← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

قول الأوزاعي (١) كما سنذكره، وأوسع منه من وجه قَوْل من لا يشترط النية بحال، كما صرَّح به أصحاب أبي حنيفة، قال (٢) صاحب "الذخيرة" في (كتاب الطلاق) في الفصل السادس عشر منه: ولو قال لها: "أنت طالق إن شاء اللَّه"، ولا يدري أيّ شيء شاء اللَّه لا يقع الطلاق؛ [لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع، فعِلْمه وجهله يكون سواء، ولو قال لها: "أنت طالق"] (٣) فجرى على لسانه من غير قَصْد: "إن شاء اللَّه"، وكان قَصْدهُ إيقاع الطلاق لا يقع الطلاق؛ لأن الاستثناء قد وجد حقيقة، والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعًا"، وقال الجوزجاني في "مترجمه": حدثني صفوان: ثنا عمر (٤) قال: سُئل الأوزاعي ﵀ عن رجل حلف: واللَّه لأفعلنَّ كذا وكذا ثم سكت ساعةً لا يتكلم ولا يحدث (٥) نفسه بالاستثناء، فيقول له إنسان إلى جانبه: قل: إن شاء اللَّه، فقال: إن شاء اللَّه، أيكفِّرُ عن يمينه؟ فقال: أراه قد استثنى. وبهذا الإسناد عن الأوزاعي أنه سُئل عن رجل وصله قريبُه بدراهم فقال: واللَّه لا آخذها فقال قريبه: واللَّه لتأخذها فلما سمعه قال: "واللَّه لتأخذها" استثنى في نفسه فقال: إن شاء اللَّه، وليس بين قوله: واللَّه لا آخذها وبين قوله: إن شاء اللَّه كلامٌ إلا انتظاره ما يقول قريبه، أيكفِّر [عن] (٦) يمينه إن هو أخذها؟ فقال: لم يحنث؛ لأنه قد استثنى. ولا ريب أن هذا أفقه وأصح من قول من اشترط نيته مع الشروع في اليمين؛ فإن هذا القول موافق للسنة الصحيحة فعلًا عن (٧) النبي ﷺ ، وحكايةً عن أخيه سليمان ﵇ أنه [لو] (٣) قال: "إن شاء اللَّه" بعدما حلف، وذكره المَلَك كان نافعًا له (٨)، وموافقًا للقياس ومصالح العباد، ومقتضى الحنيفية السَّمْحَة، ولو اعتبر ما ذكر من اشتراط النية في أول الكلام والاتصال الشديد؛ لزالت رخصة الاستثناء، وقلَّ من انتفع بها إلا مَنْ قد درس على هذا القول وجعله منه على بال. وقد ضيَّق بعض المالكية في ذلك فقال: لا يكون الاستثناء نافعًا إلا وقد

стр. 2417

أراده صاحبه قبل أن يُتمَّ (١) اليمين كما قال بعض الشافعية، وقال ابن الموَّاز: شرطُ نفعه أن يكون مقارنًا ولو [لآخر حرف] (٢) من حروف اليمين، ولم يشترط مالك شيئًا من ذلك (٣)، بل قال في "موطئه" -وهذا [لفظ روايته-: "قال] (٤) عبد اللَّه بن يوسف: أحسنُ ما سمعت في الثنيا في اليمين أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه، وما كان نَسَقًا يتبع بعضه بعضًا قبل أن يسكت، فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له" (٥) انتهى. ولم أر عن أحد من الأئمة قَطُّ اشتراطَ النيّة مع الشروع، ولا قبل الفراغ، وإنما هذا من تصرف الأتباع. فصل [هل يشترط في الاستثناء النطق به ؟] وهل من شرط الاستثناء أن يتكلم به، أو ينفع إذا كان في قلبه، وإن لم يتلفظ به؟ (٦) فالمشهور من مذاهب الفقهاء أنه لا ينفعه حتى يتلفظ به، ونص عليه أحمد (٧) فقال في رواية ابن منصور: لا يجوز له أن يستثني في نفسه حتى يتكلم به، وقد قال أصحاب أحمد وغيرهم: لو قال: "نسائي طوالق"، واستثنى بقلبه: "إلا فلانة" صحَّ استثناؤه، ولم تطلق، ولو قال: "نسائي الأربع طوالق"، واستثنى بقلبه إلا فلانة لم ينفعه، وفرَّقوا بينهما بأن الأول ليس نصًا في الأربع، فجاز تخصيصه بالنيّة، بخلاف الثاني، ويلزمهم على هذا الفرق أن يصح تقييده بالشرط بالنية؛ لأن غايته أنه تقييد مطلق؛ فعمل النية فيه أولى من عملها في تخصيص العام؛ لأن العام متناول للأفراد وضعًا والمطلق لا يتناول جميع الأحوال بالوضع (٨)، فتقييده بالنية أولى من تخصيص العام بالنية، وقد قال صاحب "المغني" (٩)، وغيره [إنه] (١٠): "إذا قال:

стр. 2418

"أنت طالق"، ونوى بقلبه من غير نطق إن دخلت الدار أو بعد شهر أنه يُدَيَّنُ فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وهل يقبل في الحكم؟ على روايتين (١)، وقد قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم (٢) فيمن حلف لا يدخل الدار وقال: "نويتُ (٣) شهرًا" قُبل منه، أو قال: "إذا دخلت دار فلان فأنت طالق"، ونوى تلك الساعة، أو ذلك اليوم قبلت نيته، قال: والرواية الأخرى لا تقبل؛ فإنه قال: إذا قال لامرأته: ["أنت طالق"] (٤)، ونوى في نفسه إلى سَنَة تطلق، ليس ينظر إلى نيته، وقال: إذا قال: "أنت طالق"، وقال: نويتُ إن دَخَلت الدار، لا يصدق" قال الشيخ (٥): "ويمكن أن يجمع بين هاتين الروايتين بأن يحمل قوله في القبول (٦) على أنه يُدَيَّنُ، وقوله في عدم القبول على الحكم؛ فلا يكون بينهما اختلاف، قال: والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها -يعني مسألة: نسائي طوالق وأراد بعضهن- أن إرادة الخاص بالعام شائع كثير، وإرادة (٧) الشرط من غير ذكره [غير] (٤) شائع، وهو قريب من الاستثناء. ويمكن أن يقال: هذا كله (٨) من جملة التخصيص" انتهى كلامه. وقد تضمن أن الحالف إذا أراد الشرط دُيِّنَ وقُبل في الحكم في إحدى الروايتين، ولا يفرق فقيه ولا محصل (٩) بين الشرط بمشيئة اللَّه (١٠) حيث يصح وينفع وبين غيره من الشروط، وقد قال [الإمام] (١١) أحمد في رواية حرب: إن كان مظلومًا فاستثنى في نفسه رجوتُ أنه يجوز إذا خاف على نفسه، ولم ينص على خلاف هذا في المظلوم، [وإنما] (١٢) أطلق القول، وخاصُّ كلامه ومُقيّده يقضي على مُطلقه [وعامه] (١٣)؛ فهذا مذهبه.

стр. 2419

فصل [هل يشترط في الاستثناء أن يسمع نفسه ؟] وهل يشترط أن يسمع نفسه أو يكفي تحرك لسانه بالاستثناء، وإن كان بحيث لا يسمعه؟ فاشترط أصحاب أحمد وغيرهم أنه لا بد وأن يكون بحيث يسمعه هو أو غيره. ولا دليل على هذا من لغةٍ ولا عرفٍ ولا شرعٍ، وليس في المسألة إجماع. قال أصحاب أبي حنيفة -واللفظ لصاحب "الذخيرة" (١) -: "وشرط الاستثناء أن يتكلَّم بالحروف، سواء كان مسموعًا أو لم يكن عند الشيخ أبي الحسن الكرخي، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: لا بد وأن يسمع نفسه، وبه كان (٢) يفتي الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل" وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى هذا القول، وباللَّه التوفيق. وهذا (٣) بعض ما يتعلق بمخرج الاستثناء، ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب. فصل [المخرج الخامس: فعل المحلوف عليه مع الذهول ونحوه] المخرج الخامس: أن يفعل المحلوف عليه ذاهلًا أو ناسيًا أو مخطئًا أو جاهلًا أو مكرهًا أو متأولًا أو معتقدًا أنه لا يحنث به تقليدًا لمن أفتاه بذلك، أو مغلوبًا على عقله، أو ظنًا منه أن امرأته طلقت، فيفعل المحلوف عليه بناء على أن المرأة أجنبية، فلا يؤثر فعل المحلوف عليه في طلاقها شيئًا. [الذهول والفرق بينه وبين النسيان] فمثال الذهول (٤) أن يحلف أنه لا يفعل شيئًا هو مُعْتادٌ لفعله، فيغلب عليه الذهول والغفلة فيفعله، والفرق بين هذا وبين الناسي أن الناسي يكون قد غاب (٥) عنه اليمين بالكلية فيفعل المحلوف عليه ذاكرًا له، عامدًا لفعله، ثم يتذكر أنه كان

стр. 2420

قد حلف على تركه، وأما الغافل والذاهل واللاهي فليس بناسٍ ليمينه، ولكنه لَهَا عنها أو ذهل كما يذهل الرجل عن الشيء في يده أو حجره بحديث أو نظر إلى شيء أو نحوه، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ٨ - ١٠] يقال: لهى عن الشيء يَلْهَى، كَغَشِيَ يَغْشَى إذا غفل [عنه] (١)، ولها به يَلْهُو، إذا لعب؛ وفي الحديث: "فلها رسول اللَّه ﷺ بشيء كان في يديه" (٢) أي اشتغل به، ومنه (٣) الحديث الآخر: "إذا استأثر اللَّه بشيء فَالْهَ عنه" (٤)، وسئل الحسن عما يجده الرجل من البلل (٥) بعد الوضوء والاستنجاء، فقال: "إلْهَ عنه" (٦)، وكان ابن الزبير إذا سمع صوت الرعد لَهَا عن حديثه (٧)، وقال عمر ﵁ لرجل بعثه بمال إلى أبي عبيدة ثم قال [للرسول] (٨) "تَله عنه ثم انظر ماذا يصنع به" (٩)، ومنه قول كعب بن زهير (١٠):

