← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وملتزمُ (١) هذا الشرط حقٌّ عليه عدم إعانة الناكح. ومن هذا أن يشترط أنه لا يستحق الوقف إلا من ترك الواجب عليه من طلب النصوص ومعرفتها والتفقه في متونها والتمسك بها إلى الأخذ بقول فقيه معيَّن يَتْرك لقوله قول من سواه، بل يترك النصوص لقوله، فهذا شرطٌ من أبطل الشروط، وقد صرح الشافعي (٢) وأحمد [رحمهما اللَّه تعالى] (٣) بأن الإمام إذا شرط [على القاضي] (٤) أن لا يقضي إلا بمذهب معيَّن بطل الشرط، ولم يجز له التزامه (٥)، وفي بطلان التولية قولان مَبنيَّان على بطلان العقود بالشروط الفاسدة، وطرد هذا أن المفتي متى (٦) شرط عليه ألا يفتي إلا بمذهب معين بطل [الشرط] (٧) وطرده أيضًا أن الواقف متى (٦) شرط على الفقيه أن لا ينظر ولا يشتغل إلا بمذهب معيَّن بحيث يهجر [له] (٧) كتاب اللَّه وسنة رسوله [ ﷺ ] (٧) وفتاوى الصحابة [ومذاهب العلماء] (٧) لم يصح هذا الشرط قطعًا، [ولا يجب التزامه، بل، ولا يسوغ. وعقد هذا الباب وضابطه] (٨) أن المقصود [إنما هو] (٣) التعاون على البر والتقوى، وأن يطاع اللَّه ورسوله بحسب الإمكان، [وأن يُقدَّم مَنْ قدَّمه اللَّه ورسوله ويُؤخَّر مَنْ أخَّره اللَّه ورسوله] (٩)، ويُعتبر ما اعتبره اللَّه ورسوله، ويُلغى ما ألغاه اللَّه ورسوله، وشروط الواقفين لا تزيد على نذر الناذرين؛ فكما أنه لا يُوفَّى من النذور (١٠) إلا بما كان طاعةً للَّه ورسوله، [فلا يلزم (١١) من شروط الواقفين إلا ما كان طاعة للَّه ورسوله. فإن قيل: الواقف إنما نَقَل مالَه لمن قام بهذه الصفة فهو الذي رَضي بنقل ماله إليه، ولم يَرضَ بنقله إلى غيره وإن كان أفضل منه، فالوقفُ يجري مجرى الجعالة، فإذا بذل الجاعل ماله لمن يعمل عملًا لم يستحقه من عمل غيره، وإن

стр. 2592

كان بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض. قيل: [هذا] (١) منشأ الوهم والإيهام في هذه المسألة، وهو الذي قام بقلوب ضعفة المتفقِّهين فالتزموا وألزموا من الشروط بما غيره أحبُّ إلى اللَّه وأرضى له منه بإجماع الأمة بالضرورة المعلومة من الدين. وجواب هذا الوهم أن الجاعل يبذل ماله في غرضه الذي يريده إما محرمًا أو مكروهًا أو مباحًا أو مستحبًا أو واجبًا (٢) لينال غرضه الذي بذل فيه ماله، وأما الواقف فإنما يبذل ماله فيما يقربه إلى اللَّه [وثوابه، فهو لما علم أنه لم يبق له تمكَّن من بذل ماله في أغراضه أحبَّ أن يبذله فيما يقربه إلى اللَّه] (٣) وما هو أنفع له في الدنيا والآخرة (٤)، ولا يشك عاقل أن هذا غرض الواقفين، بل، ولا يشك واقف أنَّ هذا غرضه واللَّه ملَّكه المال لينتفعَ به في حياته وأذن له أن يحبسه لينتفع به بعد وفاته فلم يملِّكه أن يفعل به بعد موته ما كان يفعل به في حياته، بل حجر عليه فيه وملكه ثلثه يُوصي به بما يجوز ويسوغ أن يوصي به حتى إن خاف (٥) أو جار أو أثم في وصيته جَازَ (٦)، بل وجَبَ على الموصي (٧)، والورثة رد ذلك الجور والحيف (٨) والإثم؛ ورفع سبحانه الإثم عمن يرد ذلك الحيف (٨) والإثم من الورثة والأوصياء، فهو سبحانه لم يملكه أن يتصرف في تحبيس ماله بعده (٩) إلا على وجه يقرّبه إليه ويدنيه من رضاه لا على أي وجه [أراد، ولم يأذن اللَّه ولا رسوله للمكلف أن يتصرف في تحبيس ماله بعده على أي وجه أراده] (١٠) أبدًا، فأين في كلام اللَّه ورسوله أو أحد من الصحابة ما يدل على أن لصاحب المال أن يقف ما أراد على من أراد، ويشرط ما أراد، ويجب على الحكام والمفتين أن ينفذوا وقفه ويلزموا بشروطه] (١١)، وأما ما قد لهج به بعضهم من قوله: "شروط الواقف (١٢) كنصوص الشارع"، [فهذا يرادُ به معنى صحيح ومعنى باطل] (١٣)، فإن أريد أنها كنصوص الشارع في الفهم والدلالة وتقييد

стр. 2593

مطلقها بمقيدها وتقديم خاصها على عامها والأخذ فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا حق من حيث الجملة، وإن أريد أنها كنصوص الشارع في وجوب مراعاتها والتزامها وتنفيذها، فهذا من أبطل الباطل (١)، بل يبطل منها ما لم يكن طاعة للَّه ورسوله، وما غيره أحب إلى اللَّه [وأرضى له ولرسوله منه] (٢)، وينفذ منها ما كان قربة وطاعة، [كما تقدم] (٢). ولما نذر (٣) أبو إسرائيل أن يصوم ويقوم في الشمس، [ولا يجلس] (٢)، ولا يتكلم أمره النبي ﷺ أن يجلس في الظل ويتكلم ويتم صومه (٤)، فألزمه (٥) بالوفاء بالطاعة ونهاه عن الوفاء بما ليس بطاعة. وكذا (٦) أخت عقبة بن عامر لما نذرت الحج ماشية مكشوفة الرأس أمرها أن تختمر [وتركب] وتحج وتهدي بَدَنة (٧).

стр. 2594

فهكذا الواجب على أتباع الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه [وعلى آله] (١) أن يعتمدوا في شروط الواقفين، وباللَّه التوفيق.

стр. 2595

[لا يطلق المفتي الجواب إذا كان في المسألة تفصيل] الفائدة الثامنة عشرة (١): ليس للمفتي أن يُطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلا إذا علم أن السائل إنما سأل عن أحد تلك الأنواع، بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل [استفصله] (٢)، كما استفصل النبي ﷺ ماعزًا لما أقرَّ بالزنا هل وجد منه مقدماته أو حقيقته؟ فلما أجابه (٣) عن الحقيقة استفصله: هل به جنون فيكون إقراره غير معتبر أم هو عاقل؟ فلما علم عقله استفصله: [بأن أمر باستنكاهه ليعلم هل هو سكران أم صاح؟ فلما علم أنه صاحٍ استفصله] (٢). هل أحصن [أم لا] (٢)؟ فلما علم أنه قد أحصن أقام عليه الحد (٤). ومن هذا قوله لمِن سألته: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال: "نعم إذا رأت الماء" (٥)، فتضمن هذا الجواب الاستفصال بأنها يجب عليها الغسل في حال، ولا يجب عليها في حال. ومن ذلك أن أبا النَّعمان بن بشير سأل رسول اللَّه ﷺ أن يَشْهد على غلام نَحَله ابنَه فاستفصله، وقال: أكُلَّ ولدك نحلته (٦) كذلك؟ فقال: لا، فأبى أن يشهد (٧)، وتحت هذا الاستفصال (٨) أنَّ ولدك إن كانوا اشتركوا في النَّحل صح ذلك وإلا لم يصح (٩). ومن ذلك أَن ابنَ أم مكتوم استفتاه هل يجد له رخصة أن يصلي في بيته (١٠)؟ فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم. قال: "فأجب" (١١) فاستفصله بين أن يسمع النداء أو لا يسمعه.

