← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

الاتباع في ذلك غير مؤثر، وأيضًا فجميع السابقين قد مات منهم أُناسٌ في حياة رسول اللَّه (١) ﷺ ، وحينئذ فلا يحتاج في ذلك الوقت إلى اتباعهم للاستغناء [عنه] (٢) بقول رسول اللَّه ﷺ ، ثم لو فرضنا أحدًا تبعهم (٣) إذ ذاك لكان من السابقين، فحاصله أن التابعين لا يمكنهم اتباع جميع السابقين. وأيضًا؛ فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذِّر، فكيف يتبعون كلهم في شيء لا يكاد يُعلم؛ وأيضًا فإنهم إنما استحقوا منصب الإمامة والاقتداء بهم بكونهم هم السابقين، وهذه صفة موجودة في كل واحد منهم، فوجب أن يكون كل منهم إمامًا للمتقين كما استوجب الرضوان والجنَّة (٤). فصل [الرد على من زعم أن الآية لا توجب اتباعهم] وأما قوله: "ليس فيها ما يوجب اتباعهم" فنقول: الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان، وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام؛

стр. 2487

فلا يكون [اتباعهم] (١) قولًا بغير علم، بل قولًا بعلم (٢)، و [هذا] (١) هو المقصود، وحينئذ فسواء يُسمَّى (٣) تقليدًا أو اجتهادًا (٤)، وأيضًا؛ فإن كان تقليد العالم للعالم (٥) حرامًا، كما هو قول الشافعية والحنابلة، فاتباعهم ليس بتقليد لأنه مرضي، وإن كان تقليدهم جائزًا أو كان تقليدهم مستثنى من التقليد المحرَّم، فلم يقل أحد: إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان (٦)؛ فعلم أن تقليدهم خارج عن هذا؛ لأن [تقليد] (٧) العالم -وإن كان جائزًا- فتركه إلى قول غيره أو إلى اجتهاد (٨) جائز أيضًا [بالاتفاق] (٩)، والشيء المباح لا يستحق به الرضوان، وأيضًا فإن رضوان اللَّه غاية المطالب [التي] (٧) لا تُنال إلا بأفضل الأعمال، ومعلوم أن التقليد الذي يجوز خلافه ليس بأفضل الأعمال، بل الاجتهاد أفضل [منه] (١٠) فعلم أن اتباعهم هو أفضل ما يكون في مسألة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم، وأن اتباعهم دون من بعدهم هو الموجب لرضوان اللَّه (١١)؛ فلا ريب أن رُجْحَان أحد القولين يوجب اتباعه (١٢)، وقولهم أرجح (١٣) بلا شك، ومسائل الاجتهاد لا يتخير الرجل فيها بين القولين (١٤)،

стр. 2488

وأيضًا فإن اللَّه أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان، والتقليد وظيفة العامة (١)، وأما (٢) العلماء فإما أن يكون مباحًا لهم أو محرَّمًا؛ إذ الاجتهاد أفضل منه لهم بغير خلاف، وهو (٣) واجبٌ عليهم، فلو أُريد باتباعهم التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة في ذلك النَّصيب الأوفى، وكان حظُّ علماء الأمة [من هذه الآية] (٤) أبخس الحظوظ، ومعلوم أن هذا فاسد، وأيضًا فالرضوان عمن اتبعهم دليل على أن اتباعهم صواب ليس بخطأ (٥)؛ فإنه لو كان خطأ لكان غاية صاحبه أن يُعفى له عنه، فإن المخطئ إلى أن يعفى عنه أقرب منه إلى أن يُرضِى عنه؛ وإذا كان صوابًا وجب اتباعه؛ لأن خلاف الصواب خطأ والخطأ يَحْرم اتباعه إذا عُلم أنه خطأ وقد علم أنه خطأ بكون الصواب خلافه، وأيضًا فإذا كان اتباعهم موجب الرضوان لم يكن ترك اتباعهم موجب الرضوان؛ لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده ولا وجوده عدمه؛ لأنه يبقى عديم الأَثر في ذلك الجزاء، وإذا كان في المسألة قولان أحدهما يوجب الرضوان والآخر لا يوجبه كان الحق ما يوجبه، وهذا هو المطلوب (٦)، وأيضًا فإن طلب رضوان اللَّه واجبٌ؛ لأنه (٧) [إذا] (٨) لم يوجد رضوانه فإما سخطهُ أو عفوه، والعفو إنما يكون مع انعقاد سبب الخطيئة، وذلك لا تُباح مباشرته إلا بالنص، وإذا كان رضوانه إنما هو في اتّباعهم، واتباع رضوانه واجب، كان اتباعهم واجبًا، وأيضًا، فإنه إنما أثنى على المتبع بالرضوان، ولم يصرح بالوجوب؛ لأن إيجاب الاتِّباع يدخل فيه الاتباع في الأفعال، ويقتضي تحريم مخالفتهم مطلقًا فيقتضي ذم المخطئ وليس كذلك، أما الأقوال فلا وجه لمخالفتهم فيها بعدما ثبت أن فيها رضا اللَّه تعالى (٩)، وأيضًا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضا اللَّه لم يكن رضا اللَّه في

