стр. 2941
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 17798
إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور
ابن القيم
Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2942
فقد أمر باستئذان البكر، ونهى عن إنكاحها بدون إذنها (١)، وخير ﷺ من نكحت ولم تُستأذن فكيف بالعدول عن ذلك كله ومخالفته بمجرد مفهوم قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها"؟ كيف ومنطوقه صريح في أن هذا المفهوم الذي فهمه من قال: تُنكح بغير اختيارها غير مراد؟ فإنه قال عقيبه: "والبكر تستأذن في نفسها" بل هذا احتراز منه ﷺ من حمل كلامه على ذلك المفهوم، كما هو المعتاد في خطابه كقوله: "لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (٢)، فإنه لما نفى قتل المسلم بالكافر أوهم ذلك إهدار دم الكافر، وأنه لا حرمة له، فرفع هذا الوهم بقوله: "ولا ذو عهد في عهده" ولما كان الاقتصار على قوله: "ولا ذو عهد" يوهم أنه لا يُقتل إذا ثبت له العهد من حيث الجملة رفع هذا الوهم بقوله: "في عهده" وجعل ذلك قيدًا لعصمة العهد فيه، وهذا كثير في كلامه ﷺ لمن تأمله كقوله: "ولا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها"، فإن نهيه عن الجلوس عليها لما كان ربما يوهم التعظيم المحذور رفعه بقوله: "ولا تصلوا إليها" (٣)، والمقصود أن أمره
стр. 2943
باستئذان البكر ونهيه عن نكاحها بدون إذنها وتخييرها حيث لم تستأذن لا معارض له فيتعين القول به، وباللَّه التوفيق.
وسئل ﷺ عن صداق النساء فقال: "هو ما اصطلح عليه أهلوهم" (١)، ذكره الدارقطني، وعنده مرفوعًا: "أنكحوا اليتامى" قيل: يا رسول اللَّه ما العلائق بينهم؟ قال: "ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبًا من أراك" (٢).
стр. 2944
وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن أبي زوَّجني من ابن أخيه، ليرفع بي خسيسته، فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن يعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء (١)، ذكره أحمد والنسائي.
ولما هلك عثمان بن مظعون ترك ابنة له فزوَّجها عمها قدامة من عبد اللَّه بن عمر، ولم يستأذنها فكرهت نكاحه وأحبت أن يتزوجها المغيرة بن شعبة فنزعها من ابن عمر وزوَّجها المغيرة، وقال: إنها يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها (٢)، ذكره أحمد.
стр. 2945
وسأله ﷺ مرثد الغَنَويّ فقال: يا رسول اللَّه أنكح عَنَاقًا، وكانت بغيًا بمكة فسكت عنه فنزلت [الآية]: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] فدعاه فقرأها عليه، وقال: "لا تنكحها" (١).
وسأله ﷺ رجل آخر عن نكاح امرأة يُقال لها أم مهزول كانت تسافح فقرأ عليه رسول اللَّه ﷺ الآية (٢)، ذكره أحمد.
وأفتى ﷺ بأن الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله (٣)، وأخذ بهذه الفتاوى التي
стр. 2946
لا معارض لها الإمام أحمد، ومن وافقه وهي من محاسن مذهبه رحمة اللَّه عليه، فإنه لم يجوِّز أن يكون الرجل زوج قحبة، ويعضد مذهبه بضعة وعشرون دليلًا قد ذكرناها في مواضع أخر (١).
وأسلم قيس بن الحارث وتحته ثمان نسوة، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "اختر منهن أربعًا" (٢)، وأسلم غيلان وتحته عشر نسوة فأمره النبي ﷺ أن يأخذ منهن أربعًا (٣)، ذكرهما أحمد وهما كالصريح في أن الخيرة إليه بين الأوائل والأواخر.
стр. 2947
стр. 2948
ولا يشكل من هذه الفتوى إلا جعل (١) عبودية الولد واللَّه أعلم.
