← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وكذلك أحكام القرآن يرشد سبحانه فيها إلى مداركها وعللها كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فأمر سبحانه نبيه أن يذكر [لهم] (١) علة الحكم قبل الحكم، وكذلك قوله [تعالى] (٢): ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا [نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (٣)﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله (٤) تعالى في جزاء الصيد: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]. [من أدب المفتي أن يمهد للحكم المستغرب] الفائدة السابعة: إذا كان الحكم مستغربًا جدًا مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما كان مأذونًا به (٥) كالدليل عليه والمقدمة بين يديه، فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه ﵇ بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يُولد [فيه] (٦) لمثله في العادة، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح ﵇، وولادته (٧) من غير أَب، فإن النفوس لما آنست بولد من [بين] (٦) شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب، وكذلك ذكر سبحانه [قبل] (٦) قصة المسيح موافاة مريم رزقها في غير وقته وغير إبّانه، وهذا الذي شجع نفس زكريا وحرَّكها لطلب الولد، وإن كان في غير إبّانه. وتأمل قصة نسخ القبلة لما كانت شديدة على النفوس جدًا كيف وطَّأ سبحانه قبلها (٨) عدة موطئات، منها: ذكر النسخ، ومنها أن يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ومنها أنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم، فعموم قدرته وعلمه صالح لهذا الأمر الثاني، كما كان صالحًا للأول (٩)، ومنها تحذيرهم الاعتراض

стр. 2557

على رسوله (١)، كما اعترض من قبلهم على موسى، بل أمرهم بالتسليم والانقياد، ومنها تحذيرهم من الإصغاء (٢) إلى اليهود، وأنْ تستخفَّهم شُبهُهم (٣)، فإنهم يودُّون أن يردّوهم كفارًا من بعد ما تبيَّن لهم الحق، ومنها إخباره أَنَّ دخول الجنة ليس بالتَّهوُّد، ولا بالتَّنصُّر، وإنما هو بإسلام الوجه والقصد والعمل والنية للَّه مع متابعة أمره، ومنها إخباره سبحانه عن سعته، وأنه حيث ولَّى المصلي وجهه فثمَّ وجه ربه ﵎ (٤)، فإنه واسع عليم فذكر الإحاطتين الذاتية والعلمية، فلا يتوهمون أنَّهم في القبلة الأولى لم يكونوا مستقبلين وجهه ﵎، ولا في الثانية، بل حيثما توجهوا فثم وجهه [تبارك و] تعالى، ومنها أنه سبحانه [وتعالى] (٥) حذَّر نبيه ﷺ من اتباع أهواء الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، بل أمره (٦) أن يتبع هو وأمته ما أوحى إليه فيستقبلونه بقلوبهم وحدها (٧)، ومنها أنه ذكر عظمة بيته الحرام و [عظمة] (٥) بانيه وملَّته، وسفه من يرغب عنها وأمر باتباعها فنوَّه بالبيت وبانيه وملته وكل هذا توطئة بين يدي التحويل مع ما في ضمنه من المقاصد الجليلة (٨) والمطالب السنية، ثم ذكر فضل هذه الأمة، وأنهم الأمة الوسط العدل الخيار، فاقتضى ذلك أن يكون نبيهم ﷺ أوسط الأنبياء [صلوات اللَّه وسلامه عليهم] (٩) وخيارهم وكتابهم كذلك ودينهم كذلك وقبلتهم التي يستقبلونها كذلك، فظهرت المناسبة شرعًا وقدرًا في أحكامه تعالى الأمرية والقدرية، وظهرت حكمته الباهرة، وتجلت للعقول الزكية المستنيرة بنور ربها ﵎. والمقصود أَنَّ المفتي جدير أن يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يُولف مقدمات تؤنس به وتدل عليه وتكون توطئة بين يديه، وباللَّه التوفيق. [يجوز للمفتي أن يحلف على ثبوت الحكم] الفائدة الثامنة: يجوز للمفتي والمُناظِر أن يحلف على ثبوت الحكم عنده،

стр. 2558

وإن لم يكن حلفه موجبًا لثبوته عند السائل والمنازع ليشعر السائل والمنازع له أنه على ثقة ويقين مما قال [له] (١)، وأنه غير شاك فيه (٢)، فقد تناظر رجلان في مسألة فحلف أحدهما على ما يعتقده فقال له منازعه: لا يثبت الحكم بحلفك فقال: إني لم أحلف [لأجل تثبيت] (٣) الحكم عندك، ولكن لأعلمك أني على يقين وبصيرة من قولي، وأنَّ شبهتك لا تغيِّر عندي في وجه يقيني بما أنا جازم به. وقد أمر اللَّه نبيه ﷺ أن يحلف على ثبوت الحق الذي جاء به في ثلاثة مواضع من كتابه أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] والثاني: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأتِيَنَّكُمْ [عَالِمِ الْغَيْبِ] (٤)﴾ [سبأ: ٣]. والثالث: قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وقد أقسم النبي ﷺ على ما أخبر به من الحق في أكثر من ثمانين موضعًا وهي موجودة في "الصحاح" و"المسانيد" (٥) وقد كان الصحابة ﵃ يحلفون على الفتاوى والرواية، فقال علي ﵁ (٦) لابن عباس في مُتعة النساء: إنك امرؤ تائه، فانظر ما تفتي به في متعة النساء، فواللَّه وأشهد باللَّه لقد نهى عنها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه [وآله] وسلم (٧)، ولما وَلي عمر ﵁ حمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إنَّ رسول اللَّه ﷺ

стр. 2559

أحل، المتعة ثلاثًا، [ثم حرمها ثلاثًا]، (١)، فأنا أقسم باللَّه قسمًا لا أجد أحدًا من المسلمين متمتعًا إلا رجمته إلا أن يأتي بأربعة من المسلمين يشهدون أن رسول اللَّه ﷺ أحلها بعد أن حرَّمها (٢). وقد حلف الشافعي في بعض أجوبته فقال محمد بن الحكم: سألت الشافعي [﵁] (٣) عن المتعة كان يكون (٤) فيها طلاق أو ميراث أو نفقة [أو عدة] أو شهادة فقال: لا واللَّه ما أدري (٥). وقال يزيد بن هارون: من قال القرآن مخلوق أو شيء منه مخلوق فهو واللَّه عندي زنديق (٦). وسئل عن حديث جرير في الرؤية (٧) فقال: واللَّه الذي لا إله إلا

стр. 2560

هو من كَذَّب به ما هم إلا زنادقة (١). وأما الإمام أحمد رحمة اللَّه عليه ورضوانه (٢)، فإنه حلف على عدة مسائل من فتاويه (٣)، قيل [له]: أيزيد الرجل في الوضوء على ثلاث مرات؛ فقال: لا واللَّه إلا رجل مبتلى، يعني بالوسواس (٤). وسُئل أيخلِّل (٥) الرجل لحيته إذا توضأ فقال: إي واللَّه (٦). وسئل يكون الرجل في الجهاد بين الصفين يبارز عِلْجًا بغير إذن الإمام فقال: لا واللَّه (٧). وقيل له: أتكره الصلاة في المقصورة فقال: إي واللَّه (٨)، قلت: وهذا لما كانت المقصورة تُحمى للأمراء (٩) وأتباعهم، وسئل: أيُؤجَر الرجل على بغض من خالف حديث رسول اللَّه ﷺ فقال: إي واللَّه (١٠). وسئل: من قال: القرآن مخلوق كافر؟ فقال: إي واللَّه (١١). وسئل هل صح عندك (١٢) في النبيذ حديث فقال: واللَّه ما صح عندي حديث واحد إلا على

стр. 2561

التحريم (١)، [وسئل: أيكره (٢) الخضاب بالسواد؟ فقال: إي واللَّه] (٣)، وسئل عن الرجل يؤم أباه ويصلّي الأب خلفه فقال: إي واللَّه (٤). [وسئل هل يكره النفخ في الصلاة؟ فقال: إي واللَّه (٥)، (وسئل عن تزوج الرجل المسلم الأمة من أهل الكتاب فقال: لا واللَّه)] (٦)، وسئل عن المرأة تستلقي على قفاها وتنام يكره ذلك؟ فقال: إي واللَّه (٧). وسئل عن الرجل يرهن جاريته فيطؤها وهي مرهونة فقال: لا واللَّه (٨)؟ وسئل عن حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى في رجل استسقى قومًا، وهو عطشان فلم يسقوه فمات فأغرمهم عمر الدية (٩) تقول أنت كذا؟ قال: إي واللَّه (١٠). [وسئل عن الرجل إذا حُدَّ في القذف، ثم قذف زوجته يلاعنها فقال: إي واللَّه] (١١). وسئل أيضرب الرجل رقيقه فقال: إي واللَّه (١٢). ذكر هذه المسائل القاضي أبو علي الشريف (١٣).

