стр. 2521
ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أو حكم لا يُعلم أن أحدًا من الصحابة خالفه فيه، وقد شهد له رسول اللَّه ﷺ بهذه الشهادة.
الوجه الحادي والأربعون: ما ثبت في "الصحيح" [من حديث عبد اللَّه بن أبي زيد] (١)، عن ابن عباس [﵄] (١): أنه وُضع للنبي ﷺ وضوءًا، فقال: من وضع هذا؟ قالوا: ابن عباس، فقال: "اللهم فقهه في الدين" (٢)، وقال عكرمة: ضمني إليه رسول اللَّه ﷺ فقال: "اللهم علمه الحكمة" (٢).
ومن المستبعد جدًا بل [من] (٣) الممتنع أن يُفتي حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول اللَّه ﷺ بدعوة مستجابة قطعًا أن يفقِّهه في الدين ويعلّمه الحكمة ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة، ويكون فيها على خطأ، ويفتي واحد من المتأخرين بعده بخلاف فتواه، ويكون الصواب معه، فيظفر به هو ومقلدوه (٤)، ويحرمه ابن عباس والصحابة ﵃.
الوجه الثاني والأربعون (٥): أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديث عن النبي ﷺ ولا اختلاف بين الصحابة ﵃، وإنما قال بعضهم فيها قولًا وأفتى بفُتيا ولم يعلم أن قوله وفتياه اشتهر (٦) في الباقين ولا أنهم خالفوه، وحينئذ فنقول: من تأمَّل المسائل الفقهية، والحوادث الفرعية (٧)، وتدَّرب بمسالكها، وتصرَّف في مداركها، وسلك سُبُلها ذللًا، وارتوى من مواردها عللًا (٨) ونهلًا (٩)، علم قطعًا أن كثيرًا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يُوثق فيها بظاهر مُراد (١٠)، أو قياس صحيح ينشرح له الصدر ويثلج له الفؤاد، بل تتعارض فيها