وأسلمت امرأة على عهده ﷺ فتزوجت فجاء زوجها [الأول] (٢) فقال: يا رسول اللَّه إني كنت أسلمت وعَلِمَت بإسلامي، فانتزعها رسول اللَّه ﷺ من زوجها الآخر، وردها إلى الأول (٣)، ذكره أحمد وابن حبان.
وسئل ﷺ عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقًا حتى مات فقضى لها على صداق نسائها وعليها العدة، ولها الميراث (٤)، ذكره أحمد وأهل "السنن" وصححه الترمذي وغيره، وهذه فتوى لا معارض لها، فلا سبيل إلى العدول عنها.
وسئل ﷺ عن امرأة تزوجت ومرضت فتمعَّط شعرها، فأرادوا أن يصلوه،
стр. 2949
فقال: "لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة" (١)، متفق عليه.
وسئل ﷺ عن العَزْل، قال: "أو إنكم لتفعلون؟! " قالها ثلاثًا: "ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" متفق عليه. ولفظ مسلم: "لا عليكم أن لا تفعلوا ما كتب اللَّه خَلْق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون" (٢).
وسئل ﷺ أيضًا عن العزل، فقال: "ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد اللَّه خلق شيء لم يمنعه شيء" (٣)، وسأله ﷺ آخر فقال: إن لي جارية، وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل موءودة صغرى، فقال: "كذبت اليهود، لو أراد اللَّه أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه" (٤)، ذكرهما أحمد وأبو داود.
стр. 2950
وسأله ﷺ آخر فقال: عندي جارية، وأنا أعزل عنها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن ذلك لا يمنع شيئًا إذا أراد اللَّه"، فجاء الرجل فقال يا رسول (١) اللَّه ﷺ : إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت، فقال: "أنا عبد اللَّه ورسوله"، ذكره مسلم، وعنده أيضًا: "إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا (٢)، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال: "اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها"، [فلبث الرجل، ثم أتاه فقال: "إن الجارية قد حملت"، فقال: "قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها"] (٣).
وسأله ﷺ آخر عن ذلك فقال: "لو أنَّ الماء الذي يكون منه الولد اهرقته على صخرة لأخرجه اللَّه منها وليخلقنَّ اللَّه نفسًا هو خالقها" (٤)، ذكره أحمد.
стр. 2951
وسأله ﷺ آخر فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال: "لِمَ تفعل ذلك"؟ فقال: أشفق على ولدها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو كان ذلك ضارًا ضر فارس والروم" وفي لفظ: "إن كان كذلك فلا، ما ضرَّ ذلك فارس والروم" (١)، ذكره مسلم.
فصل
وسألته ﷺ امرأة من الأنصار عن التَّجبِيَة وهي وطء المرأة في قُبُلها من ناحية دبرها فتلا عليها قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] صمامًا واحدًا (٢)، ذكره أحمد.
وسأله ﷺ عمر ﵁ فقال: يا رسول اللَّه هلكت، قال: "وما أهلكك؟ قال:
стр. 2952
حوَّلتُ رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئًا فأوحى اللَّه إلى رسوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أقبل وأدبر واتقوا الحيضة والدبر (١)، ذكره أحمد والترمذي، وهذا هو الذي أباحه اللَّه ورسوله، وهو الوطء من الدبر لا في الدبر، وقد قال: "ملعونٌ مَنْ أتى امرأته في دبرها" (٢)، وقال: "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدَّقه، فقد كفر بما أنزل على محمد" (٣)، وقال: "إن اللَّه لا
стр. 2953
стр. 2954
стр. 2955
стр. 2956
ذكرها أحمد في "المسند" (١).
وسئل ﷺ ما حق المرأة على الزوج (٢)؟ قال: "أن يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يقبِّح، ولا يهجر إلا في البيت" (٣)، ذكره أحمد وأهل "السنن".
فصل [فتاوى في أحكام الرضاع]
وسألته ﷺ عائشة أم المؤمنين فقالت: إن أفلحَ أخا أبي القعيس استأذن عليَّ، وكانت امرأته أرضعتني، فقال: ائذني له فإنه عمك" (٤) متفق عليه.
