء حكم في محل، فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح، قالوا: ولأنه إزالة ملك فلم يصح تعليقه على مشيئة اللَّه تعالى، كما لو قال: أبرأتك إن شاء اللَّه، قالوا: ولأنه تعليق على ما لا سبيل إلى العلم به، فلم يمنع وقوع الطلاق، كما لو قال: أنت طالق إن شاءت السموات والأرض، قالوا: وإن كان لنا سبيل إلى العلم بالشرط صح الطلاق لوجود شرطه، ويكون الطلاق حينئذٍ معلقًا على شرط [قد] (٥) تحقق وجوده بمباشرة الآدمي سببه، قال قتادة: قد شاء اللَّه حينئذ أن تطلق (٦)،

стр. 2397

قالوا: ولأن اللَّه تعالى وضع لإيقاع الطلاق هذه اللفظة شرعًا وقدرًا، فإذا أتى بها المكلف فقد أتى بما شاءه اللَّه تعالى، فإنه لا يكون شيء قط إلا بمشيئة اللَّه ، واللَّه شاء (١) الأمور بأسبابها، فإذا شاء تكوين شيء وإيجاده شاء سببه، فإذا أتى المكلف بسببه فقد أتى [به] (٢) بمشيئة اللَّه، ومشيئة السبب مشيئة للمسبب، فإنه لو لم يشأ وقوع الطلاق لم يكن المكلف أن يأتي به، فإن ما لم يشأ اللَّه يمتنع وجوده كما أن ما شاءه وجب وجوده، قالوا: وهذا في القول نظير المشيئة في الفعل، فلو قال: "أنا أفعل كذا إن شاء اللَّه تعالى"، وهو متلبس بالفعل (٣) صح ذلك، ومعنى كلامه أن فعلي هذا إنما هو بمشيئة اللَّه، كما لو قال حال دخوله الدار (٤): "أنا أدخلها إن شاء اللَّه" أو قال من تخلَّص من شر "تخلَّصت إن شاء اللَّه"، وقد قال يوسف لأبيه وأخوته: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] في حال دخولهم، والمشيئة راجعة إلى الدخول المقيَّد بصيغة الأمر (٥)، فالمشيئة متناولة لهما جميعًا، قالوا: ولو أتى بالشهادتين ثم قال عقيبهما: "إن شاء اللَّه" أو قال: "أنا مسلم إن شاء اللَّه" فإن ذلك لا يؤثر في صحة إسلامه شيئًا، ولا يجعله إسلامًا معلقًا على شرط، [قالوا] (٢): ومن المعلوم قطعًا أن اللَّه قد شاء تكلّمه بالطلاق، فقوله بعد ذلك: "إن شاء اللَّه" تحقيق لما قد علم قطعًا أن اللَّه شاءه، فهو (٦) بمنزلة قوله: " [أنت طالق] (٧) إن كان اللَّه أباح الطلاق وأذن فيه" (٨)، ولا فرق بينهما، وهذا بخلاف قوله: "أنت طالق إن كلمت فلانًا" فإنه شَرَط في طلاقها ما يمكن وجوده وعدمه، فإذا وجد الشرط وقع ما علق به، ووجود الشرط في مسألة المشيئة إنما يعلم بمباشرة العبد سببه، فإذا باشره علم أن اللَّه قد شاءه، قالوا: وأيضًا فالكفارة أقوى من الاستثناء؛ لأنها ترفع حكم اليمين، والاستثناء يمنع عقدها، والرافع أقوى من المانع، وأيضًا فإنها تؤثر متصلة ومنفصلة، والاستثناء لا يؤثر مع الانفصال، ثم الكفارة مع قوتها لا تؤثر في الطلاق والعتاق، فأن لا يؤثر فيه الاستثناء أولى وأحرى، قالوا: وأيضًا فقوله:

стр. 2398

"إن شاء اللَّه" إن كان استثناء فهو رافع لجملة المستثنى منه فلا يرتفع، وإن كان شرطًا فإما أن يكون معناه: إن كان اللَّه قد شاء طلاقك، [أو: إن] (١) شاء اللَّه أن أوقع عليك في المستقبل طلاقًا غير هذا؛ فإن كان المراد هو الأول فقد شاء اللَّه طلاقها بمشيئته لسببه، وإن كان المراد هو الثاني فلا سبيل للمكلف إلى العلم بمشيئته تعالى فقد علق الطلاق بمشيئته من لا سبيل [للمكلف] (٢) إلى العلم بمشيئته؛ فيلغو التعليق، ويبقى أصل الطلاق فينفذ. قالوا ولأنه علق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن، فوجب نفوذه، كما لو قال: "أنت طالق إن علم اللَّه" أو: "إن قدر اللَّه" أو: "إن سمع [اللَّه] (٣) " أو (٤): "إن رأى". يوضحه أنه حذف مفعول المشيئة، ولم ينو مفعولًا معيَّنًا، فحقيقة لفظه: أنت طالق إن كان للَّه مشيئة، أو إن شاء أي شيء كان، ولو كانت [نيته إن شاء اللَّه] (٥) هذا الحادث المعين وهو الطلاق لم يمنع جعل المشيئة المطلقة التي (٦) هذا الحادث فرد من أفرادها شرطًا في الوقوع (٧)، ولهذا لو سئل المستثني عما أراد لم يفصح بالمشيئة الخاصة (٨) بل لعلها لا تخطر بباله، وإنما تكلم بهذا اللفظ بناءً على ما اعتاده الناس من قول هذه الكلمة عند اليمين والنذر والوعد. قالوا: ولأن الاستثناء إنما بابه بالأيمان، كقوله: "من حلف فقال: إن شاء اللَّه فإن شاء فعل، وإن شاء ترك"، وليس له دخول في الأخبار ولا في الإنشاءات، فلا يقال: "قام زيد إن شاء اللَّه"، ولا "قم إن شاء اللَّه"، ولا "لا تقم إن شاء اللَّه"، ولا "بعت و [لا] (٩) قبلت إن شاء اللَّه". وإيقاع الطلاق والعتاق من إنشاء العقود التي لا تعلَّق على الاستثناء، فإن زمن الاستثناء مقارن له، فعقود الإنشاءات (١٠) تقارنها أزمنتها، فلهذا لا تعلق بالشروط. قالوا: والذي يكشف سر المسألة أن هذا الطلاق المعلق على المشيئة إما

