← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله (١). وأنت إذا تأملت ما عرض في الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قِبَل التأويل تبيَّنت أن هذا المثال صحيح. وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد (٢) فطمَّ الوادي على القَرِيِّ" (٣)، هذا كلامه بلفظه (٤). ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين، وما نال الأمم قديمًا وحديثًا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدَّة أسفار (٥)، واللَّه المستعان. [لا يعمل بالفتوى حتى يطمئن لها قلب المستفتي] الفائدة السادسة والخمسون: لا يجوز العمل (٦) بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله (٧)، وتردد فيها؛ لقوله ﷺ : "استفت نفسك (٨)، وإن أفتاك الناس وأفتوك" (٩)، فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولًا، ولا تخلِّصه فتوى المفتي من اللَّه إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي ﷺ : "من قضيت له بشيء من [حق] (١٠) أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار" (١١) والمفتي والقاضي

стр. 2697

في هذا سواء، ولا يظنّ المُستفتي أنَّ مجرد فتوى الفقيه تُبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال [في] (١) الباطن، أو لشكِّه فيه، أو لجهله به (٢)، أو لعلمه جهل المفتي أو محاباته في فتواه (٣)، أو عدم تقييده (٤) بالكتاب والسنة، [أو] (١) لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرُّخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه [وسكون] (٦) النفس إليها، فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي سأل (٥) ثانيًا وثالثًا، حتى تحصل له الطمأنينة، [فإن لم] (١) يجد، فلا يكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها والواجب تقوى اللَّه بحسب الاستطاعة. فإن كان في البلد مفتيان [أحدهما] (١) أعلم من الآخر، فهل يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل؟ فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان [لأصحاب] (١) الشافعي وأحمد، فمن جوَّز ذلك رأى أنه يقبل قوله إذا كان وحده فوجود من هو أفضل منه لا يمنع [من قبول قوله] (١) كالشاهد، ومن منع استفتاءه قال: المقصود حصول ما يغلب على الظن الإصابة [وغلبة الظن بفتوى] الأعلم أقوى فيتعيَّن (٦)، والحق التفصيل بأن المفضول إن ترجَّح بديانة أو ورع أو تحرٍّ للصواب، وعدم ذلك الفاضل فاستفتاء المفضول جائز إنْ لم يتعين، وإن استويا فاستفتاء الأعلم أولى، واللَّه أعلم (٧).

стр. 2698

[الترجمان عند المفتي] الفائدة السابعة والخمسون: إذا لم يعرف (١) المفتي لسان السائل أو لم يعرف المستفتي لسان المفتي، أجزأ ترجمة واحد بينهما، لأنه خبر محض فيكتفي فيه بواحد كأخبار الديانات [والطب] (٢)، وطرد هذا الاكتفاء بترجمة الواحد (٣) في الجرح والتعديل، والرسالة والدعوى والإقرار والإنكار (٤) بين يدي الحاكم، والتعريف في إحدى الروايتين، وهي مذهب أبي حنيفة (٥) واختارها أبو بكر (٦) إجراءً لها مجرى الخبر، والرواية الثانية: لا يقبل في هذه المواضع أقل من اثنين، إجراء لها مجرى الشهادة (٧)، وسلوكًا بها سبيلها لأنها تُثبت الإقرار عند الحاكم وتثبت عدالة الشهود وجرحهم فافتقرت إلى العدد، كما لو شهد على إقراره شاهد واحد، فإنه لا يُكتفى به، وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال فإنه خبر محض فافترقا.

стр. 2699

[ما يصنع المفتي في جواب سؤال يحتمل عدة صور] الفائدة الثامنة والخمسون: إذا كان السؤال محتملًا لصور عديدة، فإن لم يعلم [المفتي] (١) الصورة المسئول عنها لم يجب عن صورة واحدة منها، وإن علم الصورة المسئول عنها فله أن يخصها بالجواب، ولكن يقيد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها، فيقول: إن (٢) كان الأمر كيت وكيت أو كان المسئول عنه كذا وكذا فالجواب كذا وكذا، وله أن يفرد كل صورة بجواب فيفصِّل الأقسام المحتملة ويذكر حكم كل قسم، ومنع بعضهم من ذلك لوجهين (٣): أحدهما: أنه ذريعة إلى تعليم الحيل (٤)، وفتح باب لدخول المستفتي وخروجه من حيث شاء. الثاني: أنه سبب لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم العامي فيضيع مقصودة. والحق التفصيل فيكره حيث استلزم ذلك، ولا يكره -بل يستحب- إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان وإزالة لبس، وقد فصَّل النبي ﷺ في كثير من أجوبته بقوله: إن (٥) كان كذا فالأمر كذا كقوله (٦) في الذي وقع على جارية امرأته "إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت مطاوعة فهي له وعليه لسيدتها مثلها" (٧)، [وهذا كثير في فتاويه ﷺ ] (٨). [ينبغي للمفتي أن يكون حذرًا] الفائدة التاسعة والخمسون: وهي مما ينبغي التفطن له، إن رأى (٩) المفتي خلال السطور بياضًا يحتمل أن يُلحق به ما يفسد الجواب فليحترز منه، فربما دخل من ذلك عليه مكروه (١٠)، فإما أن يأمر بكتابة غير الورقة، وإما أن يخطَّ على البياض أو يشغله بشيء، كما يحترز منه كتَّاب الوثائق والمكاتيب.