стр. 2489

ضدِّه، بخلاف الأفعال فقد يكون رضا اللَّه في الأفعال المختلفة وفي الفعل والترك بحسب قصدين وحالين. أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك، فإذا ثبت أن في قولهم رضوان اللَّه تعالى لم يكن الحق والصواب إلا هو؛ فوجب اتباعه. [اعتراض ورده] فإن قيل: السابقون الذين صلَّوا إلى القبلتين، أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم، فما الدليل على اتّباع من أسلم بعد ذلك؟ قيل: إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود، على أنه لا قائل بالفرق، وكل الصحابة سابق بالنسبة إلى من بعدهم (١). فصل [رد على من زعم أن اتباع الصحابة غير لازم] الوجه الثاني (٢): قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١] هذا قَصَّهُ اللَّه (٣) عن صاحب ياسين، على سبيل الرضاء بهذه المقالة، والثناء على قائلها، والإقرار [له] (٤) عليها، وكلُّ واحد من الصحابة لم يسألنا أجرًا وهم مهتدون، بدليل قوله تعالى خطابًا لهم: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] و"لعلَّ" من اللَّه واجبٌ (٥)، وقوله تعالى: [﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا [أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا] (٦) زَادَهُمْ هُدًى [وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ] (٤)﴾ [محمد: ١٦، ١٧] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا (٧) فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ

стр. 2490

أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد: ٤ - ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وكلٌّ منهم قاتل في سبيل اللَّه وجاهد إما بيده أو بلسانه (١)، فيكون اللَّه قد هداهم، وكلٌّ من هداه فهو مهتد (٢) فيجب اتباعه بالآية (٣). [آيات توجب اتباع الصحابة] الوجه الثالث: قول تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥]، وكلٌّ من الصحابة منيبٌ إلى اللَّه فيجب اتباع سبيله، وأقوالُه واعتقاداته من أكبر سبيله، والدليل على أنهم مُنيبون إلى اللَّه تعالى أن اللَّه تعالى قد هداهم و [قد] (٤) قال: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]. [هم على بصيرة] الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فأخبر تعالى أن من اتّبع الرسول يدعو إلى اللَّه، ومن دعا إلى اللَّه على بصيرة وجب اتباعه، لقوله تعالى فيما حكاه عن الجن ورضيه: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [وَآمِنُوا بِهِ] (٤)﴾ [الأحقاف: ٣١]؛ ولأن من دعا إلى اللَّه على بصيرة فقد دعا إلى الحق عالمًا به، والدعاءُ إلى أحكام اللَّه دعاءٌ إلى اللَّه؛ لأنه دعاء إلى طاعته فيما أمر ونهى، وإذن فالصحابة (٥) رضوان اللَّه عليهم قد اتبعوا الرسول ﷺ فيجب اتباعهم (٦) إذا دعوا إلى اللَّه (٧).

стр. 2491

[هم المصطفون] الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] [قال ابن عباس في رواية أبي مالك] (١): هم أصحاب محمد ﷺ ورضى عنهم (٢)، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] وحقيقة الاصطفاء: افتعال من التصفية، فيكون قد صفاهم (٣) من الأكدار، والخطأ من الأكدار فيكونون مصفين منه، ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا لأن الحق لم يَعْدُهم، فلا يكون قول بعضهم كدرًا؛ لأن مخالفته الكدر (٤) وبيانه يزيل كونه كدرًا بخلاف ما إذا قال بعضهم قولًا ولم يُخالف فيه، فلو كان [قولًا] (٥) باطلًا ولم يَردُّه راد (٦) لكان حقيقة الكدر، وهذا لأن خلاف بعضهم لبعض بمنزلة معاتبة (٧) النبي ﷺ في بعض أموره، فإنها لا تخرجه عن حقيقة الاصطفاء. [أوتوا العلم] الوجه السادس: أن اللَّه تعالى شهد لهم بأنهم أوتو العلم بقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، واللام في "العلم"

стр. 2492

ليست للاستغراق، وإنما هي للعهد، أي العلم الذي بعث اللَّه به نبيه ﷺ ، وإذا (١) كانوا قد أوتوا [هذا] العلم كان اتباعهم واجبًا (٢). [هم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر] الوجه السابع: قوله تعالي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ]﴾ (٣) [آل عمران: ١١٠] شهد لهم اللَّه تعالى (٤) بأنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر (٥)، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن منكر؛ إذ الصوابُ معروفٌ بلا شك، والخطأ منكر من بعض الوجوه، ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة، وإذا كان هذا باطلًا علم أن خطأ من يعلم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع، وذلك يقتضي أن قوله حجة. [هم الصادقون] الوجه الثامن: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، قال غير واحد من السلف: هم أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم (٦)، ولا ريبَ أنهم أئمة الصادقين، وكلُّ صادق بعدهم فبهم يأتم في صدقه، بل حقيقةُ صدقه اتباعه له وكونه معهم، ومعلوم أن مَن خالفهم في شيء -وإن وافقهم في غيره- لم يكن معهم فيما خالفهم فيه، وحينئذٍ فيصدق عليه أنه ليس معهم، فتنتفي عنه المعيَّة المطلقة، وإن ثبت [له] (٧) قسط من المعية فيما وافقهم

стр. 2493

فيه، فلا يصدق عليه أنه معهم بهذا القسط، وهذا كما نفى اللَّه ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق والمنتهب بحيث لا يستحق اسم المؤمن، وإن لم ينتف عنه مطلق الاسم الذي يستحق لأجله أن يقال: معه شيء من الإيمان، [وهذا] (١) كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه مسألة أو مسألتان من فقه وعلم، وإن قيل: معه شيء من العلم. [المعية المطلقة ومطلق المعية] ففرقٌ بين المعية المطلقة ومطلق المعية (٢)، ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني (٣)، فإن اللَّه تعالى لم يرد منَّا أن نكون معهم في شيء من الأشياء وأن نحصلَ من المعية ما يطلق عليه الاسم (٤)، وهذا غلط عظيم في فهم مراد الرب [تعالى] (٥) من أوامره؛ فإذا أمرنا بالتقوى والبر [والصبر] (٦) والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك لم يرد منا أن نأتي من ذلك بأقل ما يطلق عليه الاسم وهو مطلق الماهية المأمور بها بحيث نكون ممتثلين لأمره إذا أتينا بذلك، وتمام تقرير هذا الوجه بما تقدم في تقرير الأمر بمتابعتهم سواء. [هم أمة وسط] الوجه التاسع: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا] (٥)﴾ [البقرة: ١٤٣]، ووجه الاستدلال بالآية أنه