стр. 2399

أن يريد به طلاقًا ماضيًا أو مقارنًا للمتكلَّم به أو مستقبلًا؛ فإن أراد الماضي أو المقارن وقع لأنه لا يعلق على الشرط، وإن أراد المستقبل -ومعنى كلامه إن شاء اللَّه أن تكوني في المستقبل طالقًا فأنت طالق- وقع أيضًا؛ لأن مشية اللَّه بطلاقها (١) الآن يوجب طلاقها في المستقبل، فيعود معنى الكلام إلى أنّي إنْ طلَّقتك الآن بمشيئة اللَّه فأنت طالق، وقد طلَّقها بمشيئته، فتطلق؛ فههنا ثلاث دعاوي: أحداها (٢): أنه طلقها. والثانية (٣): أنَّ اللَّه شاء ذلك. الثالثة: أنها قد طلقت؛ فإن صحَّت الدعوى الأولى صحت الأخريان (٤)، وبيان صحتها أنه تكلم بلفظ صالح للطلاق، فيكون طلاقًا وبيان الثانية أنه حادث؛ فيكون (٥) بمشيئة اللَّه، فقد شاء اللَّه طلاقها فتطلق، فهذا غاية ما تمسك به الموقعون. [جواب المانعين وإثبات أن الاستثناء يمنع وقوع الطلاق] قال المانعون: أنتم معاشر الموقعين قد ساعدتمونا على صحة تعليق الطلاق بالشرط، ولستم ممن يبطله كالظَّاهرية وغيرهم كأبي عبد الرحمن الشافعي، فقد كفيتمونا نصف المؤنة، وحَمَلتم عنا كلفة الاحتجاج لذلك، فبقي الكلام معكم في صحة هذا التعليق المعيَّن، هل هو صحيح أم لا؟ فإن ساعدتمونا على صحة التعليق قرُب الأمر، وقطعنا نصف المسافة الباقية. ولا ريب أن [هذا] (٦) التعليق صحيحٌ؛ إذ لو كان محالًا لما صح تعليق اليمين والوعد والنَّذر وغيرهما بالمشيئة، ولكان ذلك لغوًا لا يفيد، وهذا بيِّن البطلان عند جميع الأمَّة، فصح التعليق حينئذ فبقي بيننا وبينكم منزلة أخرى، وهي [أنه] (٧) هل وجود هذا الشرط ممكن أم لا؟ فإن ساعدتمونا على الإمكان ولا ريب في هذه المساعدة قربت المسافة جدًّا وحصلت المساعدة على أنه طلاق معلَّق صحّ تعليقه على شرط ممكن، فبقيت منزلة أخرى، وهي أنَّ تأثير الشرط وعمله يتوقف على الاستقبال أم لا يتوقف [عليه] (٧) بل يجوز تأثيره في الماضي والحال والاستقبال؟

стр. 2400

فإن ساعدتمونا على توقف تأثيره على الاستقبال، وأنه لا يصح تعلقه (١) بماض ولا حال -وأنتم بحمد اللَّه على ذلك مساعدون- بقي بيننا وبينكم منزلة واحدة، وهي أنه هل لنا سبيل إلى العلم بوقوع هذا الشرط فيترتب المشروط عليه عند وقوعه، أم لا سبيل لنا إلى ذلك البتة، فيكون التعليق عليه تعليقًا على ما لم يجعل اللَّه لنا طريقًا إلى العلم به؟ فههنا معترك النزال، ودعوة الأبطال، فنَزَالِ نَزَال، فنقول: من أقبح القبائح، وأبْيَن الفضائح، التي تشمئز منها قلوب المؤمنين، وتنكرها فطر العالمين، ما تمسَّك به بعضكم (٢)، وهذا لفظه بل حُرُوفه (٣)، قال: لَنا أنَّه علَّق الطلاق بما لا سبيل لنا إليه فوجب أن يقع؛ لأن أصله الصفات المستحيلة، مثل قوله: "أنت طالق إنْ شاء الحَجَرُ" أو "إنْ شاء الميتُ"، أو "إن شاء هذا المجنون المطبق الآن"، فيالك من قياس ما أفسده، وعن طريق الصواب ما أبعده! وهل يستوي في عقل أو رأي أو نظر أو قياس مشيئة الرب ﷻ ، ومشيئة الحجر والميت والمجنون (٤) عند أحد من عقلاء الناس؟ وأقبحُ من هذا -واللَّه المستعان، وعليه التكلان، وعياذًا به (٥) من الخذلان، ونزغات الشيطان- تمسّك بعضهم بقوله: "علَّق الطلاق بمشيئة مَنْ لا تُعلم مشيئته فلم يصح التعليق" (٦)، كما لو قال: "أنت طالق إن شاء إبليس"، فسبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك (٧)، ولا إلهَ غيرُك، وعياذًا بوجهك الكريم، من هذا الخذلان العظيم، ويا سبحان اللَّه! لقد كان لكم في نصرة هذا القول غنًى عن هذه الشبهة الملعونة في (٨) ضروب الأقيسة، وأنواع المعاني والإلزامات فسحة ومتسع، واللَّه شرف نفوس الأئمة الذين رفع اللَّه قدرهم، وشاد في العالمين ذكرهم، حيث يأنفون لنفوسهم ويرغبون بها عن أمثال هذه الهذيانات التي تسودُّ بها الوجوه قبل الأوراق، وتُحِلُّ بقمر الإيمان المحاقَ، وعند هذا فنقول: علَّق الطلاق بمشيئة مَنْ جميعُ الحوادث مستندةٌ إلى مشيئته، وتُعْلَم مشيئته عند وجود كل حادث أنه إما وقع بمشيئته، فهذا التعليق من أصح التعليقات، فإذا أنشأ المعلِّق طلاقًا في المستقبل تبينّا وجود الشرط بإنشائه فوقع؛ فهذا أمر معقول شرعًا وفطرة، وقدرًا وتعليق مقبول.

стр. 2401

يبينه أن قوله: إن شاء اللَّه لا يريد به إن شاء اللَّه طلاقًا (١) ماضيًا قطعًا بل إما أن يريد به هذا الطلاق الذي تلفَّظ به، أو طلاقًا مستقبلًا غيره، فلا (٢) يصح أن يراد به هذا الملفوظ، فإنه لا يصح تعليقه بالشرط، إذ الشرط إنما يؤثر في الاستقبال، فحقيقةُ هذا التعليق: أنت طالق إن شاء اللَّه طلاقَكِ في المستقبل، ولو صرح بهذا لم تطلق حتى ينشئ لها طلاقًا آخر. ونقرره (٣) بلفظ آخر فنقول: علَّقه بمشيئة مَنْ له مشيئة صحيحة معتبرة، فهو أولى بالصحة من تعليقه بمشيئة آحاد الناس، يبيّنه أنه لو علَّقه بمشيئة رسول اللَّه ﷺ في حياته لم يقع في الحال، ومعلوم أن ما شاءه اللَّه (٤) فقد شاءه رسوله، فلو (٥) كان التعليق بمشيئة اللَّه موجبًا للوقوع في الحال؛ لكان التعليق بمشيئة رسوله في حياته كذلك، وبهذا يبطل ما عوَّلتم عليه. وأما قولُكم: "إن اللَّه تعالى قد شاء الطلاق حين تكلّم به المكلّف (٦) " فنعم إذا؛ لكن شاء الطلاق المُطْلَق أو المعلّق؟ ومعلوم أنه لم يقع منه طلاق مُطْلَق، بل الواقع منه طلاق معلَّق على شرط، فمشيئة اللَّه [سبحانه له] (٧) لا تكون مشيئة للطلاق المُطْلَق، فإذا طلَّقها بعد هذا علمنا أن الشرط قد وجد، وأن اللَّه قد شاء طلاقها فطلقت. وعند هذا فنقول: لو شاء اللَّه أن يطلق (٨) العبد لأنطقه بالطلاق مطلقًا من غير تعليق ولا استثناء، فلما أنطقه به مقيَّدًا بالتعليق والاستثناء، علمنا أنه لم يشأ له الطلاق المنجز، فإن ما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن. ومما يوضح هذا الأمر أن مشيئة اللفظ لا تكون مشيئة الحكم حتى يكون اللفظ صالحًا للحكم، ولهذا لو تلفظ المكره أو زائلُ العقل أو الصبي أو المجنون بالطلاق، فقد شاء اللَّه منهم وقوع اللفظ، ولم يشأ وقوع الحكم، فإنه لم يرتب على ألفاظ هؤلاء أحكامها لعدم إرادتهم لأحكامها فهكذا المعلِّقُ طلاقَه بمشيئة اللَّه يريد (٩) أن لا يقع طلاقه، وإن كان اللَّه قد شاء [له] (١٠) التلفظ بالطلاق، وهذا في غاية الظهور لمن أنصف.

