← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

فإن قيل: هل يجوز له أن يفتي نفسه؟ قيل: نعم، إذا كان له أن يفتي غيره، وقد قال النبي ﷺ : "استفتِ قلبك، وأن أفتاك المفتون" (١).

стр. 2627

فيجوز له أن يفتي نفسه بما يفتي به غيره (١)، ولا يجوز له أن يفتي نفسه بالرخصة وغيره بالمنع، ولا يجوز له إذا كان في المسألة [قولان] (٢) قول بالجواز وقول بالمنع، أن يختار لنفسه قول الجواز ولغيره قول المنع (٣).

стр. 2628

وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه يكون عندهم (١) في المسألة ثلاثة أقوال أحدها: الجواز، والثاني: المنع، والثالث: التفصيل، فالجواز لهم، والمنع لغيرهم، وعليه العمل. [لا يجوز الفتيا بالتشهي والتخيّر] الفائدة الثامنة والعشرون: لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء (٢) من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح، ولا يعتد به، بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولًا قاله إمام أو وجهًا ذهب إليه جماعة فيعمل بما شاء (٣) من الوجوه والأقوال حيث رأى القول وفق (٤) إرادته وغرضه عمل به فإرادته وغرضه هو المعيار وبها (٥) الترجيح، وهذا حرام بإتفاق الأمة. وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نصب نفسه للفتوى [أنه كان يقول] (٦): إن الذي لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وقال: وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتين بما يضرُّه، وكان (٧) غائبًا فلما حضر سألهم بنفسه، فقالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه [قال: و] (٦) هذا مما لا خلاف بين المسلمين، ممن يعتدُّ بهم في الإجماع أنه لا يجوز (٨)، وقد قال مالك ﵀ في اختلاف الصحابة ﵃: "مخطئ ومصيب، فعليك بالاجتهاد" (٩). وبالجملة، فلا يجوز العمل والإفتاء في دين اللَّه تعالى بالتشهي والتخير

стр. 2629

وموافقة الغرض فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به، ويفتي [به] (١)، ويحكم به، ويحكم على عدوه [ويفتيه] (١) بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، واللَّه المستعان. [أقسام المفتين أربعة] الفائدة التاسعة والعشرون: [المفتون] (٢) الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام (٣): أحدهم (٤): العالم بكتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة، فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليدُهُ لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي [﵀ ورضي عنه] (١) [في موضع] (٥) من الحج: "قلته تقليدًا لعطاء"، فهذا النوع هم الذين (٦) يسوغ لهم الإفتاء ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال [فيهم] (١) النبي ﷺ : "إن اللَّه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها" (٧)، وهم غرس اللَّه الذين لا يزال يغرسهم في دينه وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب [كرم اللَّه وجهه] (١): لن تخلو الأرض من قائم للَّه بحُجّته (٨). فصل النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله، ومآخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه (٩)، من غير أن يكون مقلِّدًا لإمامه لا في

стр. 2630

الحكم، ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه، ورتّبه، وقرره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا. وقد ادّعى هذه المرتبة من الحنابلة القاضي أبو يعلى والقاضي أبو علي بن أبي موسى في "شرح الإِرشاد" الذي له، ومن الشافعية خلقٌ كثير، وقد اختلف (١) الحنفية في أبي يوسف (٢)، ومحمد، وزفر بن الهذيل، والشافعية في المزني، وابن سريج، وابن المنذر، ومحمد بن نصر المروزي، والمالكية في أشهب، وابن عبد الحكم، وابن القاسم، وابن وهب، والحنابلة في أبي حامد (٣)، والقاضي (٤): هل كان هؤلاء مستقلين بالاجتهاد أو متقيدين (٥) بمذاهب أئمتهم؟ على قولين، ومن تأمَّل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلّدين لأئمتهم في كل ما قالوه، وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر، وإن كان منهم المستقل والمستكثر، ورتبة هؤلاء دون [رتبة] (٦) الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد. فصل النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه مقرر له بالدليل متقن لفتاويه، عالم بها, لا يتعدى أقواله وفتاويه، ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة، وهذا شأن أكثر المصنفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف، وكثير منهم يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية؛ لكونه مجتزيًا (٧) بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، قد اكتفى بها من كُلفة التَّعب والمشقة، وقد كفاه الإِمام استنباطَ الأحكام ومؤنة استخراجها من النُّصوص، وقد يرى إمامه ذكر حكمًا بدليله فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له. وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطوَّلة والمختصرة،

стр. 2631

وهؤلاء لا يدعون الاجتهاد، ولا يقرون بالتقليد، وكثير منهم يقول: اجتهدنا في المذاهب فرأينا أقربها إلى الحق مذهب إمامنا، وكل (١) منهم يقول ذلك عن إمامه، ويزعم أنه أولى بالاتباع من غيره، ومنهم من يغلو فيوجب اتّباعه ويمنع من اتباع غيره. فياللَّه العجب من اجتهاد نهض بهم إلى كون متبوعهم ومقلَّدهم أعلم من غيره، وأحق بالاتباع ممن سواه (٢)، وأن مذهبه هو الراجح والصواب دائر معه، وقعد بهم عن الاجتهاد في كلام اللَّه ورسوله واستنباط الأحكام منه وترجيح ما يشهد له النص مع استيلاء كلام اللَّه ورسوله على غاية البيان وتضمنه لجوامع الكلم، و فصل ه للخطاب وبراءته من التناقض والاختلاف والاضطراب فقعدت بهم هممهم [واجتهادهم] (٣) عن الاجتهاد فيه ونهضت بهم إلى الاجتهاد في كون إمامهم أعلم الأمة وأولاها بالصواب، وأقواله في غاية القوة وموافقة السنة والكتاب، واللَّه المستعان. [فصل النوع الرابع: طائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه] (٤)، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرَّت على أنفسها بالتَّقليد المحض من جميع الوجوه، فإن ذكروا (٥) الكتاب والسنة يومًا [ما في مسألة] (٣)، فعلى وجه التَّبرُّك والفضيلة (٦)، لا على وجه الاحتجاج والعمل، وإذا رأوا حديثًا صحيحًا مخالفًا لقول من انتسبوا إليه أخذوا يقول إمامهم (٧) وتركوا الحديث، وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وغيرهم من الصحابة ﵃ قد أفتوا بفتيا، ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفها أخذوا بفتيا إمامهم وتركوا فتاوى الصحابة، قائلين: الإِمام أعلم بذلك منا ونحن قد قلَّدناه، فلا نتعداه، ولا نتخطاه، بل هو أعلم بما ذهب إليه منّا، ومن عدا هؤلاء فمتكلِّف [و] متخلف قد دنا (٨) بنفسه عن رُتبة المشتغلين (٩)، وقصَّر عن درجة