стр. 2494

سبحانه (١) أخبر أنه جعلهم أمة [وسطًا أي] (٢): خيارًا عدولًا (٣)، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شُهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، واللَّه تعالى يَقْبل (٤) شهادتهم عليهم، فهم شهداؤه، ولهذا نوّه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم؛ لأنه سبحانه لما اتخذهم شهداء أَعلَم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن تصلي عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم، والشاهد المقبول عند اللَّه هو الذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستندًا إلى علمه به كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقًا من غير علم به (٥)، وقد يعلمه ولا يخبر به؛ فالشاهدُ المقبولُ عند اللَّه هو الذي يخبر به عن علم؛ فلو كان علمهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأً مخالفة لحكم اللَّه ورسوله ولا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم اللَّه ورسوله إما مع اشتهار فتوى الأول أو بدون اشتهارها كانت هذه الأمة العدل الخيار قد أطبقت (٦) على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين قسمًا أفتى بالباطل وقسمًا سكت عن الحق، وهذا من المستحيل فإن الحق لا يعدوهم ويخرج عنهم إلى من بعدهم قطعًا ونحن نقول لمن (٧) خالف أقوالهم: (لو كان خيرًا ما سبقونا إليه (٨)) (٩). [هم المجتبون] الوجه العاشر: [أن] (١٠) قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١١) [الحج: ٧٨]،

стр. 2495

فأخبر سبحانه (١) أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء. وهو افتعال من "اجتبى الشيء يجتبيه" (٢) إذا ضمَّه إليه وحازه إلى نفسه (٣) فهم المجتبون الذين اجتباهم اللَّه إليه وجعلهم أهله وخاصته وصفوته من خلقه بعد النبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم سبحانه (١) أن يجاهدوا فيه حق جهاده، فيبذلوا له أنفسهم، ويفردوه بالمحبة والعبودية، ويختاروه وحده إلهًا معبودًا محبوبًا على كل ما سواه كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحده إلههم ومعبودهم الذي يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم (٤)، فيؤثرونه في كل حال على من سواه، كما اتخذهم عبيده وأولياءه، وأحباءه وآثرهم بذلك على مَنْ سواهم، ثم أخبرهم سبحانه (٥) أنه يسَّر عليهم دينهم (٦) غاية التيسير، ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتَّة لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم، وهي إفراده سبحانه (١) وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرَّجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام (٧)؛ فيكون تعلّق (٨) ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره (٩)، ثم أخبر تعالى أنه نوَّه بهم وأثنى عليهم قبل وجودهم وسمَّاهم عباده المسلمين قبل أن يُظهرهم، ثم نوَّه بهم وسماهم كذلك بعد أن أوجدهم اعتناءً بهم ورفعة لشأنهم وإعلاءً لقدرهم، ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك (١٠) ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على الناس؛ فيكونون مشهودًا لهم (١١) بشهادة الرسول شاهدين على الأمم بقيام حجج (١٢) اللَّه عليهم، فكان هذا التنويه وإشارة الذكر لهذين الأمرين الجليلين ولهاتين الحكمتين العظيمتين، والمقصود أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده تعالى (١٣) فمن المحال أن يُحرمهم كلهم الصواب

стр. 2496

في مسألة فيفتي فيها بعضهم بالخطأ ولا يفتي فيها غيره بالصواب، ويظفر فيها بالهدى من بعدهم، واللَّه المستعان (١). [هم معتصمون باللَّه وهدوا إلى الحق] الوجه الحادي عشر: قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أخبر عن المعتصمين به أنهم (٢) قد هدوا إلى الحق، فنقول: الصحابة رضوان اللَّه عليهم معتصمون باللَّه فهم مهتدون (٣)، فاتباعهم واجب (٤)، أما المقدمة الأولى فتقريرها من وجوه: أحدها: قوله تعالى (٥): ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]، ومعلوم كمال تَولي اللَّه تعالى [لهم] (٦) ونصره إياهم أتم نصرة، وهذا يدل على أنهم اعتصموا به أتم اعتصام، فهم مهديون (٧) بشهادة الرب تعالى لهم بلا شك، واتباع المهدي واجب شرعًا وعقلًا وفطرة بلا شك، وما يرد على هذا الوجه من أن المتابعة لا تستلزم المتابعة في جميع أمورهم فقد تقدم جوابه. [أصحاب محمد أولى بوصف الأئمة من أصحاب موسى] الوجه الثاني عشر: قوله سبحانه عن أصحاب موسى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فأخبر سبحانه أنه جعلهم أئمة يأتم بهم من بعدهم لصبرهم ويقينهم؛ إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين فإن الداعي إلى اللَّه تعالى لا يتم له أمره إلا بيقينه (٨) للحق الذي يدعو إليه وبصيرته به وصبره على تنفيذ الدعوة إلى اللَّه باحتمال مشاق الدعوة وكف النَّفس عما يوهن عزمه ويضعف إرادته، فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره سبحانه، ومن المعلوم أن أصحاب محمد ﷺ أحق وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى، فهم أكمل يقينًا وأعظم صبرًا من جميع الأمم، فهم

