← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وفي بعضها: فلما شهد على نفسه أربع مرات دعاه النبي ﷺ قال: "أبك جنون؟ " قال: لا، قال: "هل أحصنت؟ " قال: نعم، قال: "اذهبوا به فارجموه" (١). وفي بعض طرقها أنه ﷺ سمع رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى (٢) هذا الذي ستر اللَّه عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رَجْمَ الكلب فسكت عنهما، ثم سار ساعة حتى بجيفة حمار شائل برجله فقال: "أين فلان وفلان؟ " فقالا: نحن ذان يا رسول اللَّه، فقال: "انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار"، فقالا: يا نبي اللَّه من يأكل من هذا؟ قال: "فما نلتما من عرض أَخْيكما آنفًا أشد أكلًا منه والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أَنهار الجنة ينغمس فيها" (٣). وفي بعض طرقها أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "لعلك رأيت في منامك لعلك استكرهت" (٤)، وكل هذه الألفاظ صحيحة.

стр. 3012

وفي بعضها أنه أمر فحفُرِت له حفيرة، ذكره مسلم (١)، وهي غلط من رواية بشير بن المهاجر، كان كان مسلم قد روى له في "الصحيح" فالثقة قد يغلط على أن أحمد وأبا حاتم الرازي قد تكلما فيه، وإنما حصل الوهم من حفره للغامدية فسرى إلى ماعز واللَّه أعلم. وجاءته ﷺ الغامدية فقالت: إني قد زينت فطهّرني، وإنه ردَّها، فقالت: تردّني، كما رددت ماعزًا فواللَّه إني لحبلى، فقال: اذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، فقالت: هذا قد ولدته، فقال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتت به وفي يده كسرة من خبز، فقالت: هذا قد فطمته وأكَلَ الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجهه فسبَّها، فسمع نبي اللَّه ﷺ سبَّه إياها فقال: "مهلًا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحبُ مُكْس لغفر له"، ثم أمر بها فصلى عليها ودُفنت (٢)، ذكره مسلم.

стр. 3013

وجاءه ﷺ رجل فقال: يا رسول اللَّه إني أصبت حدًا فأقمه عليّ، ولم يسأله عنه وحضرت الصلاة فصلى مع النبي ﷺ فقام إليه الرجل فقال: يا رسول اللَّه إني أصبتُ حدًا فأقم فيَّ كتاب اللَّه، قال: "أليس قد صليت معنا"؟ قال: "نعم" قال: "فإن اللَّه قد غفر لك ذنبك أو قال حدَّك" (١)، متفق عليه. وقد اختلف في وجه هذا الحديث فقالت طائفة: أقرَّ بحد لم يُسَمِّه فلم يجب على الإمام استفساره (٢)، ولو سمَّاه لحده، كما حد ماعزًا، وقالت طائفة: بل غفر اللَّه له بتوبته والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق اللَّه تعالى، كما سقطت (٣) عن المحارب، وهذا هو الصواب واللَّه أعلم. وسأله ﷺ رجل فقال: أصبتُ من امراة قُبلة فنزلت: ﴿وَأَقِمِ (٤) الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرجل: أبي هذه؟ فقال: "بل لمن عمل بها من أمتي" (٥) متفق عليه. وقد استدل به من يرى أن التعزير ليس بواجب، وأن للإمام إسقاطه، ولا دليل فيه، فتأمله. وخرجت امرأة تريد الصلاة فتجلَّلها رجل فَقَضَى حاجته منها فصاحت وفرَّ ومرَّ عليها غيره فأخذوه فظنت أنه هو، وقالت: هذا الذي فعل بي فأتوا به النبي ﷺ فأمر برجمه فقام صاحبها الذي وقع عليها فقال: أنا صاحبها، فقال النبي ﷺ : اذهبي، فقد غفر اللَّه لك، وقال للرجل قولًا حسنًا، فقالوا: ألا ترجم صاحبها؟ فقال: "لا لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم" (٦)، ذكره أحمد

стр. 3014

وأهل السنن [كلهم] (١)، ولا فتوى، ولا حكم أحسن من هذا، فإن قيل فكيف أمرهم (٢) برجم البريء. قيل: لو أنكر لم يرجمه، ولكن لما أُخذ، وقالت: هو هذا، ولم يُنكر، ولم يحتج عن نفسه فاتفق مجيء القوم به في سورة المريب وقول المرأة: هذا هو، وسكوته سكوت المريب وهذه القرائن أقوى من قرائن حد المرأة، بلعان الرجل وسكوتها، فتأمله (٣).