стр. 2700

وبالجملة فليكن حذرًا فطنًا، ولا يحسن ظنه بكل أحد، وهذا الذي حمل بعض المفتين على أنه كان يقيد السؤال عنده في ورقة، ثم يجيب في ورقة السائل، ومنهم من كان يكتب السؤال في ورقة من عنده، ثم يكتب الجواب وليس شيء من ذلك بلازم، والاعتمادُ على قرائن الأحوال ومعرفة الواقع [والعادة] (١). [ينبغي له أن يشاور من يثق به] الفائدة الستون: إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي له أن يشاوره، ولا يستقل بالجواب ذهابًا بنفسه وارتفاعًا بها أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم، وهذا من الجهل، فقد أثنى اللَّه سبحانه (١) على المؤمنين بأنَّ أمرهم شورى بينهم، وقال [سبحانه و] (٢) تعالى: لنبيه [ ﷺ ] (٣): ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب [﵁] (٤)، فيستشير لها من حضر من الصحابة [﵃] (٤)، وربما جمعهم وشاورهم حتى [كان] (٤) يشاور ابن عباس (٥) [﵄] (٦) وهو إذا ذاك أحدث القوم سنًا، وكان يشاور عليًا (٧) [كرم اللَّه وجهه] (٧) وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف (٨) وغيرهم ﵃ [أجمعين] (٧)، ولا سيما إذا قصد بذلك تمرين أصحابه وتعليمهم وشحذ أذهانهم، قال البخاري في "صحيحه" (٩): (باب إلقاء العالم المسألة على

стр. 2701

أصحابه) (١)، وأَوْلى ما ألقى عليهم المسألة التي سئل عنها، هذا ما لم يعارض ذلك مفسدة من إفشاء سر السائل أو تعريضه للأذى أو مفسدة لبعض الحاضرين، فلا ينبغي له أن يرتكب ذلك، وكذلك الحكم في عابر الرؤيا؛ فالمفتي، والمعبِّر، والطَّبيب يطلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيرهم، فعليهم استعمال الستر فيما لا يُحسن إظهارُه. [يجمل بالمفتي أن يكثر من الدعاء لنفسه بالتوفيق] الفائدة الحادية والستون: حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنَّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (٢). وكان شيخُنا كثيرَ الدعاء بذلك، وكان [إذا أشكلت عليه المسائل] (٣) يقول: "يا معلِّمَ إبراهيم [علمني] (٤) "، ويكثر الاستغاثة بذلك (٥) اقتداءً بمعاذ بن جبل [﵁] (٦) حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته، وقد رآه يبكي فقال: واللَّه ما أبكي على دنيا كنت (٧) أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال معاذ بن جبل ﵁: "إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، اطلب العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند عبد اللَّه بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذكر الرابع، فإن عجز عنه هؤلاء فسائرُ أهلِ الأرض عنه أعجز فعليك بمعلم إبراهيم [صلوات اللَّه عليه] " (٨). وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ

стр. 2702

أنت الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١) [البقرة: ٣٢]. وكان مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه [العلي العظيم] (٢)، وكان مالك يقول: ما شاء اللَّه لا قوة إلا باللَّه [العلي العظيم] (٣)، وكان بعضهم يقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (٤) [طه: ٢٥ - ٢٨] وكان بعضهم يقول: اللهم وَفّقني واهدني وسدّدني واجمع لي بين الصواب والثواب وأعذني من الخطأ والحرمان (٥)، وكان بعضهم يقرأ الفاتحة، وجزَبنا ذلك نحن (٦)، فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة. والمعوَّل في ذلك كله على حسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجه في الاستمداد من المعلِّم الأول معلِّم الرسل والأنبياء [صلوات اللَّه وسلامه عليهم] (٧)؛ فإنه لا يرد من صَدَق في التوجه إليه لتبليغ دينه وإرشاد عبيده ونصيحتهم والتخلّص من القول عليه بلا علم، فإذا صدقت نيّتُه ورغبته في ذلك لم يعدم أجرًا، إنْ فاته أجران، واللَّه المستعان. وسئل الإِمام أحمد، فقيل له: ربما اشتد علينا الأمر من جهتك فلمن نسأل بعدك؟ فقال: "سلوا عبد الوهاب الوراق، فإنه أهل أن يوفق للصواب" (٨)، واقتدى الإِمام أحمد بقول عمر بن الخطاب ﵁: "اقتربوا (٩) من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون، فإنهم تجلَّى لهم أمورٌ صادقة، [وذلك] (١٠) لقُرْب قلوبهم من اللَّه، وكلَّما قَرُب القلبُ من اللَّه زالت عنه معارضاتُ الهوء، وكان نورُ كشفه (١١) للحق أتمَّ