стр. 2421

وقال كل صديق كنت آملُهُ ... لا أُلْهينَّكَ؛ إني عَنْكَ مشغول أي لا أشغلك عن شأنك وأمرك، وفي "المسند": "سألت ربي أن لا يعذب اللاهين من أمتي" (١)، وهم البُلْهُ الغافلون الذين لم يتعمدوا الذنوب، وقيل: هم

стр. 2422

الأطفال الذين لم يقترفوا ذنبًا (١) فصل [النسيان ضربان] وأما [الناسي فهو] (٢) ضربان: ناس لليمين، وناس للمحلوف عليه؛ فالأول ظاهر، والثاني كما إذا حلف على شيء وفعله وهو ذاكر ليمينه، لكن نسي أن هذا هو المحلوف عليه بعينه، وهذا كما لو حلف لا يأكل طعام كذا وكذا فنسيه (٣)، ثم أكله، وهو ذاكر ليمينه، ثم ذكر أن هذا هو الذي حلف عليه؛ فهذا إن (٤) كان يعتقد أنه غير المحلوف عليه، ثم بأن أنه هو فهو خطا فإن (٥) لم يخطر بباله كونه المحلوف عليه، ولا غيره فهو نسيان. [الفرق بين الجاهل بالمحلوف عليه والمخطئ] والفرق بين الجاهل بالمحلوف عليه والمخطئ (٦) أن الجاهل قصد الفعل

стр. 2423

ولم يظنه المحلوف عليه، والمخطئ لم يقصده كما لو رمى طائرًا فأصاب إنسانًا. والمكره نوعان؛ أحدهما: [له] (١) فعل اختياري؛ لكن محمولٌ عليه، والثاني: مُلْجأ لا فعل له، بل هو آلة محضة (٢). والمتأول كمن حلف (٣) أنه لا يكلم زيدًا وكاتبه يعتقد أن مكاتبته ليست (٤) تكليمًا وكمن حلف (٥) أنه لا يشرب خمرًا فشرب نبيذًا مختلفًا فيه متأولًا وكمن حلف لا يرابي فباع بالعينة (٦)، أو لا يطأ فرجًا حرامًا فوطئ في نكاح تحليل مختلف فيه ونحو ذلك. [درجات التأويل] والتأويل ثلاث درجات: قريبٌ، وبعيد، ومتوسط، ولا تنحصر أفراده. والمعتقد أنه لا يحنث بفعله تقليدًا سواء كان المفتي مصيبًا أو مخطئًا كمن قال لامرأته: إن خرجت من بيتي فأنت طالق، أو الطلاق يلزمني لا تخرجين من بيتي، فأفتاه مُفْت بأن هذه اليمين لا يلزم بها الطلاق بناء على أن الطلاق [المعلَّق] (٧) لغو كما يقوله بعض أصحاب الشافعي، كأبي عبد الرحمن الشافعي،

стр. 2424

وبعض أهل الظاهر كما صرَّح به صاحب "المحلى"، فقال (١): والطلاق بالصفة عندنا كالطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم. [المغلوب على عقله] والمغلوب على عقله كمن يفعل (٢) المحلوف عليه في حال سكر (٣) أو جنون أو زَوَال عقل بشرب دواء أو بنج أو غضب شديد ونحو ذلك. [ظن الطلاق] والذي يظن أن امرأته طلقت، [فيفعل المحلوف] (٤) عليه بناء على أنه لا يؤثر في الحنث، كما إذا قال: إن كلمت فلانًا فأنت طالق ثلاثًا ثم قال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق ثلاثًا فقيل له (٥): إن امرأتك قد (٦) كلَّمت فلانًا فاعتقد صدق القائل، وأنها قد بانت منه (٦)، ففعل المحلوف عليه بناء على أن العصمة قد انقطعت، ثم بأن له أن المخبر كاذب. وكذلك لو قيل له: قد كلمت فلانًا فقال: طلقت مني ثلاثًا ثم بأن [له] (٧) أنها لم تكلمه، ومثل ذلك لو قيل له: إن امرأتك قد مسكت تشرب الخمر مع فلان، فقال: هي طالق ثلاثًا ثم ظهر كذب المخبر وأن ذلك لم يكن منه شيء. [أقوال من أفتى بعدم الحنث] فاختلف الفقهاء في ذلك [اختلافًا لا ينضبط] (٨). فنذكر أقوال من أفتى بعدم الحنث في ذلك؛ إذ هو الصواب بلا ريب، وعليه تدل الأدلة الشرعية ألفاظها وأقيستها واعتبارها وهو مقتضى قواعد الشريعة (٩)؛ فإن البر والحنث في اليمين نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، فلو (١٠) فعل المكَّلف ذلك في أمر الشارع ونهيه لم يكن عاصيًا فأولى في باب اليمين أن لا يكون حانثًا.

стр. 2425

يوضحه (١) أنه إنما عقد يمينه على فعل ما يملكه، والنسيان والجهل والخطأ والإكراه غير داخل تحت قدرته، فما فعله (٢) في تلك الأحوال لم يتناوله يمينه، ولم يقصد منع نفسه منه. يوضحه أن اللَّه تعالى قد رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي والمكره، فإلزامه بالحنث أعظم مؤاخذة لما (٣) تجاوز اللَّه عن المؤاخذة به، كما أنه تعالى لما تجاوز للأمة عمَّا حدثت به أنفسها لم تتعلق به المؤاخذة في الأحكام. يوضحه أن فعل الناسي والمخطئ بمنزلة فعل النائم في عدم التكليف به، ولهذا هو عفو لا يكون به مُطيعًا ولا عاصيًا. يوضحه أن اللَّه تعالى إنما رتَّب الأحكام في الألفاظ لدلالتها على قصد المتكلِّم بها وإرادته، فإذا تيقَّنا أنه قصد كلامها ولم يقصد معانيها ولم يقصد مخالفة ما التزمه، ولا الحنث؛ فإن الشارع لا يلزمه بما لم يقصده، بل قد رفع المؤاخذة عنه بما لم يقصده من ذلك. يوضحه أن اللفظ دليل على القصد، فاعتبر لدلالته عليه، فإذا علمنا يقينًا خلاف المدلول لم يجز أن نجعله (٤) دليلًا على ما تيقنّا خلافه، وقد رفع اللَّه سبحانه المؤاخذة عمن (٥) قتل المسلم المعصوم بيده مباشرة إذا لم يقصد قتله بل قتله خطأً ولم يلزمه شيئًا من ديته، بل حمَّلها غيره، فكيف يؤاخذه بالخطأ والنسيان في باب الأيمان؟ هذا من الممتنع على الشارع. وقد رفع النبي ﷺ المؤاخذة عمن أكل وشرب (٦) في نهار رمضان ناسيًا لصومه (٧)، مع أن أكله وشربه فعل لا يمكن تداركه (٨)، فكيف يؤاخذه بفعل

стр. 2426

المحلوف عليه ناسيًا ويطَلِّق عليه امرأته، ويخرب بيته (١)، ويشتت شمله وشمل أولاده وأهله، وقد عفا له عن الأكل والشرب في نهار الصوم ناسيًا؟ وقد عفا عمَّن أكل أو شرب في نهار الصوم عمدًا غير ناس لما تأول الخيط الأبيض والخيط الأسود بالحبلين المعروفين (٢)، فجعل يأكل حتى تبيَّنا له وقد طلع النهار، وعفا له عن ذلك، ولم يأمره بالقضاء، لتأويله، فما بال الحالف المتأول لا يعفى له عن الحنث بل يخرب بيته (٣)، ويفرق بينه وبين حبيبته (٤)، ويشتت شمله كل مشتت؟ وقد عفا عن المتكلم في صلاته عمدًا ولم يأمره بالإعادة لما كان جاهلًا بالتحريم ولم (٥) يتعمد مخالفة حكمه، فألغى كلامه، ولم يجعله مبطلًا للصلاة (٦)، فكيف لا يقتدي به ويلغي قول الجاهل وفعله في باب الأيمان ولا يحنثه كما لم يؤثمه الشارع؟ وإذا كان قد عفا عمن قدم شيئًا أو أخّره من [أعمال] (٧) المناسك من الحلق والرمي والنحر نسيانًا أو جهلًا (٨) فلم يؤاخذه بترك ترتيبها نسيانًا (٩)، فكيف يحنث

стр. 2427

من قدَّم ما حلف على تأخيره أو أخَّر ما حلف على تقديمه ناسيًا أو جاهلًا؟ وإذا كان قد عفا عمَّن حَمَل القذر في الصلاة ناسيًا أو جاهلًا [به] (١)، فكيف يؤاخذ الحالف ويحنث به؟ وكيف تكون أوامر الرب تعالى ونواهيه دون ما التزمه الحالف بالطلاق والعتاق؟ وكيف يحنِّث [الشارع] (٢) من لم يتعمد الحنث؟ وهل هذا إلا بمنزلة تأثيمه من لم يتعمد الإثم، وتكفيره (٣) من لم يتعمد الكفر؟ وكيف يُطلِّق أو يُعتق على من لم يتعمد الطلاق والعتاق، ولم يطلق على الهازل إلا لتعمُّده فإنه تعمّد الهزل ولم يرد حكمه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشارع، فليس الهازل معذورًا بخلاف (٤) الجاهل والمخطئ والناسي (٥). وبالجملة فقواعد الشريعة وأصولها تقتضي ألا يحنث الحالف في جميع ما ذكرنا ولا يطرد على القياس ويَسْلم من التناقض إلا هذا القول.

