← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أو حكم لا يُعلم أن أحدًا من الصحابة خالفه فيه، وقد شهد له رسول اللَّه ﷺ بهذه الشهادة. الوجه الحادي والأربعون: ما ثبت في "الصحيح" [من حديث عبد اللَّه بن أبي زيد] (١)، عن ابن عباس [﵄] (١): أنه وُضع للنبي ﷺ وضوءًا، فقال: من وضع هذا؟ قالوا: ابن عباس، فقال: "اللهم فقهه في الدين" (٢)، وقال عكرمة: ضمني إليه رسول اللَّه ﷺ فقال: "اللهم علمه الحكمة" (٢). ومن المستبعد جدًا بل [من] (٣) الممتنع أن يُفتي حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول اللَّه ﷺ بدعوة مستجابة قطعًا أن يفقِّهه في الدين ويعلّمه الحكمة ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة، ويكون فيها على خطأ، ويفتي واحد من المتأخرين بعده بخلاف فتواه، ويكون الصواب معه، فيظفر به هو ومقلدوه (٤)، ويحرمه ابن عباس والصحابة ﵃. الوجه الثاني والأربعون (٥): أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديث عن النبي ﷺ ولا اختلاف بين الصحابة ﵃، وإنما قال بعضهم فيها قولًا وأفتى بفُتيا ولم يعلم أن قوله وفتياه اشتهر (٦) في الباقين ولا أنهم خالفوه، وحينئذ فنقول: من تأمَّل المسائل الفقهية، والحوادث الفرعية (٧)، وتدَّرب بمسالكها، وتصرَّف في مداركها، وسلك سُبُلها ذللًا، وارتوى من مواردها عللًا (٨) ونهلًا (٩)، علم قطعًا أن كثيرًا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يُوثق فيها بظاهر مُراد (١٠)، أو قياس صحيح ينشرح له الصدر ويثلج له الفؤاد، بل تتعارض فيها

стр. 2522

الظواهر والأقيسة على وجه يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى لا يبقى للظنِّ رجحان بيِّن، لا سيما إذا اختلف الفقهاء؛ فإن عقولهم من أكمل العقول وأوفرها (١) فإذا تلدَّدوا (٢) وتوقفوا ولم يتقدموا ولم يتأخروا لم يكن [ذلك] (٣) في المسألة طريقة واضحة ولا حجة لائحة، فإذا وجد فيها قول لأصحاب رسول اللَّه ﷺ [ورضي اللَّه عنهم] (٣) الذين هم سادات الأمة، وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب ربهم [تعالى] (٣) وسنة نبيهم ﷺ ، وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة من بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين كان الظن والحالة هذه بأن الصواب في جهتهم والحق في جانبهم (٤) من أقوى الظنون (٥) وهو أقوى من [الظن] (٦) المستفاد من كثير [من] (٣) الأقيسة، هذا ما لا يمتري فيه عاقل منصف، وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد [الرأي] الذي لا رأي سواه، وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح ولو استند إلى استصحاب أو قياس علة أو دلالة أو شبه (٧) أو عموم مخصوص أو محفوظ مطلق أو وارد على سبب (٨)، فلا شك أن الظن الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يخالف أرجح من كثير من الظنون المستندة إلى هذه الأمور أو أكثرها، وحصول الظن الغالب في القلب ضروري (٩) كحصول الأمور الوجدانية، ولا يخفى على العالم أمثلة ذلك. الوجه الثالث والأربعون: أن الصحابي إذا قال قولًا أو حكم بحكم (١٠) أو

стр. 2523

أفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنَّا، ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شفاهًا أو من صحابي آخر عن رسول اللَّه ﷺ (١)، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يُحاط به، فلم يَروِ [كلٌّ منهم كلَّ] (٢) ما سمع، وأين ما سمعه الصديق [﵁] (٣) والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة [﵃] (٣) إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صدِّيقُ الأمة مئة حديث (٤) وهو لم يغب عن النبي ﷺ شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث [بل قبل البعث] (٥) إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به ﷺ بقوله (٦) وفعله وهديه وسيرته، وكذلك أجلَّة الصحابة (٧) روايتهم قليلة جدًا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم ﷺ ورضي عنهم، وشاهدوه، ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة ﵁ أضعافًا مضاعفة، فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير، فقول (٨) القائل: "لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيءٌ عن النبي ﷺ لذكره" قولُ (٩) مَنْ لم يعرف سِيرَ القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الروايةَ عن رسول اللَّه ﷺ (١٠) ويعظِّمونها ويقلِّلونها خوف الزيادة والنقص، ويحدِّثون بالشيء الذي سمعوه من النبي ﷺ مرارًا، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول اللَّه ﷺ (١١).

стр. 2524

فتلك الفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة وجوه (١): أحدها: أن يكون سمعها من النبي ﷺ (٢). الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه. الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب اللَّه فهمًا خفي علينا. الرابع: أن يكون [قد] (٣) اتفق عليها ملؤهم، ولم يُنقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده. الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد (٤) به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور (٥) فهموها على طول الزمان من رؤية النبي ﷺ ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته، وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فَهِم ما لا نفهمه نحن (٦)، وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها.

