← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

أبرُّهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم" (١)، ذكره أحمد. وسئل ﷺ عن رجل نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ويصوم ولا يفطر بنهار، ولا يستظل، ولا يتكلم فقال: "مروه فليستظل وليقعد وليتكلم وليتم صومه" (٢)، ذكره البخاري. وفيه دليل على تفريق الصفقة في النذر، وأن من نذر قربة [وغير قربة] (٣) صح النذر في القربة وبطل في غير القربة وهكذا الحكم في الوقف سواء. وسأله ﷺ عمر ﵁ فقال: إني نذرتُ في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: "أوف بنذرك" (٤)، متفق عليه. وقد احتج به من يرى جواز الاعتكاف بغير (٥) صوم، ولا حجة فيه لأن في بعض ألفاظ الحديث: "أن أعتكف يومًا أو ليلة" (٦)، ولم يأمره بالصوم إذ الاعتكاف المشروع إنما هو اعتكاف الصيام (٧) فيحمل اللفظ المطلق على المشروع.

стр. 3047

وسئل ﷺ عن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت اللَّه الحرام (١) حافية غير مختمرة فأمرها أن تركب وتختمر وتصوم ثلاثة أيام (٢)، ذكره أحمد. وفي "الصحيحين" عن عقبة [بن عامر] (٣) ﵁ قال: نَذَرت أختي أن تمشي إلى بيت اللَّه الحرام (١) حافية فأمرتني أن استفتي لها رسول اللَّه ﷺ فاستفتيتُه، فقال: "لتمش ولتركب" (٤). وعند الإمام أحمد أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك فقال النبي ﷺ : "إن اللَّه لغني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة" (٥). ونظر وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس فقال: "ما شأنك؟ " قال: نذرت أن لا أزال في الشمس حتى يفرغ رسول اللَّه ﷺ [من الخطبة] (٦)، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ليس هذا نذرًا إنما النذر فيما ابتغي به وجه اللَّه" (٧)، ذكره أحمد.

стр. 3048

ورأى رسول اللَّه ﷺ شيخًا يُهادى (١) بين ابنيه فقال: "ما بال هذا؟ " فقالوا: نذر أن يمشي فقال: "إن اللَّه لغني عن تعذيب هذا نفسه" وأمره أن يركب" (٢)، متفق عليه. ونظر إلى رجلين مقترنين يمشيان إلى البيت فقال: "ما بال القِرَان؟ " قالوا: يا رسول اللَّه نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين، فقال: "ليس هذا نذرًا إنما النذر فيما ابتغي به وجه اللَّه" (٣)، ذكره أحمد.

стр. 3049

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن أُمي توفيت وعليها نذر صيام فتوفيت قبل أن تقضيه، فقال: "ليصم عنها الولي" (١)، ذكره ابن ماجه. [النيابة في فعل الطاعة] وصح عنه ﷺ أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٢). فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقال: يُصام عنه النذر والفرض. وأبت طائفة ذلك، وقالت: لا يصام عنه نذر، ولا فرض. وفصلت طائفة فقالت: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي، وهذا قول ابن عباس وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه، وهو الصحيح لأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة فكما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يُسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام، وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له، كما يقضي دينه، وهذا محض الفقه وطرد هذا أنه لا يحج عنه، ولا يزكى عنه إلا إذا كان معذورًا بالتأخير، كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر فأما المفطر من غير عذر أَصلًا، فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض اللَّه تعالى التي فرَّط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاءً وامتحانًا دون الولي، فلا تنفع توبه أحد عن أحد، ولا إسلامه عنه، ولا أداء الصلاة عنه، ولا غيرها من فرائض اللَّه تعالى التي فرَّط فيها حتى مات، واللَّه أعلم.

стр. 3050

وسألته ﷺ امرأة فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدفِّ، فقال: "أوفي بنذرك" قالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، مكان يذبح فيه أهل الجاهلية، قال: "لصنم؟ " قالت: لا، قال: "لوثن؟ " قالت: لا، قال: "أوفي بنذرك" (١)، ذكره أبو داود. وسأله ﷺ رجل فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببُوانَةَ، فقال النبي ﷺ : "كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا، قال: "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء بالنذر في معصية اللَّه، ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٢)، ذكره أبو داود.