стр. 2596

ومن ذلك أنه [لما] (١) استُفتي عن رجلٍ وقع على جارية امرأته فقال: "إن كان استكرهها (٢) فهي حرَّة وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها" (٣)، وهذا كثير في فتاويه ﷺ . فإذا سئل المفتي عن رجل دفع ثوبه إلى قصَّار يقصره، فأنكر القصَّار الثوب ثم أقر به هل يستحق الأُجرة على القصارة أم لا؟ (٤)، فالجواب بالإطلاق خطأ نفيًا وإثباتًا، والصواب التفصيل، فإن كان قصره [قبل الجحود (٥)، فله أجرة القصارة لأنه قصره لصاحبه، وإن كان] (٦) قصره بعد جحوده، فلا أجرة له لأنه قصره لنفسه. وكذلك إذا سئل عن رجلٍ حَلَف [لا] (٧) يفعل كذا [وكذا ففعله] (٨) لم يجز [له] (٩) أن يفتي بحنثه، حتى يستفصله (١٠): هل كان ثابت العقل وقت فعله أم لا؟ وإذا كان ثابت العقل فهل كان مختارًا في يمينه أم لا؟ وإذا كان مختارًا فهل استثنى [عقيب يمينه أم لا] (١١)؟ وإذا لم يستثن فهل فعل المحلوف عليه عالمًا ذاكرًا [مختارًا] (١١) أم كان ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا؟ وإذا كان عالمًا [مختارًا] (١١) فهل كان المحلوف عليه داخلًا في قصده ونيته [أو قصد عدم دخوله فخصَّصه بنيته] (١١) أو لم يقصد دخوله، ولا نوى تخصيصه، فإن الحنث يختلف باختلاف ذلك كله. ورأينا من مفتي العصر من بادر إلى التحنيث (١٢) فاستفصلناه فوجدناه (١٣) غير حانث في مذهب من أفتاه، وَقَع ذلك مرارًا، فخطر المفتي عظيم فإنه موقّع عن اللَّه ورسوله زاعم أن اللَّه أمر بكذا وحرَّم كذا وأوجب كذا (١٤). ومن ذلك أن يستفتيه عن الجمع بين الظهر والعصر [مثلًا] (١١) هل يجوز له أن يفرق بينهما فجوابه بتفصيل المسألتين، وأن الجمع إن كان في وقت الأُولى لم

стр. 2597

يجز التفريق، هان كان في وقت الثانية جاز (١). ومن ذلك أنه لو قال له: "إن لم تَحرِق هذا المتاع أو تهدم هذه الدار أو تتلف هذا المال وإلا قتلتك"، ففعل، هل يضمن [أم لا] (٢)؟ جوابه بالتفصيل، فإن كان المال المكره على إتلافه للمُكْرِه لم يضمن، وإن كان لغيره ضمنه. وكذلك لو سأله المظاهر إذا وطئ في أثناء الكفارة هل يلزمه الاستئناف أو يبني؟ فجوابه بالتفصيل أنه إنْ كان كفَّر بالصيام فوطئ في أثنائه لزمه الاستئناف، وإن كفَّر بالإطعام لم يلزمه الاستئناف وله البناء، فإنَّ حكم تتابع الصوم وكونه قبل المسيس قد انقطع بخلاف الإطعام. وكذلك لو سأله عن المكفِّر بالعتق إذا عتق عبدًا مقطوعة إصبعه فجوابه بالتفصيل: إن كان إبهامًا لم يجزه وإلا أجزأه، فلو قال له: مقطوع الإصبعين وهما الخنصر والبنصر فجوابه بالتفصيل أيضًا إن كانا من يد واحدة لم يجزه (٣)، وإن كانت كل أصبع من يد أجزأه. وكذلك لو سأله عن فاسق التقط لقطة أو لقيطًا هل يقر في يده؟ فجوابه بالتفصيل: تقرّ اللقطة دون اللقيط لأنها كسب، فلا يمنع منه الملتقط، وثبوت يده على اللقيط ولاية وليس من أهلها. ولو قال له: "اشتريت سمكة فوجدت في جوفها مالًا ما أصنع به؟ " فجوابه إن كان لؤلؤة أو جوهرة فهو للصياد لأنه (٤) ملكه بالاصطياد، ولم تطب نفسه لك به، وإن كان خاتمًا أو دينارًا فهو لقطة يجب تعريفها كغيرها. وكذلك لو قال له: "اشتريت حيوانًا فوجدت في جوفه جوهرة" فجوابه إن كانت شاةً فهي لقطة للمشتري يلزمه تعريفها حولًا، ثم هي له بعده، وإن كانت (٥)

стр. 2598

سمكة أو غيرها من دواب البحر فهي ملك الصياد (١)، والفرق واضح. ومن ذلك لو سأله عن عبد التقط لقطة، فأنفقها، هل تتعلق بذمته أو برقبته؟ فجوابه أنه [إن] (٢) [كان] (٣) أنفقها قبل التعريف حولًا فهي في رقبته، وإن أنفقها بعد حول التعريف فهي في ذمته يتبع بها بعد العتق، نصَّ عليها (٤) الإمام أحمد مفرِّقًا بينهما لأنه قبل الحول ممنوع منها، فإنفاقه لها جناية منه عليها وبعد الحول غير ممنوع منها بالنسبة إلى مالكها [فإذا أنفقها في هذه الحال] (٢) فكأنه أنفقها بإذن مالكها فتتعلق بذمته كديونه. ومن ذلك لو سأله عن رجل جَعَلَ جُعْلًا لمن ردَّ عليه لُقَطته فهل يستحقه من ردَّها؟ فجوابه إن التقطها قبل بلوغ قول الجاعل لم يستحقه لأنه لم يلتقطها لأجل الجُعْل، وقد وجب عليه ردها بظهور مالكها، وإن التقطها بعد أن بلغه الجُعل استحقه. ومن ذلك أن يسأل [فيقول] (٢): هل يجوز للوالدين أن يتملَّكا مال ولدهما أو يرجعا (٥) فيما وهباه؟ فالجواب أن ذلك للأب دون الأم. وكذلك إذا شهد له اثنان من ورثته غير الأب والابن بالجرح، فالجواب فيه تفصيل، فإن شهدا قبل الاندمال لم تُقبل (٦) للتهمة، وإن شهدا بعده قبلت لعدم التهمة. ومن ذلك إذا (٧) سئل عن رجل [ادَّعى نكاح امرأة فأقرَّت له هل يقبل إقرارها (٨) أم لا؟ جوابه بالتفصيل إن] (٩) ادعى زوجيتها وحده قبل إقرارها، وإن ادعاها معه آخر لم يقبل. [ومن ذلك] (١٠) لو سئل عن رجل مات فادَّعى ورثَتُه شيئًا من تركته، وأقاموا شاهدًا حلف كل منهم يمينًا مع الشاهد، فإن حلف بعضهم استحق قدر نصيبه من المدَّعي، وهل يشاركه من لم يحلف في قدر حصته التي انتزعها بيمينه أم لا [يشاركه؟ فالجواب فيه تفصيل إن كان المُدَّعى دينًا لم يشاركه] (٩) وينفرد الحالف

стр. 2599

بقدر حصته، وإن (١) كان عينًا شاركه من لم يحلف لأن الدين غير متعيّن، فمن حلف فإنما يثبت (٢) بيمينه مقدار حصته (٣) من الدين لا غيره، ومن لم يحلف لم يثبت له حق، وأما العين فكل واحد من الورثة يقر أن كل جزء منها مشترك بين جماعتهم وحقوقهم متعلقة بعينه فالمخلص (٤) مشترك بين جماعتهم والباقي غصب على جماعتهم. ومن ذلك إذا سئل عن رجل استعدى على [خصمه، ولم يُحرِّر الدعوى هل يُحضره الحاكم؟ الجواب بالتفصيل، إن استعدى على] (٥) حاضرٍ في البلد أحضره لعدم المشقة، وإن كان غائبًا لم يحضره حتى يحررها. ومن ذلك لو سئل عن رجل قطع عضوًا من صيد وأفلت هل يحلُّ أكل العضو؟ الجواب بالتفصيل إن كان صيدًا بحريًا حلَّ أكله، وإن كان بريًا لم يحل. ومن ذلك لو سئل عن تاجر أهل الذمة هل يُؤخذ منه العشر؟ فالجواب بالتفصيل إن كان رجلًا أخذ منه العشر، وإن كانت امرأة ففيها تفصيل إن اتجرت إلى أرض الحجاز أخذ منها [العشر] (٦)، وإن اتجرت إلى [أرض] (٧) غيرها لم يؤخذ منها [شيء] (٨)؛ لأنها تقر في غير أرض الحجاز بلا (٩) جزية. ومن ذلك لو سئل عن ميّت مات فطلب الأب ميراثه، ولم يعلم من [هم] (١٠) الورثة غيرُه، كم يُعطى الأب؟ فالجواب بالتفصيل إن كان الميت ذكرًا أعطي الأب أربعة من سبعة وعشرين [سهمًا؛ لأن غاية ما يمكن أن يقدر معه زوجة وأم وابنتان فله أربعة بلا شك من سبعة وعشرين] (١١)، وإن كان الميت أنثى فله سهمان من خمسة عشر [(قطعًا) (١٢)؛ لأن أكثر ما يمكن أن يقدر [معه] (١٣) زوج وأم وابنتان فله سهمان من خمسة عشر قطعًا. فإن قال السائل: مات ميت وترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفلُ من بعض،