стр. 2562

وقال الإمام أحمد في "رواية ابنه صالح": "واللَّه لقد أعطيتُ المجهود من نفسي ولوددتُ أتي أنجو من هذا الأمر [كفافًا لا عليَّ، ولا لي" (١)، وقال في روايته أيضًا: "واللَّه لقد تمنيتُ الموت في الأمر] (٢) الذي كان، وإني لأتمنى الموت في هذا، وهذا فتنة الدنيا" (٣). وقال إسحاق بن منصور لأحمد يكره الخاتم من ذهب أو حديد؟ فقال: إي واللَّه (٤). وقال إسحاق أيضًا: [قلت] (٥) لأحمد: يؤجر الرجل يأتي أهله وليس له شهوة في النساء؟ فقال (٦): إي واللَّه، يحتسب الولد، وإن لم يرد الولد، إلا أنه يقول: هذه امرأة شابة (٧)، وقال له محمد بن عوف (٨): يا أبا عبد اللَّه يقولون: إنك وقفت في (٩) عثمان؟ فقال: كذبوا واللَّه عليَّ، وإنما حدَّثتهم بحديث ابن عمر: كنَّا نفاضل بين أصحاب رسول اللَّه ﷺ نقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره (١٠)، ولم

стр. 2563

يقُل (١) النبي ﷺ : لا تخايروا بعد هؤلاء، [ولا بين أحد، ليس في ذلك حجة لأحد] فمن وقف على عثمان، ولم يُربِّع بعلي (٢) فهو على غير السنة (٣). وسئل أحمد هل المقام بالثغر أفضل من المقام بمكة؟ فقال: إي واللَّه (٤). وذكر أبو أحمد بن عدي في "الكامل": أن أَيوب بن إسحاق بن سافري (٥) قال: سألتُ أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، ابنُ إسحاق إذا انفرد بحديث (٦) تقبله؟ فقال: لا، واللَّه إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث [الواحد]، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا (٧). وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: نقتل الحية والعقرب في الصلاة؟ فقال:

стр. 2564

إي واللَّه (١)، وقال أيضًا: قلت لأبي: تجهر بآمين؟ فقال: إي واللَّه؛ الإمام وغير الإمام (٢)، وقال أيضًا: قلت لأبي: يفتح على الإمام؟ قال: إي واللَّه (٣). وقال الميموني: قلت لأحمد: ونحن نحتاج في رمضان أن نبيّت الصوم من الليل؟ فقال: إي واللَّه (٤)، وقال الميموني [أيضًا] (٥): [قلت لأحمد] [تُباع الفرس الحبيس إذا عطبت، وإذا فسدت؟ فقال: إي واللَّه (٦)، وقال [الميموني] (٧) أيضًا: قلت لأحمد] (٧): هل ثبت (٨) عن النبي ﷺ في العقيقة شيء؟ فأملى عليّ: إي واللَّه، وفي (٩) غير حديث عن النبي ﷺ : "عن الغلام شاتان مكافئتان (١٠)، وعن الجارية شاة" (١١).

стр. 2565

وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: التسبيح للرِّجال والتصفيق للنساء قال: إي واللَّه (١). وقال الكوسج أيضًا: قلت لأحمد: قال سفيان: تجزئه تكبيرة إذا نوى بها افتتاح الصلاة؟ قال أحمد: إي واللَّه تجزئه إذا نوى [قاله] ابن عمر وزيد (٢)، وقال أيضًا: قلت لأحمد: المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه؟ قال: إي واللَّه (٣)، وقال أيضًا: قلت لأحمد: سئل سفيان عن امرأة ماتت وفي بطنها ولد يتحرك، ما أرى بأسًا أن يشق بطنها، قال أحمد: بئس واللَّه ما قال -يردد ذلك- سبحان اللَّه! بئس ما قال (٤)، وقال أيضًا: قلت لأحمد: تجوز شهادة رجل وامرأتين (٥) في الطلاق؟ قال [أحمد]: لا واللَّه (٦)، وقال أيضًا: قلت لأحمد: المُرجئ إذا كان داعيًا

стр. 2566

[يجفا]، قال: إي واللَّه يُجْفَى ويُقْصَى (١). وقال (٢) أبو طالب: قلت لأحمد: رجل قال: القرآن كلام اللَّه، وليس بمخلوق، ولكن لفظي هذا به مخلوق، قال: من قال هذا، فقد جاء بالأمر كله، إنما هو كلام اللَّه على كل حال، والحجة فيه حديث أبي بكر ﵁ (٣): ﴿الم (٤) (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] فقيل له (٥): هذا مما جاء به صاحبك؟ فقال: لا واللَّه ولكنَّه كلام اللَّه، هذا وغيره، كلام اللَّه (٦) قلت: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] هذا الذي قرأت الساعة كلام اللَّه؟ قال: إي واللَّه هو كلام اللَّه، ومن قال: "لفظي بالقرآن مخلوق"، فقد جاء بالأمر كله (٧). وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد اللَّه عن حديث ابن شبرمة عن الشعبي في رجل [نذر أن] (٨) يطلق امرأته فقال له الشعبي: أوفِ بنذرك، أترى ذلك؟ فقال: لا واللَّه (٩)، وقال الفضل أيضًا: سمعت أبا عبد اللَّه، وذكر (١٠) يحيى بن

стр. 2567

سعيد القطان فقال: لا واللَّه ما أدركنا مثله (١). وذكر أحمد في "رسالته إلى مسدد": "ولا عينٌ تطرف (٢) بعد النبي ﷺ خير من أبي بكر، ولا بعد أبي بكر عين تطرف (٢) خير من عمر، ولا بعد عمر عين تطرف (٢) خير من عثمان، ولا بعد عثمان عين تطرف (٢) خير من علي بن أبي طالب ﵁، ثم قال أحمد: هم واللَّه الخلفاء الراشدون المهديون (٣). وقال الميموني: قلت لأحمد [عن] جابر الجُعفي؟ قال: كان يرى التشيع، قلت: قد يُتَّهم في حديثه بالكذب؟ قال: إي واللَّه (٤). قال القاضي: فإن قيل كيف استجاز الإمام أحمد أن يحلف في مسائل مختلف فيها؟ قيل: أما مسائل الأصول، فلا يسوغ فيها اختلاف، فهي إجماع (٥)، وأما [مسائل] (٦) الفروع، فإنه لما غلب على ظنّه صحةُ ذلك حلف عليه، كما لو وجد في دفتر أبيه أن له على فلان دَيْنًا جاز [له] (٧) أن يدَّعيه لغلبة الظن بصدقه، قلت: ويحلف عليه، قال: فإن قيل: أليس قد امتنع من اليمين على إسقاط الشفعة بالجوار؟ قيل: لأن اليمين هناك عند الحاكم، والنية نية الخصم (٨). قلت: ولم (٩) يمنع أحمد اليمين لهذا، بل شفعة الجوار عنده مما يسوغ القول بها، وفيها أحاديث صحاح لا ترد (١٠)، ولهذا اختلف قوله فيها، فمرةً نفاها، ومرةً أثبتها، ومرة فصَّل بين أن يشتركا في حقوق الملك كالطريق والماء

