← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

حق الذكور، وتحريمُ اللبس يحرم الإلْبَاسَ، كالخمر لما حَرُم شربُهَا حرم سَقْيُها، وكذلك قالوا: يكره (١) مِنْدِيلُ الحرير الذي يُتَمَخطُ فيه ويتمسح من الوضوء، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره بيعُ العَذَرَة، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره الاحتكار في أقوات (٢) الآدميين والبهائم إذا أضَرَّ بهم وضيَّق عليهم، ومرادهم التحريم (٣)؛ وقالوا: يكره بيع السِّلاح في أيام الفتنة، ومرادهم التحريم؛ وقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة، ومراده (٤) التحريم عنده؛ وقالوا (٥): ويكره اللَّعِبُ بالشِّطْرَنْج، وهو حرام عندهم (٦)؛ قالوا: ويكره أن يَجْعَل الرجلُ في عنق عبده أو غيره طَوْقَ الحديدِ الذي يمنعه من التحرك، وهو الغُلُّ، وهو حرام؛ وهذا كثير في كلامهم جدًّا. [حكم المكروه عند المالكية] وأما أصحاب مالك فالمكروه عندهم مَرْتبَةٌ بين الحرام والمُبَاح، ولا يطلقون عليه اسم الجَوَازِ، ويقولون: إن أكل كل ذي نابٍ من السباع مكروه غير مباح؛ وقد قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا، وهو حرام (٧)؛ فمنها أن مالكًا نص على كراهة الشّطْرَنْج، وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضُهم على الكراهة التي هي دون التحريم. [رأي الشافعي في اللعب بالشِّطْرَنْج وتحريمه] و [كذلك] (٨) قال الشافعي في اللعب بالشطرنج: هو (٩) لَهْوٌ شبه الباطل، أكرهه، ولا يتبين لي تحريمُه (١٠)؛ فقد نصَّ على كراهته، وتوقَّف في تحريمه؛ فلا

стр. 387

يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائز وأنه مباح، فإنه لم يقل هذا ولا ما يدل عليه؛ والحق أن يقال: إنه كرهها، وتوقف في تحريمها، فأين هذا [من] (١) أن يُقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحتها (٢)؟. [حكم تزوج الرجل ابنته من الزنا عند الشافعي] ومن هذا أيضًا أنه نصَّ على كراهة تَزَوَّج الرجل ابنتَه [المخلوقة] (٣) من ماء الزنا، ولم يقل قَطُّ إنه مباح ولا جائز (٤)، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه

стр. 388

الذي أحَلَّه (١) اللَّه به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظ الكراهة؛ لأن الحرام يكرهه اللَّه ورسوله (٢)؛ وقد قال تعالى عقب (٣) ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: [﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ إلى قوله:] (٤) ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ (٥) [إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى آخر الآيات؛ ثم قال]: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٣٨]، وفي "الصحيح": "إن اللَّه [ ] (٤) كَرِهَ لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (٦). [استعمال السلف والخلف للفظ الكراهة] والسَّلَفُ (٧) كانوا يستعملون الكراهَةَ في معناها الذي استعملت فيه في كلام اللَّه ورسوله، ولكِنِ المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم، وتركُهُ أرْجَحُ من فعله، ثم حمل من حمل [منهم] (٨) كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغَلِطَ في ذلك، وأقْبَحُ غَلطًا منه مَنْ حمل لفظ الكراهة أو لفظ "لا ينبغي" في كلام اللَّه ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث.