стр. 2632

المحصلين (١) فهو مُكَذْلك مع المَكْذِلكين، وإن ساعده القدر، واستقلَّ بالجواب قال: يجوز [بشرطه] (٢)، ويصح بشرطه، ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي، ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، ونحو ذلك من الأجوبة التي يحسنها (٣) كل جاهل، ويستحي منها كل فاضل. [منزلة كل نوع من المفتين] ففتاوى القسم الأول من جنس توقيعات الملوك وعلاماتهم (٤)، وفتاوى النوع الثاني من جنس توقيعات نوّابهم وخلفائهم، وفتاوى النوع الثالث والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم (٥)، ومن عداهم فمتشبع بما لم يعط متشبه بالعلماء محاك للفضلاء، وفي كل طائفة من الطوائف، متحققٌ بغيه (٦)، ومُحاكٍ له، متشبهُ به، واللَّه المستعان. الفائدة الثلاثون: إذا كان الرجل مجتهدًا في مذهب إمام، ولم يكن مستقلًا بالاجتهاد، فهل له أن يُفتي يقول (٧) ذلك الإِمام على قولين: وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد (٨): أحدهما: الجواز ويكون متبعه مقلدًا للميت لا له، وإنما له مجرد النقل عن الإمام. والثاني: لا يجوز له أن يفتي لأن السائل [مقلِّد له لا للميت، وهو لم يجتهد له، والسائل] (٩) يقول [له] (١٠): أنا أقلدك فيم تفتيني به (١١). والتحقيق أن هذا فيه تفصيل، فإن قال [له] (١١) السائل: " [أنا] (١٢) أريد حكم اللَّه تعالى في هذه المسألة، أو أريد الحق، أو ما يخلّصني" (١٣)، ونحو ذلك

стр. 2633

لم يسعه إلا أن يجتهد له في الحق، ولا يسعه أن يفتيه بمجرد تقليد غيره من غير معرفة بأنه حق أو باطل، وإن قال له: "أريد أن أعرف في هذه النازلة قول الإِمام ومذهبه" ساغ له الإخبار به ويكون ناقلًا له ويبقى الدَّرك على السائل، فالدرك في الوجه الأول على المفتي، وفي الثاني على المستفتي. [هل للحي أن يقلد الميت من غير نظر للدليل] الفائدة الحادية والثلاثون: هل يجوز [للحيِّ] (١) تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها؟ فيه وجهان لأصحاب الإِمام أحمد والشافعي (١)؛ فمن منعه قال: يجوز تغيّر (٢) اجتهاده لو كان حيًا، فإنه كان يجدد النَّظر عند نزول هذه النازلة إما وجوبًا، وإما استحبابًا على النزاع المشهور ولعله لو جدَّد النظر لرجع عن قوله [الأول] (٣). والثاني (٤): الجواز وعليه عمل [جميع] (٥) المقلدين في [جميع] (٥) أقطار الأرض، وخيار ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات، ومن منع [منهم] (٦) تقليد الميت، فإنما هو شيء يقوله بلسانه وعمله في فتاويه وأحكامه بخلافه والأقوال لا تموت بموت قائلها، كما لا تموت الأخبار بموت رواتها وناقليها. [هل للمجتهد في نوع من العلم أن يفتي فيه ؟] الفائدة الثانية والثلاثون: الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم مقلدًا في غيره أو في باب من أبوابه كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم أو في باب الجهاد أو الحج أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره وهل له أن يفتي في

стр. 2634

النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها (١). فحجَّةُ الجواز أنه قد عرف الحق بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب فحكمه في ذلك [النوع] (٢) حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع. وحجة المنع تعلُّق أبواب الشرع وأحكامه بعضها ببعض، فالجهل ببعضها مظنة للتقصير في الباب والنوع الذي [قد] (٣) عرفه، ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعدَّة وكتاب الفرائض، وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد، وما يتعلق به، وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك عامة أبواب الفقه. ومن فرَّق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع أحكام قسمة المواريث، ومعرفة الفروض، و [معرفة] (٤) مستحقها عن كتاب البيوع والإجارات والرهون والنضال، وغيرها وعدم تعلقاتها (٥)، وأيضًا، فإن عامة أحكام المواريث قطعية وهي منصوص عليها في الكتاب والسنة (٦). فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في [معرفة] (٧) مسألة أو مسألتين هل له أن يفتي بهما؟ قيل: نعم يجوز في أصح القولين، وهما وجهان لأصحاب الإِمام أحمد، وهل هذا إلا من التبليغ عن اللَّه و [عن] (٧) رسوله، وجزى اللَّه من أعان على

стр. 2635

الإِسلام ولو بشطر كلمة خيرًا، ومَنْعُ هذا من الإفتاء بما عَلِم خطأ محض، وباللَّه التوفيق. [من تصدر للفتوى من غير أهلها أثم] الفائدة الثالثة والثلاثون: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقرَّه من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا. قال أبو الفرج ابن الجوزي ﵀ (١): "ويلزم ولي الأمر منعهم، كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدلّ الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطبِّ، وهو يطب الناس، بل هو (٢) أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا تعيَّن على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين"؟ وكان شيخنا ﵁ (٣) شديد الإنكار على هؤلاء فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجعلت (٤) محتسبًا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسبٌ، ولا يكون على الفتوى محتسب؟ وقد روى الإِمام أحمد، وابن ماجه عن النبي ﷺ منه [مرفوعًا] (٥): "من أفتى بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه" (٦)، وفي "الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص [﵄] (٥) عن النبي ﷺ : "إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (٧)، وفي

стр. 2636

أثر مرفوع ذكره أبو الفرج وغيره: "من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض" (١). وكان مالك ﵀ ورضي عنه- يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها (٢)، وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف أما سمعت قول اللَّه : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] , فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة (٣)، وقال: ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهلٌ لذلك (٤)، وقال: لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلًا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه، وما أفتيتُ حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد، فأمراني (٥) بذلك، ولو نهياني انتهيت (٦)، قال: وإذا كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ تصعب عليهم المسائل، ولا يجيب أحد منهم في (٧) مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما رُزقوا من السَّداد