стр. 3051

فصل [فتاوى في الجهاد] [في طرف من فتاويه ﷺ في الجهاد] (١). سئل عن قتال الأمراء الظلمة فقال: "لا ما أقاموا الصلاة"، وقال: "خيار أئمتكم الذين تحبّونهم ويحبونكم، ويصلُّون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم" قالوا: أفلا ننابذهم؟ قال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة" ثم قال ﷺ : "ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية اللَّه فليكره ما يأتي من معصية اللَّه، ولا ينزعنَّ يدًا من طاعته" (٢)، ذكره مسلم. وقال: "يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره، فقد بريء، ومن أنكر، فقد سَلِم، ولكن مَن رضي وتابع" قالوا: أفلا نقاتلهم، قال: "لا، ما صلوا" (٣)، ذكره مسلم، وزاد أحمد: "ما صلوا الخمس" (٤). وسأله ﷺ رجل فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقَّنا ويسألوننا حقَّهم؟ قال: "اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حملتم" (٥)، ذكره الترمذي. وقال: "إنها ستكون بعدي أَثَرة وأمور تنكرونها". قالوا: فما تأمر من أدرك منا ذلك (٦)؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون اللَّه الذي لكم" (٧)، متفق عليه.

стр. 3052

وسأله ﷺ رجل فقال: دلّني على عمل يعدل الجهاد، قال: "لا أجده"، ثم قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ " قال: ومن يستطيع ذلك، فقال: "مثل المجاهد في سبيل اللَّه كمثل الصائم القائم القانت بآيات اللَّه لا يفتر من صيام، ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل اللَّه" (١)، ذكره مسلم. وسئل ﷺ : أي الناس أفضل؟ فقال: "مؤمن يجاهد بنفسه، وماله في سبيل اللَّه" قال: ثم من؟ قال: "رجل في شعب من الشعاب يتقي اللَّه ويدع الناس من شره" (٢)، متفق عليه. وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول اللَّه أرأيت إن قُتلتُ في سبيل اللَّه، وأنا صابر محتسب مُقبل غير مدبر يُكفر اللَّه عنّي خطاياي؟ قال: "نعم"، [ثم قال]: "كيف قلت؟ " فردَّ عليه كما قال، فقال: "نعم، فكيف قلت؟ " فرد عليه القول أيضًا، فقال: أرأيت يا رسول اللَّه إن قُتلت في سبيل اللَّه صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر يُكفِّر اللَّه عني خطاياي؟ قال: "نعم إلا الدَّيْن، فإن جبريل سارَّني بذلك" (٣)، ذكره أحمد. وسئل ﷺ ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: "كَفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة" (٤)، ذكره النسائي.

стр. 3053

وسئل ﷺ أي الشهداء (١) أفضل عند اللَّه تعالى؟ قال: "الذين يلقون في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا (٢) أولئك ينطلقون في الغُرف العُلى من الجنة ويضحك إليهم ربك تعالى، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا، فلا حساب عليه" (٣)، ذكره أحمد. وسئل ﷺ عن الرجل يُقاتل شجاعة، ويقاتل حَميّة، ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل اللَّه؟ قال: "مَنْ قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه" (٤)، متفق عليه. وعند أبي داود أن أعرابيًا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: الرجل يقاتل للذكر، ويقاتل ليحمد، ويقاتل ليغنم، ويقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل اللَّه؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه" (٥).

стр. 3054

وسأله ﷺ رجل فقال: يا رسول اللَّه الرجلُ يريد الجهاد في سبيل اللَّه، وهو يبتغي (١) عَرَضًا من أعراض الدنيا؟ فقال: "لا أَجَرَ له" فأعظم ذلك الناس، وقالوا للرجل: عُدْ لرسول اللَّه ﷺ ، فإنك لم تفهمه، فقال: يا رسول اللَّه رجل يريد الجهاد في سبيل اللَّه، وهو يبتغي عرضًا من عرض الدنيا، فقال: "لا أجر له" فقالوا للرجل: عُدْ لرسول اللَّه ﷺ ، فقال له الثالثة، فقال: "لا أجر له" (٢)، ذكره أبو داود. وعند النسائي أنه سئل ﷺ [فقيل] (٣) أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذِّكر [مَا لَه]؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا شَيءَ له" فأعادها ثلاث مرات يقول رسول اللَّه ﷺ : "لا شيء له"، ثم قال: "إن اللَّه تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا [له] وابتُغي به وجهه" (٤). وسألته ﷺ أم سلمة ﵂ فقالت: يا رسول اللَّه يغزو الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] الآية (٥)، ذكره أحمد.

