← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

عن النبي ﷺ (١): "لعن اللَّه اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها، [وأكلوا أثمانها] (٢) "، وقال أيوب السختياني: يخادعون اللَّه، كما يخادعون الصبيان (٣)، وقال ابن عباس: من يخادع اللَّه يخدعه (٤)، وقال بعضُ السلف: "ثلاث من كنَّ فيه كنَّ عليه: المكر، والبغي، والنكث. وقرأ (٥): ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٦) [الفتح: ١٠]. وقال الإمام أحمد: "هذه الحيل التي وضعها هؤلاء عَمَدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها أتوا إلى الذي قيل لهم: إنه حرام فاحتالوا فيه حتى حلَّلوه" (٧) وقال: "ما أخبثهم، يعني: أصحاب الحيل يحتالون لنقض سنن رسول اللَّه ﷺ " (٨)، وقال: "مَنْ احتال [بحيلة] فهو حانث" (٩)، وقال: "إذا (١٠) حلف على شيء ثم احتال بحيلة فصار إليها، فقد صار إلى [ذلك] (١١) الذي حلف عليه بعينه" (١٢).

стр. 2662

وقد تقدم بسط الكلام في هذه المسألة مستوفى، فلا حاجة إلى (١) إعادته. [حكم أخذ المفتي أجرة أو هدية] الفائدة الخامسة والأربعون: في أخذ الأجرة والهدية والرزق على الفتوى، فيه ثلاث صور مختلفة السبب والحكم (٢). فأما أخذه الأجرة فلا يجوز له؛ لأن الفُتيا منصب تبليغ (٣) عن اللَّه ورسوله، فلا تجوز المعاوضة عليه، كما لو قال [له] (٤): لا أعلّمك الإسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا بأجرة، [أو سئل عن حلال أو حرام فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة] (٥)، فهذا حرام قطعًا، ويلزمه رد العِوَض، ولا يملكه. وقال بعض المتأخرين (٦): إن أجاب بالخطِّ (٧) فله أن يقول للسائل: لا يلزمني أن أكتب لك خطي إلا بأجرة وله أخذ الأجرة وجعله بمنزلة أجرة الناسخ، فإنه يأخذ الأجرة على خطه لا على جوابه، [وخطُّه قدر زائد على جوابه] (٤). والصحيح خلاف ذلك، وأَنه يلزمه الجواب [مجانًا] (٤) للَّه، بلفظه، وخطه، ولكن لا يلزمه الورق ولا الحبر. وأما الهدية ففيها تفصيل، فإنْ كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه أو من لا يعرف أنه مفتٍ، فلا بأسٍ بقبولها والأولى أن يكافئ عليها، وإن كانت

стр. 2663

بسبب الفتوى، فإن كانت سببًا إلى أن يفتيه بما لا يفتي (١) به غيره ممن لا يهدي له لم يجز له قبول هديته (٢)، وإن كان لا فرق (٣) بينه وبين غيره عنده في الفتيا، بل يفتيه بما يفتي به الناس كره له قبول الهدية لأنها [تشبه] (٤) المعاوضة على الإفتاء (٥). وأما أخذ الرزق من بيت المال، فإن كان محتاجًا إليه جاز [له] (١) ذلك، وإن كان غنيًا عنه ففيه وجهان، وهذا فرع مترددٌ بين عامل الزكاة وعامل اليتيم فمَن ألحقه بعامل الزكاة قال: النفع فيه عام فله الأخذ، ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي، بل القاضي أولى بالمنع واللَّه أعلم (٦). [ما يصنع المفتي إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى] الفائدة السادسة والأربعون: إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى، فإن ذكرها وذكر مستندها، ولم يتجدد له ما يوجب تغيّر اجتهاده أفتى [بها] (٧) من غير نظر، ولا اجتهاد، وإن ذكرها ونَسي مستندها فهل له أن يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد (٨) والشافعي (٩):

стр. 2664

أحدهما: أنه يلزمه تجديد النظر؛ [لاحتمال تغيّر اجتهاده وظهور ما كان خافيًا عنه. والثاني: لا يلزمه تجديد النظر] (١)؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان (٢)، وإن ظهر له ما يغير اجتهاده لم يجز له البقاء على القول الأول، ولا يجب عليه نقضه، ولا يكون اختلافه مع نفسه قادحًا في علمه، بل هذا من كمال علمه، وورعه، ولأَجل هذا خرج عن الأئمة في المسألة قولان فأكثر وسمعت شيخنا رحمه اللَّه تعالى يقول: حضرتُ عقدَ مجلس عند نائب السلطان [في وقف] (٣) أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين، فقرأ جوابه الموافق للحق، فأخرج بعض الحاضرين جوابه [الأول] (٣)، وقال: هذا جوابُك بضد هذا، فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة؟ فوجم الحاكم، فقلت: هذا من علمه ودينه، أفتى أولًا بشيء، ثم تبيَّن له الصواب فرجع إليه، كما يُفتي إمامه بقول ثم يتبين له خلافه فيرجع إليه، ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه، وكذلك سائر الأئمة، فسُرَّ القاضي بذلك وسُرِّي عنه. [كل الأئمة يذهبون إلى الحديث ومتى صح فهو مذهبهم] الفائدة السابعة والأربعون: قول الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنَّة رسول اللَّه ﷺ فقولوا بسنة رسول اللَّه ﷺ ودعوا ما قلته" (٤)، (وكذلك [قوله] (٥): "إذا صح الحديث عن النبي ﷺ وقلت أنا قولًا فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك الحديث") (٦)، وقوله (٧): "إذا صح الحديث عن رسول اللَّه ﷺ

стр. 2665

فاضربوا بقولي الحائط" (١)، وقوله: "إذا رويتُ حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ (٢) ولم أذهب إليه فاعلموا أن عقلي قد ذهب" (٣)، وغير ذلك من كلامه في هذا المعنى صريحٌ في مدلوله، وأن مذهبه ما دلَّ عليه الحديث، لا قول له غيره، ولا يجوز أن يُنسب إليه ما خالف الحديث ويقال: "هذا مذهب الشافعي" [ولا يحل الإفتاء بما خالف الحديث على أنه مذهب الشافعي] (٤)، ولا الحكم به، وصرح بذلك جماعة من أئمة أتباعه (٥)، حتى كان منهم من يقول للقارئ إذا قرأ عليه مسألة من كلامه: قد صح الحديث بخلافها، اضرب على هذه المسألة فليست مذهبه، وهذا هو الصواب قطعًا، ولم ينص عليه، فكيف إذا نص عليه وأبدى فيه وأعاد وصرح فيه (٦)، بألفاظ كلها صريحة في مدلولها؟ فنحن نشهد باللَّه أن مذهبه وقوله الذي لا قول له سواه ما وافق الحديث، دون ما خالفه، [وأنَّ] (٧) مَنْ نسب إليه خلافه فقد نسب إليه خلاف مذهبه، ولا سيما إذا ذكر هو ذلك الحديث وأخبر أنه إنما خالفه لضعف في سنده أو لعدم بلوغه له من وجه يَثِق به، ثم ظهر للحديث سند صحيح لا مطعن فيه وصححه أئمة الحديث من وجه لم يبلغه (٨)، فهذا لا يشك عالم ولا يماري في أنه مذهبه قطعًا، وهذا كمسألة الجوائح؛ فإنه علل حديث سفيان بن عيينة بأنه كان ربما ترك ذكر الجوائح، وقد صحَّ الحديث (٩) من غير طريق سفيان صحةً لا مرية فيها، ولا علة، ولا شبهة بوجه؛ فمذهب الشافعي (١٠) وضع الجوائح، وباللَّه التوفيق (١١).