стр. 2637

والتوفيق والطهارة فكيف بنا الذين غطَّت (١) الذنوب والخطايا قلوبنا (٢)؟ وكان ﵀ إذا سئل عن مسألة، فكأنه واقف بين الجنة والنار (٣)، وقال عطاء بن أبي رباح: أدركت أقوامًا إن كان أحدهم ليسأل عن شيء فيتكلم، وإنه لَيَرْعَد (٤). وسُئل النبي ﷺ أي البلاد شرّ فقال؟ "لا أدري حتى أسأل جبريل"، فسأله فقال: أسواقها (٥). وقال الإِمام أحمد: من عرَّض نفسه للفتيا، فقد عرَّضها لأمر عظيم، إلا أنه

стр. 2638

قد تلجئ الضرورة (١) وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل [له] (٢) ألا تستحيي من قولك: لا أدري، وأنت فقيه أهل العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستحي حين قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (٣) [البقرة: ٣٢] , وقال بعض أهل العلم: تعلَّم لا أدري، فإنك إنْ قلت: لا أدري علَّموك حتى تدري، وإن قلت: أدري سألوك حتى لا تدري (٤)، وقال عقبة (٥) بن مسلم: صحبت ابن عمر ﵄ أربعة وثلاثين شهرًا، فكان كثيرًا ما يُسأل فيقول: لا أدري (٦)، وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتيا, ولا يقول شيئًا إلا قال: اللَّهم سلِّمني وسلِّم مني (٧). وسئل الشافعي عن مسألة فسكت فقيل: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري الفَضْلَ في سكوتي أو في الجواب (٨)، وقال ابن أبي ليلى: أدركت مئة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه (٩).

стр. 2639

وقال أبو الحَصِين الأسدي (١): إن أحدهم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه لجمع لها أهل بدر (٢)، وسئل القاسم بن محمد عن شيء فقال: إني لا أحسنه، فقال: له السائل: إني دفعت إليك (٣) لا أعرف غيرك، فقال له القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، واللَّه ما أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فواللَّه ما رأيتك (٤) في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: واللَّه؛ لأن يُقْطَع لساني أحب إليَّ من أن أتكلم بما لا علم لي به (٥). وكتب سلمان إلى أبي الدرداء ﵄، وكان بينهما مؤاخاة: [بلغني أنك قعدت طبيبًا فاحذر أن تكون متطببًا أو تقتل مسلمًا. فكان ربما جاءه الخصمان فيحكم بينهما، ثم يقول: ردُّوهما عليَّ، متطبِّب واللَّه، أعيدا عليَّ قضيتكما] (٦).

стр. 2640

[حكم العامي الذي لا يجد من يفتيه] الفائدة الرابعة والثلاثون: إذا نزلت بالعاميّ نازلة، وهو في مكان لا يجد من يسأله عن حكمها ففيه (١) طريقان للناس، أحدهما: أن له حكم ما قبل الشرع، على الخلاف في الحظر والإباحة والوقف (٢)؛ لأن عدم المرشد في حقه بمنزلة عدم المرشد بالنسبة إلى الأمة. والطريقة الثانية: أنه يُخَرجُ على الخلاف في مسألة تعارض الأدلة عند المجتهد هل يعمل (٣) بالأخف أو بالأشد أو يتخير (٤)؟ والصواب أنه يجب عليه أن

стр. 2641

يتقي اللَّه ما استطاع، ويتحرَّى الحق بجهده ومعرفة مثله، وقد نصَّبَ اللَّه [سبحانه

стр. 2642

و] (١) تعالى على الحق أمارات كثيرة، ولم يسوِّ اللَّه بين ما يحبه و [بين ما] (٢) يسخطه من كل وجه بحيث لا يتميز هذا من هذا, ولا بد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق مؤثرة له، ولا بد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجحة ولو بمنام أو بإلهام، فإن قدّر ارتفاع ذلك كله وعدمت في حقه جميع الإمارات فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه الدعوة، وإن كان مكلفًا بالنسبة إلى غيرها (٣)؛ فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم والقدرة واللَّه أعلم. [من تجوز له الفتيا، ومن لا تجوز له] الفائدة الخامسة والثلاثون: الفتيا أوسع من الحكم [والشهادة] (٤)، فيجوز فتيا العبد والحر، والمرأة والرجل، والقريب [والبعيد] (٥) والأجنبي، والأمي والقارئ، والأخرس بكتابته، والناطق، والعدو والصديق (٦)، وفيه وجه أنه لا تقبل (٧) فتيا العدو، [ولا من] (٨) لا تُقبل شهادته له كالشهادة، والوجهان في الفتيا كالوجهين (٩) في الحكم، وإن كان الخلاف في الحاكم أشهر، وأما فتيا الفاسق، فإن أفتى غيره لم تُقبل فتواه وليس للمستفتي [أن يستفتيه] (١٠) وله أن يعمل بفتوى نفسه، ولا يجب عليه أن يستفتي غيره (١١) وفي جواز استفتاء مستور

стр. 2643

الحال وجهان (١)، والصواب جواز استفتائه وإفتائه. قلت: وكذلك الفاسق (٢) إلا أَن يكون معلنًا بفسقه داعيًا إلى بدعته فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة (٣)، والقدرة والعجز فالواجب شيء والواقع شيء، والفقيه من يطبِّق بين الواقع والواجب (٤)، [وينفذ الواجب بحسب استطاعته لا من يلقى العداوة بين الواجب والواقع] (٥) فلكل زمان حكم والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض وامتنعت (٦) إمامة الفسَّاق (٧) وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم، وولاياتهم لعطلت الأحكام (٨)، وفسد نظام الخلق وبطلت أكثر الحقوق ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأَصلح (٩)، وهذا عند القدرة والاختيار، وأما عند الضرورة والغلبة بالباطل فليس إلا الاصطبار والقيام بأضعف مراتب الإنكار (١٠). [هل يجوز للقاضي أن يفتي ؟] الفائدة السادسة والثلاثون: لا فرق بين القاضي وغيره في جواز الإفتاء بما يجوز الإفتاء به (١١)، ووجوبها إذا تعيَّنت، ولم يزل أمر السلف والخلف على هذا، فإن منصب الفتيا داخل في ضمن منصب القضاء عند الجمهور، والذين (١٢)

стр. 2644

لا يجوزِّون قضاء الجاهل فالقاضي مفتٍ ومثبتٍ، ومنفذ لما أفتى به. وذهب بعض الفقهاء من أصحاب [الإمام] (١) أحمد (٢) والشافعي (٣) إلى أنه يكره للقاضي أن يفتي في مسائل الأحكام المتعلقة به دون الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها واحتج أرباب هذا القول بأن فتياه تفسير كالحكم منه على الخصم، ولا (٤) يمكن نقضه وقت المحاكمة قالوا: ولأنه قد يتغير اجتهاده وقت الحكومة أو تظهر له قرائن لم تظهر له عند الإفتاء، فإن أصر على فتياه والحكم بموجبها حكم بخلاف ما يعتقد صحته، وإن حكم بخلافها طرق الخصم (٥) إلى تهمته والتشنيع عليه بأنه يحكم [بخلاف] (٦) ما يعتقده ويفتي به، ولهذا قال شُريح: "أنا أقضي لكم ولا أفتي" (٧) حكاه ابن المنذر (٨) واختار كراهية الفتوى (٩) في مسائل الأحكام، وقال الشيخ أبو حامد الإسفرائيني: لأصحابنا في فتواه في مسائل الأحكام جوابان، أحدهما: ليس له أن يفتي فيها؛ لأن لكلام (١٠) الناس عليه مجالًا، ولأحد الخصمين عليه مقالًا، والثاني: له ذلك لأنه أهل له (١١).