стр. 3055

وسئل ﷺ عن الشُّهداء، فقال: "من قُتل في سبيل اللَّه فهو شهيد، ومن مات

стр. 3056

في سبيل اللَّه فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد" (١)، ذكره مسلم. فصل [فتاوى في الطب] [في ذكر طرف من فتاويه ﷺ في الطب] (٢). سأله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول للَّه أنتداوى؟ قال: "نعم، فإن اللَّه لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء عَلِمَه مَنْ علمه وجهله من جهله" (٣)، ذكره أحمد. وفي "السنن" أن الأعراب قالت: يا رسول اللَّه ألا نتداوى؟ قال: "نعم، عباد اللَّه تداووا، فإن اللَّه لم يضع داءً إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحد" قالوا: يا رسول اللَّه، وما هو؟ قال: "الهرم" (٤). وسئل ﷺ فقيل له: أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل تردُّ من قدر اللَّه شيئًا؟ قال: "هي من قَدَر اللَّه" (٥)، ذكره الترمذي. وسئل ﷺ : هل يُغني الدواء شيئًا؟ فقال: "سبحان اللَّه وهل أنزل اللَّه ﵎ من داء في الأرض إلا جعل له شفاء" (٦)، ذكره أحمد. وسئل ﷺ عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب من أمته فقال: "هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون" (٧)، متفق عليه.

стр. 3057

وسأله ﷺ آل عمرو بن حزم فقالو!: إنه كانت عندنا رُقية نَرقي بها من العقرب، وإنك نهيتَ عن الرُّقى (١)؟ قال: فعرضوا عليه، فقال: "ما أرى بأسًا من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل" (٢)، ذكره مسلم. واستفتاه عثمان بن أبي العاص ﵁ وشكا إليه وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال: "ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقُل: باسم اللَّه ثلاثًا، وقل سبع مرات، أعوذ بعزة اللَّه وقدرته، من شر ما أجد وأحاذر" (٣)، ذكره مسلم. وسئل ﷺ أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، الرجل يُبتلى على حَسَب دينه، فإن كان رقيق الدين ابتُلي على حسب ذلك، وإن كان صلب الدين ابتلي على حسب ذلك، فما يزال البلاء بالرجل حتى يمشي على وجه الأرض، وما عليه خطيئة" (٤)، ذكره أحمد وصححه الترمذي.

стр. 3058

وذكر ابن ماجه أنه سئل أيّ الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء"، [قال] قلت: يا رسول اللَّه، ثم من؟ قال: "ثم الصالحون إنَّ كان أحدهم ليبتلى بالفَقْر حتى ما يجد إلا العباءة تحويه، وإن كان أحدهم ليفرح بالبَلاء، كما يفرح أحدكم بالعافية" (١). وسأله ﷺ رجل أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا بها؟ قال: "كفارات" قال أبو سعيد الخدري ﵁: وإن قلَّت؟ قال: "وإن شوكة فما فوقها" فدعا أبو سعيد على نفسه أن لا يفارقه الوعك حتى يموت، وأن لا يشغله عن حج، ولا عن عمرة، ولا جهاد في سبيل اللَّه، ولا صلاة مكتوبة في جماعة فما مسَّه إنسان إلا وجد حرَّه حتى مات (٢)، ذكره أحمد.

стр. 3059

وقال أسامة ﵁: شهدت الأعراب يسألون النبيَّ ﷺ : أعلينا حَرَج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال: "عبادَ اللَّه وضع اللَّه تعالى الحرج إلا من اقترض من عِرْض أخيه شيئًا فذلك هو الحرج" فقالوا: يا رسول اللَّه هل علينا من جناح أن نتداوى؟ قال: تداووا عباد اللَّه، فإن اللَّه لم يضع داءً إلا وضع معه شفاء إلا الهرم"، قالوا: يا رسول اللَّه ما خير ما أُعطى العبد؟ قال: حسن الخلق" (١)، ذكره ابن ماجه. وسئل ﷺ عن الرُّقى، فقال: "اعرضوا عليّ رقاكم"، ثم قال: "لا بأس بما ليس فيه شرك" (٢)، ذكره مسلم. وسأله ﷺ طبيب عن ضفدع يجعلها في دواء فنهى النبي ﷺ عن قتلها (٣)، ذكره أهل "السنن". وشكا إليه ﷺ الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف ﵄

стр. 3060

القمل فأفتاهما بلبس قميص الحرير (١)، ذكره البخاري في "صحيحه". وأفتى ﷺ أن من تطبَّب، ولم يُعرف منه طب فهو ضامن (٢)، وهو يدل بمفهومه على أنه إذا كان طبيبًا وأخطأ في تطبيبه، فلا ضمانَ عليه. وشكا إليه ﷺ المشاة في طريق الحج تعبهم وضعفهم عن المشي، فقال لهم: "استعينوا بالنَّسل (٣) فإنه يقطع عنكم الأرض وتخِفُّون له" قالوا: ففعلنا فخففنا له (٤)، والنَّسل العدو مع تقارب الخطا، ذكر أبو مسعود (٥) الدمشقي هذا الحديث في مسلم وليس فيه، وإنما هو زيادة في حديث جابر ﵁ الطويل الذي رواه مسلم في صفة حج النبي ﷺ (٦) وإسناده حسن. وسألته ﷺ أسماء بنت عميس ﵂، فقالت: يا رسول اللَّه: إن ولد جعفر تُسرع إليهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: "نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" (٧)، ذكره أحمد.