стр. 2600

مع العليا جدها، قال المفتي: إنْ كان الميت ذكرًا فالمسألة محال لأن جدَّ العليا نفس الميت، وإنْ كان الميت أنثى، فجد العليا إما أنْ يكون زوج الميتة (١) أو لا يكون كذلك، فإن كان زوجها فله الربع، وللعليا النّصف، وللوسطى السدس تكملة الثلثين، والباقي للعصبة. فلو قال السائل: ميتٌ خلَّف ابنتين وأبوين، ولم تقسم التركة حتى ماتت إحداهما وخلفت من خلفت، قال المفتي: إن كان الميت ذكرًا فمسألته من ستة: للأبوين سهمان ولكل بنت سهمان، فلما ماتت إحداهما خلفت جدة وجدًا وأختًا لأب فمسألتها من ستة وتصح من ثمانية عشر وتركتها سهمان توافق مسألتها بالنصف فترد إلى تسعة، ثم تضربها في ستة تكون أربعة وخمسين، ومنها تصح، وإن كان الميت أنثى ففريضتها أيضًا من ستة، ثم ماتت إحدى البنتين عن سهمين وخلفت جدة وجدًا من أم وأختًا لأب، فلا شيء للجد وللجدة السدس وللأخت النصف والباقي للعصبة فمسألتها من ستة وسهامها اثنان فاضرب ثلاثة في المسألة الأولى تكن ثمانية عشر] (٢). والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان [يجد] (٣) السؤال محتملًا، وباللَّه التوفيق (٤)، فكثيرًا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم فالمفتي ترد عليه (٥) المسائل في قوالب متنوعة جدًا، فإنْ لم يتفطَّنْ لحقيقة السؤال وإلا هلك وأَهْلَكَ (٦)، فتارة تُورَد عليه المسألتان صورتهما واحدة وحكمهما مختلِفٌ، فصورة (٧) الصحيح والجائز صورة الباطل والمحرَّم ويختلفان في الحقيقة (٨)، فيذهل بالصورة عن الحقيقة، فيجمع بين ما فرق اللَّه ورسوله [بينه] (٩)، وتارة تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة وحقيقتهما واحدة وحكمهما واحد، فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما [في الحقيقة] (٨)، فيفرق بين ما جمع اللَّه بينه، وتارة تُورد عليه المسألة [مجملة] (١٠) تحتها عدة أنواع، فيذهب وهمُه إلى واحد

стр. 2601

منها ويذهل عن (١) المسئول عنه [منها] (٢) فيجيب بغير الصواب، وتارة تُورد عليه المسألة الباطلة في دين اللَّه في قالبٍ مُزخرف ولفظ حسنٍ، فيبادر (٣) إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل، وتارة بالعكس. فلا إله إلا اللَّه، كم هاهنا من مزلّة أقدام، ومحل (٤) أوهام، وما دعا محقٍّ إلى حق إلا أخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليه من الإنس في قالب تنفر عنه خفافيشُ البصائر وضعفاء العقول، وهم أكثر الناس، وما حذر أحد من باطل إلا أخرجه الشيطان على لسان وليه من الإنس في قالب [مزيَّف] (٥) مزخرف يستخفُّ به عقولَ ذلك الضرب من الناس فيستجيبون له، وأكثرُ الناس نظرهم قاصر على الصور لا يتجاوزها (٦)، إلى الحقائق فهم محبوسون في سجن الألفاظ، مقيَّدون بقيود العبارات، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ] (٧) فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]. وأذكر لك من هذا مثالًا (٨) وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يلزم أهل الذمة بتغيير (٩) عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين فقامت لذلك قيامتهم وعظم عليهم، وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإِسلام (١٠) وإذلال الكفرة (١١) ما قرَّت به عيون المسلمين فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صوَّروا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغيار (١٢)، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة أُلزموا بلباس غير لباسهم المعتاد، وزي غير زيهم المألوف، فحصل لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاع (١٣) وآذوهم غاية الأذى فطمع بذلك في إهانتهم والتعدي

стр. 2602

عليهم؟ فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول، وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يُعرفون بها؟ وهل في ذلك مخالفة (١) للشرع أم لا؟ فأجابهم مَنْ مُنِع التوفيق، وصُدَّ عن الطَّريق بجواز ذلك، وإن للإمام (٢) إعادتهم إلى ما كانوا عليه، قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلتُ: لا تجوز إعادتهم [إلى ما كانوا عليه] (٣) ويجب إبقاؤهم على [الزي] (٤) الذي يتميزون به عن المسلمين، فذهبوا، ثم غيَّروا الفتوى (٥)، ثم جاءوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم، فذهبوا، ثم أتوا (٦) بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعينة، وإنْ خرجت في عدة قوالب، ثم ذهب إلى السلطان وتكلَّم عنده بكلامٍ عجب منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم (٧) وللَّه الحمد. ونظائر هذه الحادثة أكثر من أن تحصى، فقد ألقى الشيطان على ألسنة أوليائه أن صوروا فتوى فيما يحدث ليلة النصف (٨) في الجامع وأخرجوها في قالب حسن، حتى استخفوا عقل بعض المفتين فأفتاهم بجوازه، وسبحان اللَّه كم توصل بهذه الطريق (٩) إلى إبطال حق وإثبات باطل! وأكثر الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام واللباس والأفعال وأهل النقد منهم الذين يعبرون من الظاهر إلى حقيقته وباطنه لا يبلغون عشر معشار غيرهم (١٠)، ولا قريبًا من ذلك، فاللَّه المستعان.

стр. 2603

[على المفتي ألا يُفصِّل إلا حيث يجب التفصيل] الفائدة التاسعة عشرة (١): إذا سئل عن مسألة من الفرائض لم يجب عليه أن يذكر موانع الإرث، فيقول (٢): بشرط ألا يكون كافرًا، ولا رقيقًا، ولا قاتلًا، وإذا سئل عن فريضةٍ (٣) فيها أخ، وجب عليه أن يقول: إن كان لأب فله كذا، وإن كان لأم فله كذا، وكذلك (٤) إذ سئل عن الأعمام وبنيهم وبني الإخوة وعن الجد والجدة، فلا بد من التفصيل والفرق بين الموضعين [أن السؤال] (٥) المطلق في الصورة الأولى يدل على الوارث الذي لم يقم به مانع من الميراث، كما لو سئل عن رجل باع أو آجر أو تزوج أو أقرَّ لم يجب عليه أن يذكر موانع (٦) الصحة من الجنون والإكراه ونحوهما إلا حيث (٧) يكون الاحتمال متساويًا. ومن تأمَّل أجوبة النبي ﷺ رآه يستفصل حيث تدعو الحاجة إلى الاستفصال ويتركه حيث لا يحتاج إليه، ويحيل فيه مرة على ما عُلم من شَرعه ودينه من شروط الحكم وتوابعه، بل هذا كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. ولا يجب على المتكلِّم [والمفتي] (٨) أن يستوعب شرائط الحكم وموانعه كلها عند ذكر [حكم] (٨) المسألة، ولا ينفع السائل [والمتكلم] (٩) والمتعلم قوله: "بشرطه وعدم موانعه" ونحو ذلك، فلا بيان أتم من بيان اللَّه ورسوله، ولا هدي أكمل من هدي الصحابة والتابعين، وباللَّه التوفيق. [هل يجوز للمقلد أن يفتي ؟] الفائدة العشرون: لا يجوز للمقلد أن يفتي في دين اللَّه بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة [فيه] (٨) سوى أنه قول من قلده دينه، هذا إجماع من السلف كلهم، وصرح به الإِمام أحمد والشافعي [﵄] (٨)، وغيرهما (١٠).