стр. 2525

السادس: أن يكون فَهِم ما لم يُرِده الرسول (١) ﷺ ، وأخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة، ومعلوم قطعًا أن وقوع احتمال (٢) من خمسة أغلب [على الظن] (٣) من وقوع احتمال واحد معيَّن، هذا ما لا يشك فيه عاقل [من بعده] (٤)، يفيد ظنًا غالبًا قويًا على أن الصواب في قوله دون ما خالفه (٥) من أقوال من بعده، وليس المطلوب إلا الظن الغالب، والعمل به متعين، ويكفي العارف هذا الوجه. فصل [من وجوه فضل الصحابة] هذا فيما انفردوا به عنا، أما المدارك التي شاركناهم فيها (٦) من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أَبرَّ قلوبًا، وأعمق علمًا وأقل تكلّفًا وأقرب إلى أن يوفَّقوا فيها لما لم نوفق له نحن، لما خصَّهم اللَّه [تعالى] (٧) به من توقّد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلّة المعارض (٨) أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى (٩)، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم (١٠)، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح

стр. 2526

والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا (١) عن ذلك كله، فليس في حقهم إلا أمران: أحدهما: قال اللَّه [تعالى] (٢) كذا، وقال رسوله كذا. والثاني: معناه كذا وكذا، وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما (٣) فقواهم متوفرة (٤) مجتمعة عليهما، وأما المتأخرون فقواهم (٥) متفرقة، وهممهم متشعبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول [وقواعدها قد أخذت منها شعبة] (٦)، وعلم الإسناد و [أحوال] (٦) الرواة [قد أخذ منها] (٦) شعبة، وفكرهم في كلام مصنّفيهم وشيوخهم على اختلافهم وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إنْ كان لهم هممٌ تسافر إليها وصلوا إليها بقلوبٍ وأذهانٍ قد كلَّتْ من السير في غيرها، وأوهن قواها (٧) مواصلةُ السرى في سواها، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب [تلك] (٨) القوة، وهذا أمر يحس به الناظر في مسألة إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها، ثم صار إليها وَافَاها بذهن كالٍ وقوة ضعيفة (٩). وهذا شأن من استعمل قواه (١٠) في الأعمال غير المشروعة تَضعُف قوته عند

стр. 2527

العمل المشروع، كمن استفرغ قوَّته في السماع الشيطاني فإذا جاء قيام الليل قام إلى ورده بقوة كالّة، وعزيمة باردة، وكذلك من صرف قوى حبِّه وإرادته إلى الصور أو المال (١) أو الجاه، فإذا طالب قلبه بمحبة اللَّه فإن انجذب معه انجذب بقوة ضعيفة قد استفرغها في محبة غيره، فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس، فإذا جاء إلى كلام اللَّه و [كلام] رسوله جاء بفكرة كالَّةٍ (٢) فأعطى بحسب ذلك (٣). والمقصود أن الصحابة أغناهم اللَّه تعالى عن ذلك كله (٤)، فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط، هذا إلى ما خصوا به من قوى الأذهان وصفائها، وصحتها وسرعة إدراكها (٥)، وكماله، وكثرة المعاون، وقلة المعاوق (٦)، وقرب العهد بنور النبوة، والتلقي من تلك المشكاة النبوية، فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا وما شاركناهم فيه فكيف نكون نحن أو شيوخنا (٧) أو شيوخهم أو من قلَّدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل؟ ومن حدّث نفسه بهذا فليعرِّها (٨) من الدين والعلم، واللَّه المستعان (٩). الوجه الرابع والأربعون (١٠): أن النبي ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" (١١) وقال علي ﵁ (١٢): "لن تخلو الأرض من قائم للَّه بحُجَّة لكيلا تبطل حُجَجُ اللَّه وبيّناته" (١٣)، فلو جاز أن يخطئ الصحابة في حكم ولا

стр. 2528

يكون في [ذلك] (١) العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الأمة قائم بالحق في [ذلك] (١) الحكم؛ لأنهم بين ساكت ومخطئ، ولم يكن في الأرض قائم للَّه بحجة في ذلك الأمر، ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر، حتى نبغت نابغة فقامت بالحجة وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. الوجه الخامس والأربعون: أنهم إذا قالوا قولًا أو بعضهم ثم خالفهم مخالف من غيرهم كان مبتديًا لذلك القول ومبتدعًا له (٢)، وقد قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضَّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، [فإن كل بدعة ضلالة"] (٣)، وقول من جاء بعدهم يخالفهم من محدثات الأمور فلا يجوز اتّباعهم. وقال عبد اللَّه بن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٤)، وقال أيضًا: إنَّا نقتدي (٥) ولا نبتدي، ونتَّبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر (٦)، وقال أيضًا: إياكم والتبدُّع، وإياكم

стр. 2529

والتنطُّع، وإياكم والتعمق، وعليكم [بالدين] العتيق (١)، وقال أيضًا: أنا لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال، أمور تكون من كُبرائكم، فأيما مُرَيّة أو رُجيل (٢) أدرك ذلك الزمان فالسّمتَ الأول، فالسمتَ (٣) الأول، فإنا اليوم على السنة (٤). وقال أيضًا: [و] (٥) إياكم والمحدثات؛ فإن شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة

стр. 2530

ضلالة (١)، وقال أيضًا: اتبع ولا تبتدع، فإنك لن تضل ما أخذت بالأثر (٢).

