← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الحُمْراني، وقَتَادة، وحفص بن سليمان، وإياس بن معاوية القاضي. وبعدهم: سَوَّار القاضي، وأبو بكر العَتَكي، وعثمان بن سليمان البَتِّيُّ (١)، وطلحة بن إياس القاضي، وعُبيد اللَّه بن الحسن العَنْبري، وأشعث بن جابر بن زيد. ثم بعد هؤلاء: عبد الوهاب بن عبد المجيد (٢) الثَّقَفي، وسعيد بن أبي عَرُوبة، وحماد بن سَلَمة، وحماد بن زيد، وعبد اللَّه بن داود [الخُرَيبي] (٣)، وإسماعيل ابن عُلَيَّة، وبِشْر بن المُفضَّل، ومُعاذ بن مُعَاذ العَنْبَري، ومَعْمَر بن راشد، والضَّحاك بن مَخْلد، ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاري. فصل [فقهاء الكوفة] وكان من المفتين بالكوفة (٤): عَلْقمة بن قَيْس النَّخَعي، والأسود بن يزيد النَخَعي -وهو عم علقمة-، وعَمرو بن شَرَحبيل الهمْدَاني (٥)، ومسروق بن الأَجْدَع الهمداني، وعَبيدة السَّلْماني، وشُرَيح بن الحارث القاضي، وسليمان بن ربيعة الباهلي، وزيد بن صُوحان، وسُوَيْد بن غَفَلة، والحارث بن قيس الجُعْفي، وعبد الرحمن بن يزيد النَّخَعي، وعبد اللَّه بن عُتْبة بن مسعود القاضي، وخَيْثَمة بن عبد الرحمن، وسَلَمة بن صُهَيب، ومالك بن عامر، وعبد اللَّه بن سَخبرة، وزِرُّ بن حُبَيش، وخِلاس بن عَمرو، وعمرو بن ميمون الأوْدِي، وهَمَّام بن الحارث، والحارث بن سُوَيد، ويزيد بن معاوية النَّخَعي، والرَّبيع بن خُثَيْم، وعتبة بن فَرْقَد،

стр. 352

وصِلَة بن زُفَر (١)، وشَرِيك بن حنبل، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وعُبيد (٢) بن نَضْلة، وهؤلاء أصحاب علي، وابن مسعود. وأكابر التابعين كانوا (٣) يُفْتُونَ [في الدين] (٤)، ويستفتيهم الناسُ، وأكابرُ الصحابة حاضرون يُجَوِّزُون لهم ذلك، وأكثرهم أخذوا عن عمر وعائشة وعلي، ولقي عمرُو (٥) بن ميمون الأوديُّ مُعَاذَ بن جبل، وصَحِبه، وأخذ عنه، وأوصاه معاذ عند موته أن يَلْحَق بابن (٦) مسعود فيصحبه ويطلب العلم عنده، ففعل ذلك (٧). ويضاف إلى هؤلاء: أبو عُبَيدة وعبد الرحمن، ابنا عبد اللَّه بن مسعود، وعبدُ الرحمن بن أبي ليلى، وأخذ عن مئة وعشرين من الصحابة، ومَيْسَرة، وزَاذَان، والضحاك. ثم بعدهم: إبراهيم النَّخَعي، وعامر الشَّعْبي، وسعيد بن جُبَير، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، وأبو بكر بن أبي موسى، ومُحارب بن دثار، والحكم بن عُتَيْبة، وجَبَلة بن سُحَيم [وصحب ابن عمر] (٨). ثم بعدهم: حَمَّاد بن أبي سليمان، ومنصور (٩) بن المُعْتَمِر، وسليمان الأعمش، ومِسْعَر بن كِدَام. ثم بعدهم: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد اللَّه بن شُبْرُمة، وسعيد بن أشوع، وشَرِيك القاضي، والقاسم بن مَعْن، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، والحسن بن صالح بن حَيّ. ثم بعدهم: حَفْص بن غِياث، ووَكيع بن الجَرَّاح، وأصحابُ أبي حنيفة، كابي يوسف القاضي، وزُفَر بن الهُذَيل، وحَمَّاد بن أبي حنيفة، [والجَرَّاح] (١٠)، والحسن بن زياد اللؤلؤي القاضي، ومحمد بن الحسن قاضي الرقَّة، وعافية

стр. 353

القاضي (١)، وأسد بن عَمرو، ونُوح بن دَرَّاج القاضي، وأصحابُ سفيان الثَّوْري، كالأشْجَعي، والمُعَافى بن عمران، وصاحبي [الحسن بن حَيّ: حُمَيْد الرُّؤاسي] (٢)، ويحيى بن آدم. فصل [فقهاء الشام] وكان من المفتين بالشام: أبو إدريس الخَوْلاني، وشُرَحبيل بن السِّمْط، وعبد اللَّه (٣) بن أبي زكريا الخُزَاعي، وقَبيصة بن ذُؤَيب الخُزَاعي، وجُنادة ابن أبي أمية (٤)، وسليمان بن حبيب الْمُحَاربي، والحارث بن عُمَيرة الزُّبَيْدي (٥)، وخالد بن مَعْدان، وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، وجُبَيْر بن نفير.