стр. 2428

وأما تحنيثه في جميع ذلك فإن صاحبه وإن سلم من التناقض لكن قوله مخالف لأصول الشريعة وقواعدها وأدلتها. [مَنْ حنَّث في بعض ذلك دون بعض، وروايات الإمام أحمد] ومن حنث في بعض ذلك دون بعض تناقض ولم يطرد له قول، ولم يسلم له دليل عن المعارضة. وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في ذلك؛ ففيه ثلاث روايات (١) إحداها: أنه لا يحنث في شيء من الأيمان بالنسيان ولا الجهل بفعل المحلوف عليه [مع النسيان] (٢) سواء كانت من الأيمان المكفَّرة أو غيرها وعلى هذه الرواية فيمينه باقية لم تنحل بفعل المحلوف عليه مع النسيان والجهل؛ لأن اليمين كما لم يتناول حالة الجهل والنسيان بالنسبة إلى الحنث لم يتناولها (٣) بالنسبة إلى البر؛ إذ (٤) لو كان فاعلًا المحلوف (٥) عليه بالنسبة إلى البر (٦)؛ لكان فاعلًا له بالنسبة إلى الحنث. وهذه الرواية [هي] (٧) اختيار شيخ الإسلام (٨) وغيره، وهي أصح قولي الشافعي اختاره جماعة من أصحابه (٩). والثانية: يحنث في الجميع، وهي مذهب أبي حنيفة (١٠)، ومالك (١١). والثالثة: يحنث في اليمين التي لا تكفَّر كالطلاق والعتاق، ولا يحنث في اليمين المكفَّرة، وهي اختيار القاضي وأصحابه (١٢).

стр. 2429

[تخريج مذاهب المحنثين مطلقًا والذين فرَّقوا] والذين حنَّثوه [مطلقًا] (١) نظروا إلى صورة الفعل، وقالوا: قد وجدت المخالفة، والذين فرَّقوا قالوا: الحلف بالطلاق والعتاق من باب التعليق على الشرط، فإذا وُجد الشرط وُجد المشروط، سواء كان مختارًا لوجوده أو لم يكن، كما لو قال: "إن قَدِمَ زيدٌ فأنت طالق" ففعل (٢) المحلوف عليه في حال جنونه، فهل هو كالنائم فلا يحنث أو كالناسي فيجري فيه الخلاف؟ على وجهين في مذهب الإمام أحمد والشافعي، وأصحها (٣) أنه كالنائم؛ لأنه غير مكلَّف، ولو حلف على من يقصد منعه كعبده وزوجته وولده وأجيره، ففعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا فهو كما لو حَلَف على فعل نفسه فَفَعَله ناسيًا أو جاهلًا، [هو] (٤) على الروايات الثلاث، و [كذلك هو] (٤) على القولين في مذهب الشافعي، فإن منعه لمن (٥) يمتنع بيمينه كمنعه لنفسه؛ فلو حلف لا يسلِّم على زيد فسلم على جماعة هو فيهم ولم يعلم فإن لم نحنِّث الناسي فهذا أولى [بعدم الحنث] (٤) لأنه لم يقصده، والناسي قد قصد التسليم عليه، وإن حنَّثنا الناسي هل (٦) يحنث هذا؟ على روايتين: إحداهما (٧): يحنث (٨) لأنه بمنزلة الناسي؛ إذ هو جاهل بكونه معهم (٩). والثانية: [وهي أصح -أنه لا يحنث] (١٠)، قاله أبو البركات (١١) وغيره، وهذا يدل على أن الجاهل أعذر من الناسي وأولى بعدم الحنث، وصرَّح به أصحاب الشافعي في الأيمان، ولكن تناقضوا [كلهم] (١٢) في جعل الناسي في الصوم أولى بالعذر من الجاهل، ففطَّروا الجاهل دون الناسي، وسوَّى شيخنا بينهما، وقال (١٣): الجاهل أولى بعدم الفطر [من الناسي، (فسلم) (١٤) من التناقض] (١٢)، وقد سووا بين

стр. 2430

الجاهل والناسي فيمن حمل النجاسة في الصلاة ناسيًا أو جاهلًا ولم يعلم حتى فرغ منها، فجعلوا الروايتين والقولين في الصورتين سواء، وقد سوَّى اللَّه تعالى بين المخطئ والناسي في عدم المؤاخذة، وسوَّى بينهما (١) النبي ﷺ في قوله: "إن اللَّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان" (٢) فالصواب التسوية بينهما. فصل [فعل المحلوف عليه مكرهًا] وأما إذا فعل المحلوف عليه مُكْرَهًا؛ فعن أحمد روايتان منصوصتان: إحداهما: يحنث في الجميع. والثانية: لا يحنث في الجميع، وهما قولان للشافعي، وخرَّج أبو البركات (٣) رواية ثالثة أنه يحنث باليمين (٤) بالطلاق والعتاق دون غيرهما من الأيمان من نصِّه على الفرق في صورة الجاهل والناسي، فإن ألجئ أو حمل أو فتح فمه [وأوجر (٥) ما حلف أنه لا يشربه فإن لم] (٦) يقدر على الامتناع لم يحنث، وإن قدر على الامتناع فوجهان، وإذا لم يحنث فاستدام ما ألجئ عليه كما لو ألجئ إلى دخول دار حلف ألا يدخلها (٧)، فهل يحنث؟ فيه وجهان، ولو حلف على غيره ممن يقصد منعه على ترك فعل ففعله مكرهًا أو ملجأً فهو على هذا الخلاف [سواء] (٨) [اللَّه أعلم] (٩). فصل [حكم المتأول، والجاهل، والمقلّد] أما (١٠) المتأوِّل فالصواب أنه لا يحنث، كما لم يأثم في الأمر والنهي، وقد صرِّح به الأصحاب فيما لو حلف أنه (١١) لا يفارق غريمه حتى يقبض حقه فأحاله به ففارقه يظن أن ذلك قبض، وأنه برَّ في يمينه، فحكوا فيه الروايات الثلاث،

стр. 2431

وطَرْدُ هذا كل متأول ظن أنه لا يحنث بما فعله؛ فإن غايته أن يكون جاهلًا بالحنث. وفي الجاهل الروايات الثلاث. وإذا ثبت هذا في حق المتأول فكذلك في حق المقلِّد أولى (١)، فإذا حلف بالطلاق ألا يكلم فلانًا أو لا يدخل داره فأفتاه مُفت بعدم وقوع الطلاق في هذه اليمين، اعتقادًا لقول علي بن أبي طالب ﵁ (٢)، وطاوس، وشُريح، أو اعتقادًا (٣) لقول أبي حنيفة، والقفّال في صيغة الالتزام دون صيغة الشرط، أو اعتقادًا (٣) لقول أشهب -وهو أجلُّ أصحاب مالك- أنه إذا علَّق الطلاق بفعل الزوجة [أنه] (٤) لم يحنث بفعلها أو اعتقادًا (٣) لقول أبي عبد الرحمن الشافعي [أجل أصحاب الشافعي] (٥): إن الطلاق المعلّق لا يصح كما لا يصح النكاح والبيع والوقف المعلق، وهو مذهب جماعة من أهل الظاهر، لم يحنث في ذلك كله، ولم يقع الطلاق، ولو فرض فساد هذه الأقوال كلها فإنه إنما فعل المحلوف عليه متأولًا مقلدًا ظانًا أنه لا يحنث به، فهو أولى بعدم الحنث من الجاهل والناسي، وغاية ما يقال [في الجاهل] (٦): [إنه] (٧) مفرط حيث لم يستقص ولم يسأل غير (٧) من أفتاه، وهذا بعينه يقال في الجاهل: إنه مفرط حيث لم يبحث، ولم يسأل (٨) عن المحلوف عليه، فلو صح هذا الفرق لبطل عذر الجاهل البتة، فكيف والمتأول مطيع للَّه مأجور إما أجرًا واحدًا أو أجرين؟ (٩)، والنبي ﷺ لم يؤاخذ خالدًا في تأويله حين قتل بني جذيمة بعد إسلامهم (١٠)، ولم يؤاخذ أسامة حين قتل من قال: لا إله إلا اللَّه، لأجل التأويل (١١)، ولم يؤاخذ من أكل نهارًا

стр. 2432

في الصوم عمدًا لأجل التأويل (١)، ولم يؤاخذ أصحابه حين قَتَلوا من سلَّم عليهم وأخذوا غنيمته لأجل التأويل (٢)، ولم يؤاخذ المستحاضة بتركها الصوم والصلاة لأجل التأويل (٣)، [ولم يؤاخذ عمر ﵁ حين ترك الصلاة لما أجنب في السفر

стр. 2433

ولم يجد ماءً] (١) [لأجل التأويل]، ولم يؤاخذ من تمعَّك (٢) في التراب كتمعك الدابة وصلى لأجل التأويل (٣)، وهذا أكثر من أن يُستقصى. وأجمع أصحاب رسول اللَّه ﷺ على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن، فهو هدر في قتالهم في الفتنة، قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ كلهم متوافرون، فأجمعوا (٤) على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية، ولم يُؤاخذ النبي ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ حين رمى حاطب بن أبي بلتعة المؤمن البدري بالنفاق لأجل التأويل (٥)، ولم يؤاخذ أسيد بن حضير بقوله لسعد سيد الخزرج: "إنك منافقٌ تجادل عن المنافقين" (٦) لأجل التأويل، ولم يؤاخذ من قال عن مالك بن الدُّخُشم: "ذلك [المنافق] (٧) نرى وجهه وحديثه إلى المنافقين" لأجل التأويل (٨)،