стр. 2645

[فتيا الحاكم وحكمها] الفائدة السابعة والثلاثون: فتيا الحاكم ليست حكمًا منه، ولو (١) حكم غيره بخلاف ما أفتى به لم يكن نقضًا لحكمه، ولا هي كالحكم، ولهذا يجوز أن يفتي للحاضر والغائب، ومن يجوز حكمه [له] ومن لا يجوز (٢)، ولهذا لم يكن في حديث هند (٣) [دليل] (٤) على الحكم على الغائب لأنه ﷺ إنما أفتاها فتوى مجردة، ولم يكن ذلك حكمًا على الغائب، فإنه لم يكن غائبًا عن البلد، وكانت مراسلته وإحضاره ممكنة، ولا طلب البينة على صحة دعواها، وهذا ظاهر بحمد اللَّه [تعالى] (٥). [هل يجيب المفتي عما لم يقع] الفائدة الثامنة والثلاثون (٦): إذا سأل المستفتي عن مسألة لم تقع فهل تُستحب إجابته أو تكره أو يخير (٧)؟ فيه ثلاثة أقوال، وقد حُكي عن كثير من السلف أنه [كان] (٨) لا يتكلم فيما [لم] (٩) يقع، وكان بعض السلف إذا مسألة الرجل عن مسألة قال: هل كان ذلك؟ فإن قال: نعم، تكلَّف له الجواب، وإلا قال: دعنا في عافية (١٠). وقال الإِمام أحمد لبعض أصحابه: "إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام". والحق التفصيل، فإن كان في المسألة نص من كتاب اللَّه أو سنة عن

стр. 2646

رسول اللَّه (١) ﷺ أو أثر عن الصحابة ﵃ لم يكره الكلام فيها، وإن لم يكن فيها نص، ولا أثر، فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها، وإن كان وقوعها غير نادر، ولا مستبعد وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم لا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك ويعتبر بها نظائرها ويفرع عليها فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى، واللَّه أعلم. [لا يجوز للمفتي تتبع الحيل] الفائدة التاسعة والثلاثون: لا يجوز للمفتي تتبع الحيل (٢) المحرَّمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن (٣) تتبع ذلك فسق، وحرم استفتاؤه، فإن (٤) حسن قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها, ولا مفسدة ليخلِّص (٥) المستفتي بها من حرج جاز ذلك، بل استحب، وقد أرشد اللَّه [سبحانه و] (٦) تعالى نبيه أَيوب ﵇ إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثًا (٧) فيضرب به المرأة ضربة واحدة، وأرشد النبي ﷺ ، بلالًا إلى بيع التمر بدراهم (٨)، ثم يشتري بالدراهم تمرًا آخر فيتخلَّص من الربا (٩)، فأحسن المخارج ما خلص من المآثم (١٠) وأقبح الحيل (١١) ما أوقع في المحارم أو أسقط ما أوجبه اللَّه تعالى ورسوله من الحق اللازم، وقد ذكرنا من النَّوعين ما لعلك لا تظفر بجملته (١٢) في غير هذا الكتاب، واللَّه الموفق للصواب.

стр. 2647

[حكم رجوع المفتي عن فتواه] الفائدة الأربعون: في حكم رجوع المفتي عن فتياه، إذا أفتى المفتي بشيء ثم رجع عنه، فإن (١) علم المستفتي برجوعه، ولم يكن عمل بالأول فقيل: يحرم عليه العمل به، وعندي في المسألة تفصيل، وأنه لا يحرم عليه الأول بمجرد رجوع المفتي، بل يتوقف حتى يسأل غيره، فإن أفتاه بموافقة الأول استمر على العمل به، وإن أفتاه بموافقة الثاني، ولم يُفته أحد بخلافه حرم عليه العمل بالأول، وإن لم يكن في البلد إلا مفت واحد سأله عن رجوعه عما أفتاه به، فإن رجع إلى اختيار خلافه مع تسويغه لم يحرم عليه، وإن رجع لخطأ (٢) بأن له، وإنَّ ما أفتاه به لم يكن صوابًا حرم عليه العمل بالأول هذا إذا كان رجوعه لمخالفة دليل شرعي، فإن كان رجوعه لمجرد ما بأن له أنَّ ما أفتاه به (٣) خلاف مذهبه لم يحرم على المستفتي ما أفتاه به أولًا (٤) إلا أن تكون المسألة إجماعية. فلو تزوج بفتواه ودخل، ثم رجع المفتي لم يحرم عليه إمساك امرأته إلا بدليل شرعي يقتضي تحريمها, ولا يجب عليه مفارقتها لمجرد رجوعه (٥)، ولا سيما إن كان إنما رجع لكونه (٦) تبين له أن ما أفتى به خلاف مذهبه، وإن وافق مذهب غيره، هذا هو الصواب. وأطلق بعض أصحابنا (٧) وأصحاب الشافعي (٨) وجوب مفارقتها عليه، وحكوا في ذلك وجهين ورجَّحوا وجوب المفارقة قالوا: لأن المرجوع (٩) عنه ليس مذهبًا له، كما لو تغير اجتهاد مَنْ قلَّده في القبلة في أثناء الصلاة، فإنه يتحول مع الإِمام في الأصح.