стр. 2703

وأقوى، وكلّما بَعُد عن اللَّه كَثُرت عليه المعارضات، وضَعُف نورُ كشفهِ للصَّواب، فإنَّ العلمَ نور يقذفه اللَّه في القلب، يفرِّق به العبدُ بين الخطأ والصواب" (١). وقال مالك للشافعي ﵄ (٢) في أول ما لقيه: "إني أرى اللَّه قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية" (٣)، وقد قال تعالى: " ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، ومن الفرقان النور الذي يفرق به العبد بين الحق والباطل، وكلما كان قلبه أقرب إلى اللَّه كان فرقانه أتم، وباللَّه التوفيق. [لا يسع المفتي أن يجعل غرض السائل سائق حكمه] الفائدة الثانية والستون: قد تكرر لكثير من أهل الإفتاء الإمساك عما يفتون به مما يعلمون أنه الحق إذا خالف غرض السائل ولم يوافقه، وكثير منهم يسأله عن غرضه، فإن صادفه عنده كتب له وإلا دَلَّهُ على مفتٍ أو مذهب يكون غرضه عنده، وهذا غير جائز على الإطلاق، بل لا بد فيه من التفصيل (٤)، فإن كان المسئول عنه من مسائل العلم والسنة أو من المسائل العمليات (٥) التي فيها نص عن رسول اللَّه ﷺ لم يسع المفتي تركه إلى غرض السائل، بل لا يسعه توقُّفه في الإفتاء به على غرض السائل، بل ذلك إثم عظيم، وكيف يسعه من اللَّه أنْ يُقَدِّم غرضَ السائل على اللَّه ورسوله؟ وإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب أعنَّتها الأقوالُ والأقيسة، فإن لم يترجّح له قول منها لم يسع له أن يرجِّح لغرض (٦) السائل، وإن ترجَّح له قول منها، وظن أنه الحق فأولى بذلك، فإن السائل إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويسَعه (٧) عند اللَّه، فإنْ عرفه المفتي أفتاه به سواء وافق غرضَه أو

стр. 2704

خالفه، ولا يسعه ذلك أيضًا إذا علم أَن السائل يدور على مَنْ يفتيه بغرضه في تلك المسألة، فيجعل استفتاءه تنفيذًا لغرضه (١)، لا تعبدًا للَّه بأداء حقِّه [عليه] (٢)، ولا يسعه أَنْ يدلَّه على غرضه أين كان، بل، ولا يجب عليه أن يفتي هذا الضّربَ من الناس (٣)؛ فإنهم لا يستفتون ديانة، وإنما يستفتون توصُّلًا إلى حصول أغراضهم بأيِّ طريق وافق (٤)، فلا يجب على المفتي مساعدتهم، فإنهم لا يريدون (٥) الحقَّ، بل يريدون أغراضهم [بأي طريق وافق] (٦)، ولهذا إذا وجدوا أغراضهم في أيِّ مذهب اتفق اتَّبعوه في ذلك الموضع وتمذهبوا به، كما يفعله أَرباب الخصومات بالدعاوى عند الحكام، ولا يقصد أحدُهم حاكمًا بعينه، بل أي حاكم نفذ غرضه عنده صار إليه (٧). وقال شيخنا [﵀] (٨) مرة: أنا مخيَّر بين إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدِّين (٩)، بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إليَّ؛ بخلاف من يسأل عن دينه، وقد قال اللَّه تعالى لنبيه [ ﷺ ] (٨) في حق من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه لا لالتزامه لدينه ﷺ من أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤٢] فهؤلاء لما لم يلتزموا دينه لم (١٠) يلزمه الحكم بينهم، واللَّه [تعالي] (٧) أعلم. [ذكر الفتوى مع دليلها أولى] الفائدة الثالثة والستون: عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى (١١)

стр. 2705

وهذا العيب أولى بالمعيب (١)، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكر كلام اللَّه ورسوله ﷺ وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان اللَّه عليهم والقياس الصحيح عيبًا؟ وهل ذكر قول اللَّه ورسوله إلا طراز الفتاوى؟ وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به، فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أَن يخالفه وبرئ هو من عهدة الفتوى بلا علم. وقد كان [رسول اللَّه ﷺ يُسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال ويشبهها بنظائرها، هذا وقوله وحده حجة، فما الظن بمن ليس قوله بحجة ولا يجب الأَخذ به وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ [له] (٢) قبول قوله، وهيهات أن يسوغ بلا حجة، وقد كان] (٣) أصحاب رسول اللَّه ﷺ ورضي عنهم إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها فيقول: قال اللَّه كذا، وقال رسول اللَّه ﷺ كذا (٤) أو فعل كذا (٥)، فيشفى السائل، ويبلغ القائل (٦)، وهذا كثير جدًا في فتاويهم لمن تأمَّلها، ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه وعلمه يأبى أن يتكلم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل، ثم طال الأمد وبعد العهد بالعلم وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلًا، ولا مأخذًا ويعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرى (٧) ما حالهم في الفتاوى، واللَّه المستعان. [هل يقلد المفتي الميت إذا علم عدالته] الفائدة الرابعة والستون: هل يجوز للمستفتي (٨) تقليد الميت إذا علم [عدالته، و] (٣) إنه مات عليها من غير أن يسأل الحي؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد (٩) والشافعي (١٠)

