← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

الآن (١) لم يستقر لهم ضابط في الفرق، فمن قال من أهل الظاهر وغيرهم: إن الطلاق لا يصحُّ تعليقُه بالشرط (٢) لم يتمكن من الرد عليه مَنْ قولُه مضطربٌ فيما يعلق وما لا يعلق، ولا يرد عليه بشيء إلا تمكن من (٣) ردِّه عليهم بمثله أو أقوى منه، وإنْ ردَّوا عليه بمخالفته لآثار الصحابة ردَّ عليهم بمخالفة النصوص المرفوعة في صور عديدة [و] (٤) قد تقدم ذكر بعضها وإن فرَّقوا طالبهم بضابط ذلك أولًا وبتأثير (٥) الفرق شرعًا ثانيًا (٦) فإن الوصف الفارق لا بد أن يكون مؤثرًا كالوصف الجامع؛ فإنه لا يصح تعليق الأحكام جمعًا وفرقًا بالأوصاف التي لا يُعلم (٧) أن الشارع اعتبرها فإنه وضع شرع لم يأذن به اللَّه، وبالجملة فليس بطلان هذا القول أظهر في الشريعة من بطلان التحليل، بل العلم بفساد [نكاح] (٨) التحليل أظهر من العلم بفساد هذا القول، فإذا جاز التقرير على التحليل وترك إنكاره مع ما فيه من النصوص والآثار التي اتفق عليها أصحاب رسول اللَّه ﷺ ورضي عنهم على المنع منه ولعن فاعله وذمّه فالتقرير على هذا القول أجود وأجوز (٩). هذا (١٠) ما لا يستريب فيه عالم منصف، وإن كان الصواب في خلاف القولين جميعًا ولكن أحدهما أقل خطأ وأقرب إلى الصواب، واللَّه أعلم. فصل [المخرج العاشر: زوال سبب اليمين] المخرج العاشر: [مخرج] (٨) زوال السبب، وقد كان الأَوْلى تقديمه على هذا المخرج لقوته وصحته، فإن الحكم يدور مع علته وسببه وجودًا وعدمًا . [الحكم يدور مع علته وسببه وجودًا وعدمًا] ولهذا إذا علَّق الشارع حكمًا بسبب أو علة زال [ذلك] (١١) الحكم بزوالها

стр. 2452

كالخمر علق بها حكم التنجيس وجوب الحد لوصف (١) الإسكار، فإذا زال عنها وصارت خلًا زال الحكم، وكذلك وصف الفسق علق عليه المنع من قبول الشهادة والرواية، فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علق عليه، وكذلك السفه والصغر والجنون والإغماء تزول الأحكام المعلقة عليها بزوالها والشريعة مبنية على هذه القاعدة. [حكم الحالف على أمر لا يفعله فزال السبب] فهكذا الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله؛ لأن يمينه تعلَّقت به لذلك الوصف (٢)، فإذا زال الوصف زال تعلق اليمين فإذا دُعي إلى شراب مسكر ليشربه فحلف أن لا يشربه، فانقلب (٣) خلًا فشربه لم يحنث، فإن منع نفسه منه نظير منع الشارع، فإذا زال منع الشارع بانقلابه، خلا وجب أن يزول منع نفسه بذلك، والتفريق بين الأمرين تحكّم محض لا وجه له؛ فإذا كان التحريم والتنجيس ووجوب الإراقة ووجوب الحد وثبوت الفسق قد زال بزوال سببه فما الموجب لبقاء المنع في صورة اليمين وقد زال سببه؟ وهل يقتضي محض الفقه إلا زوال حكم اليمين؟ يوضحه أن الحالف يعلم من نفسه أنه لم يمنعها من شرب غير المسكر، ولم يخطر بباله، فإلزامه ببقاء حكم اليمين وقد زال سببها إلزامٌ [له] (٤) بما لم يلتزمه هو، ولا ألزمه به الشارع، وكذلك لو حلف على رجل أن لا يقبل له قولًا ولا شهادة لما يعلم من فسقه، ثم تاب وصار من خيار الناس؛ فإنه يزول حكم المنع باليمين كما يزول [حكم] (٥) المنع من ذلك بالشرع، وكذلك إذا حلف أن لا يأكل هذا الطعام أو لا (٦) يلبس هذا الثوب أو لا (٦) يكلِّم هذه المرأة ولا يطأها لكونه لا يحلُّ له ذلك، فمَلَك الطعام والثوب وتزوج المرأة فأكل الطعام (٧) ولبس الثوب ووطئ المرأة لم يحنث؛ لأن المنع بيمينه [كالمنع بمنع الشارع] (٨)، ومنع الشارع يزول بزوال الأسباب التي ترتب عليها المنع؛ فكذلك منع الحالف، وكذلك إذا حَلَف: لا دَخلتُ هذه الدار، وكان سبب يمينه أنها تُعمل فيها

стр. 2453

المعاصي (١)، وتشرب الخمر (٢)؛ فزال ذلك وعادت مجمعًا للصالحين وقراءة القرآن والحديث، أو قال: "لا أدخل هذا المكان"؛ لأجل [ما رأى فيه من] (٣) المنكر، فصار [بيتًا] (٣) من بيوت اللَّه تعالى تُقام فيه الصلوات (٤) لم يحنث بدخوله، وكذلك إذا (٥) حلف لا يأكل لفلان طعامًا [وكان سبب اليمين أنه يأكل الربا] (٦)، و [يأكل] (٣) أموال الناس بالباطل؛ فتاب [وخرج من المظالم] (٣)، وصار طعامه من كسب يده أو تجارة مباحة لم يحنث [بأكل طعامه] (٣)، ويزول حكم [منع اليمين] (٧) كما يزول حكم منع الشارع، [وكذلك لو حلف] (٨) لا بايعتُ فلانًا [وسبب يمينه كونه] (٩) مفلسًا أو سفيهًا؛ فزال [الإفلاس والسفه] (٣)؛ فبايعه لم يحنث، وأضعاف أضعاف هذه المسائل، [كما إذا اتُّهم بصحبة مُريب فحلف لا أصاحبه فزالت الريبة وخلفها ضدها فصاحبه لم يحنث، وكذلك لو حلف المريض لا يأكل لحمًا أو طعامًا وسبب يمينه كونه يزيد في مرضه فصح وصار الطعام نافعًا له لم يحنث بأكله] (٣)، وقد صرح الفقهاء بمسائل من هذا الجنس. [مسائل لها هذا الحكم صرح به الفقهاء] - فمنها (١٠): لو حلف لوالٍ أن لا أفارق البلد إلا بإذنك (١١)، فعُزل ففارق البلد بغير إذنه لم يحنث. [- ومنها: لو حلف على زوجته لا تخرجين من بيتي إلا بإذني، أو على عبده (١٢) لا يخرج إلا بإذنه (١٣)، ثم طلَّق الزوجة وأعتق العبد فخرجا بغير إذنه لم يحنث، (١٤)، ذكره أصحاب الإمام أحمد.

стр. 2454

قال صاحب "المغني" (١): لأن قرينةَ الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها وهو إنما يملك (٢) منع الزوجة والعبد مع ولايته عليهما؛ فكأنه قال: ما دُمْتما في ملكي، ولأن السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته [عليها] (٣) في العموم، وكذلك لو (٤) حلف لقاض أن لا أرى منكرًا إلا رفعته إليك فعزل لم يحنث بعدم الرفع إليه بعد العزل، وكذلك إذا حلف [لامرأته ألا أبيتُ خارج بيتك أو خارج هذه الدار فماتت أو طلقها لم يحنث إذا بات خارجها وكذلك إذا حلف] (٣) على ابنه ألا يبيت خارج البيت لخوفه عليه من الفُسَّاق، لكونه أمرد، فالتحى وصار شيخًا لم يحنث بمبيته خارج الدار، وهذا كله مذهب مالك وأحمد؛ فإنهما يعتبران النية في الأيمان ومناط (٥) اليمين وسببها وما هيَّجها؛ فيحملان اليمين على ذلك. [و] (٦) قال أبو عمر بن عبد البر في [كتاب الأيمان من] (٦) كتابه: "الكافي في مذهب مالك" (٧): والأصل في هذا الباب مراعاة ما نواه (٨) الحالف؛ فإن لم يكن له نية نظر إلى بساط قصته (٩)، وما أثاره على الحلف، ثم حكم عليه بالأغلب من ذلك في [نفوس أهل] (٦) وقته. وقال صاحب "الجواهر" (١٠): "المقتضيات للبر والحنث أمور: الأول: النية إذا كانت مما (١١) يصلح أن يراد اللفظ بها سواء كانت مطابقة له أو زائدة فيه أو ناقصة عنه بتقييد مطلقه وتخصيص عامه. الثاني: السبب المثير لليمين [يتعرف منه] (١٢)، ويعبر عنه بالبساط (١٣) أيضًا وذلك أن القاصد لليمين لا بد أن تكون له نية، وإنما يذكرها في بعض الأوقات وينساها في بعضها؛ فيكون المحرِّك على اليمين [وهو] (١٤) البساط (١٥) -دليلًا عليها [لكن قد يظهر مقتضى المحرك ظهورًا لا إشكال فيه، وقد يخفى في بعض