стр. 3061

وعند مالك عن حميد بن قيس المكي قال: دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما: "مالي أراهما ضارِعَيْن؟ " (١)، فقالت: إنه لتسرع إليهما العين، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك فقال: "استرقوا لهما، فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين" (٢). وسئل ﷺ عن النُّشرة، فقال: "هي من عمل الشيطان" (٣)، ذكره أحمد وأبو داود.

стр. 3062

والنشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل سحر بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، فإن السحر من عمله فيتقرب إليه الناشر والمنتشر (١) بما يحب فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن: "لا يحل السحر إلا ساحر". فصل [فتاوى في الطيرة والفأل وفي الاستصلاح] وسئل ﷺ عن الطاعون، فقال: "عذابًا كان يبعثه اللَّه على مَنْ كان قبلكم فجعله اللَّه رحمة للمؤمنين، ما من عبد يكون في بلد ويكون فيه فيمكث لا يخرج صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب (٢) اللَّه له إلا كان له مثل أجر شهيد" (٣)، ذكره البخاري. وسأله ﷺ فروة بن مُسَيك ﵁ فقال: يا رسول اللَّه إنَا بأرض يُقال لها: أَبْيَن (٤)، وهي ريفنا وميرتنا وهي وبية (٥)، أو قال: وباها شديد، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعها عنك، فإن من القرف (٦) التلف (٧) ".

стр. 3063

وفيه دليل على نوع شريف من أنواع الطب، وهو استصلاح التربة والهواء، كما ينبغي استصلاح الماء، والغذاء، فإن بصلاح هذه الأربعة يكون صلاح البدن واعتداله. وقال ﷺ : "لا طِيَرة (١)، وخيرها الفأل"، قيل: يا رسول اللَّه، وما الفأل؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" (٢)، متفق عليه. وفي لفظ لهما: "لا عَدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل"، قالوا: وما الفأل؟ قال: "كلمة طيبة" (٣). ولما قال: "لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة" (٤)، قال له رجل: أرأيت البعير يكون به الجرب فتجرب الإبل؟ قال: "ذاك القدر فمن أجرب الأول؟ " (٥)، ذكره أحمد.

стр. 3064

ولا حجة في هذا لمن أنكر الأسباب، بل فيه إثبات القدر ورد الأسباب كلها إلى الفاعل الأول إذ لو كان كل سبب مستندًا إلى سبب قبله لا إلى غاية للزم التسلسل في الأسباب، وهو ممتنع فقطع النبي ﷺ التسلسل بقوله: "فمن أعدى الأول؟ " (١)، إذ لو كان الأول قد جرب بالعدوى، والذي قبله كذلك لا إلى غاية لزم التسلسل الممتنع. وسألته ﷺ امرأة، فقالت: يا رسول اللَّه دار سكنَّاها والعددُ كثير [والمال]، وافر فقلَّ العدد وذهب المال، فقال: "دعوها ذميمة" (٢)، ذكره مالك مرسلًا. وهذا موافق لقوله ﷺ : "إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة: في الفرس و [في] الدار والمرأة" (٣)، وهو إثبات لنوع خفي من الأسباب، ولا يطَّلع عليه أكثر

стр. 3065

الناس، ولا يعلم إلا بعد وقوع مسببه، فإن من الأسباب ما يعلم سببه (١) قبل وقوع مسببه وهي الأسباب الظاهرة، ومنها ما لا يعلم سببه (٤) إلا بعد وقوع مسببه وهي الأسباب الخفية، ومنه قول الناس: "فلان مشؤوم الطلعة ومدور الكعب" ونحوه فالنبي ﷺ أشار إلى هذا النوع ولم يبطله، وقوله ﷺ : "إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة" تحقيق لحصول الشؤم فيها (٢)، وليس نفيًا لحصوله من غيرها كقوله ﷺ : "إن كان في شيء تتداوون به شفاء ففي شرطة مِحْجم (٣)، أو شربة عسل أو لذعة بنار، ولا أُحبُّ الكيّ" (٤)، ذكره البخاري. وقال ﷺ : "من ردَّته الطيرة (٥) من حاجته، فقد أشرك"، قالوا: يا رسول اللَّه، وما كفارة ذلك؟ قال: "أن يقول: اللهم لا طير إلا طَيْرك، ولا خير إلا خيرك" (٦)، ذكره أحمد.