стр. 2648

فيقال لهم: المُستفتي قد دخل بامرأته دخولًا صحيحًا سائغًا، ولم يقم (١) ما يوجب مفارقته لها من نص، ولا إجماع، فلا يجب عليه مفارقتها بمجرد تغير اجتهاد المفتي، وقد رجع عمر بن الخطاب ﵁ عن القول بالتشريك وأفتى بخلافه، ولم يأخذ المال من الذين شرَّك بينهم أولًا (٢)، وأما قياسكم ذلك على من تغير اجتهاده في معرفة القبلة فهو حجة عليكم، فإنه لا يبطل ما فعله المأموم بالاجتهاد الأول ويلزمه التحول ثانيًا لأنه مأمور بمتابعة الإِمام، بل نظير مسألتنا ما لو تغير اجتهاده بعد الفراغ من الصلاة، فإنه لا تلزمه الإعادة ويصلي الثانية بالاجتهاد الثاني. وأما قول أبي عمرو بن الصلاح (٣) وأبي عبد اللَّه بن حمدان (٤) من أصحابنا: "إذا كان المفتي إنما يفتي على مذهب إمام معيَّن فإذا رجع لكونه بان له

стр. 2649

قطعًا أنه خالف في فتواه نص [مذهب] (١) إمامه، فإنه يجب نقضه، وإن كان ذلك في محل الاجتهاد؛ لأنَّ [نصَّ] (١) مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المفتي المجتهد المستقل". فليس كما قالا, ولم ينص على هذه المسألة أحد من الأئمة، ولا تقتضيها أصول الشريعة ولو كان نص إمامه بمنزلة نص الشارع لحرم عليه وعلى غيره مخالفته وفسق بخلافه. ولم يوجب أحد من الأئمة نقض حكم الحاكم، ولا إبطال فتوى المفتي بكونه خلاف (٢) قول زيد أو عمرو، ولا يُعلم أحد سوّغ (٣) النقض بذلك من الأئمة والمتقدمين من أتباعهم، وإنما [قالوا] (٤): يُنقض من حكم الحاكم ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماع الأمة، ولم يقل أحد: يُنقض من حكمه ما خالف قول فلان أو فلان، وينقض من فتوى المفتي ما ينقض من حكم الحاكم، فكيف يسوغ نقض أحكام الحكام وفتاوى أهل العلم بكونها خالفت قول واحد من الأئمة؟ ولا سيما إذا وافقت نصًا عن رسول اللَّه ﷺ أو فتاوى الصحابة (٥) أيسوغ (٦) نقضها لمخالفة قول فلان وحده، ولم يجعل اللَّه تعالى ولا رسوله ﷺ ، ولا أحد من الأئمة قول فقيه من الأمة بمنزلة نص اللَّه ورسوله بحيث يجب اتباعه ويحرم خلافه، فإذا بان للمفتي أنه خالف إمامه، ووافق قول الأئمة الثلاثة لم يجب على الزوج أن يفارق امرأته، ويخرب بيته، ويشتت شمله، وشمل أولاده، بمجرَّد كون المفتي ظهر له أن ما أفتى به خلاف نص إمامه، ولا يحل له أن يقول [له] (٧): "فارق أهلك" بمجرد ذلك، ولا سيما إن كان النص مع قول الثلاثة، وبالجملة فبطلان هذا القول أظهر من أن نتكلَّف بيانَه. فإن قيل: فما تقولون لو تغيَّر اجتهاد المفتي فهل يلزمه إعلام المستفتي؟ قيل: اختلف في ذلك؛ فقيل: لا يلزمه إعلامه، فإن (٨) عمل أولًا بما يسوغ له فإذا لم يعلم بطلانه لم يكن آثمًا فهو في سعة من استمراره وقيل: بل يلزمه [إعلامه] (٩) لأن ما رجع عنه قد اعتقد بطلانه وبان له أن ما أفتاه به ليس من

стр. 2650

الدين، فيجب عليه إعلامه، كما جرى لعبد اللَّه بن مسعود ﵁ حين أفتى رجلًا بحلِّ [أم] (١) امرأته التي فارقها قبل الدخول، ثم سافر إلى المدينة وتبين له خلاف هذا القول فرجع إلى الكوفة وطلب [هذا] (٤) الرجل (٢) وفرق بينه وبين أهله (٣)، وكما جرى للحسن بن زياد اللؤلؤي لما استُفتي في مسألة فأخطأ فيها، ولم يعرف الذي أفتاه به فاستأجر مناديًا ينادي: إن الحسن بن زياد استُفتي [في] (١) يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن بن زياد في شيء (٤) فليرجع إليه، ثم لبث أيامًا لا يفتي، حتى جاء (٥) صاحب الفتوى فأعلمه أنه قد أخطأ (٦)، وأن الصواب خلاف ما أفتاه به (٧). وقال القاضي أبو يعلى في "كفايته": من أفتى بالاجتهاد، ثم تغير اجتهاده لم يلزمه إعلام المستفتي بذلك إن كان قد عمل به وإلا أعلمه (٨). والصواب التفصيل، فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعًا لكونه خالف نصَّ الكتاب أو السنة (٩) التي لا معارض لها أو خالف إجماع الأمة فعليه (١٠) إعلام المستفتي، وإن كان إنما ظهر له أنه خالف مجرد مذهبه أو نص إمامه لم يجب عليه إعلام المستفتي وعلى هذا تُخرَّج قصة ابن مسعود [﵁] (١١)، فإنه لما ناظر الصحابة في تلك المسألة بيَّنوا له أن صريح الكتاب يحرمها لكون اللَّه [تعالى] (١١) أبهمها فقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وظن عبد اللَّه أن قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] راجع إلى الأول والثاني فبينوا له أنه إنما يرجع إلى أمهات الربائب خاصة، فعرف أنه الحق، وأن القول بحلِّها خلاف كتاب اللَّه [تعالى] (١١)

стр. 2651

ففرَّق بين الزوجين، ولم يفرق بينهما بكونه تبين له أن ذلك خلاف قول زيد أو عمرو واللَّه تعالى أعلم. [هل يضمن المفتي المال أو النفس ؟] الفائدة الحادية والأربعون: إذا عمل المُستفتي بفتيا مفت في إتلاف نفس أو مال ثم بأن خطؤه، قال أبو إسحاق الإسفرائيني من الشافعية (١): يضمن المفتي إن كان أهلًا للفتوى وخالف القاطع، وإن لم يكن أَهلًا فلا ضمان عليه لأن المستفتي قصَّر في استفتائه وتقليده، ووافقه على ذلك أبو عبد اللَّه بن حمدان (٢) في كتاب: "آداب المفتي والمستفتي" (٣) له، ولم أعرف هذا لأحد من الأصحاب قبله (٤)، ثم حكى وجهًا آخر في تضمين من ليس بأهل [قال] (٣): لأنه تصدَّى لما ليس له بأهل، وغرَّ من استفتاه بتصدِّيه لذلك. قلت: خطأُ المفتي كخطأ الحاكم والشاهد، وقد اختلفت الرواية في خطأ الحاكم في النفس أو الطرف (٥)، فعن (٦) الإمام أحمد في ذلك روايتان: إحداهما (٧): أنه في بيت المال؛ لأنه يكثر منه ذلك [الحكم] (٨)، فلو حَمَلته العاقلة لكان [ذلك] (٩) إضرارًا عظيمًا بهم. والثانية: أنه على عاقلته، كما لو كان الخطأ بسبب غير [الحاكم] (١٠)، وأما خطؤه في المال فإذا حكم بحق ثم بأن كفر الشهود أو فسقهم نقض حكمه، ثم رجع المحكوم عليه ببدل المال على المحكوم له، وكذلك إذا كان الحكم بقود