стр. 2455

الحالات، وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالإضافة] (١). وكذلك أصحاب [الإمام] (٢) أحمد صرَّحوا باعتبار النية وحمل اليمين على مقتضاها فإن عدمت رجع إلى سبب اليمين وما هيجها فحمل اللفظ عليه؛ لأنه دليل على النية. حتى صرح أصحاب مالك (٣) فيمن دفن مالًا ونسي مكانه فبحث عنه فلم يجده فحلف على زوجته أنها هي التي أخذته ثم وجده لم يحنث، قالوا: لأن قصده ونيته إنما هو إن كان المال قد ذهب فأنت التي أخذتيه (٤)؛ فتأمل كيف جعلوا القصد والنية في قوة الشرط، وهذا هو محض الفقه. ونظير هذا ما لو دُعي إلى طعام فظنه حرامًا فحلف لا أطعمه ثم ظهر أنه حلال (٥) لا شبهة فيه فإنه لا يحنث بأكله؛ لأن يمينه إنما تعلقت به إن كان حرامًا وذلك قصده. ومثله لو مرَّ به رجل فسلم عليه فحلف لا يرد ﵇ لظنِّه أنه مبتدع أو ظالم أو فاجر، فظهر أنه غير ذلك الذي ظنه لم يحنث بالرد عليه. ومثله لو قدمت له دابة ليركبها فظنها قطوفًا أو جموحًا أو متعسرة الركوب فحلف لا يركبها فظهرت [له] (٦) بخلاف ذلك لم يحنث بركوبها. [و] (٧) قال أبو القاسم الخرقي في "مختصره" (٨): ويرجع في الأيمان إلى النية؛ فإن لم ينو شيئًا رجع إلى سبب اليمين وما هيَّجها. [عند أصحاب أحمد] وقال أصحاب الإمام أحمد: إذا دُعي إلى غداء فحلف [أن] (٧) لا يتغدى أو قيل [له] (٧): اقعد فحلف أن لا يقعد اختصت يمينه بذلك الغداء وبالقعود في ذلك الوقت؛ لأن عاقلًا لا يقصد أن لا يتغدى أبدًا ولا يقعد أبدًا. [ثم] (٩) قال صاحب "المغني" (١٠): إن كان له نيَّة فيمينه على ما نوى،

стр. 2456

فإن (١) لم تكن له نية؛ فكلام أحمد يقتضي روايتين: إحديهما (٢): أن اليمين محمولة على العموم؛ لأن أحمد سئل عن رجل حلف أن لا يدخل بلدًا لظلم رآه فيه فزال الظلم، قال أحمد: النَّذر يوفي به يعني: لا يدخله، ووجه ذلك أن اللفظ لفظ الشارع إذا كان عامًا لسبب خاص وجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب، كذلك يمين الحالف. ونازعه [في ذلك] (٣) شيخنا (٤)، فقال: إنما منعه أحمد من دخول البلد بعد زوال الظلم؛ لأنه نذر للَّه أن لا يدخلها، وأكد نذره باليمين، والنذر قربة، فقد نذر التقرب إلى اللَّه بهجران ذلك البلد؛ فلزمه (٥) الوفاء بما نذره. هذا هو الذي فهمه الإمام أحمد، وأجاب به السائل حيث قال: النذر يوفي به؛ ولهذا منع النبي ﷺ المهاجرين من الإقامة بمكة بعد قضاء نسكهم (٦) فوق ثلاثة أيام (٧)؛ لأنهم تركوا ديارهم للَّه تعالى، فلم يكن لهم العود فيها وإن زال السبب الذي تركوها لأجله، وذلك نظير مسألة ترك البلد للظلم (٨)، والفواحش التي فيه إذا نذره الناذر؛ فهذا سر جوابه، وإلا فمذهبه الذي عليه نصوصه وأصوله اعتبار النية والسبب في اليمين وحمل كلام الحالف (٩) على ذلك، وهذا في نصوصه أكثر من أن يذكر (١٠) فلينظر فيها. [عند الحنفية] وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة فقال في كتاب: "الذخائر" في (كتاب الأيمان): الفصل السادس في تقييد الأيمان المطلقة بالدلالة: إذا أرادت المرأة الخروج من الدار فقال الزوج: "إنْ خَرَجْتِ [من الدار] (١١) فأنت طالق" فجلست ساعة ثم خرجت لا تطلق، وكذلك لو أراد رجل أن يضربه فحلف آخر أن لا يضربه، فهذا على تلك الضربة، حتى (١٢) لو مكث ساعة ثم ضربه لا يحنث، ويُسمَّى هذا يمين الفور، وهذا لأن الخرجة التي قصد والضربة التي قصد هي

стр. 2457

المقصودة بالمنع منها عرفًا وعادة، فيتعيَّن ذلك بالعرف والعادة، فإذا (١) دخل الرجل على رجل [يتغدى] (٢) فقال: [تعال] (٣) تغد معي، فقال: واللَّه لا أتغدى، فذهب إلى بيته وتغدى مع [جميع] (٣) أهله لا يحنث، وكذلك إذا قال الرجل لغيره: كل مع فلان، فقال: واللَّه لا آكل، ثم ذكر تقرير ذلك بأنه جواب لقول الآمر له، والجواب كالمعاد في السؤال؛ فإنه يتضمن ما فيه، قال: وليس كابتداء اليمين؛ لأن كلامه لم يخرج جوابًا لتقييد (٤)، بل خرج ابتداءً، [هو مطلق عن القيد فينصرف] (٥) إلى كل غداء، قال: وإذا قال لغيره: كلِّم لي زيدًا اليوم في كذا، فقال: واللَّه لا أكلِّمه، فهذا يختص باليوم؛ لأنه خرج جوابًا عن الكلام السابق، وعلى هذا إذا قال [له] (٦): إيتني اليوم، فقال: امرأته طالق إنْ أتاك. وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بأن النية تعمل في اللفظ لتعيين (٧) ما احتمله اللفظ، فإذا تعين باللفظ ولم يكن اللفظ محتملًا لما نوى لم تؤثر النية [فيه] (٨)؛ فإنه حينئذ يكون الاعتبار بمجرد النية، ومجرد النية لا أثر لها في إثبات الحكم؛ فإذا احتملها اللفظ فعيَّنت بعض محتملاته أثَّرت حينئذ، قالوا: ولهذا لو قال: "إن لبستُ ثوبًا أو أكلتُ طعامًا أو شربتُ شرابًا أو كلمتُ امرأة فامرأتي طالق" (٩)، ونوى ثوبًا أو طعامًا أو شرابًا أو امرأةً معينًا دُيِّنَ فيما بينه وبين اللَّه، وقبلت نيته بغير خلاف، ولو حذف المفعول واقتصر على الفعل؛ فكذلك عند أبي يوسف في رواية عنه والخصاف، وهو قول مالك والشافعي وأحمد (١٠). [السبب يقوم مقام النية في اليمين] والمقصود أن النية تؤثر [في اليمين] (٨) تخصيصًا وتعميمًا وإطلاقًا وتقييدًا والسبب يقوم مقامها عند عدمها ويدل عليها فيؤثر ما يؤثره (١١)، وهذا هو الذي