стр. 354

ثم كان بعدهم: عبدُ الرحمن بن جبير بن نفير، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حَيْوة، وكان عبد الملك بن مروان يُعَدُّ في المُفْتِين قبل أن يلي ما وَلي، وحُدَير (١) بن كُرَيْب. ثم كان بعدهم: يحيى بن حمزة القاضي، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو (٢) الأوزاعي، وإسماعيل بن أبي المُهاجِر، وسُليمان بن موسى الأموي، وسعيد بن عبد العزيز، ثم مَخْلَد بن الحسين، والوليد بن مسلم، والعباس بن مَزْيَد (٣) صاحب الأوزاعي، وشُعيب بن إسحاق صاحب أبى حنيفة، وأبو إسحاق الفَزَاري صاحب ابن المُبَارك. فصل [فقهاء مصر] في المُفْتِين من أهل مصر: يَزيد بن أبي حَبيب، وبُكَيْر بن عبد اللَّه ابن [الأشَجِّ] (٤)، وبعدهما: عمرو بن الحارث -وقال ابن وهب: لو عاش لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى غيره (٥) - والليث بن سَعْد، وعُبَيد اللَّه بن أبي جعفر (٦). وبعدهم: أصحابُ مالك [كعبد] (٧) اللَّه بن وَهْب، وعثمان بن كِنانة، وأشْهَب، وابن القاسم على غلبة تقليده لمالك إلا في الأَقلِّ، ثم أصحاب الشافعي كالمُزَني، والبُويْطي، وابن عبد الحكم، ثم غلب عليهم تقليدُ مالك وتقليد الشافعي، إلا قومًا قليلًا لهم اختيارات كمحمد بن علي بن يوسف (٨)، وأبي جعفر الطحاوي.

стр. 355

[فقهاء القيروان] وكان بالْقَيْرَوَان: سَحْنُون بن سعيد، وله كثير في الاختيارات (١)، وسعيد بن محمد الحداد. [فقهاء الأندلس] وكان بالأندلس ممن له شيء من الاختيارات (٢): يحيى بن يحيى، وعبد الملك بن حَبيب، وَبَقِيُّ بن مَخْلد، وقاسم بن محمد صاحب الوثائق، تحفظ لهم فتاوى يسيرة، وكذلك مَسْلمة بن عبد العزيز القاضي، ومُنْذِر بن سعيد. قال أبو محمد [بن حَزْم] (٣): وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي مَنْ بلغها استحقَّ الاعتدادَ به في الاختلاف (٤): مسعودُ بن سليمان، ويوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البرّ. فصل [فقهاء اليمن] وكان باليمن: مُطَرِّف بن مازن قاضي صَنْعاء، وعبد الرزّاق بن هَمَّام، وهشام بن يوسف، ومحمد بن ثور، وسِمَّاك بن الفَضْل. فصل [فقهاء بغداد] وكان بمدينة السلام (٥) [من المفتين] (٦) خلق كثير، ولما بناها المنصور أقْدَمَ إليها من الأئمة والفقهاء والمحدِّثين بشرًا كثيرًا، فكان (٧) من أعيان المفتين بها: أبو عُبَيْد القاسمُ بن سَلَّام، وكان جَبلًا نُفخ فيه الرُّوح علمًا وجَلالةً ونبلًا وأدبًا، وكان منهم أبو ثَوْر إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي، وكان قد جالس

стр. 356

الشافعي وأخذ عنه، وكان أحمد يُعَظِّمه؛ ويقول: هو في مِسْلاخ الثوري (١). [الإمام أحمد بن حنبل] وكان بها إمام أهل السنة على الإطلاق: أحمد بن حنبل، الذي ملأ الأرض علمًا وحديثًا وسنة، حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم أتباعُه إلى يوم القيامة، وكان [﵁] (٢) شديدَ الكراهة لتصنيف الكتُب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يُكتب كلامُه، ويشتد عليه جدًّا، فعلم اللَّه حُسْنَ نيته وقَصْده، فكتب من كلامه وفَتْواه أكثر (٣) من ثلاثين سفرًا، ومَنَّ [اللَّه سبحانه] (٤) علينا بأكثرها؛ فلم يَفُتْنَا منها إلا القليل، وجمع الخَلَّالُ نصوصه في "الجامع الكبير" (٥) فبلغ [نحو] (٦) عشرين سِفْرًا أو أكثر، ورُويت فتاويه ومسائله وحُدِّثَ بها قرنًا بعد قرن، فصارت إمامًا وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلِّدين لغيره لَيُعَظِّمونَ نصوصَه وفتاواه، ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة، ومن تأَمَّلَ فتواه (٧) وفتاوى الصحابة رأى مُطابقة كل منهما للأخرى (٨)، ورأى الجميع كأنها تخرج من مِشْكاة واحدة (٩)، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تَحَرِّيه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أعظم، حتى إنه لَيُقَدِّمُ فتاواهم على الحديث المرسل. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في "مسائله": قلت لأبي عبد اللَّه: حديثٌ عن رسول اللَّه ﷺ مُرْسَل برجال ثبت أحَبُّ إليك، أو حديث عن

стр. 357

الصحابة والتابعين (١) متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبد اللَّه [﵀]: عن الصحابة أعْجَبُ إليّ (٢). [أصول فتاوى أحمد بن حنبل] وكانت (٣) فتاويه مبنية على خمسة أصول (٤): أحدها: النصوص، فإذا وُجد النَّص أفتى بموجَبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا مَنْ خالفه -كائنًا من كان-، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المَبْتُوتة (٥) لحديث فاطمة بنت قَيْس (٦).