стр. 2568

وغيره وبين ألا يشتركا في [شيء من] (١) ذلك، فلا تثبت. وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه وبه تجتمع الأحاديث، وهو اختيار شيخ الإسلام (٢)، ومذهب فقهاء البصرة، ولا نختار غيره (٣)، وقد روى أحمد عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم حلفوا في الرواية والفتوى، وغيرهما (٤) تحقيقًا وتأكيدًا للخبر (٥) لا إثباتًا له باليمين، وقد قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية (٦)، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وكذلك أقسم [بكلامه كقوله] (٧) تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢]، ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]، ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]، وأما إقسامه بمخلوقاته التي هي آيات دالة عليه فكثير جدًا. [من أدب المفتي أن يفتي بلفظ النصوص] الفائدة التاسعة: ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه، فإنه يتضمن الحكم والدليل [مع البيان التام، فهو حكم مضمونٌ له الصواب، متضمن للدليل] (٨) عليه في أحسن بيان، وقول الفقيه المعيَّن ليس كذلك، وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة [الذين سلكوا على منهاجهم] (٨) يتحرون ذلك غاية التحري حتى خَلَفت من بعدهم خلوف رغبوا عن النصوص [واشتقوا لهم ألفاظأ غير ألفاظ النصوص] (٨)

стр. 2569

فأوجب ذلك هجر النصوص، [ومعلوم أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص] (١) من الحكم والدليل وحسن البيان فتولَّد من هجران ألفاظ النصوص والإقبال على الألفاظ الحادثة وتعليق الأحكام بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا اللَّه، فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب، ولما كانت هي عصمة [عهدة] (٢) الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصح من علوم من بعدهم وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم، ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك [وهلم جرًّا] (٣). ولما استحكم هجران النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبدع كانت علومهم في مسائلهم وأدلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض. وقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا سُئلوا عن مسألة يقولون: قال اللَّه كذا، قال رسول اللَّه ﷺ كذا، وفعل كذا (٤)، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلًا قط فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور فلما طال العهد وبُعد الناس من نور النبوة صار هذا عيبًا عند المتأخرين أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه قال اللَّه (٥)، وقال رسول اللَّه (٦)، أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم أن قول اللَّه و [قول] (٧) رسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين، وإنما يحتج بكلام اللَّه ورسوله فيها الحشوية والمجسمة والمشبهة، وأما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا يذكر فيها نص عن اللَّه تعالى، ولا عن رسول اللَّه (٨) ﷺ ، ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلدوه دينهم، بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء والأموال على قول [ذلك] (٩) المصنِّف، وأجلّهم عند نفسه وزعيمهم عند بني جنسه من يستحضر لفظ [ذلك] (١٠) الكتاب ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه، فالحلال (١١) ما أحفَه ذلك الكتاب، والحرام ما حرمه، والواجب ما أوجبه، والباطل ما أبطله، والصحيح ما صححه هذا، وأنَّى لنا بهؤلاء في مثل هذه الأزمان، فقد دفعنا إلى

стр. 2570

أمر تضج منه الحقوق إلى اللَّه ضجيجًا وتعج منه الفروج والأموال والدماء (١) إلى ربها عجيجًا تبدل فيه (٢) الأحكام، ويُقلب [فيه] (٣) الحلال بالحرام، ويُجعل المعروف فيه (٤) أعلى مراتب المنكرات، و [المنكر] (٥) الذي لم يشرعه اللَّه ورسوله من أفضل القُرُبات، الحق فيه غريب، وأغرب منه من يعرفه، وأغرب منهما من يدعو إليه وينصح به نفسه والناس، قد فلق بهم (٦) فالقُ الإصباح صُبْحه عن غياهب الظلمات، وأبان [لهم] (٧) طريقه المستقيم من بين تلك الطرق (٨) الجائرات، وأراه بعين قلبه ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ وأصحابه ﵃، مع ما عليه أكثر الخلق من البدع المضلات، رفع له علم الهداية فشمَّر إليه (٩)، ووضح [له] (١٠) الصراط المستقيم فقام واستقام عليه، وطوبى له من وحيد على كثرة السكان، غريب على كثرة الجيران، بين أقوام رؤيتهم قذى العيون، وشجى الحلوق، وكرب النفوس، وحمَّى الأرواح، وغم الصدور، ومرض القلوب، إن (١١) أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف (١٢)، وإن طلبته [منهم] (١٣)، فأين الثريا من يد الملتمس، قد انتكست قلوبهم، وعمي عليهم مطلوبهم، رضوا بالأماني، وابتلوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوي الباطلة وشقاشق (١٤) الهذيان، ولا واللَّه ما ابتلت من وَشَله (١٥) أقدامهم، ولا زكت به عقولهم وأحلامهم، ولا ابيضت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامهم، ولا ضحكت بالهدى، والحق منه وجوه الدفاتر (١٦) إذ بُلَّتْ بمدادهِ أقلامُهم (١٧) أَنفقوا في غير

стр. 2571

[شيء] (١) نفائسَ الأنفاس وأَتعبوا أنفسهم وحيَّروا مَنْ خلفهم من الناس، ضيعوا الأصول، فحُرِمُوا الوصول، وأعرضوا عن الرسالة فوقعوا في نهاية (٢) الحيرة وبيداء الضلالة. والمقصود أن العصمة مضمونة في ألفاظ النصوص ومعانيها في أتم بيان وأحسن تفسير، ومَنْ (٣) رَامَ إدراك الهدى، ودين الحق من غير مِشْكَاتها، فهو عليه عسيرٌ غير يُسير. فصل [من أدب المفتي أن يتوجه للَّه لِيُلْهَمَ الصواب] الفائدة العاشرة: ينبغي للمفتي الموفَّق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقارُ الحقيقيُّ [الحالي] (٤) لا العلمي (٥) المجرد إلى مُلْهم الصَّواب، [ومعلم الخير وهادي القلوب، أنْ يلهمه الصواب] (٦)، ويفتح له طريق السداد، ويدلّه على حُكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة فمتى قرع هذا الباب، فقد قرع باب التوفيق، وما أجدر من [أمَّل] (٧) فَضْلَ ربه تعالى أن لا يحرمه إياه، فإذا وجد من قبله (٨) هذه الهمة فهي طلائع بشرى التوفيق فعليه أن يوجه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد، وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها، فإن ظفر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر اللَّه، فإن العلم نورُ اللَّه يقذفه في قلب عبده والهوى والمعصية (٩) رياحٌ عاصفةٌ تطفئ ذلك النور أو تكاد (١٠)، ولا بد أن تُضْعِفَه. وشهدت شيخ الإسلام قدَّس اللَّه روحه إذا أعيته المسائل (١١)، واستعصت (١٢) عليه فرَّ [منها] إلى التوبة (١٣) والاستغفار والاستغاثة (١٤) باللَّه واللَّجَأ