стр. 2458

يتعين الإفتاء به، ولا يحمل الناس على ما يقطع أنهم لم يريدوه بأيمانهم، فكيف إذا علم قطعًا أنهم أرادوا خلافه؟ واللَّه أعلم. [التعليل كالشرط] والتعليل يجري مجرى الشرط، فإذا قال: "أنت طالق لأجل خروجك من الدار" فبان أنَّها لم تخرج لم تطلق قطعًا صرح به صاحب "الإرشاد" فقال: وإن قال: "أنت طالق أن دخلت الدار" بنصب الألف والحالف من أهل اللسان، ولم يتقدم لها دخول قبل اليمين بحال، لم تطلق، ولم يذكر فيه خلافًا وقد قال (١) الأصحاب وغيرهم: إنه إذا قال: "أنت طالق"، وقال أردت الشرط دين؛ فكذلك إذا قال: "لأجل كلامك زيدًا أو خروجك (٢) من داري بغير إذني" فإنه يُديَّن، ثم إن تبين أنها لم تفعل لم يقع الطلاق، ومن أفتى بغير هذا فقد وهم على المذهب، واللَّه أعلم. فصل [الخلع] المخرج الحادي عشر: خلع اليمين عند من يجوِّزه كأصحاب الشافعي وغيرهم، وهذا وإن كان غير جائز على قول أهل المدينة وقول الإمام أحمد وأصحابه كلهم فإذا دعت الحاجة إليه أو إلى التحليل كان أولى من التحليل من وجوه [عديدة] (٣): أحدها: أن اللَّه تعالى (٤) شرع الخُلع رفعًا لمفسدة المشاقة [الواقعة] (٣) بين الزوجين، وتخلّص كل منهما من صاحبه؛ فإذا شرع الخلع رفعًا لهذه المفسدة التي هي بالنسبة إلى مفسدة التحليل كتفلة في بحر فتسويغه لدفع (٥) مفسدة التحليل أولى. يوضحه: الوجه الثاني: أن الحيل المحرَّمة إنما منع منها لما تضمنه من الفساد الذي (٦) اشتملت عليه تلك المحرَّمات التي يتحيل عليها بهذه الحيل، وأما حيلة تدفع (٧)

стр. 2459

مفسدة هي من أعظم المفاسد فإن الشارع لا يحرمها. [يوضحه] (١): الوجه الثالث: أن هذه الحيلة تتضمن مصلحة بقاء (٢) النِّكاح المطلوب للشارع بقاؤه، ودفع مفسدة التحليل التي بالغ الشارع كل المبالغة في دفعه [والمنع منه] (٣)، ولعن أصحابه، فحيلة تحصِّل المصلحة المطلوب إيجادها وتدفع المفسدة المطلوب إعدامها لا يكون ممنوعًا منها. الوجه الرابع: أن ما حرَّمه الشارع فإنما حرمه لما يتضمنه من المفسدة الخالصة أو الراجحة، فإذا كانت مصلحة خالصة أو راجحة لم يحرمه البتة، وهذا الخلع مصلحته أرجح من مفسدته. الوجه الخامس: أن غاية ما في هذا الخلع (٤) اتفاق الزوجين ورضاهما بفسخ النكاح بغير شقاق واقع بينهما وإذا وقع الخلع من غير شقاق صح، وكان غايته الكراهية؛ لما فيه من مفسدة المفارقة، وهذا الخلع أريد به لم شعث النكاح بحصول عقد بعده يتمكن (٥) الزوجان فيه من المعاشرة بالمعروف، وبدونه لا يتمكنان من ذلك، [بل إما ليتمكن الزوجان فيه من المعاشرة بالمعروف وبدونه لا يتمكنان من ذلك] (٦) بل إما خراب البيت وفراق الأهل، وإما التعرض للعنة من لا يقوم للعنته شيء، وإما التزام ما حلف عليه وإن كان فيه فساد دنياه وأُخراه كما إذا حلف ليقتلنَّ ولده اليوم، أو ليشربنَّ [هذا] (٧) الخمر، أو ليطأنَّ هذا الفرج الحرام، أو حلف أنه لا يأكل ولا يشرب ولا يستظل بسقف ولا يعطي فلانًا حقه، ونحو ذلك، فإذا دار الأمر بين مفسدة التزام المحلوف عليه أو مفسدة الطلاق وخراب البيت وشتات الشمل أو مفسدة التزام لعنة اللَّه بارتكاب التحليل وبين ارتكاب الخلع المخلِّص من ذلك [جميعه] (٧) لم يخف على العاقل أي ذلك أولى. الوجه السادس: أنهما لو اتفقا على أن يطلقها من غير شقاق بينهما بل ليأخذ غيرها لم يمنع من ذلك فإذا اتفقا على الخلع ليكون سببًا إلى دوام اتصالهما (٨) كان أولى وأحرى.

стр. 2460

[و] (١) يوضحه: [الوجه] (١) السابع: أن الخلع إن قيل: "إنه طلاق" فقد اتفقا على الطلاق بعوض لمصلحة لهما في ذلك، فما الذي يحرمه؟ وإن قيل: "إنه فسخ" فلا ريب أن النكاح من العقود اللازمة، والعقد اللازم إذا اتفق المتعاقدان على فسخه ورفعه لم يمنعا من ذلك، إلا أن يكون العقد حقًا للَّه، والنكاح محض حقهما فلا يمنعان من الاتقاق على فسخه. الوجه الثامن: أن الآية اقتضت جواز الخلع إذا خاف الزوجان ألا يقيما حدود اللَّه، فكان الخلع طريقًا إلى تمكُّنهما من إقامة حدود اللَّه، وهي حقوقه الواجبة عليهما في النكاح، فإذا كان الخلع مع استقامة الحال طريقًا إلى [تمكنهما من] (٢) إقامة حدوده التي تعطل [ولا بد بدون] (٣) الخلع [تعين الخلع حينئذ] (٤) طريقًا إلى إقامتها. فإن قيل: لا يتعين الخلع طريقًا بل هاهنا طريقان [آخران] (٤): أحدهما: مفارقتهما. والثاني: عدم إلزام الطلاق بالحنث إذا أخرجه مخرج اليمين إما بكفارة أو بدونها (٥)؛ كما هي ثلاثة أقوال للسلف معروفة صرَّح بها أبو محمد بن حزم (٦) وغيره. قيل: نعم هذان طريقان، [و] (٤) لكن إذا أحكم سدَّهما غاية الإحكام، ولم (٧) يمكنه سلوك أحدهما وأيهما سلك ترتب عليه غاية الضرر (٨) في دينه ودنياه لم يحرم عليه -والحالة هذه- سلوك طريق الخلع، وتعيَّن في حقه [طريقان] (٤): * إما طريق الخلع. * وإما سلوك طريق أرباب اللعنة. وهذه المواضع وأمثالها لا تحتملها إلا العقول الواسعة التي لها إشراف على أسرار الشريعة [ومقاصدها] (٩) وحكمها وأما عَقْل لا يتسع لغير [تقليد] (٢) من اتفق

стр. 2461

له تقليده وترك جميع أقوال أهل العلم لقوله فليس الكلام معه. الوجه التاسع: أن غاية ما مع المانعين (١) من صحة هذا الخلع أنه حيلة، والحيل باطلة؛ ومنازعوهم ينازعوهم في [كلتا] (٢) المقدمتين، فيقولون: الاعتبار في العقود بصورها دون نيّاتها ومقاصدها فليس لنا أن نسأل الزوج إذا أراد خلع امرأته: ما أردت بالخلع؟ وما السبب الذي حملك عليه؟ هل هو المشاقة أو التخلص من اليمين؟ بل نجري حكم التخالع على ظاهره، ونكل سرائر الزوجين إلى اللَّه، قالوا: ولو ظهر لنا قصد الحيلة فالشأن في المقدمة الثانية، فليس كل حيلة باطلة محرمة، وهل هذا الفصل الطويل الذي نحن فيه إلا في أقسام الحيل؟ [الحيلة المحرمة] والحيلة المحرمة الباطلة (٣) هي التي تتضمن تحليل ما حرَّمه اللَّه أو تحريم ما أحله اللَّه أو إسقاط ما أوجبه؟ وأما حيلة تتضمن الخلاص من الآصار والأغلال والتخلص من لعنة الكبير المتعال فأهلًا بها من حيلة وبأمثالها ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، والمقصود تنفيذ أمر اللَّه ورسوله بحسب الإمكان واللَّه المستعان. الوجه العاشر: أنه ليس القول ببطلان خلع اليمين أولى [من القول] (٤) بلزوم الطلاق للحالف به غير القاصد له، فهلمَّ نحاكمكم (٥) إلى كتاب اللَّه (٦) تعالى وسنة رسوله وأقوال الصحابة ﵃، وقواعد الشريعة [المطهرة] (٤)، وإذا وقع التحاكم تبيَّن أن القول بعدم لزوم الطلاق للحالف به أقوى أدلةً وأصح أصولًا وأطرد قياسًا وأوفق لقواعد الشرع، وأنتم معترفون بهذا شئتم أم أبيتم (٧)، فإذا ساغ لكم العدول عنه إلى القول المتناقض المخالف للقياس ولما أفتى به الصحابة ولما تقتضيه قواعد الشريعة وأصولها فلأن يسوغ (٨) لنا العدول عن قولكم ببطلان خلع اليمين إلى ضده تحصيلًا لمصلحة الزوجين ولمًّا لشعث النكاح وتعطيلًا لمفسدة التحليل وتخليصًا (٩) لامرأين مسلمين من لعنة اللَّه ورسوله أولى وأحرى واللَّه أعلم.