стр. 2706

أصحهما له ذلك، فإن المذاهب لا تبطل بموت أصحابها ولو بطلت بموتهم لبطل ما بأيدي الناس من الفقه عن أَئمتهم، ولم يسغ لهم تقليدهم والعمل بأقوالهم، وأيضًا لو بطلت أقوالهم بموتهم لم يعتد بهم في الإجماع والنزاع، ولهذا لو شهد الشاهدان ثم ماتا بعد الأداء وقُبِل الحكم بشهادتهما [لم تبطل شهادتهما] (١) وكذلك الراوي لا تبطل روايته بموته، [فكذلك المفتي لا تبطل فتواه بموته] (١)، ومن قال: تبطل فتواه بموته قال: أهليته زالت بموته ولو عاش لوجب عليه تجديد الاجتهاد، ولأنه قد يتغير اجتهاده، وممن حكى الوجهين في المفتي أبو الخطاب (٢) فقال: إن مات المفتي قبل عمل المستفتي فله العمل بها، وقيل: لا يعمل [بها] (٣)، واللَّه أعلم. [إذا تكررت الواقعة فهل يستفتي من جديد ؟] الفائدة الخامسة والستون: إذا استفتاه في (٤) حكم حادثة فأفتاه وعمل بقوله، ثم وقعت له مرة ثانية فهل له أن يعمل بتلك الفتوى الأولى أم يلزمه الاستفتاء مرة ثانية؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد (٥) والشافعي (٦) فمن لم يُلزمه بذلك قال: الأصل بقاء ما كان فله أن يعمل بالفتوى وإن أمكن تغير الاجتهاد (٧)، كما أن له أن يعمل بها بعد مدة من وقت الإفتاء، وإن جاز تغير اجتهاده، ومن منعه من ذلك قال: ليس على ثقة من بقاء المفتي على اجتهاده الأول، فلعله أن يرجع عنه فيكون المستفتي قد عمل بما هو خطأ عند من استفتاه، ولهذا رجَّح بعضهم العمل بقول الميت على قول الحي واحتجوا بقول ابن مسعود ﵁: "من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة" (٨).

стр. 2707

[هل يلزم استفتاء الأعلم ؟] الفائدة السادسة والستون: هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين ويسأل الأعلم والأدين أم لا يلزمه ذلك؟ فيه مذهبان كما سبق وبيَّنا مأخذهما والصحيح أنه يلزمه؛ لأنه المستطاع من تقوى اللَّه [تعالى] (١) المأمور بها كل أحد، وتقدم أنه إذا اختلف عليه مفتيان [أحدهما] (٢) أورع و [الآخر] (٢) أعلم فأيهما يجب تقليده؟ فيه ثلاثة مذاهب سبق توجيهها. [هل على العامي أن يتمذهب بمذهب واحد من الأربعة أو غيرهم ؟] وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان (٣): أحدهما: لا يلزمه، وهو الصواب المقطوع به إذ لا واجب إلا ما أوجبه اللَّه ورسوله، ولم يوجب اللَّه ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة [مبرأة مبرأ] (٤) أهلها من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له لأن المذهب [إنما يكون] (١) لمن له نوع نظر واستدلال، [ويكون بصيرًا بالمذاهب] (٥) على حسبه أو لمن قرأ كتابًا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال: أنا شافعي أو حنبلي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه أو نحوي أو كاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله. يوضحه أن القائل [أنه] (١) شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم أنه متبع لذلك الإِمام سالك طريقه، وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة

стр. 2708

والاستدلال فأما مع جهله وبعده جدًا عن سيرة الإِمام وعلمه وطريقه (١) فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من [كل] (٢) معنى؟ والعامي (٣) لا يتصور أن يصح له مذهب ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أحدًا قط أَن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة [بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة] (٤) لم يقل بها أحد من أئمة الإِسلام وهم أعلى رُتبةً، وأجلُّ قدرًا، وأعلمُ باللَّه ورسوله من أن يُلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة. فياللَّه العجب، ماتت مذاهب أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ومذاهب التابعين، وتابعيهم وسائر أئمة الإِسلام، وبطلت جملةً إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأمة والفقهاء؟! وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه اللَّه [تعالى] (٢) ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة لا يختلف الواجب، ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضًا تابع لما أوجبه اللَّه ورسوله. ومَن صحَّح للعامي مذهبًا قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي إنتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قاله هؤلاء لو صحَّ للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه، أو أرجح منه أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أنه إذا رأى نصَّ رسول اللَّه ﷺ أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة ويقدِّم عليها قول من انتسب إليه. وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة [الأربعة] (٢) وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بـ[أحد من الأئمة] (٢) الأربعة بإجماع الأمة، كما لا يجب (٥) على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد، بل إذا