стр. 3066

فصول من فتاويه ﷺ في أبواب متفرقة [التوبة] وسأله ﷺ رجل فقال: إني أصبت ذنبًا عظيمًا فهل لي من توبة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هل لك من أم؟ " قال: لا، قال: "فهل لك من خالة؟ " قال: نعم، قال: "فبرها" (١)، ذكره الترمذي وصححه. وقال ابن عباس ﵄: كان رجلٌ من الأنصار أسْلَم، ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم ندم فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول اللَّه ﷺ هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى النبي ﷺ فقالوا: هل له من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، [آل عمران: ٨٦ - ٨٩] فأرسل إليه فأسلم (٢)، ذكره النسائي. وسئل ﷺ عن رجل أوجب فقال: "اعتقوا عنه" (٣)، ذكره أحمد وقوله: أوجب، أي: فعل ما لم يستوجب به النار. [حق الطريق] وسئل ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَتَأتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت:

стр. 3067

٢٩] , قال: "كانوا يخذفون أهل الطريق ويسخرون منهم وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه" (١)، ذكره أحمد. [الكذب] وسئل ﷺ : "أيكون المؤمن جَبَانًا؟ " قال: نعم. قالوا: أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال: نعم قالوا: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: "لا" (٢)، ذكره مالك. وسألته ﷺ امرأة فقالت: إن لي ضرَّة فهل عليَّ جُناح إن تشبَّعتُ من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال: "المتشبِّع بما (٣) لم يُعط كلابس ثوبي زور" (٤)، متفق عليه. وفي لفظ: أقول إن زوجي أعطاني ما لم يُعطني. وسأله ﷺ رجل، فقال: هل أكذب على امرأتي؟ قال ﷺ : "لا خَيَر في الكذب"، فقال: يا رسول اللَّه أعدها وأقول لها؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا جناح" (٥)، ذكره مالك.

стр. 3068

[الشرك وما يلحق به] وقال ﷺ : "اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل"، فقيل له: كيف نتقيه، وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول اللَّه؟ فقال: "قولوا اللهم إنا نعوذ بكأن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم" (١)، ذكره أحمد. وقال ﷺ : "إنَّ أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر"، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول اللَّه؟ قال: الرياء، يقول اللَّه تعالى يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً" (٢). ذكره أحمد.

стр. 3069

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3070

وسئل ﷺ عن الأخسرين أعمالًا يوم القيامة، فقال: "هم الأكثرون أموالًا إلا من قال: هكذا وهكذا [إلى] من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليلٌ ما هم" (١). ولما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شقَّ ذلك عليهم، وقالوا: يا رسول اللَّه وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (٢)، متفق عليه. وخرج عليهم [رسول اللَّه ﷺ ] (٣) وهم يتذاكرون المسيح الدجال فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم [عندي] من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلى، قال: "الشرك الخفي" [قالوا: وما الشرك؟ قال]: "أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل آخر" (٤)، ذكره ابن ماجه.

стр. 3071

[طاعة الأمراء] وسئل رسول اللَّه ﷺ عن طاعة الأمير الذي أمر أصحابه فجمعوا حطبًا فأضرموه نارًا، وأمرهم بالدخول فيها فقال ﷺ : "لو دخلوها ما خرجوا منها إنَّما الطاعة في المعروف" (١)، وفي لفظ: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (١)، وفي لفظ: "مَنْ أَمَركم منهم بمعصية اللَّه، فلا تطيعوه" (١). فهذه فتوى عامة لكل من أمره أمير بمعصية اللَّه كائنًا من كان، ولا تخصيص فيها البتة. [من سد الذرائع] ولما قال ﷺ : "إن من أكبر الكبائر شتم الرجل والديه"، [سألوه: كيف يشتم الرجل والديه؟] قال: "يسب أبا الرجل وأمه فيسب أباه وأمه" (٢)، متفق عليه. وللإمام أحمد: "إن أكبر الكبائر عقوق الوالدين" قيل: وما عقوق الوالدين؟ قال ﷺ : "يسبُّ أبا الرجل وأمه فيسب أباه وأمه" (٣). وهو صريح في اعتبار الذرائع وطلب الشرع لسدها، وقد تقدمت شواهد هذه القاعدة بما فيه كفاية. [الجوار] وقال ﷺ : "ما تقولون في الزنى؟ " قالوا: حرام. فقال: "لأن يزني الرجل