стр. 2402

ويزيده وضوحًا: أن المعنى الذي منع الاستثناء عقد اليمين لأجله، هو بعينه في الطلاق والعتاق؛ فإنه إذا قال: "واللَّه لأفعلنَّ اليوم كذا -إن شاء اللَّه-" فقد التزم فعله في اليوم إن شاء اللَّه له ذلك، فإن فعله فقد علمنا مشيئة اللَّه له، وإن لم يفعله علمنا أن اللَّه لم يشأه؛ إذ لو شاءه لوقع ولا بدُّ. [لا بد من مشيئة اللَّه لوقوع فعل العبد] ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة العبد (١) إن شاءه فقط، فإن العبد قد يشاء الفعلَ ولا يقع، فإن مشيئته ليست موجبة (٢) ولا تلزمه، بل لا بد من مشيئة اللَّه [له] (٣) أن يفعل، وقد قال تعالى في المشيئة الأولى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقال في المشيئة الثانية: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٤ - ٥٦]، وإذا كان تعليق الحلف بمشيئته تعالى (٤) يمنع من انعقاد اليمين، وكذلك تعليق الوعد، فإذا قال: "أفعل إنْ شاء اللَّه"، ولم يفعل لم يكن مُخْلِفًا كما لا يكون في اليمين حانثًا وهكذا إذا قال: "أنت طالق إن شاء اللَّه" فإن طلَّقها بعد ذلك، علمنا أن اللَّه [سبحانه] (٥) قد شاء الطلاق فوقع، وإن لم يطلقها تبيّنَّا أن اللَّه لم يشأ الطلاق فلا تطلق، فلا فرق في هذا بين اليمين والإيقاع، فإن كلًا منهما إنشاءٌ وإلزامٌ مُعلَّق بالمشيئة. قالوا: وأما الأثران اللّذان ذكرتموهما عن الصحابة فما أحسنهما لو ثبتا ولكن كيف بثبوتهما (٦) وعطية ضعيف، وجميع بن عبد الحميد مجهول، وخالد بن يزيد ضعيف؟ قال ابن عدي (٧): أحاديثه لا يتابع عليها وأثرُ ابن عباس لا يعلم حالُ إسناده حتى يُقبل أو يُرد. [آثار في مقابلة آثار المانعين من الأخذ بالاستثناء] على أن هذه الآثار مقابلة بآثار أُخر لا تثبت أيضًا: فمنها: ما رواه البيهقي في "سننه" من حديث إسماعيل بن عيَّاش، عن

стр. 2403

حميد بن مالك، عن مكحول، عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "يا معاذ، ما خلق اللَّه شيئًا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق، و [ما خلق اللَّه شيئًا على وجه الأرض] (١) أحب إليه من العتاق، فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حرٌّ إن شاء اللَّه، فهو حرّ ولا استثناء له، وإذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء اللَّه، فله استثناؤه ولا طلاق عليه" (٢) ثم ساقه من طريق [محمد بن مصفَّى: ثنا معاوية بن حفص، عن حميد، عن مالك اللخمي: حدثني مكحول، عن معاذ بن جبل ﵁: [أنه سأل] (٣) رسولَ اللَّه ﷺ عن رجل قال لامرأته: أنت طالق إن شاء اللَّه، فقال:

стр. 2404

"له استثناؤه"، فقال الرجل (١): يا رسول اللَّه، وإن قال لغلامه: أنت حرٌّ إن شاء اللَّه قال: "معتق (٢)، لأن اللَّه يشاء العتق، ولا يشاء الطلاق"] (٣). ثم ساق من طريق إسحاق بن أبي نجيح (٤)، [عن عبد العزيز بن أبي روَّاد: عن ابن جريج، عن عطاء] (٥)، عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: مَنْ قال لامرأته: أنت طالق إن شاء اللَّه، أو لغلامه: أنت حر إن شاء اللَّه، أو عليه المشي إلى بيت اللَّه الحرام إن شاء اللَّه؛ فلا شيء عليه" (٦)، ثم ساق من طريق الجارود [بن يزيد] (٧)، عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا في الطلاق وَحْدَهُ أنه لا يقع (٨).

стр. 2405

ولو كنَّا ممن يفرح بالباطل ككثير من المصنِّفين الذين يفرح أحدهم بما وجده مؤيدًا لقوله لفرحنا بهذه الآثار، ولكن ليس فيها غنية، فإنها كلها آثار باطلة موضوعة على رسول اللَّه ﷺ . أما الحديث الأول: ففيه عدة بلايا: إحداها (١): حميد بن مالك، ضعّفه أبو زرعة وغيره. الثانية: أن مكحولًا لم يَلْقَ مُعاذًا، قال أبو زرعة: (٢) مكحول عن معاذ منقطع. الثالثة: أنه قد اضطرب فيه حميد هذا الضعيف، فمرة يقول: عن مكحول عن معاذ، ومرة يقول: عن مكحول، عن خالد بن معدان، عن معاذ، وهو منقطع أيضًا وقيل: مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ، قال البيهقي: [و] (٣) لم يصح. الرابعة: أن إسماعيل بن عياش ليس ممن يقبل تفرده بمثل هذا. ولهذا لم يذهب أحد من الفقهاء إلى هذا الحديث، وما حكاه أبو حامد الإسفرائيني عن أحمد من القول به فباطل عنه لا يصح البتة، وكل من حكاه عن أحمد فمستنده حكاية أبي حامد الإسفرائيني أو من تَلَقّاها عنه. وأما الأثر الثاني؛ فإسناده ظُلمات (٤) بعضها فوق بعض، حتى انتهى أمره إلى الكذّاب: إسحاق بن [أبي] (٥) نجيح الملطي (٦). وأما الأثر الثالث؛ فالجارود بن يزيد قد ارتقى من حَدِّ الضعف إلى حد الترك!! والمقصود أن الآثار من الطرفين لا مُسْتَراحَ فيها.