стр. 2497

أولى بمنصب هذه الإمامة، وهذا أمر ثابتٌ [لهم] (١) بلا شك بشهادة اللَّه لهم وثناءه عليهم، وشهادة الرسول لهم بأنهم خير القرون، وأنهم خيره اللَّه وصفوته، ومن المحال على من هذا شأنهم أن يخطئوا كلهم الحق (٢)، ويظفر به المتأخرون، ولو كان هذا ممكنًا لانقلبت الحقائق، وكان المتأخرون أئمة لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم، وهذا كما أنه محال حسًا وعقلًا فهو محال شرعًا وباللَّه التوفيق. [هم إمام، بما دعوا إلى اللَّه وأثنى عليهم] الوجه الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] وإمام بمعنى قدوة، وهو يصلح للواحد والجمع كالأمة (٣) والأسوة، وقد قيل: هو جمعه آمم كصَاحب وصِحاب وراجل ورجال وتاجر وتجار، و [قيل] (٤): هو مصدر كقِتَال وضِرَاب، أي ذوي إمام، والصواب الوجه الأول، فكل من كان من المتقين وجب عليه أن يأتم بهم، [والتقوى واجبة، فالائتمام (٥) بهم واجب، ومخالفتهم فيما أفتوا به مخالف للائتمام بهم] (٦)، وإن قيل: "نحن نأتم بهم في الاستدلال (٧) وأصول الدين" (٨) فقد تقدم من جواب هذا ما فيه كفاية. [هم خير قرن] الوجه الرابع عشر: ما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح (٩) من وجوه متعددة أنه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١٠) فأخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقًا وذلك يقتضي تقديمهم في

стр. 2498

كل باب من أبواب الخير، وإلا [لو كانوا] (١) خيرًا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقًا فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب -وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطأوا (٢) هم- لزم أن يكون ذلك (٣) القرن خيرًا منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن، ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة (٤)؛ لأن من يقول: "قول الصحابي ليس بحجة" يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولًا ولم يخالفه صحابي آخر، وفات هذا الصواب الصحابة، ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء، فكيف يكونون خيرًا ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العد والإحصاء مما (٥) أخطأوا فيه؟ ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها، فيا سبحان اللَّه! أي وصمة أعظم من أن يكون الصدّيق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأضرابهم ﵃ قد أخبر عن حكم اللَّه أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة وأخطأ في (٦) ذلك ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى نبغ (٧) من بعدهم فعرفوا حكم اللَّه الذي جهله أولئك السادة وأصابوا الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة (٨)؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! [هم أمنة الأمة] الوجه الخامس عشر: ما رَوى مسلم في "صحيحه" من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: صلَّينا المغرب مع رسول اللَّه ﷺ فقلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، فجلسنا فخرج علينا فقال: "ما زلتم هاهنا؟! " فقلنا: يا رسول اللَّه

стр. 2499

صلينا معك المغرب ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء قال: "أحسنتم وأصبتم" ورفع رأسه إلى السماء وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: "النجوم أَمَنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" (١)، ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النجوم إلى السماء، ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ، ونظير اهتداء (٢) أهل الأرض بالنجوم، وأيضًا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم (٣)، وحِرْزًا من الشر وأسبابه (٤)، فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنة الصحابة وحرزًا لهم (٥). وهذا من المحال. [هم كالملح لا يصلح الطعام بدونه] الوجه السادس عشر: ما رواه أبو عبد اللَّه بن بطة من حديث الحسن، عن أنس ﵁ [أنه] (٦) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن مثل أصحابي في أمتي كمثل الملح في الطعام، لا يصلح الطعام إلا بالملح" (٧) قال الحسن: قد ذهب

стр. 2500

ملحنا فكيف نصلح؟ وروى ابن بطة أيضًا بإسنادين (١) إلى عبد الرزاق: أخبرنا معمر عمَّن سمع الحسن يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل أصحابي في الناس كمثل الملح في الطعام" (٢) ثم يقول الحسن: هيهات! ذهب ملح القوم. وقال (٣) الإمام أحمد: حدثنا حسين (٤) بن علي الجعفي، عن [أبي موسى -يعني] (٥) إسرائيل-، عن الحسن قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل أصحابي كمثل الملح في الطعام" (٦) قال: يقول الحسن: هل يطيب الطعام إلا بالملح؟ ويقول الحسن: فكيف بقوم ذهب ملحُهم؟ ووجه الاستدلال أنه شبَّه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاح الطعام به، فلو جاز أن يفتوا بالخطأ ولا يكون في عصرهم من يفتي بالصواب ويظفر به من بعدهم لكان من بعده ملحًا لهم، وهذا محال؛ يوضحه أن الملح كما أن به صلاح الطعام؛ فالصواب به صلاح الأنام، فلو أخطأوا فيما أفتوا به لاحتاج ذلك إلى ملح يصلحه، فإذا أفتى من بعدهم بالحق كان قد أصلح خطأهم فكان ملحًا لهم.

стр. 2501

[لا يزن إنفاق مثل أحد ذهبًا مد أحدهم أو نصيفه] الوجه السابع عشر: ما روى البخاري في "صحيحه" من حديث الأعمش قال: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسبُّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نَصِيفه" (١)، وفي لفظ: "فوالذي نفسي بيده" (٢)، وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مُسلمة الفتح والحديبية (٣)، فإذا كان مد أحد أصحابه أو نصيفه (٤) أفضل عند اللَّه من مثل أحد ذهبًا من مثل خالد وأضرابه من الصحابة فكيف يجوز أن يحرمهم اللَّه الصواب في الفتاوى ويظفر به من بعدهم؟ هذا من أبَيْن المحال. [هم وزراء الرسول وأنصاره وأصهاره] الوجه الثامن عشر: ما روى الحُميديُّ: ثنا محمد بن طلحة قال: حدثني عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عويم (٥) بن ساعدة، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه اختارني، واختار لي أصحابًا (٦)، فجعل (٧) لي منهم وزراء وأنصارًا وأصهارًا" (٨) الحديث، ومن المحال أن يُحرم اللَّه الصواب من اختارهم لرسوله وجعلهم وزراءه وأنصاره وأصهاره (٩)، ويعطيه من بعدهم في شيء من الأشياء.