стр. 358

ولا إلى خلافه في التَّيمم للجُنُب (١) لحديث عمار بن ياسر (٢)، ولا [إلى] (٣) خلافه في استدامة المحرِم الطيبَ الذي تطيب به قبل إحرامه (٤) لصحة حديث عائشة في ذلك (٥)، ولا [إلى] (٣) خلافه في منع المفرد والقارن من الفَسْخ إلى التمتع (٦) لصحة أحاديث الفسخ (٧)، وكذلك لم يلتفت إلى قول عثمان، وعلي،

стр. 359

وطلحة، وأبي أيوب، وأبيّ بن كعب في ترك الغُسْل من الإكسال (١)؛ لصحة حديث عائشة أنها فَعَلَتْه هي ورسول اللَّه ﷺ فاغتسلا (٢)، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس (وإحدى الروايتين عن علي) أن عِدَّةَ المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين (٣) لصحة حديث سُبَيْعة الأَسْلَميَّة (٤)، ولم يلتفت إلى قول مُعَاذ ومعاوية في توريث

стр. 360

المسلم من الكافر (١) لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما (٢)، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصَّرْف (٣) لصحة الحديث بخلافه (٤) ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحُمُرِ كذلك (٥)، وهذا كثير جدًّا. [ما أنكره الإمام أحمد من دعوى الإجماع] ولم يكن يُقَدِّمُ على الحديث الصحيح عملًا ولا [قولًا ولا] (٦) رأيًا ولا قياسًا، ولا قولَ صاحب، ولا عدمَ علمه بالمخالف الذي يُسمّيه كثير من الناس (٧) إجماعًا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كَذَّبَ أحمدُ من ادَّعى هذا الإجماع، ولم يُسِغْ (٨) تقديمَه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي [-أيضًا-] (٩) نصَّ في "رسالته الجديدة" على أن ما لا يُعْلَم فيه خلاف (١٠) لا يُقال له إجماع، ولفظُه: ما لا يُعلم فيه خلاف فليس إجماعًا (١١). وقال عبد اللَّه بن أحمد [بن حنبل] (٩): سمعت أبي

стр. 361

يقول: ما يَدَّعي فيه الرجلُ الإجماعَ فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يُدْرِيه، ولم يَنْتَه إليه؟ فليقل: لا نعلم (١) الناسَ اختلفوا، هذه دعوى بِشْر المِرِّيسيّ والأَصَم، ولكن (٢) يقول: لا نعلم (١) الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك، هذا لفظه (٣). ونصوصُ رسول اللَّه ﷺ أجَل عند الإمام أحمد -وسائِرِ أئمة الحديث- من أن يُقَدِّموا عليها ما توهِّمَ إجماعًا (٤) مضمونه عدم العلم بالمخالف، [ولو ساغ لتعطَّلت النصوصُ، وساغ لكل مَنْ لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يُقَدِّمَ جهله بالمخالف على النصوص] (٥)؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دَعْوى الإجماع، لا ما يظنه بعضُ الناس أنه استبعاد لوجوده. فصل [الأصل الثاني لأحمد: فتاوى الصحابة] الأصل الثاني من أصول (٦) فتاوى الإمام أحمد: ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يُعْرَف له مخالف منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها، ولم يَقُل: إن ذلك إجماع، بل من وَرَعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئًا يَدْفَعه، أو نحو هذا، كما قال (٧) في رواية أبي طالب لا أعلم شيئًا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحَدَ عشر (٨) من التابعين عطاء ومجاهد وأهل المدينة على قبول شهادة العبد (٩) وهكذا قال أنس بن مالك: لا أعلم أحدًا ردَّ شهادة العبد (١٠)، حكاه عنه الإمام أحمد (١١)، وإذا وجد

стр. 362

[الإمام] (١) أحمد هذا النوع عن الصحابة لم يقدم عليه عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا. فصل [الثالث: الاختيار من فتاوى الصحابة إذا اختلفوا] الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ما كان أقربَهَا إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين (٢) له مُوَافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في "مسائله": قيل لأبي عبد اللَّه: يكون الرجلُ في [قرية] (٣) فيُسأل عن الشيء فيه اختلاف، قال: يُفْتي بما وافَقَ الكتابَ والسنة (٤)، وما لم يُوافق الكتاب والسنة: أَمْسَك عنه، قيل له: أفتخاف عليه؟ (٥) [قال] (٦): لا (٧). فصل [الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف] الأصل الرابع: الأخذ بالمرسَل والحديثِ الضَّعيف، إذا لم يكن في الباب شيء [يدفعه] (٨)، وهو الذي رجَّحَه على القياس، وليس المرادُ بالضعيف عنده الباطلَ، ولا المنكَرَ، ولا ما في رواته (٩) مُتَّهم؛ بحيث لا يَسُوغ الذهابُ إليه والعمل به (١٠)، بل الحديث الضعيف عنده قَسِيم الصحيح (١١) وقسم من أقسام

стр. 363

الحَسَن (١) ولم يكن يُقَسِّم الحديث إلى: صحيح وحسن وضعيف، بل إلى: صحيح وضعيف، والضعيف (٢) عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب (٣) أثرًا (٤) يدفعه، ولا قولَ صاحب، ولا إجماع على خلافه؛ كان العمل به عنده أولى (٥) من القياس. وليس أحَدٌ من الأئمة [الأربعة] إلا وهو موافِقُه (٦) على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا و [قد] (٧) قَدَّم الحديثَ الضعيف على القياس. [تقديم أبي حنيفة الحديث الضَّعيف على القياس] فقدم أبو حنيفة حديثَ القهْقَهَة في الصلاة (٨) على مَحْض القياس، وأجمع أهل الحديث على ضَعْفِه (٩)، وقدم حديثَ الوضوء بنبيذ التمر (١٠) على القياس، وأكثر أهل الحديث يُضَعِّفه (١١)، وقدَّم حديثَ: "أكْثَرُ الحيضِ عَشَرَةُ أيامٍ" (١٢)