стр. 3015

[أثر اللوث في التشريع] وللوث (١) تأثير في الدماء والحدود والأموال: أما الدماء ففي القسامة، وأما الحدود ففي اللعان، وأما الأموال ففي قصة الوصية في السفر، فإن اللَّه سبحانه حكم بأنه إن اطّلع على أن الشاهدين والوصيين ظَلَما وغَدَرا أن يحلف اثنان من الورثة على استحقاقهما ويقضى لهم، وهذا هو الحكم الذي لا حكم غيره، فإن اللوث إذا أثر في إراقة الدماء وإزهاق النفوس بالحد (٢)، فلأن يعمل [به] (٣) في المال بطريق الأولى والأحرى، وقد حكم به نبي اللَّه سليمان بن داود صلوات اللَّه وسلامه عليهما في النسب مع اعتراف المرأة أنه ليس بولدها، بل هو ولد الأخرى فقال لها: "هو ابنك" (٤). ومن تراجم النسائي على قصته: "التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله افعل [كذا] ليستبين به الحق" (٥) ثم ترجم عليه ترجمة أخرى فقال: "الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه إذا تبين للحاكم إن الحق غير ما اعترف به"، وهذا هو العلم استنباطًا ودليلًا، ثم ترجم عليه ترجمة ثالثة فقال: "نقض الحاكم ما حكم به مَنْ هو مثله أو أجَلُّ منه". قلت: وفيه رد لقول من قال: يكون بينهما (٦) إجراء للنسب مجْرَى المال، وفيه أن حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن، وفيه نوع لطيف عجيب شريف من أنواع العلم النافع، وهو الاستدلال بقدر اللَّه على شرعه، فإن سليمان ﵇ استدل بما قدره اللَّه وخَلَقَه في قلب الصغرى من الرحمة والشفقة بحيث أَبَتْ أنْ يُشَقَّ الولد على أنه ابنها وقوَّى هذا الاستدلال رضى الأخرى بأن يُشَق الولد، وقالت: نعم شُقَّه، وهذا قول لا يَصْدر من أم، وإنما يصدر من حاسد يريد أن يتأسّى بصاحب النعمة في زوالها عنه، كما زالت عنه هو، ولا أحسن من هذا الحكم، وهذا الفهم، واذا لم يكن مثل هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس وهذه الشريعة الكاملة طافحة بذلك.

стр. 3016

[العمل بالسياسة] وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل (١) وبين بعض الفقهاء، فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام، وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال [بحيث] (٢) يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، كان لم يشرعه الرسول ﷺ ، ولا نزل به وحى، فإن أردت بقولك: "لا سياسة إلا ما وافق الشرع" أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسير ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف (٣) كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك تحريق عليّ [كرم اللَّه وجهه] (٢) الزنادقة في الأخاديد (٤)، ونفي عمر نَصْرَ بن حجاج (٥). قلت: هذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضَنْك ومعترك (٦) صعب فَرَّطَ فيه طائفة فعطلُّوا (٧) الحدود وضيعوا الحقوق وجرأوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد وسَدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل وعطلوها مع علمهم وعلم الناس [بها] (٨) أنها أدلة حق ظنًا منهم مُنَافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة [حقيقة] (٨) الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها فلما رأى

стр. 3017

وُلَاةَ الأمر ذلك، وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة، وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض وتفاقَمَ الأمر وتعذَّر استدراكه، وأفرط [فيه] (١) طائفة أخرى فسبوغت منه ما يُناقض حكم اللَّه ورسوله، وكلا الطائفتين أُتيَتْ من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث اللَّه به رسوله ﷺ ، فإن اللَّه أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقِسْط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأي طريق كان [فذلك من] (٢) شرع اللَّه ودينه ورضاه وأمره، واللَّه تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته، وأماراته في نوع واحد [ويبطل] (٣) غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها والطرق أسباب ووسائل لا تُراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبَّه بما شرعه من الطرق على أشباهها (٤) وأمثالها ولن تجد طريقًا من الطرق المثبتة للحق إلا وفي (٥) شِرْعَة سبيل للدلالة عليها وهل يُظن بالشريعة الكاملة خلف ذلك؟ ولا نقول: إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها وتسميتها سياسة أمرٌ اصطلاحي وإلا فإذا كانت عَدلًا [فهي] من الشرع (٦)، فقد حبس رسول اللَّه ﷺ في تُهْمة وعاقب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم فمن أطلق كل متهم وخلّى سبيله أو حلَّفه مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض ونقب الدور وتواتر السرقات، -ولا سيما مع وجود المسروق عنه (٧) - وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل أو إقرار اختيار وطوع

стр. 3018

فقوله مخالف للسياسة الشرعية، وكذلك منع النبي ﷺ الغالَّ من الغنيمة سَهْمَه (١)، وتحريق الخلفاء الراشدين متاعه (٢)، ومنع المسيء على أميره (٣) سلب قتيله (٤)، وأخذه شطر مال مانع الزكاة (٥)، وإضعافه الغُرم على سارق ما لا قطع فيه وعقوبته بالجلد (٦)، وإضعافه الغرم على كاتم الضالة (٧)، وتحريق عمر بن الخطاب حانوت الخمَّار (٨)، وتحريقه قرية يُباع فيها الخمر (٩)، وتحريقه قصر سعد بن أبي وقاص

стр. 3019

لما احتجب فيه عن رعيته (١)، وحلقه رأس نصر بن حجَّاج ونفيه (٢)، وضربه صبيغًا بالدرة لما تتبع المتشابه فسأل عنه (٣)، إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الأمة فسارت سنة إلى يوم القيامة، كان خالفها مَنْ خالفها. ولقد حدَّ أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم في الزنى بمجرد الحبل (٤). وفي الخمر بالرائحة والقيء (٥)، وهذا هو الصواب، فإن دليل القيء