стр. 2531

وقال ابن عباس ﵁: كان يقال: عليكم بالاستقامة والأثر، وإياكم والتبدع (١). وقال شُرَيح: إنما أقتفي الأثر، فما وجدتُ قد سبقنا إليه غيركم حدثتكم به (٢). وقال [إبراهيم] (٣) النخعي: [لو] (٤) بلغني عنهم -يعني: الصحابة- أنهم لم يجاوزوا بالوضوء ظفرًا (٥) ما جاوزته به، وكفى على قوم إزراءً (٦) أن تخالف أعمالُهم أعمالَ أصحاب نبيهم [ ﷺ ] (٧). وقال عمر بن عبد العزيز: "إنه لم يبتدع الناس بدعة إلا وقد مضى فيها ما هو دليل وعبرة فيها (٨)، والسنة إنما سنَّها (٩) مَنْ علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحُمق والتَّعمُّق، فارْضَ لنفسك ما رضي القوم [لأنفسهم] " (١٠) وقال

стр. 2532

أيضًا: "قف حيث وقف القوم، وقل كما قالوا، واسكت عما (١) سكتوا، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر ناقد كَفُّوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، [أي] (٢) فلئن كان الهدى ما أنتم عليه فلقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: حَدَثَ بَعْدهم فما أحدثه إلا من سلك غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، وإنهم لهُم السابقون، ولقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصِّر، ولا فوقهم محسِّر (٣)، ولقد قصر عنهم قوم فجفوا، وطمح آخرون [عنهم] (٢) فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم" (٤). وقال أيضًا كلامًا كان مالك بن أنس وغيره من الأئمة يستحسنونه ويحدثون به دائمًا، قال: "سنّ رسول اللَّه ﷺ وولاة (٥) الأمر بعده سننًا الأخذُ بها تصديق لكتاب اللَّه واستكمال لطاعته وقوة على دينه، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنّوا فقد اهتدى (٦)، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولّاه اللَّه ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا" (٧).

стр. 2533

ومِنْ هنا أخذ الشافعي الاحتجاج بهذه الآية على أن الإجماع حجة (١). وقال الشعبي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإِياك وآراء الرجال وإن زَخْرَفوا لك القول (٢)، وقال أيضًا: ما حدثوك به عن أصحاب محمد ﷺ فخذه، وما حدثوك [به] (٣) عن رأيهم فانبذه في الحشِّ (٤). قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، وقل بما قالوا، وكفَّ عما كفوا، ولو كان هذا خيرًا ما خُصصتم به دون أسلافكم؛ فإنهم لم يدخر عنهم خير [خبِّئ لكم دونهم لفضل عندكم] (٥)، وهم أصحاب رسول اللَّه ﷺ ورضي عنهم الذين اختارهم [اللَّه] (٦) له وبعثه فيهم ووصفهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (٧)﴾ الآية (٨). الوجه السادس والأربعون: أنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله من فتاوى الصحابة وأقوالهم، ولا ينكره منكر منهم،

стр. 2534

وتصانيف العلماء شاهدة بذلك، ومناظراتهم ناطقة به. قال بعض علماء المالكية: أهل الأعصار مجمعون على الاحتجاج بما هذا سبيله، وذلك مشهور في رواياتهم وكتبهم ومناظراتهم واستدلالاتهم، ويمتنع والحالة هذه إطباق هؤلاء (١) [كلهم] (٢) على الاحتجاج بما لم يشرع اللَّه ورسوله الاحتجاج به ولا نصبه دليلًا للأمة، فأي كتاب شئت من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدت فيه الاستدلال بأقوال الصحابة، ووجدت ذلك طرازها وزينتها، ولم تجد فيها قط ليس قول أبي بكر وعمر حجة، ولا يُحتج بأقوال أصحاب رسول اللَّه ﷺ و [لا] (٣) فتاويهم، ولا ما يدل على ذلك، وكيف يطيب قلب عالم [أن] (٤) يقدّم على أقوال من وافق ربه ﵎ في غير حكم فقال وأفتى بحضرة الرسول ﷺ ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظًا ومعنى قولَ متأخر بعده ليس [له هذه] (٥) الرتبة ولا [ما] (٦) يدانيها؟ وكيف يظن أحد أن الظن [المستفاد من آراء المتأخرين أرجح من الظن] (٧) المستفاد من فتاوى السابقين الأولين الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التأويل وكان الوحي [ينزل] (٨) خلال بيوتهم وينزل على رسول اللَّه ﷺ وهو بين أظهرهم؟. قال جابر: "والقرآن ينزل على رسول اللَّه ﷺ وهو يعرف تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به" (٩) في حديث حجة الوداع؛ فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله وهديه الذي [هو] (١٠) يفصِّل القرآن ويفسره، فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء؟ هذا عين المحال. فإن قيل: فإذا كان هذا حكم أقوالهم في أحكام الحوادث، فما تقولون في

стр. 2535

أقوالهم في تفسير القرآن؟ هل هي حجة يجب المصير إليها؟ (١). قيل: لا ريب أن أقوالهم (٢) في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع، قال أبو عبد اللَّه الحاكم في "مستدركه" (٣): وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع. ومراده أنه

стр. 2536

في [حكمه في] (١) الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه (٢) إذا قال الصحابي في الآية قولًا فلنا أن نقول: هذا القول قول رسول اللَّه ﷺ ، أو قال رسول اللَّه ﷺ (٣)، وله وجه آخر، وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول اللَّه ﷺ بين لهم معاني القرآن وفسّره لهم (٤) كما وصفه اللَّه سبحانه (٥) بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [لنحل: ٤٤] فبين لهم القرآن بيانًا شافيًا كافيًا، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنًى سأله عنه فأوضحه [له] (٦) كما سأله الصِّدِّيق عن قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فبيَّن له المراد (٧)، وكما سأله الصحابة عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] فبيَّن لهم معناها (٨)، وكما سألته أم سلمة عن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] فبين لها أنه العرض (٩)، وكما سأله عمر عن الكلالة [فأحاله على] آية الصَّيف التي في آخر السورة (١٠)، وهذا كثير جدًا، فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن

стр. 2537

فتارة ينقلونه عنه بلفظه، وتارة بمعناه، فيكون ما فسَّروه (١) بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها وتارة بمعناها، وهذا أحسن الوجهين، واللَّه أعلم. فإن قيل: فنحن نجد لبعضهم أقوالًا في التفسير تخالف الأحاديث المرفوعة الصحاح، وهذا كثير، كما فسَّر ابن مسعود الدخان بأنه الأثر الذي حصل عن الجوع الشديد والقحط (٢)، وقد صح عن النبي ﷺ أنه دخان يأتي قبل يوم القيامة يكون من أشراط الساعة مع الدابة والدَّجال وطلوع الشمس من مغربها (٣)، وفسر عمر بن الخطاب قوله [تعالى] (٤): ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] بأنها للبائنة والرجعية، حتى قال: لا ندع كتابَ ربنا (٥) لقول امرأة (٦). مع أن السنة الصحيحة في البائن تخالف هذا التفسير (٧)، وفسَّر علي بن أبي طالب (٨)، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أنها عامة في الحامل والحائل، فقال: تعتد أبعد الأجلين (٩)، والسنة

стр. 2538

الصحيحة بخلافه (١)، وفسر ابن مسعود قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] بأن الصفة لنسائكم الأولى والثانية، فلا تحرم أم المرأة حتى يدخل بها (٢)، والصحيح خلاف قوله، وأن أم المرأة تحرم بمجرد العقد على ابنتها، والصفة راجعة إلى قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وهو قول جمهور الصحابة (٣)، وفسَّر ابن عباس السجل بأنه كاتب للنبي ﷺ يُسمَّى السجل (٤)،

стр. 2539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2540

وذلك وهم، وإنما السجل الصحيفة المكتوبة، واللام مثلها في قوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] وفي قول الشاعر (١): فخرَّ صريعًا لليدين وللفم أي نطوي (٢) السماء كما يُطوى السجل على ما فيه من الكتاب (٣)، وهذا كثير جدًا، فكيف يكون تفسير الصحابي حجة في حكم المرفوع؟ قيل: الكلام في تفسيره كالكلام في فتواه سواء [بسواء] (٤)، وصورة المسألة هنا كصورتها هناك سواء بسواء، وصورتها أن لا يكون في المسألة نص يخالفه (٥)،

стр. 2541

ويقول في الآية قولًا لا يخالفه (١) فيه أحد من الصحابة، سواء علم اشتهاره (٢) أو لم يعلم، وما ذكر من هذه الأمثلة فقد فُقد فيه الأمران (٣)، وهو نظير ما رُوي عن بعضهم من الفتاوى التي تخالف النص وهم مختلفون فيها سواء. فإن قيل: لو كان قوله حجة بنفسه لما أخطأ، ولكان معصومًا، لتقوم الحجة بقوله، فإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى، وكذلك تفسيره فمن أين لكم أن هذه الفتوى المعينة والتفسير المعين من قسم الصواب؟ إذ صورة المسألة أنه لم يقم على المسألة دليل غير قوله، وقوله ينقسم فما الدليل على أن هذا القول المعين من أحد القسمين ولا بد؟ قيل: الأدلة المتقدمة تدل على انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة، وهو أنه (٤) من الممتنع أن يقولوا في كتاب اللَّه الخطأ المحض، ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به، وهذه الصورة المذكورة وأمثالها قد تكلَّم فيها غيرهم بالصواب، والمحظور إنما هو خُلُوُّ عصرهم عن ناطق بالصواب واشتماله على ناطق بغيره فقط، فهذا هو المحال، وبهذا خَرَجَ الجوابُ عن قولكم: لو كان قولُ الواحد منهم حجة لما جاز عليه الخطأ، فإن قوله لم يكن بمجرده حجة، بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن (٥).

стр. 2542

فإن قيل: فبعض ما ذكرتم من الأدلة يقتضي أن التابعي إذا قال قولًا ولم يخالفه صحابي ولا تابعي أن يكون قوله حجة (١). فالجواب: أن التابعين انتشروا انتشارًا لا ينضبط لكثرتهم، وانتشرت المسائل في عصرهم، فلا يكاد يغلب على الظن عدمُ المخالف لما أفتى به الواحد منهم، فإن فرض ذلك فقد اختلف السلف في ذلك، فمنهم من يقول: يجب اتباع التابعي فيما أفتى به ولم يخالفه [فيه] (٢) صحابي ولا تابعي، وهذا قول بعض الحنابلة والشافعية (٣)، وقد صرح الشافعي في موضع بأنه قاله تقليدًا لعطاء، وهذا من كمال علمه وفقهه ﵁ (٤)، فإنه لم يجد في المسألة غير قول عطاء (٥)، فكان قوله عنده أقوى ما وجد في المسألة، وقال في موضع آخر: وهذا يخرَّج على معنى قول عطاء، والأكثرون يفرقون بين الصحابي والتابعي، ولا يخفى ما بينهما (٦) من الفروق، على أن في الاحتجاج بتفسير التابعي عن الإمام أحمد روايتين، ومن تأمَّل

стр. 2543

كتب الأئمة ومن بعدهم وجدَهَا مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي (١). فإن قيل: فما تقولون في قوله (٢) إذا خالف القياس؟ قيل: من يقول بأن قوله ليس بحجة (٣) فلهم قولان فيما إذا خالف القياس: أحدهما: أنه أولى أن لا يكون حجة؛ لأنه قد خالف حجَّة شرعية، وهو ليس بحجة في نفسه. والثاني: أنه حجة في هذه الحال، ويحمل [على] (٤) أنه قاله توقيفًا، ويكون بمنزلة المُرْسَل الذي عمل به مُرْسِلُه. وأما من يقول: إنه حجة (٥) فلهم أيضًا قولان: أحدهما: أنه حجة، وإن خالف القياس، بل هو مقدَّم (٦) على القياس،