стр. 2652

رجع أولياء المقتول ببدله على المحكوم له، و [كذلك] إن كان الحكم بحق اللَّه (١) بإتلاف مباشر (٢) أو بالسراية ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الضمان على المزكِّين لأن الحُكمَ إنما وجب بتزكيتهم (٣). والثاني: يضمنه الحاكم لأنه لم يثبت، بل فرَّط في المبادرة إلى الحكم وترك [البحث] (٤) والسؤال. والثالث: أن للمستحق تضمين أيهما شاء والقرار على المزكين لأنهم ألجأوا الحاكم إلى الحكم، فعلى هذا إن لم يكن ثَمَّ تزكية فعلى الحاكم، وعن أحمد رواية أخرى أنه لا ينقض بفسقهم فعلى هذا لا ضمان. وعلى هذا إذا استفتى الإمام أو الوالي مفتيًا فأفتاه، ثم بأن [له] (٥) خطؤه فحكم المفتي مع الإمام حكم المزكّين مع الحاكم، وإن عمل [المُستفتي] (٦) بفتواه من غير [حكم] (٤) حاكم، ولا إمام فأتلف نفسًا أو مالًا، فإن كان [المفتي] (٤) أهلًا، فلا ضمان عليه والضمان على المُستفتي، وإن لم يكن أهلًا فعليه الضمان (٧)؛ لقول النبي ﷺ : "من تطبب، ولم يعرف منه طبٌّ فهو ضامن" (٨)،

стр. 2653

وهذا يدل على أنه إذا عرف منه طب وأخطأ لم يضمن والمفتي أولى بعدم الضمان من الحاكم والإمام؛ لأنَّ المستفتي مخيَّر بين قبول فتواه وردها، فإن قوله: لا يلزم بخلاف حكم الحاكم والإمام، وأما خطأ الشاهد فإما أَن يكونوا شهودًا بمال أو طلاق أو عتق أو حد أو قود، فإن بأن خطؤهم قبل الحكم لم يحكم بذلك (١)، وإن بأن بعد الحكم باستيفاء القود وقبل استيفائه لم يستوف قطعًا، وإن بأن بعد استيفائه فعليهم دية ما تلف ويتقسط الغرم على عددهم، وإن بأن خطؤهم قبل الحكم بالمال لغت شهادتهم، ولم يضمنوا، وإن بأن بعد الحكم به نقض حكمه، كما لو شهدوا بموت رجل باستفاضة فحكم الحاكم بقسم ميراثه، ثم بانت حياته،

стр. 2654

فإنه ينقض (١) حكمه، وإن بأن خطؤهم في شهادة الطلاق من غير جهتهم، كما لو شهدوا أنه طلَّق يوم كذا وكذا وظهر للحاكم أنه في ذلك اليوم كان محبوسًا لا يصل إليه أحد أو كان مغمًى عليه فحكم ذلك حكم ما لو بأن كفرهم أو فسقهم، فإنه ينقض حكمه وترد المرأة إلى الزوج ولو تزوجت بغيره بخلاف ما إذا قالوا: "رجعنا عن الشهادة"، فإن رجوعهم إن كان قبل الدخول ضمنوا نصف المسمَّى لأنهم قرروه عليه، ولا تعود [إليه] (٢) الزوجة إذا كان الحاكم [قد] (٢) حكم بالفرقة، وإن رجعوا بعد الدخول ففيه روايتان: إحداهما: أنهم لا يغرمون شيئًا لأن الزوج استوفى المنفعة (٣) بالدخول فاستقر عليه عوضها (٤). والثانية: يغرمون المسمى كله؛ لأنهم فوَّتوا عليه البضع بشهادتهم، وأصلهما (٥) أن خروج البضع من (٦) يد الزوج هل هو متقوَّم أم لا (٧)؟ وأما شهود العتق، فإن بأن خطؤهم تبيَّنا أنَّه لا عتق، وإن قالوا: رجعنا غَرِموا للسيد قيمة العبد (٨). [أحوال ليس للمفتي أن يفتي فيها] الفائدة الثانية والأربعون: ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد أو جوع مفرط أو همٍّ مقلق أو خوف مزعج أو نعاس [غالب] (٩) أو شغل قلب مستولٍ

стр. 2655

[عليه] (١) أو حال مدافعة الأخبثين، بل متى أحسَّ من نفسه شيئًا (٢) من ذلك يخرجه عن حال اعتداله وطمأنينته وتثبيته (٣) أمسك عن الفتوى، فإن أفتى في هذه الحالة (٤) بالصواب صحت فتياه ولو حكم في [مثل] هذه الحالة (٥) فهل ينفذ حكمه أو لا ينفذ؟ فيه ثلاثة أقوال (٦): النفوذ، وعدمه، والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ، وبين أن يكون سابقًا على فهم الحكومة فلا ينفذ، والثلاثة في مذهب الإمام أحمد [رحمه اللَّه تعالى] (٧). [على المفتي أن يرجع إلى العرف في مسائل] الفائدة الثالثة والأربعون: لا يجوز له أن يفتي في الأقارير (٨) والأيمان والوصايا، وغيرها مما يتعلَّق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عُرفَ أهلها والمتكلمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه (٩)، وإن كان مخالفًا لحقائقها الأصلية فمتى لم يفعل ذلك ضلَّ وأضل (١٠)؛ فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية (١١) دراهم وعند طائفة اسم لاثني (١٢) عشر درهمًا والدرهم عند