стр. 3020

والرائحة والحبل على الشرب والزنى أولى من البينة قطعًا فكيف يُظن بالشريعة إلغاء أقوى الدليلين، ومن ذلك تحريق [الصديق اللوطيَّ (١)، وإلقاء أمير المؤمنين علي كرم اللَّه وجهه له من شاهق على رأسه (٢)، ومن ذلك تحريق] (٣) عثمان المصاحف المخالفة للمصحف الذي جمع الناس عليه (٤)، وهو الذي بلسان

стр. 3021

قريش، ومن ذلك تحريق الصديق للفجاءة السُّلَمي (١)، ومن ذلك اختيار عمر ﵁ للناس إفراد الحج، وأن يعتمروا في غير أشهر الحج (٢)، فلا يزال البيت الحرام معمورًا بالحجاج والمعتمرين، ومن ذلك منع عمر ﵁ من بيع أمهات الأولاد (٣)، وقد باعوهن في حياة رسول اللَّه ﷺ وحياة أبي بكر ﵁ وأرضاه (٤)، ومن ذلك إلزامه بالطلاق الثلاث لمن أوقعه بفم واحد عقوبة له، كما صرَّح هو بذلك (٥)، وإلا فقد كان على عهد رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارته هو يجعل واحدة (٦) إلى أضعاف [أضعاف] (٧) ذلك من السياسات العادلة التي ساسوا بها الأمة وهي مشتقة من أصول الشريعة وقواعدها. وتقسيمُ بعضهم طرقَ الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة وكتقسيم آخرين الدينَ إلى عقل ونقل، وكل ذلك [تقسيم باطل، بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك] (٨) ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد؛ فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها والباطل ضدها ومنافيها، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالة النبي ﷺ بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العبادُ في معارفهم وعلومهم [وأعمالهم] (٨)، وأنه لم يحوج أمته إلى أحدٍ بعده، وإنما حاجتهم إلى مَنْ يبلّغهم عنه ما جاء به (٩)، فلرسالته عمومات محفوظات (١٠) لا يتطرق إليهما تخصيص [عموم بالنسبة إلى المرسل إليه] (١١) وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه مَنْ بُعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به.

стр. 3022

[بيَّن الرسول ﷺ جميع أحكام الحياة والموت] وقد توفي رسول اللَّه ﷺ ، وما طائر يقلِّب جناحيه في السماء إلا ذَكَر للأمة منه علمًا، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول والسفر والإقامة، والصَّمْت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي والملائكة والجن والنار والجنة ويوم القيامة، وما فيه حتى كأنه رأي عين وعرَّفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله وعرَّفهم الأنبياء وأممهم، وما جَرَى لهم، [وما جرى عليهم] (١) معهم حتى كأنهم كانوا بينهم وعرَّفهم من طرق الخير والشر دقيقَها وجليلها ما لم يعرِّفه نبي لأمته قبله، وعرفهم ﷺ من أحوال الموت، وما يكون بعده في البرزخ، وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرّف به نبي غيره، وكذلك عرفهم ﷺ [من] (٢) أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة مِنْ بعده اللهم إلا إلى مَنْ يبلّغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفي عليه، وكذلك عرفهم ﷺ من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعَقَلوه (٣) ورعوه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبدًا، وكذلك عرَّفهم عهو من مكايد إبليس وطرقه التي تأتيهم منها، وما يتحرَّزون به من كيده ومكره، وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه، وكذلك عرفهم ﷺ من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه، وكذلك عرفهم ﷺ من أمور معاشهم (٤) ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة. وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برُمَّته، ولم يحوجهم اللَّه إلى أحد سواه فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعةٌ أكمل منها ناقصةٌ تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها، ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب

стр. 3023

هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وَفَّق اللَّه له أصحاب نبيه ﷺ ورضي عنهم الذين اكتفوا بما جاء به واستغنوا به عما (١) سواه وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدنا إليكم، وقد كان عمر ﵁ يمنع من الحديث عن رسول اللَّه ﷺ خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن (٢)، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزبد أفكارهم وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث؟ فاللَّه المستعان. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا (٣) عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] وكيف يُشفي ما في الصدور كتاب لا يفي هو وما تبينه السنة بعشر معشار الشريعة؟ أم كيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يستفاد منه اليقين في مسألة واحدة من مسائل معرفة اللَّه وأسمائه وصفاته وأفعاله؟ أو عامتها ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة أمور لا يُعلم انتفاؤها، سبحانك هذا بهتان عظيم. وياللَّه العجب كيف كان الصحابة ﵃ والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي أتى اللَّه بنيانها من القواعد وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس [والأوضاع؟ أهل كانوا مهتدين مكتفين بالنصوص أم كانوا] (٤) على خلف ذلك؟ حتى جاء المتأخرون فكانوا أعلم منهم وأهدى وأضبط للشريعة منهم وأعلم باللَّه وأسمائه وصفاته، وما يجب له، و [ما] (٥) يمتنع عليه منهم؟ فو اللَّه لأن يَلقى اللَّه عبده بكل ذنب ما خلا الإشراك خير من أن يلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل.