стр. 2572

إليه، واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته فقلَّما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مَدًا (١)، وتزدلف الفتوحات الإلهية [إليه] (٢) بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من وفِّق لهذا الافتقار علمًا وحالًا وسار قلبه في ميادينه حقيقة وقصدًا (٣)، فقد أُعطي حظه من التوفيق، ومن حرمه، فقد مُنع الطَّريقَ والرَّفيقَ فمتى أُعين مع هذا (٤) الافتقار ببذل الجهد في درك الحق، فقد سلك به الصراط المستقيم وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم. [لا يفتي ولا يحكم إلا بما يكون عالمًا بالحق فيه] الفائدة الحادية عشرة (٥): إذا نزلت بالمفتي أو الحاكم نازلة (٦)، فإما أن يكون عالمًا بالحق فيها أو غالبًا على ظنه بحيث قد استفرغ وسعه في طلبه ومعرفته أو لا، فإن لم يكن عالمًا بالحق فيها، ولا غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بما لا يعلم ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة اللَّه (٧)، ودخل تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] (٨) وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فجعل القول عليه بلا علم أعظم المحرمات الأربع التي لا تُباح بحال، ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر ودخل تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ

стр. 2573

الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩] ودخل في قول النبي ﷺ : "من أفتى بغير علم، فإنما إثمه على من أفتاه" (١)، وكان أحد القضاة الثلاثة [الذين ثُلثَاهم في النار (٢)، وإن كان قد عرف الحق في المسألة علمًا أو ظنًا غالبًا لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بغيره بالإجماع المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وهو أحد القضاة الثلاثة] (٣)، والمفتين الثلاثة والشهود الثلاثة، وإذا (٤) كان من أفتى أو حكم أو شهد بغير علم مرتكبًا لأعظم الكبائر فكيف من (٥) أفتى أو حكم أو شهد بما يعلم خلافه؟ فالحاكم والمفتي والشاهد كل منهم يخبر (٦) عن حكم اللَّه، فالحاكم مخبر منفذ،

стр. 2574

والمفتي مخبر غير منفذ، والشاهد مخبر عن الحكم الكوني القدري المطابق للحكم الديني الأمري، فمن أخبر منهم عما يعلم خلافه، فهو كاذب على اللَّه عمدًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، ولا (١) أظلم ممن كذب على اللَّه وعلى دينه، وإن أخبروا بما لم يعلموا، فقد كذبوا على اللَّه جهلًا، وإن أصابوا في الباطن وأخبروا بما لم يأذن اللَّه لهم في الإخبار به، وهم أسوأ حالًا من القاذف إذا رأى الفاحشة وحده فأخبر بها، فإنه (٢) كاذب عند اللَّه، وإن أخبر بالواقع، فإن اللَّه لم يأذن له في الإخبار بها إلا إذا كان رابع أربعة (٣)، فإن كان (٤) كاذبًا عند اللَّه في خبر مطابق (٥) لمخبره حيث لم يأذن له في الإخبار [به] (٦)، [كيف بمن أخبر عن حكمه بما لم (٧) يعلم أن اللَّه حكم به، ولم يأذن له في الإخبار به؟] (٨)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ] (٩) وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢]، والكذب [على اللَّه] (٦) يستلزم التكذيب بالحق والصدق، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وهؤلاء [الآيات] (٨) وإن كانت في حق المشركين والكفَّار، فإنها متناولة لمن كذب على اللَّه في توحيده ودينه وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا تتناول المخطئ المأجور إذا بذل جهده (١٠)، واستفرغ وسعه في إصابة حكم اللَّه وشرعه، فإن هذا هو الذي فرضه اللَّه عليه، فلا يتناول المطيع للَّه إن أخطأ، وباللَّه التوفيق. [الواجب على الراوي والمفتي والحاكم والشاهد] الفائدة الثانية عشرة: حكم اللَّه ورسوله يظهر على أربعة ألسنة: لسان

стр. 2575

الراوي، ولسان المفتي، ولسان الحاكم (١)، ولسان الشاهد، فالراوي يَظْهر على لسانه لفظ حكم اللَّه ورسوله، والمفتي يظهر على لسانه معناه وما استنبطه من لفظه، والحاكم يظهر على لسانه الإخبار بحكم اللَّه وتنفيذه، والشاهد يظهر على لسانه الإخبار بالسبب الذي يثبت حكم الشارع، والواجب على هؤلاء الأربعة أن يُخبروا بالصدق المستند إلى العلم فيكونون عالمين بما يخبرون به صادقين في الإخبار به، وآفة أحدهم الكذب والكتمان، فمتى كَتمَ الحق أو الكذب فيه فقد خان اللَّه (٢) سبحانه في شرعه ودينه، وقد أجرى اللَّه سنَّته أن يمحق عليه (٣) بركة علمه ودينه ودنياه إذا فعل ذلك، كما أجرى عادته سبحانه في المتبايعَيْن إذا كتما وكذبا أن يمحق بركة بيعهما (٤)، ومن التزم الصدق والبيان [منهم] (٥) في مرتبته بُورك له في علمه [ووقته] (٦) ودينه ودنياه، وكان مع ﴿النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا] (٦٩) (٧) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]،

стр. 2576

فبالكتمان يعزل الحق [عن] (١) سلطانه، وبالكذب يقلبُه عن وجهه والجزاءُ من جنس العمل فجزاء [أحدهم أن يعزله اللَّه عن سلطان المهابة والكرامة والمحبة والتعظيم الذي يُلبسه أهل الصدق والبيان، ويُلبسه ثوب الهَوانِ والمقت والخزي] (٢) بين عباده، فإذا كان يوم القيامة (٣) جازى اللَّه سبحانه [من يشاء] (٤) من الكاذبين [الكاتمين] (١) بطمس الوجوه، وردّها على أدبارها كما طمسوا وجهَ الحقِّ وقلبوه عن وجهه جزاءً وفاقًا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. [من أدب المفتي ألا ينسب الحكم إلى اللَّه إلا بالنص] الفائدة الثالثة عشرة: لا يجوز للمفتي أن يشهد على اللَّه ورسوله بأنه أحلَّ كذا أو حرمه (٥) أو أوجبه [أو أحبه] (٦) أو كرهه إلا لما يعلم أنَّ الأمر فيه كذلك مما نص اللَّه ورسوله على إِباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته، وأما ما وجده في كتابه الذي تلقاه عمَّن قلده دينه فليس له أن يَشهد على اللَّه ورسوله به، ويغرَّ الناس بذلك، ولا علم له بحكم اللَّه ورسوله. قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحلَّ اللَّه كذا، أو حرم [اللَّه] (٧) كذا، فيقول اللَّه [له] (٧) كذبتَ لم أحل كذا، ولم أحرمه (٨). وثبت في "صحيح مسلم" من حديث بُريدة بن الحُصَيب أن رسول اللَّه ﷺ قال: "وإذا حاصرتَ حِصْنًا (٩) فسألوك أن تنزلهم على حكم اللَّه ورسوله، فلا تنزلهم على حكم اللَّه ورسوله، فإنك لا تدري أتصيب (١٠) حكم اللَّه فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك" (١١).