стр. 2544

والنص مقدم عليه، فترتب الأدلة عندهم: القرآن، ثم السنة، ثم قول الصحابي، ثم القياس (١). والثاني: ليس بحجة؛ لأنه قد خالف دليلًا شرعيًا (٢) وهو القياس؛ فإنه لا يكون حجة إلا عند عدم المُعارض، والأوَّلون يقولون: قول الصحابي أقوى من المعارض الذي خالفه هن القياس لوجوه عديدة (٣)، والأخذ بأقوى الدليلين متعيّن، وباللَّه التوفيق. فصل (٤) [فوائد تتعلق بالفتوى] ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى. [أنواع الأسئلة] الفائدة الأولى: أسئلة السائلين لا تخرج عن أربعة أنواع لا خامس لها (٥):

стр. 2545

الأول: أن يَسْأل عن الحكم فيقول: ما حكم كذا وكذا؟. الثاني: أن يسأل عن دليل الحكم. الثالث: أن يسأل عن وجه دلالته. الرابع: أن يسأل عن الجواب عن معارضيه (١). فإن سأل (٢) عن الحكم، فللمسئول حالتان؛ إحداهما: أن يكون عالمًا به. والثانية: أن يكون جاهلًا به فإن كان جاهلًا به حرم عليه الإفتاء، بلا علم، فإن فعل، فعليه إثمه وإثم المُستفتي، فإن كان يعرف في المسألة ما قاله الناس، ولم يتبيَّن له الصواب من أقوالهم، فله أن يذكر له ذلك فيقول: فيها اختلاف بين العلماء ويحكيه إن أمكنه للسائل، وإن كان عالمًا بالحكم فللسائل حالتان: إحداهما: أن يكون قد حضره وقت العمل وقد احتاج إلى السؤال، فيجب على المُفتي المبادرة على الفور إلى جوابه، فلا يجوز له تأخير [بيان الحكم له] (٣) عن وقت الحاجة. والحالة الثانية: أن يكون قد سأل عن الحادثة (٤) قبل وقوعها، فهذا لا يجب على المفتي أن يجيبه عنها، وقد كان السلف الطيّب إذا سئل أحدهم عن مسألة يقول للسائل: هل كانت أو وقعت، فإن قال: لا، لم يجبه، وقال: دعنا في عافية (٥)، وهذا لأن الفتوى بالرأي لا تجوز إلا عند الضرورة، فالضرورة تبيحه،

стр. 2546

كما تبيح الميتة عند الاضطرار، وهذا إنما هو في مسألة لا نصَّ فيها، ولا إجماع، فإن كان فيها نص أو إجماع فعليه تبليغه بحسب الإمكان، فـ"من سئل عن علم فكتمه ألجمه اللَّهُ يوم القيامة، بلجامٍ من نار" (١)، هذا إذا أَمِن المفتي غائلة

стр. 2547

الفتوى، فإن لم يأمن غائلتها، وخاف من ترتُّب شرٍّ أكبر (١) من الإمساك عنها، أمسك عنها ترجيحًا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وقد أمسك النبي ﷺ عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم [﵇] (٢)؛ لأجل حَدَثان عهد قريش بالإسلام، وإن ذلك ربما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه (٣)، وكذلك إن كان عَقْل السائل لا يحتمل الجواب عما سأل عنه وخاف المسؤول أن يكون فتنة له أمسك عن جوابه، قال ابن عباس ﵄ (٤) لرجل سأله عن تفسير آية: وما يؤمنك أنَّي لو أخبرتُك بتفسيرها كفرتَ به؟ أي جَحَدته، وأنكرته، وكَفَرت به (٥)، ولم يرد أنك تكفر باللَّه ورسوله. [للمفتي العدول عن السؤال إلى ما هو أنفع] الفائدة الثانية: يجوز للمفتي أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه [إلى ما هو أنفع له منه، ولا سيما إذا تضمن ذلك بيان ما سأل عنه] (٦) وذلك من كمال علم المفتي وفقهه ونصحه، وقد قال تعالى (٧): ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ] (٨)﴾ [البقرة: ٢١٥] فسألوه عن المُنْفَق؟ فأجابهم بذكر المصرف؛ إذ هو أهم مما سألوا عنه ونبَّههم عليه بالسياق مع ذكره لهم في موضع آخر، وهو قوله [تعالى] (٩): ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وهو ما سهل عليهم (١٠) [إنفاقه]، ولا يضرهم إخراجه (١١)، وقد ظنَّ بعضهم أن من ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ

стр. 2548

الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفيًا، ثم لا يزال يتزايد فيه (١) النور على التدريج حتى يكمل، ثم يأخذ في النقصان؟ فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم في أحوالهم ومعاشهم ومواقيت أكبر [عبادة من] عباداتهم، وهو الحج (٢). فإن (٣) كانوا قد سألوا عن السبب، فقد أُجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه، وإن كانوا إنما سألوا عن حكمة ذلك، فقد أُجيبوا عن عين ما سألوا عنه ولفظ سؤالهم محتمل، فإنهم قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقًا، ثم يأخذ في الزيادة حتى يتم، ثم يأخذ في النقص.

стр. 2549

[جواب المفتي بأكثر من السؤال] الفائدة الثالثة: يجوز للمفتي أن يجيب السائل بأكثر مما سأل عنه، وهذا (١) من كمال نصحه وعلمه وإرشاده، ومن عاب ذلك فلقلَّة علمه وضيق عطنه (٢) وضعف نصحه، وقد ترجم البخاري على ذلك في "صحيحه" (٣) فقال: (باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه)، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄: ما يلبس المحرم فقال: رسول اللَّه ﷺ : "لا يلبس القُمُصَ (٤)، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا الخِفَاف إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" (٥). فسئل [رسول اللَّه ﷺ ] (٦) عمَّا يلبس المُحْرِم؟ فأجاب عما لا يلبس، فتضمن (٧) ذلك الجواب عما يلبس، فإن ما لا يلبس محصور (٨)، وما يلبسه غير محصور (٨)، فذكر لهم النوعين وبيَّن لهم حكم لبس الخف عند عدم النعل، وقد سألوه [ ﷺ ] (٩) عن الوضوء بماء البحر، فقال [لهم] (٦): "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (١٠).