стр. 3072

بعشر نسوة أيسرُ عليه من أن يزني بامرأة جاره، ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرام، قال: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر من أن يسرق من بيت جاره" (١)، ذكره أحمد. [الغيبة] وقال ﷺ : "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهته" (٢)، ذكره مسلم. وللإمام أحمد، ومالك أن رجلًا سأل رسول اللَّه ﷺ ما الغيبة؟ فقال: "أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع" فقال: يا رسول اللَّه، وإن كان حقًا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قلت باطلًا فذلك البهتان" (٣).

стр. 3073

[الكبائر] وسئل ﷺ عن الكبائر فقال: "الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وقتل النفس التي حرم اللَّه، والفرار يوم الزحف، واليمين الغموس (١)، وقتل الإنسان ولده خشية أن يطعم معه، والزنا بحليلة جاره، والسحر، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات" (٢)، وهذا مجموع من أحاديث. فصل [تعداد الكبائر] ومن الكبائر: ترك الصلاة، ومنع الزكاة، وترك الحج مع الاستطاعة والإفطار في رمضان بغير عذر، وشرب الخمر، والسرقة، والزنى، واللواط، والحكم بخلاف الحق، وأخذ الرُّشا (٣) على الأحكام، والكذب على النبي ﷺ ،

стр. 3074

والقول على اللَّه بلا علم في أسمائه وصفاته وأحكامه، وجحود ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ واعتقاد أنَّ كلامه وكلام رسوله لا يستفاد منه يقين أصلًا، وأن ظاهر كلامه وكلام رسوله باطل وخطأ، بل كفر وتشبيه وضلال، وترك ما جاء به لمجرد قول غيره، وتقديم الخيال المسمى بالعقل والسياسة الظالمة والعقائد الباطلة والآراء الفاسدة والإدراكات (١) والكشوفات الشيطانية على ما جاء به ﷺ ، ووضع المكوس، وظلم الرعايا، والاستيثار بالفيء، والكبر، والفخر، والعجب، والخيلاء، والرياء، والسمعة، وتقديم خوف المخلوق (٢) على خوف الخالق، ومحبته على محبة الخالق، ورجائه على رجائه، وإرادة العلو في الأرض والفساد، وإن لم ينل ذلك، ومسبة الصحابة رضوان اللَّه عليهم، وقطع الطريق وإقرار الرجل الفاحشة في أهله وهو يعلم، والمشي بالنميمة، وترك التنزه من البول، وتخنث الرجل وترجل المرأة، ووصل شعر المرأة وطلبها ذلك، وطلب الوصل كبيرة وفعله كبيرة، والوشم والاستيشام، والوشر والاستيشار، والنمص والتنميص، والطعن في النسب، وبراءة الرجل من أبيه، وبراءة الأب من ابنه وإدخال المرأة على زوجها ولدًا من غيره، والنياحة، ولطم الخدود وشق الثياب وحلق المرأة شعرها عند المصيبة بالموت وغيره، وتغيير منار الأرض، وهو أعلامها، وقطيعة الرحم، والجور في الوصية، وحرمان الوارث حقه من الميراث، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، والتحليل وإستحلال المطلقة به والتحيّل على إسقاط ما أوجب اللَّه وتحليل ما حرم اللَّه، وهو استحبابه محارمه وإسقاط فرائضه بالحِيَل، وبيع الحر (٣)، وإباق المملوك من سيده، ونشوز المرأة على زوجها، وكتمان العلم عند الحاجة إلى إظهاره، وتعلم العلم للدنيا والمباهاة والجاه، والعلو على الناس، والغدر، والفجور في الخصام، وإتيان المرأة في دبرها (٤) وفي محيضها، والمن بالصدقة وغيرها من عمل الخير، وإساءة الظن باللَّه واتهامه في أحكامه