стр. 2577

وسمعتُ شيخ الإسلام يقول: حضرتُ مجلسًا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر، فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال: هذا [حكم اللَّه، فقلت له: صار قول زفر هو حكم اللَّه الذي] (١) حكم به وألزم [به] (٢) الأمة؟! قل: هذا حكم زفر (٣)، ولا تقل: هذا حكم اللَّه (٤) أو نحو هذا من الكلام. [حال المفتي مع المستفتي على ثلاثة أوجه] الفائدة الرابعة عشرة: المفتي إذا سُئل عن مسألة، فإما أن يكون قصد (٥) السائل فيها معرفة حكم اللَّه ورسوله (٦) ليس إلا، وإما أن يكون قصده [معرفة] (٧) ما قاله الإمامُ الذي شهَّر المفتي نفسَه (٨) باتّباعه وتقليده دون غيره من الأئمة، وإما أن يكون مقصوده [معرفة] (٧) ما ترجَّح عند ذلك المفتي وما يعتقده فيها لاعتقاده علمه ودينه، وإمامته (٩) فهو يرضى تقليده (١٠) أهو، وليس له غرض في قول إمام بعينه، فهذه أجناس الفتيا التي تَرِد على المفتين. ففرض (١١) المفتي في القسم الأول أن يجيب بحكم اللَّه ورسوله إذا عرفه وتيقَّنه لا يسعه غير ذلك. وأما في القسم الثاني: فإذا عرف قول الإمام نفسه (١٢) وسعه أن يخبر به، ولا يحل له أن ينسب إليه القول ويطلق عليه أنه قوله بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها (١٣) من كلام المنتسبين إليه؛ فإنه قد

стр. 2578

اختلطت أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم فليس كل ما في كتبهم منصوصًا عن الأئمة، بل كثير منه يخالف نصوصهم، وكثير منه (١) لا نص لهم فيه، وكثير منه يُخرَّج على فتاويهم، وكثير منه (٢) أفتوا به بلفظه أو بمعناه، فلا يحل لأحد أن يقول: "هذا قول فلان ومذهبه" إلا أن يعلم (٣) يقينًا أنه قوله ومذهبه، فما أعظم خطر المفتي وأصعب مقامه بين يدي اللَّه تعالى (٤)! وأما القسم الثالث: فإنه يسعه أن يخبر المستفتي (٥) بما عنده في ذلك ما يغلب (٦) على ظنه أنه الصواب بعد بذل جهده واستفراغ وسعه، ومع هذا فلا يلزم (٧) المُستفتي الأخذ بقوله وغايته أنه يسوغ له الأخذ به. فلينزل المفتي نفسه في منزلة من هذه المنازل الثلاث وليقم بواجبها، فإن الدِّينَ دينُ اللَّه، واللَّه سبحانه [ولا بُدَّ] (٧) سائله عن كل ما أفتى به، وهو مَوْقرة (٨) عليه، ومحاسب ولا بد، واللَّه المستعان. [يفتي المفتي بما يعتقد أنه الصواب وإن كان خلاف مذهبه] الفائدة الخامسة عشرة: ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي اللَّه [سبحانه] (٩) أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلًا فتحمله الرياسة على أن يقتحم (١٠) الفتوى بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه فيكون خائنًا للَّه ورسوله وللسائل وغاشًا له، واللَّه لا يهدي كيد الخائنين، وحرَّم الجنة على من لقيه وهو غاش للإسلام وأهله، والدين النصيحة، والغش مضادٌّ للدين كمضادة الكذب للصدق والباطل للحق، وكثيرًا ما ترد المسألة نعتقد [فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده] (١١)

стр. 2579

فنحكي (١) المذهب [ثم نحكي المذهب] (٢) الراجح ونرجِّحه، ونقول: هذا هو الصواب، وهو أولى أن يُؤخذ به، وباللَّه التوفيق. [لا يجوز للمفتي إلقاء المستفتي في الحيرة] الفائدة السادسة عشرة (٣): لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل (٤)، وإلقاؤُه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبيّن بيانًا مزيلًا للإشكال متضمنًا لفصل الخطاب كافيًا في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره (٥)، ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال: يقسم بين الورثة على فرائض اللَّه وكتبه فلان، وسُئل آخر عن صلاة الكسوف فقال: تصلَّى على حديث عائشة (٦)، وإن كان هذا أعلم من الأول، وسئل آخر عن مسألة من الزكاة فقال: أما أهل الإيثار فيخرجون المال [كله] (٧)، وأما غيرهم فيخرج القدر الواجب عليه (٨) أو كما قال. وسئل آخر عن مسألة فقال: فيها قولان، ولم يزد. قال أبو محمد بن حزم (٩): وكان عندنا مُفْت إذا سئل عن مسألة لا يفتي فيها حتى يتقدمه من يكتب فيكتب [هو] (١٠): جوابي فيها مثل جواب الشيخ، فقُدِّر

стр. 2580

أن مفتيين اختلفا [في جواب] (١) فكتب تحت جوابهما: جوابي (٢) مثل جواب الشيخين، فقيل له: إنهما قد تناقضا فقال: وأنا أتناقض كما تناقضا. وكان في زماننا رجل مشار (٣) إليه بالفتوى، وهو مقدَّم في مذهبه، وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى فيكتب يجوز كذا أو يصح كذا (٤)، أو ينعقد بشرطه فأرسل إليه يقول [له] (١): تأتينا فتاوى [منك] (١) فيها يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه، ونحن لا نعلم شرطه، فإما أن تبيّن شرطه، وأما أن لا تكتب ذلك. وسمعت شيخنا يقول: كلُّ أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط، فإن (٥) أي مسألة وردت عليه يكتب فيها يجوز بشرطه أو يصح بشرطه أو يقبل (٦) بشرطه ونحو ذلك، وهذا ليس بعلم، ولا يفيد فائدة أصلًا سوى حيرة السائل وتنكده (٧)، وكذلك قول بعضهم في فتاويه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، فيا سبحان اللَّه! واللَّه لو كان الحاكم شُريحًا وأشباهه لما كان مردُّ أحكام اللَّه ورسوله إلى رأيه، فضلًا عن حُكَّام زماننا، فاللَّه المستعان. وسئل بعضهم (٨) عن مسألة فقال: فيها خلاف، فقيل له: كيف يعمل المفتي؟ فقال: يختار له [القاضي] (٩) أحد المذهبين. قال أبو عمرو بن الصلاح (١٠): كنت عند أبي السعادات ابن الأثير الجزري، فحكي له (١١) عن بعض المفتين أنَّه سُئل عن مسألة فقال: فيها قولان، فأخذ يزري عليه، وقال (١٢): هذا حيدٌ عن الفتوى، ولم يخلِّص السائل من

стр. 2581

عمايته (١)، ولم يأت بالمطلوب. قلت: وهذا فيه تفصيل، فإن المفتي المتمكن من العلم المضطلع به قد يتوقف في الصواب في المسألة المتنازع فيها، فلا يقدم على الجزم بغير علم وغاية ما يمكنه أن يذكر الخلاف فيها للسائل، وكثيرًا ما يسأل الإمام أحمد [﵁] (٢) وغيره من الأئمة عن مسألة فيقول: فيها قولان أو قد اختلفوا فيها، وهذا كثير في أجوبة (٣) الإمام أحمد لسعة علمه، وورعه، وهو كثير في كلام [الإمام] (٢) الشافعي [﵁] (٢) يذكر المسألة ثم يقول: فيها قولان، وقد اختلف أصحابه (٤) هل يضاف القولان اللَّذان يحكيهما إلى مذهبه ويُنسبان إليه أم لا؟ على طريقين، وإذا اختلف عليُّ وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد وأبيّ وغيرهم من الصحابة [﵃]، ولم يتبين للمفتي القول الراجح من أقوالهم فقال: هذه مسألة اختلف فيها فلان وفلان من الصحابة، فقد انتهى (٥) إلى ما يَقْدر عليه من العلم. قال أبو إسحاق الشيرازي (٦): سمعت شيخنا أبا الطيب [الطبري] يقول: سمعت أبا العباس الخُضَري (٧) يقول: كنت جالسًا عند أبي بكر بن داود الظاهري فجاءته