стр. 2666

وقد صرَّح بعض أئمة الشافعية بأن مذهبه (١) أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، وأن وقت المغرب يمتد إلى [مغيب] (٢) الشفق، وأن [من] (٣) مات وعليه صيام صام عنه وليه، وأن أكل لحوم الإبل ينقض الوضوء، وهذا بخلاف الفطر بالحجامة وصلاة المأموم قاعدًا إذا صلى إمامه كذلك، فإن الحديث، وإن صح في ذلك فليس بمذهبه (٤)، فإن الشافعي قد رواه (٥) وعرف صحته، ولكن خالفه لاعتقاده نسخه، وهذا شيء وذاك شيء، ففي هذا القسم يقع النظر في النسخ وعدمه وفي الأول يقع النظر في صحة الحديث وثقة السند فاعرفه. [هل تجوز الفتيا لمن عنده كتب الحديث ؟] الفائدة الثامنة والأربعون: إذا كان عند الرجل "الصَّحيحان" أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول اللَّه ﷺ موثوق بما فيه، فهل له أن يفتي بما يجده فيه؟ فقالت طائفة من المتأخرين: ليس له ذلك؛ لأنه قد يكون منسوخًا أو له مُعارِض أو يفهم من دلالته خلاف ما يدل عليه أو يكون أمر ندب فيفهم منه الإيجاب أو يكون عامًا له مخصِّص أو مطلقًا له مقيِّد، فلا يجوز له العمل، ولا الفتيا [به] (٣) حتى يسأل أهل الفقه [والفتيا] (٦). وقالت طائفة: بل له أن يعمل به ويفتي به، بل يتعيَّن عليه، كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، وحدَّث به بعضهم بعضًا بادروا إلى العمل به من غير توقّف، ولا بحث عن معارض، ولا يقول أحد منهم قط: هل عمل بهذا فلان وفلان؟! ولو رأوا من يقول ذلك لأنكروا عليه أشد الإنكار، وكذلك التابعون، وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القوم وسيرتهم وطول العهد بالسنة وبُعد الزمان وعتقها لا يسوغ ترك الأخذ بها (٧) [والعمل بغيرها] (٨) ولو كانت سنن (٩) رسول اللَّه ﷺ لا يسوغ العمل بها بعد

стр. 2667

صحتها حتى يعمل بها فلان [أو فلان] (١) لكان قول فلان أو فلان عيارًا على السنن ومزكيًا لها وشرطًا في العمل بها، وهذا من أبطل الباطل، وقد أقام اللَّه الحجة برسوله دون آحاد الأمة، وقد أمر النبي ﷺ بتبليغ سنته (٢)، ودعا لمن بلغها (٣). فلو (٤) كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الإمام فلان، والإمام فلان، لم يكن في تبليغها فائدة وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان. قالوا: والنسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة، [بل] (٥) ولا شطرها؛ فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ (٦) أقل بكثير من وقوع الخطأ في تقليد من يصيب ويخطئ (٧)، ويجوز عليه التناقض والاختلاف ويقول القول ثم (٨) يرجع عنه، ويُحكى عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال، ووقوع الخطأ في [فهم] (٩) كلام المعصوم أقل بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعيَّن، فلا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث [وأفتى به] (١) إلا وأضعاف [أضعاف] (١٠) أضعافه حاصلٌ لمن أفتى [بتقليد من] (١١) لا يعلم خطؤه من صوابه.

стр. 2668

والصواب في هذه المسألة التفصيل، فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بيِّنة لكلِّ مَنْ سمعه لا يحتمل غير المراد فله أن يعمل به ويفتي به، ولا يطلب له التزكية من قول فقيه أو إمام، بل الحجة قول رسول اللَّه ﷺ ، وإن خالفه من خالفه، وإن كانت دلالته خفيَّة لا يتبين [له] (١) المراد منها لم يجز له أن يعمل ولا يفتي بما يتوهمه مرادًا حتى يسأل ويطلب بيان الحديث، [ووجهه] (٢)، وإن كانت دلالته ظاهرة كالعام على أفراده والأمر على الوجوب والنهي على التحريم، فهل له العمل والفتوى [به] (٣)؟ يخرَّج على أصل (٤)، وهو العمل بالظواهر (٥) قبل البحث عن المعارض (٦)، وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره (٧): الجواز والمنع والفرق بين العام [والخاص] (٨)، فلا يعمل به قبل البحث عن المخصِّص والأمر والنهي فيعمل به قبل البحث عن المعارض، وهذا كله إذا كان ثَمَّ نوع أهلية ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية، وإذا لم تكن ثمة (٩) أهلية قط (١٠) ففرضه ما قال اللَّه [تعالى] (٢): ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (١١). وقول النبي ﷺ : "ألا سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال" (١٢)، وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه أو كلام شيخه، وإن علا وصعد (١٣) فمن كلام إمامه، فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول اللَّه ﷺ أولى بالجواز، وإذا قدِّر أنه لم يفهم الحديث، كما لو لم يفهم فتوى المفتي فيسأل من يعرِّفه معناه، كما يسأل من يعرفه معنى جواب المفتي، وباللَّه التوفيق.

стр. 2669

[هل للمفتي أن يفتي بغير مذهب إمامه ؟] الفائدة التاسعة والأربعون: هل للمنتسب إلى تقليد إمام معين أن يفتي بقول غيره؟ لا يخلو [الحال] (١) من أمرين: إما أن يسأل عن مذهب ذلك الإمام فقط فيقال له: ما مذهب الشافعي مثلًا في كذا وكذا؟ أو يسأل عن حكم اللَّه الذي أداه إليه اجتهاده، فإن سئل عن مذهب ذلك الإمام لم يكن له أن يخبره بغيره إلا على وجه الإضافة إليه، وإن سئل عن حكم اللَّه من غير أن يقصد السائل قول فقيه معيّن، فههنا يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده، وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمام أو مذهب من خالفه لا يسعه غير ذلك، فإن لم يتمكن منه وخاف أن يؤدي إلى ترك الإفتاء في تلك المسألة (٢) لم يكن له أن يفتي بما لا يعلم يعلم أنه صواب، فكيف بما يغلب على ظنه أَنَّ الصواب في خلافه؟ ولا يسع الحاكم والمفتي غير هذا البتة، فإن اللَّه سائلهما عن رسوله وما جاء به، لا عن الإمام المعيَّن، وما قاله، وإنما يُسأل الناس في قبورهم ويوم معادهم عن الرسول ﷺ فيُقال له في قبره: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ (٣). ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ (٤) فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ولا (٥) يُسأل أحد قط عن إمام، ولا شيخ، ولا متبوعٍ غيره، بل يسأل عمن اتَّبعه وأئتم به غيره، فلينظر بماذا يجيب وليعد للجواب صوابًا. وقد سمعت (٦) شيخنا ﵀ يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنفية فقال: أستشيرك (٧) في أمر، قلت: وما (٨) هو؟ قال: أريد أن انتقل عن مذهبي، قلت له: ولم؟ قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرًا تخالفه واستشرت في هذا بعض أئمة أصحاب الشافعي فقال لي: ولو (٨) رجعت عن مذهبك لم يرتفع