стр. 2709

صح الحديث وجب عليه العمل به حجازيًا كان أو عراقيًا أو شاميًا أو مصريًا (١) أو يمنيًا. وكذلك لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الإِمام وصحت في العربية وصح سندها جازت (٢) القراءة بها وصحت الصلاة بها اتفاقًا، بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول اللَّه ﷺ والصحابة بعده جازت القراءة بها ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال. والثاني: تبطل الصلاة بها، وهاتان روايتان منصوصتان عن الإِمام أحمد (٣). والثالث: إن قرأ بها في ركن لم يكن مؤديًا لفرضه، وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة، وهذا اختيار أبي البركات ابن تيمية رحمة اللَّه عليه، قال: لأنه لم يتحقق الإتيان بالركن في الأول و [لا] (٤) الإتيان بالمبطل في الثاني، ولكن ليس له أن يتبع (٥) رخص المذاهب وأخذ غرضه من أي مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحق بحسب الإمكان (٦). [ما الحكم إذا اختلف مفتيان ؟] الفائدة السابعة والستون: فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر فهل يأخذ بأغلظ الأقوال أو بأخفها أو يتخيَّر (٧) أو يأخذ يقول الأعلم أو الأورع أو يعدل إلى مفت آخر فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها أو يجب عليه أن

стр. 2710

يتحرَّى ويبحث عن الراجح بحسبه؟ فيه سبعة مذاهب (١) أَرجحها السابع فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين، كما تقدم، وباللَّه التوفيق. [هل يجب العمل بفتوى المفتي ؟] الفائدة الثامنة والستون: إذا استفتى فأفتاه المفتي فهل تفسير فتواه موجبة على المستفتي العمل بها بحيث يكون عاصيًا إن لم يعمل بها أو لا توجب عليه العمل؟ فيه أربعة أوجه لأصحابنا وغيرهم: أحدها: أنه لا يلزمه العمل بها إلا أن يلتزمه هو. والثاني: أنه يلزمه إذا شرع في العمل، فلا يجوز له حينئذ الترك. والثالث: أنه إن (٢) وقع في قلبه صحة فتواه وأنها حق لزمه العمل بها. والرابع: أنه إذا (٣) لم يجد مفتيًا آخر لزمه الأَخذ بفتياه، فإن فرضه التقليد وتقوى اللَّه ما استطاع، وهذا هو المستطاع في حقه، وهو غاية ما يقدر عليه (٤). وإن وجد مفتيًا آخر، فإن وافق الأول فأبلغ في لزوم العمل، وإن خالفه، فإن استبان له الحق في إحدى الجهتين لزمه العمل به، وإن لم يستبن له الصواب فهل يتوقف أو يأخذ بالأحوط أو يتخيَّر أو يأخذ بالأسهل؟ فيه وجوه تقدمت. [العمل بخط المفتي وما يشبه ذلك] الفائدة التاسعة والستون: يجوز له العمل بخط المفتي، وإن لم يسمع الفتوى من لفظه إذا عرف أنه خطه أو أعلمه به من يسكن إلى قوله (٥)، ويجوز له قبول قول الرسول: إنَّ هذا خطه، وإن كان عبدًا أو امرأة أو صبيًا أو فاسقًا، كما يقبل قوله في الهدية والإذن في دخول الدار اعتمادًا على القرائن والعرف، وكذا يجوز

стр. 2711

اعتماد الرجل على ما يجده من كتابة الوقف على كتاب أو رباط أو خان أو (١) نحوه فيدخله وينتفع به، وكذلك (٢) يجوز له الاعتماد على ما يجده بخط أبيه في برنامجه (٣) أن له على فلان كذا وكذا، فيحلف على الاستحقاق (٤)، وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خط الزوج أنه أبانها فلها أن تتزوّج بناء على الخط، وكذا (٥) الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه وإن لم يشهد شاهدان، وكذا إذا كتب الراوي إلى غيره حديثًا جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به ويرويه بناء على الخط إذا تيقن ذلك كله، هذا عمل الأمة قديمًا وحديثًا من عهد نبينا (٦) صلى اللَّه عليه [وآله] (٧) وسلم وإلى الآن، وإن أنكره من أنكره. ومن العجب أن من أنكر ذلك وبالغ في إنكاره ليس معه فيما يفتي به [وتقضي به] (٨) إلا مجرد كتاب قيل: إنه كتاب فلان فهو يقضي (٩) به ويُفتي ويحل ويحرم ويقول: هكذا (١٠) في الكتاب، [واللَّه الموفق] (٧). وقد كان رسول اللَّه (١١) ﷺ يرسل كتبه إلى الملوك وإلى الأمم يدعوهم إلى الإِسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه (١٢)، وهذا أظهر من أن ينكر، وباللَّه التوفيق.

стр. 2712

[ما العمل إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء ؟] الفائدة السبعون: إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز، وعليه تدل فتاوى الأئمة وأجوبتهم، فإنهم كانوا يُسألون عن حوادث لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها، وقد قال [النبي] (١) ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا (٢) اجتهد فأخطأ فله أجر" (٣)، وهذا يعم ما اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قول من قبله وما عرف فيه أقوالا واجتهد في الصواب منها، وعلى هذا درج السلف والخلف والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث، ومن له مباشرة لفتاوى الناس يعلم (٤) أن المنقول وإن اتسع غاية الاتساع، فإنه لا يفي بوقائع العالم جميعها (٥)، وأنت إذا تأمَّلت الوقائع رأيت مسائل كثيرة واقعة وهي غير منقولة، ولا يعرف فيها كلام لأئمة المذاهب [ولا لأتباعهم] (٦). والثاني: لا يجوز له الإفتاء، ولا الحكم، بل يتوقف حتى يظفر فيها بقائل، قال الإِمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. والثالث: يجوز ذلك في مسائل الفروع لتعلقها بالعمل وشدة الحاجة إليها وسهولة خطرها, ولا يجوز في مسائل الأصول. والحق التفصيل، وأن ذلك يجوز -بل يستحب أو يجب- عند الحاجة وأهلية المفتي والحاكم (٧)، فإن عُدم الأمران لم يجز، وإن وجد أحدهما دون الآخر احتمل الجواز والمنع والتفصيل فيجوز للحاجة دون عدمها، واللَّه [سبحانه] (٨) أعلم.