وسأله ﷺ أعرابي فقال: إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثاء رضعة أو رضعتين، فقال: "لا تحرم الإملاجة، ولا الإملاجتان" (٥)، ذكره مسلم.
стр. 2957
وسألته سهلة بنت سهيل فقالت: إن سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا فقال: "أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة" فرجعت، فقالت: "إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة" (١)، ذكره مسلم.
فأخذت طائفة من السلف بهذه الفتوى منهم عائشة، ولم يأخذ بها أكثر أهل العلم (٢)، وقدَّموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرِّم بما قبل الفطام، وبالصغر، وبالحولين لوجوه أحدها: كثرتها، وانفراد حديث سالم، الثاني: أن جميع أزواج النبي ﷺ خلا عائشة ﵅ في شق المنع، الثالث: أنه أحوط، الرابع: أن رضاع الكبير لا ينبت لحمًا ولا ينشر عظمًا، فلا تحصل به البعضية التي هي سبب التحريم، الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصًا بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إلا في قصته، السادس: أن رسول اللَّه ﷺ دخل على عائشة وعندها رجل قاعد فاشتد ذلك عليه وغضب فقالت: إنه أخي من الرضاعة فقال: "انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة" (٣)، متفق عليه واللفظ لمسلم.
وفي قصة سالم مسلك آخر، وهو أن هذا كان موضع حاجة، فإن سالمًا كان قد تبنَّاه أبو حذيفة وربَّاه، ولم يكن له منه [بد] (٤) ومن الدخول على أهله بد فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولعل هذا المسلك أقوى المسالك وإليه كان شيخنا (٥) يجنح واللَّه أعلم.
وسئل ﷺ أن ينكح ابنة حمزة فقال: "لا تحلُّ لي إنها ابنة أخي من الرضاعة ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" (٦)، ذكره مسلم.
стр. 2958
وسأله ﷺ عقبة بن الحارث فقال: تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فقالت: أرضعتكما، وهي كاذبة، فأعرض عنه فقال: إنها كاذبة فقال: "كيف بها، وقد زعمت بأنها أرضعتكما؟ دعها عنك" ففارَقَهَا، ونكحها غيره (١)، ذكره مسلم، وللدارقطني: "دعها عنك لا خير لك فيها" (٢).
وسأله ﷺ رجل فقال: ما يُذهب عنّي مَذِمَّة الرضاع؟ فقال: "غُرَّة: عبدٌ أو أمة" (٣)، ذكره الترمذي وصححه. والمذمة -بكسر الذال- من الذمام لا من الذم
стр. 2959
стр. 2960
فصل من فتاويه ﷺ في الطلاق
ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سأله عن طلاق ابنه امرأته وهي حائض فأمر بأن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أن يطلق بعد فليطلِّق (١).
وسأله ﷺ رجل فقال: إن امرأتي، وذكر من بذائها، فقال: "طلّقها" فقال: إن لها صحبة وولدًا، قال: "مُرْها وقل لها، فإن يكن فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظَعينَتك ضَرْبَك أَمتَك" (٢)، ذكره أحمد.
стр. 2961
وسأله ﷺ آخر فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس قال: "غيِّرها إنْ شِئت" لفظ: "طلقها" قال: إني أخاف أن تتبعها نفسي، قال: "فاستمتع بها" (١).