стр. 2434

ولم يؤاخذ عمر بن الخطاب ﵁ حين (١) ضرب صَدْر أبي هريرة حتى وقع على الأرض [وقد ذهب] (٢) للتبليغ عن رسول اللَّه ﷺ بأمره فمنعه عمر وضربه وقال: "ارجع"، وأقرَّه رسول اللَّه ﷺ على فعله، ولم يؤاخذه لأجل التأويل (٣). وكما رفع مؤاخذة التأثيم (٤) في هذه الأمور وغيرها رفع مؤاخذة الضمان في الأموال و [القضاء في] (٥) العبادات، فلا يحل لأحد أن يفرِّق بين رجل (٦) وامرأته لأمر يخالف مذهبه، وقوله الذي قلّد فيه بغير حجة، فإذا (٧) كان الرجل قد تأول وقلّد من أفتاه بعدم الحنث فلا يحل له أن يحكم [عليه] (٨) بأنَّه حانث في حكم اللَّه ورسوله ولم يتعمد الحنث، بل هذه (٩) فرية على اللَّه ورسوله وعلى الحالف، وإذا وصل [به] (١٠) الهوى إلى هذا الحد فصاحبه تحت الدرك، وله مقام وأي مقام بين يدي اللَّه [يوم القيامة] (١٠) يوم لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلّده، واللَّه المستعان. وإذا قال الرجل لامرأته: "أنت طالق ثلاثًا لأجل كلامك لزيد وخروجك من بيتي" فبان أنَّها لم تكلمه، ولم تخرج من بيته لم تطلق، صرَّح به الأصحاب، قال ابن أبي موسى في "الإرشاد" (١١): فإن قال: "أنت طالق أن دخلت الدار" بنصب الألف، والحالف من أهل اللسان، فإن كان تقدم لها دخول إلى تلك الدار قبل اليمين طلقت في الحال؛ لأن ذلك للماضي من الفعل دون المستقبل، وإن كانت لم تدخلها قبل اليمين بحال لم تطلق، وإن دخلت الدار بعد اليمين إذا كان الحالف قصد بيمينه الفعل الماضي دون المستقبل؛ لأن معنى ذلك (١٢): إن كنت دخلت الدار فأنت طالق، وإن كان الحالف جاهلًا باللسان وإنما أراد باليمين الدخول المستقبل فمتى دخلت الدار بعد اليمين طلقت بما حلف به قولًا واحدًا،

стр. 2435

وإن كان تقدم لها دخول [إلى] (١) الدار قبل اليمين فهل يحنث بالدخول الماضي أم لا؟ على وجهين أصحهما لا يحنث. والمقصود أنه إذا عُلل الطلاق بعلَّة ثم تبين انتفاؤها؛ فمذهب أحمد أنه لا يقع بها (٢) الطلاق، وعند شيخنا لا يشترط ذكر التعليل بلفظه، ولا فرق عنده بين أن يطلقها لعلة مذكورة [في اللفظ] (٣) أو غير مذكورة، فإذا تبيَّن انتفاؤها لم يقع [به] الطلاق (٤)، وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره، ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره، فإذا قيل له: امرأتك قد (٥) شربت مع فلان أو باتت (٦) عنده، فقال: اشهدوا عليَّ أنها طالق ثلاثًا ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قائمة تصلّي فإن هذا الطلاق لا يقع به قطعًا وليس بين هذا وبين قوله: "إن كان الأمر كذلك فهي طالق [ثلاثًا] " فرق البتة، لا عند الحالف ولا في العرف ولا في الشرع، فإيقاع الطلاق بهذا وهمٌ محض، إذ يقطع بأنه لم يُرد طلاق من ليست كذلك، وإنما أراد طلاق من فعلت ذلك، وقد أفتى جماعة من الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي -منهم الغزالي والقفال وغيرهما- الرجل يمر على المكَّاس برقيق له فيطالبه بمكسهم (٧) فيقول: "هم أحرار" ليتخلَّص من ظلمه، ولا غرض له في عِتْقِهِم، أنهم لا يُعتقون، وبهذا أفتينا نحنُ تجارَ اليمن لما قدموا [منها] (٣)، ومَروا على المكاسين فقالوا لهم ذلك، وقد صرَّح (٨) أصحاب الشافعي في باب الكتابة (٩) بما إذا دفع إليه العوض فقال: "اذهب فأنت حر" بناء على أنه سلَّم له العوض فظهر العوض مستحقًا ورجع به على صاحبه أنه لا يعتق، وهذا هو الفقه بعينه، وصرَّحوا أن الرجل لو علَّق طلاق امرأته بشرط فظن أن الشرط قد وقع فقال: "اذهبي فأنت طالق"، وهو يظن أن الطلاق قد وقع بوجود الشرط فبان أن الشرط لم يوجد لم يقع الطلاق، ونص على ذلك شيخنا قدس اللَّه روحه (١٠)، ومن هذا

стр. 2436

القبيل لو قال: "حلفت بطلاق امرأتي ثلاثًا إلا أفعل كذا"، وكان كاذبًا ثم فعله لم يحنث ولم تطلق عليه امرأته، قال الشيخ في "المغني" (١): إذا قال: حلفتُ (٢)، ولم يكن حلف فقال الإمام أحمد: هي كذبة ليس عليه يمين، وعنه عليه الكفارة، لأنه أقرَّ على نفسه، والأول هو المذهب لأنه الحكم فيما بينه وبين اللَّه تعالى، فإنه (٣) كذب في الخبر به كما لو قال: "ما صليتُ"، وقد صلى. قلت: قال أبو بكر عبد العزيز: باب القول في إخبار الإنسان بالطلاق واليمين كاذبًا قال في رواية الميموني: إذا قال: "قد حلفت بيمين" (٤)، ولم يكن حلف فعليه كفارة يمين، فإن قال: "قد حلفتُ بالطلاق"، ولم يكن حلف [بها] (٥) يلزمه الطلاق، ويرجع إلى نيته في الواحدة والثلاث، وقال في رواية محمد بن الحكم في الرجل يقول: قد حلفت ولم يكن حلف: فهي كذبة ليس عليه يمين، فاختلف أصحابنا على ثلاث طرق (٦): إحداها (٧): أن المسألة على روايتين. والثانية: -وهي طريقة أبي بكر- قال عقيب حكاية الروايتين: قال عبد العزيز في الطلاق: يلزمه وفيما لا (٨) يكون من الأيمان: لا يلزمه. والطريقة الثالثة: أنه حيث ألزمه أراد به في الحكم، وحيث لم يلزمه [بقي فيما] (٩) بينه وبين اللَّه، وهذه الطريقة أفقه وأطرد على أصول مذهبه، واللَّه أعلم. فصل [مذهب مالك] وأما مذهب مالك في هذا الفصل فالمشهور فيه التفريق بين النسيان والجهل والخطأ وبين الإكراه والعجز، ونحن نذكر كلام أصحابه في ذلك. قالوا: من حلف ألا يفعل (١٠) حنث بحصول الفعل (١١)، عمدًا أو سهوًا أو

стр. 2437

خطًا واختار أبو القاسم السيوري ومن تبعه (١) من محققي الأشياخ أنه لا يحنث إذا نسي اليمين، وهذا اختيار القاضي أبي بكر [ابن] العربي، قالوا: ولو أكره لم يحنث (٢). فصل [في تعذر فعل المحلوف عليه وعجز الحالف عنه] (٣) قال أصحاب مالك: مَنْ حلف على شيء ليفعلنَّه فحيل بينه وبين فَعْلِه، فإنْ أجَّل أجلًا فامتنع الفعلُ لعدم (٤) المحل وذهابه كموت (٥) العبد المحلوف على ضربه أو الحمامة المحلوف على ذبحها فلا حنث عليه بلا خلافٍ منصوص، وإن امتنع الفعل لسبب منع الشرع [منه] (٦) كمن حلف ليطأنَّ زوجته أو أمته فوجدها حائضًا فقيل: لا شيء عليه (٧). قلت: وهذا هو الصواب، لأنه إنما حلف على وطء يملكه، ولم يقصد الوطءَ الذي لم يملّكه الشارع إياه، فإنْ قصدَه حنث، [وهذا هو الصواب، لأنه إنما حلف على وطء يملكه] (٨)، وهكذا في صورة العجز الصواب أنه لا يحنث، فإنه إنما حلف على شيء يدخل تحت قدرته، ولم يلتزم فعل ما لا يقدر عليه، فلا تدخل حالة العجز تحت يمينه، وهذا بعينه قد قالوه في المكره والناسي والمخطئ، والتفريق (٩) تناقضٌ ظاهر، فالذي يليق بقواعد أحمد وأصوله أن لا يحنث في صورة العجز، سواء كان العجز لمنع (١٠) شرعي أو منع كوني قدري، كما هو قوله فيما [لو] (١١) كان العجز لإكراه مكره، ونصه على خلاف ذلك لا يمنع أن يكون عنده رواية مخرَّجة من أصوله المذكورة، وهذا من أظهر التخريج، فلو وطئ مع الحيض وعصى فهل يتخلَّص من الحنث؟ فيه وجهان في مذهب مالك وأحمد (١٢): أحدهما: يتخلص وإن أثم بالوطء كما لو حلف بالطلاق ليشربنَّ هذه