стр. 2406

فصل [الرد على المانعين] وأما قولُكم: "إنه استثناءٌ يرفع جملة الطلاق فلم يصح، كقوله: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا"، فما أبردها من حجَّة، فإن الاستثناء لم يرفع حكم الطلاق بعد وقوعه، وإنما منع [من] (١) انعقاده منجزًا بل انعقد معلَّقًا كقوله: "أنت طالق إن شاء فلان"، فلم يشأ فلان؛ فإنها لم (٢) تطلق، ولا يقال: إن الاستثناء رفع جملة الطلاق (٣). وأما قولكم: "إنه إنشاءُ حكم في محل، فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح" فأبْرَدُ من الحجة التي قبلها؛ فإن البيع والنكاح لا يصح تعليقهما بالشرط، بخلاف الطلاق. وأما قولكم: "إزالة ملك؛ فلا (٤) يصح تعليقه على مشيئة اللَّه كالإبراء" فكذلك أيضًا فإن الإبراء لا يصح تعليقه على الشرط مطلقًا عندكم، سواء كان الشرط مشيئة اللَّه (٥) أو غيرها، فلو قال: "أبرأتك إن شاء زيد" لم يصحّ، ولو قال: "أنت طالق إن شاء زيد" صح. وأما قولكم: "إنه تعليق على ما لا سبيل إلى العلم به" فليس كذلك، بل هو تعليقٌ على ما لنا سبيل إلى علمه؛ فإنه إذا أوقعه في المستقبل علمنا وجود الشرط قطعًا وأن اللَّه قد شاءه. وأما قولكم: "إن اللَّه قد شاءه بتكلم المُطَلَّق به" (٦) فالذي شاءه اللَّه إنما هو طلاق معلَّق، والطلاق المنجّز لم يشأه اللَّه، إذ لو شاءه لوقع ولا بد، فما شاءه اللَّه لا يُوجب وقوع الطلاق في الحال، وما يوجب وقوعه في الحال لم يشأه اللَّه. وأما قولكم: "إن اللَّه [سبحانه و] (٧) تعالى وضع لإيقاع الطلاق هذه اللفظَةَ شرعًا وقدرًا" فَنَعَمْ وضع تعالى (٨) المنجز لإيقاع المنجز، والمعلَّق لوقوعه عند وقوع ما عُلِّقَ به.

стр. 2407

وأما قولكم (١): "لو لم يشأ الطلاق لم يأذن للمكلَّف في التكلم به" فنعم شاء المعلَّق وأذنَ فيه، والكلام في غيره. وقولكم: " [إن] (٢) هذا نظير قوله، وهو متلبِّس (٣) بالفعل: أنا أفعل إن شاء اللَّه"، فهذا فصل النزاع في المسألة، فإذا أراد بقوله: "أنت طالق إن شاء اللَّه هذا التطليق الذي صَدَرَ مني" لزمه الطلاق قطعًا لوجود الشرط، وليس كلامنا فيه، وإنما كلامنا فيما إذا أراد: "إن شاء اللَّه طلاقًا مستقبلًا" أو أطْلَق ولم يكن له نيّة، فلا ينبغي النزاع في القسم الأول، ولا يظن أن أحدًا من الأئمة ينازع فيه، فإنه تعليق على شرط مستقبل ممكن لا (٤) يجوز إلغاؤه، كما لو صرَّح به فقال: "إن شاء اللَّه أن أطلقك غدًا فأنت طالق" إلا أن يستروح (٥) إلى ذلك المسلك الوخيم أنه علَّق الطلاق بالمستحيل فلغا التعليق كمشيئة الحجر والميت. وأما إذا أطلق ولم يكن له نية، فيحمل مُطْلَقُ كلامه على مقتضى الشرط لُغةً وشرعًا وعرفًا [وهو اقتضاؤه للوقوع في المستقبل] (٦). وأما استدلالكم بقول يوسف لأبيه وإخوته: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] , فلا حجة فيه، فإن الاستثناء إن عاد إلى الأمر المطلوب دَوَامه واستمرارهُ فظاهر، وإن عاد إلى الدخول المقيَّد به فمن أين لكم أنه قال لهم هذه المقالة حال الدخول أو بعده؟ ولعله إنما قالها عند تَلَقّيه لهم، ويكون دخولهم عليه في منزلة (٧) اللقاء فقال لهم حينئذ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ فهذا محتمل، وإن كان إنما قال لهم ذلك بعد دخولهم عليه في دار مملكته، فالمعنى: ادخلوها دخول استيطان واستقرار آمنين إن شاء اللَّه. وأما قولكم: "إنه لو أتى بالشهادتين ثم قال: إن شاء اللَّه أو قال: أنا مسلم إن شاء اللَّه صحّ إسلامه في الحال"، فَنَعَمٌ إذًا فإن الإسلام لا يَقبل التعليق بالشرط، فإذا علَّقه بالشرط تنجز، كما لو علق الردة بالشرط فإنها تنجز (٨)، وأما الطلاق فإنه يصح تعليقه بالشرط.

стр. 2408

وأما قولكم: "إنه من المعلوم قطعًا أن اللَّه قد شاء تكلمه بالطلاق، فقوله بعد ذلك: إن شاء اللَّه تحقيقٌ لما علم أن اللَّه قد شاءه"، فقد (١) تقدم جوابه، وهو أن اللَّه إنما شاء الطلاق المعلّق، فمن أين لكم أنه شاء المنجز؟ ولم تذكروا عليه دليلًا. وقولكم: "إنه بمنزلة قوله: أنت طالق إن كان اللَّه أذن في الطلاق أو أباحه (٢)، ولا فرق بينهما" فما أَعْظَم الفرق بينهما وبينه حقيقة ولغة، وذلك ظاهر عن تكلف بيانه؛ فإن بيان الواضحات نوع من العي، بل نظير ذلك أن يقول: أنت طالق إن كان اللَّه قد شاء تلفظي بهذا اللفظ؛ فهذا يقع قطعًا. وأما قولكم: "إن الكفارة أقوى من الاستثناء؛ لأنها ترفع حكم اليمين، والاستثناء (٣) يمنع عقدها وإذا لم تدخل الكفارة في الطلاق والعتاق، فالاستثناء أولى" فما أوْهَنَهَا (٤) من شبهة، وهي عند التحقيق لا شيء؛ فإن الطلاق والعتاق إذا وقعا لم تؤثِّر فيهما الكفارة شيئًا ولا يمكن حلَّهما بالكفارة، بخلاف اليمين (٥) فإن حلها بالكفارة ممكن، وهذا تشريع شَرَعه شارع الأحكام هكذا فلا يمكن تغييره، فالطلاق والعتاق لا يقبل الكفارة، كما (٦) لم تقبلها سائر العقود، كالوقف، والبيع، والهبة، والإجارة، والخُلع، الكفارة مختصة بالأيْمان، وهي من أحكامها التي لا تكون لغيرها وأما الاستثناء فيشرع في أعم من اليمين كالوعد والوعيد، والخبر عن المستقبل، كقول النبي ﷺ : "وإنا إنْ شاء اللَّه بكم لا حقون" (٧)، وقوله عن أبيّ بن خَلَف: "بل أنا أقتله إن شاء اللَّه" (٨).