стр. 3024

فصل [كلام أحمد في السياسة الشرعية] وهذه نبذة يسيرة من كلام الإمام أحمد ﵁ في السياسة الشرعية. قال في رواية المروزي وابن منصور: [و] (١) المخنث يُنفى، لأنه لا يقع منه إلا الفساد والتعرض له، وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله، كان خاف عليهم (٢) حبسه. وقال في رواية حنبل فيمن شرب خمرًا في نهار رمضان أو أتى شيئًا نحو هذا: أقيم الحد عليه وغلظ عليه مثل الذي يُقتل في الحرم دية وثلث. وقال في رواية حرب: إذا أتت المرأة المرأة تعاقبان وتؤدبان. وقال أصحابنا: إذا رأى الإمام تحريق اللوطي بالنار فله ذلك لأن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر ﵄ أنه وَجَدَ في بعض ضواحي (٣) العرب رجلًا يُنْكَح كما تنكح المرأة، فاستشار أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم وفيهم [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب (٤)، وكان أشدهم قولًا فقال: إن هذا الذنب لم تعصِ [اللَّه] (١) به أمة من الأمم إلا واحدة فصنع [اللَّه] (١) بهم ما قد عملتم، أرى أن يحرقوا (٥) بالنار، فأجمع رأي أصحاب رسول اللَّه ﷺ ورضي عنهم على أن يحرقوا (٥) بالنار، فكتب أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد ﵄ أن (٦) يُحرِّقوا فحرقهم، ثم حرقهم ابن الزبير ﵄، ثم حرَّقهم هشام بن عبد الملك (٧).

стр. 3025

ونص الإمام أحمد ﵀ ورضي عنه عنه فيمن طعن على الصحابة رضوان اللَّه عليهم أنه قد وجب على السلطان عقوبته وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب وإلا أعاد العقوبة. وصرح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهن المساحقة حرم خلوة بعضهن ببعض. وصرحوا بأن من أسلم وتحته أختان، فإنه يجبر على اختيار إحداهما، فإن أبى ضُرب حتى يختار. قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق فامتنع من أدائه، فإنه يضرب حتى يؤديه. وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك فمشهور. وأبعد الناس من الأخذ بذلك [الإمام] (١) الشافعي ﵀ ورضي عنه مع أنه اعتبر قرائن (٢) الأحوال في أكثر من مئة موضع، وقد ذكرنا منها كثيرًا في غير هذا الكتاب، منها جواز وطء الرجل المرأة ليلة الزفاف، وإن لم يرها، ولم يشهد عدلان أنها امرأته، بناء على القرائن، ومنها قبول الهدية التي يوصلها إليه صبي أو عبد أو كافر وجواز أكلها والتصرف فيها، وإن [لم] (٣) يشهد عدلان أن فلانًا أهدى لك كذا بناء على القرائن، ولا يشترط تلفظه، ولا تلفظ الرسول، بلفظ الهبة والهدية، ومنها جواز تصرفه في بابه بقَرْع حلقته ودَقِّه عليه، وإن لم يستأذنه في ذلك، ومنها استدعاء المستأجر للدار والبستان لمن شاء من أصحابه وضيوفه، وإنزالهم عنده مدة، كان لك يستأذنه نطقًا، كان تضمن ذلك تصرفهم في منفعة

стр. 3026

الدار وإشغالهم الكنيف وإضعافهم السلم ونحوه، ومنها جواز الإقدام على الطعام إذا وضعه بين يديه، وإن لم يصرح له بالإذن لفظًا، ومنها جواز شربه من الإناء، وإن لم يقدمه إليه، ولا يستأذنه، ومنها جواز قضاء حاجته في كنيفه، وإن لم يستأذنه، ومنها [جواز] (١) الاستناد إلى وسادته، ومنها أخذ ما ينبذه رغبة عنه من الطعام وغيره، وإن لم يصرح بتمليكه له، ومنها انتفاعه بفراش زوجته ولحافها، ووسادتها، وآنيتها، وإن لم يستأذنها نطقًا إلى أضعاف أضعاف ذلك. وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب، وهي الاعتماد على القرائن التي تفيد القطع تارة والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارة؟ وهذا باب واسع، وقد تقدم التنبيه عليه مرارًا، ولا يستغني عنه المفتي والحاكم. فصل فلنرجع إلى فتاوى رسول اللَّه ﷺ وذكر طرف من فتاويه في الأطعمة. [فتاوى في الأطعمة] وسئل ﷺ عن الثوم أحرام هو؟ قال: "لا، ولكني أكرهه من أجل رائحته" (٢)، ذكره مسلم. وسأله ﷺ أبو أيوب: هل يحل لنا البصل؟ فقال: "بلى، ولكني يغشاني ما لا يغشاكم" (٣)، ذكره أحمد.