стр. 3075

الكونية والدينية والتكذيب بقضائه وقدره واستوائه على عرشه، وأنه القاهر فوق عباده، وأن رسول اللَّه ﷺ عرج به إليه، وأنه رفع المسيح ﵇ إليه، وأنه يصعد إليه الكلم الطيب، وأنه كتب كتابًا فهو عنده على عرشه، وأن رحمته تغلب غضبه، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل فيقول: من يستغفرني فأغفر له؟ وأنه كلَّم موسى تكليمًا، و [أنه] (١) تجلّى للجبل فجعله دكًا واتخذ إبراهيم خليلًا، وأنه نادى آدم وحواء ونادى موسى [على نبينا وعليه وعلى سائر أنبياء اللَّه صلوات اللَّه وسلامه وأنه تعالى ينادي عباده] (٢) يوم القيامة، وأنه خلق آدم بيديه، وأنه يقبض سماواته بإحدى يديه والأرض باليد الأخرى يوم القيامة (٣). فصل ومنها الاستماع إلى حديث قوم لا يحبون استماعه، وتخبيب المرأة على زوجها والعبد على سيده، وتصوير صور الحيوان سواء كان لها ظل أو لم يكن، وأن يُري عينيه في المنام ما لم ترياه، وأخذ الربا وإعطاؤه والشهادة عليه وكتابته، وشرب الخمر وعصرها واعتصارها وحملها وبيعها وأكل ثمنها، ولعن من لم يستحق اللعن، وإتيان الكهنة والمنجّمين والعرّافين والسحرة وتصديقهم والعمل بأقوالهم، والسجود لغير اللَّه والحلف بغير اللَّه، كما قال رسول اللَّه ﷺ : "من حلف بغير اللَّه، فقد أشرك" (٤)، وقد قصَّر ما شاء أن يقصر من قال: إن ذلك

стр. 3076

مكروه وصاحب الشرع يجعله شركًا فرتبته فوق رتبة الكبائر، واتخاذ القبور مساجد وجعلها أوثانًا وأعيادًا يسجدون لها تارة ويصلّون إليها تارة ويطوفون بها تارة ويعتقدون أن الدعاء عندها أفضل من الدعاء في بيوت اللَّه التي شرع أن يُدعى فيها ويُعبد ويُصلّى له ويُسجد. ومنها معاداة أولياء اللَّه، وإسبال الثياب من الإزار والسراويل والعمامة وغيرها، والتبختر في المشي، واتباع الهوى [وطاعة الهوى] (١)، وطاعة الشُّح والإعجاب بالنفس وإضاعة من تلزمه مؤنته ونفقته من أقاربه وزوجته ورقيقه ومماليكه. والذبح لغير اللَّه، وهجر أخيه المسلم سنة، كما في "صحيح الحاكم" من حديث أبي خِرَاش الهُذلي السُّلمي عن النبي ﷺ : "مَنْ هجَر أخاه سنة فهو كقتله" (٢) وأما هجره فوق ثلاثة أيام فيحتمل أنه من الكبائر ويحتمل أنه دونها واللَّه أعلم.

стр. 3077

ومنها الشفاعة في إسقاط حدود اللَّه، لحديث (١) ابن عمر يرفعه: "مَنْ حالت شفاعته دون حد من حدود اللَّه، فقد ضادَّ اللَّه في أمره" (٢)، رواه أحمد وغيره بإسناد جيد.

стр. 3078

ومنها تكلم الرجل بالكلمة من سخط اللَّه لا يُلقي لها بالًا. ومنها أن يدعو إلى بدعة أو ضلالة أو ترك سنة، بل هذا من أكبر الكبائر، وهو مضادة لرسول اللَّه ﷺ . ومنها ما رواه الحاكم في "صحيحه" من حديث المستورد بن شدَّاد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أكل بمُسلم أكلة أطعمه اللَّه بها أكلة من (١) نار جهنَّم يوم

стр. 3079

القيامة، ومن قام بمسلم مقام سمعة أقامه اللَّه يوم القيامة مقام رياء وسُمعة، ومن اكتسى بمسلم ثوبًا كساه اللَّه ثوبًا من نارٍ يوم القيامة" (١).

стр. 3080

ومعنى الحديث أنه توصل إلى ذلك وتوسل إليه بأذى أخيه المسلم من كذب عليه أو سخرية [به] (١) أو همزة أو لمزة أو غيبة والطعن عليه والازدراء به والشهادة عليه بالزور والنيل من عرضه عند عدوه ونحو ذلك مما كثير من الناس واقع في وسطه (٢) واللَّه المستعان. ومنها: التبجُّح والافتخار بالمعصية بين أصحابه وأشكاله، وهو الإجهار الذي لا يُعافي اللَّه صاحبه (٣)، وإن عافى من ستر نفسه (٤). ومنها: أن يكون له وجهان ولسانان فيأتي القوم بوجه ولسان ويأتي غيرهم بوجه ولسان آخر. ومنها: أن يكون فاحشًا بذيًا يتركه الناس ويحذرونه اتقاء فحشه. ومنها: مخاصمة الرجل في باطل يعلم أنه باطل ودعواه ما ليس له، وهو يعلم أنه ليس له. ومنها: أن يدَّعي أنه من آل بيت رسول اللَّه ﷺ وليس منهم أو يدَّعي أنه ابن فلان وليس بابنه، وفى "الصحيحين": "من ادّعى إلى غير أبيه فالجنّة عليه حرام" (٥)، وفيهما أيضًا: "لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كافر" (٦)، وفيهما أيضًا: "ليس من رجل ادّعى إلى غير (٧) أبيه، وهو يعلمه إلا وقد كَفَر (٨)،