стр. 2502

[قلوبهم خير قلوب العباد] الوجه التاسع عشر: ما روى أبو داود الطيالسي: ثنا المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ قال: إن اللَّه نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه، فما رآه المسلمون (١) حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح (٢)، ومن المحال أن يخطئ الحق في حكم اللَّه خير قلوب العباد بعد رسول اللَّه ﷺ ويظفر به من بعدهم، وأيضًا فإن ما أفتى به أحدهم وسكت عنه الباقون كلهم فإما أن يكونوا قد رأوه حسنًا أو يكونوا قد رأوه قبيحًا فإن كانوا قد رأوه حسنًا فهو حسن عند اللَّه، وإن كانوا [قد] (٣) رأوه قبيحًا ولم ينكروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد، وكان من أنكره بعدهم خيرًا منهم وأعلم، وهذا من أبين المحال. [هم أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا] الوجه العشرون: ما رواه الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: "من كان متاسيًا فليتأس بأصحاب رسول اللَّه (٤) ﷺ ورضي عنهم؛ فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمَّة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلّها تكلفًا وأقومها هديًا وأحسنها حالًا قوم اختارهم اللَّه لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم، واتّبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم" (٥)، ومن المحال أن يُحرم اللَّه أَبرّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا الصواب في أحكامه ويوفق له من بعدهم.

стр. 2503

[هم السابقون إلى كل خير] الوجه الحادي والعشرون: ما رواه الطبراني وأبو نُعيم وغيرهما عن حذيفة بن اليمان أنه قال: يا معشر القرَّاء، خذوا طريق من كان قبلكم، فواللَّه لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا ولئن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا (١)، ومن المحال أن يكون الصواب في غير طريق من سبق إلى كل خير على الإطلاق. [اتباع الحق في سنتهم] الوجه الثاني والعشرون: ما قاله (٢) جُندب بن عبد اللَّه لفرقة دخلت عليه من الخوارج، فقالوا: ندعوك إلى كتاب اللَّه، فقال: أنتم؟ قالوا: نحن، قال: أنتم؟ قالوا: نحن، فقال: يا أخابيث (٣) خلق اللَّه في اتباعنا تختارون (٤) الضلالة، أم في غير سنتنا تلتمسون الهُدى؟ اخرجوا عني (٥). ومن المعلوم أن من جَوَّز أن يكون الصحابة أخطأوا في فتاويهم فمن بعدهم وخالفهم فيها فقد اتبع الحق في غير سنتهم، وقد دعاهم إلى كتاب اللَّه؛ فإن كتاب اللَّه إنما يدعو إلى الحق، وكفى ذلك إزراءً على نفوسهم وعلى الصحابة. [هم الراشدون المهديون] الوجه الثالث والعشرون: ما رواه الترمذي من حديث العرباض بن سارية

стр. 2504

قال: وعظنا رسول اللَّه ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول اللَّه كأنها موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "عليكم بالسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة [بدعة، (وكل بدعة)] ضلالة" (١)، وهذا حديث حسن، إسناده لا بأس به، فقرن سنة خلفائه (٢) بسنَّته، وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته، وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن (٣) يعض عليها بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفتوا به وسنوه للأمة وإن لم يتقدم من نبيهم فيه شيء، وإلا (٤) كان ذلك سنته، ويتناول (٥) ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم لأنه علَّق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك [وهم خلفاء] في آن واحد، فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين [و] (٦) رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي سمع العرباض بن سارية، فذكر نحوه (٧).

стр. 2505

سلسلة مكتبة ابن القيم [٦] إعلام الموقعين عن رب العالمين تصنيف أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ قرأه وقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان شارك في التخريج أبو عمر أحمد عبد الله أحمد [المجلد السادس] دار ابن الجوزي

стр. 2506

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2507

إِعلامُ الموقِّعِين عَن رَبِّ العَالمين [٦]

стр. 2508

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار ابْن الْجَوْزِيّ الطبعة الأولى رَجَب ١٤٢٣ هـ حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © ١٤٢٣ هـ لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر دَار ابْن الْجَوْزِيّ للنشر والتوزيع المملكة الْعَرَبيَّة السعودية الدمام - شَارِع ابْن خلدون ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣ ص ب: ٢٩٨٢ - الرَّمْز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ الإحساء - الهفوف - شَارِع الجامعة ت: ٥٨٨٣١٢٢ جدة ت: ٦٥١٦٥٤٩ الرياض ت: ٤٢٦٦٣٣٩

стр. 2509

[إيجاب الاقتداء بهم] الوجه الرابع والعشرون: ما رواه الترمذي من حديث الثوري عن عبد الملك بن عُمير، عن هلال مولى رِبعي بن حِراش (١)، عن رِبعي، عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اقتدوا باللَّذَين من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" (٢) قال الترمذي: هذا حديث حسن، ووجه الاستدلال (٣) به ما تقدم في تقرير المتابعة (٤). [الرشد في طاعة أبي بكر وعمر] الوجه الخامس والعشرون: ما رواه مسلم في "صحيحه" [من حديث عبد اللَّه بن رَبَاح] (٥)، عن أبي قتادة أن النبي ﷺ [قال] (٥): "إن يُطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا" (٦)، وهو في حديث الميضأة الطويل (٧)، فجعل الرشد معلَّقًا بطاعتهما (٨)، فلو أفتوا بالخطأ في حكم وأصابه من بعدهم لكان الرشد في خلافهما (٩). الوجه السادس والعشرون: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر (١٠) وعمر في شأن تأمير القَعْقَاعِ بن حكيم والأقرع بن حابس: "لو اتفقتما على شيء لم أخالفكما" (١١) فهذا رسول ﷺ يخبر أنه لا يخالفهما لو اتفقا، ومن يقول قولهما