стр. 2670

ذلك من المذهب، وقد تقرَّرتْ المذاهبُ، ورجوعك غير مفيد، وأشار عليَّ بعض مشايخ التصوف (١) بالافتقار إلى اللَّه والتضرع إليه وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه، فماذا تشير به أنت عليَّ؟ قال: فقلت له: اجعل المذهب (٢) ثلاثة أقسام: قسمٌ الحق فيه ظاهر بيّن موافق للكتاب والسنة فاقض به وأنت به طيّب النفس منشرح الصدر، وقسم مرجوحٌ ومخالفُه معه الدليل، فلا تفت به، ولا تحكم به وادفعه عنك (٣)، [وقسم] (٤) من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة، فإن شئت أن تفتي به، وإنْ شئتَ أن تدفعه عنك فقال: جزاك اللَّه خيرًا، أو كما قال. وقالت طائفة [أخرى] (٥) منهم أبو عمرو بن الصلاح (٦)، وأبو عبد اللَّه بن حمدان (٧): من وجد حديثًا يخالف مذهبه، فإن كملت [آلة] (٤) الاجتهاد فيه مطلقًا أو في مذهب إمامه أو في ذلك النوع أو في تلك المسألة فالعمل بذلك الحديث أولى، وإن لم تكمل آلته (٨)، ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفته عنده جوابًا شافيًا (٩) فلينظر: هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل أم لا، فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ويكون ذلك عذرًا له في ترك مذهب إمامه في ذلك (١٠)، واللَّه أعلم. [إذا ترجح عند المفتي مذهب غير مذهب إمامه، فهل يفتي به ؟] الفائدة الخمسون: هل للمفتي المنتسب إلى مذهب إمام بعينه أن يفتي بمذهب غيره إذا ترجح عنده؟ فإن كان سالكًا سبيل ذلك الإمام في الاجتهاد ومتابعة الدليل أين كان، وهذا هو المتبع للإمام حقيقة فله أن يفتي بما ترجَّح عنده من قول غيره، وإن كان مجتهدًا متقيدًا بأقوال ذلك الإمام لا يعدوها إلى غيرها، فقد قيل: ليس له أن يفتي بغير قول إمامه (١١)، فإن أراد ذلك حكاه عن

стр. 2671

قائله حكاية محضة (١). والصواب أنه إذا ترجَّح عنده قول غير إمامه بدليل راجح، فلا بد أن يخرَّج على أصول إمامه وقواعده، فإن (٢) الأئمة متفقة (٣) على أصول الأحكام ومتى قال بعضهم قولًا مرجوحًا فأصوله ترده وتقتضي القول الراجح فكل قول صحيح فهو يخرج على قواعد الأئمة بلا ريب، فإذا تبيَّن لهذا المجتهد [المقيَّد] (٤) رجحان هذا القول وصحة مأخذه خرج على قواعد إمامه فله أن يفتي به، وباللَّه التوفيق. وقد قال القفال: لو أدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة قلت: مذهب الشافعي كذا لكني أقول بمذهب أبي حنيفة؛ لأن السائل إنما يسألني عن مذهب الشافعي، فلا بد [أن] (٥) أعرِّفه [أنَّ] (٥) الذي أفتيتُه به غير [مذهبه (٥)، فسألت شَيَخنا -قدَّس اللَّه روحه- عن ذلك فقال: أكثر المُستفتين لا يخطر بقلبه] (٦) مذهب معين عند الواقعة التي يسأل عنها، وإنما سؤاله عن حكمها، وما يعمل به فيها، فلا يسع المفتي أن يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه. [إذا تساوى عند المفتي قولان فماذا يصنع ؟] الفائدة الحادية والخمسون: إذا اعتدل عند المفتي قولان، ولم يترجح له أحدهما على الآخر، فقال القاضي أبو يعلى (٧): له أن يفتي بأيهما شاء، كما يجوز له أن يعمل بأيهما شاء (٨)، وقيل: بل يُخيِّر المُستفتي فيقول له: أنت مخيَّر بينهما؛ لأنه إنما يفتي بما يراه، والذي يراه هو التخيير (٩)، وقيل: بل يفتيه بالأحوط من القولين. قلت: الأظهر أنه يتوقف، ولا يفتيه بشيء حتى يتبين له الراجح منهما؛ لأن أحدهما خطأ فليس له أن يفتيه بما لا يعلم أنه صواب وليس له أن يخيره بين الخطأ والصواب، وهذا كما [إذا] (١٠) تعارض عند الطبيب في أمر المريض أمران

стр. 2672

خطأ وصواب، ولم يتبين له أحدهما لم يكن له أن يقدم على أحدهما ولا يخيره، وكما لو استشاره في أمر فتعارض عنده الخطأ والصواب من غير ترجيح لم يكن له أن يشير بأحدهما ولا يخيره، وكما لو تعارض عنده طريقان مهلكة وموصلة، ولم يتبيَّن له طريق الصواب لم يكن له الإقدام، ولا التخيير فمسائل الحلال والحرام أولى بالتوقف، واللَّه أعلم. [هل للمفتي أن يفتي بالقول الذي رجع عنه إمامه ؟] الفائدة الثانية والخمسون: أتْبَاعُ الأئمة يفتون كثيرًا بأقوالهم القديمة التي رجعوا عنها، وهذا موجود في سائر الطوائف، فالحنفية يفتون بلزوم المنذورات (١) التي مخرجها مخرج اليمين كالحج والصوم والصدقة (٢)، وقد حكوا هم عن أبي حنيفة أنه رجع قبل موته بثلاثة أيام إلى التكفير (٣)، والحنابلة يفتي كثيرٌ منهم بوقوع طلاق السكران، وقد صرَّح الإمام أحمد بالرجوع عنه إلى عدم الوقوع (٤)، كما تقدم حكايته، والشافعية يفتون بالقول القديم في مسألة التثويب (٥)، وامتداد وقت المغرب (٦) ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير (٧) وعدم [استحباب] (٨) قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين (٩) وغير ذلك من المسائل وهي أكثر من عشرين مسألة (١٠)، ومن المعلوم أن القول الذي صرَّح بالرجوع عنه لم يبق مذهبًا له، فإذا أفتى المفتي به مع نصه على خلافه لرجحانه عنده، لم يخرجه ذلك عن التمذهب بمذهبه، فما الذي يحرم (١١) عليه أن يفتي بقول غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم إذا ترجح عنده؟