стр. 2409

وكذلك (١) الخبر عن الحال نحو: "أنا مؤمن إن شاء اللَّه"، ولا تدخل الكفارة في شيء من ذلك، فليس بين الاستثناء والتكفير تلازم، بل تكون الكفارة حيث لا استثناء، والاستثناء حيث لا كفارة، والكفارة شرعت تَحِلَّةً لليمين بعد عَقْدها والاستثناء شرع لمعنًى آخر، وهو تأكيد التوحيد، وتعليق الأمور بمشيئة مَنْ لا يكون شيء إلا بمشيئته، فشرع للعبد أن يفوض الأمر الذي عزم عليه، وحلف على فعله أو تركه إلى مشيئة اللَّه، ويعقد نطقه بذلك فهذا شيء والكفارة شيء آخر. وأما قولكم: "إن الاستثناء إن كان رافعًا فهو رافع لجملة المُستثنى منه فلا يرتفع"، فهذا كلام عارٍ عن التحقيق؛ فإن هذا ليس باستثناء بأداة "إلا" وأخواتها التي يخرج بها بعض المذكور، ويبقى بعضُه حتى يلزم ما ذكرتم، وإنما هو شرط ينتفي المشروط عند انتفائه كسائر الشروط، ثم (٢) كيف يقول هذا القائل في قوله: "أنت طالق إن شاء زيد اليوم"، ولم يشأ؟ فموجب دليله أن هذا لا يصح. فإن قيل: فلو أخرجه بأداة إلا فقال: "أنت طالق إلا أن يشاء اللَّه" كان رفعًا لجملة المستثنى منه.

стр. 2410

قيل: هذه مغالطة (١) ظاهرة؛ فإن الاستثناء هاهنا ليس إخراج جملة ما تناوله المذكور ليلزم ما ذكرت، وإنما هو تقييد لمطلق الكلام الأول بجملة أخرى مخصصة لبعض أحوالها أي: أنت طالق في كل حالة إلا حالة واحدة، وهي حالة لا يشاء اللَّه فيها الطلاق؛ فإذا لم يقع منه طلاق بعد هذا علمنا بعدم وقوعه أن اللَّه تعالى (٢) لم يشأ الطلاق؛ إذ لو شاءه لوقع، ثم ينتقض هذا بقوله: "إلا أن يشاء زيد"، و"إلا أن تقومي" ونحو ذلك؛ فإن الطلاق لا يقع إذا لم يشأه زيد، وإذا لم تقم، وسُمِّي هذا التعليق بمشيئة اللَّه تعالى (٣) استثناء في لغة الشارع؛ كقوله تعالى (٢): ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ١٨] أي: لم يقولوا: إن شاء اللَّه، فمَنْ حلف فقال: إن شاء اللَّه، فقد استثنى؛ فإن الاستثناء استفعال من ثَنَيْتُ الشيءَ، [كأنَّ المستنثى] (٤)، بإلَّا قد عاد على كلامه، فَثنى آخره على أوله بإخراج ما أدخله أولًا في لفظه (٥)، وهكذا التقييد (٦) بالشرط سواء؛ فإن المتكلم به قد ثَنَى آخرَ كلامه على أوله، فقيَّد به ما أطلقه أولًا، وأما تخصيص الاستثناء بإلَّا وأخواتها فعُرْفٌ خاصٌ للنُّحاة. وقولكم: "إن كان شرطًا ويراد به: إن كان اللَّه قد شَاءَ طلاقك [في المستقبل] (٧) فينفذ لمشيئة اللَّه تعالى له بمشيئته لسببه، وهو الطلاق المذكور، وإن أراد به إن شاء اللَّه أن أطلِّقك في المستقبل، فقد علَّقه بما لا سبيل إلى العلم به، فيلغو التعليق، ويبقى أصل الطلاق"، فهذا هو أكبر عُمْدة الموقعين، ولا ريب أنه إن أراد بقوله: أنت طالق إن كان اللَّه قد شاء تكلُّمي -بهذا اللفظ- أو شاء طلاقكِ بهذا اللفظ، طلقتِ، [و] (٧) لكن المُستثني لم يُرِدْ هذا بل ولا خطر على باله، فيبقى (٨) القسم الآخر؛ وهو أن يريد: إن شاء اللَّه وقوع الطلاق عليك فيما يأتي، فهذا تعليقٌ صحيح معقول، يمكن العلم بوجود ما علق عليه بوجود سَببه كما تقدم بيانه.

стр. 2411

وأما قولكم: "إنه علَّق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن، فوجب (١) نفوذه، كما لو قال: أنت طالق إن عَلِم اللَّه، أو إن قدر [اللَّه] (٢)، أو سمع [اللَّه] (٢) إلى آخره"، فما أبطلها من حجة! فإنها لو صحَّت لبطُلَ حكم الاستثناء في الأيمان لما ذكرتموه بعينه، ولا نفع الاستثناء في موضع واحد (٣)، ومعلوم أن المُستثني لم يخطر هذا على باله، وإنما أراد تفويض الأمر إلى مشيئة اللَّه وتعليقه به، وأنه إن شاءه وقع (٤)، وإن لم يشأه لم يقع، ولذلك (٥) كان مستثنيًا أي وإن كنت قد التَزَمْتُ اليمين أو الطلاق أو العتاق، فإنما التزمته (٦) بعد مشيئة اللَّه وتبعًا لها فإن شاءه فهو تعالى (٧) ينفذه بما يحدثه من الأسباب، ولم يُرد المُستثني إن كان للَّه (٨) مشيئة أو علم أو سمع أو بصر فأنت طالق، ولم يخطر ذلك بباله البتة. يوضحه أن هذا مما لا يقبل التعليق، ولا سيّما بأداة (إنْ) التي [هي] (٩) للجائز الوجود والعدم، ولو شك في هذا لكان ضالًا بخلاف المشيئة الخاصة؛ فإنها يمكن أن تتعلَّق بالطلاق وأن لا تتعلق به، وهو شاكٌ فيها كما يشك العبدُ فيما يمكن أن يفعله اللَّه [سبحانه] (٩) به، وأن لا يفعله هل شاءهُ أم لا؟ فهذا هو المعقول الذي في فطر الحالِفين والمُستثنين، وحذف مفعول المشيئة لم يكن لما ذكرتم، وهو عدم إرادة مفعول معيّن، بل للعلم به، ودلالة الكلام عليه، وتعيّن إرادته (١٠)؛ إذ المعنى: إن شاء اللَّه طلاقَك فأنت طالق، كما لو قال: "واللَّه لأسافرنَّ إن شاء اللَّه" أي إن شاء [للَّه] (٩) سَفَري، وليس مراده: إن كان للَّه صفة هي المشيئة؛ فالذي قدّرتموه من المشيئة المطلقة هو الذي لم يخطر ببال الحالف والمطلِّق، وإنما الذي لم يخطر بباله سواه هو المشيئة المعينة الخاصة. [و] (١١) قولكم: "إن المُستثني لو سئل عما أراد لم يفصح بالمشيئة الخاصة، بل تكلَّم بلفظ الاستثناء بناءً على ما اعتاده الناس من التكلم بهذا اللفظ" كلامٌ غير سَديد، فإنه لو صح لما نفع الاستثناء في يمين قط، ولهذا نقول: إن قصد التحقيق