стр. 3027

وسئل ﷺ عن الضب أحرام هو؟ فقال: "لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" (١)، متفق عليه. وسئل ﷺ عن الجُبن والسمن والفِرَا، فقال. "الحلال ما أحلَّه اللَّه في كتابه والحرام ما حرمه اللَّه في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" (٢)، ذكره ابن ماجه. وسئل ﷺ عن الضبع، فقال: "أو يأكل الضبع أحد؟! " (٣). وسئل ﷺ عن الذئب فقال: "أو يأكل الذئب أحدٌ فيه خير؟! " (٤)، ذكره

стр. 3028

الترمذي، وعند ابن ماجه: قال: قلت: يا رسول اللَّه ما تقول في الضبع؟ قال: "ومن يأكل الضبع؟! " (١). وإن صح حديث جابر في إباحة الضبع (٢)، فإن في القلب منه شيئًا كان هذا الحديث يدل على ترك أكله تقذرًا أو تنزهًا، واللَّه أعلم. وسألته ﷺ عائشة ﵂ فقالت: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم اللَّه

стр. 3029

عليه أم لا، فقال ﷺ : "سموا أنتم وكلوا" (١)، ذكره البخاري. وسأله ﷺ [اليهود فقالوا] (٢): أنأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل اللَّه؟، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] إلى آخر الآية (٣) هكذا، ذكره أبو داود وأن الذي سأل هذا السؤال هم اليهود، والمشهور في هذه القصة أَنَّ المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال، وهو الصحيح ويدل عليه كون السورة مكية وكون اليهود يحرِّمون الميتة، كما يحرمها المسلمون، فكيف يوردون هذا السؤال وهم يوافقون على هذا الحكم؟ ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فهذا سؤال مجادل في ذلك

стр. 3030

واليهود لم تكن تجادل في هذا، وقد رواه الترمذي، بلفظ ظاهره أن بعض المسلمين سأل هذا السؤال ولفظه: أتى ناس إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه أنأكل مما نقتل، ولا نأكل مما قتل اللَّه؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] (١)، وهذا لا يناقض كون المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال فسأل عنه المسلمون رسول اللَّه ﷺ ، ولا أحسب قوله إن اليهود سألوا عن ذلك إلا وهمًا من أحد الرواة، واللَّه أعلم. وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول اللَّه إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمتُ عَلَيَّ اللحم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٧، ٨٨] (٢)، ذكره الترمذي.

стр. 3031

وسأله ﷺ أبو ثعلبة الخُشَني ﵁ فقال: إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال ﷺ : "إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا" قال: قلت: يا رسول اللَّه ما يحل لنا، وما يحرم علينا؟ قال: "لا تأكلوا لحم الحمر الإنسية، ولا يحلُّ كل ذي ناب من السباع" (١)، ذكره أحمد، وقد ثبت عنه ﷺ في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" (٢)، وهذان اللفظان يبطلان قول من تأول نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع بأنه نهي كراهة فإنه تأويل فاسد قطعًا، وباللَّه التوفيق. وسئل ﷺ أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللّبة؟ فقال: "لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك" (٣)، ذكره أبو داود، وقال: هذا ذكاة المُتردِّي، وقال يزيد بن

стр. 3032

هارون ﵀: هذا للضرورة، وقيل: هو في غير المقدور عليه. وسئل ﷺ عن الجنين يكون في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم، فإن ذكاتَه ذكاةُ أمه" (١)، ذكره أحمد، وهذا يبطل تأويل من تأول الحديث أنه يُذَكَّى، كما تذكى أمه ثم يؤكل، فإنه أمرهم بأكله وأخبر أن ذكاة أمه ذكاة له، وهذا لأنه جزء من أجزائها فلم يحتج إلى أن يفرد بذبح كسائر أجزائها. وسأله ﷺ رافع بن خديج ﵁ فقال: إنا لاقو العدو غدًا، وليست معنا مدى أفنذكي باللِّيطة؟ فقال النبي ﷺ : "ما أنهر الدم وذُكِر اسم اللَّه عليه فكل إلا ما كان من سنّ أو ظفر، فإن السن عظم والظفر مدى الحبشة" (٢)، متفق عليه واللَّيطة: الفلقة من القَصَب. وسأله ﷺ عدي بن حاتم ﵁ فقال: إن أحدنا ليصيب الصيد وليس معه سكين أيذبح بالمروة (٣) وشقة العصى؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أمِرِ (٤) الدمَ واذكر

стр. 3033

اسم اللَّه" (١)، ذكره أحمد. وسئل ﷺ عن شاة حلَّ بها الموت فأخذت جارية حجرًا فذبحتها به فأمر النبي ﷺ بأكلها (٢)، ذكره البخاري. وسئل ﷺ عن شاة نيب فيها الذئب فذبحوها بمروة فرخص لهم في أكلها (٣)، ذكره النسائي. سئل ﷺ عن أكل الحوت الذي جَزَر البحر عنه، فقال: "كلوا، رزقًا

стр. 3034

أخرجه اللَّه لكم وأطعمونا إن كان معكم" (١)، متفق عليه. وسأله ﷺ أبو ثعلبة الخُشَني فقال: إنا بأرض صيد، أصيد بقوسي وبكلبي المعلّم وبكلبي الذي ليسس بمعلّم فما يصلح لى؟ فقال: "ما صدت بقوسك فذكرت اسم اللَّه عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلَّم فذكرت اسم اللَّه عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلَّم فأدركت ذكاته فكل" (٢)، متفق عليه، وهو صريح في اشتراطه التسمية لحل الصيد ودلالته على ذلك أصرح من دلالته على تحريم صيد غير المعلم. وسأله ﷺ عدي بن حاتم فقال: إني أرسل كلابي المعلَّمة فيمسكن عليَّ وأذكر اسم اللَّه؟ فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم اللَّه فكل ما أمسك عليك" قلت: وإن قَتلنَ قال: "وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها" قلت: فإني أرمي بالمِعْراض (٣) الصيد فأصيب؟ فقال: "إذا رميت بالمعراض، فخزق (٤) فكله، وإن أصابه بعرضه، فلا تأكله" (٥)، متفق عليه. وفي بعض ألفاظه هذا الحديث: "إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل، فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها، فلا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسمِّ على غيره". وفي بعض ألفاظه: "إذا أرسلت كلبك المكلَّب فاذكر اسم اللَّه، فإن أمسك عليك فأدركته حيًا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أَخذَ الكلب ذكاتُه"، وفي بعض ألفاظه: "إذا رميت بسهمك فاذكر اسم اللَّه" وفيه: "فإن غاب عنك اليومين أو الثلاثة، ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، كان