стр. 2582

امرأة فقالت: ما تقول في رجلٍ له زوجة لا [هو] (١) مُمسكها ولا [هو] (١) مطلِّقها؟ فقال [لها] (١): اختلف في ذلك أهل العلم فقال قائلون: تُؤمر بالصَّبر والاحتساب ويُبعثُ (٢) على التطلّب والاكتساب، وقال قائلون: يُؤمر بالإنفاق: ولا (٣) يُحمل على الطلاق، فلم تفهم المرأة قوله فأعادت المسألة فقال: يا هذه! [قد] (٤) أجبتُك عن (٥) مسألتك، وأرْشدتُك إلى طلبتك، ولست بسلطان (٦) فأمضي، ولا قاض (٧) فاقضي، ولا زوج فأُرْضِي، انصرفي (٨). [الإفتاء في شروط الواقفين] الفائدة السابعة عشرة (٩): إذا سئل عن مسألة فيها شرط واقف لم يحل له أن يلزم بالعمل به، بل ولا يسوغه على الإطلاق حتى ينظر في ذلك الشرط، فإن كان يخالف حكم اللَّه ورسوله فلا حُرمةَ له، ولا يحل له تنفيذه، ولا يسوغ تنفيذه، وإن لم يخالف حكم اللَّه ورسوله فلينظر هل فيه قربة أو رجحان عند الشارع أم لا؟ فإن لم يكن فيه قربة ولا رجحان لم يجب التزامه، ولم يحرم، فلا تضر مخالفته، وإن كان فيه قربة وهو راجح على خلافه، فلينظر هل يفوت بالتزامه والتقييد به ما هو أحب إلى اللَّه ورسوله وأرضى له، وأنفع للمكلف وأعظم تحصيلًا لمقصود الواقف من الأجر (١٠)؟، فإن فات ذلك بالتزامه لم يجب التزامُه ولا التّقييدُ به قطعًا وجاز العدول، بل يُستحب (١١) إلى ما هو أحب إلى اللَّه ورسوله، وأنفع للمكلف وأكثر تحصيلًا لمقصود الواقف (١٢) وفي جواز التزام شرط (١٣) الواقف في هذه الصورة (١٤) تفصيل سنذكره إن شاء اللَّه [تعالى] (١٥)،

стр. 2583

وإن كان [فيه] (١) قربة وطاعة، ولم يفت بالتزامه (٢) ما هو أحب إلى اللَّه ورسوله منه وتساوى هو وغيره في تلك القربة، ويحصل (٣) غرض الواقف بحيث يكون هو وغيره طريقين موصلين (٤) إلى مقصوده ومقصود الشارع من كل وجه لم يتعيَّن عليه التزام الشرط، بل له العدول عنه إلى ما هو أسهل عليه وأرفق [به] (٥)، وإن ترجَّح موجب الشرط، وكان قصد القربة والطاعة فيه أظهر وجب التزامه. فهذا هو القول الكلي في شروط الواقفين، وما يجب التزامه منها (٦)، وما يسوغ، وما لا يجب. ومن سلك غير هذا المسلك تناقض أظهر تناقض، ولم يثبت له قدم يعتمد عليه. فإذا شَرَط الواقف أن يصلِّي الموقوف عليه في هذا المكان المعيَّن الصلوات الخمس، ولو (٧) كان وحده إلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين لم يجب عليه الوفاء بهذا الشرط، بل، ولا يحل [له] (١١) التزامه إذا فاتته الجماعة، فإن الجماعة إما شرطٌ لا تصح الصلاة بدونها، وإما واجبة يستحق تاركها العقوبة، وإن صحَّت صلاته، وإما سنة مؤكدة يقاتل تاركها (٨) وعلى (٩) كل تقدير، فلا يحل (١٠) التزام شرط يُخلُّ بها. وكذلك إذا شرط الواقف العزوبية وترك التأهل لم يجب الوفاء بهذا [الشرط بل] (١١)، ولا التزامه، بل من التزمه رغبةً عن السنة فليس من اللَّه ورسوله في شيء، فإن النِّكاح عند الحاجة إليه إما فرضٌ يُعاقب (١٢) تاركه، وإما سنة الاشتغال به (١٣)

стр. 2584

أفضل من صيام النهار وقيام الليل وسائر أوراد التطوعات، وإما سنة يثاب [فاعلها، كما يثاب] (١) فاعل السنن والمندوبات، وعلى كل تقدير، فلا يجوز اشتراط تعطيله أو تركه إذ يصير مضمون هذا الشرط [أنه] (٢) لا يستحق تناول الوقف إلا من عطَّل ما فرض اللَّه عليه وخالف سنة رسول اللَّه ﷺ ، ومن فعل ما فرضه [اللَّه عليه] (١) وقام بالسنة لم يحل له أن يتناول من هذا الوقف شيئًا، ولا يخفى ما في التزام هذا الشرط والإلزام به من مضادة اللَّه ورسوله، وهو أقبح (٣) من اشتراطه (٤) ترك الوتر والسنن الراتبة وصيام الاثنين والخميس (٥) والتطوع بالليل، بل أقبح من اشتراطه (٦) ترك ذكر اللَّه بكرة وعشيًا ونحو ذلك. ومن ذلك (٧) اشتراطه أن يصلي الصلوات في التربة المدفون بها ويدع المسجد، وهذا أيضًا مضاد لدين الإسلام أعظم مضادة، فإن رسول اللَّه ﷺ لعن المتخذين قبور أنبيائهم مساجد (٨)، فالصلاة في المقبرة معصية للَّه ورسوله باطلة عند كثير من أهل العلم لا يقبلها اللَّه، ولا تبرأ الذمة بفعلها (٩)، فكيف يجوز التزام شرط الواقف لها وتعطيل شرط اللَّه ورسوله، فهذا يغير (١٠) الدين لولا أن اللَّه سبحانه يقيم له من يبيِّن أعلامه ويدعو إليه.

стр. 2585

ومن ذلك اشتراط إيقاد سراج أو قنديل على قبر، فلا يحل للواقف اشتراط ذلك (١)، ولا للحاكم تنفيذه، ولا للمفتي تسويغه، ولا للموقوف عليه فعله والتزامه، فقد لعن رسول اللَّه ﷺ المتخذين السُّرُج على القبور (٢)، فكيف يحل للمسلم أن يُلْزم أو يُسَوِّغ فعل ما لعن رسولُ اللَّه ﷺ فاعلَه؟ وحضرتُ بعض قضاة الإسلام يومًا، وقد جاءه كتابُ وقف على تربة ليثبته (٣)، وفيه: "وأنه (٤) يُوقد على القبر كلَّ ليلة قنديلٌ" فقلتُ له: كيف يَحلُّ لك أن تثبت هذا الكتاب وتحكم بصحته مع علمك بلعنة رسول اللَّه ﷺ المتخذين (٥) السُّرُجَ على القبور؟ فأمسك عن إثباته، وقال: الأمر كما قلت أو كما قال. ومن ذلك أن يشترط القراءة عند قبره دون البيوت التي ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ

стр. 2586

وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ]﴾ (١) [النور: ٣٦] والناس لهم [فيها] (٢) قولان: أحدهما: أن القراءة لا تصل إلى الميت، فلا فَرْقَ [بين] (٣) أن يقرأ عند القبر أو بعيدًا منه عند هؤلاء. [و] (٤) الثاني: أنها تصل، ووصولها فرع حصول الثواب (٥) للقارئ، ثم ينتقل منه إلى الميت فإذا كانت قراءة القارئ ومجيئه إلى القبر إنما هو لأجل الجعل، [و] (٣) لم يقصد به التقرب إلى اللَّه لم يحصل له ثواب فكيف ينقل عنه إلى الميت وهو فرعه؟ فما زاد بمجيئه إلى التربة إلا العناء والتعب (٦) بخلاف ما إذا قرأ [اللَّه] (٤) في المسجد أو غيره في مكان [يكون] (٧) أسهل عليه وأعظم لإخلاصه، ثم جعل ثواب ذلك للميت وصل إليه. وذاكرت مرةً (٨) بهذا المعنى بعض الفضلاء فاعترف به، وقال: لكن (٩) بقي شيء آخر، وهو أن الواقف قد يكون قصد انتفاعه بسماع القرآن على قبره ووصول بركة ذلك إليه، فقلت له: انتفاعه بسماع القرآن مشروطٌ بحياته فلما مات انقطع عمله [كله] (٤)، واستماع القرآن من أفضل الأعمال الصالحة، وقد انقطع بموته، ولو كان ذلك ممكنًا لكان السلف الطئب من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم أولى بهذا الحظ العظيم لمسارعتهم إلى الخير وحرصهم عليه ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، فالذي لا شك فيه أنه لا يجب حضور التربة (١٠)، ولا تتعيَّن القراءة عند القبر.