стр. 389

[إطراد استعمال لا يَنبغي في المحظور شرعًا] وقد اطَّرد في كلام اللَّه ورسوله استعمالُ "لا ينبغي" في المَحْظُور شرعًا أو قدرًا، وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ [وَمَا يَسْتَطِيعُونَ]﴾ (١) [الشعراء: ٢١١] وقوله على لسان نبيه: "كذَّبَنِي ابنُ آدَمَ وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم وما ينبغي له" (٢). وقوله ﷺ : "إن اللَّه لا يَنَامُ ولا ينبغي له أن ينام" (٣) وقوله ﷺ في لباس الحرير: "لا ينبغي هذا للمتقين" (٤) وأمثال ذلك (٥). [ما يقوله المفتي فيما اجتهد فيه] والمقصود أن اللَّه [سبحانه] (١) حَرَّمَ القول عليه بلا علم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، والمفتي يخبر عن اللَّه [ ] (١) وعن دِينه، فإن لم يكن خبره مطابقًا لما شَرَعَه (٦) كان قائلًا عليه بلا علم، ولكن إذا اجتهدَ واستفرغ وُسْعَه في معرفة الحق وأخطأ لم يلحقه الوعيد، وعفى له [عن ما] (٧) أخطأ به، وأثيب على اجتهاده، ولكن لا يجوز أن يقول لما أداه إليه اجتهاده، ولم يظفر فيه بنص عن اللَّه ورسوله (٨): إن اللَّه حرم كذا، وأوجب كذا، وأباح كذا، أو (٩) إن هذا هو حكم اللَّه؛ قال ابن وَضَّاح: ثنا يوسف بن عَديّ، ثنا

стр. 390

عَبيدة بن حُميد، عن عطاء بن السائب قال: [قال] (١) الربيع بن خُثَيْم: إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن اللَّه حرم هذا أو نَهى عنه، فيقول اللَّه: كذبت [عليَّ] (٢) لم أحرمه ولم أنْهَ عنه، أو يقول: إن اللَّه أحَلَّ هذا أو أمَرَ به، فيقول اللَّه: كذبت [عليَّ] (٢) لم أُحلّه ولم آمُرْ به (٣). قال أبو عمر: وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل به فيُسْأل عنه فيجتهد فيه رأيَهُ: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (٤) [الجاثية: ٣٢]. فصول (٥) في كلام الأئمة في أدَوَات الفُتْيا (٦)، وشروطها ومَنْ ينبغي له أن يفتي وأنْ يَسَع قول المفتي: "لا أدري"؟ (٧) [أدوات الفتيا] قال الإمام أحمد، في رواية ابنه صالح عنه: ينبغي للرجل إذا حَمَل نفسَه على الفُتْيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالمًا

стр. 391

بالسُّنن، وإنما جاء خلافُ مَنْ خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي ﷺ ، وقلة معرفتهم بصحيحها من سَقيمها (١). و [قال] (٢) في رواية ابنه عبد اللَّه: إذا كان عند الرجل الكتُبُ المصنفة فيها قول رسول اللَّه ﷺ ، واختلاف الصحابة والتابعين، فلا يجوز أن يعمل بما شاء، ويتخير فيقضي به ويعمل به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به (٣)؛ فيكون يعمل (٤) على أمر صحيح (٥). وقال في رواية أبي الحارث: لا يجوز الإفتاء إلا لرجلٍ عالمٍ بالكتاب والسنة (٦). وقال في رواية حَنْبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول مَنْ تقدَّم، وإلَّا فلا يُفتي (٧). وقال محمد بن عبيد اللَّه بن المُنادي: سمعت رجلًا يسأل أحمد: إذا حفظَ الرجلُ مئة ألفِ حديثٍ يكون فقيهًا؟ قال: لا، قال: فمئتي ألفٍ؟ قال: لا، قال: فثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قال: فأربع مئة ألف، قال بيده هكذا، وحرّك يده (٨).

стр. 392

قال أبو الحسن (١): وسألت جَدِّي محمدَ بن عبيد اللَّه، قلت: فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أخذ عن ست مئة ألف (٢). قال أبو حفص (٣): قال لي أبو إسحاق: لما جلستُ في جامع المنصور للفتيا ذكرت هذه المسألة، فقال لي رجل: فانت هو ذا [لا] (٤) تحفظ هذا المقدار حتى تفتي الناس فقلت له: -عافاك اللَّه- إنْ كنتُ لا أحفظُ هذا المقدار، فإني هو ذا أفْتِي الناس بقول مَنْ كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه (٥). قال القاضي أبو يَعْلَى (٦): "وظاهر هذا الكلام [من أحمد] أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذ لم يحفظ من الحديث هذا القدرَ الكثير الذي ذكره، وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى. . . "، ثم ذكر حكاية أبي إسحاق لما جلس في جامع المنصور، قال: "وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يُقَلِّد أحمد فيما يفتي به؛ لأنه قد نص في بعض "تعاليقه على كتاب العلل" على الدلالة على منع الفتوى بغير علم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ " [الإسراء: ٣٦].