стр. 3035

وجدته غريقًا في الماء، فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك". وسأله ﷺ أبو ثعلبة الخشني فقال: يا رسول اللَّه إن في كلابًا مكلَّبة فأفتني في صَيْدها؟ فقال: "إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت عليك" فقال: يا رسول اللَّه ذكيٌّ (١)، وغير ذكي؟ قال: ذكيّ وغير ذكيّ"، قال: وإن أكل منه؟ قال: "وإن أكل منه" قال: يا رسول اللَّه أفتني في قوسي، قال: "كُل ما أمسكت عليك قوسك" قال: ذكيّ وغير ذكيّ؟ قال: "ذكي وغير ذكي" قال: كان تغيب عنّي؟ قال: "وإن تغيب عنك ما لم يصلّ (٢) -يعني: يتغير- أو تجد فيه أثرًا غير أثر سهمك" (٣)، ذكره أبو داود.

стр. 3036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3037

ولا يناقض هذا قوله ﷺ لعدي بن حاتم: "وإن أكل [منه] (١)، فلا تأكل"، فإن حديث عدي فيما أكل منه حال صيده إذ يكون ممسكًا على نفسه وحديث أبي ثعلبة فيما أكل منه بعد ذلك، فإنه يكون قد أمسك على صاحبه، ثم أكل منه بعد ذلك، وهذا لا يحرم، كما لو أكل مما ذكاه صاحبه. وسئل ﷺ عن الذي يدرك صيده بعد ثلاث، فقال: "كُلْه ما لم ينتن" (٢)، ذكره مسلم. وسأله ﷺ أهل بيت كانوا في الحرَّة (٣) محتاجين ماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم فرخص لهم في أكلها فعصمتهم بقية شتائهم (٤)، ذكره أحمد.

стр. 3038

وعند أبي داود: "أن رجلًا نزل بالحرَّة ومعه أهله، وولده فقال له رجل: إن لي ناقة قد ضلت، فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت فقالت امرأته: انحرها فأبى فنفقت، فقالت: اسلخها حتى نقدِّد شحمها ولحمها نأكله فقال: حتى أسأل رسول اللَّه ﷺ فأتاه فسأله فقال له: "هل عندك غناء يغنيك (١)؟ قال: لا، قال: "فكلوه" قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك (٢)، وفيه دليل على جواز إمساك الميتة للمضطر. وسأله ﷺ رجل فقال: مِنَ "الطعام طعامٌ نتحرَّجُ منه، فقال: "لا يختلجنَّ في نفسك شيء ضارعت فيه النصرانية" (٣)، ذكره أحمد، ومعناه -واللَّه أعلم- النهي

стр. 3039

عما شابه طعام النصارى يقول: لا تشكنَّ فيه، بل دعه؟ فأجابه بجواب عام وخص النصارى دون اليهود لأن النصارى لا يحرمون شيئًا من الأطعمة، بل يبيحون ما دبَّ ودرج من الفيل إلى البعوض. وسأله ﷺ عقبة بن عامر ﵁ فقال: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يَقرُوننا فما ترى؟ فقال: "إن نزلتم بقوم فأَمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوه، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" (١)، ذكره البخاري. وعند الترمذي: إِنا نمر بقوم، فلا يضيفوننا، ولا يؤدّون ما لنا عليهم من الحق، ولا نحن نأخذ منهم، فقال: "إن أبوا إلا أن تأخذوا قِرًى فخذوه" (٢). وعند أبي داود: "ليلةُ الضيف حقٌّ على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا كان دينًا عليه إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه" (٣)، وعنده أيضًا: "مَنْ نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه" (٤). وهو دليل على وجوب الضيافة وعلى أخذ الإنسان نظير حقه ممن هو عليه إذا أبى دفعه، وقد استدل به في مسألة الظفر، ولا دليل فيه لظهور سبب الحق هاهنا، فلا يتهم الآخذ، كما تقدم في قصة هند مع أبي سفيان ﵄ (٥). وسأله ﷺ عوف بن مالك ﵁ فقال: الرجل أمرُّ به، فلا يقريني،

стр. 3040

ولا يضيفني، ثم يمر بي أفأجزيه؟ قال: "لا، بل أقْرِه" قال: ورآني -يعني: النبي ﷺ رثَّ الثياب فقال: "هل لك من مال؟ " قال: قلت: مِنْ كل المال قد أعطاني اللَّه من الابل والغنم، قال: "فليرَ عليك" (١)، ذكره الترمذي. وسئل ﷺ عن جائزة الضيف؟ فقال: "يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يُخرِجه" (٢)، متفق عليه. فصل [فتاوى في العقيقة] وسئل ﷺ عن العقيقة، وكان (٣) كره الاسم، وقال: "مَنْ ولد له مولود فأحب أنْ ينسك عنه فليفعل" (٤)، ذكره أحمد، وعنده أيضًا: أنه سئل ﷺ عن العقيقة، فقال: "لا يحبُّ اللَّه العقوق" كأنه كره الاسم قالوا: يا رسول اللَّه إنما نسألك عن أحدنا يولد له [ولد]، قال: "من يولد له [ولد] فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتين متكافئتين وعن الجارية شاة" (٥).