стр. 2462

فصل [المخرج الثاني عشر وفيه بحث أن يمين الطلاق من الأيمان المكفَّرة] المخرج الثاني عشر: أخذه بقول من يقول: "الحلف بالطلاق من الأيمان الشرعية التي تدخلها الكفارة"، وهذا أحد الأقوال في المسألة، حكاه أبو محمد بن حزم في كتاب "مراتب الإجماع" (١) له، فقال: واختلفوا فيمن حلف بشيء غير أسماء اللَّه أو بنحر ولده أو هديه أو أجنبي (٢) أو بالمصحف أو بالقرآن أو بنذر أخرجه مخرج اليمين أو بأنه (٣) مخالف لدين المسلمين (٤) أو بطلاق أو بظهار أو تحريم شيء من ماله، ثم ذكر صورًا أخرى، ثم قال: فاختلفوا في جميع هذه الأمور: أفيها كفارة أم لا؟ ثم قال: واختلفوا في اليمين بالطلاق، أهو طلاق فيلزم، أم [هو] (٥) يمين فلا يلزم؟ [فقد] (٦) حكى في كونه طلاقًا [فيلزم] (٧) أو يمينًا [لا يلزم قولين] (٨) وحكى قبل ذلك هل فيه كفارة أم لا على قولين، واختار هو ألا يلزم، ولا كفارة فيه، وهذا اختيار شيخنا أبي محمد ابن تيمية أخي شَيخ الإسلام [ابن تيمية] (٩). [رأي ابن تيمية] قال شيخ الإسلام (١٠): والقول بأنه يمين مكفَّرة هو مقتضى المنقول عن الصحابة في الحلف بالعتق، بل بطريق الأَوْلى؛ فإنهم إذا أفتوا من قال: "إنْ لم أفعل كذا فكل مملوك لي حر" بأنه يمين تُكفَّر فالحالف بالطلاق أولى، قال: وقد علَّق القول به أبو ثور، فقال: إن لم تجمع الأمة على لزومه فهو يمين تكفر، وقد تبين أن الأمة لم تجمع على لزومه، وحكاه شيخ الإسلام عن جماعة من العلماء

стр. 2463

الذين سمت هممُهم وشرفت نفوسُهم فارتفعت عن حضيض التقليد المحض إلى أوج (١) النظر والاستدلال، ولم يكن مع خصومه ما يردون [به] (٢) عليه أقوى من الشكاية إلى السلطان، فلم يكن له برد هذه الحجة قبل، وأما [ما] (٣) سواها فبيَّن فساد جميع حججهم، ونقضها أبلغ نقض، وصنف في المسألة ما بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة، وبلغت الوجوه التي استدل بها عليها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس وقواعد إمامه خاصة وغيره (٤) من [الأئمة] (٢) زهاء أربعين دليلًا وصار إلى ربه وهو مقيم عليها [داع إليها] (٢) مباهل لمنازعيه، باذل نفسه [وعرضه] (٢)، وأوقاته لمستفتيه؛ فكان يفتي في الساعة الواحدة فيها (٥) بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فتيا؛ فعطلت لفتاواه (٦) مصانع التحليل، وهدمت صوامعه وبيعه، وكسدت سوقه، وتقشَّعت (٧) سحائب اللعنة عن المحلِّلين، والمحلَّل لهم من المطلقين، وقامت سوق الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السلفية، وانتشرت مذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الإسلام للطالبين، وخرج من حبس تقليد المذهب المعيّن به من كرمت عليه نفسه من المستبصرين (٨)، فقامت قيامة أعدائه وحُسّاده ومن لا يتجاوز ذكر أكثرهم باب داره أو محلته، وهجنوا ما ذهب إليه بحسب المستجيبين لهم غاية التهجين، فمن استخفّوه من الطغام وأشباه الأنعام قالوا: هذا قد رفع الطلاق بين المسلمين، وكثَّر أولاد الزنا في العالمين، ومن صادفوا عنده (٩) مسكة عقل ولب قالوا: هذا قد أبطل الطلاق المعلّق بالشرط وقالوا لمن تعلقوا به من الملوك والولاة: هذا قد حل (١٠) بيعة السلطان من أعناق الحالفين، ونسوا أنهم هم الذين حلوها بخلع اليمين، وأما هو فصرح في كتبه أن أيمان الحالفين لا تغير شرائع الدين، فلا يحل لمسلم حل بيعة السلطان بفتوى أحد من المفتين، ومن أفتى بذلك كان من الكاذبين المفترين على شريعة أحكم الحاكمين.

стр. 2464

[محنة ابن تيمية كمحنة السلف] ولعمر اللَّه لقد مني (١) من هذا بما مُني (١) به من سلف من الأئمة المرضيين، فما أشبه الليلة بالبارحة للناظرين، فهذا مالك بن أنس توصل أعداؤه إلى ضربه بأن قالوا للسلطان: إنه يحل عليك أيمان البيعة بفتواه أن يمين المكره لا تنعقد، وهم يحلفون مكرهين غير طائعين، فمنعه السلطان، فلم يمتنع (٢) لما أخذه اللَّه في الميثاق على من آتاه اللَّه علمًا أن يبينه للمسترشدين، ثم [تلاه على أثره] (٣) محمد بن إدريس الشافعي فوشى به أعداؤه إلى الرشيد أنه يحل أيمان البيعة بفتواه أن اليمين بالطلاق قبل النكاح لا تنعقد، ولا تطلق إن تزوجها الحالف، وكانوا يُحلِّفونهم في جملة الأيمان: "وإن كل امرأة أتزوجها فهي طالق"، وتلاهما على آثارهما شيخ الإسلام فقال حسَّاده: هذا ينقض عليكم أيمان البيعة، فما فَتَّ ذلك في عضد أئمة الإسلام، ولا ثَنَى عزماتهم (٤) في اللَّه وهممهم، ولا صدهم ذلك عما أوجب اللَّه تعالى عليهم [من] (٥) اعتقاده والعمل به من الحق الذي أداهم إليه اجتهادهم، بل مضوا لسبيلهم، وصارت أقوالهم أعلامًا يهتدي بها المهتدون، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فصل [الصحابة والتابعون ومن بعدهم أفتوا بذلك] ومن له اطلاع وخبرة وعناية بأقوال العلماء يعلم أنه [لم يزل] (٦) في الإسلام من عصر الصحابة من يفتي في هذه المسألة بعدم اللزوم وإلى (٧) الآن. فأما الصحابة ﵃ فقد ذكرنا فتاواهم في الحلف (٨) بالعتق بعدم اللزوم، وأن الطلاق أولى منه، وذكرنا فتوى علي بن أبي طالب (٩) ﵁ بعدم لزوم اليمين بالطلاق، وأنه لا مخالف له من الصحابة.