стр. 2587

ونظير هذا ما لو وقف وقفًا يتصدَّق به عند القبر، كما يفعل (١) كثير من الجهال، فإن في ذلك من تعنية الفقير وإتعابه وإزعاجه من موضعه إلى الجبَّانة في حال الحر والبرد والضعف حتى يأخذ تلك الصدقة عند القبر مما لعله (٢) أن يحبط أجرها ويمنع (٣) انعقاده بالكلية. ومن هذا لو شرط واقف الخانقاه وغيرها على أهلها أن لا يشتغلوا بكتابة العلم وسماع الحديث والاشتغال بالفقه، فإن هذا شرط باطل مضاد لدين الإسلام لا يحل تنفيذه، ولا التزامه، ولا يستحق من قام به شيئًا من [هذا] (٤) الوقف، فإن مضمون هذا الشرط أن الوقف المعيَّن إنما يستحقه من ترك ما يجب عليه من العلم النافع وجهل أمر اللَّه ورسوله ودينه (٥)، و [جهل] (٦) أسماءه وصفاته وسنة نبيه ﷺ وأحكام الثواب والعقاب، ولا ريب أن هذا الصنف [من] شرار خلق اللَّه وأمقتهم (٧) عند اللَّه ورسوله وهم خاصة الشيطان وأولياؤه وحزبه ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]. ومن ذلك أن يشترط الواقف أن لا يقرأ في ذلك المكان شيء من آيات الصفات وأحاديث الصفات، كما أمر به بعض [أعداء اللَّه] (٨) من الجهمية لبعض الملوك، وقد وقف مسجدًا للَّه تعالى، ومضمون هذا الشرط المضاد لما بعث اللَّه به رسوله أن تُعطَّل أكثرُ آيات القرآن عن التلاوة والتَّدبُّر والتَّفهُّم (٩)، وكثير من السنة أو أكثرها [عن] (٤) أن تُذكر أو تُروى أو تُسمع أو يُهتدى بها ويُقام سوق التجهم والكلام المبتدع [المذموم] (١٠) الذي هو كفيل بالبدع والضلالة والشك والحيرة (١١). ومن ذلك أيضًا أن يقف مكانًا أو مسجدًا أو مدرسة أو رباطًا على طائفة معينة [من الناس] (١٢) دون غيرهم كالعجم مثلًا أو الروم أو الترك أو غيرهم،

стр. 2588

وهذا من أبطل الشروط؛ [فإن مضمونه] (١) أن أقارب رسول اللَّه ﷺ وذرية المهاجرين والأنصار لا يحل لهم أن يصلّوا في هذا المسجد، ولا ينزلوا في هذا الرباط أو المدرسة أو الخانقاه (٢)، بل لو أمكن أن يكون أبو بكر وعمر وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان ﵃ بين أظهرنا حرم عليهم النزول بهذا المكان الموقوف. وهذه الشروط والاشتغال بها والاعتداد بها من أسمج الهذيان، ولا تصدر من قلب طاهر ولا ينفذها من شم روائح العلم الذي بعث اللَّه به رسوله ﷺ . وكذلك لو شرط أن يكون المقيمون بهذه الأمكنة طائفة من أهل البدع، كالشيعة والخوارج والمعتزلة والجهمية (٣) والمبتدعين في أعمالهم، كأصحاب الإشارات، واللاذن، والشير (٤)، والتغبير (٥) وأكل الحيَّات وأصحاب النار وأشباه الذئاب المشتغلين بالأكل والشرب والرقص لم يصح هذا الشرط، وكان غيرهم أحق بالمكان منهم وشروط اللَّه أحق. فهذه الشروط [وأضعافها] (٦) وأضعاف أضعافها من باب التعاون على الإثم والعدوان واللَّه تعالى إنما أمر بالتعاون على البر والتقوى، وهو ما شرعه على لسان رسول اللَّه ﷺ دون ما لم يشرعه فكيف بما شُرع (٧) خلافه؟! والوقف إنما يصح على القُرَب والطاعات، [ولا فرق] (٦) في ذلك بين مصرفه وجهته وشرطه (٨)، فإن الشرط صفة وحال في الجهة [والمصرف] (٦) فإذا اشترط (٨) أن يكون [المصرف] (٩) قربة وطاعة فالشرط كذلك، ولا يقتضي الفقه إلا هذا، ولا

стр. 2589

يمكن أحدًا أن ينقل عن أَئمة الإسلام الذين لهم في الأمة لسان صدق ما يخالف ذلك [البتة] (١)، بل نَشهد باللَّه وللَّه (٢) أن الأئمة لا تخالف ما ذكرناه (٣)، [وأن هذا نفس قولهم، وقد أعاذهم اللَّه من غيره] (١)، وإنما يقع الغلط لكثير (٤) من المنتسبين إليهم في فهم أقوالهم، كما وقع لبعض من نصب نفسه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف على أهل الذمة هل يصح ويتقيد الاستحقاق بكونه منهم؛ فأجاب بصحة الوقف وتقييد الاستحقاق بذلك الوصف، وقال: هكذا قال أصحابنا، ويصح الوقف على أهل الذمة (٥)، فأنكر ذلك شيخنا عليه غاية

стр. 2590

الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة (١) أو بالتعيين وليس مقصودهم أن الكفر باللَّه ورسوله وعبادة الصليب (٢) وقولهم: إن المسيح ابن اللَّه شرط لاستحقاق الوقف حتى أن مَنْ آمن باللَّه ورسوله واتّبع دين الإسلام لم يحل له أن يتناول بعد ذلك من الوقف فيكون حل تناوله مشروطًا بتكذيب اللَّه ورسوله والكفر بدين الإسلام، ففرق (٣) بين كون وصف الذمة مانعًا من صحة الوقف وبين كونه مقتضيًا، فغلظ طبع هذا المفتي وكثف فهمه وغلظ حجابه [عن] (٤) ذلك [ولم يميز] (٤). ونظير هذا أن يقف على الأغنياء، فهذا يصح إذا كان الموقوف عليه غنيًا أو ذا قرابة (٥)، فلا يكون الغنى مانعًا، ولا يصح أن يكون جهة الاستحقاق هو الغنى فيستحق ما دام غنيًا فإذا افتقر واضطر إلى ما يقيم أوَدَه حرم عليه تناول الوقف، فهذا لا يقوله إلا مَنْ حُرم التّوفيق وصَحِبه الخُذْلان، ولو رأى رسول اللَّه ﷺ [أحدًا] (٤) من الأمة (٦) يفعل [لك] (٤) لاشتدَّ إنكاره وغضبه [عليه، ولما أقره ألبتة] (٤)، وكذلك لو رأى رجلًا من أمته قد وقف على من يكون من [الرجال] (٤) عزبًا غير متأهل، فإذا تأهّل حرم عليه تناول الوقف لاشتد غضبه ونكيره (٧) عليه، بل دينه يخالف هذا، فإنه [كان] (٤) إذا جاءه مال أعطى العزب حظًا وأعطى الآهل حظين (٨)، وأخبر أن ثلاثة حق على اللَّه عونهم [فذكر منهم] (٤): الناكح يريد العفاف (٩).