стр. 2656

غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش، فإذا أقر له بدراهم أو حلف ليعطيه (١) إياها أو أصدقها امرأته (٢) لم يجز للمفتي ولا للحاكم أن يلزمه بالخالصة (٣)، فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة (٤) لم يجز له أن يلزم المستحق بالمغشوشة. وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق فلو جرى عرف أهل بلد أو طائفة في استعمالهم لفظ الحرية في العفَّة دون العتق فإذا قال أحدهم عن مملوكه: "إنه حر"، أو جاريته "إنها حرة" وعادته استعمال ذلك في العفة لم يخطر بباله غيرها لم يعتق بذلك قطعًا، وإن كان اللفظ صريحًا عند من ألِف استعماله في العتق، وكذلك إذا جرى عرف طائفة [في] (٥) الطلاق بلفظ التسميح بحيث لا يعرفون لهذا المعنى غيره فإذا قالت: "اسمح لي"، فقال: "سمحتُ لك" فهذا صريح في الطلاق عندهم، وقد تقدم الكلام في هذا الفصل مشبعًا، وأنه لا يسوغ أن يقبل [تفسير] (٥) من قال: "لفلان عليّ مال جليل أو عظيم" بدانق أو درهم ونحو ذلك، ولا سيما إن كان المفسر (٦) من الأغنياء المكثرين أو الملوك (٧)، وكذلك لو أوصى له بقوس في محلة (٨) لا يعرفون إلا أقواس البندق أو الأقواس العربية أو أقواس الرجل، أو حلف لا يشم الريحان في محل لا يعرفون الريحان إلا هذا الفارسي، أو حلف لا يركب دابة في موضع عرفهم بلفظ الدابة الحمار أو الفرس، أو حلف لا يأكل ثمرًا في بلد عرفهم في الثمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره، أو حلف لا يلبس ثوبًا في بلد عرفهم في الثياب القمص وحدها دون الأردية والأزر والجباب (٩) ونحوها، تقيدت يمينه بذلك وحده [في جميع هذه الصور واختصت بعرفه دون موضوع (١٠) اللفظ لغة أو في] (١١) عرف غيره، بل لو قالت المرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلم بالعربية، ولا يفهمها: "قل لي: أنت طالق ثلاثًا"، وهو لا يعلم موضوع (١٠) هذه الكلمة فقال لها (١٢)، لم تطلق قطعًا

стр. 2657

في حكم اللَّه [تعالى] (١) ورسوله، وكذلك لو قال الرجل لآخر: "أنا عبدك ومملوكك" على سبيل (٢) الخضوع له، كما يقوله (٣) الناس لم يستبح ملك رقبته بذلك، ومن لم يراع المقاصد والنيّات والعرف في الكلام، فإنه يلزمه أن يجوز له بيع هذا القائل وملك رقبته بمجرد هذا اللفظ. وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل، فيغر الناس، ويكذب على اللَّه تعالى ورسوله، ويغير دينه، ويحرِّم ما لم يحرمه اللَّه، ويوجب ما لم يوجبه اللَّه، واللَّه المستعان. [لا يعين المفتي على التحليل ولا على المكر] الفائدة الرابعة والأربعون: يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيّل [على] (٤) إسقاط واجب أو تحليل محرَّم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتي فيها ويرشده إلى مطلوبه أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصده (٥)، بل ينبغي له أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي [له] (٦) أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرًا فطنًا فقيهًا بأحوال (٧) الناس وأمورهم يؤازره فقه (٨) في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل وباطنها مكر وخداع وظلم؟ (٩) فَالغِرُّ (١٠) ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها، فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم. والثاني: يخرج زيفها، كما يخرج الناقد (١١) زيف النقود. وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق؟! و [كم] (١٢) من حق يخرجه بتهجينه (١٣) وسوء تعبيره في صورة باطل؟! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا

стр. 2658

يخفى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس؛ ولكثرته وشهرته يستغني عن الأمثلة، بل من تأمل المقالات الباطلة والبدع [كلها] (٩) وجدها قد أخرجها أصحابها في قوالب مستحسنة، وكسوها ألفاظًا يقبلها بها من لم يعرف حقيقتها، ولقد أحسن القائل (١): تقول هذا جناءُ النَّحلِ تمدحُهُ ... وإنْ تشأ قلتَ ذا قيء الزنابيرِ مدحًا وذمًا، وما جاوزتَ وصفهما ... والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبيرِ ورأى بعض الملوك (٢) كأن أسنانه [قد] (٣) سقطت فعبَّرها (٤) له معبر بموت أهله وأقاربه فأقصاه وطرده، واستدعى آخر فقال له: [لا عليك] (٣) تكون أطول أهلك عمرًا، فأعطاه وأكرمه وقرَّبه، فاستوفى المعنى، وغيَّر له العبارة، وأخرج المعنى في قالب حسنٍ. والمقصود أنه لا يحلُّ له أن يفتي بالحيل المحرمة، ولا يعين عليها، [ولا يدلُّ عليها] (٣)؛ فيضاد اللَّه في أمره قال [اللَّه] (٣) تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٥) [البقرة: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وقال تعالى في حق أرباب الحيل المحرمة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)

стр. 2659

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦]. وفي "صحيح مسلم" عن النبي ﷺ أنه قال: "ملعون من ضارَّ مسلمًا أو مكر به" (١)، وقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلِّوا محارمَ اللَّه بأدنى الحيل" (٢)، وقال: "المكرُ والخديعة في النار" (٣)، وفي "سنن ابن ماجه" وغيره

стр. 2660

عنه ﷺ : "ما بال أقوام يلعبون بحدود اللَّه ويستهزئون بآياته طلَّقتك راجعتك طلقتك راجعتك؟ "، وفي لفظ: "خلعتكِ راجعتك خلعتُك راجعتُكِ" (١)، وفي "الصحيحين"

стр. 2661

عن النبي ﷺ (١): "لعن اللَّه اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها، [وأكلوا أثمانها] (٢) "، وقال أيوب السختياني: يخادعون اللَّه، كما يخادعون الصبيان (٣)، وقال ابن عباس: من يخادع اللَّه يخدعه (٤)، وقال بعضُ السلف: "ثلاث من كنَّ فيه كنَّ عليه: المكر، والبغي، والنكث. وقرأ (٥): ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٦) [الفتح: ١٠]. وقال الإمام أحمد: "هذه الحيل التي وضعها هؤلاء عَمَدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها أتوا إلى الذي قيل لهم: إنه حرام فاحتالوا فيه حتى حلَّلوه" (٧) وقال: "ما أخبثهم، يعني: أصحاب الحيل يحتالون لنقض سنن رسول اللَّه ﷺ " (٨)، وقال: "مَنْ احتال [بحيلة] فهو حانث" (٩)، وقال: "إذا (١٠) حلف على شيء ثم احتال بحيلة فصار إليها، فقد صار إلى [ذلك] (١١) الذي حلف عليه بعينه" (١٢).