стр. 2604

قال أبو عمرو بن الصلاح: "قطع [الإمام] (١) أبو عبد اللَّه الحليمي إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي أبو المحاسن الروياني صاحب "بحر المذهب" (٢)، وغيرهما: بأنه لا يجوز للمقلد أن يُفتي بما هو مقلِّدٌ فيه" (٣). وقال: "وذكر [الشيخ] (٤) أبو محمد الجويني في "شرحه" لرسالة الشافعي عن شيخه أبي بكر القفَّال المروزي: أنه يجوز لمن حفظ مذهب (٥) صاحب مذهب ونصوصه أن يُفتي به، [وإن لم يكن عارفًا بغوامضه وحقائقه] (٤) وخالفه الشيخ أبو محمد، وقال: لا يجوز [أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن مُتبحِّرًا فيه عالمًا بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز] (٤) للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها، [وإذا كان متبحرًا فيه جاز أن يفتي به] (٦). وقال أبو عمرو: "من قال: "لا يجوز له أن يفتي بذلك" معناه [أنه] لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يضيفه إلى غيره ويحكيه عن إمامه الذي قلَّده، فعلى هذا مَنْ عددناه في أصناف المفتين [من] المقلدين ليسوا على الحقيقة من المفتين، ولكنهم قاموا مقام المفتين، وادّوا (٧) عنهم فعُدّوا معهم، وسبيلهم [في] (٨) ذلك أن يقولوا مثلًا: مذهب الشافعي كذا وكذا، ومقتضى مذهبه كذا وكذا، وما أشبه ذلك، ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامه فإن كان ذلك اكتفاء منه بالمعلوم عن الصريح (٩)، فلا بأس" (١٠). قلت: ما ذكره أبو عمرو حسن، إلا أن صاحب هذه المرتبة يحرم عليه أن يقول: "مذهب الشافعي" لما لا يعلم أنه نصه الذي أفتى به، أو يكون شهرته بين

стр. 2605

أهل المذهب شهرة لا يحتاج معها إلى الوقوف على نصه كشهرة مذهبه في الجهر بالبسملة والقنوت في الفجر، ووجوب تبييت النية للصوم في الفرض (١) من الليل، ونحو ذلك، فأما مجرَّد ما يجد (٢) في كتب من انتسب إلى مذهبه من الفروع، فلا يسعه أن يضيفها إلى نصه ومذهبه بمجرد وجودها في كتبهم، فكم فيها من مسألة لا نص له فيها البتة، ولا ما يدل عليه؟ وكم فيها من مسألة نصّه على خلافها؟ وكم فيها من مسألة اختلف المنتسبون إليه في إضافتها إلى مقتضى نصه ومذهبه؟ فهذا يضيف إلى مذهبه إثباتها، وهذا يضيف إليه نفيها، فلا ندري كيف يسع المفتي عند اللَّه أن يقول: هذا مذهب الشافعي، وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة؟ وأما قول الشيخ أبي عمرو: "إن لهذا المفتي أن يقول (٣): هذا مقتضى مذهب الشافعي [مثلًا] (٤) " فلعمر اللَّه لا يقبل ذلك من كل من نصب نفسه للفتيا حتى يكون عالمًا بمأخذ صاحب المذهب ومداركه وقواعده جَمْعًا وفَرْقًا، ويعلم أن ذلك الحكم مطابق لأُصوله وقواعده، بعد استفراغ وسعه في معرفة ذلك فيها إذا أخبر أن هذا مقتضى مذهبه كان له حكم أمثاله ممن قال بمبلغ علمه] (٥)، ولا يكلِّف اللَّه نفسًا إلا وسعها. وبالجملة فالمفتي مخبر [عن الحكم الشرعي، وهو [إما] (٦) مخبر عما فهمه عن اللَّه ورسوله، وإما مخبر] (٧) عما فهمه من كتاب (٨) أو نصوص من قلده دينه، وهذا لون وهذا لون، فكما لا يسع [الأول أن يخبر عن اللَّه ورسوله إلا بما علمه فكذا لا يسع] (٧) الثاني أن يخبر عن إمامه الذي قلَّده دينه إلا بما يعلمه، وباللَّه التوفيق. [هل يجوز أن يقلَّد الفتوى المتفقه القاصر عن معرفة الكتاب والسنة ؟] الفائدة الحادية والعشرون: إذا تفقَّه الرجل وقرأ كتابًا من كتب الفقه أو أكثر، وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف والاستنباط والترجيح

стр. 2606

فهل يسوغ تقليده في الفتوى؟ فيه للناس أربعة أقوال: الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، والجواز عند عدم المجتهد، ولا يجوز مع وجوده، والجواز إن كان مطلعًا على [مأخذ] (١) من يفتي بقولهم والمنع إن لم يكن مطلعًا. والصواب فيه التفصيل وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا, ولا يحل لهذا أن ينصب (٢) نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم، وإن لم يكن في بلدته (٣) أو ناحيته غيره بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه، فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يُقدم على العمل بلا علم، أو يبقى مرتكبًا في حيرته مترددًا في عماه وجهالته، بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها. ونظير هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه إلا قاضيًا عاريًا عن (٤) شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض، وولَّى الأمثل فالأمثل. ونظير هذا؛ لو كان الفسق هو الغالب على أهل تلك البلد (٥)، وإن لم تقبل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له تعطلت الحقوق وضاعت (٦) قبل شهادة الأمثل فالأمثل (٧). [ونظيرها] (٣) ولو غلب الحرام [المحض] (٨) أو الشبهة (٩) حتى لم يجد الحلال المحض، فإنه يتناول الأمثل فالأمثل. ونظير هذا (١٠) لو شهد بعض النساء على بعض بحق في بدن أو عرض أو مال، وهن منفردات بحيث لا رجل معهن كالحمَّامات والأعراس، قبلت شهادة الأمثل فالأمثل منهن قطعًا، ولا يضيع اللَّه ورسوله حق المظلوم، و [لا] (١١) يعطل إقامة دينه في مثل هذه الصورة أبدًا (١٢)، بل قد نبه اللَّه تعالى (١٣) على القبول في

стр. 2607

مثل هذه الصورة بقبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورة أنزلت في [القرآن] (١)، ولم ينسخها شيء ألبتة، ولا نَسَخ هذا الحكم كتابٌ، ولا سنة، ولا أجمعت الأمة على خلافه، ولا يليق بالشريعة سواه فالشريعة شرعت لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان وأي مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذا لم يحضر أسباب تلك الحقوق شاهدان حرَّان ذكران عدلان؟ بل إذا قلتم: تقبل شهادة الفساق حيث لا عدل، وينفذ حكم الجاهل والفاسق إذا خلا الزمان عن قاض عالم عادل (٢) فكيف لا تقبل شهادة النساء إذا خلا جمعهن (٣) عن رجل، أو شهادة العبيد إذا خلا جمعهم عن حر أو شهادة (٤) الكفار بعضهم على بعض إذا خلا جمعهم (٥) عن مسلم؟ وقد قبل ابن الزبير ﵄ شهادة الصبيان بعضهم على بعض في تجارحهم (٦)، ولم ينكره عليه أحد من الصحابة (٧)،

стр. 2608

و [قد] (١) قال به مالك (٢) و [الإِمام] (٣) أحمد (٤) [رحمهما اللَّه تعالى] (٣) في إحدى الروايتين عنه حيث يغلب على الظن صدقهم بأن يجيبوا (٥) قبل أن يجتنبوا (٦) أو يتفرقوا إلى بيوتهم، وهذا هو الصواب (٧)، وباللَّه التوفيق. وكلام أصحاب أحمد في ذلك يخرج على وجهين، فقد منع كثير منهم الفتوى والحكم بالتقليد وجوزه بعضهم لكن على وجه الحكاية لقول المجتهد، كما قال أبو إسحاق بن شَاقْلا، وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد أن المفتي ينبغي [له] (٨) أن يحفظ أربع مئة ألف حديث، ثم يفتي فقال له رجل: أنت (٩) تحفظ هذا؟ فقال (١٠): إن لم أحفظ هذا، فأنا أفتي بقول من كان يحفظه، وقال [أبو] (١١) الحسن بن بشار من كبار أصحابنا: ما ضرَّ رجلًا عنده ثلاث مسائل أو أربع [مسائل] (١٢) من فتاوى الإِمام أحمد يستند إلى هذه السارية، ويقول: قال أحمد [بن حنبل] (١٣) رحمه اللَّه تعالى.