стр. 2465

وأما التابعون فذكرنا فتوى طاوس بأصح إسناد عنه (١)، وهو من أجل التابعين، وأفتى عكرمة وهو من أغزر أصحاب ابن عباس علمًا على ما أفتى به طاوس [سواء] (٢)، قال سُنيد بن داود في "تفسيره" المشهور [في] (٢) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]﴾) (٣) [النور: ٢١] قال: النذور في المعاصي، حدثنا عباد بن عباد المهلبي (٤)، عن عاصم الأحول، عن عكرمة في رجل قال لغلامه: "إن لم أجلدك مئة سوط فامرأتي طالق" (٥) قال: لا يجلد غلامه ولا تطلق امرأته، هذا من خطوات الشيطان. [رأي الأئمة بعد التابعين] وأما من بعد التابعين فقد حكى المعتنون بمذاهب العلماء كأبي محمد بن حزم وغيره ثلاثة أقوال في ذلك [للعلماء] (٦)، وأهل الظاهر لم يزالوا متوافرين على عدم لزوم الطلاق للحالف به (٦)، ولم يزل منهم الأئمة والفقهاء والمصنِّفون والمقلِّدون لهم، وعندنا بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها عن جماعة من أهل العلم الذين هم أهله في عصرنا وقبله أنهم كانوا يفتون بها أحيانًا فأخبرني صاحبنا الصادق محمد بن شهوان (٧) قال: أخبرني شيخنا الذي قرأت عليه القرآن -وكان من أصدق الناس- الشيخ محمد بن المحلى (٨) قال: أخبرني شيخنا الإمام خطيب جامع دمشق عز الدين الفاروقي (٩) قال: كان والدي يرى هذه المسألة، ويفتي بها ببغداد.

стр. 2466

[رأي أهل المغرب] وأما أهل المغرب فتواتر (١) عمن يعتني بالحديث ومذاهب السلف منهم أنه كان يفتي بها وأوذي بعضهم على ذلك وضرب، وقد ذكرنا فتوى (٢) القفال في قوله: "الطلاق يلزمني" أنه لا يقع به طلاق وإن نواه، وذكرنا فتاوى أصحاب أبي حنيفة في ذلك، وحكايتهم إياه عن الإمام نصًا، وذكرنا فتوى أشهب من المالكية فيمن قال لامرأته: "إنْ خرجتِ من داري أو كلَّمتِ فلانًا -ونحو ذلك- فأنت طالق" ففعلتْ لم تَطْلُق، ولا يختلف عالمان متحليان بالإنصاف أن اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب بل وشيخهما أبي يعلى، فإذا (٣) كانت اختيارات هؤلاء وأمثالهم وجوهًا يفتي بها في الإسلام ويحكم بها الحكام فلاختيارات شيخ الإسلام أسوة بها إن لم ترجح عليها (٤)، واللَّه المستعان وعليه التكلان. فصل (٥) [القول في جواز الفتوى بالآثار السلفية] في جواز الفتوى بالآثار السلفية (٦)، والفتاوى الصحابية، وأنها أولى بالأخذ [بها] (٧) من أراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قُرْبها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى آله، وأن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من [فتاوى] (٧) تابعي

стр. 2467

التابعين، وهلم جرّا وكلما كان العهد بالرسول (١) أقرب كان الصواب أغلب، وهذا حكم بحسب الجنس (٢) لا بحسب كل فرد فرد من المسائل، كما أن عصر التابعين -وإن كان أفضل من عصر تابعيهم- فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل شخص شخص، ولكن المُفضَّلون في العصر المتقدم أكثر من المفضلين في العصر المتأخر، وهكذا الصواب في أقوالهم أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم؛ فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين (٣)، ولعله لا يسع المفتي والحاكم عند اللَّه أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الأئمة ويأخذ برأيه وترجيحه (٤) ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمد بن نصر المروزي وأمثالهم (٥)، بل يترك قول ابن المبارك والأوزاعي [وسفيان الثوري] (٦) وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم (٧)، بل لا يَلْتفت إلى قول ابن أبي ذئب والزهري والليث بن سعد وأمثالهم (٨)، بل لا يلتفت إلى قول (٩) سعيد بن المسيب، والحسن، والقاسم، وسالم (١٠)، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، وشُريح، وأبي وائل، وجعفر بن محمد وأضرابهم مما (١١) يسوغ الأخذ بقولهم (١٢) بل يرى تقديم

стр. 2468

[قول] (١) المتأخرين من أتباع من قلَّده على [فتوى] (١) أبي بكر الصديق (٢) وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبيّ بن كعب وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وعبد اللَّه بن عباس وعبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن الزبير وعبادة بن الصامت وأبي موسى الأشعري وأضرابهم (٣)، فلا يدري ما عذره غدًا عند اللَّه (٤) إذا سوَّى بين أقوال أولئك وفتاويهم وأقوال هؤلاء وفتاويهم (٥)، فكيف إذا رجَّحها عليها؟ فكيف إذا عيَّن (٦) الأخذ بها حكمًا وإفتاءً (٧)، ومنع الأخذ بقول الصحابة (٨)، واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين لها (٩)، وشهد عليه بالبدعة والضلالة (١٠)، ومخالفة أهل العلم وأنه يكيد الإسلام (١١)؟ تاللَّه لقد أخذ بالمثل المشهور: "رمتني بدائها وانْسَلّتْ" (١٢)، وسمَّى ورثة الرسول باسمه هو، وكساهم أثوابه، ورماهم بدائه، وكثير من هؤلاء يصرخ ويصيح (١٣) ويقول ويعلن أنه يجب على الأمة كلهم الأخذ بقول من قلدناه ديننا (١٤)، ولا يجوز الأخذ بقول أبي بكر وعمر وعثمان

стр. 2469

وعلي وغيرهم من الصحابة وهذا كلامٌ مَنْ أخذ به وتقلَّده ولّاه اللَّه ما تولى، ويجزيه [عليه] (١) يوم القيامة الجزاء الأوفى (٢)، والذي ندين اللَّه به ضد هذا القول، والرد عليه، فنقول: [ترتيب الأخذ بفتاوى الصحابة] إذا قال الصحابي قولًا فإما أن يخالفه صحابي آخر أو لا يخالفه، فإن خالفه مثله لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر (٣)، وإن خالفه أعلم منه كما إذا خالف الخلفاءُ الراشدون (٤) أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم، فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الآخرين؟ فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء [الراشدون] (٥) أو بعضهم أرجح وأَوْلى أن يؤخذ به من الشق الآخر (٦)، فإن كان

стр. 2470

الأربعة في شق [فلا شك أنَّه الصواب (١)، وإن كان أكثرهم في شق] (٢) فالصواب فيه أغلب (٣)، وإن كانوا اثنين واثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب؛ فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر (٤)، وهذه جملة (٥) لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم. [رجحان أقوال الصديق] ويكفي في ذلك معرفة رجحان قول الصديق في الجد والإخوة (٦)، وكون الطلاق الثلاث بفم واحد مرة واحدة وإن تلفظ فيه بالثلاث (٧)، وجواز بيع أمهات الأولاد، وإذا نظر العالم المنصف في أدلة هذه المسائل من الجانبين تبين له أن جانب الصدِّيق أرجح، وقد تقدم بعض ذلك في مسألة الجد والطلاق الثلاث بفم واحد، ولا يُحفظ للصديق خلاف نص واحد أبدًا ولا يحفظ له فتوى ولا حكم

стр. 2471

مأخذها ضعيف أبدًا (١) وهو تحقيق لكون خلافته خلافة نبوة (٢). فصل [إن لم يخالف الصحابي صحابيًا آخر] وإن لم يخالف الصحابي صحابيٌّ آخر (٣) فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر، فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع (٤)، وقالت شرذمة من المتكلمين

стр. 2472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2473

وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعًا ولا حجة (١)، وإن لم يشتهر قوله أو لم يعلم [هل] (٢) اشتهر أم لا فاختلف الناس: هل يكون حجة أم لا؟ فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة هذا قول جمهور الحنفية، صرح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبي حنيفة نصًا وهو مذهب مالك وأصحابه، وتصرفه في "موطئه" دليل عليه (٣)، وهو قول إسحاق ابن راهويه وأبي عبيد، وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع [عنه] (٤)، واختيار جمهور أصحابه، وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، أما القديم فأصحابه مقرون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة، وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدًا؛ فإنه لا يحفظ عنه (٥) في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة، وغاية ما يتعلق به (٦) من نقل ذلك أنه يحكي أقوالًا للصحابة في الجديد ثم يخالفه (٧) ولو كانت عنده حجة لم يخالفها وهذا تعلُّق ضعيف جدًا فإن مخالفة المجتهد الدليل (٨) المعيَّن لما هو أقوى في نظره منه (٩) لا يدل على أنه لا يراه دليلًا من حيث الجملة، بل خالف دليلًا لدليل أرجح منه عنده (١٠)، وقد تعلَّق بعضهم بأنه يراه في الجديد إذا ذكر