стр. 2550

[إذا منع المفتي من محظور دلَّ على مباح] الفائدة الرابعة: من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه أن يدله على ما هو عوض له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح [له] (١) باب المباح، وهذا لا يتأتَّى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر اللَّه (٢) وعامله بعلمه فمثاله في العلماء مثال الطيب العالم النَّاصح في الأطباء يحمي العليل عما يضرُّه ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان، وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "ما بعث اللَّه من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمَّته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" (٣).

стр. 2551

وهذا شأن خَلف الرسل (١) وورثتهم من بعدهم، ورأيت شيخنا قدَّس اللَّه روحه يتحرَّى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها، وقد منع النبي ﷺ ، بلالًا أن يشتري صاعًا من التمر الجيد بصاعين من الرديء، ثم دلَّه على الطريق المباح فقال: "بعْ الجمع (٢) بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا" (٣)، فمنعه من الطريق المحرَّم، وأرشده إلى الطريق المباح، ولما سأله عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس أن يستعملهما في [جباية] (٤) الزكاة ليصيبا ما يتزوجان به منعهما من ذلك، وأمر مَحْمِية بن جزء (٥)، وكان على الخمس أن يعطيهما [منه] (٦) ما ينكحان به (٧)، فمنعهما من الطريق المحرم، وفتح لهما [باب] (٦) الطريق المباح، وهذا اقتداء منه بربه ﵎، فإنه يسأله عبده الحاجة فيمنعه إياها (٨) ويعطيه ما هو أصلح [له] (٦)، وأنفع منها (٩)، وهذا غاية الكرم والحكمة. [ينبغي للمفتي أن ينبِّه السائل إلى الاحتراز عن الوهم] الفائدة الخامسة: إذا أفتى المفتي للسائل بشيء ينبغي له أن ينبهه على وجه الاحتراز مما قد يذهب إليه الوهم [منه] (١٠) من خلاف الصواب، وهذا باب لطيف من أبواب العلم والنصح والإرشاد، [و] (١٠) مثال هذا قول النبي ﷺ (١١): "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (١٢)، فتامل كيف أتبع الجملة الأولى بالثانية رفعًا لتوهم إهدار دماء الكفار مطلقًا، وإن كانوا في عهدهم، فإنه لما قال: "لا يقتل مؤمن بكافر"، فربما ذهب [الوهم] (١٠) إلى أن دماءهم هدر،

стр. 2552

ولهذا لو قتل أحدهم مسلم لم يقتل به، فرفع هذا التوهم بقوله: "ولا ذو عهد في عهده"، ولقد خفيت هذه اللطيفة الحسنة على من قال: يقتل المسلم بالكافر المعاهد، وقدَّر (١) في الحديث، ولا ذو عهد في عهده بكافر، ومنه قوله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلَّوا إليها" (٢) فلما كان نهيه عن الجلوس [عليها] (٣) نوع تعظيم لها عقبه بالنهي عن المبالغة في تعظحمها حتى تُجعَل قِبْلَة، وهذا يعينه مشتق من القرآن كقوله تعالى لنساء نبيه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ [إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ] (٤) وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] فنهاهن عن الخضوع بالقول، فربما ذهب الوهم إلى الإذن في الإغلاظ في القول والتجاوز، فرفع هذا التوهم (٥) بقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (٦) وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] لما أخبر اللَّه سبحانه بإلحاق الذرية ولا عمل لهم بآبائهم في الدرجة، فربما توهم متوهم [أن يحطّ] (٧) الآباء إلى درجة الذرية، فرفع هذا التوهم بقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] أي: ما نقصنا [من] (٨) الآباء [شيئًا] (٩) من أجور أعمالهم، بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم، ولم نحطهم من (١٠) درجتهم بنقص أجورهم، ولما كان الوهم قد يذهب إلى أنه يفعل ذلك بأهل النار، كما يفعله بأهل الجنة، قطع هذا الوهم (١١) بقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، ومن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١]، فلما كان ذكر ربوبيته البلدة

стр. 2553

الحرام قد يوهم (١) الاختصاص عقبه بقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١]، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، فلما ذكر كفايته للمتوكِّل عليه، فربما أوهم ذلك تعجيل الكفاية وقت التوكل فعقبه بقوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] أي: وقتًا لا يتعدَّاه، فهو يسوقه [إلى وقته الذي قدّره له، فلا يستعجل المتوكل ويقول: قد توكلت، ودعوت فلم أر شيئًا، ولم تحصل لي] (٢) الكفاية، فاللَّه [بالغ] (٣) أمره في وقته الذي قدره له (٤)، وهذا كثيرٌ جدًا في القرآن والسنة، وهو باب لطيف من أبواب فهم النصوص. [مما ينبغي للمفتي أن يذكر الحكم بدليله] الفائدة السادسة: ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم، [ومأخذه] (٥) ما أمكنه من ذلك، ولا يلقيه (٦) إلى المستفتي ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عطنه، وقلة بضاعته من العلم، ومن تأمل فتاوى النبي ﷺ الذي قوله حجة بنفسه، رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره، ووجه مشروعيته، وهذا، كما سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقصُ الرطب إذا جفَّ؟ قالوا: نعم، فزجر عنه" (٧)، ومن المعلوم أنه كان يعلم نقصانه بالجفاف، ولكن نبَّههم على علة التحريم وسببه (٨)، ومن هذا قوله لعمر، وقد سأله عن قُبلة امرأته وهو صائم فقال: "أرأيت لو تمضمضت، ثم مججته أكان يضر شيئًا قال: لا" (٩). فنبه على أن مقدمة المحظور لا يلزم أن تكون محظورة، فإن غاية القُبلة أنها مقدمة الجماع، فلا يلزم من تحريمه تحريم مقدمته، كما أن وضع الماء في الفم مقدمة