стр. 2962
فعورض بهذا الحديث المتشابه الأحاديث المحكمة الصريحة في المنع من تزويج البغايا، واختلفت مسالك المُحرِّمين لذلك فيه فقالت طائفة: المراد باللامس ملتمس الصدقة لا ملتمس الفاحشة، وقالت طائفة: بل هذا في الدوام غير مؤثر، وإنما المانع ورود العقد على زانية، فهذا هو الحرام، وقالت طائفة: بل هذا من التزام أَخف المفسدتين لدفع أعلاهما، فإنه لما أمر بمفارقتها خاف أن لا يصبر عنها فيواقعها حرامًا فأمره حينئذ بإمساكها إذ مواقعتها بعد عقد النكاح أقل فسادًا من مواقعتها بالسفاح، وقالت طائفة: بل الحديث ضعيف لا يثبت، وقالت طائفة: ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية، وإنما فيه أنها لا تمتنع ممن لمسها أو وضع يده عليها أو نحو ذلك فهي تعطي الليان لذلك، ولا يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى، ولكن هذا لا يُؤمن معه إجابتها لداعي الفاحشة، فأمره بفراقها تركًا لما يَريبه إلى ما لا يريبه، فلما أخبره بأن نفسه تتبعها، وأنه لا صبر له عنها رأى مصلحة إمساكها أرجح من مفارقتها لما يكره من عدم انقباضها عمن يلمسها فأمره بإمساكها، وهذا لعله أرجح المسالك واللَّه أعلم.
وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن زوجي طلقني، يعني ثلاثًا، وإني تزوجت زوجًا غيره، وقد دخل بي فلم يكن معه إلا مثل هدبة الثوب فلم يقربني إلا هنة (١) واحدة، ولم يصل منّي إلى شيء أفأحلُّ لزوجي الأول؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر عسيلتك وتذوقي عسيلته" (٢)، متفق عليه.
وسئل ﷺ أيضًا عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها؟ قال: "لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر" (٣)، ذكره النسائي.
стр. 2963
وسئل ﷺ عن التيس المستعار فقال: "هو المحلّل"، ثم قال: "لعن اللَّه المحلِّل والمحلَّل له" (١)، ذكره ابن ماجه.
وسألته ﷺ امرأة عن كفر المنعَّمين، فقال: "لعل إحداكنَّ أن تطول أيمتها بين يدي أبويها تعنس، فيرزقها اللَّه زوجًا ويرزقها منه مالًا وولدًا، فتغضب الغضبة فتقول: ما رأيت منه يومًا خيرًا قط" (٢)، ذكره أحمد.
وسأله ﷺ عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال: "أيُلعب بكتاب اللَّه، وأنا بين أظهركم؟ " حتى قام رجل فقال: يا رسول اللَّه ألا أقتله (٣)، ذكره النسائي.
стр. 2964
وطلَّق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد فحزن عليها حزنًا شديدًا فسأله رسول اللَّه ﷺ كيف طلَّقتها؟ فقال: طلقتها ثلاثًا فقال: "في مجلس واحد"؟ فقال: نعم، قال: "إنما تلك واحدة فارجعها إن شئت" قال: فراجعها فكان ابن عباس يَرَى أنما الطلاق عند كل طهر، ذكره أحمد قال: حدثنا سعد بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس (١)، فذكره وأحمد يصحح هذا الإسناد ويحتج به، وكذلك الترمذي، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جُرَيج قال: أخبرني بعض بني رافع مولى رسول اللَّه ﷺ ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوتِه أم ركانة ونكح امرأة من مُزينة جاءت
стр. 2965
النبي ﷺ فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها ففرِّق بيني وبينه، فأخذت النبي ﷺ [حميته] فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون أن فلانًا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانًا منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قال النبي ﷺ لعبد يزيد: طلقها، ففعل فقال: "راجع امرأتك أم ركانة وإخوته" فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول اللَّه، قال: "قد علمتُ راجعها" وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١).
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا عبد الرزاق فذكره (٢)، فهذه طريقة أخرى متابعة لابن إسحاق، والذي يخاف من ابن إسحاق التدليس، وقد قال: "حدثني" وهذا مذهبه وبه أفتى ابنُ عباس في إحدى الروايتين عنه صح عنه ذلك (٣)، وصح عنه إمضاء الثلاث موافقة لعمر ﵁ (٤)، وقد صح عنه ﷺ أنَّ الثلاث كانت واحدة في عهده وعهد أبي بكر وصدرًا من خلافه عمر ﵄ (٥)، وغاية ما يقدر مع بعده أَنَّ الصحابة كانوا على ذلك، ولم يبلغه، وهذا وإن كان كالمستحيل، فإنه يدل على أنهم كانوا يفتون في حياته، وحياة الصديق بذلك، وقد أفتى هو ﷺ به، فهذه فتواه وعمل أصحابه كأنه أَخذ باليد، ولا معارض لذلك وَرَأَى عمر ﵁ أَنْ يحمل الناس على إنفاذ الثلاث عقوبة وزجرًا لهم لئلا يرسلوها جملة، وهذا اجتهاد منه ﵁ غايته أن يكون سائغًا لمصلحة رآها، ولا يُوجب ترك ما أفتى به رسول اللَّه ﷺ وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته فإذا ظهرت الحقائق فليقل امرؤ ما شاء، وباللَّه التوفيق.