стр. 3041

فصل [فتاوى في الأشربة] وسأله ﷺ رجل فقال: لا أَروى من نَفَس واحدة، قال: "فأَبِنِ القَدَح عن فيك ثم تنفَّس" قال: فإني أَرى القذاة فيه، قال: "فأهرقها" (١)، ذكره مالك، وعند الترمذي أنه ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة (٢) أراها في

стр. 3042

الإناء؟ قال: "أهرقها" قال: إني لا أَروى من نَفَس واحدة؛ قال: "فأبِن القدح إذن عن فيك" (١) حديث صحيح. وسئل ﷺ عن البِتْع (٢)، فقال: "كلُّ شراب أسكر فهو حرام" (٣)، متفق عليه. وسأله ﷺ أبو موسى ﵁ فقال: يا رسول اللَّه أَفْتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمين: البِتْع: وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمِزْر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتدّ، فقال: "كل مسكر حرام" (٤)، متفق عليه. وسأله ﷺ طارق بن سويد عن الخمر فنهاه أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: "إنه ليس بدواء، ولكنه داء" (٥). وسأله ﷺ رجل من اليمن عن شراب بأرضهم يُقال له: المِزْر، قال: "أمسكرٌ هو؟ " قال: نعم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كل مسكر حرام، وإن على اللَّه عهدًا لمن شرب المسكر أن يَسقيَه من طينة الخبال" قالوا: يا رسول اللَّه، وما طينةُ الخبال؟ قال: "عَرَقُ أهل النار" أو قال: "عصارةُ أهل النار" (٦). وسأله ﷺ رجل من عبد قيس فقال: يا رسول اللَّه ما ترى في شراب نصنعه في أرضنا من ثمارنا؟ فأعرض عنه حتى مسألة ثلاث مرات، حتى قام يصلي فلما قضى صلاته قال: "لا تشربه، ولا تسقه أخاك المسلم فوالذي نفسي بيده أو والذي يُحْلَف به لا يشربه رجل ابتغاء لذة سكر فيسقيه اللَّه الخمر يوم القيامة" (٧)، ذكره أحمد.

стр. 3043

وسئل ﷺ عن الخمر تُتخذ خلًا، قال: "لا" (١)، ذكره مسلم. وسأله ﷺ أبو طلحة ﵁ عن أيتام ورثوا خمرًا فقال: "أهرقها" قال: أفلا نجعلها خلًا؟ قال: "لا"، ذكره أحمد وفي لفظ: أن يتيمًا كان في حجر أبي طلحة فاشترى له خمرًا فلما حرمت الخمر سأل النبي ﷺ أيتخذها خلًا؟ قال: "لا" (٢). وسأله ﷺ قوم فقالوا: إنا ننتبذ نبيذًا نشربه على غدائنا وعشائنا، وفي رواية: على طعامنا فقال: "اشربوا واجتنبوا كل مسكر" فأعادوا عليه، فقال: "إن اللَّه ينهاكم عن قليل ما أسكر، وكثيره" (٣)، ذكره الدارقطني. وسأله ﷺ عبد اللَّه بن فيروز الديلمي ﵄ فقال: إنا أصحاب أعناب وكرم، وقد نزل تحريم الخمر فما نصنع بها؟ قال: "تتخذونه زبيبًا؟ " قال: نصنع بالزبيب ماذا؟ قال: "تنقعونه على غدائكم وتشربونه على عشائكم وتنقعونه على عشائكم وتشربونه على غدائكم" قال: قلت: يا رسول اللَّه نحن ممن قد علمت، نحن بين ظهراني من قد علمت فمن وليُّنا؟ فقال: "اللَّه ورسوله" قال: حَسْبِي يا رسول للَّه (٤).

стр. 3044

فصل [فتاوى في الأيمان وفي النذور] [في طرف من فتاويه ﷺ في الأيمان والنذور] (١). وسأله سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول اللَّه إني حلفت باللات والعزى، وإن العهد كان قريبًا، فقال: "قل لا إله إلا اللَّه وحده [لا شريك له] (٢) ثلاثًا، ثم انفث عن يسارك ثلاثًا، وتعوّذ (٣)، ولا تعد" (٤)، ذكره أحمد.