стр. 2554

شربه وليست المقدمة محرَّمة، ومن هذا قوله [ ﷺ ] (١): "لا تُنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" (٢)، فذكر لهم الحكم ونبَّههم على علة التحريم، ومن ذلك قوله لأبي النعمان بن بشير، وقد خصَّ بعض ولده بغلام نَحَله (٣) إياه؛ فقال: "أيسرُّك أن يكونوا لك في البِرِّ سواء؟ ". قال: نعم. قال "فاتقوا اللَّه واعدالوا بين (٤) أولادكم" وفي لفظ: "إن هذا لا يصلح"، وفي لفظ: "إني لا أَشْهد على جور"، وفي لفظ: "أَشْهِد على هذا غيري" (٥) تهديدًا لا إذنًا، فإنه لا يأذن في الجور قطعًا وفي لفظ: "رده" والمقصود أنه نبَّهه على علة الحكم (٦)، ومن هذا قوله ﷺ لرافع بن خديج، وقد قال له: إنا لاقو العدو غدًا وليس معنا مدًى أفنذبحُ بالقصب؟ فقال: "ما أنهرَ الدمَ وذُكر اسم اللَّه عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثك عن ذلك أمَّا السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة" (٧) فنبه على أعلة، المنع من التذكية بهما بكون أحدهما عظمًا، وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام إما لنجاسة بعضها، وأما لتنجيسه على مؤمني الجن (٨)، ولكون (٩) الآخر مدى الحبشة ففي التذكية (١٠) بها تشبه بالكفار، ومن ذلك قوله: "إن اللَّه ورسوله ينهيانكم (١١) عن لحوم الحمر الإِنسية، فإنها رجس" (١٢)، ومن ذلك قوله في الثمرة تصيبها الجائحة: "أرأيتَ إنْ منع اللَّه الثمرة

стр. 2555

فبِمَ يأكل أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " (١)، وهذا التعليل بعينه ينطبق على من استأجر أرضًا للزراعة فأصاب (٢) الزرع آفة سماوية لفظًا ومعنًى فيقال للمؤجِّر: أرأيت إن منع اللَّه الزرع فبم تأكل مال أخيك بغير حق، وهذا هو الصواب الذي ندين اللَّه به [في المسألة] (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام [ابن تيمية] (٤). والمقصود أن الشارع مع كون قوله حجة بنفسه يرشد الأمة إلى علل الأحكام ومداركها وحكمها فورثته من بعده كذلك. ومن ذلك نهيه عن الخذف (٥)، وقال: "إنه يفقأ العين ويكسر السن" (٦)، ومن ذلك إفتاؤه للعاض يد غيره بإهدار دية ثنيته (٧) لما سقطت بانتزاع [المعضوض يده من فيه ونبه على العلة بقوله: "أيدع يده في فيك تقضمها، كما يقضم الفحل" (٨)، وهذا من أحسن التعليل وأبينه، فإن العاض لما صال على المعضوض جاز له أن يرد صياله عنه بانتزاع] (٩) يده من فمه فإذا أدَّى ذلك إلى إسقاط ثناياه كان سقوطها بفعل مأذون فيه من الشارع، فلا يقابل بالدية (١٠)، وهذا كثير جدًا في السنة فينبغي للمفتي أن ينبِّه السائل على علة الحكم، ومأخذه إن عرف ذلك وإلا حرم عليه أن يفتي بلا علم.

стр. 2556

وكذلك أحكام القرآن يرشد سبحانه فيها إلى مداركها وعللها كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فأمر سبحانه نبيه أن يذكر [لهم] (١) علة الحكم قبل الحكم، وكذلك قوله [تعالى] (٢): ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا [نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (٣)﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله (٤) تعالى في جزاء الصيد: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]. [من أدب المفتي أن يمهد للحكم المستغرب] الفائدة السابعة: إذا كان الحكم مستغربًا جدًا مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما كان مأذونًا به (٥) كالدليل عليه والمقدمة بين يديه، فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه ﵇ بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يُولد [فيه] (٦) لمثله في العادة، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح ﵇، وولادته (٧) من غير أَب، فإن النفوس لما آنست بولد من [بين] (٦) شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب، وكذلك ذكر سبحانه [قبل] (٦) قصة المسيح موافاة مريم رزقها في غير وقته وغير إبّانه، وهذا الذي شجع نفس زكريا وحرَّكها لطلب الولد، وإن كان في غير إبّانه. وتأمل قصة نسخ القبلة لما كانت شديدة على النفوس جدًا كيف وطَّأ سبحانه قبلها (٨) عدة موطئات، منها: ذكر النسخ، ومنها أن يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ومنها أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، فعموم قدرته وعلمه صالح لهذا الأمر الثاني، كما كان صالحًا للأول (٩)، ومنها تحذيرهم الاعتراض