стр. 2510

ليس بحجة يُجوز مخالفتهما وبعض غلاتهم يقول: لا يجوز الأخذ بقولهما ويجب الأخذ بقول إمامنا الذي قلّدناه، وذلك موجود في كتبهم. الوجه السابع والعشرون: أن النبي ﷺ نظر إلى أبي بكر وعمر فقال: "هذان السَّمعُ والبصر" (١) أي هما مني بمنزلة السمع والبصر، أو هما من الدين بمنزلة

стр. 2511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2512

السمع والبصر، ومن المحال أن يحرم سمع الدين وبصره الصواب ويظفر به من بعدهما. الوجه الثامن والعشرون: ما رواه أبو داود وابن ماجه [من حديث ابن إسحاق، عن مكحول، عن غضيف بن الحارث] (١)، عن أبي ذر قال: مرَّ فتى على عمر [﵁] (١)، فقال [عمر] (١): نِعمَ الفتى، قال: فتبعه أبو ذر، فقال: يا فتى استغفر لي، فقال (٢): يا أبا ذر أستغفر لك وأنت صاحب رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: استغفر لي، قال: لا أو تخبرني (٣)، قال: إنك مررتَ على عمر فقال: نعم الفتى، وإني سمعت النبي (٤) ﷺ يقول: "إن اللَّه جعل الحق على لسان عمر وقلبه" (٥)، ومن المحال أن يكون الخطأ في مسألة أفتى بها من جعل اللَّه الحقَّ

стр. 2513

على لسانه وقلبه حظَّه (١)، ولا ينكره [عليه] (٢) أحد من الصحابة، ويكون الصواب فيها حَظَّ من بعده، هذا من أبين المحال. الوجه التاسع والعشرون: ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "قد كان فيمن خَلا من الأمم أناس مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد [منهم] فهو عمر" (٣)، وهو في "المسند"، و"الترمذي" وغيرهما من حديث أبي هريرة، والمحدَّثُ: هو المتكلم (٤) الذي يُلقي اللَّه في روعه الصواب يحدثه به المَلَكُ عن اللَّه، ومن المحال أن يختلف هذا ومن بعده في مسألة، ويكون الصواب فيها مع المتأخر دونه، فإن ذلك يستلزم أن [يكون ذلك] (٥) الغير هو المحدث بالنسبة إلى هذا (٦) الحكم دون أمير المؤمنين [﵁] (٥)، وهذا وإن أمكن في أقرانه من الصحابة فإنه لا يخلو عصرهم من الحق إما على لسان عمر، وإما على لسان غيره منهم، ومن (٧) المحال أن يفتي أمير المؤمنين المحدث بفتوى أو يحكم بحكم، ولا يقول أحد من الصحابة غيره، ويكون خطأ ثم يُوفَّقَ له من بعدهم فيصيب الحق، ويخطئه الصحابة. الوجه الثلاثون: ما رواه الترمذي [من حديث بكر بن عمرو، عن مِشْرَح بن

стр. 2514

هاعان] (١)، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يَقول: "لو كان بعدي نبي لكان عمر" (٢)، وفي لفظ: "لو لم أبعث فيكم لبعث [فيكم] عمر" (٣) قال الترمذي: حديث حسن، ومن المحال أن يختلف مَن هذا شأنه، ومن بعده من المتأخرين في حكم من أحكام الدين، ويكون حظ عمر منه الخطأ وحظ ذلك المتأخر منه الصواب.

стр. 2515

الوجه الحادي والثلاثون: ما روى إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن عليًا ﵁ (١) قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر (٢)، ومن المحال

стр. 2516

أن يكون من بعدَهُ من المتأخرين أسعدَ بالصواب منه في أحكام اللَّه تعالى (١)، ورواه عمرو بن ميمون عن زرّ عن علي ﵁. الوجه الثاني والثلاثون: ما رواه واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود [﵁] (٢) قال: ما رأيت عمر إلا وكأنّ بين عينيه مَلَكًا يسدده (٣)، ومعلوم قطعًا أن هذا أولى بالصواب ممن ليس بهذه المَثَابة. الوجه الثالث والثلاثون: ما رواه الأعمش عن شقيق قال: قال عبد اللَّه (٤): [واللَّه] (٥) لو أن علم عمر وُضعَ في كفة ميزان، وجُعل علم أهل الأرض في كفّة لرجَحَ علم عمر، فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: قال عبد اللَّه: [واللَّه] (٥) إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم (٦)، ومن أبعد الأمور أن يكون المخالف لعمر بعد انقراض عصر الصحابة أولى بالصواب منه في شيء من الأشياء. الوجه الرابع والثلاثون: ما رواه ابن عيينة، عن عبيد اللَّه (٧) بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سُئل عن شيء، وكان في القرآن أو السنة قال به، وإلا قال بما

стр. 2517

قال به أبو بكر وعمر، فإن لم يكن قال برأيه (١). فهذا ابن عباس -واتِّباعه للدليل وتحكيمه للحجة معروف، حتى [إنه] (٢) يخالف لما قام عنده من الدليل أكابرَ الصحابة- يجعل (٣) قول أبي بكر وعمر حجة يؤخذ بها بعد قول اللَّه ورسوله، ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة. الوجه الخامس والثلاثون: ما رواه منصور، عن زيد بن وهب، عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رضيتُ لأمتي ما رضي لها ابنُ أم عبد" (٤)، كذا رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زائدة (٥) عن منصور، والصواب ما رواه إسرائيل وسفيان عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ مرسلًا ولكن قد روى جعفر بن عون (٦) عن المسعودي عن جعفر بن عمرو بن حُريث (٧) عن أبيه قال: قال النبي ﷺ لعبد اللَّه بن مسعود: "اقرأ عليَّ" قال: أقرأ [عليك] (٨) وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فافتتح سورة النساء حتى إذا بلغ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فاضَتْ عينا رسول اللَّه ﷺ وكفَّ عبدُ اللَّه [بن مسعود] (٩)، فقام رسول اللَّه ﷺ وتكلَّم فحمد اللَّه [وأثنى عليه] (٨) في أول كلامه وأثنى على اللَّه، وصلّى على نبيه (١٠) ﷺ ، وشهد شهادة الحق، وقال: "رضينا (١١) باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا ورضيت لكم ما رضي [لكم] (٨) ابن أم عبد" (١٢)، ومن قال: ليس قوله بحجة،