стр. 2673

فإن قيل: الأول قد كان مذهبًا له مرة بخلاف ما لم يقل به قط. قيل: هذا فرق عديم التأثير؛ إذ ما قال به وصرح بالرجوع عنه بمنزلة ما لم يقله، وهذا كلُّه مما يبيّن أن أهل العلم لا يتقيدون بالتَّقليد المحض الذي يهجرون لإجله قولَ كلِّ مَن خالف من قلَّدوه (١). وهذه طريقة ذميمة وخيمة حادثة في الإسلام، مستلزمة لأنواع من الخطأ ومخالفة الصواب، واللَّه أعلم. [لا يجوز للمفتي أن يفتي بما يخالف النص] الفائدة الثالثة (٢) والخمسون: يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظِ النَّص وإن وافق مذهبه. ومثاله: أن يُسأل عن رجل صلَّى من الصبح ركعة، ثم طلعت الشمس هل يتم صلاته أم لا؟ فيقول: لا يتمّها، ورسول اللَّه ﷺ يقول: "فليتم صلاته" (٣). ومثل أن يُسئل عمَّن مات (٤) وعليه [دين] (٥) صيام هل يصوم عنه وليه؟ فيقول: لا يصوم عنه وليه (٦)، ورسول اللَّه (٧) ﷺ يقول (٨): "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٩). ومثل أن يُسأل عن رجل باع متاعه ثم أفلس المشتري فوجده بعينه، هل هو

стр. 2674

أحق به؟ فيقول: ليس [هو] (١) أحق به، وصاحب الشرع يقول: "فهو أحقُّ به" (٢). ومثل أن يُسأل عن رجل أكل في رمضان أو شرب ناسيًا هل يتم صومه؟ فيقول: لا يتم [صومه، وصاحب الشرع] يقول: "فليتم صومه" (٣). ومثل أن يُسأل عن أكل ذي ناب من السباع هل هو حرام؟ فيقول: ليس بحرام، ورسول اللَّه (٤) ﷺ يقول: "أكلُّ كل ذي ناب من السباع حرام" (٥). ومثل أن يُسأل عن الرجل هل له منع جاره من غرز خشبة في جداره؟ فيقول: له أن يمنعه، وصاحب الشرع يقول: "لا يمنعه" (٦). ومثل أن يُسأل: هل تجزئ صلاة من لا يقيم صلبه من ركوعه وسجوده؟ [فيقول: تجزيه صلاته، وصاحب الشرع [ ﷺ ]، (٧) يقول: "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرَّجلُ فيها صلبه بين ركوعه وسجوده" (٨). [أو يُسأل] (٩) عن مسألة التفضيل بين الأولاد في العطيِّة هل يصح (١٠) أو لا يصح (١٠)؟ وهل هو جَوْر أم لا؟ فيقول: يصح (١٠)، وليس بجور، وصاحب الشرع يقول: "إن هذا لا يصح" (١٠)، ويقول: "لا تشهدني على جور" (١١). ومثل أن (١٢) يُسأل عن الواهب: هل يحل له أن يرجع في هبته؟ فيقول: نعم

стр. 2675

يحل له [أن يرجع] (١) إلا أن يكون والدًا أو قرابة، فلا يرجع وصاحب الشرع يقول: "لا يحل لواهب أن يوجع في هبته إلا الوالد فيما يهب ولده" (٢). ومثل أن يُسأل عن رجل له شِرْك في أرض أو دار أو بستان هل يحلُّ له أن يبيع حصته (٣) قبل إعلام شريكه بالبيع وعرضها عليه؟ فيقول: نعم، يحل له أن يبيع قبل إعلامه وصاحب الشرع يقول: "من كان له شِرْك في أرض أو رَبْعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه" (٤). ومثل أن يُسأل عن قتل المسلم بالكافر، فيقول: نعم، يقتل بالكافر وصاحب الشرع يقول: "لا يقتل مسلم بكافر" (٥). ومثل أن يُسأل عمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم [هل الزرع له أم لصاحب الأرض] (٦)؟ فيقول: له الزرع (٧)، وصاحب الشرع يقول: " [من زرع في أرض قوم بغير إذنهم] (٦) فليس له من الزرع شيء وله نفقته" (٨). ومثل أن يُسأل: هل يصح تعليق الولاية بالشرط؟ (٩) فيقول: لا يصح،

стр. 2676

وصاحب الشرع يقول: "أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد اللَّه بن رواحة" (١). ومثل أن يُسأل: هل يحل القضاء بالشاهد واليمين؟ فيقول: لا يجوز، وصاحب الشرع قضى بالشاهد واليمين (٢). ومثل أن يُسأل عن الصلاة الوسطى: هل هي صلاة العصر أم لا (٣)؟ فيقول: ليست العصر، وقد قال صاحب الشريعة (٤): "صلاة الوسطى صلاة العصر" (٥). ومثل أن يُسأل عن يوم الحج الأكبر: هل هو يوم النحر أم لا؟ فيقول: ليس يوم النحر، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "يوم الحج الأكبر يوم النحر" (٦).

стр. 2677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2678

ومثل أن يُسأل هل يجوز الوتر بركعة واحدة؟ فيقول: لا يجوز الوتر بركعة واحدة، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة" (١). ومثل أن يُسأل: هل يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و ﴿اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]؟ فيقول: لا يسجد [فيهما] (٢)، وقد سجد فيهما رسول اللَّه ﷺ (٣). ومثل أن يُسأل عن رجل عض يد رجل، فانتزعها من فيه فسقطت أسنانه؟ فيقول: له ديتها، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "لا ديةَ له" (٤). ومثل أن يُسأل عن رجل اطَّلع في بيت رجل فخذفه ففقأ عينه: هل عليه جناح؟ فيقول: نعم عليه جناح، وتلزمه دية عينه، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : إنه لو فعل ذلك لم يكن عليه جناح (٥). ومثل أن يُسال عن رجل اشترى شاة أو بقرة أو ناقة فوجدها مصرَّاة فهل له ردها ورد صاع من تمر معها أم لا؟ فيقول (٦): لا يجوز له ردها ورد الصاع من

стр. 2679

التمر معها، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "إن سخطها ردها وصاعًا من تمر" (١). ومثل أن يُسأل عن الزاني البكر: هل عليه مع الجلد تغريب؟ فيقول: لا تغريب عليه، وصاحب الشرع يقول: "عليه جلد مئة وتغريب عام" (٢). ومثل أن يُسأل عن الخضراوات: هل فيها زكاة؟ فيقول: يجب فيها الزكاة، وصاحب الشرع يقول: "لا زكاة في الخضراوات" (٣). أو يُسأل عما دون خمسة أوْسُق: هل فيه زكاة؟ فيقول: نعم، تجب فيه الزكاة وصاحب الشرع يقول: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق" (٤). أو يُسأل عن امرأة أنكحت نفسها بدون إذن وليها فيقول: نكاحها (٥) صحيح، وصاحب الشرع يقول: "فنكاحها باطل [باطل باطل] " (٦). أو يُسال عن المحلِّل والمحلَّل له: هل يستحقان اللعنة؟ فيقول: لا يستحقان اللعنة، وقد لعنهما رسول اللَّه ﷺ في غير وجه (٧).