وسأله ﷺ رجل، قال: إن تزوجتُ فلانة فهي طالق ثلاثًا، فقال: "تزوَّجْها، فإنه لا طلاق إلا بعد النكاح" (٦).
стр. 2966
وسئل ﷺ عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة، فهي طالق، فقال: "طلَّق ما لا يملك" (١)، ذكرهما الدارقطني.
وسأله ﷺ عبدٌ فقال: إن مولاتي زوجتني وتريد أن تفرِّق بيني وبين امرأتي، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وقال: "ما بال أقوام يزوجون عبيدهم إماءهم، ثم يريدون أن يفرقوا بينهم ألا إنما يملك الطلاق من أخذ بالساق" (٢)، ذكره الدارقطني.
стр. 2967
[الخلع]
وسأله ﷺ ثابت بن قيس هل يصلح أنْ يأخذ بعض مال امرأته ويفارقها؟ قال: "نعم"، قال: فإني قد أصدقتها حديقتين وهما بيدها، فقال النبي ﷺ : "خذهما وفارقها" (١)، ذكره أبو داود، وكانت قد شكته إلى النبي ﷺ وتحب
стр. 2968
فراقه، كما ذكره البخاري أنها قالت: يا رسول اللَّه ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق، ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال: "أتردِّين عليه حديقته"؟ قالت: "نعم" فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" (١)، وعند ابن ماجه: إني أكره الكفر في الإسلام، ولا أطيقه بغضًا، فأمره النبي ﷺ أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد (٢)، وعند النسائي أنَّ النبي ﷺ أفتاها أن تتربص حيضة واحدة (٣)،
стр. 2969
стр. 2970
فصل [الظهار واللعان]
وسئل ﷺ عن رجل ظاهر من امرأته، ثم وقع عليها قبل أن يُكَفِّر، قال: "وما حملك على ذلك يرحمك اللَّه"؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: "لا تقربها حتى تفعل ما أمرك اللَّه " (١)، حديث صحيح.
стр. 2971
وسأله ﷺ رجل فقال: لو أنَّ رَجلًا وَجَدَ مع امرأته رجلًا فتكلَّم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ، فقال: "اللهم افتح" وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان، فابتُلي به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول اللَّه ﷺ فتلاعَنَا (١)، ذكره مسلم.
وسأله ﷺ رجل آخر: إنَّ امرأتي ولدت على فراشي غلامًا أسود، وإنّا أهل بيتٍ لم يكن فينا أسود قط، قال: "هل لك من إبل"؟ قال: نعم، "فما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "هل فيها من أوْرَق؟ " قال: نعم، قال: "فأنى كان ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نَزَعَهُ عِرْق، قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق" (٢)، متفق عليه.
وحكم بالفرقة بين المتلاعنين، وأن لا يجتمعا أبدًا وأخذ المرأة صداقَهَا، وانقطاع نسب الولد من أبيه وإلحاقه بأمه، ووجوب الحد على مَنْ قَذَفه أو قذَف أَمه، وسقوط الحد عن الزوج، وأنه لا يلزمه نفقة، ولا كسوة، ولا سكنى بعد الفرقة (٣).