стр. 2412

والتأكيد بذكر المشيئة ينجز (١) الطلاق، ولم يكن ذلك استثناء. وأما (٢) قولكم: "إن الاستثناء بابه الأيْمان" إن أردتم به اختصاص الأيمان به، فلم تذكروا على ذلك دليلًا وقوله ﷺ : "من حلف فقال: إن شاء اللَّه فقد استثنى" (٣)، وفي لفظ آخر: "من حلف فقال: إن شاء اللَّه فهو بالخيار؛ إن (٤) شاء فعل، وإن شاء لم يفعل" (٥) فحديث حسن، [و] (٦) لكن لا يوجب اختصاص الاستثناء بالمشيئة باليمين، وقد قال اللَّه تعالى (٧): ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وهذا ليس بيمين، ويشرع الاستثناء في الوعد والوعيد، والخبر عن المستقبل، كقوله: غدًا أفعل إن شاء اللَّه، وقد عتب اللَّه سبحانه على رسوله ﷺ حيث قال لمن سأله من أهل الكتاب عن أشياء: "غدًا أخبركم"، ولم يقل: إن شاء اللَّه، فاحتبس الوحيُ عنه شهر ثم نزل عليه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] (٨) أي إذا نسيت ذكره بالاستثناء (٩) عقيب كلامك فاذكره به إذا ذكرت، هذا معنى الآية، وهو الذي أراده ابن عباس بصحة الاستثناء المتراخي (١٠)، ولم يقل ابن عباس قط، ولا من هو دونه (١١): إن الرجل إذا قال

стр. 2413

لامرأته: "أنت طالق"، أو لعبده: "أنت حر"، ثم قال بعد سنة: "إن شاء اللَّه" إنها لا تطلق، ولا يعتق العبد، وأخطأ من نقل ذلك عن ابن عباس، أو عن أحد من أهل العلم البتة، ولم يفهموا مراد ابن عباس، والمقصود أن الاستثناء لا يختص باليمين [لا] (١) شرعًا ولا عرفًا ولا لغةً، وإن أردتم بكون بابه الأيمان كثرتَهُ فيها؛ فهذا لا ينفي دخوله في غيرها. وقولكم (٢): "إنه لا يدخل في الإخبارات ولا في الإنشاءات، فلا يقال: قام زيد إن شاء اللَّه، ولا قم إن شاء اللَّه، ولا بعتُ إن شاء اللَّه، فكذا لا يدخل في قوله: "أنت طالق إن شاء اللَّه" فليس هذا بتمثيل صحيح، والفرق بين البابين أن الأمور الماضية علم أنها وقعت بمشيئة اللَّه، والشرط إنما يؤثر في الاستقبال، فلا يصح أن يقول: قمت أمس إن شاء اللَّه، فلو أراد الإخبار عن وقوعها بمشيئة اللَّه، أتى بغير صيغة الشرط، فيقول: فعلت كذا بمشيئة اللَّه وَعَوْنه وتأييده، ونحو ذلك، بخلاف قوله: غدًا أفعل إن شاء اللَّه، وأما قوله: "قم إن شاء اللَّه"، و"لا تقم إن شاء اللَّه" فلا فائدة في هذا الكلام؛ إذ قد علم أنه لا يفعل إلا بمشيئة اللَّه، فأي معنى لقوله: إن شاء اللَّه لك القيام فقم، وإن لم يشأه فلا تقم؟ نعم لو أراد بقوله: قم أو لا تقم الخبر (٣)، وأخرجه مخرج الطلب تأكيدًا أي: تقوم إن شاء اللَّه، صحَّ ذلك، كما إذا قال: مُتْ على الإسلام إن شاء اللَّه، ولا تمت إلا على توبة إن شاء اللَّه، ونحو ذلك: وكذا إن أراد بقوله: "قم إن شاء اللَّه" ردَّ المشيئة إلى معنى خَبَري، أي: [ولا تقوم إلا أن يشاء اللَّه] (٤)؛ فهذا صحيحٌ مستقيم لفظًا ومعنى، وأما: "بعت إن شاء اللَّه، واشتريت إن شاء اللَّه" فإن أراد به التحقيق صح وانعقد العقد، وإن أراد به التعليق لم يكن المذكور إنشاءً، وتنافى الإنشاء والتعليق؛ إذ زمن الإنشاء يقارنُ وجودَ معناه، وزمن وقوع المعلَّق يتأخر عن التعليق، فتنافَيَا. وأما قولكم: "إن هذا الطلاق المعلَّق على المشيئة إما أن يريد طلاقًا ماضيًا أو مقارنًا أو مستقبلًا -[إلى آخره] " (٥) فجوابه ما قد تقدم مرارًا أنه إن أراد به [رد] (٦) المشيئة إلى هذا اللفظ المذكور، وأنَّ اللَّه (إنْ كان [قد]) (٧) شاءه فأنت

стр. 2414

طالق طلقت، ولا ريب أن المستثني لم يرد هذا وإنما أراد ألا يقع الطلاق، فردَّه إلى مشيئة اللَّه [سبحانه] (١)، وأن اللَّه إن شاءه بعد هذا وقع، فكأنه قال: [لا] (٢) أريد طلاقك ولا أرَبَ لي فيه إلا أن يشاء اللَّه ذلك فينفذ رضيت أم سخطت، كما قال نبيُّ اللَّه شعيب ﵇: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي نحن لا نعود في ملّتكم، ولا نختار ذلك، إلا أن يشاء اللَّه ربنا شيئًا فينفذ ما شاءه (٣)، وكذلك قال إبراهيم [﵇] (١): ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] أي لا يقع بي مَخُوفٌ من جهة آلهتكم أبدًا إلا أن يشاء ربي شيئًا فينفذ ما شاءه، فرد الأنبياء ما أخبروا ألَّا يكون (٤) إلى مشيئة الربِّ تعالى وإلى علمه استدراكًا واستثناءً أي: لا يكون ذلك أبدًا ولكن إنْ شاءه (٥) اللَّه [تعالى] (٦) كان، فإنه تعالى (٧) عالم بما لا نعلمه نحن من الأمور التي تقتضيها حكمته وحده. فصل [التحقيق في موضوع الاستثناء] فالتحقيق في المسألة أن المستثنيَ إما أن يقصد (٨) بقوله: "إن شاء اللَّه" التحقيقَ أو التعليق؛ فإن قصد به التحقيقَ والتأكيد وقع الطلاق، وإن قصد به التعليق وعدم الوقوع في الحال لم تطلق، هذا هو الصواب في المسألة، وهو اختيار شيخنا (٩)، وغيره من الأصحاب، وقال أبو عبد اللَّه بن حمدان في "رعايته": قلت: إن قصد التأكيد والتبرك وقع، وإنْ قصد التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة فلا [يقع] (١٠) وهذا قول آخر غير الأقوال الأربعة المحكيّة [في المسألة] (٦)، وهو أنه إنما ينفعه الاستثناء إذا قصد التعليق وكان جاهلًا باستحالة العلم بمشيئة اللَّه تعالى، فلو علم استحالة العلم بمشيئته تعالى لم ينعقد الاستثناء، والفرق بين علمه بالاستحالة وجهله بها: أنه إذا جهل استحالة العلم بالمشيئة،