стр. 2680

أو يُسأل عن إكمال عدة شعبان (١) ثلاثين يومًا ليلة الإغمام (٢)، فيقول: لا يجوز إكماله ثلاثين يومًا (٣)، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : " [فإن غُمَّ عليكم] فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا" (٤). أو يُسأل عن المطلقة المبتوتة: هل لها نفقة وسكنى؟ فيقول: نعم لها النفقة والسكنى وصاحب الشرع يقول. "لا نفقة لها، ولا سكنى" (٥). أو يُسأل عن الإمام: هل يستحب له أن يسلم في الصلاة تسليمتين؟ فيقول: يُكره ذلك، ولا يستحب، وقد روى خمسة عشر نفسًا عن النبي ﷺ أنه "كان يسلم عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه" (٦). أو يُسأل عمن رفع يديه عند الركوع والرفع منه: هل صلاته مكروهة أو [هي] (٧) ناقصة؟ فيقول: نعم تكره صلاته، أو هي ناقصة، وربما غلا فقال: باطلة، وقد روى بضعة وعشرون نفسًا عن النبي ﷺ أنه: "كان يرفع يديه عند الافتتاح وعند الركوع و [عند] الرفع منه" (٨) بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها (٩). أو يُسأل عن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام هل يجزئ فيه الرش [أم

стр. 2681

يجب الغسل] (١)؛ فيقول: لا يجزئ [فيه الرش] (٨)، وصاحب الشرع يقول: "يرش من بول الغلام" (٢). ورشه [هو] (٣) بنفسه (٤). أو يُسأل عن التيمم: هل يكفي بضربة واحدة إلى الكوعين؟ فيقول: لا يكفي ولا يجزئ، وصاحب الشرع قد نص [على] (٥) أنه يكفي نصًا صحيحًا [صريحًا] (٦) لا مدفع له (٧). أو يُسأل عن بيع الرطب بالتمر: هل يجوز؟ فيقول: نعم يجوز، وصاحب الشرع يسأل عنه فيقول: "لا آذن" (٨).

стр. 2682

أو يُسأل عن رجل أعتق ستة عبيد لا يملك غيرهم عند موته: هل تكمل الحرية في اثنين منهم [أو يعتق من كل واحد سدسه؟ فيقول: لا تكمل (١) الحرية في اثنين منهم، وقد أقرع [بينهم] (٢) رسول اللَّه ﷺ فكمل الحرية في اثنين] (٣)، وأرق أربعة (٤). أو يُسأل عن القرعة: هل هي جائزة أم باطلة؟ فيقول: [لا] (٥)، بل هي باطلة، وهي من أحكام الجاهلية، وقد أقرع رسول اللَّه ﷺ وأمر بالقرعة في غير موضع (٦). أو يُسأل عن الرجل يصلي خلف الصف وحده هل له صلاة أم لا [صلاة له] (٧)؟ هل يؤمر بالإعادة؟ فيقول: نعم له صلاة، ولا يؤمر بالإعادة، وقد قال صاحب الشريعة (٨): "لا صلاة له"، وأمره بالإعادة (٩). أو يُسأل: هل للرجل (١٠) رخصة في ترك الجماعة من غير عذر؟ فيقول: نعم له رخصة، ورسول اللَّه ﷺ يقول: "لا أجد لك رخصة" (١١).

стр. 2683

أو يسأل عن رجل أسلف رجلًا مالًا (١) وباعه سلعة هل يحل ذلك؟ فيقول: نعم يحل ذلك، وصاحب الشرع [ ﷺ ]، يقول: "لا يحل سلف وبيع" (٢). ونظائر ذلك كثيرة جدًا، وقد كان السَّلفُ الطَّيِّب يشتدُّ نكيرُهم وغضبُهم على مَنْ عارض حديثَ رسول اللَّه ﷺ برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنًا من كان، ويهجرون فاعل ذلك (٣)، وينكرون على من يضرب له الأمثال (٤)، ولا يسوِّغون غير الانقياد [له] (٥) والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم (٦) التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ

стр. 2684

وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وبقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وبقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] وأمثالها، فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم: "ثبت عن النبي (١) ﷺ أنه قال كذا وكذا"، يقول: من قال بهذا (٢)؟! ويجعل هذا دفعًا في صدر الحديث، يجعل (٣) جهله بالقائل [به] (٤) حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحل له دفع سنن رسول اللَّه ﷺ بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد (٥) أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة، وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم (٦) إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول اللَّه ﷺ وأقبح من ذلك: عذرُه في دعوى هذا الإجماع، وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث، فعاد (٧) الأمر إلى تقديم جهله على السنة، واللَّه المستعان. ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام البتة قال: لا نعمل بحديث رسول اللَّه ﷺ حتى نعرف من عمل به، [فإن جَهِل مَنْ بلغه الحديث مَنْ عَمِل به لم يحل له أن يعمل به] (٨)، كما يقول (٩) هذا القائل. [لا يجوز إخراج النصوص عن ظاهرها لتوافق مذهب المفتي] الفائدة الخامسة والخمسون (١٠): إذا سئل عن تفسير آية من كتاب اللَّه تعالى أو سنة رسول اللَّه (١١) ﷺ فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه (١٢) التأويلات

стр. 2685

الفاسدة الموافقة (١) نحلته وهواه، ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه، وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرَّح به أئمة الإسلام قديمًا وحديثًا. قال أبو حاتم الرازي: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: "الأصل قرآن أو سنة، فإنْ لم يكن: فقياسٌ عليهما (٢)، وإذا اتَّصل الحديثُ عن رسول اللَّه ﷺ وصحَّ الإسناد [به] (٣) فهو المنتهى، والإجماع أكبر (٤) من الخبر المنفرد (٥)، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني (٦): فما أشبَه منها ظاهره أولاها به، فإذا تكافأت الأحاديث فأصحَّها إسنادًا أولاها، وليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع [سعيد] (٧) بن المسيِّب، ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال لأصل: لم؟ وكيف؟ وإنما يُقال للفرع: لم؟ (٨) فإذا صَحَّ قياسُه على الأصل صح وقامت به الحجة". رواه الأصم عن أبي حاتم (٩). وقال أبو المعالي الجويني في "الرسالة النظامية، في الأركان الإسلامية" (١٠): ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب [تعالى] (١١)، والذي نرتضيه رأيًا وندين اللَّه به عقدًا (١٢) اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول (١٣) ﷺ ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة

стр. 2686

الإسلام والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملَّة، والتَّواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين [لهم] (١) على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعًا بأنه الوجه المتبع، فحقّ على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى (٢). وعند (٣) إمام القرَّاء وسيدهم الوقوف (٤) على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] من العزائم، ثم الابتداء بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. ومما استحسن من كلام مالك أنه (٥) سئل عن قوله تعالى (٦): ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (٧)، فلْتُجْر آية الاستواء والمجيء وقوله:

стр. 2687

﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [طه: ٧٥]، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ]﴾ (١) [الرحمن: ٢٧] وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول (٢)، وغيره على ما ذكرنا انتهى كلامه. وقال أبو حامد الغزالي: الصواب للخلف [سلوك مسلك السلف في] (٣) الإيمان المرسل، والتصديق المجْمل، وما قاله اللَّه ورسوله ﷺ ، بلا بحثٍ و [لا] (٤) تفتيش. وقال في كتاب "التفرقة" (٥): "الحق الاتِّباع والكف عن تغيير الظواهر رأسًا، والحذر من (٦) أتباع تأويلات لم يصرح بها الصحابة، وحسم باب السؤال رأسًا، والزجر عن الخوض في الكلام والبحث" إلى أن قال: "ومن الناس من يبادر إلى التأويل ظنًا لا قطعًا، فإن كان فَتْحُ هذا الباب والتصريح به يؤدي إلى تشويش قلوب العوام بُدِّعَ صاحبه، وكل ما لم يؤثر عن السلف ذكره، وما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة، فيجب تكفير من يغيّر الظواهر (٧) بغير برهان قاطع". وقال أيضًا: "كل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله ولم يتصور أن يقوم على خلافه برهان فمخالفته تكذيب [محض] (٨)، وما تطرق إليه احتمال تأويل ولو بمجاز بعيد، فإن كان برهانه قاطعًا وجب القول به، وإن كان البرهان يفيد ظنًا غالبًا، ولا يعظم ضرره (٩) في الدين فهو بدعة، وإن عظم ضرره [في الدين] فهو كفر" (١٠). قال: "ولم تجر عادة السلف [بالدعوة] (٨) بهذه المجادلات (١١)، بل شدَّدوا

стр. 2688

القول على من يخوض في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال". و [قد] (١) قال أيضًا: "الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف، والإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم [في الصبا] (٢)، بتواتر السماع وبعد البلوغ بقرائن يتعذَّر التعبير عنها". قال: "وقال شيخنا أبو المعالي: يحرص الإمام ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك" (٣)، انتهى. وقد اتَّفقتْ الأئمة الأربعة على ذم الكلام وأهله، وكلام الإمام الشافعي ومذهبه فيهم معروف (٤) عند جميع أصحابه، وهو: "أنهم يُضربون ويطاف بهم في قبائلهم وعشائرهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" (٥). وقال: "لقد اطّلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت أظنه" (٦) وقال: "لأن يبتلى العبد بكل شيء نهى عنه غير الكفر أيسر من أن يُبتلى بالكلام" (٧)، وقال

стр. 2689

لحفص الفرد (١): أنا أخالفك في كل شيء حتى في قول: لا إله إلا اللَّه، أنا أقول: لا إله إلا اللَّه الذي يُرى في الآخرة، والذي كلم موسى تكليمًا، وأنت تقول: لا إله إلا اللَّه الذي لا يُرى في الآخرة، ولا يتكلم. وقال البيهقي في "مناقبه" (٢): ذكر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل ابن عليَّة فقال: "أنا مخالف له في كل شيء، وفي قوله: لا إله إلا اللَّه، لست أقول كما يقول، أنا أقول: لا إله إلا اللَّه الذي كلَّم موسى من وراء حجاب، وذاك يقول: لا إله إلا اللَّه الذي خلق كلامًا أسمعه موسى من وراء حجاب". وقال في أول خطبة "رسالته" (٣): "الحمد للَّه الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به الواصفون من خلقه". وهذا تصريح بأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه [تعالى] (٤)، وأنه يتعالى ويتنزه عما يصفه به المتكلمون وغيرهم مما لم يصف به نفسه. وقال (٥) أبو نصر أحمد بن محمد بن خالد (٦) السجزي: سمعت أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سُريج: ما التوحيد؟ فقال: "توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وتوحيد أهل الباطل: الخوض في الأعراض والأجسام، إنما بعث رسول اللَّه ﷺ بإنكار ذلك" (٧).

стр. 2690

وقال بعض أهل العلم: كيف لا يَخشى الكذب على اللَّه ورسوله مَنْ يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز (١) والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية؟ وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال اللَّه فيهم (٢): ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، قال الحسن: "هي واللَّه لكل واصف كذبًا إلى يوم القيامة" (٣)، وهل يأمن أن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] قال ابن عيينة: هي لكل مُفترٍ من هذه الأمة إلى يوم القيامة (٤)، وقد نزَّه سبحانه [وتعالى] (٥) نفسه عن كل ما يصفه به خلقه إلا المرسلين، فإنهم [إنما] (٦) يصفونه بما أذن لهم أن يصفوه به فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨١]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٠ - ١٦١]، ويكفي المتأولين كلام اللَّه تعالى وكلام رسوله (٧) ﷺ بالتأويلات التي لم يردها، ولم يدل عليها كلام اللَّه [تعالى] (٨) أنهم قالوا برأيهم على اللَّه [تعالى] (٩)، وقدّموا آراءهم على نصوص الوحي وجعلوها (١٠) عيارًا على كلام اللَّه [تعالى] (٩) ورسوله، ولو علموا أي باب شر فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة وأي بناء للإسلام هدموا بها وأي معاقل وحصون استباحوها؛ لكان (١١) أحدهم أن يخرَّ من السماء [إلى الأرض] (٦) أحب إليه من أن يتعاطى شيئًا من ذلك، فكل صاحب باطل قد

стр. 2691

جعل ما تأوَّله المتأولون عذرًا له فيما تأوله [هو] (١)، وقال: ما الذي حرَّم عليَّ التأويل وأباحه لكم؟ فتأولت الطائفة المنكِرَة للمعاد نصوص المعاد، وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات، بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين، وقالوا (٢): كيف [نحن] (١) نعاقب على تأويلنا وتؤجرون [أنتم] (١) على تأويلكم؟ قالوا: ونصوص الوحي بالصفات أظهر وأكثر (٣) من نصوصه بالمعاد، ودلالة النصوص عليها أَبين فكيف يسوغ تأويلها بما يخالف ظاهرها، ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد؟ وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة [﵃] (١)، وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة، وكذلك القدرية في نصوص القدر، وكذلك الحرورية [وغيرهم] (١) من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم، وكذلك القرامطة والباطنية طردت الباب، وطمَّت الوادي على القَرِيِّ (٤)، وتأولت الدين كله، فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده اللَّه ورسوله بكلامه، ولا دلَّ عليه أنه مراده وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقدت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيره إلا بالتأويل؟ فمن بابه دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟ [الأديان السابقة إنما فسدت بالتأويل] وليس هذا مختصًا بدين الإسلام فقط، بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخل عليها (٥) التأويل فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد. وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد ﷺ في الكتب المتقدمة، ولكن سلَّطوا عليها التأويلات فأفسدوها، كما أخبر سبحانه عنهم (٦) من التحريف والتبديل والكتمان، فالتحريف (٧) تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يُرِدها