стр. 2518

وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف [له] (١) لم يَرْضَ للأمة ما رضيه (٢) لهم ابن أم عبد، ولا ما رضيه رسول اللَّه ﷺ . الوجه السادس والثلاثون: ما رواه أبو إسحاق، عن حارثة بن مُضرِّب قال: كتب عمر ﵁ إلى [أهل] (٣) الكوفة: "قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا و [عبد اللَّه] (٤) بن مسعود معلمًا ووزيرًا وهما من النُّجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر، فاقتدوا بهما واسمعوا قولهما وقد آثرتكم بعبد اللَّه على نفسي" (٥)، فهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وابن مسعود، ويسمعوا قولهما ومن لم يجعل قولَهما حجة يقول: لا يجب الاقتداء بهما ولا سماع أقوالهما إلا فيما أجمعت عليه الأمة، ومعلوم أن ذلك لا اختصاص لهما به، بل فرق فيه بينهما (٦) وبين غيرهما من سائر الأمة. الوجه السابع والثلاثون: ما قاله عُبادة بن الصَّامت وغيره: بايعنا رسول اللَّه ﷺ على أن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في اللَّه لومة لائم (٧)، ونحن نشهد باللَّه أنهم وَفَوْا بهذه البيعة، وقالوا بالحق، وصدعوا به، ولم تأخذهم في اللَّه لومة لائم، ولم يكتموا شيئًا منه مخافة سوط ولا عصا (٨)، ولا أمير ولا وال كما هو

стр. 2519

معلوم لمن تأمله من هديهم (١) وسيرتهم، فقد أنكر أبو سعيد على مروان وهو أمير على المدينة (٢)، وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية وهو خليفة (٣)، وأنكر ابن عمر على الحجاج مع سَطْوته وبأسه، وأنكر على عمرو بن سعيد (٤)، وهو أمير على المدينة، وهذا كثير [جدًا] (٥) من إنكارهم على الأمراء والولاة إذا خرجوا عن العدل لم يخافوا سَوطهم (٦) ولا عقوبتهم، ومن بعدهم لم تكن لهم (٧) هذه المنزلة، بل كانوا يتركون كثيرًا من الحق خوفًا من ولاة الظلم وأمراء الجور، فمن المحال أن يوفَّق هؤلاء (٨) للصواب ويحرمه أصحاب رسول اللَّه ﷺ . الوجه الثامن والثلاثون: ما ثبت في "الصحيح" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ رقى المنبر فقال: "إن عبدًا خيّره اللَّه بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند اللَّه" فبكى أبو بكر ﵁ وقال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا لبكائه أن يُخبر النبي ﷺ عن رجل خُيّر فكان المخيّر رسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو بكر أعلمنا به (٩)، وقال (١٠) النبي ﷺ : "إن أمَنَّ الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت مُتّخذًا من [أهل] الأرض خليلًا لاتخذتُ أبا بكر خليلًا ولكن أخوةُ الإسلام ومودّته، لا يبقى (١١) في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب

стр. 2520

أبي بكر" (١)، و [من] (٢) المعلوم أن فَوْت الصواب في الفتوى لأعلم الأمة برسول اللَّه ﷺ ولجميع الصحابة معه، وظَفَرَ فلان وفلان من المتأخرين بهذا من أمحل المحال (٣)، ومن لم يجعل قولَه حجة يُجَوِّزُ ذلك، بل يحكم بوقوعه، واللَّه المستعانُ. الوجه التاسع والثلاثون: ما رواه زائدة، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد اللَّه قال: لما قُبض رسول اللَّه ﷺ قال (٤) الأنصار: منَّا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر، قال: ألستم تعلمون أن رسول اللَّه ﷺ أمر أبا بكر أن يَؤُمَّ الناس؟ قالوا: بلى، قال: فأيكم تطيب نفسُهُ أن يتقدم على أبي بكر؟ فقالوا: نعوذ باللَّه أن نتقدم على أبي بكر (٥). ونحن نقول لجميع المفتين: أيكم تطيب نفسه أن يتقدَّم على أبي بكر إذا أفتى بفتوى وأفتى من قلَّدتموه بغيرها؟ ولا سيما مَنْ قال من زعمائكم: إنه يجب تقليد من قلّدناه ديننا ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق [﵁] (٦) اللهم إنا نُشهدكَ أن أنفسنا لا تطيب بذلك، ونعوذ بك أن تطيب به نفسًا (٧). الوجه الأربعون (٨): ما ثبت في "الصحيح" [من حديث الزهري] (٦)، [عن حمزة بن عبد اللَّه، عن أبيه عن] (٩) رسول اللَّه ﷺ قال: "بينما أنا نائم إذ أُتيتُ بقدح لبن، فقيل لي: اشرب، فشربت منه، حتى إني أرى الرِّيَّ يجري في أظفاري (١٠)، ثم أعطيت فضلتي (١١) عمر، قالوا: فما أوَّلت ذلك؟ قال: العلم" (١٢).