стр. 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 365

-وهو ضعيف باتفاقهم- على محض القياس؛ فإن [الدم] (١) الذي تراه في اليوم الحادي عشر (٢) مُسَاوٍ في الحدِّ والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر (٣)، وقَدَّم حديثَ: "لا مهر أقلّ من عشرة دراهم" (٤) -وأجمعوا على ضعفه بل بطلانه- على مَحْض القياس، فإن بَذْلَ الصداق مُعَاوضة في مقابل (٥) بذل البُضْع، فما تراضَيَا عليه جاز قليلًا كان أو كثيرًا (٦). [تقديم الشافعي الضعيف على القياس] وقَدَّم الشافعي خبر تحريم صَيْد وَجٍّ (٧) مع ضعفه على القياس، وقدم خبر

стр. 366

جواز الصلاة بمكة في وقت النهي (١) مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد، وقَدَّم في أحد قَوْليه حديث: "مَنْ قاءَ أو رُعِفَ فليتوضأ ولْيَبْنِ على صلاته" (٢) على القياس مع ضعف الخبر (٣) وإرساله. [تقديم مالك المرسل، والمنقطع، والبلاغات] وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسَلَ، والمنقطع، والبَلاغات، وقولَ الصحابي على القياس. [الأصل الخامس عند أحمد: القياس للضرورة] فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نصّ، ولا قول الصحابة، أو أحد (٤) منهم، ولا أثر مرسل، أو ضعيف: عَدَل إلى الأصل الخامس -وهو القياس- فاستعمله للضرورة، وقد قال في "كتاب الخلَّال": سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنما يُصَار إليه عند الضرورة (٥)، أو ما هذا معناه.

стр. 367

[وقال في "رواية أبي الحارث": ما تصنع بالرأي والقياس، وفي الحديث ما يغنيك عنه؟ وقال في "رواية عبد الملك المَيْموني": يَجْتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المُجْمَل والقياس] (١). فهذه الأصول الخمسة من (٢) أصول فتاويه، وعليها مَدَارها، وقد يتوقف في الفتوى؛ لتعارض الأدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين. وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء في المسألة التي ليس فيها (٣) أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام (٤). وكان يُسَوِّغُ استفتاء فقهاء [أصحاب] (٥) الحديث وأصحاب مالك، وَيدُلُّ عليهم، ويمنع من استفتاء مَنْ يُعْرِض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه، ولا يسوِّع العمل بفتواه (٦). قإل ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن الذي جاء في الحديث: "أجْرَؤكم على الفُتْيا أجرؤكم على النار" (٧)، قال أبو عبد اللَّه [﵀] (٨): يُفتي بما لم يسمع (٩). قال: وسألته عَمَّن أفتى بفتْيا [يعيى] (١٠) فيها؛ قال: فإثمها على من

стр. 368

أفتاها، [قلت] (١): على أيِّ وجه يُفتي حتى [يعلم (ما)] (٢) فيها؟ قال: يفتي بالبحث، لا يدري أيش أصلها (٣). وقال أبو داود في "مسائله": ما أحْصِي ما سمعت أحمد سُئِل عن كثير (٤) مما فيه الاختلاف [في] العلم فيقول: لا أدري (٥). قال: وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عُيَيْنة في [الفتوى] (٦) أحسن فُتْيا منه، كان أهون عليه أن يقول: [لا أدري] (٧). وقال عبد اللَّه بن أحمد في "مسائله": سمعت أبي يقول: قال (٨) عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجل من أهل الغرب (٩) مالك بن أنس عن مسألة، فقال: لا أدري، فقال: يا أبا عبد اللَّه تقول لا أدري؟! [قال: نعم، فابلغ مَنْ وراءك أني لا أدري (١٠). وقال عبد اللَّه: كنت أسمع أبي كثيرًا يسأل عن المسائل؛ فيقول: لا أدري] (١١)

стр. 369

[ويقف] (١) إذا كانت المسألة (٢) فيها اختلاف، [وكثيرًا ما] (٣) كان يقول: سَلْ غيري، فإن قيل [له] (٤): مَنْ نسأل؟ قال: سَلوا العلماء (٥)، ولا يكاد يُسمّي رجلًا بعينه (٦). قال: وسمعت أبي يقول: كان ابن عُيَيْنة لا يفتي في الطلاق، ويقول: مَنْ يُحْسِن هذا؟! (٧). فصل [كراهة السلف التسرع في الفتوى] وكان السَّلَف من الصحابة والتابعين يكرهون التَّسرُّعَ في الفَتْوَى، ويود كل واحد منهم أن (٨) يكفيه إياها غيرُه؛ فإذا رأى أنها قد تعيَّنت عليه بَذَلَ اجتهادَهُ في معرفة حكمها من الكتاب والسنة، أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى. وقال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا (٩) سفيانُ، عن عطاء بن السَّائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، أُراه قال: في المسجد، فما [كان] منهم مُحَدِّثٌ إلا وَدَّ أنَّ أخاه كَفَاه الحديث، ولا مُفْتٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا (١٠). وقال الإمام [أحمد] (١١): حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن

стр. 370

عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ قال: أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول اللَّه ﷺ -ما منهم رجل يُسْأل عن شيء إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه، ولا يحدِّثُ حديثًا إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه (١). [فتوى الطلاق ثلاث] وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، أن بُكير [بن] (٢) الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش، أنه كان جالسًا عند عبد اللَّه بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير؛ فقال: إن رجلًا من أهل البادية طَلَّقَ امرأته ثلاثًا فماذا تَرَيَانِ؟ فقال عبد اللَّه بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد اللَّه بن عباس، وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي ﷺ ، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهبتُ، فسألتهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفْتِهِ [يا أبا هريرة] (٣) فقد جاءتكَ مُعْضِلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تُبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره (٤). [عود إلى كراهية السلف التَّسرُّع في الفتيا] وقال مالك، عن يحيى بن سعيد؛ قال: قال ابن عباس: إن كلَّ من أفتى الناسَ في كل ما يسألونه [عنه] (٥) لمجنون (٦). قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود

стр. 371

مثل ذلك، رواه ابن وضاح، عن يوسف بن عَدي، عن عَبْد (١) بن حميد، عن الأعمش، عن شَقيق، عن عبد اللَّه، ورواه حَبيب بن [أبي] (٢) ثابت [عن الأعمش] (٣)، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه (٤). وقال (٥) سحنون بن سعيد: أجْسَرُ الناس على الفتيا أقَلُّهم علمًا، يكون عند الرجل البابُ الواحد من العلم يظن أن الحق [كله] (٦) فيه. [الجرأة على الفتوى] قلت: الجرأة على الفُتيا تكون من قلة العلم ومن غَزَارته وسَعَته، فإذا قلَّ علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتَّسَعت فُتْياه، ولهذا كان ابن عباس من أوْسَع الصحابة فتيا، وقد تقدم أن فتاواه (٧) جُمِعَتْ [في] (٨)

стр. 372

عشرين سِفْرًا، وكان سعيد بن المسيب أيضًا واسعَ الفتيا، وكانوا يسمونه [الجريء] (١)، كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سُليمان المُرادي، عن أبي إسحاق؛ قال: كنت أرى الرجلَ في ذلك الزمان وإنه لَيَدْخُل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس حتى يُدْفَع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية (٢) الفتيا، قال: وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب الجريء (٣). وقال (٤) سحنون: إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية اْقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أعْجَلَ بالجواب [قبل الخبر] (٥)، فَلِمَ أُلام على حبس الجواب؟ (٦). [من يجوز له الفتيا] وقال ابن وهب: حدثنا أَشْهَل (٧) بن حاتم، عن عبد اللَّه بن عَوْن، عن ابن سِيرين، قال: قال حذيفة: إنما يُفْتي الناسَ أحدُ ثلاثة: من يَعلم ما نُسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بدًا، أو أحمق متكلف، قال: فربما قال ابن سيرين: فلست بواحدٍ من هذين، ولا أُحبُّ أن أكون الثالث (٨).

стр. 373

[المراد بالناسخ والمنسوخ عند السلف والخلف] قلت (١): ومراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة -وهو اصطلاح المتأخرين-، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما: بتخصيص، أو تقييد، أو حَمْل مُطْلق على مُقَيد (٢)، وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم ليسمون الاستثناء (٣)، والشرط والصفة نسخًا، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومَنْ تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه (٤) ما لا يُحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها [حملُ كلامهم على الا] صطلاح الحادث المتأخر (٥). وقال هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين؛ [قال] (٦): قال حذيفة: إنما يفتي [الناس أحدُ ثلاثة: رجل يعلم ناسخ] (٧) القرآن ومنسوخه، وأمير لا يجد بدًا، وأحمق متكلف، قال ابن سيرين: ([فأنا] (٨) لست أحد هذين، وأرجو أن لا أكون أحمق متكلفًا) (٩). [عود إلى كراهية الأئمة للفتيا] وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب "جامع فضل العلم": حدثنا خَلَف بن القاسم: ثنا يحيى بن الربيع: ثنا محمد بن حماد المصيصي: ثنا إبراهيم بن واقد: ثنا المطلب بن زياد؛ قال: حدثني جعفر بن حسين إمامنا؛ قال: رأيت أبا حنيفة في النوم، فقلت: ما فعل اللَّه بك يا أبا حنيفة؟ قال: غَفَر لي، فقلت له:

стр. 374

بالعلم؟ فقال: ما أضَرَّ الفتيا على أهلها! فقلت: فبم؟ قال: بقول الناس فيَّ ما لم يعلم اللَّه [أنه] مِنِّي (١). قال أبو عمر: وقال سحنون يومًا: إنا للَّه، ما أشقى المفتي والحاكم! ثم قال: ها أنذا يُتعلم مني ما تُضْرَب به الرقاب، وتُوَطأ به الفروج وتُؤخذ (٢) به الحقوق، أما كنت عن هذا غنيًا (٣)؟. قال أبو عمر: وقال أبو عثمان الحَدَّاد: القاضي أيْسَرُ مأْثمًا وأقرب إلى السلامة من الفقيه -يريد المفتي-؛ لأن الفقيه مِنْ شأنِهِ إصدار ما يَرد عليه من ساعته بما حَضَرَهُ من القول، والقاضي شأنه الأناة والتثبت، ومن تأنّى وتثبت تهيَّأَ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديهة (٤). انتهى. وقال غيره: المفتي أقربُ إلى السلامة من القاضي؛ لأنه لا يلزم بفتواه، وإنما يخبر بها من استفتاه، فإن شاء قَبل قوله، وإن شاء تركه؛ وأما القاضي فإنه يلزم بقوله، فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم، ويتميز القاضي بالإلزام (٥)، والقضاء؛ فهو من هذا الوجه خَطرُه أشَدُّ. [خطر تولي القضاء] ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيرُه في المفتي كما رواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة [﵂]، أنها ذكر عندها القُضَاة فقالت: سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "يُؤتَى بالقاضي العَدْلِ يوم القيامة فَيَلْقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يَقْضِ بين اثنين في تمرة قط" (٦).