стр. 3081

ومن ادّعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدو اللَّه وليس كذلك إلا حَارَ عليه" (١). فمن الكبائر تكفير من لم يكفره اللَّه ورسوله، وإذا كان النبي ﷺ قد أمر بقتال الخوارج وأخبر أنَّهم شر قتلى تحت أديم السماء، وأنهم يمرقون من الإسلام، كما يمرق السهم من الزمية (٢)، ودينهم تكفير المسلمين بالذنوب فكيف

стр. 3082

من كفرهم بالسنة ومخالفة آراء الرجال لها وتحكيمها والتحاكم إليها؟ ومنها: أن يحدث حدثًا في الإسلام أو يؤوي محدثًا وينصره ويعينه، وفي "الصحيحين": "مَنْ أحدث حَدَثًا (١) أو آوى مُحْدثًا فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين لا يقبل اللَّه منه يوم القيامة صَرْفًا، ولا عدلًا" (٢)، ومن أعظم الحدث تعطيل كتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وإحداث ما خالفهما ونصر من أحدث ذلك والذب عنه ومعاداة من دعا إلى كتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله ﷺ . ومنها: إحلال شعائر اللَّه في الحَرَم والإحرام كقتل الصيد واستحلال القتال في حرم اللَّه. ومنها: لبس الحرير والذهب للرجال واستعمال أواني الذهب والفضة للرجال. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "الطيرة شرك" (٣)، فيحتمل أن يكون من الكبائر، وأن يكون دونها.

стр. 3083

ومنها: الغلول من الغنيمة، ومنها غش الإمام والوالي لرعيته (١)، ومنها أن يتزوج ذات [رحم] (٢) محرم منه أو يقع على بهيمة. ومنها: المكر بأخيه المسلم ومخادعته ومضاررته، وقد قال النبي ﷺ : "ملعونٌ من مكر بمسلم أو ضارَّ به" (٣). ومنها: الاستهانة بالمصحف وإهدار حرمته، كما يفعله من لا يعتقد أن فيه كلام اللَّه تعالى من وطئه برجله ونحو ذلك. ومنها: أن يُضل أعمى عن الطريق، وقد لعن رسول اللَّه ﷺ من فعل ذلك (٤)، فكيف بمن أضل عن طريق اللَّه أو صراطه المستقيم؟! ومنها: أن يَسِم إنسانًا أو دابة في وجهها، وقد لعن رسول اللَّه ﷺ من فعل ذلك (٥). ومنها: أن يحمل السلاح على أخيه المسلم، فإن الملائكة تلعنه (٦). ومنها: أن يقول ما لا يفعل، قال اللَّه تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣]. ومنها: الجدال في كتاب اللَّه ودينه بغير علم. ومنها: إساءة الملكة برقيقه وفي الحديث: "لا يدخل الجنة سيء

стр. 3084

الملكة" (١). ومنها: أن يمنع المحتاج فضل ما لا يحتاج إليه مما لم تعمل يداه.

стр. 3085

ومنها: القمار، وأما اللعب بالنَّرد فهو من الكبائر لتشبيه لاعبه بمن صبغ يده في لحم الخنزير ودمه (١)، ولا سيما إذا أكل المال به، فحينئذ يتم التشبيه به، فإن اللعب بمنزلة غمس اليد، وأكل المال بمنزلة أكل لحم الخنزير. ومنها: ترك الصلاة في الجماعة، وهو من الكبائر، وقد عَزَم رسول اللَّه ﷺ على تحريق المتخلِّفين [عنها] (٢)، ولم يكن ليحرِّق مرتكب صغيرة، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: "ولقد رأيتنا، وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق معلوم النفاق" (٣)، وهذا فوق الكبيرة. ومنها: ترك الجمعة، وفي "صحيح مسلم": "لينتهينَّ أقوامٌ عن ودعِهمُ الجمعات أو ليختمنَّ اللَّه على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين" (٤). وفي "السنن" بإسناد جيد [عن النبي ﷺ قال]: "مَنْ ترك ثلاث جُمُع تهاونًا طبع اللَّه على قلبه" (٥).
следующие страницы →