стр. 2474

أقوال الصحابة موافقًا لها لا يعتمد عليها وحدها كما يفعل بالنصوص، بل يعضدها بضروب من الأقيسة؛ فهو تارة يذكرها ويصرح بخلافها وتارة يوافقها ولا يعتمد عليها بل يعضدها بدليل آخر، وهذا أيضًا تعلق أضعف من الذي قبله؛ فإن تظافر (١) الأدلة وتعاضدها وتناصرها من عادة أهل العلم قديمًا وحديثًا ولا يدل ذكرهم دليلًا ثانيًا وثالثًا على أن ما ذكروه قبله ليس بدليل (٢)، وقد صرَّح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه بأن قول الصحابة (٣) حجة يجب المصير إليه، فقال: المُحدثات من الأمور ضربان: أحدهما (٤): ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا (٥) فهذه البدعة الضلالة، والربيع إنما أخذ عنه بمصر (٦)، وقد جعل مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالة، وهذا فوق كونه حجة، وقال البيهقي في كتاب "مدخل السنن" (٧) له: باب ذكر أقاويل الصحابة إذا تفرقوا (٨)، قال الشافعي (٩): أقاويل الصحابة إذا تفرَّقوا فيها نصير إلى ما وافق الكتاب والسنة أو الإجماع إذا (١٠) كان أصح في القياس، وإذا قال الواحد منهم القول لا يُحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلاف (١١) صرت إلى اتباع قوله إذا لم أجد كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا ولا شيئًا (١٢) في معناه يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس، قال البيهقي: وقال في كتاب "اختلافه مع مالك" (١٣): ما كان

стр. 2475

الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من سمعه مقطوع إلا [بإتيانه] (١)، فإن لم يكن ذلك (٢) صرنا إلى أقاويل الصحابة أو [واحد منهم] (٣)، ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ إذا صرنا إلى التقليد أحب إلينا وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب (٤) والسنة فنتبع القول الذي معه الدلالة؛ لأن قول الإمام مشهور بأنه يلزم الناس (٥)، ومن لزم قوله الناس كان أشهر ممن يفتي الرجل أو النفر وقد يأخذ بفتياه ويدعها وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ومجالسهم ولا يعتني (٦) العامة بما قالوا عنايتهم بما قال الإمام (٧)، وقد وجدنا الأئمة ينتدبون (٨) فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا أن يقولوا فيه ويقولون فيخبرون بخلاف قولهم، فيقبلون من المخبر، ولا يستنكفون عن أن يرجعوا لتقواهم اللَّه تعالى وفضلهم، فإذا لم يوجد عن الأئمة (٩) فأصحاب رسول اللَّه ﷺ ورضي عنهم في الدين في موضع الأمانة أخذنا بقولهم، وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم. [طبقات العلم عند الشافعي] قال الشافعي (١٠) ﵁: والعلم (١١) طبقات. الأولى (١٢): الكتاب والسنة. الثانية: الإجماع فيما ليس كتابًا ولا سنة.

стр. 2476

الثالثة: أن يقول صحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة (١). الرابعة: اختلاف الصحابة. الخامسة (٢): القياس، هذا كله كلامه في الجديد، قال البيهقي -بعد أن ذكر [هذا-: وفي الرسالة القديمة للشافعي -بعد ذكر] (٣) الصحابة وتعظيمهم- قال: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم، ورأيهم (٤) أحمدُ وأولى بنا من رأينا (٥)، ومن أدركنا ممن نرضى أو حُكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرَّقوا (٦)، وكذا نقول: ولم نخرج عن (٧) أقوالهم كلهم قال: وإذا قال الرجلان منهم في شيء قولين نظرت (٨)، فإن كان قول أحدهما أشبه بالكتاب والسنة أخذت به، لأن معه شيئًا قويًا، فإن لم يكن على واحد من القولين دلالة بما وصفت كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان (٩) أرجح عندنا من واحد (١٠) لو خالفهم غير إمام. قال البيهقي: وقال في موضع آخر (١١): فإن لم يكن على القول دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبي بكر وعمر وعثمان أحبَّ إليَّ من قول غيرهم (١٢)، فإن اختلفوا صرنا إلى القول الذي عليه دلالة، وقلَّما يخلو اختلافهم من ذلك،

стр. 2477

وإن (١) اختلفوا بلا دلالة نظرنا إلى الأكثر (٢)، فإن تكافؤوا نظرنا أحسن أقاويلهم مخرجًا عندنا (٣)، وإن وجدنا للمفتين في زماننا أو قبله إجماعًا في شيء تبعناه (٤)، فإذا نزلت نازلة لم نجد فيها واحدة من هذه الأمور فليس إلا اجتهاد الرأي (٥)، فهذا كلام الشافعي ﵀ ورضي عنه بنصه، ونحن نشهد باللَّه أنه لم يرجع عنه، بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه، و [قد] (٦) قال في الجديد في قتل الراهب: إنه القياس [عنده] (٧)، ولكن أتركه لقول أبي بكر الصديق ﵁ (٨)، فقد أَخَبَرنا أنه ترك القياس الذي هو دليل عنده لقول الصاحب، فكيف يترك موجب الدليل لغير دليل؟ وقال: في الضلع بعيرٌ، قلته تقليدًا لعمر ﵁ (٩)، وقال في موضع آخر: قلته تقليدًا لعثمان ﵁، وقال في الفرائض: هذا مذهب تلقيناه عن زيد [بن ثابت] (١٠). ولا تستوحش من لفظة التقليد في كلامه، وتظن أنها تنفي [كون] قوله حجة (١١) بناء على ما تلقيته من اصطلاح المتأخرين أن التقليد قبول قول الغير بغير حجة، فهذا اصطلاح حادث (١٢)، وقد صرَّح الشافعي في موضع من كلامه بتقليد خبر الواحد فقال: قلت هذا تقليدًا للخبر (١٣)، وأئمة الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي، قال

стр. 2478

نعيم بن حماد: ثنا ابنُ المبارك قال: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم (١)، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم (٢). وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر المتكلمين (٣) [إلى] أنه ليس بحجة (٤)، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن خالف القياس فهو حجة، وإلا فلا، قالوا: لأنه إذا خالف القياس لم يكن إلا عن توقيف (٥) وعلى هذا فهو حجة وإن خالفه صحابي آخر، والذين قالوا: "ليس بحجة" قالوا: لأن الصحابي مجتهد من المجتهدين يجوز عليه الخطأ فلا يجب تقليده، ولا يكون قوله حجة كسائر المجتهدين، ولأن الأدلة الدالة على بطلان التقليد تعم تقليد الصحابة ومن دونهم (٦)، [و] لأن التابعي إذا أدرك عصر الصحابة اعتد بخلافه (٧) عند أكثر الناس، فكيف يكون قول الواحد حجة عليه؟ ولأن الأدلة

стр. 2479

[قد] (١) انحصرت في الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وقول الصحابي ليس واحدًا منها، ولأن امتيازه بكونه أفضل وأعلم وأتقى لا يوجب وجوب اتباعه على مجتهد آخر من علماء التابعين بالنسبة إلى مَنْ بعدهم. [الأدلة على وجوب اتباع الصحابة] فنقول: الكلام في مقامين: أحدهما: في الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة ﵃. الثاني: في الجواب عن شبه (٢) النفاة. فأما الأول: فمن وجوه. أحدها: ما احتج به مالك، وهو قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾] (٣) [التوبة: ١٠٠] فوجه الدلالة أن اللَّه تعالى أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولًا فاتَّبعهم مُتَّبعٌ عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم، فيجب أن يكون محمودًا على ذلك، وأن يستحق