стр. 375

وروى الشعبي، عن مسروق، عن عبد اللَّه يرفعه: "ما مِنْ حاكم يحكم بين الناس إلا وُكِّلَ به مَلك آخذ بقَفَاه حتى يقف به على شَفير جهنم، فيرفع رأسه إلى اللَّه، فإن أمره أن يَقْذِف قَذَفه في مَهْوى أربعين خريفًا" (١). وفي "السنن" من حديث ابن بُرَيْدة، عن أبيه؛ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة؛ رجلٌ عَرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى بين الناس بالجهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار فهو في النار" (٢).

стр. 376

وقال عمر بن الخطاب [﵁] (١): ويل لدَيَّان مَنْ [في] (٢) الأرض من ديان من في السماء، يوم يلقونه، إلا مَنْ أمر بالعدل، وقضى بالحق، ولم يقض على هوى، ولا على قرابة، ولا على رَغَب ولا رَهَب، وجعل كتاب اللَّه مرآة [بين] (٣) عينيه (٤) وفي "سنن أبي داود" من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "مَنْ طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عَدْلُه جورَه فله الجنة، ومن غلب جَوْرُه عدله فله النار" (٥)

стр. 377

وفي "سنن البيهقي" من حديث ابن جُرَيْج (١)، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال رسول اللَّه ﷺ : "اللَّه مع القاضي ما لم يَجُرْ، فإذا جار برئ [اللَّه منه ولزمه الشيطان" (٢)

стр. 378

وفيه من حديث] (١) حُسَين المُعلِّم، عن الشَّيْباني، عن [ابن] (٢) أبي أوفى قال: قال رسو [ل اللَّه ﷺ : "إن اللَّه مع القاضي] (١) ما لم يجر، فإذا جار وكَلَه إلى نفسه" (٣). وفي "السنن الأربعة" من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "مَنْ قعد قاضيًا بين المسلمين فقد ذَبَحَ [نفسَه] بغير سكين" (٤). وفي "سنن البيهقي" من حديث أبي حازم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ،

стр. 379

قال: "وَيْلٌ للأمراء، وويل للعُرَفَاء، وويْلٌ للأمناء، ليتمنَّيَن (١) أقوامٌ يوم القيامة أن نواصيهم كانت معلقةً بالثريا، يتجلجلون بين السماء والأرض، وأنَّهم لم يَلُوا عملًا" (٢). [الوعيد على الإفتاء] وأما المفتي: ففي "سنن أبي داود" من حديث مسلم بن يَسَار، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قال عليّ ما لم أقل، فَلْيَتَبوَّأ بيتًا في جهنم، ومن أفتي بغير علم كان إثمُهُ على مَنْ أفتاه، ومن أشار على أخيه بامر يعلم الرُّشدَ في غَيْره فقد خانه" (٣) فكل خطر على المفتي فهو على القاضي، وعليه مِنْ زيادة الخطر ما يختص به، ولكن خطر المفتي أعظم من جهة أخرى؛ فإن فَتْوَاه شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره.

стр. 380

وأما الحاكم فحكمه جزئي (١) خاص، لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله؛ فالمفتي يفتي حكمًا عامًا كليًا أنَّ: مَنْ فَعَلَ كذا [ترتب عليه كذا] (٢)، ومن قال كذا لزمه كذا، والقاضي يقضي قضاء معينًا على شخص معين، فقضاؤه خاص مُلْزِم، وفتوى العالم عامة غير ملزِمة، وكلاهما (٣) أجْرُهُ عَظيم، وخَطَرُه كبير. فصل [المحرمات على مراتب أربع، وأشدها: القول على اللَّه بغير علم] وقد حرم اللَّه -سبحانه- القول عليه بلا علم (٤) في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات (٥)، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] (٦) وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فرتَّبَ المحرماتِ أربعَ مراتبَ، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشد تحريمًا وهو (٧) الإثم والظلم، ثم ثلَّثَ بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك به (٨) سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشد تحريمًا من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعمُّ القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه وشرعه. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. فتقدم عليهم (٩) سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما

стр. 381

لم يحرمه: هذا حرام، ولما لم يحله: هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال وهذا حرام؛ إلا لما (١) علم أنَّ اللَّه سبحانه أحَلّه أو حرمه (٢). وقال بعض السلف (٣): ليتَّقِ أحَدُكم أن يقول: أحل اللَّه كذا (٤)، وحرم كذا، فيقول اللَّه [له] (٥): كذبت، لم أحل كذا، ولم أحرم كذا؛ فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلمُ ورودَ الوحي المبين بتحليله وتحريمه (٦): أحَلّه اللَّه، وحرَّمه اللَّه، [لمجرد التقليد أو بالتأويل] (٧). [النهي عن أن يقال: هذا حكم اللَّه] وقد نهى النبي ﷺ في الحديث الصحيح أميرَهُ بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم اللَّه، وقال: "فإنَّكَ لا تَدْري أتصيبُ حكم اللَّه فيهم أم لا، ولكن أنْزِلْهُمْ على حكمك وحكم أصحابك" (٨). فتأمل كيف فرَّق بين حكم اللَّه وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يُسمَّى حكم المجتهدين: حكم اللَّه. ومن هذا: لما كتب الكاتبُ بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب [﵁]، حكمًا حكم به؛ فقال: هذا ما أرى اللَّه أميرَ المؤمنين عمر، فقال: لا تقل هكذا، ولكن قُلْ: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (٩).