стр. 2415

[فقد علَّق الطلاق بما هو ممكن في ظنه فيصح تعليقه، وإذا لم يجهل استحالة العلم بالمشيئة] (١)، فقد علَّقه على محال يعلم استحالته فلا يصح [التعليق] (٢)، وهذا أحد الأقوال في تعليقه بالمحال. قلت: وقولهم: "إن العلم بمشية الرب محال" خطأ محض، فإن [مشيئة الرب تُعْلَم بوقوع الأسباب التي تقتضي مسبباتها؛ فإن مشيئة المسبب] (٣) مشيئة لحكمه، فإذا أوقع عليها بعد ذلك طلاقًا علمنا أن اللَّه تعالى قد شاء طلاقَهَا. فهذا تقرير (٤) الاحتجاج من الجانبين، ولا يخفى ما تضمنه من رُجحان أحد القولين، واللَّه أعلم. فصل [الكلام على نية الاستثناء ومتى تعتمد ؟] وقد قدمنا اختلاف الفقهاء في اشتراط نية الاستثناء وزمنها وأن (٥) أضيق الأقوال قول من يشترط النية من أول الكلام، وأوسع منه قول من يشترطها قبل فراغه، وأوسع منه قول من يجوِّز إنشاءها بعد الفراغ من الكلام، كما يقوله أصحاب أحمد وغيرهم، وأوسع منه قول من يجوّزه بالقرب، ولا يشترط اتصاله بالكلام، كما نص عليه أحمد في رواية المروزي فقال: حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "واللَّه لأغزونَّ قريشًا واللَّه لأغزون قريشًا [واللَّه لأغزون قريشًا] " (٦) ثم سكت ثم قال: "إن شاء اللَّه" (٧)، إذ هو استثناء بالقُرب، ولم يخلط كلامه بغيره، وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: "سألت أحمد بن حنبل عن الاستثناء في اليمين، فقال: من استثنى بعد اليمين فهو جائز، على مثل فعل النبي ﷺ إذ قال: "واللَّه لأغزونَّ قريشًا" ثم سكت ثم قال: "إن شاء اللَّه"، ولم يبطل ذلك (٨)، قال: ولا أقول فيه بقول هؤلاء، يعني: مَنْ لم يَرَ ذلك إلا متصلًا" هذا لفظ الشالنجي في "مسائله"، وأوسع من ذلك قول من قال: ينفعه الاستثناء، ويصح ما دام في المجلس، نص عليه الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه، وهو

стр. 2416

قول الأوزاعي (١) كما سنذكره، وأوسع منه من وجه قَوْل من لا يشترط النية بحال، كما صرَّح به أصحاب أبي حنيفة، قال (٢) صاحب "الذخيرة" في (كتاب الطلاق) في الفصل السادس عشر منه: ولو قال لها: "أنت طالق إن شاء اللَّه"، ولا يدري أيّ شيء شاء اللَّه لا يقع الطلاق؛ [لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع، فعِلْمه وجهله يكون سواء، ولو قال لها: "أنت طالق"] (٣) فجرى على لسانه من غير قَصْد: "إن شاء اللَّه"، وكان قَصْدهُ إيقاع الطلاق لا يقع الطلاق؛ لأن الاستثناء قد وجد حقيقة، والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعًا"، وقال الجوزجاني في "مترجمه": حدثني صفوان: ثنا عمر (٤) قال: سُئل الأوزاعي ﵀ عن رجل حلف: واللَّه لأفعلنَّ كذا وكذا ثم سكت ساعةً لا يتكلم ولا يحدث (٥) نفسه بالاستثناء، فيقول له إنسان إلى جانبه: قل: إن شاء اللَّه، فقال: إن شاء اللَّه، أيكفِّرُ عن يمينه؟ فقال: أراه قد استثنى. وبهذا الإسناد عن الأوزاعي أنه سُئل عن رجل وصله قريبُه بدراهم فقال: واللَّه لا آخذها فقال قريبه: واللَّه لتأخذها فلما سمعه قال: "واللَّه لتأخذها" استثنى في نفسه فقال: إن شاء اللَّه، وليس بين قوله: واللَّه لا آخذها وبين قوله: إن شاء اللَّه كلامٌ إلا انتظاره ما يقول قريبه، أيكفِّر [عن] (٦) يمينه إن هو أخذها؟ فقال: لم يحنث؛ لأنه قد استثنى. ولا ريب أن هذا أفقه وأصح من قول من اشترط نيته مع الشروع في اليمين؛ فإن هذا القول موافق للسنة الصحيحة فعلًا عن (٧) النبي ﷺ ، وحكايةً عن أخيه سليمان ﵇ أنه [لو] (٣) قال: "إن شاء اللَّه" بعدما حلف، وذكره المَلَك كان نافعًا له (٨)، وموافقًا للقياس ومصالح العباد، ومقتضى الحنيفية السَّمْحَة، ولو اعتبر ما ذكر من اشتراط النية في أول الكلام والاتصال الشديد؛ لزالت رخصة الاستثناء، وقلَّ من انتفع بها إلا مَنْ قد درس على هذا القول وجعله منه على بال. وقد ضيَّق بعض المالكية في ذلك فقال: لا يكون الاستثناء نافعًا إلا وقد