стр. 2438

الخمر، فشربها (١) فإنه لا تطلق عليه زوجته. والثاني: لا يبر؛ لأنه إنما حلف [به] (٢) على فعل وطء مباح، فلا تتناول يمينه المحرم، [فيقال: إذا كان إنما حلف على وطء مأذون فيه شرعًا لم تتناول يمينه المحرم] (٣) فلا يحنث بتركه بعين (٤) ما ذكرتم من الدليل وهذا ظاهر. وحرف المسألة أن يمينه لم تتناول المعجوزَ عنه لا شرعًا ولا قدرًا فلا يحنث بتركه، وإنْ (٥) كان الامتناع بمنع ظالم كالغاصب والسارق أو غير ظالم كالمستحق فهل يحنث أم لا؟ قال أشهب: لا يحنث وهو الصواب، لما ذكر، وقال غيرُه من أصحاب مالك: يحنث؛ لأن المحلَّ باقٍ، وإنما حيل بينه وبين الفعل فيه، وللشافعي في هذا الأصل قولان، قال أبو محمد الجويني: "ولو حلف ليشربنَّ ما في هذه الإداوة غدًا فأُريقَ قبل الغد بغير اختياره فعلى قولي الإكراه. قال: والأولى أن لا يحنث، وإن حنَّثنا المكره لعجزه عن الشرب وقدرة المكره على الامتناع" فجعل الشيخ أبو محمد العاجز أولى بالعذر من المكره، وسوَّى غيره بينهما ولا ريب أن قواعد الشريعة وأصولها تشهد لهذا القول (٦) فإن الأمر والنهي من الشارع نظير الحض والمنع في اليمين، وكما أن أمره ونهيه منوط بالقدرة فلا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة فكذلك الحض والمنع في اليمين إنما هو مقيَّد (٧) بالقدرة. يوضحه أن الحالف يعلم أنَّ سرَّ نفسه أنه لم يلتزم (٨) فعل المحلوف عليه مع العجز عنه وإنما التزمه مع قدرته عليه (٩)، ولهذا لم يحنث المغلوب على الفعل بنسيان أو إكراه، ولا من لا قَصْد له إليه كالمغمى عليه وزائل العقل، وهذا قول جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والشافعية (١٠)، وهو مقتضى أصول الإمام أحمد وإن كان المنصوص عنه خلافه (١١)، فإنه قال في رواية ابنه

стр. 2439

صالح (١): إذا حلف أن يشرب هذا الماء الذي في هذا الإناء فانصبَّ فقد حنث، ولو حلف أن يأكل رغيفًا فجاء كلب فأكله فقد حنث؛ لأن هذا لا يقدر عليه، وقال في رواية جعفر بن محمد: إذا حلف الرجل على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفي منه ماله (٢) فهرب منه مخاتلة فإنه يحنث، وهذا (٣) وأمثاله من نصوصه مبني (٤) على قوله في المكره والناسي والجاهل: "إنه يحنث" كما نص عليه، فإنه قال في رواية أبي الحارث (٥): إذا حلف أن لا يدخل الدار فحُمل كرهًا فأدخل فإنه لا يحنث (٦)، وكذلك نص على حنث الناسي والجاهل، فقد جعل الناسي والجاهل والمكره والعاجز بمنزلة، ونص في رواية أبي طالب: إذا حلف [أن] (٧) لا يدخل الدار فحُمل كرهًا فأدخل [فلا شيء عليه] (٨)، وقد قال في رواية أحمد بن القاسم: والذباب يدخلُ حَلْقَ الصائم والرجل يرمي بالشيء فيدخل [في] (٧) حلق الآخر وكلُّ أمر غلب عليه فليس عليه قضاء ولا غيره، وتواترت نصوصه فيمن أكل في رمضان أو شرب ناسيًا فلا قضاء عليه، فقد سوَّى بين الناسي والمغلوب، وهذا محض القياس والفقه، ومقتضى ذلك التسوية بينهما في باب الأيمان كما نص عليه في المكره، فتخرج مسألة العاجز والمغلوب على الروايتين (٩)، بل المغلوب والعاجز أولى بعدم الحنث من الناسي والجاهل، كما تقدم بيانه، وباللَّه التوفيق. فصل [حكم التزام الطلاق] المخرج السادس: أخذه بقول من يقول: إن (١٠) التزام الطلاق لا يلزم، ولا يقع به طلاقٌ [ولا] (١١) حنث، وهذا إذا أخرجه بصيغة الالتزام، كقوله: "الطلاق يلزمني، أو لازمٌ لي، أو ثابت عليَّ، أو حق عليَّ، أو واجب عليَّ، أو متعيّن عليَّ

стр. 2440

إن فعلت، أو إن لم أفعله" (١)، وهذا مذهب أبي حنيفة، وبه أفتى جماعة من مشايخ مذهبه، وبه أفتى القفَّال في قوله: "الطلاق يلزمني"، ونحن نذكر كلامهم بحروفه. قال صاحب "الذخيرة" من الحنفية: لو قال لها: "طلاقك عليَّ واجب، أو لازم، أو فرض، أو ثابت" ذكر (٢) أبو الليث خلافًا بين المتأخرين، فمنهم من قال: يقع واحدة رجعية نوى أو لم ينوِ، ومنهم من قال: لا يقع نوى أو لم ينو، ومنهم من قال: في قوله: "واجب" يقع بدون النية، وفي قوله: "لازمٌ" لا يقع وإن نوى، وعلى هذا الخلاف إذا قال: "إن فعلت كذا فطلاقك عليَّ واجبٌ، أو [قال] (٣) لازم، أو ثابت" ففعلت، وذكر القدوري في "شرحه" أن على قول أبي حنيفة لا يقع الطلاق في الكُلّ، وعند أبي يوسف إنْ نوى الطلاق يقع في الكل، وعن محمد أنه يقع في قوله: لازم (٤) ولا يقع في قوله: واجب، ثم ذكر من اختار من المشايخ الوقوع ومن اختار عدمه، فقال: وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني (٥) يُفتي بعدم الوقوع في الكل (٦). وقال القفَّال [في "فتاويه"] (٧): إذا قال: "الطلاقُ يلزمني" فليس بصريحٍ ولا كنايةٍ حتى لا يقع به وإن نواه، ولهذا القول مأخذان: أحدهما: أن الطلاق لا بد فيه من الإضافة إلى المرأة (٨)، ولم تتحقق الإضافة هاهنا (٩) ولهذا لو قال: "أنا منك طالق" لم تطلق، ولو قال لها: "طلِّقي نفسك" فقالت: "أنت طالق" لم تطلق. [و] (٧) المأخذ الثاني: لأصحاب أبي حنيفة (١٠) -أنه التزامٌ لحكم الطلاق، وحكمه لا يلزمه إلا بعد وقوعه، وكأنه قال: "فعلي أن أطلقك"، وهو لو صرَّح بهذا لم تطلق بغير خلاف، فهكذا المصدر، وسر المسألة أن ذلك التزام لأن يطلِّق أو التزام لطلاق واقع، فإن كان التزامًا (١١) [لأن يطلق لم تطلق، وإن كان التزامًا] (٧)

стр. 2441

لطلاق واقع فكأنَّه قال: "إن فعلت كذا فأنت طالق طلاقًا يلزمني" طلقت إذا وجد الشرط، ولمن رجح هذا أن يحيل فيه على العرف، فإن الحالف لا يقصد إلا هذا ولا يقصد التزام التطليق (١)، وعلى هذا [فيظهر أن] (٢) يُقال: إن نوى [بذلك] (٢) التزام التطليق لم تطلق، وإن نوى وقوع الطلاق طلقت، وهذا قول أبي يوسف و [قول] (٢) جمهور أصحاب الشافعي، ومن جعله صريحًا في وقوع الطلاق حكم فيه [بالعرف وغلبة] (٣) استعمال هذا اللفظ في وقوع الطلاق، وهذا قول أبي المحاسن الروياني، والوجوه الثلاثة في مذهب الشافعي، حكاها شارح "التنبيه" (٤)، وغيره. وفي المسألة قولان آخران، [وهما] (٥) للحنفية: أحدهما: أنه إن قال: "فالطلاق عليَّ واجبٌ" يقع نواه أو لم ينوه، وإن قال: "فالطلاقُ لي لازمٌ" لا يقع نواه أو لم ينوه، ووجه هذا الفرق أن قوله: "لازم" التزام لأن يطلق، فلا تطلق بذلك، وقوله: "واجب" إخبار عن وجوبه عليه، ولا يكون واجبًا إلا وقد وقع، ولمن سوَّى بينهما أن يقول: هو إيجاب للتطليق وإخبار عن وقوع الطلاق، ولا ريب أن اللفظ محتمل لهما كاحتمال قوله: "الطلاق يلزمني" سواء، وهذا هو الصواب، والفرق تحكّم. والثاني: قول محمد بن الحسن، وهو عكس هذا القول، أن الطلاق يقع بقوله: "الطلاق يلزمني أو لي لازم" (٦)، ولا يقع بقوله: "هو عليَّ واجب"، وعلى هذا الخلاف قوله: "إن فعلت كذا فالعتق يلزمني، أو فعليَّ العتق، أو فالعتق لازم لي، أو واجب [عليَّ] " (٧). فصل [المخرج السابع، وفيه البحث في الطلاق المعلَّق يراد به الحضر أو المنع] المخرج السابع: أخذه بقول أشهب من أصحاب مالك، بل هو أفقههم على الإطلاف، فإنه قال: إذا قال الرجل لامرأته: "إن كلمت زيدًا أو خرجت من بيتي

стр. 2442

بغير إذني"، ونحو ذلك مما يكون من فعلها "فأنت طالق"، وكلَّمت زيدًا أو خرجت من بيته تقصد أن يقع عليها (١) الطلاق لم تطلق، حكاه أبو الوليد ابن رشد في كتاب الطلاق من كتاب "المقدِّمات" له (٢)، وهذا القول هو الفقه بعينه، [و] (٣) لا سيما على أصول مالك وأحمد في مقابلة العبد بنقيض قصده كحرمان القاتل ميراثه من المقتول، وحرمان الموصى له وصية من قتله بعد الوصية، وتوريث امرأة من طلَّقها في مرض موته فرارًا من ميراثها وكما يقول (٤) مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما وقبلهما عمر بن الخطاب ﵁ فيمن تزوج في العدة وهو يعلم: يُفرَّق بينهما (٥) ولا تحل له أبدًا ونظائر ذلك كثيرة؛ فمعاقبة المرأة هاهنا بنقيض قصدها هو محض الفقه والقياس (٦)، ولا ينتقض هذا على أشهب بمسألة المخيَّرة ومن جعل طلاقها بيده؛ لأنَّ الزوج قد ملكها ذلك وجعله بيدها بخلاف الحالف فإنه لم يقصد طلاقها بنفسه، ولا جعله بيدها باليمين، حتى لو قصد ذلك فقال: "إن أعطيتيني ألفًا فأنت طالق" أو "إن أبرأتيني (٧) من جميع حقوقك فأنت طالق" فأعطته أو أبرأته طلقت. ولا ريب أن هذا الذي قاله (٨) أشهب أفقه من القول بوقوع الطلاق؛ فإنَّ الزوج [إنما] (٩) قصد حضها ومنعها ولم يقصد تفويضَ الطلاق إليها ولا خطر ذلك بقلبه، ولا قصدَ وقوع الطلاق عند المخالفة. [مكانة أشهب عند المالكية] ومكان أشهب من العلم والإمامة غير مجهول؛ فذكر أبو عمر بن عبد البر