стр. 382

وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سَلَفِنا، ولا أدركت أحدًا أقْتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، ما كانوا (١) يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا، ونرى هذا حسنًا؛ ونتقي هذا (٢)، ولا نرى هذا (٣). ورواه عنه عتيق بن يعقوب، وزاد: ولا يقولون: حلال ولا حرام، أما سمعت قول اللَّه [-تعالى- ﴿قُلْ] أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، الحلالُ، ما أحلّه اللَّه ورسوله، والحرام ما حرمه اللَّه ورسوله (٤). [لفظ الكراهة يطلق على المحرم ودليله، وغلط المتأخرين في ذلك وسببه] قلت: وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورَّع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فَنَفَى المتأخرون التحريمَ عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سَهُل عليهم لفظ (٥) الكراهة وخَفّتْ مؤنته عليهم؛ فحمَله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير [جدًّا] (٦) في تصرفاتهم؛ فحصل بسببه (٧) غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة (٨)، و [قد] (٩) قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا أقول هو حرام، ومذهبه تحريمه، وإنما تورَّع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان (١٠).

стр. 383

وقال أبو القاسم [عمر بن الحسين] الخِرَقي (١) فيما نقله عن أبي عبد اللَّه: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة (٢). ومذهبه أنه لا يجوز، وقال في رواية أبي داود: ويستحب أن لا يدخل الحمام إلا بمئزر (٣). وهذا استحبابُ وجوبٍ، وقال في رواية إسحاق بن منصور: إذا كان أكثر مال الرجل حرامًا فلا يعجبني أن يؤكل ماله (٤)، وهذا على سبيل التحريم. وقال في رواية ابنه عبد اللَّه: لا يعجبني أكلُ ما ذُبح للزهرة ولا الكواكب (٥) ولا الكنيسة، وكل شيء ذبِح لغير اللَّه، قال اللَّه [ ]: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٦) [المائدة: ٣]. فتأمَّل كيف قال: "لا يعجبني" فيما نَصَّ اللَّه [-سبحانه-] (٧) على تحريمه، واحتج [هو] (٨) أيضًا بتحريم اللَّه له في كتابه، وقال في رواية الأثرم: أكره لحومَ الجلَّالة وألبانَها (٩)، وقد صَرَّح بالتحريم في رواية حَنْبل وغيره، وقال في رواية ابنه عبد اللَّه: أكره [(أكل) لحمِ] الحيَّةِ والعقرب؛ لأن الحية لها ناب والعقرب له حُمة (١٠)، ولا يختلف مذهبه في تحريمه، وقال في رواية حَرْب: إذا صاد الكلبُ من غير أن

стр. 384

يُرْسَل فلا يعجبني؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وسَمَّيْتَ" (١) فقد أطلق لفظة: "لا يعجبني" على ما هو حرام عنده، وقال في رواية جعفر بن محمد النَّسائي: لا يعجبني المُكْحُلة والمِرْوَد (٢)، يعني من الفضة، وقد صرح بالتحريم في عدة مواضع، وهو مذهبه بلا خلاف؛ وقال جعفر بن محمد -أيضًا-: سمعت أبا عبد اللَّه سُئل عن رجل قال لامرأته: كل امرأة أتزوجها أو جاريةٍ أشتريها للوَطْء وأنت حية؛ فالجارية حرة والمرأة طالق، قال: إن تزوَّجَ لم آمُرْهُ أن يفارقها، والعتقُ أخشى أن يلزمه؛ لأنه مخالف للطلاق، قيل له: يَهَبُ له رجل جارية، قال: هذا طريق الحيل (٣)، وكرهه، مع أن مذهبه تحريم الحِيَلِ وأنها لا تخلِّصُ من الأيمان، ونص على كراهة البطة (٤) من جلود الحمر، وقال: [لا] (٥) تكون ذَكِية، ولا يختلف مذهبه في التحريم، وسئل عن شعر الخنزير، فقال: لا يعجبني، وهذا على التحريم (٦)، وقال: يكره القِدُّ (٧) من جلود الحمير (٨)، ذَكِيًّا وغير ذكي؛ [و] (٩) لا يكون ذكيًا، وأكرهه لمن يعمل وللمستعمل؛ وسئل عن رجل

стр. 385

حلف لا ينتفع بكذا، فباعه و (١) اشترى به غيره، فكره ذلك، وهذا عنده لا يجوز وسئل عن ألبان الأُتُنِ (٢) فكرهه وهو حَرَام عنده، وسئل عن الخمر تتخذ (٣) خلًا، فقال: لا يعجبني، وهذا على التحريم [عنده] (٤)؛ وسئل عن بَيْع الماء، فكرهه، وهذا في أجوبته أكثر من أن يُسْتَقْصَى، وكذا (٥) غيره من الأئمة. [إطلاق المكروه على الحرام عند الحنفية] وقد نص محمد بن الحسن (٦) [على] (٧) أن كل مكروه فهو حرام، إلا أنه لما لم يجد فيه نصًّا قاطعًا لم يطلق عليه لفظ الحرام (٨)؛ وروى محمد أيضًا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقْرَبُ؛ وقد قال في "الجامع الكبير" (٩): يكره الشرابُ في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، ومراده التحريم؛ وكذلك قال أبو يوسف ومحمد: يكره النومُ على فرش الحرير والتوسُّدُ على وَسَائده (١٠)، ومرادهما التحريم؛ وقال أبو حنيفة وصاحباه: يكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهبَ والحرير، وقد صَرَّح الأصحابُ أنه حرام، وقالوا: إن التحريم لما ثَبَتَ في