стр. 2972
وسأله ﷺ سلمة بن صخْر البَيَاضي فقال: ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء فلم أَلبث [إلا] (١) أن نَزَوْتُ عليها، فقال: "أنت بذاك يا سلمة" فقلت: أنا بذاك، وأنا صابرٌ لأمر اللَّه ، فاحكم فيَّ بما أراك اللَّه، قال: "حَرِّرْ رقبة" قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربْتُ صفحة رقبتي، قال: "فَصُمْ شهرين متتابعين" فقلت: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إلا من الصيام؟ قال: "فأطعم وسقًا من تمر بين ستين مسكينًا". قلت: والذي بعثك بالحق نبيًا لقد بتنا وحشين (٢) ما لنا من طعام، قال: "فانطلق إلى صاحب صدقة بني زُرَيْق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر وكلْ أنت وعيالكَ بقيتها" فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول اللَّه ﷺ السَّعَة وحسن الرأي وأمر لي بصدقتكم (٣)، ذكره أحمد.
стр. 2973
وسألته ﷺ خَوْلَة بنت مالك فقالت: إن زوجها أوسَ بن الصامت ظاهَرَ منها وشكته إلى رسول اللَّه ﷺ ورسول اللَّه ﷺ يجادلها فيه بقوله: "اتقي اللَّه، فإنه ابن عمك" فما برحت حتى نزل القرآن؛ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي
стр. 2974
إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] الآيات: فقال: "يعتق رقبة" قالت: لا يجد قال: "فيصوم شهرين متتابعين"، قالت: إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: "فليطعم ستين مسكينًا" قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، فأُتي ساعته بعَرَق من تمر، قلت: يا رسول اللَّه إني أعينه بعَرَق (١) آخر، قال: " [قد] أحسنتِ اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا وارجعي إلى ابن عمك" (٢)، ذكره أحمد وأبو داود.
ولفظ أحمد؛ قالت: "فيَّ واللَّه وفي أوس بن الصامت أنزل اللَّه صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خُلُقه وضجر، قالت: فدخل عليّ يومًا فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليَّ فإذا هو يريدني عن نفسي، قالت:
стр. 2975
قلت: كلا، والذي نفس الخويلة بيده لا تخلص إليَّ، وقد قلتَ ما قلتَ حتى يحكم اللَّه ورسوله فينا بحكم، قالت: فواثبني فامتنعتُ منه فغلبته بما تغلب المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عنِّي، ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها، ثم خرجت حتى جئت رسول اللَّه ﷺ فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه فجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خُلُقه، فجعل رسول اللَّه ﷺ : "يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي اللَّه فيه" قالت: فواللَّه ما برحت حتى نزل القرآن فتغشّى رسول اللَّه ﷺ ما كان يتغشاه، ثم سُرِّيَ عنه فقال: يا خويلة قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبك، ثم قرأ عليَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ - ٤] قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : "مريه فليعتق رقبة" وذكر نحو ما تقدم.
وعند ابن ماجه أنها قالت: يا رسول اللَّه أكلَ شبابي ونثرتُ له بطني حتى إذا كبر سنِّي، وانقطع وَلَدي ظاهَرَ منيّ، اللهم إني أشكو إليك فما برحْتُ حتى نزل جبرائيل ﵇ بهؤلاء الآيات (١).
فصل في فتاويه ﷺ في العدد
ثبت أن سبيعة الأسلمية سألته، وقد مات زوجها، ووضعت حملها بعد موته، قالت: فأفتاني [رسول اللَّه ﷺ ] أني قد حللتُ حين وضعت حَمْلي وأمرني بالتزويج إن بَدَا لي (٢).
وعند البخاري أنها سُئِلت كيف أفتاها رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: أفتاني إذا وضعتُ أن أنكح (٣)، وكانت أم كلثوم بنت عقبة عند الزبير بن العوام فقالت له
стр. 2976
وهي حامل: طيّب نفسي بتطليقة، فطلَّقها تطليقة، ثم خرج إلى الصلاة فرجع، وقد وضعت فقال لها: خَدَعْتيني خَدَعَكِ اللَّه، ثم أتى النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال: سبَقَ الكتابُ أجله اخْطُبها إلى نفسها (١)، ذكره ابن ماجه.