стр. 2443

في كتاب "الانتقاء" (١) عن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم قال: "أشهب أفقه من ابن القاسم مئة مرة"، وأنكر ابن لبابة (٢) ذلك، وقال: "ليس [هذا] عندنا كما قال محمد، وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلّمه"، قال أبو عمر: "أشهب شيخه [ومعلمه] (٣)، وابن القاسم شيخه، وهو (٤) أعلم بهما لكثرة مجالسته (٥) لهما وأخذِه عنهما" (٦). فصل [هل الحلف بالطلاق يمين أو لا ؟] المخرج الثامن: أخذه بقول من يقول: إن الحلف بالطلاق لا يلزم (٧)، ولا يقع على الحانث به طلاق ولا يلزمه كفارة [ولا غيرها] (٨)، وهذا مذهب خلق من السلف والخلف، صح ذلك عن [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب (٩). قال بعض فقهاء (١٠) المالكية وأهل الظاهر: ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة، هذا لفظ أبي القاسم التميمي (١١) في "شرح أحكام

стр. 2444

عبد الحق"، وقاله قبله أبو محمد بن حزم (١)، وصح ذلك عن طاوس أجلّ أصحاب ابن عباس ﵁، وأفقههم على الإطلاق، قال عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): أنبأنا ابنُ جُرَيْج قال: أخبرني ابنُ طاوس عن أبيه أنه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئًا قلت: أكان يراه يمينًا (٣)؟ قال: لا أدري، وهذا أصح إسناد عمَّن هو [من] (٤) أجل التابعين وأفقههم، وقد وافقه أكثر من أربع مئة عالم ممن بنى فقهه على نصوص الكتاب والسنة دون القياس، ومن آخرهم أبو محمد بن حزم، قال في كتابه "المحلى" (٥): مسألة، اليمين (٦) بالطلاق لا يلزم، سواء (٧) برَّ أو حنث، لا يقع به طلاق، و"لا طلاق إلا كما أمر اللَّه [تعالى] (٤)، ولا يمين إلا كما شرع [اللَّه تعالى] (٤) على لسان رسوله ﷺ " (٨)، ثم قرر ذلك، وساق اختلاف الناس في ذلك، ثم قال: فهؤلاء علي بن أبي طالب وشُريح وطاوس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف (٩) من الصحابة ﵃. قلت: أما أثر علي ﵁ فرواه (١٠) حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن أن رجلًا تزوج امرأة، وأراد سفرًا فأخذه أهل امرأته، فجعلها طالقًا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل ولم يبعث إليها بشيء، فلما قدم خاصموه إلى علي، فقال علي ﵁ (١١): اضطهدتموه حتى جعلها طالقًا فردَّها عليه (١٢)، ولا متعلق لهم بقوله: "اضطهدتموه" لأنه لم يكن هناك إكراه، فإنهم إنما طالبوه بحق نفقتها فقط، ومعلوم أن ذلك ليس بإكراه على الطلاق ولا على اليمين، وليس في القصة أنهم أكرهوه بالقتل أو بالضرب أو بالحبس [أو أخذ المال على اليمين] (١٣) حتى يكون يمين مكره، والسائلون لم يقولوا لعلي شيئًا من ذلك البتَّة، وإنما

стр. 2445

خاصموه في حكم اليمين فقط، فنزَّل علي [﵁] (١) [ذلك] منزلة المضطهد حيث لم يرد طلاق امرأته وإنما أراد التخلص إلى سفره بالحلف، فالحالف والمضطهد كلٌّ منهما لم يرد طلاق امرأته، فالمضطهد محمولٌ على طلاق تكلَّم به ليتخلص من ضرر الإكراه، والحالف حلف به ليتوصل إلى غرضه من الحض أو المنع (٢) أو التصديق أو التكذيب، ولو اختلف حال الحالف بين أن يكون مكرهًا أو مختارًا لسأله علي ﵁ (٣) عن الإكراه وشروطه وحقيقته، وبأي شيء أكره، وهذا ظاهر بحمد اللَّه، فارض للمقلد بما رضي لنفسه. وأما أثرُ شُريح ففي "مصنف عبد الرزاق" (٤) عن هشام بن حسان، عن محمد ابن سيرين، عن شُريح أنه خوصم إليه في رجل طلَّق امرأته إنْ أحدث في الإسلام حدثًا فاكترى بغلًا إلى حمام أعين (٥)، فتعدى به إلى أصبهان فباعه واشترى به خمرًا فقال شريح: إن شئتم شهدتم عليه أنه طلقها فجعلوا يردِّدون عليه القصة ويردِّد عليهم (٦)، فلم يَرَه حدثًا ولا متعلق بقول الراوي (٧) -إما محمد وإما هشام-، فلم يره حدثًا فإنما ذلك ظن منه، قال أبو محمد (٨): وأي حدث أعظم ممن تعدّى من حمام أعين وهو على مسيرة أميال يسيرة من الكوفة إلى أصبهان ثم باع بغل مسلم ظلمًا واشترى (٩) به خمرًا؟ قلت: والظاهر أنّ شُريحًا لما رُدَّت عليه (١٠) المرأة ظَنّ مَنْ شاهد القصة أنه لم ير ذلك حدثًا؛ إذ لو رآه حدثًا لأوقع [عليها] (١١) الطلاق، وشُريح إنما ردَّها

стр. 2446

لأنه علم أنه لم يقصِدْ طلاقَ امرأته، وإنما قصدَ اليمين فقط، فلم يلزمه بالطلاق [فقال الراوي فيهم: فلم ير ذلك حدثًا] (١)، وشريح أفقه في دين اللَّه أن لا يرى مثل هذا حدثًا. ممن روي عنه عدم وقوع الطلاق على الحالف إذا حنث عكرمة مولى ابن عباس، كما ذكره سُنيد بن داود في "تفسيره" في أول سورة النور عنه بإسناده (٢) أنه سئل عن رجل حلف بالطلاق أنه لا يكلم أخاه، فكلَّمه، فلم ير ذلك طلاقًا ثم قرأ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨, ٢٠٨, الأنعام: ١٤٢] (٣). [المنقول عن السلف في ذلك] ومن تأمَّل المنقول عن السلف [في ذلك] (٤)، وجده أربعة أنواع (٥): * صريح في عدم الوقوع (٦). * وصريح في الوقوع (٦). * وظاهر في عدم الوقوع. * وتوقف عن الطرفين. فالمنقول عن طاوس وعكرمة صريحٌ في عدم الوقوع. وعن علي (٧) وشُريح ظاهرٌ في ذلك، وعن ابن عيينة صريح في التوقف، وأما التصريح بالوقوع فلا يُؤثر عن صحابي واحد إلا فيما هو محتمل لإرادة الوقوع عند الشرط، كالمنقول عن أبي ذر، بل الثابت عن الصحابة عدم الوقوع في صورة العتق الذي هو أولى بالنفوذ من الطلاق، ولهذا ذهب إليه أبو ثور وقال: القياس أن الطلاق مثله، إلا أن تُجمع الأمة عليه، فتوقف في الطلاق لتوهم الإجماع، وهذا عذر أكثر الموقعين للطلاق، وهو ظنهم [أن] (٨) الإجماع على الوقوع، مع اعترافهم أنه ليس في الكتاب والسنة والقياس الصحيح ما يقتضي

стр. 2447

الوقوع، وإذا تبيَّن أنه ليس في المسألة إجماع تبين أن لا دليل أصلًا يدل على الوقوع، والأدلة الدالة على عدم الوقوع في غاية القوة والكثرة، وكثير منها لا سبيل إلى دفعه، فكيف يجوز معارضتها بدعوى إجماع قد علم بطلانه قطعًا؟ فليس بأيدي الموقعين آية من كتاب اللَّه تعالى ولا أثر (١) عن رسول اللَّه [ ﷺ ] (٢) ولا عن أصحابه ولا قياس صحيح، والقائلون بعدم الوقوع لو لم يكن معهم إلا الاستصحاب الذي لا يجوز الانتقال عنه إلا لما هو أقوى منه لكان كافيًا فكيف ومعهم الأقيسة التي أكثرها من باب قياس الأولى؟ والباقي من القياس المساوي وهو قياس النظير على نظيره، والآثار والعمومات والمعاني الصحيحة والحكم [والمناسبات التي شهد لها الشرع بالاعتبار ما لم يدفعهم منازعوهم عنهم بحجة أصلًا؟ وقولهم] (٣)، وسط بين قولين متباينين غاية التباين: أحدهما: قول من يعتبر التعليق فيوقع به الطلاق على كل حال، سواء كان تعليقًا قَسَميًا يقصد به الحالف منع الشرط والجزاء أو تعليقًا شرطيًا يقصد به حصول الجزاء عند حصول الشرط. والثاني: قول من يقول: إن هذا التعليق كله لغوٌ لا يصح بوجه ما ولا يقع الطلاق به البتة، كما سنذكره في المخرج الذي بعد هذا إن شاء اللَّه، فهؤلاء توسطوا بين الفريقين، وقالوا: يقع الطلاق (٤) في صورة التعليق [المقصود به وقوع الجزاء، ولا يقع في صورة التعليق القَسَمي] (٥)، وحجتهم قائمة على الفريقين، وليس لأحد منهما حجة صحيحة عليهم، بل كل حجة صحيحة احتج بها الموقعون فإنما تدل على الوقوع في صورة التعليق المقصود وكل حجة احتج بها المانعون صحيحية فإنما تدل على عدم الوقوع في صورة التعليق القسمي فهم قائلون بمجموع حجج الطائفتين وجامعون للحق الذي مع الفريقين ومعارضون كل من الفريقين وحججهم بقول الفريق الآخر وحججهم (٦).