стр. 2609

[هل للعامي إذا علم مسألة أن يفتي فيها] الفائدة الثانية والعشرون: إذا عرف العامِّيُّ حكم حادثة بدليلها فهل له أن يفتي به ويسوغ لغيره تقليده فيه؟ ففيه ثلاثة أوجه للشافعية [وغيرهم] (١). أحدها: الجواز؛ لأنه قد حصل له العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها، كما حصل للعالم، وإن تميَّز العالم عنه بقوة (٢) يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له، فهذا قدر زائد على معرفة الحق بدليله. والثاني: لا يجوز له ذلك مطلقًا لعدم أهليته للاستدلال وعدم علمه بشروطه وما يعارضه، ولعله يظن دليلًا ما ليس بدليل. والثالث: إن كان الدليل من كتاب (٣) أو سنة جاز [له] (١) الإفتاء، وإن كان غيرهما لم يجز؛ لأن القرآن والسنة خطاب لجميع المكلفين، فيجب على المكلف أن يعمل بما وصل إليه من كتاب ربه تعالى وسنة نبيه ﷺ ، ويجوز له أن يرشد غيره إليه ويدله عليه. [الخصال التي يجب أن يتصف بها المفتي] الفائدة الثالثة والعشرون: ذكر أبو عبد اللَّه بن بطة في "كتابه في الخلع" عن الإِمام أحمد أنه قال: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس (٤) خصال: أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور. والثانية: أن يكون له [علم] (٥) وحلم، ووقار، وسكينة.

стр. 2610

الثالثة: أن يكون قويًا على ما هو فيه، وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية، وإلا مضغه الناس. الخامسة: معرفة الناس (١). وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحلِّه من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه. [النية ومنزلتها] فأمّا النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يُبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه (٢)، والعمل تابعٌ لها [وعليها يُبنى] (٣) يصح بصحتها ويفسد بفسادها وبها يُستجلب التوفيق وبعدمها يحصل الخذلان وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، فكم بين مريد بالفتوى وجه اللَّه ورضاه والقرب منه، وما عنده، ومريد بها وجه المخلوق ورجاء منفعته، وما يناله منه تخويفًا أو طمعًا فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب هذا يُفتي لتكون كلمة اللَّه هي العليا ودينه هو الظاهر ورسوله هو المطاع، وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع، وهو المشار إليه وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما فاللَّه المستعان. و [قد] (٤) جرت عادة اللَّه التي لا تُبدَّل وسنته التي لا تحول أن يُلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة [والبغضة (٥) ما هو اللائق به، فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت] (٦) والبغضاء.

стр. 2611

[العلم والحلم والوقار والسكينة] وأما قوله: "أن يكون له حلم، ووقار وسكينة" فليس صاحب العلم والفتيا إلى شيء أحوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار، فإنها كسوة علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمه كالبدن العاري من اللباس، وقال (١) بعض السلف: ما قُرِنَ شيءٌ إلى شيء أحسن من علمٍ إلى حلم (٢). والناس هاهنا أربعة أقسام فخيارهم من أوتي الحلم والعلم (٣)، وشرارهم من عدمهما، الثالث من أوتي علمًا، بلا حلم، الرابع عكسه، فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله وضده الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات فالحليم لا يستفزه (٤) البدوات، ولا يستخفه الذين لا يعلمون، و [لا] (٥) يقلقه أهل الطيش والخفة والجهل، بل هو وقور ثابت ذو أناة يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور (٦) عليه، ولا تملكه أوائلها وملاحظته للعواقب تمنعه من أن (٧) تستخفه دواعي الغضب والشهوة فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وبالحلم يتمكن من تثبيت نفسه عند الخير فيؤثره ويصبر عليه وعند الشر فيصبر عنه، فالعلم يعرفه رشده والحلم يثبته عليه، وإذا شئت أن ترى بصيرًا بالخير والشر لا صبر له على هذا ولا عن هذا رأيته (٨)، [وإذا شئت أن ترى صابرًا على المشاق لا بصيرة له رأيته] (٩)، وإذا شئت أن ترى من لا صبر له، ولا بصيرة رأيته، وإذا شئت أن ترى بصيرًا صابرًا لم تكد، فإذا رأيته، فقد رأيت إمام هدى حقًا فاستمسك بغرزه (١٠) والوقار والسكينة، ثمرة الحلم ونتيجته.

стр. 2612

ولشدة الحاجة إلى السكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها نشير إلى ذلك [إشارة] (١) بحسب علومنا القاصرة وأذهاننا الجامدة وعباراتنا الناقصة، ولكن نحن أبناء الزمان والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكلّ زمانٍ دولةٌ ورجال. [حقيقة السكينة] فالسكينة (٢) فعيلة من السكون، وهي (٣) طمأنينة القلب واستقراره وأصلها في القلب ويظهر أثرها على الجوارح وهي عامة وخاصة. فسكينة الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أخص مراتبها وأعلى أقسامها كالسكينة التي حصلت لإبراهيم الخليل، وقد ألقي في المنجنيق مسافرًا إلى ما أضرم له أعداء اللَّه من النار (٤)، فلله تلك السكينة التي كانت في قلبه حين ذلك السفر! وكذلك السكينة التي حصلت لموسى، وقد غشيه فرعون وجنوده من ورائهم والبحر أمامهم، وقد استغاث بنو إسرائيل يا موسى إلى [أين] (٥) تذهب بنا؟ هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون خلفنا، وكذلك السكينة التي حصلت له وقت تكليم اللَّه له نداءً وإيحاءً (٦) كلامًا حقيقة سمعه حقيقة بأذنه، وكذلك السكينة التي حصلت له (٧)، وقد رأى العصا ثعبانًا [مبينًا] (٨)، وكذلك السكينة التي نزلت عليه، وقد رأى حبال القوم وعصيهم كأنها تسعى فأوجس [في نفسه] (٨) خيفة، وكذلك السكينة التي حصلت لنبينا ﷺ ، وقد أشرف عليه وعلى صاحبه عدوهما وهما في الغار فلو نظر أحدهم إلى تحت قدميه لرآهما، وكذلك السكينة التي نزلت عليه في مواقفه العظيمة وأعداء اللَّه (٩) قد أحاطوا به كيوم بدر ويوم حنين ويوم الخندق وغيره، فهذه السكينة أمر فوق عقول البشر، وهي من أعظم معجزاته (١٠) عند أَرباب البصائر، فإن الكذب (١١)، -ولا سيما على اللَّه تعالى- أقلق ما يكون وأخوف ما يكون وأشده اضطرابًا في مثل هذه المواطن فلو لم يكن للرسل

стр. 2613

صلوات اللَّه وسلامه عليهم من الآيات إلا هذه وحدها لكفتهم. [السكينة الخاصة] وأما الخاصة (١) فتكون لأتباع الرسل بحسب متابعتهم وهي سكينة الإيمان وهي سكينة تسكن القلوب عن الريب والشك، ولهذا أنزلها (٢) اللَّه تعالى على المؤمنين في أَصعب المواطن أحوج ما كانوا إليها [﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤] فذكر نعمته عليهم بالجنود الخارجة عنهم والجنود الداخلة فيهم وهي السكينة] (٣) عند القلق والاضطراب الذي لم يصبر عليه مثل عمر بن الخطاب ﵁ (٤)، وذلك يوم الحديبية قال [اللَّه] (٤) [سبحانه و] (٤) تعالى يذكر نعمته عليهم بإنزالها أحوج ما كانوا إليها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] لمّا علم اللَّه سبحانه [وتعالى] (٤) ما في قلوبهم من القلق والاضطراب لمَّا منعهم كفار قريش من دخول (٥) بيت اللَّه وحبسوا الهدي عن محله واشترطوا عليهم تلك الشروط الجائرة الظالمة فاضطربت قلوبهم وقلقت، ولم تطق الصبر فعلم تعالى ما فيها فثبتها بالسكينة (٦) رحمةً منه ورأفة ولطفًا، وهو اللطيف الخبير وتحتمل الآية وجهًا آخر، وهو أنه سبحانه علم ما في قلوبهم من الإيمان [والخير] (٤) ومحبته ومحبة رسوله فثبتها بالسكينة وقت قلقها واضطرابها، والظاهر أن الآية تعم الأمرين، وهو أنه علم ما في قلوبهم مما يحتاجون معه (٧) إلى [إنزال السكينة، وما في قلوبهم من الخير الذي هو سبب] (٨) إنزالها، ثم قال تعالى: [بعد ذلك] (٤): ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا] (٩)﴾ [الفتح: ٢٦] لمَّا كانت حمية الجاهلية توجب من