стр. 386

حق الذكور، وتحريمُ اللبس يحرم الإلْبَاسَ، كالخمر لما حَرُم شربُهَا حرم سَقْيُها، وكذلك قالوا: يكره (١) مِنْدِيلُ الحرير الذي يُتَمَخطُ فيه ويتمسح من الوضوء، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره بيعُ العَذَرَة، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره الاحتكار في أقوات (٢) الآدميين والبهائم إذا أضَرَّ بهم وضيَّق عليهم، ومرادهم التحريم (٣)؛ وقالوا: يكره بيع السِّلاح في أيام الفتنة، ومرادهم التحريم؛ وقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة، ومراده (٤) التحريم عنده؛ وقالوا (٥): ويكره اللَّعِبُ بالشِّطْرَنْج، وهو حرام عندهم (٦)؛ قالوا: ويكره أن يَجْعَل الرجلُ في عنق عبده أو غيره طَوْقَ الحديدِ الذي يمنعه من التحرك، وهو الغُلُّ، وهو حرام؛ وهذا كثير في كلامهم جدًّا. [حكم المكروه عند المالكية] وأما أصحاب مالك فالمكروه عندهم مَرْتبَةٌ بين الحرام والمُبَاح، ولا يطلقون عليه اسم الجَوَازِ، ويقولون: إن أكل كل ذي نابٍ من السباع مكروه غير مباح؛ وقد قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا، وهو حرام (٧)؛ فمنها أن مالكًا نص على كراهة الشّطْرَنْج، وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضُهم على الكراهة التي هي دون التحريم. [رأي الشافعي في اللعب بالشِّطْرَنْج وتحريمه] و [كذلك] (٨) قال الشافعي في اللعب بالشطرنج: هو (٩) لَهْوٌ شبه الباطل، أكرهه، ولا يتبين لي تحريمُه (١٠)؛ فقد نصَّ على كراهته، وتوقَّف في تحريمه؛ فلا

стр. 387

يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائز وأنه مباح، فإنه لم يقل هذا ولا ما يدل عليه؛ والحق أن يقال: إنه كرهها، وتوقف في تحريمها، فأين هذا [من] (١) أن يُقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحتها (٢)؟. [حكم تزوج الرجل ابنته من الزنا عند الشافعي] ومن هذا أيضًا أنه نصَّ على كراهة تَزَوَّج الرجل ابنتَه [المخلوقة] (٣) من ماء الزنا، ولم يقل قَطُّ إنه مباح ولا جائز (٤)، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه

стр. 388

الذي أحَلَّه (١) اللَّه به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظ الكراهة؛ لأن الحرام يكرهه اللَّه ورسوله (٢)؛ وقد قال تعالى عقب (٣) ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: [﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ إلى قوله:] (٤) ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ (٥) [إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى آخر الآيات؛ ثم قال]: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٣٨]، وفي "الصحيح": "إن اللَّه [ ] (٤) كَرِهَ لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (٦). [استعمال السلف والخلف للفظ الكراهة] والسَّلَفُ (٧) كانوا يستعملون الكراهَةَ في معناها الذي استعملت فيه في كلام اللَّه ورسوله، ولكِنِ المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم، وتركُهُ أرْجَحُ من فعله، ثم حمل من حمل [منهم] (٨) كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغَلِطَ في ذلك، وأقْبَحُ غَلطًا منه مَنْ حمل لفظ الكراهة أو لفظ "لا ينبغي" في كلام اللَّه ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث.

стр. 389

[إطراد استعمال لا يَنبغي في المحظور شرعًا] وقد اطَّرد في كلام اللَّه ورسوله استعمالُ "لا ينبغي" في المَحْظُور شرعًا أو قدرًا، وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ [وَمَا يَسْتَطِيعُونَ]﴾ (١) [الشعراء: ٢١١] وقوله على لسان نبيه: "كذَّبَنِي ابنُ آدَمَ وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم وما ينبغي له" (٢). وقوله ﷺ : "إن اللَّه لا يَنَامُ ولا ينبغي له أن ينام" (٣) وقوله ﷺ في لباس الحرير: "لا ينبغي هذا للمتقين" (٤) وأمثال ذلك (٥). [ما يقوله المفتي فيما اجتهد فيه] والمقصود أن اللَّه [سبحانه] (١) حَرَّمَ القول عليه بلا علم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، والمفتي يخبر عن اللَّه [ ] (١) وعن دِينه، فإن لم يكن خبره مطابقًا لما شَرَعَه (٦) كان قائلًا عليه بلا علم، ولكن إذا اجتهدَ واستفرغ وُسْعَه في معرفة الحق وأخطأ لم يلحقه الوعيد، وعفى له [عن ما] (٧) أخطأ به، وأثيب على اجتهاده، ولكن لا يجوز أن يقول لما أداه إليه اجتهاده، ولم يظفر فيه بنص عن اللَّه ورسوله (٨): إن اللَّه حرم كذا، وأوجب كذا، وأباح كذا، أو (٩) إن هذا هو حكم اللَّه؛ قال ابن وَضَّاح: ثنا يوسف بن عَديّ، ثنا

стр. 390

عَبيدة بن حُميد، عن عطاء بن السائب قال: [قال] (١) الربيع بن خُثَيْم: إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن اللَّه حرم هذا أو نَهى عنه، فيقول اللَّه: كذبت [عليَّ] (٢) لم أحرمه ولم أنْهَ عنه، أو يقول: إن اللَّه أحَلَّ هذا أو أمَرَ به، فيقول اللَّه: كذبت [عليَّ] (٢) لم أُحلّه ولم آمُرْ به (٣). قال أبو عمر: وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل به فيُسْأل عنه فيجتهد فيه رأيَهُ: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (٤) [الجاثية: ٣٢]. فصول (٥) في كلام الأئمة في أدَوَات الفُتْيا (٦)، وشروطها ومَنْ ينبغي له أن يفتي وأنْ يَسَع قول المفتي: "لا أدري"؟ (٧) [أدوات الفتيا] قال الإمام أحمد، في رواية ابنه صالح عنه: ينبغي للرجل إذا حَمَل نفسَه على الفُتْيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالمًا
следующие страницы →