стр. 2448

فصل [المخرج التاسع وفيه حكم الطلاق المعلق بالشرط] المخرج التاسع: أخذه بقول [من يقول] (١): إن الطلاق المعلَّق بالشرط لا يقع، ولا يصح تعليق الطلاق، كما لا يصح تعليق النكاح، وهذا اختيار أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز [الشافعي] (١) أحد أصحاب الشافعي الأجلّة أو أجلهم، وكان الشافعي يجلّه ويكرمه ويكنيه ويعظمه، وأبو ثور (٢)، وكانا يكرمانه (٣)، وكان بصره ضعيفًا فكان الشافعي يقول: لا تدفعوا إلى أبي عبد الرحمن الكتاب يُعارض به فإنه يخطئ، وذكره أبو إسحاق الشيرازي في "طبقات أصحاب الشافعي" (٤)، ومحل الرجل من (٥) العلم والتضلع منه لا يُدفع، وهو في العلم بمنزلة أبي ثور وتلك الطبقة، [وكان رفيق أبي ثور] (١)، وهو أجل من جميع أصحاب الوجوه [من] (١) المنتسبين إلى الشافعي، [فإذا نزل بطبقته إلى طبقة أصحاب الوجوه كان قوله وجهًا وهو أقل درجاته. وهذا مذهب لم ينفرد به، بل قد قال به غيره من أهل العلم] (١) قال أبو محمد بن حزم في "المحلى" (٦): والطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق باليمين، كل ذلك لا يلزم وباللَّه التوفيق، ولا يكون طلاقًا إلا كما أمر اللَّه تعالى، وعلمه، وما عداه فباطل وتعدِّ لحدود اللَّه تعالى. وهذا القول وإن لم يكن قويًا في النظر (٧) فإن الموقعين [للطلاق] (١) لا يمكنهم إبطاله [البتة] (١) لتناقضهم، وكان (٨) أصحابه يقولون لهم: قولنا في تعليق الطلاق بالشرط كقولكم (٩) في تعليق الإبراء والهبة (١٠) والوقف والبيع والنكاح سواء، فلا يمكنكم (١١)

стр. 2449

[البتة] أن تفرِّقوا (١) بين ما صح تعليقه من عقود التبرعات والمعارضات والإسقاطات بالشروط، وما لا يصح تعليقه، فلا تبطلوا قول منازعيكم في صحة تعليق الطلاق [بالشرط] (٢) بشيء إلا كان هو بعينه حجة عليكم في إبطال قولكم في منع صحة تعليق الإبراء والهبة والوقف والنكاح، فما الذي أوجب إلغاء هذا التعليق وصحة ذلك التعليق؟ فإن فرَّقتم بالمعاوضة، وقلتم: "إن عقود المعاوضات لا تقبل التعليق بخلاف غيرها" انتقض عليكم طَرْدًا بالجعَالة وعَكسًا بالهبة والوقف؛ فانتقض عليكم الفرق طردًا وعكسًا وإن فرَّقتم بالتمليك والإسقاط فقلتم: "عقود التمليك لا تقبل التعليق بخلاف عقود الإسقاط" انتقض أيضًا طرده بالوصية، وعكسه بالإبراء؛ فلا طَرْد ولا عكس، وإن فرقتم بالإدخال في ملكه والإخراج عن ملكه وصحَّحتم (٣) التعليق في الثاني دون الأول انتقض [عليكم] (٤) أيضًا فَرْقكم؛ فإن الهبة والإبراء إخراج عن ملكه ولا يصح تعليقها عندكم، وإن فرقتم بما يحتمل الغرر وما لا يحتمله، فلا يحتمل الغرر والأخطار يصح تعليقه بالشرط كالطلاق والعتق والوصية، وما لا يحتمله لا يصح تعليقه كالبيع والنِّكاح والإجارة، انتقض عليكم بالوكالة، فإنها لا تقبل التعليق عندكم وتحتمل الخطر؛ ولهذا يصح أن يوكله في شراء عبد، ولا يذكر قدره ولا وصفه ولا سِنَّه ولا ثمنه، بل يكفي ذكر جنسه فقط، أو أن يوكله في شراء دار، ويكتفي بذكر محلها وسكنها فقط، أو أن يوكله في التزوج بامرأة فقط، ولا يزيد على كونها امرأة، ولا يذكر له جنس مهرها ولا قدره ولا وصفه، وأي خطر فوق هذا؟ ومع ذلك منعتم من تعليقها بالشرط، وطرد هذا الفرق يوجب عليكم صحة تعليق النكاح بالشرط، فإنه يحتمل من الخطر ما لا يحتمل غيره من العقود، فلا [يشترط فيه] (٥) رؤية الزوجة، ولا صفتها ولا تعيين العوض جنسًا ولا قدرًا ولا وصفًا ويصح مع جهالته وجهالة المرأة، ولا يعلم (٦) عقد يحتمل من الخطر ما يحتمله؛ فهو أولى بصحة التعليق من الطلاق والعتاق إن صح هذا الفرق. وقد نص الشافعي على صحة تعليقه فيما لو قال: "إن كانت جاريتي ولدت بنتًا فقد زوجتكها"، وهذا وإن لم يكن تعليقًا على شرط مستقبل فليس (٧) بمنزلة قوله: "متى ولدت جارية (٨) فقد زوجتكها" لأن

стр. 2450

هذا فيه خطر ليس في صورة النص، وهذا فَرْقٌ صحيح، ولكن لم يوفوه حقه، ولم يطرد فقهه، فلو قال: "إن كان أبي مات وورثِتُ منه هذا المتاع فقد بعتكه" أبطلتموه، وقلتم: هو بيع معلَّق على شرط، والبطلان هاهنا (١) في غاية البعد من الفقه، ولا معنى تحته، ولا خطر هناك ولا غرر البتة (٢)، وقد نص الإمام أحمد على صحة تعليق النكاح على الشرط، قال صاحب "المستوعب": وأما (٣) إذا علَّق انعقاد النكاح على شرط مثل أن يقول: "زوجتكَ إذا جاء رأس الشهر، أو إذا رَضِيت أُمَّها" ففيه روايتان: إحداهما (٤): يبطل النكاح من أصله، والأخرى (٥) يصح. وذكر في [هذا] (٦) الفصل أنه إذا تزوجها بشرط الخيار وإن جاءها بالمهر إلى وقت كذا، وإلا فلا نكاح بينهما ففيه روايتان: إحداهما (٤): يبطل النكاح [من أصله] (٧). والثانية: يبطل الشرط ويصح العقد، نص عليه في رواية الأثرم، وقد ذكر القاضي رواية عنه أنه إذا تزوجها بشرط الخيار يصح العقد والشرط [جميعًا] (٧) فصار عنه ثلاث روايات: صحة العقد والشرط وبطلانهما، وصحة العقد وفساد الشرط، لكن هذا فيما إذا اشترط (٨) الخيار أو إن جاءها بالمهر إلى وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما وأما إذا قال: "زوجتك إن رضيت أمها" فنص على صحة العقد إذا رضيت أمها وقال: [هو نكاح] (٧). [عن نكاح المتعة] وقال في رواية عبد اللَّه (٩) وصالح (١٠) وحنبل: نكاح المتعة حرام، وكل نكاح فيه وقت أو شرط فاسد. [المفرقون بين ما يقبل التعليق بالشروط، وما لا يقبله ليس لهم ضابط] والمقصود أن المفرّقين بين ما يقبل التعليق بالشروط، وما لا يقبل إلى

стр. 2451

الآن (١) لم يستقر لهم ضابط في الفرق، فمن قال من أهل الظاهر وغيرهم: إن الطلاق لا يصحُّ تعليقُه بالشرط (٢) لم يتمكن من الرد عليه مَنْ قولُه مضطربٌ فيما يعلق وما لا يعلق، ولا يرد عليه بشيء إلا تمكن من (٣) ردِّه عليهم بمثله أو أقوى منه، وإنْ ردَّوا عليه بمخالفته لآثار الصحابة ردَّ عليهم بمخالفة النصوص المرفوعة في صور عديدة [و] (٤) قد تقدم ذكر بعضها وإن فرَّقوا طالبهم بضابط ذلك أولًا وبتأثير (٥) الفرق شرعًا ثانيًا (٦) فإن الوصف الفارق لا بد أن يكون مؤثرًا كالوصف الجامع؛ فإنه لا يصح تعليق الأحكام جمعًا وفرقًا بالأوصاف التي لا يُعلم (٧) أن الشارع اعتبرها فإنه وضع شرع لم يأذن به اللَّه، وبالجملة فليس بطلان هذا القول أظهر في الشريعة من بطلان التحليل، بل العلم بفساد [نكاح] (٨) التحليل أظهر من العلم بفساد هذا القول، فإذا جاز التقرير على التحليل وترك إنكاره مع ما فيه من النصوص والآثار التي اتفق عليها أصحاب رسول اللَّه ﷺ ورضي عنهم على المنع منه ولعن فاعله وذمّه فالتقرير على هذا القول أجود وأجوز (٩). هذا (١٠) ما لا يستريب فيه عالم منصف، وإن كان الصواب في خلاف القولين جميعًا ولكن أحدهما أقل خطأ وأقرب إلى الصواب، واللَّه أعلم. فصل [المخرج العاشر: زوال سبب اليمين] المخرج العاشر: [مخرج] (٨) زوال السبب، وقد كان الأَوْلى تقديمه على هذا المخرج لقوته وصحته، فإن الحكم يدور مع علته وسببه وجودًا وعدمًا . [الحكم يدور مع علته وسببه وجودًا وعدمًا] ولهذا إذا علَّق الشارع حكمًا بسبب أو علة زال [ذلك] (١١) الحكم بزوالها