وسألته ﷺ فُريعة بنت مالك فقالت: إن زوجي خرج في طلب أَعْبُدٍ له أبَقوا (٢) حتى إذا كان بطرف القَدُوم لحقهم فقتلوه، فسألته أن ترجع إلى أهلها،
стр. 2977
وقالت: إن زوجي لم يترك لي مَسْكنا يملكه، ولا نفقة فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "نعم" قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة -أو في المسجد- ناداني رسول اللَّه ﷺ ، أو أمر بي فنوديتُ له، فقال: "كيف قلت" فرددتُ عليه القصة التي ذكرت له، فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا فلما كان عثمان أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به" (١)، حديث صحيح، ذكره أهل "السنن".
وأفتى ﷺ امرأة ثابت بن قيس بن شمَّاس وجميلة بنت عبد اللَّه بن أبيّ لما اختلعت من زوجها [فأمرها النبي ﷺ ] أن تَتَربَّصَ (٢) حَيْضة واحدة وتلحق بأهلها (٣)، ذكره النسائي.
وعند أبي داود والترمذي عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فامرها النبي ﷺ أن تعتد حيضة (٤).
стр. 2978
وعند الترمذي عن الربيّع بنت مُعَوِّذ أنها اختلَعَتْ على عهد رسول اللَّه فأمرها النبي ﷺ أو أمرت- أن تعتد بحيضة (١).
قال الترمذي: حديث الربيّع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة، وعند النسائي وابن ماجه -واللفظ له- عن الربيع قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان فسألت: ماذا عليَّ من العدَّة؟ فقال: "لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة" قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول اللَّه ﷺ في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه (٢).
فصل [ثبوت النسب]
واختصم إليه ﷺ سعد بن أبي وقاص وعبد بن زَمْعَة في الغلام فقال سعد: هو ابن أخي عُتبة بن أبي وقاص عهِدَ إليَّ أنه ابنهُ انُظْر إلى شَبَهِه، وقال عبدُ بن زَمْعة: هو أخي ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول اللَّه ﷺ إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجَر، واحتجبِي منه يا سودة" فلم تره سودة قط (٣) متفق عليه.
وفي لفظ البخاري: "هو أخوك يا عبد" (٤)، وعند النسائي: "واحتجبي منه يا سودة فليس لك بأخ" (٥)، وعند الإمام أحمد: أما الميراث فله، وأما أنْتِ
стр. 2979
فاحتجبي منه، فإنه ليس لك بأخ" (١)، فحكم وأفتى بالولد لصاحب الفراش عملًا بموجب الفراش وأمر سَوْدة أن تحتجب منه عملًا بشبهه بعتبة، وقال: "ليس لك بأخ" للشبهة وجعله أخًا في الميراث فتضمن فتواه ﷺ أن الأمة فِرَاش، وأن الأحكام تتبعض في العين الواحدة عملًا بالاشتباه، كما تتبعض في الرضاعة وثبوتها يثبت بها الحرمة والمحرمية دون الميراث والنفقة [وليس ولدًا في الميراث والنفقة] (٢) وكما في ولد الزنا هو ولد في التحريم وليس ولدًا في الميراث ونظائر
стр. 2980
ذلك أكثر من أن تذكر فتعين الأخذ بهذا الحكم والفتوى، وباللَّه التوفيق (١).
[الإحداد على الميت]
وسألته ﷺ امرأة فقالت: يا رسول اللَّه إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحّلها؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا" (٢) مرتين أو ثلاثًا متفق عليه.
ومنع ﷺ المرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوجٍ، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرًا، ولا تكتحل، ولا تطيب، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا ورخص لها في طهرها إذا اغتسلت في نُبْذة من قُسْط أو أَظفار (٣) متفق عليه (٤).
وعند أبي داود والنسائي: "ولا تختضب" (٥)، وعند النسائي: "ولا تمتشط" (٦)، وعند أحمد: "لا تلبس المُعَصْفَر من الثياب، ولا [الشقة] الممشَّقة (٧)، ولا الحليّ، ولا تختضب، ولا تكتحل" (٨)، وجعلت أم سلمة ﵂