стр. 2713

فصل ولنختم (١) الكتاب بذكر فصول يسير قدرها عظيم أمرها من فتاوى إمام المفتين (٢)، ورسول رب العالمين، تكون روحًا لهذا الكتاب ورقمًا على جِلَّة (٣) هذا التأليف. [فتاوى في مسائل من العقيدة] فصح عنه ﷺ أنه سئل عن رؤية المؤمنين ربهم ﵎ فقال: "هل تُضارُّون (٤) في رؤية الشمس صحوًا في الظهيرة ليس دونها سحاب"؟ قالوا: لا، فقال: "هل تُضارُّون (٤) في رؤية القمر البدر صحوًا ليس دونه سحاب؟ "، قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك"؛ متفق عليه (٥). وسئل: كيف (٦) نراه ونحن ملء الأرض، وهو أحد؟ فقال: "أنبئكم عن ذلك في آلاء اللَّه: الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه" (٧)، ذكره أحمد.

стр. 2714

وصح عنه ﷺ أنه سئل عن مسألة القدر، وما يعمل الناس فيه، أمرٌ قد قُضي وفرغ منه أم أمر يستأنف؟ فقال: بل أمر قد قضي وفرغ منه، فسئل حينئذ: ففيم العمل؟ فأجاب بقوله: "اعملوا فكل ميسرٌ لما خلق له: أما من كان من أهل السعادة فسييسَّر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فييسر (١) لعمل أهل الشقاوة"، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] إلى آخر الآيتين (٢)، ذكره مسلم.

стр. 2715

وصح عنه ﷺ أنه سُئل عما يكتمه الناس في ضمائرهم هل يعلمه اللَّه؟ فقال: "نعم"، ذكره مسلم (١). وصح عنه ﷺ أنه سئل: أين كان ربُّنا قبل [أن تُخلق] (٢) السموات والأرض؟ فلم ينكر على السائل، وقال: "كان في عماء (٣) ما فوقه هواء، وما تحته هواء" (٤)، ذكره أحمد. وصح عنه ﷺ أنه سئل عن مبدأ تخليق هذا العالم؟ فأجاب بأن قال: "كان اللَّه، ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء" (٥)، ذكره البخاري. وصح عنه ﷺ أنه سئل: أين يكون الناس يوم تُبَدَّل الأرض؟ فقال: "على

стр. 2716

الصراط"، وفي لفظ آخر: "هم في الظلمة دون الجسر"، فسئل: من أول الناس إجازة؟ فقال: "فقراء المهاجرين" (١)، ذكره مسلم، ولا تنافي بين الجوابين، فإن الظلمة أول الصراط، فهناك مبدأ التبديل وتمامه وهم على الصراط. وسئل ﷺ عن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] , فقال: "ذلك العرض" (٢)، ذكره مسلم. وسئل ﷺ عن أول طعام يأكله أهل الجنة؟ فقال: "زيادة كبد الحوت"، فسئل ﷺ ما غذاؤهم على أثره؟ فقال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها"، فسئل ﷺ ما شرابهم عليه [فيها؟ فقال] (٣): "من عين [فيها] (٤) تُسمى سلسبيلًا" (٥)، ذكره مسلم. وسئل ﷺ : هل رأيت ربك؟ فقال: "نورٌ أنَّى أَراه" (٦)، ذكره مسلم، فذكر الجواز ونبَّه على المانع من الرؤية، وهو النور الذي هو حجاب الرب تعالى الذي لو كشفه لم يقم له شيء. وسئل ﷺ : يا رسول اللَّه كيف يجمعنا ربنا بعد ما تمزِّقنا الرياح والبلى والسباع؟ فقال للسائل: "أُنبئك بمثل ذلك في آلاء اللَّه، الأرض أشْرفتَ عليها، وهي مَدَرة (٧) بَالية، فقلت: لا تحيى أبدًا، ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أيامًا، ثم أشرفتَ عليها وهي شَرْبةٌ واحدة ولعمر إِلهك! لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء على أن يَجمَع نباتَ الأرض" (٨)، ذكره أحمد.