стр. 2591

وملتزمُ (١) هذا الشرط حقٌّ عليه عدم إعانة الناكح. ومن هذا أن يشترط أنه لا يستحق الوقف إلا من ترك الواجب عليه من طلب النصوص ومعرفتها والتفقه في متونها والتمسك بها إلى الأخذ بقول فقيه معيَّن يَتْرك لقوله قول من سواه، بل يترك النصوص لقوله، فهذا شرطٌ من أبطل الشروط، وقد صرح الشافعي (٢) وأحمد [رحمهما اللَّه تعالى] (٣) بأن الإمام إذا شرط [على القاضي] (٤) أن لا يقضي إلا بمذهب معيَّن بطل الشرط، ولم يجز له التزامه (٥)، وفي بطلان التولية قولان مَبنيَّان على بطلان العقود بالشروط الفاسدة، وطرد هذا أن المفتي متى (٦) شرط عليه ألا يفتي إلا بمذهب معين بطل [الشرط] (٧) وطرده أيضًا أن الواقف متى (٦) شرط على الفقيه أن لا ينظر ولا يشتغل إلا بمذهب معيَّن بحيث يهجر [له] (٧) كتاب اللَّه وسنة رسوله [ ﷺ ] (٧) وفتاوى الصحابة [ومذاهب العلماء] (٧) لم يصح هذا الشرط قطعًا، [ولا يجب التزامه، بل، ولا يسوغ. وعقد هذا الباب وضابطه] (٨) أن المقصود [إنما هو] (٣) التعاون على البر والتقوى، وأن يطاع اللَّه ورسوله بحسب الإمكان، [وأن يُقدَّم مَنْ قدَّمه اللَّه ورسوله ويُؤخَّر مَنْ أخَّره اللَّه ورسوله] (٩)، ويُعتبر ما اعتبره اللَّه ورسوله، ويُلغى ما ألغاه اللَّه ورسوله، وشروط الواقفين لا تزيد على نذر الناذرين؛ فكما أنه لا يُوفَّى من النذور (١٠) إلا بما كان طاعةً للَّه ورسوله، [فلا يلزم (١١) من شروط الواقفين إلا ما كان طاعة للَّه ورسوله. فإن قيل: الواقف إنما نَقَل مالَه لمن قام بهذه الصفة فهو الذي رَضي بنقل ماله إليه، ولم يَرضَ بنقله إلى غيره وإن كان أفضل منه، فالوقفُ يجري مجرى الجعالة، فإذا بذل الجاعل ماله لمن يعمل عملًا لم يستحقه من عمل غيره، وإن

стр. 2592

كان بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض. قيل: [هذا] (١) منشأ الوهم والإيهام في هذه المسألة، وهو الذي قام بقلوب ضعفة المتفقِّهين فالتزموا وألزموا من الشروط بما غيره أحبُّ إلى اللَّه وأرضى له منه بإجماع الأمة بالضرورة المعلومة من الدين. وجواب هذا الوهم أن الجاعل يبذل ماله في غرضه الذي يريده إما محرمًا أو مكروهًا أو مباحًا أو مستحبًا أو واجبًا (٢) لينال غرضه الذي بذل فيه ماله، وأما الواقف فإنما يبذل ماله فيما يقربه إلى اللَّه [وثوابه، فهو لما علم أنه لم يبق له تمكَّن من بذل ماله في أغراضه أحبَّ أن يبذله فيما يقربه إلى اللَّه] (٣) وما هو أنفع له في الدنيا والآخرة (٤)، ولا يشك عاقل أن هذا غرض الواقفين، بل، ولا يشك واقف أنَّ هذا غرضه واللَّه ملَّكه المال لينتفعَ به في حياته وأذن له أن يحبسه لينتفع به بعد وفاته فلم يملِّكه أن يفعل به بعد موته ما كان يفعل به في حياته، بل حجر عليه فيه وملكه ثلثه يُوصي به بما يجوز ويسوغ أن يوصي به حتى إن خاف (٥) أو جار أو أثم في وصيته جَازَ (٦)، بل وجَبَ على الموصي (٧)، والورثة رد ذلك الجور والحيف (٨) والإثم؛ ورفع سبحانه الإثم عمن يرد ذلك الحيف (٨) والإثم من الورثة والأوصياء، فهو سبحانه لم يملكه أن يتصرف في تحبيس ماله بعده (٩) إلا على وجه يقرّبه إليه ويدنيه من رضاه لا على أي وجه [أراد، ولم يأذن اللَّه ولا رسوله للمكلف أن يتصرف في تحبيس ماله بعده على أي وجه أراده] (١٠) أبدًا، فأين في كلام اللَّه ورسوله أو أحد من الصحابة ما يدل على أن لصاحب المال أن يقف ما أراد على من أراد، ويشرط ما أراد، ويجب على الحكام والمفتين أن ينفذوا وقفه ويلزموا بشروطه] (١١)، وأما ما قد لهج به بعضهم من قوله: "شروط الواقف (١٢) كنصوص الشارع"، [فهذا يرادُ به معنى صحيح ومعنى باطل] (١٣)، فإن أريد أنها كنصوص الشارع في الفهم والدلالة وتقييد

стр. 2593

مطلقها بمقيدها وتقديم خاصها على عامها والأخذ فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا حق من حيث الجملة، وإن أريد أنها كنصوص الشارع في وجوب مراعاتها والتزامها وتنفيذها، فهذا من أبطل الباطل (١)، بل يبطل منها ما لم يكن طاعة للَّه ورسوله، وما غيره أحب إلى اللَّه [وأرضى له ولرسوله منه] (٢)، وينفذ منها ما كان قربة وطاعة، [كما تقدم] (٢). ولما نذر (٣) أبو إسرائيل أن يصوم ويقوم في الشمس، [ولا يجلس] (٢)، ولا يتكلم أمره النبي ﷺ أن يجلس في الظل ويتكلم ويتم صومه (٤)، فألزمه (٥) بالوفاء بالطاعة ونهاه عن الوفاء بما ليس بطاعة. وكذا (٦) أخت عقبة بن عامر لما نذرت الحج ماشية مكشوفة الرأس أمرها أن تختمر [وتركب] وتحج وتهدي بَدَنة (٧).

стр. 2594

فهكذا الواجب على أتباع الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه [وعلى آله] (١) أن يعتمدوا في شروط الواقفين، وباللَّه التوفيق.

стр. 2595

[لا يطلق المفتي الجواب إذا كان في المسألة تفصيل] الفائدة الثامنة عشرة (١): ليس للمفتي أن يُطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلا إذا علم أن السائل إنما سأل عن أحد تلك الأنواع، بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل [استفصله] (٢)، كما استفصل النبي ﷺ ماعزًا لما أقرَّ بالزنا هل وجد منه مقدماته أو حقيقته؟ فلما أجابه (٣) عن الحقيقة استفصله: هل به جنون فيكون إقراره غير معتبر أم هو عاقل؟ فلما علم عقله استفصله: [بأن أمر باستنكاهه ليعلم هل هو سكران أم صاح؟ فلما علم أنه صاحٍ استفصله] (٢). هل أحصن [أم لا] (٢)؟ فلما علم أنه قد أحصن أقام عليه الحد (٤). ومن هذا قوله لمِن سألته: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال: "نعم إذا رأت الماء" (٥)، فتضمن هذا الجواب الاستفصال بأنها يجب عليها الغسل في حال، ولا يجب عليها في حال. ومن ذلك أن أبا النَّعمان بن بشير سأل رسول اللَّه ﷺ أن يَشْهد على غلام نَحَله ابنَه فاستفصله، وقال: أكُلَّ ولدك نحلته (٦) كذلك؟ فقال: لا، فأبى أن يشهد (٧)، وتحت هذا الاستفصال (٨) أنَّ ولدك إن كانوا اشتركوا في النَّحل صح ذلك وإلا لم يصح (٩). ومن ذلك أَن ابنَ أم مكتوم استفتاه هل يجد له رخصة أن يصلي في بيته (١٠)؟ فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم. قال: "فأجب" (١١) فاستفصله بين أن يسمع النداء أو لا يسمعه.
следующие страницы →