стр. 2614

الأقوال والأعمال ما يناسبها جعل اللَّه في [قلوب أوليائه سكينة تقابل] (١) حمية الجاهلية وفي ألسنتهم كلمة التقوى مقابلة لما توجبه حمية الجاهلية من كلمة الفجور، فكان حظُّ المؤمنين السكينةَ في قلوبهم وكلمة التَّقوى على ألسنتهم، وحظُّ أعدائهم (٢) حمية الجاهلية في قلوبهم، وكلمة الفجور والعدوان على ألسنتهم فكانت هذه السكينة وهذه الكلمة جندًا من جند اللَّه أيَّد بها [اللَّه] (٣) رسوله والمؤمنين في مقابلة جند الشيطان الذي في قلوب أوليائه [وألسنتهم] (٤). وثمرة هذه السكينة الطمأنينة الخبر (٥) تصديقًا وإيقانًا وللأمر تسليمًا وإذعانًا، فلا تدع شبهة تعارض الخبر (٥)، ولا إرادة تعارض الأمر، فلا تمر (٦) معارضات السوء [بالقلب] (٧) إلا وهي مجتازة [من] (٨) مرور الوساوس الشيطانية التي يُبتلي بها العبد ليقوى إيمانه ويعلو عند اللَّه ميزانه بمدافعتها وردّها وعدم السكون إِليها، فلا يظن المؤمن أنها لنقص درجته عند اللَّه تعالى. فصل [السكينة عند القيام بوظائف العبودية] ومنها السكينة عند القيام بوظائف العبودية وهي التي تورث الخضوع والخشوع وغض الطرف وجمعية القلب على اللَّه تعالى (٩) بحيث يؤدي عبوديته بقلبه وبدنه، والخشوع نتيجة هذه السكينة وثمرتها، وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب، وقد رأى النبي ﷺ رجلًا يعبث، بلحيته في الصلاة فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" (١٠).

стр. 2615

فإن قلت (١): قد ذكرت أقسامها ونتيجتها وثمرتها وعلامتها فما أسبابها الجالبة لها؟ [أسباب السكينة] قلت: سببها استيلاء مراقبة العبد لربه ﷻ حتى كأنه يراه وكلما اشتدت هذه المراقبة أوجبت له من الحياء والسكينة والمحبة والخضوع والخشوع

стр. 2616

والخوف والرجاء ما لا يحصل بدونها، فالمراقبةُ أساسُ الأعمال القلبية كلها وعمودها الذي قيامها به، ولقد جمع النبي ﷺ أصول أعمال القلب وفروعها كلها في كلمة واحدة، وهي قوله في الإحسان: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه" (١)، فتأمل كل مقام من مقامات الدين وكل عمل من أعمال القلوب كيف تجد هذا أصله ومنبعه؟ (٢). والمقصود أن العبد محتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة في أصل الإيمان ليثبت قلبه، ولا يَزيغ وعند الوساوس والخَطَرات القادحة في أعمال الإيمان لئلا تقوى وتصير همومًا وغمومًا وإرادات ينقص بها إيمانه وعند أسباب المخاوف على اختلافها ليثبت قلبه ويسكن جأشه، وعند أسباب الفرح لئلا يطمح به مركبُه، فيجاوز الحد الذي لا يعبر فينقلب ترحًا وحزنًا، وكم ممن (٣) أنعم [اللَّه] عليه بما يُفرحه (٤) فجمح به مركب الفرح (٥) وتجاوز الحد، فانقلب ترحًا عاجلًا، ولو أُعِيْن بسكينة تُعَدِّل فرحَه لأُريد به الخيرِ، وباللَّه التوفيق، وعند هجوم الأسباب المؤلمة على اختلافها الظاهرة والباطنة فما أحوجه إلى السكينة حينئذ، وما أنفعها له وأجداها عليه وأحسن عاقبتها. والسكينة في هذه المواطن علامة على الظفر وحصول المحبوب، واندفاع المكروه، وفقدها علامة على ضد ذلك، لا يخطئ هذا, ولا هذا، واللَّه المستعان. [الاضطلاع بالعلم] وأما قوله: "أن يكون قويًا على ما هو فيه؛ وعلى معرفته" أي مستظهرًا مضطلعًا (٦) بالعلم متمكنًا منه غير ضعيف فيه، فإنه إذا كان ضعيفًا قليل البضاعة غير مضطلع به؛ أحجم عن الحق في موضع ينبغي فيه الإقدام؛ لقلَّة علمه بمواضع الإقدام والإحجام، فهو يُقْدم في غير موضعه، ويُحْجم في غير موضعه،

стр. 2617

ولا (١) بصيرة له بالحق، ولا قوة له على تنفيذه، فالمفتي محتاج (٢) إلى قوة في العلم وقوة في التنفيذ، فإنه لا ينفع تكلّم بحق لا نفاذ له. [الكفاية] وأما قوله: "الرابعة الكفاية وِإلا مضغه الناس"، فإنه إذا لم يكن له كفاية احتاج إلى الناس وإلى الإخذ مما في أيديهم، فلا يأكل منهم شيئًا إلا أكلوا من لحمه وعرضه أضعافه، وقد كان لسفيان الثوري شيء من مال، وكان لا يتروى (٣) في بذله، ويقول: لولا ذلك لتمندل (٤) بنا هؤلاء (٥)، فالعالم إذا منح غناء، فقد أعين على تنفيذ علمه، وإذا احتاج (٦) إلى الناس، فقد مات عِلْمُه وهو ينظر. [معرفة الناس] وأما قوله: "الخامسة معرفة الناس"، فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهًا فيه فقيهًا في الأمر والنهي، ثم يطبق أحدهما على الآخر وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن [فقيهًا في الأمر] (٧) له معرفة بالناس تُصَوِّر له الظالم بصورة المظلوم وعكسه والمُحِقّ بصورة المُبطل وعكسه، ورَاج عليه المكرُ [والخداعُ] (٨) والاحتيال وتصوَّر له الزنديق في صورة (٩) الصديق والكاذب في صورة الصادق ولبس كل مبطل ثوب (١٠) زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعُرْفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيهًا في معرفة [مكر] (١١) الناس وخداعهم

стр. 2618

واحتيالهم وعوائدهم وعُرفياتهم، فإن الفتوى تتغيَّر بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال وذلك كله من دين اللَّه، كما تقدم بيانه، وباللَّه التوفيق. [فوائد تتعلق بالفتوى مروية عن الإِمام أحمد] الفائدة الرابعة والعشرون: في كلماتٍ حُفظت عن الإِمام أحمد [رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه] (١) في أمر الفتيا سوى ما تقدم [آنفًا] (١). قال في "رواية ابنه صالح" (٢): "ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن عالمًا بالأسانيد الصحيحة عالمًا بالسنن" وقال في رواية أبي الحارث (٣) "لا تجوز الفتيا إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة". وقال في رواية حنبل (٤): "ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا يقول مَنْ تقدَّم وإلا فلا يفتي". وقال في رواية يوسف بن موسى: واجب (٥) أن يتعلم الرجل كل ما [تكلَّم] (٦) فيه الناس. وقال في رواية ابنه عبد اللَّه (٧)، وقد سأله عن الرجل يريد أن يسأله عن [أمر] (٨) دينه مما يُبتلى به (٩) من الأيمان في الطَّلاق وغيره، وفي مِصْره من

стр. 2619

أصحاب الرأي، وأصحاب الحديث لا [يحفظون] (١)، ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوي، فلمن يسأل؟ لهؤلاء (٢) أو لأصحاب الحديث [على قلة معرفتهم فقال: "يسأل أصحاب الحديث] (٣)، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيفٌ الحديث خير من الرأي". وقال في رواية محمد بن عبيد اللَّه ابن المنادي، وقد سمع رجلًا يسأله: إذا حفظ [الرجل] (٣) مئة ألف حديث يكون فقيهًا؟ قال: لا، [قال: فمئتي ألف؟ قال: لا. قال: فثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قال] (١): فأربع مئة ألف؛ قال بيده هكذا وحركها، قال حفيده أحمد بن جعفر بن محمد: فقلت لجدي: كم كان يحفظ أحمد؟ فقال: أجاب عن ست مئة ألف [حديث] (٤). وقال عبد اللَّه بن أحمد (٥): سألت أبي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنَّفة فيها قول رسول اللَّه ﷺ والصحابة والتابعين وليس للرجل بصرٌ بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير منها فيُفتى به [ويعمل به] (٦)؟ قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها فيكون يعمل على أمر صحيح يسأل عن ذلك أهل العلم. وقال أبو داود (٧): سمعت أحمد وسئل عن مسألة فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة، وما أُحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف من العلم فيقول: لا أدري. وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفُتيا أحسن فتيًا منه كان أهون عليه أن يقول: "لا أدري" مَنْ يحسن [مثل] (٨) هذا؟ سل العلماء.