стр. 2557

على رسوله (١)، كما اعترض من قبلهم على موسى، بل أمرهم بالتسليم والانقياد، ومنها تحذيرهم من الإصغاء (٢) إلى اليهود، وأنْ تستخفَّهم شُبهُهم (٣)، فإنهم يودُّون أن يردّوهم كفارًا من بعد ما تبيَّن لهم الحق، ومنها إخباره أَنَّ دخول الجنة ليس بالتَّهوُّد، ولا بالتَّنصُّر، وإنما هو بإسلام الوجه والقصد والعمل والنية للَّه مع متابعة أمره، ومنها إخباره سبحانه عن سعته، وأنه حيث ولَّى المصلي وجهه فثمَّ وجه ربه ﵎ (٤)، فإنه واسع عليم فذكر الإحاطتين الذاتية والعلمية، فلا يتوهمون أنَّهم في القبلة الأولى لم يكونوا مستقبلين وجهه ﵎، ولا في الثانية، بل حيثما توجهوا فثم وجهه [تبارك و] تعالى، ومنها أنه سبحانه [وتعالى] (٥) حذَّر نبيه ﷺ من اتباع أهواء الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، بل أمره (٦) أن يتبع هو وأمته ما أوحى إليه فيستقبلونه بقلوبهم وحدها (٧)، ومنها أنه ذكر عظمة بيته الحرام و [عظمة] (٥) بانيه وملَّته، وسفه من يرغب عنها وأمر باتباعها فنوَّه بالبيت وبانيه وملته وكل هذا توطئة بين يدي التحويل مع ما في ضمنه من المقاصد الجليلة (٨) والمطالب السنية، ثم ذكر فضل هذه الأمة، وأنهم الأمة الوسط العدل الخيار، فاقتضى ذلك أن يكون نبيهم ﷺ أوسط الأنبياء [صلوات اللَّه وسلامه عليهم] (٩) وخيارهم وكتابهم كذلك ودينهم كذلك وقبلتهم التي يستقبلونها كذلك، فظهرت المناسبة شرعًا وقدرًا في أحكامه تعالى الأمرية والقدرية، وظهرت حكمته الباهرة، وتجلت للعقول الزكية المستنيرة بنور ربها ﵎. والمقصود أَنَّ المفتي جدير أن يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يُولف مقدمات تؤنس به وتدل عليه وتكون توطئة بين يديه، وباللَّه التوفيق. [يجوز للمفتي أن يحلف على ثبوت الحكم] الفائدة الثامنة: يجوز للمفتي والمُناظِر أن يحلف على ثبوت الحكم عنده،

стр. 2558

وإن لم يكن حلفه موجبًا لثبوته عند السائل والمنازع ليشعر السائل والمنازع له أنه على ثقة ويقين مما قال [له] (١)، وأنه غير شاك فيه (٢)، فقد تناظر رجلان في مسألة فحلف أحدهما على ما يعتقده فقال له منازعه: لا يثبت الحكم بحلفك فقال: إني لم أحلف [لأجل تثبيت] (٣) الحكم عندك، ولكن لأعلمك أني على يقين وبصيرة من قولي، وأنَّ شبهتك لا تغيِّر عندي في وجه يقيني بما أنا جازم به. وقد أمر اللَّه نبيه ﷺ أن يحلف على ثبوت الحق الذي جاء به في ثلاثة مواضع من كتابه أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] والثاني: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأتِيَنَّكُمْ [عَالِمِ الْغَيْبِ] (٤)﴾ [سبأ: ٣]. والثالث: قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وقد أقسم النبي ﷺ على ما أخبر به من الحق في أكثر من ثمانين موضعًا وهي موجودة في "الصحاح" و"المسانيد" (٥) وقد كان الصحابة ﵃ يحلفون على الفتاوى والرواية، فقال علي ﵁ (٦) لابن عباس في مُتعة النساء: إنك امرؤ تائه، فانظر ما تفتي به في متعة النساء، فواللَّه وأشهد باللَّه لقد نهى عنها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه [وآله] وسلم (٧)، ولما وَلي عمر ﵁ حمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إنَّ رسول اللَّه ﷺ

стр. 2559

أحل، المتعة ثلاثًا، [ثم حرمها ثلاثًا]، (١)، فأنا أقسم باللَّه قسمًا لا أجد أحدًا من المسلمين متمتعًا إلا رجمته إلا أن يأتي بأربعة من المسلمين يشهدون أن رسول اللَّه ﷺ أحلها بعد أن حرَّمها (٢). وقد حلف الشافعي في بعض أجوبته فقال محمد بن الحكم: سألت الشافعي [﵁] (٣) عن المتعة كان يكون (٤) فيها طلاق أو ميراث أو نفقة [أو عدة] أو شهادة فقال: لا واللَّه ما أدري (٥). وقال يزيد بن هارون: من قال القرآن مخلوق أو شيء منه مخلوق فهو واللَّه عندي زنديق (٦). وسئل عن حديث جرير في الرؤية (٧) فقال: واللَّه الذي لا إله إلا

стр. 2560

هو من كَذَّب به ما هم إلا زنادقة (١). وأما الإمام أحمد رحمة اللَّه عليه ورضوانه (٢)، فإنه حلف على عدة مسائل من فتاويه (٣)، قيل [له]: أيزيد الرجل في الوضوء على ثلاث مرات؛ فقال: لا واللَّه إلا رجل مبتلى، يعني بالوسواس (٤). وسُئل أيخلِّل (٥) الرجل لحيته إذا توضأ فقال: إي واللَّه (٦). وسئل يكون الرجل في الجهاد بين الصفين يبارز عِلْجًا بغير إذن الإمام فقال: لا واللَّه (٧). وقيل له: أتكره الصلاة في المقصورة فقال: إي واللَّه (٨)، قلت: وهذا لما كانت المقصورة تُحمى للأمراء (٩) وأتباعهم، وسئل: أيُؤجَر الرجل على بغض من خالف حديث رسول اللَّه ﷺ فقال: إي واللَّه (١٠). وسئل: من قال: القرآن مخلوق كافر؟ فقال: إي واللَّه (١١). وسئل هل صح عندك (١٢) في النبيذ حديث فقال: واللَّه ما صح عندي حديث واحد إلا على
следующие страницы →