стр. 2692

المتكلم بها، والتبديل تبديل لفظ بلفظ آخر، والكتمان جحده، وهذه الأدواء الثلاثة منها غيرت الأديان والملل، وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما تطرقوا إلى إفساده بالتأويل بما لا يكاد يوجد [قط] (١) مثله في شيء من الأديان، ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل، وكذلك زنادقة الأمم جميعهم إنما تطرقوا إلى إفساد ديانات الرسل [صلوات اللَّه وسلامه عليهم] (١) بالتأويل، ومن بابه دخلوا، وعلى أساسه بنوا، وعلى نقطه خطوا (٢). [دواعي التأويل] والمتأوّلون أصناف عديدة، بحسب الباعث لهم على التأويل، وبحسب قصور أفهامهم ووفورها (٣)، وأعظمهم توغلًا في التأويل الباطل من فَسَد قصدُه وفهمُه؛ فكلما ساء قصده وقَصُر فهمُه كان تأويلُه أشدَّ انحرافًا، فمنهم من يكون تأويله لنوع [هوًى من غير شُبهة، بل يكون على بصيرة من الحق، ومنهم من يكون تأويله لنوع] (٤) شبهة عرضت له أخْفَتْ عليه الحق، [ومنهم من يكون تأويله لنوع هدًى من غير شبهة، بل يكون على بصيرة من الحق] (٥)، ومنهم من يجتمع له الأمران الهوى في القصد والشُّبهة في العلم. [بعض آثار التأويل] وبالجملة فافتراق أهل الكتابين وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل، وإنما أريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصفين والحرَّة وفتنة ابن الزبيز وهلم جرا بالتأويل، [وإنما دخل أعداء] (٦) الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والباطنية والإسماعيلية والنُّصيرية من باب التأويل، [فما امتُحن] (٦) الإسلام بمحنة قط إلا وسببها التأويل، فإن محنته إمَّا من المتأولين، وإما ممن (٧) يسلط عليهم الكفار [بسبب] (٦) ما ارتكبوا من التأويل وخالفوا ظاهر التنزيل وتعلَّلوا بالأباطيل، فما الذي أراق دماء بني جذيمة وقد أسلموا غير التأويل؟ حتى

стр. 2693

رفع رسول اللَّه ﷺ يديه وتبرأ إلى اللَّه من فعل المتأول بقتلهم وأخذ أموالهم (١)، وما الذي أوجب تأخر الصحابة ﵃ يوم الحديبية عن موافقة رسول اللَّه ﷺ غير التأويل؟ حتى اشتد غضبه لتأخرهم عن طاعته حتى رجعوا عن ذلك التأويل (٢)، وما الذي سفك دم أمير المؤمنين عثمان ظلمًا وعدوانًا وأوقع الأمة فيما أوقعها [فيه] (٣) حتى الآن غير التأويل؟ وما الذي سفك دم علي [﵁] (٣)، وابنه الحسين، وأهل بيته رضي اللَّه تعالى عنهم غير التأويل؟ وما الذي أراق دم عمار بن ياسر وأصحابه غير التأويل؟ وما الذي أراق دم ابن الزبير (٤) وحُجْر بن عدي وسعيد بن جبير وغيرهم من سادات الأمة غير التأويل؟ وما الذي أريقت [عليه] (٣) دماء العرب في فتنة أبي مسلم غير التأويل؟ وما الذي جرَّد الإمام أحمد بين العقابين وضرب السياط [حتى] (٣) عجَّت الخليقة إلى ربها تعالى غير التأويل؟ وما الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي (٥) وخَلّد خلقًا من العلماء في [السجون] (٦) حتى ماتوا غير التأويل؟ وما الذي سلَّط سيوف التتار على دار الإسلام حتى ردوا أهلها غير التأويل؟ [وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل؟] (٣) وهل فَتْح باب التأويل إلا مضادة ومناقضة لحكم اللَّه في تعليمه عباده البيان الذي امتنَّ [اللَّه] (٧) في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه؟ فالتأويل بالألغاز والأحاجيِّ والأغلوطات أولى منه بالبيان والتبيين، وهل فَرْقٌ بين دفع حقائق ما أخبرت به الرسل عن اللَّه وأمرت به بالتأويلات الباطلة المخالفة له وبين رده وعدم قبوله؟ ولكن هذا رد جحود ومعاندة وذاك رد خِدَاع ومصانعة. قال أبو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمى بـ"الكشف عن مناهج

стр. 2694

الأدلة" (١)، وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة إلى أن قال: " ﴿فَأَمَّا (٢) الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] وهؤلاء أهل الجدل والكلام، وأشدُّ ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأوَّلوا كثيرًا مما ظنوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل [ليس] (٣) هو المقصود به، وإنما أتى (٤) اللَّه به في صورة المتشابه ابتلاءً لعباده واختبارًا لهم، ونعوذ باللَّه من هذا الظن (٥) باللَّه، بل نقول: إن كتاب (٦) اللَّه العزيز إنما جاء معجزًا من جهة الوضوح والبيان، فإذا ما (٧) أبعد من مقصد الشارع من قال فيما ليس بمتشابه إنه [متشابه] (٨)، ثم أوَّل ذلك المتشابه بزعمه، ثم (٩) قال لجميع الناس: إن فرضكم [هو] (٨) اعتقاد هذا التأويل مثل ما قالوه في آية [الاستواء] (٨) على العرش، وغير ذلك مما قالوا: إن ظاهره متشابه" ثم قال: "وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم [القائلون بها] (١٠) أنها [من] المقصود من الشرع إذا تؤمِّلتْ وجدت ليس يقوم عليها برهان". [مثل المتأولين] إلى أن قال: "ومثال [مَنْ أوَّل] (١١) شيئًا من الشرع وزعم أن ما أوله (١٢) هو الذي قصده الشرع (١٣) مثال من أتى إلى دواء قد ركّبه طبيبٌ [ماهرٌ] (١٠) ليحفظ صحَّة جميع الناس أو الأكثر (١٤)، فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواءُ [المركب] الأعظم لرداءة مزاج [كان به ليس] (١٠) يعرض إلا للأقل من الناس، فزعم أن

стр. 2695

[بعض] (١) تلك الأدوية التي صرَّح باسمها الطبيب الأول [في ذلك الدواء] (١) العام المنفعة [المركب] لم يرد به ذلك الدواء العام الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواء [آخر مما يمكن أن] (١) يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم، وجعل فيه بدله الدواءَ الذي ظن أن قصده الطبيب، [وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب] (١) الأول، فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله [عليه] (١) هذا المتأول، ففسدت [به] أمزجة كثير من الناس، فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب، فراموا إصلاحه بأن بدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس (٢) نوع من المرض غير النوع الأول، فجاء ثالث فتأول في أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني، فعرض للناس من ذلك نوع ثالث من المرض غير النوَعيْن المتقدِّمين، فجاء متأوّلٌ رابعٌ فتأوَّل دواءً آخر غير الأدوية المتقدّمة، [فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة] (١)، فلما طال الزمان بهذا الدواء المركب الأعظم، وسلَّط الناس التأويل على أدويته وغيَّروها، وبدَّلوها عرض [منه] (١) للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس. وهذه هي حالة (٣) الفرق الحادثة [في هذه الطريقة] (٤) مع الشريعة؛ وذلك أنَّ كلَّ فرقة منهم تأوَّلت [في الشريعة تأويلًا] غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه [هو الذي] (٥) قصده صاحب الشرع حتى تمزق الشرع كلَّ ممزق، وبَعُد جدًا عن موضعهه (٦) الأول. ولما علم صاحب الشرع [صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى آله] (١) لأن مثل هذا يعرض -ولا بد- في شريعته قال ﷺ : "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" (٧) يعني بالواحدة