стр. 2620

وقال أبو داود (١): قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبعُ من مالك؟ فقال: لا تقلِّد دينك أحدًا من هؤلاء؛ ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه (٢) فخذ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيه مخيَّر. وقال إسحاق بن هانئ (٣): سألت أبا عبد اللَّه عن الذي جاء في الحديث: "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" (٤) فقال: يفتي بما لم يسمع (٥). وقال أيضًا (٦): قلت لأبي عبد اللَّه: يطلب الرجل الحديث بقدر ما يظن أنه قد انتفع به؟ قال: العلم لا يعدله شيء، وجاءه رجل يسأله عن شيء فقال: لا أجيبك في شيء، ثم قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: "إن كل من يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون" (٧)، قال الأعمش: فذكرت ذلك للحكم (٨) فقال: لو حدَّثتني به قبل اليوم ما أفتيتُ في كثير مما كنت أفتي به (٩)، قال ابن هانئ (١٠): وقيل لأبي عبد اللَّه: يكون الرجل في قرية فيُسأل عن الشيء [الذي] (١١) فيه اختلاف؟ قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة (١٢)، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه، قيل له: أفتخاف عليه؟ (١٣) قال: لا، قيل له: ما كان من كلام إِسحاق بن راهويه، وما [كان] (١١) وضع

стр. 2621

في الكتب (١) وكلام أبي عبيد، ومالك، ترى النظر فيه؟ فقال: كل كتاب ابتدع فهو بدعة، أو كل كتاب محدث فهو بدعة، وأما ما كان من (٢) مناظرة، يخبر الرجل بما عنده، وما يسمع من الفتيا، فلا أرى به بأسًا، قيل له: فكتاب أبي عبيد "غريب الحديث"؟ قال: ذلك شيء حكاه عن قوم أعراب، قيل له: فهذه الفوائد التي فيها المناكير تَرى أن تكتب؟ قال: المنكر أبدًا منكر. [دلالة العالم للمستفتي على غيره] الفائدة الخامسة والعشرون: في دلالة العالم للمستفتي على غيره، وهو موضع خطر جدًا فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك، فإنه متسبب بدلالته إما إلى الكذب على اللَّه ورسوله في أحكامه [أو] (٣) القول عليه بلا علم فهو معين على الإثم والعدوان، وإما معين على البر والتقوى فلينظر الإنسان إلى من يدل عليه وليتق اللَّه [ربه] (٤)، وكان شيخنا -قدس اللَّه روحه- شديد التجنب (٥) لذلك، ودللتُ مرَّةً بحضرته على مفت أو مذهب (٦)، فانتهرني، وقال: مالك وله؟ دعه [عنك] , ففهمتُ من كلامه: إنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم، ولمن أفتاه، ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإِمام أحمد. قال أبو داود [في "مسائله"]: قلت لأحمد: الرجل يَسأل عن المسألة فأدلّه على إنسان يسأله؟ فقال (٧): إذا كان [يعني] (٨) -الذي أرشد إليه (٩) متبعًا (١٠) ويفتي بالسنة، فقيل لأحمد: إنه يريد الاتِّباع وليس كل قوله يصيب، فقال أحمد: ومن يصيب في كل شيء؟ قلت له: فرأي مالك؟ فقال: لا تتقلد (١١) في مثل هذا بشيء (١٢). قلت: وأحمد كان يدل على أهل المدينة ويدل على الشافعي ويدل على إسحاق (١٣).

стр. 2622

ولا خلاف عنه (١) في استفتاء هؤلاء، ولا خلاف عنه [في] (٢) أنه لا يُستفتى أهل الرأي المخالفون لسنة رسول اللَّه ﷺ ، وباللَّه التوفيق، ولا سيما كثير من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره، وقد رأى رجل ربيعة بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: "استُفتي من لا علم له، وظهر في الإِسلام أمر عظيم"، قال: "ولبَعضُ من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السُّرَّاق" (٣). وقال بعض العلماء (٤): "فكيف لو رأى ربيعة زماننا؟ وإقدام من لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها و [تسلقه] بالجهل (٥) والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وهو [من] (٦) بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب، ولا يبدي جوابًا بإحسان، وإن ساعد القدر فتواه (٧) كذلك يقول فلان ابن فلان (٨). يَمُدُّون للإفتاء باعًا قصيرةً ... وأكثرهم عند الفتاوى يُكَذْلِكُ وكثير منهم نصيبهم مثل ما حكاه أبو محمد بن حزم (٩) قال: كان عندنا مفت قليل البضاعة فكان لا يفتي حتى يتقدمه من يكتب الجواب، فيكتب (١٠) تحته: جوابي مثل جواب الشيخ، فقدر أن اختلف مفتيان في جواب (١١)، فكتب تحتهما: جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل له: إنهما قد تناقضا فقال: وأنا أيضًا تناقضت (١٢)، كما تناقضا. وقد أقام اللَّه سبحانه لكل عالم ورئيس وفاضل (١٣) مَنْ يُظهر مماثلته، ويرى الجهالُ وهم الأكثرون مساجلته ومشاكلته (١٤)، وأنه يجري

стр. 2623

معه في الميدان، وأنهما عند المسابقة كفَرَسي رهان، ولا سيما إذا طوّل الأردان، وأرخى الذوائب (١) الطويلة وراءه كذنب الأتان، وهذر باللسان وخلا له الميدان [الطويل] (٢) من الفرسان. فلو لبسَ الحمارُ ثيابَ خَزٍّ (٣) ... لقال الناس: يا لَك من حمارِ! [وهذا الضَّرب إنما يستفتونَ بالشَّكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية، قد غرَّهم عكوف من لا علم عنده عليهم، ومسارعة أجهل (٤) منهم إليهم، تعج منهم الحقوق إلى اللَّه تعالى عجيجًا، وتضج منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا، فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له بأهل فتيا أو قضاء أو تدريس، استحقَّ اسم الذم، ولم يحلّ قبولُ فتياه، ولا قضائه هذا حكم دين الإِسلام. وإنْ رَغِمَتْ أنوفٌ من أناسٍ ... فَقُلْ يا رب! لا ترغم سواها] (٥) [كذلكة المفتي] الفائدة السادسة والعشرون: في حكم كذلكة (٦) المفتي، ولا يخلو من حالين: إما أن يعلم صواب [جواب] (٧) مَنْ تقدَّمه بالفتيا أو لا يعلم، فإنْ علم صواب جوابه فله أن يُكَذلِكَ، وهل الأولى له الكذلكة أو الجواب المستقل؟ (٨) فيه تفصيل: فلا يخلو المبتدئ إما أن يكون أهلًا أو متسلِّقًا (٩) متعاطيًا ما ليس له بأهل، فإنْ كان الثاني فتركه الكَذْلَكة أولى مطلقًا، إذ في (١٠) كَذْلكته تقرير له على الإفتاء، وهو كالشهادة له بالأهلية، وكان بعض أهل العلم (١١) يضرب على فتوى مَنْ كتب وليس بأهل، فإن لم يتمكن من ذلك خوف الفتنة [منه فقد قيل] (١٢): لا يكتب معه في الورقة ويرد السائل، وهذا نوع تحامل والصواب أنه يكتب في