стр. 2480

الرضوان (١)، ولو كان اتباعهم تقليدًا محضًا كتقليد بعض المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عاميًا، فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذ (٢). [اعتراض] فإن قيل: اتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل فهو (٣) سلوك سبيل الاجتهاد؛ لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد والدليل عليه قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾، ومن قلَّدهم لم يتبعهم بإحسان لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودًا لم يفرق بين الاتباع بإحسان أو بغير إحسان، وأيضًا فيجوز أن يراد به اتباعهم في أصول الدين (٤)، وقوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم، ويكون المقصود أن السابقين [قد] (٥) وجب لهم الرضوان وإن أساءوا؛ لقوله ﷺ "وما يدريك أن اللَّه قد اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (٦). وأيضًا فالثناء على من اتَّبعهم (٧) كلهم، وذلك اتباعهم فيما أجمعوا عليه، وأيضًا فالثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه، وإنما يدل على جواز تقليدهم،

стр. 2481

وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة من العلماء، أو تقليد الأعلم كقول طائفة أخرى (١)، أما الدليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه. [دفع الاعتراض] فالجواب من وجوه: أحدها: أن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد (٢) لوجوه: أحدها: أن الاتباع المأمور به في القرآن كقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، ونحوه لا يتوقف (٣) على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل (٤). الثاني: أنه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال والاجتهاد لم يكن فرق بين السابقين وبين جميع الخلائق؛ لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يُتَّبع فيه كل أحد، فمن قال قولًا بدليل صحيح وجب موافقته فيه. الثالث: أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أو لا [تجوز] (٥) فإن لم تجوز فهو المطلوب، وإن جازت مخالفتهم فقد خُولفوا في خصوص الحكم (٦)، واتبعوا في أحسن الاستدلال (٧)، فليس جَعْل من فعل ذلك متبعًا لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جعله مخالفًا لمخالفته في عين الحكم (٧).

стр. 2482

الرابع: أن من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعًا لهم أصلًا بدليل أن من خالف مجتهدًا [من المجتهدين] (١) في مسألة بعد اجتهاده (٢) لا يصح أن يقال: "اتبعه"، وإن أطلق ذلك فلا بد من تقييده بأن يقال: اتبعه في الاستدلال والاجتهاد (٣). الخامس: أن الاتِّباع افتعال من اتبع، وكون الإنسان تابعًا لغيره نوع افتقار إليه ومشي خلفه، وكلُّ واحد من المجتهدين المستدلين ليس تبعًا للآخر ولا مفتقرًا إليه بمجرد ذلك (٤) حتى يستشعر موافقته والانقياد له (٥)، ولهذا لا يصح أن يقال لمن وافق رجلًا في اجتهاده أو فتواه اتفاقًا إنه متَّبعٌ له. السادس: أن الآية قصد بها مدح السابقين والثناء عليهم، وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين، وبتقدير ألا يكون (٦) قولهم موجبًا للموافقة ولا مانعًا من المخالفة -بل إنما يتبع القياس مثلًا- لا يكون لهم [هذا] (٧) المنصب، ولا يستحقون هذا المدح والثناء (٨). السابع: أن من خالفهم في خصوص [الحكم فلم] (٩) يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما استدلوا به على ذلك الحكم فلا يكون متبعًا لهم بمجرد مشاركتهم في صفة عامة، وهي مطلق الاستدلال والاجتهاد، ولا سيما وتلك الصفة العامة لا اختصاص لها به (١٠)؛ لأن ما ينفي الاتباع أخص مما يثبته، وإذا وجد الفارق الأخص والجامع الأعم -وكلاهما مؤثر- كان التفريق رعاية للفارق أولى (١١) من الجمع رعاية للجامع. وأما قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ فليس المراد به أن يجتهد، وافق أو خالف؛ لأنه إذا

стр. 2483

خالف لم يتبعهم (١) فضلًا عن أن يكون بإحسان؛ ولأن (٢) مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباع لهم، لكن الاتباع لهم اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد (٣) والقول، فلا بد مع ذلك أن يكون المتَّبعُ محسنًا بأداء الفرائض واجتناب المحارم (٤)، لئلا يقع اغترار (٥) بمجرد الموافقة قولًا، وأيضًا فلا بد أن يحسن المتبع لهم القول فيهم، ولا يقدح فيهم، اشترط اللَّه ذلك لعلمه بأن (٦) سيكون أقوام ينالون منهم (٧). وهذا مثل قوله تعالى بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، وأما تخصيص اتّباعهم بأصول الدين دون فروعه فلا يصح؛ لأن الاتباع عام، ولأن من اتبعهم في أصول الدين فقط لو كان متبعًا لهم على الإطلاق لكنا متبعين للمؤمنين من أهل الكتاب (٨)، ولم يكن فرق بين أتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها. وأيضًا فإنه إذا قيل: "فلان يتبع فلانًا، واتبع فلانًا (٩)، وأنا (١٠) متبع فلانًا" ولم يقيد ذلك بقرينة لفظية ولا حالية؛ فإنه (١١) يقتضي اتباعه في كل الأمور التي يتأتَّى فيها الاتباع؛ لأن من اتبعه في حال وخالفه في أخرى لم يكن وصفه بأنه متبع أولى من وصفه بأنه مخالف، ولأن الرَّضوان حكمٌ تعلق باتباعهم، فيكون الاتباع سببًا [له؛ لأن الحكم المعلق بما هو مشتق يقتضي أن ما منه الاشتقاق سبب، وإذا كان اتباعهم سببًا] (١٢) للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده، ولا اختصاص للاتِّباع (١٣) بحال دون حال، ولأن الاتباع يؤذن بكون الإنسان تبعًا لغيره

стр. 2484

وفرعًا عليه، وأصول الدين ليست كذلك (١)؛ ولأن الآية تضمنت الثناء عليهم وجعلهم أئمة لمن بعدهم، فلو لم يتناول إلا اتباعهم في أصول الدين دون الشرائع لم يكونوا أئمة في ذلك لأن ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتِّباعهم. فصل [الأحكام المتعلقة بأسماء عامة تثبت لكل فرد] وأما قولهم: "إن الثناء على من اتبعهم كلهم" فنقول: الآية اقتضت الثناء على من اتبع كل واحد منهم، كما أن قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ. . . وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٠] يقتضي حصول الرِّضوان لكل واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] وكذلك في قوله: ﴿اتَّبَعُوهُمْ﴾ لأنه حكم عُلِّق عليهم في هذه الآية، فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين (٢)، وأيضًا, فإن الأصل في الأحكام المعلقة بأَسماء عامة ثبوتها لكل فرد [فرد] (٣) من تلك المسميات كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٤) [الحج: ٧٨] , وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (٥). [الأحكام المتعلقة بمجموع] وأيضًا؛ فإن الأحكام المعلَّقة على المجموع يُؤتى فيها باسم يتناول المجموع دون الأفراد كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

стр. 2485

[النساء: ١١٥] فإن لفظ الأمة ولفظ سبيل المؤمنين لا يمكن توزيعه على أفراد الأمة وأفراد المؤمنين، بخلاف لفظ السابقين، فإنه يتناول كل فرد من السابقين (١). [الآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين] وأيضًا فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن؛ فمن اتَّبع جماعتَهم (٢) إذا اجتمعوا واتبع آحادهم فيما وجد (٣) عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صَدَق عليه أنه اتَّبع السابقين، أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال: "اتبع السابقين" لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرة وهذا مرة، وبهذا يظهر الجواب عن اتّباعهم إذا اختلفوا؛ فإن اتباعهم هناك قبول (٤) [بعض] (٥) تلك الأقوال باجتهاد واستدلال، إذ هم مجتمعون على تسويغ (٦) كل واحد من تلك الأقوال لمن أدَّى اجتهاده إليه، فقد قصد اتباعهم أيضًا، أما إذا قال الرجل قولًا ولم يخالفه غيره، فلا يُعلم أن السابقين سوَّغوا خلاف ذلك القول. [الآية تقتضي اتباعهم مطلقًا] وأيضًا؛ فالآية تقتضي اتّباعهم مطلقا، فلو فرضنا أن الطالب وقف (٧) على نص يخالف قول الواحد منهم، فقد علمنا أنه لو ظفر بذلك النص لم يعدل عنه، أما إذا رأينا رأيًا فقد يجوز أن يخالف ذلك الرأي (٨)، وأيضًا فلو لم يكن اتّباعهم إلا فيما أجمعوا عليه كلهم لم يحصل اتباعهم إلا فيما قد علم أنه من دين الإسلام بالاضطرار؛ لأن السابقين الأولين خَلقٌ عظيم، [و] (٩) لم يعلم أنهم أجمعوا إلا على ذلك (١٠)؛ فيكون هذا الوجه هو الذي قبله، وقد تقدم بطلانه؛ إذ