стр. 393

[هل تجوز الفتوى بالتقليد ؟] قلت: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد (١): أحدها: أنه لا يجوز الفَتْوى بالتقليد؛ لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام، ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يُطْلَق عليه اسم عالم، وهذا قول أكثر الأصحاب وقول جمهور الشافعية. والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز له أن يقلد غيره من العلماء إذا كانت الفَتْوَى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يُفتي به غيره، وهذا قول ابن بَطَّة وغيره من أصحابنا؛ قال القاضي (٢): ذكر ابنُ بَطَّة في "مكاتباته إلى البرمكِي": لا يجوز له أن يفتي بما يسمع مَنْ يفتي، وإنما يجوز أن يقلد لنفسه، فأما أن يتقلد لغيره ويفتي (٣) به فلا. والقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، وهو أصح الأقوال، وعليه العمل، قال القاضي (٤): ذكر أبو حَفْصٍ في "تعاليقه" قال: سمعت أبا علي الحسن بن عبد اللَّه النَّجَّاد يقول؛ سمعت أبا الحسن بن بشار (٥) يقول: ما (٦) أعِيبُ على [رجل] (٧) يحفظ [عن أحمد] (٨) خمسَ مسائل؛ استند إلى بعض سَوَاري المسجد يُفتي بها (٩).

стр. 394

[شرط الإفتاء عند الشافعي] وقال الشافعي فيما رواه عنه الخطيبُ في كتاب "الفقيه والمتفقه" له: لا يحل لأحد [أن] (١) يفتي في دين اللَّه إلا رجلًا عارفًا بكتاب اللَّه بناسخه ومنسوخه (٢)، وبمُحْكَمِه (٣) ومُتَشَابهه، وتأويله وتنزيله، ومَكّيّه ومَدَنيّه، وما أُريد به، و [فيما أُنزل، ثم] (٤) يكون بعد ذلك بَصيرًا بحديث رسول اللَّه ﷺ ، وبالناسخ والمنسوخ (٥)، ويعرف من الحديث مثلَ ما عرف من القرآن، ويكون [بصيرًا] (٦) باللغة، بصيرًا بالشعر وما يحتاج إليه [للسنة] (٧) والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، [وقلة الكلام،] (٤) ويكون بعد هذا مُشْرِفًا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحةٌ بعد هذا، فإذا كان [هذا] (٤) هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن (هكذا) [فليس له أن يفتي] (٨). وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء فيجيب بما في الحديث وليس بعالم في الفقه؟ فقال: ينبغي للرجل إذا حَمَلَ نفسه على الفُتْيا أن يكون عالمًا بالسنن، عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، وذكر الكلام المتقدم (٩).

стр. 395

وقال علي بن شقيق: قيل لابن المبارك: متى يفتي الرجل؛ قال: إذا كان عالمًا بالأثر، بصيرًا بالرأي (١). وقيل ليحيى بن أكثم: متى يجب للرجل أن يفتي؟ فقال: إذا كان بصيرًا بالرأي بصيرًا بالأثر (٢). قلت: يريدان بالرأي القياسَ الصحيح والمعانيَ والعللَ الصحيحة التي عَلّق الشارع بها الأحكام وجعلها مؤثرة فيها طَرْدًا وعكسًا (٣). فصل في تحريم الإفتاء في دين اللَّه بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول قال اللَّه (٤): ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) [القصص: ٥٠] فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إمَّا الاستجابة للَّه والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى، فكُلُّ ما لم يأتِ به الرسول فهو من الهوى. [(٦) وقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ]﴾ (٧) [ص: ٢٦] فقسَّم سبحانه طريق الحكم بين الناس إلى الحقِّ، وهو الوحي الذي أنزله اللَّه على رسوله (٨)، وإلى الهَوَى، وهو ما خالفه. وقال تعالى لنبيه [ ﷺ ] (٧): ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ

стр. 396

أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) [إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (١) وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨، ١٩] فقسَّم الأمر بين الشريعة التي جَعَله [هو] (٢) سبحانه عليها وأوحى إليه العملَ (٣) بها، وأمَرَ الأمة بها، وبين اتِّباع أهواء الذين لا يعلمون؛ فأمر بالأول، ونهى عن الثاني. وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]، فأمر باتِّباع المنزِّل منه خاصة، وأعْلَمَ أن من اتَّبع غيره فقد اتبع من دونه أولياء. قال (٤) تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، فأمر تعالى (٥) بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عَرْضِ ما أمر به [على الكتاب، بل إذا أمر وجَبَتْ طاعتُه مطلقًا، سواء (٦) كان ما أمر به] (٧) في الكتاب أو لم يكن [فيه] (٨)، فإنه أوتي الكتاب ومثلَه معه، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالًا، بل حذف الفعلَ، وجعل طاعَتَهم في ضمن طاعة الرسول؛ إيذانًا بأنهم إنما يُطَاعون تَبَعًا لطاعة الرسول، فَمَنْ أمَرَ منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومَنْ أمَر (٩) بخلاف ما جاء به الرسولُ فلا سَمْع [له] ولا طاعة كما صح عنه ﷺ أنه قال: "لا طاعَةَ لمخلوق في معصية الخالق" (١٠) وقال: "إنما الطَّاعة في

стр. 397

المَعْرُوف" (١)، وقال في ولاة الأمور: "مَنْ أمركم منهم بمعصية اللَّه فلا سَمْعَ [له] ولا طاعة" (٢)، وقد أخبر ﷺ عن الذين أرادوا دخولَ النار لمَّا أمرهم أميرُهم بدخولها: "أنّهُمْ لو دَخَلُوا لما خَرَجُوا منها" (٣) مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعةً لأميرهم، وظنًا أن ذلك واجب عليهم، ولكن لما قَصَّرُوا في الاجتهاد، وبادَرُوا إلى [طاعة (٤) مَنْ أمَرَ بـ] معصية اللَّه، وحَمَلُوا عموم الأمر بالطاعة بما (٥) لم يُرِدْه الآمر [ ﷺ ] (٦)، وما قد عُلِمَ من دينه [إرادةُ] (٦) خلافِهِ،

стр. 398

فَقَصَّرُوا في الاجتهاد، وأقْدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبُّت وتبيُّن، هل ذلك طاعة للَّه ورسوله أم لا؟ فما الظنُّ بمنْ أطاع غيرَه في صريح مخالفة ما بَعَثَ اللَّه به رسولَه؟ ثم أمر تعالى برد ما تنازع فيه المؤمنون إلى اللَّه ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأخبرهم أن ذلك خير لهم في العاجل، وأحسنُ تأويلًا في العاقبة (١). [حكم تنازع العلماء] وقد تضمن هذا أمورًا: منها: أن أهلَ الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الإيمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيمانًا. [لم يختلف الصحابة في مسائل الصفات والأسماء والأفعال] ولكن بحمد اللَّه لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتابُ والسنة كلمةً واحدة، من أولهم إلى آرهم، لم يَسُوموها تأويلًا، ولم يُحَرِّفُوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يبدو لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يَدْفَعُوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم: يجب صَرْفها عن حقائقها، وحملها على مجازها، بل تَلَقَّوْها بالقَبُول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا واحدًا، وأجْرَوْها على سَنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهلُ الأهواء والبِدَع حيث جعلوها عِضِينَ، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها من غير فُرْقَان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه (٢) كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه. [التنازع في بعض الأحكام لا يخرج عن الإيمان] والمقصُودُ: أن أهل الإيمان لا يُخْرِجُهم تنازعُهم في بعض مسائل الأحكام