стр. 2521

ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أو حكم لا يُعلم أن أحدًا من الصحابة خالفه فيه، وقد شهد له رسول اللَّه ﷺ بهذه الشهادة. الوجه الحادي والأربعون: ما ثبت في "الصحيح" [من حديث عبد اللَّه بن أبي زيد] (١)، عن ابن عباس [﵄] (١): أنه وُضع للنبي ﷺ وضوءًا، فقال: من وضع هذا؟ قالوا: ابن عباس، فقال: "اللهم فقهه في الدين" (٢)، وقال عكرمة: ضمني إليه رسول اللَّه ﷺ فقال: "اللهم علمه الحكمة" (٢). ومن المستبعد جدًا بل [من] (٣) الممتنع أن يُفتي حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول اللَّه ﷺ بدعوة مستجابة قطعًا أن يفقِّهه في الدين ويعلّمه الحكمة ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة، ويكون فيها على خطأ، ويفتي واحد من المتأخرين بعده بخلاف فتواه، ويكون الصواب معه، فيظفر به هو ومقلدوه (٤)، ويحرمه ابن عباس والصحابة ﵃. الوجه الثاني والأربعون (٥): أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديث عن النبي ﷺ ولا اختلاف بين الصحابة ﵃، وإنما قال بعضهم فيها قولًا وأفتى بفُتيا ولم يعلم أن قوله وفتياه اشتهر (٦) في الباقين ولا أنهم خالفوه، وحينئذ فنقول: من تأمَّل المسائل الفقهية، والحوادث الفرعية (٧)، وتدَّرب بمسالكها، وتصرَّف في مداركها، وسلك سُبُلها ذللًا، وارتوى من مواردها عللًا (٨) ونهلًا (٩)، علم قطعًا أن كثيرًا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يُوثق فيها بظاهر مُراد (١٠)، أو قياس صحيح ينشرح له الصدر ويثلج له الفؤاد، بل تتعارض فيها

стр. 2522

الظواهر والأقيسة على وجه يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى لا يبقى للظنِّ رجحان بيِّن، لا سيما إذا اختلف الفقهاء؛ فإن عقولهم من أكمل العقول وأوفرها (١) فإذا تلدَّدوا (٢) وتوقفوا ولم يتقدموا ولم يتأخروا لم يكن [ذلك] (٣) في المسألة طريقة واضحة ولا حجة لائحة، فإذا وجد فيها قول لأصحاب رسول اللَّه ﷺ [ورضي اللَّه عنهم] (٣) الذين هم سادات الأمة، وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب ربهم [تعالى] (٣) وسنة نبيهم ﷺ ، وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة من بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين كان الظن والحالة هذه بأن الصواب في جهتهم والحق في جانبهم (٤) من أقوى الظنون (٥) وهو أقوى من [الظن] (٦) المستفاد من كثير [من] (٣) الأقيسة، هذا ما لا يمتري فيه عاقل منصف، وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد [الرأي] الذي لا رأي سواه، وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح ولو استند إلى استصحاب أو قياس علة أو دلالة أو شبه (٧) أو عموم مخصوص أو محفوظ مطلق أو وارد على سبب (٨)، فلا شك أن الظن الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يخالف أرجح من كثير من الظنون المستندة إلى هذه الأمور أو أكثرها، وحصول الظن الغالب في القلب ضروري (٩) كحصول الأمور الوجدانية، ولا يخفى على العالم أمثلة ذلك. الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولًا أو حكم بحكم (١٠) أو

стр. 2523

أفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنَّا، ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شفاهًا أو من صحابي آخر عن رسول اللَّه ﷺ (١)، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يُحاط به، فلم يَروِ [كلٌّ منهم كلَّ] (٢) ما سمع، وأين ما سمعه الصديق [﵁] (٣) والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة [﵃] (٣) إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صدِّيقُ الأمة مئة حديث (٤) وهو لم يغب عن النبي ﷺ شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث [بل قبل البعث] (٥) إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به ﷺ بقوله (٦) وفعله وهديه وسيرته، وكذلك أجلَّة الصحابة (٧) روايتهم قليلة جدًا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم ﷺ ورضي عنهم، وشاهدوه، ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة ﵁ أضعافًا مضاعفة، فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير، فقول (٨) القائل: "لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيءٌ عن النبي ﷺ لذكره" قولُ (٩) مَنْ لم يعرف سِيرَ القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الروايةَ عن رسول اللَّه ﷺ (١٠) ويعظِّمونها ويقلِّلونها خوف الزيادة والنقص، ويحدِّثون بالشيء الذي سمعوه من النبي ﷺ مرارًا، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول اللَّه ﷺ (١١).

стр. 2524

فتلك الفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة وجوه (١): أحدها: أن يكون سمعها من النبي ﷺ (٢). الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه. الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب اللَّه فهمًا خفي علينا. الرابع: أن يكون [قد] (٣) اتفق عليها ملؤهم، ولم يُنقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده. الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد (٤) به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور (٥) فهموها على طول الزمان من رؤية النبي ﷺ ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته، وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فَهِم ما لا نفهمه نحن (٦)، وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها.

стр. 2525

السادس: أن يكون فَهِم ما لم يُرِده الرسول (١) ﷺ ، وأخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة، ومعلوم قطعًا أن وقوع احتمال (٢) من خمسة أغلب [على الظن] (٣) من وقوع احتمال واحد معيَّن، هذا ما لا يشك فيه عاقل [من بعده] (٤)، يفيد ظنًا غالبًا قويًا على أن الصواب في قوله دون ما خالفه (٥) من أقوال من بعده، وليس المطلوب إلا الظن الغالب، والعمل به متعين، ويكفي العارف هذا الوجه. فصل [من وجوه فضل الصحابة] هذا فيما انفردوا به عنا، أما المدارك التي شاركناهم فيها (٦) من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أَبرَّ قلوبًا، وأعمق علمًا وأقل تكلّفًا وأقرب إلى أن يوفَّقوا فيها لما لم نوفق له نحن، لما خصَّهم اللَّه [تعالى] (٧) به من توقّد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلّة المعارض (٨) أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى (٩)، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم (١٠)، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح
следующие страницы →