стр. 2662

وقد تقدم بسط الكلام في هذه المسألة مستوفى، فلا حاجة إلى (١) إعادته. [حكم أخذ المفتي أجرة أو هدية] الفائدة الخامسة والأربعون: في أخذ الأجرة والهدية والرزق على الفتوى، فيه ثلاث صور مختلفة السبب والحكم (٢). فأما أخذه الأجرة فلا يجوز له؛ لأن الفُتيا منصب تبليغ (٣) عن اللَّه ورسوله، فلا تجوز المعاوضة عليه، كما لو قال [له] (٤): لا أعلّمك الإسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا بأجرة، [أو سئل عن حلال أو حرام فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة] (٥)، فهذا حرام قطعًا، ويلزمه رد العِوَض، ولا يملكه. وقال بعض المتأخرين (٦): إن أجاب بالخطِّ (٧) فله أن يقول للسائل: لا يلزمني أن أكتب لك خطي إلا بأجرة وله أخذ الأجرة وجعله بمنزلة أجرة الناسخ، فإنه يأخذ الأجرة على خطه لا على جوابه، [وخطُّه قدر زائد على جوابه] (٤). والصحيح خلاف ذلك، وأَنه يلزمه الجواب [مجانًا] (٤) للَّه، بلفظه، وخطه، ولكن لا يلزمه الورق ولا الحبر. وأما الهدية ففيها تفصيل، فإنْ كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه أو من لا يعرف أنه مفتٍ، فلا بأسٍ بقبولها والأولى أن يكافئ عليها، وإن كانت

стр. 2663

بسبب الفتوى، فإن كانت سببًا إلى أن يفتيه بما لا يفتي (١) به غيره ممن لا يهدي له لم يجز له قبول هديته (٢)، وإن كان لا فرق (٣) بينه وبين غيره عنده في الفتيا، بل يفتيه بما يفتي به الناس كره له قبول الهدية لأنها [تشبه] (٤) المعاوضة على الإفتاء (٥). وأما أخذ الرزق من بيت المال، فإن كان محتاجًا إليه جاز [له] (١) ذلك، وإن كان غنيًا عنه ففيه وجهان، وهذا فرع مترددٌ بين عامل الزكاة وعامل اليتيم فمَن ألحقه بعامل الزكاة قال: النفع فيه عام فله الأخذ، ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي، بل القاضي أولى بالمنع واللَّه أعلم (٦). [ما يصنع المفتي إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى] الفائدة السادسة والأربعون: إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى، فإن ذكرها وذكر مستندها، ولم يتجدد له ما يوجب تغيّر اجتهاده أفتى [بها] (٧) من غير نظر، ولا اجتهاد، وإن ذكرها ونَسي مستندها فهل له أن يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد (٨) والشافعي (٩):

стр. 2664

أحدهما: أنه يلزمه تجديد النظر؛ [لاحتمال تغيّر اجتهاده وظهور ما كان خافيًا عنه. والثاني: لا يلزمه تجديد النظر] (١)؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان (٢)، وإن ظهر له ما يغير اجتهاده لم يجز له البقاء على القول الأول، ولا يجب عليه نقضه، ولا يكون اختلافه مع نفسه قادحًا في علمه، بل هذا من كمال علمه، وورعه، ولأَجل هذا خرج عن الأئمة في المسألة قولان فأكثر وسمعت شيخنا رحمه اللَّه تعالى يقول: حضرتُ عقدَ مجلس عند نائب السلطان [في وقف] (٣) أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين، فقرأ جوابه الموافق للحق، فأخرج بعض الحاضرين جوابه [الأول] (٣)، وقال: هذا جوابُك بضد هذا، فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة؟ فوجم الحاكم، فقلت: هذا من علمه ودينه، أفتى أولًا بشيء، ثم تبيَّن له الصواب فرجع إليه، كما يُفتي إمامه بقول ثم يتبين له خلافه فيرجع إليه، ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه، وكذلك سائر الأئمة، فسُرَّ القاضي بذلك وسُرِّي عنه. [كل الأئمة يذهبون إلى الحديث ومتى صح فهو مذهبهم] الفائدة السابعة والأربعون: قول الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنَّة رسول اللَّه ﷺ فقولوا بسنة رسول اللَّه ﷺ ودعوا ما قلته" (٤)، (وكذلك [قوله] (٥): "إذا صح الحديث عن النبي ﷺ وقلت أنا قولًا فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك الحديث") (٦)، وقوله (٧): "إذا صح الحديث عن رسول اللَّه ﷺ

стр. 2665

فاضربوا بقولي الحائط" (١)، وقوله: "إذا رويتُ حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ (٢) ولم أذهب إليه فاعلموا أن عقلي قد ذهب" (٣)، وغير ذلك من كلامه في هذا المعنى صريحٌ في مدلوله، وأن مذهبه ما دلَّ عليه الحديث، لا قول له غيره، ولا يجوز أن يُنسب إليه ما خالف الحديث ويقال: "هذا مذهب الشافعي" [ولا يحل الإفتاء بما خالف الحديث على أنه مذهب الشافعي] (٤)، ولا الحكم به، وصرح بذلك جماعة من أئمة أتباعه (٥)، حتى كان منهم من يقول للقارئ إذا قرأ عليه مسألة من كلامه: قد صح الحديث بخلافها، اضرب على هذه المسألة فليست مذهبه، وهذا هو الصواب قطعًا، ولم ينص عليه، فكيف إذا نص عليه وأبدى فيه وأعاد وصرح فيه (٦)، بألفاظ كلها صريحة في مدلولها؟ فنحن نشهد باللَّه أن مذهبه وقوله الذي لا قول له سواه ما وافق الحديث، دون ما خالفه، [وأنَّ] (٧) مَنْ نسب إليه خلافه فقد نسب إليه خلاف مذهبه، ولا سيما إذا ذكر هو ذلك الحديث وأخبر أنه إنما خالفه لضعف في سنده أو لعدم بلوغه له من وجه يَثِق به، ثم ظهر للحديث سند صحيح لا مطعن فيه وصححه أئمة الحديث من وجه لم يبلغه (٨)، فهذا لا يشك عالم ولا يماري في أنه مذهبه قطعًا، وهذا كمسألة الجوائح؛ فإنه علل حديث سفيان بن عيينة بأنه كان ربما ترك ذكر الجوائح، وقد صحَّ الحديث (٩) من غير طريق سفيان صحةً لا مرية فيها، ولا علة، ولا شبهة بوجه؛ فمذهب الشافعي (١٠) وضع الجوائح، وباللَّه التوفيق (١١).
следующие страницы →