стр. 399

عن حقيقة الإيمان إذا رَدُّوا ما تنازعوا فيه إلى اللَّه ورسوله؛ كما شرطه اللَّه عليهم بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] ولا رَيْبَ أن الحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه. [الأمر بالرد دليل على أن الكتاب والسنة يشتملان على حكم كل شيء] ومنها: أن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ نكرةٌ في سياق الشرط تعمُّ كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دِقِّهِ وجِلِّهِ، جَلِيَّهِ وخَفِيِّهِ، ولو لم يكن في كتاب اللَّه ورسوله بيانُ حكم ما تَنَازعوا فيه ولم يكن كافيًا، لم يأمر بالردّ إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع (١) إلى مَنْ لا يوجَد عنده فَصْلُ النزاع. ومنها: أن الناس أجمعوا أن الرد إلى اللَّه سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد (إلى نفسِه) (٢) في حياته، وإلى سنته بعد وفاته. [الرد إلى اللَّه والرسول من موجبات الإيمان] ومنها: أنه جعل هذا الرد من موجِبَاتِ الإيمان ولوازمه، فإذا انْتَفَى هذا الرد انتفى الإيمان؛ ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين؛ فإنه من الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم أخبرهم أن هذا الرد (٣) خيرٌ لهم، وأن عاقبته أحْسَنُ عاقبة] (٤). [المتحاكمون إلى الطاغوت] ثم أخبر سبحانه أن مَنْ تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسولُ، فقد حَكَّم الطاغوتَ وتحاكم إليه، والطاغوت: كُل ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مُطَاعٍ؛ فطاغوتُ كل قوم مَنْ يتحاكمون إليه غير اللَّه ورسوله، أو يعبدونه من دون اللَّه، أو يتبعونه على غير بصيرة من اللَّه، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة للَّه؛ فهذه طواغيت العالم إذا تأملتَهَا وتأملت أحوالَ الناس معها،

стр. 400

رأيت أكثرهم [ممن أعرض عن عبادة اللَّه] (١) إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى اللَّه ورسوله (٢) إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريقَ (٣) الناجِينَ الفائزين من هذه الأمة -وهم الصحابة ومن تبعهم- ولا قَصدوا قَصْدَهم، بل خالفوهم في الطريق والقصد معًا، ثم أخبرنا تعالى عن هؤلاء أنهم (٤) إذا قيل لهم: تَعَالَوْا إلى ما أنزل اللَّه وإلى الرسول أعْرَضُوا عن ذلك، ولم يستجيبوا للداعي، ورَضُوا بحكم غيره، ثم توعَّدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم (٥) وأموالهم؛ بسبب إعراضهم عما جاء به الرسولُ وتحكيم غيره، والتحاكم إليه؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق، أي بفعل (٦) ما يرضي الفريقين، ويوفق بينهما كما يفعله من يروم التوفيق بين ما جاء به الرسول وبين ما خالفه، ويزعم أنه بذلك محسن قاصد الإصلاح والتوفيق، والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول، وبين كل ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي؛ فمحضُ الإيمان في هذا الحربُ لا في التوفيق، وباللَّه التوفيق. [ثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يُحَكِّمُوا رسولُه في كل ما شَجَرَ بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحَرَجُ والضِّيقُ عن (٧) قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم -أيضًا- بذلك حتى يسلموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا. وقال [تعالى] (٨): ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فأخبر سبحانه: أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومَن تخير بعد ذلك فقد ضَلَّ ضلالًا مبينًا] (٩).

стр. 401

[معنى التقديم بين يدي اللَّه ورسوله] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]﴾ (١) [الحجرات: ١]، أي: لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تُفْتُوا حتى يفتي، ولا تقطعوا أمرًا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويُمْضِيه، روى (٢) علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [﵄] (١): لا تقولوا خِلَافَ الكتاب والسنة (٣)، وروى العوفي [عنه] (٤) قال: نُهُوا أن يتكلموا بين يدي كلامه (٥). والقول الجامع في معنى الآية: لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول اللَّه ﷺ أو يفعل (٦). وقال [تعالى] (٧): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] فإذا كان رَفْعُ أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم؛ فكيف تقديم آرائهم، وعقولهم، وأذواقهم، وسياساتهم، ومعارفهم، على ما جاء به ورفعها عليه؟ أليس (٨) هذا أولى أن يكون مُحْبِطًا لأعمالهم (٩)؟. وقال [تعالى] (٧): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]، فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا معه إلا باستئذانه؛ فأولى [أن يكون] (١٠) من لوازمه أن لا