стр. 2717

وسئل ﷺ : يا رسول اللَّه ما يفعل بنا ربُّنا إذا لقيناه؟ فقال: "تُعرضون عليه باديةً له صفحاتُكم لا يخفى عليه خافية منكم فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلَكم فلعمر إِلهك! ما يخطئ وجه واحد منكم منها قطرة فأما المسلم فتدع وجهه مثل الرَّيطةِ (١) البيضاء، وأما الكافر فتخطمُه بمثل الحميم الأسود" (٢)، ذكره أحمد. وسئل ﷺ : بم نُبصر، وقد حبس الشمس والقمر؟ فقال للسائل: بمثل بَصَرِك ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس وذلك في يوم أشَرَقت فيه الأرض، ثم واجهته الجبال. فسئل ﷺ بم نُجزى من حسناتنا وسيئاتنا؟ فقال: الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها أو يعفو". فسئل ﷺ على ما (٣) يطلع من الجنة؟ فقال: "على أَنهار من عسل مصفَّى، وأَنهار من كأس ما بها من صداع، ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن، وفاكهة، لعمرو إِلهك! مما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة". فسئل ﷺ أَلنا فيها أزواج؟ فقال: "الصالحات للصالحين تلذونهن (٤) مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد" (٥)، ذكره أحمد. وسئل ﷺ عن كيفية إتيان الوحي إليه فقال: "يأتيني أحيانًا مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليٌ فيفصمُ عني، وقد وعيتُ ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا" (٦)، متفق عليه. وسئل ﷺ عن شبه الولد بأبيه تارة وبأمه تارة؟ فقال: "إذا سبق ماء الرجل ماء

стр. 2718

المرأة كان الشَّبه له، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل فالشبه لها" (١)، متفق عليه. وأما ما رواه مسلم في "صحيحه" أنه قال: إذا على ماءُ الرجل ماءَ المرأة أذكر الرجل بإذن اللَّه (٢)، وإذا على ماء المرأة ماء الرجل آنثَ بإذن اللَّه" (٣)، فكان شيخنا يتوقف في كون [هذا] (٤) اللفظ محفوظًا ويقول: المحفوظا هو اللفظ الأول والإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي، وإنما هو بأمر (٥) الرب ﵎ للملك أن يخلقه كما يشاء، ولهذا جعل مع الرزق والأجل والسعادة والشقاوة. قلت: فإن كان هذا اللفظ محفوظًا، فلا تنافي بينه وبين اللفظ الأول ويكون سبق الماء سببًا للشَّبه وعلوه على ماء الآخر سببًا للإذكار والإيناث واللَّه أعلم (٦). وسئل ﷺ عن أهل الدار من المشركين يُبيَّتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال: "هم منهم" (٧) حديث صحيح ومراده ﷺ بكونهم منهم التبعية (٨) في أحكام الدنيا وعدم الضمان، لا التبعية (٨) في عقاب الآخرة، فإن اللَّه تعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه.

стр. 2719

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] فقال: "إنما هو جبريل ﵇، لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرَّتين" (١)، ذكره مسلم. ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠، ٣١]، سئل ﷺ : يا رسول اللَّه أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ فقال: "نعم ليكررنَّ عليكم حتى تؤدّوا إلى كل ذي حقٍّ حقَّه" فقال الزبير: واللَّه إن الأمر لشديد (٢). وسئل ﷺ : كيف يحشر الكافر على وجهه فقال: "أَليس الذي أَمشاه في الدُّنيا على رجليه قادر أن يُمشيه في الآخرة على وجهه؟ " (٣). وسئل ﷺ : هل تذكرون أهاليكم يوم القيامة؟ فقال: "أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: حيث يوضع الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف، وحيث تتطاير الكتب حتى يعلم كتابه من يمينه أو من شماله أو من وراء ظهره، وحيث يوضع الصراط على جسر جهنم على حافتيه كلاليب وحَسَك (٤) يحبس اللَّه به من يشاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا ينجو" (٥).

стр. 2720

وسئل ﷺ : يا رسول اللَّه الرجلُ يحبُّ القوم ولَمَّا يعمل بأعمالهم؟ فقال: "المرء مع من أحب" (١). وسئل ﷺ عن الكوثر؟ فقال: "هو نهر أعطانيه ربي في الجنة هو أشدُّ بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجُزر وقيل: يا رسول اللَّه إنها لناعمة قال: "آكلها أنعم منها" (٢).

стр. 2721

وسئل ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس النار؟ فقال: "الأَجوفان: الفم والفرج"، وعن أكثر ما يدخلهم الجنة؟ فقال: "تقوى اللَّه وحسن الخلق" (١).

стр. 2722

وسئل ﷺ عن المرأة تتزوج الرَّجلين والثلاثة مع من تكون منهم يوم القيامة؟ فقال: "تُخيَّر فتكون مع أحسنهم خُلُقًا" (١). وسئل ﷺ أي الذنب أعظم؟ فقال: "أن تجعل للَّه ندًا وهو خلقك"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "أن تَقتل ولدك خَشيةَ أن يطعَم معك". قيل: ثم ماذا؟ قال: "أن تزني (٢) بحليلة جارك" (٣). وسئل ﷺ : أي الأعمال أحبُّ إلى اللَّه؟ فقال: "الصلاة على وقتها" وفي لفظ: "لأول وقتها" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه". قيل: ثم ماذا؟ قال: "بِرُّ الوالدين" (٤). وسئل ﷺ عن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] وبين عيسى وموسى ﵉ ما بينهما؟ فقال: "كانوا يسمّون بأنبيائهم، وبالصالحين قبلهم" (٥). وسئل ﷺ عن أول أشراط الساعة؟ فقال: "نارٌ تحشر الناس من المشرق