стр. 2624

الورقة الجواب، ولا يأنف من الإخبار بدين اللَّه (١) الذي يجب عليه الإخبار به لكتابة من ليس بأهل، فإن هذا ليس عذرًا (٢) عند اللَّه ورسوله وأهل العلم في كتمان الحق، بل هذا نوع رياسة وكبر، والحق للَّه [ ] (٣)، فكيف يجوز أن يعطّل حقّ اللَّه ويكتم دينه؛ لأجل كتابة من ليس بأهل؟ وقد نص الإِمام أحمد على أن الرجل إذا شهد الجنازة [فرأى فيها] (٤) منكرًا لا يقدر على إزالته أنه لا يرجع، ونص على أنه إذا دعي إلى وليمة عرس فرأى فيها منكرًا (٥) لا يقدر على إزالته أنه يرجع، فسألتُ شيخنا عن الفرق؟ فقال: لأن الحق في الجنازة للميِّت، فلا يُترك حقّه لما فعله الحيُّ من المنكر، والحق في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أتي فيها بالمنكر، فقد أسقط (٦) حقَّه من الإجابة، وإن كان المبتدي بالجواب أهلًا للإفتاء، فلا يخلو إما أن يعلم المُكَذْلِكُ صواب جوابه أو لا يعلم، فإن لم يعلم صواب جوابه (٧) لم يجز له أن يُكَذْلِكَ تقليدًا له؛ إذ لعله أن يكون قد غلط، ولو نُبّه لرجعَ، وهو معذور وليس المُكَذْلِكُ معذورًا (٨)، بل مفتٍ بغير علم، ومَن أفتى بغير علم فإثمه على من أفتاه، وهو أحد المفتين الثلاثة الذين [ثلثاهم] (٩) في النار، وإنْ علم أنه قد أصاب، فلا يخلو إما أن تكون [المسألَة] (٩) ظاهرةً لا يخفى وجهُ الصواب فيها -بحيث لا يُظن بالمكَذْلِك أنه قلَّده فيما لا يعلم- أو تكون خفيَّة، فإنْ كانتْ ظاهرةً فالأَوْلى الكَذْلَكَة لأنه إعانةٌ على البر والتقوى، وشهادةٌ للمفتي بالصواب، وبراءة من الكِبْر والحميَّة، وإن كانتْ خفيَّة بحيث يظن بالمكَذلِك أنه وافقه تقليدًا محضًا، فإن أمكنه إيضاح ما أشكله الأول أو زيادة (١٠) بيان أو ذكر [قيد] (١١) أو تنبيه على أمر أغفله؛ فالجواب المستقل أولى، وإنْ لم يمكنه ذلك، فإنْ شاء كَذْلَكَ، وإن شاء أجاب استقلالًا. فإن قيل: ما الذي يمنعه من الكَذْلَكة إذا لم يعلم صوابه تقليدًا [له] (١١)،

стр. 2625

كما قلد المبتدي مَنْ فوقه؟ فإذا [أفتى الأول] (١) بالتقليد المحض فما الذي يمنع المكَذْلِك من تقليده؟ قيل: الجواب من وجوه: أحدها: أن الكلام في المفتي الأول أيضًا، فقد نص [الإمام] (٢) الشافعي وأحمد، وغيرهما من الأئمة على أنه لا يحل للرجل أن يفتي بغير علم، وحكى (٣) في ذلك الإجماع، وقد تقدم [ذكر] (٤) ذلك مستوفى (٥). الثاني: أن هذا الأول (٦)، وإن جاز له التقليد للضرورة، فهذا المَكَذْلِكُ، المتكلِّف لا ضرورةَ له إلى تقليده (٧)، بل هذا من بناء الضعيف على الضعيف وذلك لا يسوغ، كما لا تسوغ الشهادة على الشهادة وكما لا يجوز المسح على الخفين على طهارة التيمم ونظائر ذلك كثيرة. الثالث: أن هذا لو ساغ لصار الناس كلهم مفتين إذ ليس هذا بجواز (٨) تقليد المفتي أولى من غيره، وباللَّه التوفيق. [للمفتي أن يفتي من لا يجوز شهادته له] الفائدة السابعة والعشرون: يجوز للمفتي أن يفتي أباه وابنه وشريكه، ومن لا تقبل شهادته له، وإن لم يجز أن يشهد له ولا يقضي له، والفرق بينهما أن الإفتاء يجري مجرى الرواية فكأنه حكم عام (٩)، بخلاف الشهادة والحكم، فإنه يخص المشهود له والمحكوم له، ولهذا يدخل الراوي في حكم الحديث الذي يرويه ويدخل في حكم الفتوى التي يُفتي بها, ولكن لا يجوز له أن يحابي من يفتيه (١٠) فيفتي أباه أو ابنه أو صديقه بشيء ويفتي غيرهم بضدِّه محاباة، بل هذا يقدح في عدالته إلا أن يكون [ثَمَّ] (١١) سبب يقتضي التخصيص غير المحاباة، ومثال هذا أن يكون في المسألة قولان قول بالمنع وقول بالإباحة، فيفتي ابنه وصديقه بقول الإباحة والأجنبي يقول المنع.

стр. 2626

فإن قيل: هل يجوز له أن يفتي نفسه؟ قيل: نعم، إذا كان له أن يفتي غيره، وقد قال النبي ﷺ : "استفتِ قلبك، وأن أفتاك المفتون" (١).

стр. 2627

فيجوز له أن يفتي نفسه بما يفتي به غيره (١)، ولا يجوز له أن يفتي نفسه بالرخصة وغيره بالمنع، ولا يجوز له إذا كان في المسألة [قولان] (٢) قول بالجواز وقول بالمنع، أن يختار لنفسه قول الجواز ولغيره قول المنع (٣).

стр. 2628

وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه يكون عندهم (١) في المسألة ثلاثة أقوال أحدها: الجواز، والثاني: المنع، والثالث: التفصيل، فالجواز لهم، والمنع لغيرهم، وعليه العمل. [لا يجوز الفتيا بالتشهي والتخيّر] الفائدة الثامنة والعشرون: لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء (٢) من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح، ولا يعتد به، بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولًا قاله إمام أو وجهًا ذهب إليه جماعة فيعمل بما شاء (٣) من الوجوه والأقوال حيث رأى القول وفق (٤) إرادته وغرضه عمل به فإرادته وغرضه هو المعيار وبها (٥) الترجيح، وهذا حرام بإتفاق الأمة. وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نصب نفسه للفتوى [أنه كان يقول] (٦): إن الذي لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وقال: وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتين بما يضرُّه، وكان (٧) غائبًا فلما حضر سألهم بنفسه، فقالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه [قال: و] (٦) هذا مما لا خلاف بين المسلمين، ممن يعتدُّ بهم في الإجماع أنه لا يجوز (٨)، وقد قال مالك ﵀ في اختلاف الصحابة ﵃: "مخطئ ومصيب، فعليك بالاجتهاد" (٩). وبالجملة، فلا يجوز العمل والإفتاء في دين اللَّه تعالى بالتشهي والتخير

стр. 2629

وموافقة الغرض فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به، ويفتي [به] (١)، ويحكم به، ويحكم على عدوه [ويفتيه] (١) بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، واللَّه المستعان. [أقسام المفتين أربعة] الفائدة التاسعة والعشرون: [المفتون] (٢) الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام (٣): أحدهم (٤): العالم بكتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة، فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليدُهُ لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي [﵀ ورضي عنه] (١) [في موضع] (٥) من الحج: "قلته تقليدًا لعطاء"، فهذا النوع هم الذين (٦) يسوغ لهم الإفتاء ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال [فيهم] (١) النبي ﷺ : "إن اللَّه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها" (٧)، وهم غرس اللَّه الذين لا يزال يغرسهم في دينه وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب [كرم اللَّه وجهه] (١): لن تخلو الأرض من قائم للَّه بحُجّته (٨). فصل النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله، ومآخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه (٩)، من غير أن يكون مقلِّدًا لإمامه لا في

стр. 2630

الحكم، ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه، ورتّبه، وقرره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا. وقد ادّعى هذه المرتبة من الحنابلة القاضي أبو يعلى والقاضي أبو علي بن أبي موسى في "شرح الإِرشاد" الذي له، ومن الشافعية خلقٌ كثير، وقد اختلف (١) الحنفية في أبي يوسف (٢)، ومحمد، وزفر بن الهذيل، والشافعية في المزني، وابن سريج، وابن المنذر، ومحمد بن نصر المروزي، والمالكية في أشهب، وابن عبد الحكم، وابن القاسم، وابن وهب، والحنابلة في أبي حامد (٣)، والقاضي (٤): هل كان هؤلاء مستقلين بالاجتهاد أو متقيدين (٥) بمذاهب أئمتهم؟ على قولين، ومن تأمَّل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلّدين لأئمتهم في كل ما قالوه، وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر، وإن كان منهم المستقل والمستكثر، ورتبة هؤلاء دون [رتبة] (٦) الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد. فصل النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه مقرر له بالدليل متقن لفتاويه، عالم بها, لا يتعدى أقواله وفتاويه، ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة، وهذا شأن أكثر المصنفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف، وكثير منهم يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية؛ لكونه مجتزيًا (٧) بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، قد اكتفى بها من كُلفة التَّعب والمشقة، وقد كفاه الإِمام استنباطَ الأحكام ومؤنة استخراجها من النُّصوص، وقد يرى إمامه ذكر حكمًا بدليله فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له. وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطوَّلة والمختصرة،
следующие страницы →