стр. 2696

التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله (١). وأنت إذا تأملت ما عرض في الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قِبَل التأويل تبيَّنت أن هذا المثال صحيح. وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد (٢) فطمَّ الوادي على القَرِيِّ" (٣)، هذا كلامه بلفظه (٤). ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين، وما نال الأمم قديمًا وحديثًا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدَّة أسفار (٥)، واللَّه المستعان. [لا يعمل بالفتوى حتى يطمئن لها قلب المستفتي] الفائدة السادسة والخمسون: لا يجوز العمل (٦) بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله (٧)، وتردد فيها؛ لقوله ﷺ : "استفت نفسك (٨)، وإن أفتاك الناس وأفتوك" (٩)، فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولًا، ولا تخلِّصه فتوى المفتي من اللَّه إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي ﷺ : "من قضيت له بشيء من [حق] (١٠) أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار" (١١) والمفتي والقاضي

стр. 2697

في هذا سواء، ولا يظنّ المُستفتي أنَّ مجرد فتوى الفقيه تُبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال [في] (١) الباطن، أو لشكِّه فيه، أو لجهله به (٢)، أو لعلمه جهل المفتي أو محاباته في فتواه (٣)، أو عدم تقييده (٤) بالكتاب والسنة، [أو] (١) لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرُّخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه [وسكون] (٦) النفس إليها، فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي سأل (٥) ثانيًا وثالثًا، حتى تحصل له الطمأنينة، [فإن لم] (١) يجد، فلا يكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها والواجب تقوى اللَّه بحسب الاستطاعة. فإن كان في البلد مفتيان [أحدهما] (١) أعلم من الآخر، فهل يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل؟ فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان [لأصحاب] (١) الشافعي وأحمد، فمن جوَّز ذلك رأى أنه يقبل قوله إذا كان وحده فوجود من هو أفضل منه لا يمنع [من قبول قوله] (١) كالشاهد، ومن منع استفتاءه قال: المقصود حصول ما يغلب على الظن الإصابة [وغلبة الظن بفتوى] الأعلم أقوى فيتعيَّن (٦)، والحق التفصيل بأن المفضول إن ترجَّح بديانة أو ورع أو تحرٍّ للصواب، وعدم ذلك الفاضل فاستفتاء المفضول جائز إنْ لم يتعين، وإن استويا فاستفتاء الأعلم أولى، واللَّه أعلم (٧).

стр. 2698

[الترجمان عند المفتي] الفائدة السابعة والخمسون: إذا لم يعرف (١) المفتي لسان السائل أو لم يعرف المستفتي لسان المفتي، أجزأ ترجمة واحد بينهما، لأنه خبر محض فيكتفي فيه بواحد كأخبار الديانات [والطب] (٢)، وطرد هذا الاكتفاء بترجمة الواحد (٣) في الجرح والتعديل، والرسالة والدعوى والإقرار والإنكار (٤) بين يدي الحاكم، والتعريف في إحدى الروايتين، وهي مذهب أبي حنيفة (٥) واختارها أبو بكر (٦) إجراءً لها مجرى الخبر، والرواية الثانية: لا يقبل في هذه المواضع أقل من اثنين، إجراء لها مجرى الشهادة (٧)، وسلوكًا بها سبيلها لأنها تُثبت الإقرار عند الحاكم وتثبت عدالة الشهود وجرحهم فافتقرت إلى العدد، كما لو شهد على إقراره شاهد واحد، فإنه لا يُكتفى به، وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال فإنه خبر محض فافترقا.

стр. 2699

[ما يصنع المفتي في جواب سؤال يحتمل عدة صور] الفائدة الثامنة والخمسون: إذا كان السؤال محتملًا لصور عديدة، فإن لم يعلم [المفتي] (١) الصورة المسئول عنها لم يجب عن صورة واحدة منها، وإن علم الصورة المسئول عنها فله أن يخصها بالجواب، ولكن يقيد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها، فيقول: إن (٢) كان الأمر كيت وكيت أو كان المسئول عنه كذا وكذا فالجواب كذا وكذا، وله أن يفرد كل صورة بجواب فيفصِّل الأقسام المحتملة ويذكر حكم كل قسم، ومنع بعضهم من ذلك لوجهين (٣): أحدهما: أنه ذريعة إلى تعليم الحيل (٤)، وفتح باب لدخول المستفتي وخروجه من حيث شاء. الثاني: أنه سبب لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم العامي فيضيع مقصودة. والحق التفصيل فيكره حيث استلزم ذلك، ولا يكره -بل يستحب- إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان وإزالة لبس، وقد فصَّل النبي ﷺ في كثير من أجوبته بقوله: إن (٥) كان كذا فالأمر كذا كقوله (٦) في الذي وقع على جارية امرأته "إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت مطاوعة فهي له وعليه لسيدتها مثلها" (٧)، [وهذا كثير في فتاويه ﷺ ] (٨). [ينبغي للمفتي أن يكون حذرًا] الفائدة التاسعة والخمسون: وهي مما ينبغي التفطن له، إن رأى (٩) المفتي خلال السطور بياضًا يحتمل أن يُلحق به ما يفسد الجواب فليحترز منه، فربما دخل من ذلك عليه مكروه (١٠)، فإما أن يأمر بكتابة غير الورقة، وإما أن يخطَّ على البياض أو يشغله بشيء، كما يحترز منه كتَّاب الوثائق والمكاتيب.

стр. 2700

وبالجملة فليكن حذرًا فطنًا، ولا يحسن ظنه بكل أحد، وهذا الذي حمل بعض المفتين على أنه كان يقيد السؤال عنده في ورقة، ثم يجيب في ورقة السائل، ومنهم من كان يكتب السؤال في ورقة من عنده، ثم يكتب الجواب وليس شيء من ذلك بلازم، والاعتمادُ على قرائن الأحوال ومعرفة الواقع [والعادة] (١). [ينبغي له أن يشاور من يثق به] الفائدة الستون: إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي له أن يشاوره، ولا يستقل بالجواب ذهابًا بنفسه وارتفاعًا بها أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم، وهذا من الجهل، فقد أثنى اللَّه سبحانه (١) على المؤمنين بأنَّ أمرهم شورى بينهم، وقال [سبحانه و] (٢) تعالى: لنبيه [ ﷺ ] (٣): ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب [﵁] (٤)، فيستشير لها من حضر من الصحابة [﵃] (٤)، وربما جمعهم وشاورهم حتى [كان] (٤) يشاور ابن عباس (٥) [﵄] (٦) وهو إذا ذاك أحدث القوم سنًا، وكان يشاور عليًا (٧) [كرم اللَّه وجهه] (٧) وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف (٨) وغيرهم ﵃ [أجمعين] (٧)، ولا سيما إذا قصد بذلك تمرين أصحابه وتعليمهم وشحذ أذهانهم، قال البخاري في "صحيحه" (٩): (باب إلقاء العالم المسألة على
следующие страницы →