стр. 2723

إلى المغرب" (١). وهذه إحدى مسائل عبد اللَّه بن سلام الثلاث، والمسألة الثانية: ما أوَّل طعام يأكله أهل الجنة؟ والثالثة: سبب شبه الولد بأبيه وأمه، فولَّدها الكاذبون وجعلوها كتابًا مستقلًا سموه: "مسائل عبد اللَّه بن سلام"، وهي هذه الثلاثة في "صحيح البخاري" (٢). وسئل ﷺ عن الإِسلام؟ فقال: "شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء (٣) الزكاة وصوم رمضان وحج البيت" (٤). وسئل ﷺ عن الإيمان؟ فقال: "أَن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت" (٥). وسئل ﷺ عن "الإحسان؟ فقال: "أن تعبدَ اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" (٦). وسئل ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] فقال: "هم الذين يصومون [ويصلون] ويتصدَّقون، ويخافون أن لا يقبل منهم" (٧).

стр. 2724

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية؟ فقال: إن اللَّه تعالى خلق آدم، ثم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خَلقتُ هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح [على] (١) ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون" فقال رجل: يا رسول اللَّه ففيم العمل؟ فقال: "إن اللَّه إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار" (٢).

стр. 2725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2726

وسئل ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام" (١).

стр. 2727

وسئل ﷺ عن الأدوية والرُّقى هل تردُّ من القدر شيئًا؟ فقال: "هي من القدر" (١). وسئل ﷺ عمن يموت من أطفال المشركين؟ فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين" (٢) ,

стр. 2728

وليس هذا [قولًا] (١) بالتوقف، كما ظنَّه بعضهم، ولا [قولًا] (١) بمجازاة اللَّه لهم على ما يعلمه منهم أنهم [كانوا] (٢) عاملوه لو كانوا عاشوا، بل هو جواب فَصْل، وأن اللَّه تعالى يعلم ما هم عاملوه وسيجازيهم على معلومه فيهم بما يظهر منهم يوم القيامة لا على مجرَّد علمه، كما صرَّحت به سائر الأحاديث واتفق عليه أهل الحديث أنهم يُمتحنون يوم القيامة فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار (٣). وسئل ﷺ عن سبأ هل هو أرض أم امرأة؟ فقال: ليس بأرض، ولا امرأة،

стр. 2729

ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن (١) منهم ستة وتشاءم (٢) منهم أربعة؛ فأما الذين تشاءموا: فلَخْمٌ وجَذَام وغسَّان وعَامِلة، وأما الذين تيامنوا: فالأزد والأشعريون وحِمْيرَ وكِنْدَة ومُذْحَج، وأنمار. . . فقال رجل: يا رسول اللَّه، وما أنمار؟ فقال: "الذين منهم خَثْعم وبَجِيلة" (٣).

стр. 2730

وسئل عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] فقال ﷺ : "هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له" (١).

стр. 2731

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2732

وسئل عن أفضل الرقاب، يعني في العتق، فقال: "أَنفسُها عند أهلها، وأغلاها ثمنًا" (١). وسئل ﷺ : عن أفضل الجهاد، فقال: "من عُقِرَ جواده وأُريق دمه" (٢). وسئل ﷺ : عن أفضل الصدقة، فقال: "أَن تتصدق، وأنت صحيحٌ شحيحٌ تخشى الفقر وتأمل الغنى" (٣).

стр. 2733

وسئل ﷺ : أي الكلام أفضل؟ فقال: "ما اصطفى اللَّه للملائكة، سبحان اللَّه وبحمده" (١). وسئل ﷺ : متى وجبت لك النبوة؟ وفي لفظ: "متى كنت نبيًا؟ " فقال: "وآدم بين الروح والجسد" (٢) هذا هو اللفظ الصحيح والعوام يروونه: "بين الماء والطين".

стр. 2734

قال شيخنا (١): وهذا باطل، وليس بين الماء والطين مرتبة واللفظ المعروف ما ذكرناه.

стр. 2735

وذكر الإِمام أحمد في "مسنده" أن أعرابيًا سأله: يا رسول اللَّه أخبرني عن الهجرة إليك، أينما (١) كنتَ أم لقومٍ خاصَّة، أم إلى أَرض معلومة، أم إذا من انقطعت فسأل ثلاث مرات، ثم جلس، فسكت رسول اللَّه ﷺ يسيرًا، ثم قال: أين السائل؟ قال: ها هو ذا حاضر يا رسول اللَّه، قال: "الهجرة أَن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، ثم أنت مهاجر، وإن مت في الحضر". فقام آخر فقال: يا رسول اللَّه أخبرني عن ثياب أهل الجنة، أتخلق خلقًا أم (٢) تنسج نسجًا قال: فضحك [بعض] (٣) القوم، فقال: رسول اللَّه ﷺ : "تضحكون من جاهل يسأل عالمًا؟ " فاستلبث (٤) رسول اللَّه ﷺ ساعة، ثم قال: "أين السائل عن ثياب أهل الجنة؟ " فقال: ها هو ذا يا رسول اللَّه، قال: "لا، بل تنشق عنها ثمار الجنة (٥)، ثلاث مرات" (٦).
следующие страницы →