стр. 3045

ولما قال رسول اللَّه ﷺ : "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حَرّم اللَّه عليه الجنة وأوجب له النار" سألوه ﷺ : وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: "وإن كان قضيبًا من أراك" (١)، ذكره مسلم. وأعْتَمَ (٢) رجل عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله فوجد الصِّبْيَة قد ناموا فأتاه أهله بطعام فحلف لا يأكل من أجل الصبية، ثم بدا له فاكل فأتى رسول اللَّه ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتها وليكفر عن يمينه" (٣)، ذكره مسلم. وسأله ﷺ مالك بن نضلة (٤) ﵁ فقال: يا رسول اللَّه أرأيت ابن عم لي آتيه أسأله، فلا يعطيني، ولا يصلني، ثم يحتاج [إليَّ] (٥) فيأتيني فيسألني، وقد حلفتُ أن لا أعطيه ولا أصله؟ قال: فأمرني أن آتي الذي هو خير وأكفِّر عن يميني (٦). وخرج سُويد بن حَنْظلة، ووائل بن حُجر ﵄ يريدان رسول اللَّه ﷺ مع قومهما فأخذ وائلًا عدوٌّ له فتحزَج القوم أن يحلفوا أنه أخوهم وحلف سويد أنه أخوه فخلوا سبيله، فسأل رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، فقال: "أنت

стр. 3046

أبرُّهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم" (١)، ذكره أحمد. وسئل ﷺ عن رجل نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ويصوم ولا يفطر بنهار، ولا يستظل، ولا يتكلم فقال: "مروه فليستظل وليقعد وليتكلم وليتم صومه" (٢)، ذكره البخاري. وفيه دليل على تفريق الصفقة في النذر، وأن من نذر قربة [وغير قربة] (٣) صح النذر في القربة وبطل في غير القربة وهكذا الحكم في الوقف سواء. وسأله ﷺ عمر ﵁ فقال: إني نذرتُ في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: "أوف بنذرك" (٤)، متفق عليه. وقد احتج به من يرى جواز الاعتكاف بغير (٥) صوم، ولا حجة فيه لأن في بعض ألفاظ الحديث: "أن أعتكف يومًا أو ليلة" (٦)، ولم يأمره بالصوم إذ الاعتكاف المشروع إنما هو اعتكاف الصيام (٧) فيحمل اللفظ المطلق على المشروع.

стр. 3047

وسئل ﷺ عن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت اللَّه الحرام (١) حافية غير مختمرة فأمرها أن تركب وتختمر وتصوم ثلاثة أيام (٢)، ذكره أحمد. وفي "الصحيحين" عن عقبة [بن عامر] (٣) ﵁ قال: نَذَرت أختي أن تمشي إلى بيت اللَّه الحرام (١) حافية فأمرتني أن استفتي لها رسول اللَّه ﷺ فاستفتيتُه، فقال: "لتمش ولتركب" (٤). وعند الإمام أحمد أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك فقال النبي ﷺ : "إن اللَّه لغني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة" (٥). ونظر وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس فقال: "ما شأنك؟ " قال: نذرت أن لا أزال في الشمس حتى يفرغ رسول اللَّه ﷺ [من الخطبة] (٦)، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ليس هذا نذرًا إنما النذر فيما ابتغي به وجه اللَّه" (٧)، ذكره أحمد.

стр. 3048

ورأى رسول اللَّه ﷺ شيخًا يُهادى (١) بين ابنيه فقال: "ما بال هذا؟ " فقالوا: نذر أن يمشي فقال: "إن اللَّه لغني عن تعذيب هذا نفسه" وأمره أن يركب" (٢)، متفق عليه. ونظر إلى رجلين مقترنين يمشيان إلى البيت فقال: "ما بال القِرَان؟ " قالوا: يا رسول اللَّه نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين، فقال: "ليس هذا نذرًا إنما النذر فيما ابتغي به وجه اللَّه" (٣)، ذكره أحمد.

стр. 3049

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن أُمي توفيت وعليها نذر صيام فتوفيت قبل أن تقضيه، فقال: "ليصم عنها الولي" (١)، ذكره ابن ماجه. [النيابة في فعل الطاعة] وصح عنه ﷺ أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٢). فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقال: يُصام عنه النذر والفرض. وأبت طائفة ذلك، وقالت: لا يصام عنه نذر، ولا فرض. وفصلت طائفة فقالت: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي، وهذا قول ابن عباس وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه، وهو الصحيح لأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة فكما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يُسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام، وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له، كما يقضي دينه، وهذا محض الفقه وطرد هذا أنه لا يحج عنه، ولا يزكى عنه إلا إذا كان معذورًا بالتأخير، كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر فأما المفطر من غير عذر أَصلًا، فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض اللَّه تعالى التي فرَّط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاءً وامتحانًا دون الولي، فلا تنفع توبه أحد عن أحد، ولا إسلامه عنه، ولا أداء الصلاة عنه، ولا غيرها من فرائض اللَّه تعالى التي فرَّط فيها حتى مات، واللَّه أعلم.

стр. 3050

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدفِّ، فقال: "أوفي بنذرك" قالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، مكان يذبح فيه أهل الجاهلية، قال: "لصنم؟ " قالت: لا، قال: "لوثن؟ " قالت: لا، قال: "أوفي بنذرك" (١)، ذكره أبو داود. وسأله ﷺ رجل فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببُوانَةَ، فقال النبي ﷺ : "كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا، قال: "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء بالنذر في معصية اللَّه، ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٢)، ذكره أبو داود.
следующие страницы →