стр. 2417

أراده صاحبه قبل أن يُتمَّ (١) اليمين كما قال بعض الشافعية، وقال ابن الموَّاز: شرطُ نفعه أن يكون مقارنًا ولو [لآخر حرف] (٢) من حروف اليمين، ولم يشترط مالك شيئًا من ذلك (٣)، بل قال في "موطئه" -وهذا [لفظ روايته-: "قال] (٤) عبد اللَّه بن يوسف: أحسنُ ما سمعت في الثنيا في اليمين أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه، وما كان نَسَقًا يتبع بعضه بعضًا قبل أن يسكت، فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له" (٥) انتهى. ولم أر عن أحد من الأئمة قَطُّ اشتراطَ النيّة مع الشروع، ولا قبل الفراغ، وإنما هذا من تصرف الأتباع. فصل [هل يشترط في الاستثناء النطق به ؟] وهل من شرط الاستثناء أن يتكلم به، أو ينفع إذا كان في قلبه، وإن لم يتلفظ به؟ (٦) فالمشهور من مذاهب الفقهاء أنه لا ينفعه حتى يتلفظ به، ونص عليه أحمد (٧) فقال في رواية ابن منصور: لا يجوز له أن يستثني في نفسه حتى يتكلم به، وقد قال أصحاب أحمد وغيرهم: لو قال: "نسائي طوالق"، واستثنى بقلبه: "إلا فلانة" صحَّ استثناؤه، ولم تطلق، ولو قال: "نسائي الأربع طوالق"، واستثنى بقلبه إلا فلانة لم ينفعه، وفرَّقوا بينهما بأن الأول ليس نصًا في الأربع، فجاز تخصيصه بالنيّة، بخلاف الثاني، ويلزمهم على هذا الفرق أن يصح تقييده بالشرط بالنية؛ لأن غايته أنه تقييد مطلق؛ فعمل النية فيه أولى من عملها في تخصيص العام؛ لأن العام متناول للأفراد وضعًا والمطلق لا يتناول جميع الأحوال بالوضع (٨)، فتقييده بالنية أولى من تخصيص العام بالنية، وقد قال صاحب "المغني" (٩)، وغيره [إنه] (١٠): "إذا قال:

стр. 2418

"أنت طالق"، ونوى بقلبه من غير نطق إن دخلت الدار أو بعد شهر أنه يُدَيَّنُ فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وهل يقبل في الحكم؟ على روايتين (١)، وقد قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم (٢) فيمن حلف لا يدخل الدار وقال: "نويتُ (٣) شهرًا" قُبل منه، أو قال: "إذا دخلت دار فلان فأنت طالق"، ونوى تلك الساعة، أو ذلك اليوم قبلت نيته، قال: والرواية الأخرى لا تقبل؛ فإنه قال: إذا قال لامرأته: ["أنت طالق"] (٤)، ونوى في نفسه إلى سَنَة تطلق، ليس ينظر إلى نيته، وقال: إذا قال: "أنت طالق"، وقال: نويتُ إن دَخَلت الدار، لا يصدق" قال الشيخ (٥): "ويمكن أن يجمع بين هاتين الروايتين بأن يحمل قوله في القبول (٦) على أنه يُدَيَّنُ، وقوله في عدم القبول على الحكم؛ فلا يكون بينهما اختلاف، قال: والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها -يعني مسألة: نسائي طوالق وأراد بعضهن- أن إرادة الخاص بالعام شائع كثير، وإرادة (٧) الشرط من غير ذكره [غير] (٤) شائع، وهو قريب من الاستثناء. ويمكن أن يقال: هذا كله (٨) من جملة التخصيص" انتهى كلامه. وقد تضمن أن الحالف إذا أراد الشرط دُيِّنَ وقُبل في الحكم في إحدى الروايتين، ولا يفرق فقيه ولا محصل (٩) بين الشرط بمشيئة اللَّه (١٠) حيث يصح وينفع وبين غيره من الشروط، وقد قال [الإمام] (١١) أحمد في رواية حرب: إن كان مظلومًا فاستثنى في نفسه رجوتُ أنه يجوز إذا خاف على نفسه، ولم ينص على خلاف هذا في المظلوم، [وإنما] (١٢) أطلق القول، وخاصُّ كلامه ومُقيّده يقضي على مُطلقه [وعامه] (١٣)؛ فهذا مذهبه.

стр. 2419

فصل [هل يشترط في الاستثناء أن يسمع نفسه ؟] وهل يشترط أن يسمع نفسه أو يكفي تحرك لسانه بالاستثناء، وإن كان بحيث لا يسمعه؟ فاشترط أصحاب أحمد وغيرهم أنه لا بد وأن يكون بحيث يسمعه هو أو غيره. ولا دليل على هذا من لغةٍ ولا عرفٍ ولا شرعٍ، وليس في المسألة إجماع. قال أصحاب أبي حنيفة -واللفظ لصاحب "الذخيرة" (١) -: "وشرط الاستثناء أن يتكلَّم بالحروف، سواء كان مسموعًا أو لم يكن عند الشيخ أبي الحسن الكرخي، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: لا بد وأن يسمع نفسه، وبه كان (٢) يفتي الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل" وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى هذا القول، وباللَّه التوفيق. وهذا (٣) بعض ما يتعلق بمخرج الاستثناء، ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب. فصل [المخرج الخامس: فعل المحلوف عليه مع الذهول ونحوه] المخرج الخامس: أن يفعل المحلوف عليه ذاهلًا أو ناسيًا أو مخطئًا أو جاهلًا أو مكرهًا أو متأولًا أو معتقدًا أنه لا يحنث به تقليدًا لمن أفتاه بذلك، أو مغلوبًا على عقله، أو ظنًا منه أن امرأته طلقت، فيفعل المحلوف عليه بناء على أن المرأة أجنبية، فلا يؤثر فعل المحلوف عليه في طلاقها شيئًا. [الذهول والفرق بينه وبين النسيان] فمثال الذهول (٤) أن يحلف أنه لا يفعل شيئًا هو مُعْتادٌ لفعله، فيغلب عليه الذهول والغفلة فيفعله، والفرق بين هذا وبين الناسي أن الناسي يكون قد غاب (٥) عنه اليمين بالكلية فيفعل المحلوف عليه ذاكرًا له، عامدًا لفعله، ثم يتذكر أنه كان

стр. 2420

قد حلف على تركه، وأما الغافل والذاهل واللاهي فليس بناسٍ ليمينه، ولكنه لَهَا عنها أو ذهل كما يذهل الرجل عن الشيء في يده أو حجره بحديث أو نظر إلى شيء أو نحوه، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ٨ - ١٠] يقال: لهى عن الشيء يَلْهَى، كَغَشِيَ يَغْشَى إذا غفل [عنه] (١)، ولها به يَلْهُو، إذا لعب؛ وفي الحديث: "فلها رسول اللَّه ﷺ بشيء كان في يديه" (٢) أي اشتغل به، ومنه (٣) الحديث الآخر: "إذا استأثر اللَّه بشيء فَالْهَ عنه" (٤)، وسئل الحسن عما يجده الرجل من البلل (٥) بعد الوضوء والاستنجاء، فقال: "إلْهَ عنه" (٦)، وكان ابن الزبير إذا سمع صوت الرعد لَهَا عن حديثه (٧)، وقال عمر ﵁ لرجل بعثه بمال إلى أبي عبيدة ثم قال [للرسول] (٨) "تَله عنه ثم انظر ماذا يصنع به" (٩)، ومنه قول كعب بن زهير (١٠):
следующие страницы →