стр. 2486

الاتباع في ذلك غير مؤثر، وأيضًا فجميع السابقين قد مات منهم أُناسٌ في حياة رسول اللَّه (١) ﷺ ، وحينئذ فلا يحتاج في ذلك الوقت إلى اتباعهم للاستغناء [عنه] (٢) بقول رسول اللَّه ﷺ ، ثم لو فرضنا أحدًا تبعهم (٣) إذ ذاك لكان من السابقين، فحاصله أن التابعين لا يمكنهم اتباع جميع السابقين. وأيضًا؛ فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذِّر، فكيف يتبعون كلهم في شيء لا يكاد يُعلم؛ وأيضًا فإنهم إنما استحقوا منصب الإمامة والاقتداء بهم بكونهم هم السابقين، وهذه صفة موجودة في كل واحد منهم، فوجب أن يكون كل منهم إمامًا للمتقين كما استوجب الرضوان والجنَّة (٤). فصل [الرد على من زعم أن الآية لا توجب اتباعهم] وأما قوله: "ليس فيها ما يوجب اتباعهم" فنقول: الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان، وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام؛

стр. 2487

فلا يكون [اتباعهم] (١) قولًا بغير علم، بل قولًا بعلم (٢)، و [هذا] (١) هو المقصود، وحينئذ فسواء يُسمَّى (٣) تقليدًا أو اجتهادًا (٤)، وأيضًا؛ فإن كان تقليد العالم للعالم (٥) حرامًا، كما هو قول الشافعية والحنابلة، فاتباعهم ليس بتقليد لأنه مرضي، وإن كان تقليدهم جائزًا أو كان تقليدهم مستثنى من التقليد المحرَّم، فلم يقل أحد: إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان (٦)؛ فعلم أن تقليدهم خارج عن هذا؛ لأن [تقليد] (٧) العالم -وإن كان جائزًا- فتركه إلى قول غيره أو إلى اجتهاد (٨) جائز أيضًا [بالاتفاق] (٩)، والشيء المباح لا يستحق به الرضوان، وأيضًا فإن رضوان اللَّه غاية المطالب [التي] (٧) لا تُنال إلا بأفضل الأعمال، ومعلوم أن التقليد الذي يجوز خلافه ليس بأفضل الأعمال، بل الاجتهاد أفضل [منه] (١٠) فعلم أن اتباعهم هو أفضل ما يكون في مسألة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم، وأن اتباعهم دون من بعدهم هو الموجب لرضوان اللَّه (١١)؛ فلا ريب أن رُجْحَان أحد القولين يوجب اتباعه (١٢)، وقولهم أرجح (١٣) بلا شك، ومسائل الاجتهاد لا يتخير الرجل فيها بين القولين (١٤)،

стр. 2488

وأيضًا فإن اللَّه أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان، والتقليد وظيفة العامة (١)، وأما (٢) العلماء فإما أن يكون مباحًا لهم أو محرَّمًا؛ إذ الاجتهاد أفضل منه لهم بغير خلاف، وهو (٣) واجبٌ عليهم، فلو أُريد باتباعهم التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة في ذلك النَّصيب الأوفى، وكان حظُّ علماء الأمة [من هذه الآية] (٤) أبخس الحظوظ، ومعلوم أن هذا فاسد، وأيضًا فالرضوان عمن اتبعهم دليل على أن اتباعهم صواب ليس بخطأ (٥)؛ فإنه لو كان خطأ لكان غاية صاحبه أن يُعفى له عنه، فإن المخطئ إلى أن يعفى عنه أقرب منه إلى أن يُرضِى عنه؛ وإذا كان صوابًا وجب اتباعه؛ لأن خلاف الصواب خطأ والخطأ يَحْرم اتباعه إذا عُلم أنه خطأ وقد علم أنه خطأ بكون الصواب خلافه، وأيضًا فإذا كان اتباعهم موجب الرضوان لم يكن ترك اتباعهم موجب الرضوان؛ لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده ولا وجوده عدمه؛ لأنه يبقى عديم الأَثر في ذلك الجزاء، وإذا كان في المسألة قولان أحدهما يوجب الرضوان والآخر لا يوجبه كان الحق ما يوجبه، وهذا هو المطلوب (٦)، وأيضًا فإن طلب رضوان اللَّه واجبٌ؛ لأنه (٧) [إذا] (٨) لم يوجد رضوانه فإما سخطهُ أو عفوه، والعفو إنما يكون مع انعقاد سبب الخطيئة، وذلك لا تُباح مباشرته إلا بالنص، وإذا كان رضوانه إنما هو في اتّباعهم، واتباع رضوانه واجب، كان اتباعهم واجبًا، وأيضًا، فإنه إنما أثنى على المتبع بالرضوان، ولم يصرح بالوجوب؛ لأن إيجاب الاتِّباع يدخل فيه الاتباع في الأفعال، ويقتضي تحريم مخالفتهم مطلقًا فيقتضي ذم المخطئ وليس كذلك، أما الأقوال فلا وجه لمخالفتهم فيها بعدما ثبت أن فيها رضا اللَّه تعالى (٩)، وأيضًا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضا اللَّه لم يكن رضا اللَّه في

стр. 2489

ضدِّه، بخلاف الأفعال فقد يكون رضا اللَّه في الأفعال المختلفة وفي الفعل والترك بحسب قصدين وحالين. أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك، فإذا ثبت أن في قولهم رضوان اللَّه تعالى لم يكن الحق والصواب إلا هو؛ فوجب اتباعه. [اعتراض ورده] فإن قيل: السابقون الذين صلَّوا إلى القبلتين، أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم، فما الدليل على اتّباع من أسلم بعد ذلك؟ قيل: إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود، على أنه لا قائل بالفرق، وكل الصحابة سابق بالنسبة إلى من بعدهم (١). فصل [رد على من زعم أن اتباع الصحابة غير لازم] الوجه الثاني (٢): قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١] هذا قَصَّهُ اللَّه (٣) عن صاحب ياسين، على سبيل الرضاء بهذه المقالة، والثناء على قائلها، والإقرار [له] (٤) عليها، وكلُّ واحد من الصحابة لم يسألنا أجرًا وهم مهتدون، بدليل قوله تعالى خطابًا لهم: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] و"لعلَّ" من اللَّه واجبٌ (٥)، وقوله تعالى: [﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا [أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا] (٦) زَادَهُمْ هُدًى [وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ] (٤)﴾ [محمد: ١٦، ١٧] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا (٧) فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ

стр. 2490

أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد: ٤ - ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وكلٌّ منهم قاتل في سبيل اللَّه وجاهد إما بيده أو بلسانه (١)، فيكون اللَّه قد هداهم، وكلٌّ من هداه فهو مهتد (٢) فيجب اتباعه بالآية (٣). [آيات توجب اتباع الصحابة] الوجه الثالث: قول تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥]، وكلٌّ من الصحابة منيبٌ إلى اللَّه فيجب اتباع سبيله، وأقوالُه واعتقاداته من أكبر سبيله، والدليل على أنهم مُنيبون إلى اللَّه تعالى أن اللَّه تعالى قد هداهم و [قد] (٤) قال: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]. [هم على بصيرة] الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فأخبر تعالى أن من اتّبع الرسول يدعو إلى اللَّه، ومن دعا إلى اللَّه على بصيرة وجب اتباعه، لقوله تعالى فيما حكاه عن الجن ورضيه: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [وَآمِنُوا بِهِ] (٤)﴾ [الأحقاف: ٣١]؛ ولأن من دعا إلى اللَّه على بصيرة فقد دعا إلى الحق عالمًا به، والدعاءُ إلى أحكام اللَّه دعاءٌ إلى اللَّه؛ لأنه دعاء إلى طاعته فيما أمر ونهى، وإذن فالصحابة (٥) رضوان اللَّه عليهم قد اتبعوا الرسول ﷺ فيجب اتباعهم (٦) إذا دعوا إلى اللَّه (٧).
следующие страницы →