стр. 2452

كالخمر علق بها حكم التنجيس وجوب الحد لوصف (١) الإسكار، فإذا زال عنها وصارت خلًا زال الحكم، وكذلك وصف الفسق علق عليه المنع من قبول الشهادة والرواية، فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علق عليه، وكذلك السفه والصغر والجنون والإغماء تزول الأحكام المعلقة عليها بزوالها والشريعة مبنية على هذه القاعدة. [حكم الحالف على أمر لا يفعله فزال السبب] فهكذا الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله؛ لأن يمينه تعلَّقت به لذلك الوصف (٢)، فإذا زال الوصف زال تعلق اليمين فإذا دُعي إلى شراب مسكر ليشربه فحلف أن لا يشربه، فانقلب (٣) خلًا فشربه لم يحنث، فإن منع نفسه منه نظير منع الشارع، فإذا زال منع الشارع بانقلابه، خلا وجب أن يزول منع نفسه بذلك، والتفريق بين الأمرين تحكّم محض لا وجه له؛ فإذا كان التحريم والتنجيس ووجوب الإراقة ووجوب الحد وثبوت الفسق قد زال بزوال سببه فما الموجب لبقاء المنع في صورة اليمين وقد زال سببه؟ وهل يقتضي محض الفقه إلا زوال حكم اليمين؟ يوضحه أن الحالف يعلم من نفسه أنه لم يمنعها من شرب غير المسكر، ولم يخطر بباله، فإلزامه ببقاء حكم اليمين وقد زال سببها إلزامٌ [له] (٤) بما لم يلتزمه هو، ولا ألزمه به الشارع، وكذلك لو حلف على رجل أن لا يقبل له قولًا ولا شهادة لما يعلم من فسقه، ثم تاب وصار من خيار الناس؛ فإنه يزول حكم المنع باليمين كما يزول [حكم] (٥) المنع من ذلك بالشرع، وكذلك إذا حلف أن لا يأكل هذا الطعام أو لا (٦) يلبس هذا الثوب أو لا (٦) يكلِّم هذه المرأة ولا يطأها لكونه لا يحلُّ له ذلك، فمَلَك الطعام والثوب وتزوج المرأة فأكل الطعام (٧) ولبس الثوب ووطئ المرأة لم يحنث؛ لأن المنع بيمينه [كالمنع بمنع الشارع] (٨)، ومنع الشارع يزول بزوال الأسباب التي ترتب عليها المنع؛ فكذلك منع الحالف، وكذلك إذا حَلَف: لا دَخلتُ هذه الدار، وكان سبب يمينه أنها تُعمل فيها

стр. 2453

المعاصي (١)، وتشرب الخمر (٢)؛ فزال ذلك وعادت مجمعًا للصالحين وقراءة القرآن والحديث، أو قال: "لا أدخل هذا المكان"؛ لأجل [ما رأى فيه من] (٣) المنكر، فصار [بيتًا] (٣) من بيوت اللَّه تعالى تُقام فيه الصلوات (٤) لم يحنث بدخوله، وكذلك إذا (٥) حلف لا يأكل لفلان طعامًا [وكان سبب اليمين أنه يأكل الربا] (٦)، و [يأكل] (٣) أموال الناس بالباطل؛ فتاب [وخرج من المظالم] (٣)، وصار طعامه من كسب يده أو تجارة مباحة لم يحنث [بأكل طعامه] (٣)، ويزول حكم [منع اليمين] (٧) كما يزول حكم منع الشارع، [وكذلك لو حلف] (٨) لا بايعتُ فلانًا [وسبب يمينه كونه] (٩) مفلسًا أو سفيهًا؛ فزال [الإفلاس والسفه] (٣)؛ فبايعه لم يحنث، وأضعاف أضعاف هذه المسائل، [كما إذا اتُّهم بصحبة مُريب فحلف لا أصاحبه فزالت الريبة وخلفها ضدها فصاحبه لم يحنث، وكذلك لو حلف المريض لا يأكل لحمًا أو طعامًا وسبب يمينه كونه يزيد في مرضه فصح وصار الطعام نافعًا له لم يحنث بأكله] (٣)، وقد صرح الفقهاء بمسائل من هذا الجنس. [مسائل لها هذا الحكم صرح به الفقهاء] - فمنها (١٠): لو حلف لوالٍ أن لا أفارق البلد إلا بإذنك (١١)، فعُزل ففارق البلد بغير إذنه لم يحنث. [- ومنها: لو حلف على زوجته لا تخرجين من بيتي إلا بإذني، أو على عبده (١٢) لا يخرج إلا بإذنه (١٣)، ثم طلَّق الزوجة وأعتق العبد فخرجا بغير إذنه لم يحنث، (١٤)، ذكره أصحاب الإمام أحمد.

стр. 2454

قال صاحب "المغني" (١): لأن قرينةَ الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها وهو إنما يملك (٢) منع الزوجة والعبد مع ولايته عليهما؛ فكأنه قال: ما دُمْتما في ملكي، ولأن السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته [عليها] (٣) في العموم، وكذلك لو (٤) حلف لقاض أن لا أرى منكرًا إلا رفعته إليك فعزل لم يحنث بعدم الرفع إليه بعد العزل، وكذلك إذا حلف [لامرأته ألا أبيتُ خارج بيتك أو خارج هذه الدار فماتت أو طلقها لم يحنث إذا بات خارجها وكذلك إذا حلف] (٣) على ابنه ألا يبيت خارج البيت لخوفه عليه من الفُسَّاق، لكونه أمرد، فالتحى وصار شيخًا لم يحنث بمبيته خارج الدار، وهذا كله مذهب مالك وأحمد؛ فإنهما يعتبران النية في الأيمان ومناط (٥) اليمين وسببها وما هيَّجها؛ فيحملان اليمين على ذلك. [و] (٦) قال أبو عمر بن عبد البر في [كتاب الأيمان من] (٦) كتابه: "الكافي في مذهب مالك" (٧): والأصل في هذا الباب مراعاة ما نواه (٨) الحالف؛ فإن لم يكن له نية نظر إلى بساط قصته (٩)، وما أثاره على الحلف، ثم حكم عليه بالأغلب من ذلك في [نفوس أهل] (٦) وقته. وقال صاحب "الجواهر" (١٠): "المقتضيات للبر والحنث أمور: الأول: النية إذا كانت مما (١١) يصلح أن يراد اللفظ بها سواء كانت مطابقة له أو زائدة فيه أو ناقصة عنه بتقييد مطلقه وتخصيص عامه. الثاني: السبب المثير لليمين [يتعرف منه] (١٢)، ويعبر عنه بالبساط (١٣) أيضًا وذلك أن القاصد لليمين لا بد أن تكون له نية، وإنما يذكرها في بعض الأوقات وينساها في بعضها؛ فيكون المحرِّك على اليمين [وهو] (١٤) البساط (١٥) -دليلًا عليها [لكن قد يظهر مقتضى المحرك ظهورًا لا إشكال فيه، وقد يخفى في بعض

стр. 2455

الحالات، وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالإضافة] (١). وكذلك أصحاب [الإمام] (٢) أحمد صرَّحوا باعتبار النية وحمل اليمين على مقتضاها فإن عدمت رجع إلى سبب اليمين وما هيجها فحمل اللفظ عليه؛ لأنه دليل على النية. حتى صرح أصحاب مالك (٣) فيمن دفن مالًا ونسي مكانه فبحث عنه فلم يجده فحلف على زوجته أنها هي التي أخذته ثم وجده لم يحنث، قالوا: لأن قصده ونيته إنما هو إن كان المال قد ذهب فأنت التي أخذتيه (٤)؛ فتأمل كيف جعلوا القصد والنية في قوة الشرط، وهذا هو محض الفقه. ونظير هذا ما لو دُعي إلى طعام فظنه حرامًا فحلف لا أطعمه ثم ظهر أنه حلال (٥) لا شبهة فيه فإنه لا يحنث بأكله؛ لأن يمينه إنما تعلقت به إن كان حرامًا وذلك قصده. ومثله لو مرَّ به رجل فسلم عليه فحلف لا يرد ﵇ لظنِّه أنه مبتدع أو ظالم أو فاجر، فظهر أنه غير ذلك الذي ظنه لم يحنث بالرد عليه. ومثله لو قدمت له دابة ليركبها فظنها قطوفًا أو جموحًا أو متعسرة الركوب فحلف لا يركبها فظهرت [له] (٦) بخلاف ذلك لم يحنث بركوبها. [و] (٧) قال أبو القاسم الخرقي في "مختصره" (٨): ويرجع في الأيمان إلى النية؛ فإن لم ينو شيئًا رجع إلى سبب اليمين وما هيَّجها. [عند أصحاب أحمد] وقال أصحاب الإمام أحمد: إذا دُعي إلى غداء فحلف [أن] (٧) لا يتغدى أو قيل [له] (٧): اقعد فحلف أن لا يقعد اختصت يمينه بذلك الغداء وبالقعود في ذلك الوقت؛ لأن عاقلًا لا يقصد أن لا يتغدى أبدًا ولا يقعد أبدًا. [ثم] (٩) قال صاحب "المغني" (١٠): إن كان له نيَّة فيمينه على ما نوى،
следующие страницы →