стр. 402

يذهبوا إلى قولٍ، ولا مذهبٍ [علميٍّ] (١)؛ إلا بعد استئذانه، وإذنُه يُعْرَفُ بدلالة ما جاء على أنه أذِن فيه (٢). [ينزع العلم بموت العلماء] [وفي "صحيح البخاري" من حديث أبي الأسود، عن عُرْوَة بن الزبير، قال: حَجَّ علينا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فسمعته يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه لا يَنْزعُ العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعًا، ولكن يَنْزِعُه مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يُسْتَفْتَوْنَ فيفتون برأيهم فيُضِلُّون ويضِلُّون" (٣)، وقال وكيع: حدثنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا ينزع اللَّه العلمَ من صدور الرجال، ولكن ينزع العلم بموت العلماء، فإذا لم يُبْقِ عالمًا اتَخَذَ الناس رؤسَاء جهالًا؛ فقالوا بالرأي، فضلُّوا وأضلوا" (٤).

стр. 403

وفي "الصحيحين" من حديث عروة بن الزبير قال: قالت عائشة: يا ابن أختي بَلَغَنِي أن عبد اللَّه بن عمرو مارٌّ بنا إلى الحج، فالْقَهُ فاسأله؛ فإنه قد حَمَلَ عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا، قال: فلقيته فسألته عن أشياء يذكرها عن رسول اللَّه ﷺ ، قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه لا ينزع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء، فيرفع العِلْم معهم، ويَبقى في الناس رؤوسٌ جهال، يُفْتُونَهم بغير علم، فيُضِلُّون ويَضِلُّون"، قال عروة: فلما حدثْتُ عائشةَ بذلك؛ أعظمت ذلك وأنكرته (١)، قالت: أَحَدَّثَكَ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول هذا؟ قال عروة: نعم، حتى إذا كان عام قابل قالت لي: إن ابن عَمْرو قد قدم، فالْقَه، ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم، قال: فلقيتُه فسألته فذكرهُ لي نحو ما حدثني به في المرة الأولى، قال عروة: فلما أخبرتُها بذلك قالت: ما أحْسَبه إلا قد صَدَق، أراه لم يزد فيه شيئًا، ولم ينقص. وقال البخاري في بعض طرقه: "فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون"، وقال: فقالت عائشة: واللَّه لقد حفظ عبدُ اللَّه (٢).

стр. 404

[الوعيد على القول بالرأي] وقال نُعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك: ثنا عيسى بن يونس، عن حَرِيز بن عثمان الرَّحَبي (١): ثنا عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تفترق أمتي على بِضْع وسبعين فرقة، أعْظَمُها فتنةً قومٌ يقيسون الدين برأيهم، يحرِّمون [به] (٢) ما أحلَّ اللَّه، ويحلُّون ما حرم اللَّه" (٣).

стр. 405

قال أبو عمر بن عبد البر: "هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين بالْخَرْصِ والظن، ألا ترى إلى قوله في الحديث: "يحلّون الحرام ويحرّمون الحلال"، ومعلوم أن الحلال ما في كتاب اللَّه وسنة رسوله تحليلُه، والحرام ما في كتاب اللَّه وسنة رسوله تحريمُه، فمن جهل ذلك وقال (١) فيما سُئِل عنه بغير علم، وقَاسَ برأيه ما خرج به عن السنة (٢)؛ فهذا الذي قاس الأمور برأيه فَضَلَّ وَأَضَلَّ، فأما من (٣) رَدَّ الفروعَ إلى أصولها فلم يقل برأيه" (٤).

стр. 406

وقالت طائفة من أهل العلم: مَنْ أداه اجتهادهُ إلى رأي رآه ولم تَقُمْ عليه حجة فيه بعد فليس مذمومًا (١)، بل هو معذور، خالفًا كان أو سالفًا، ومَنْ قامت عليه الحجة فعانَدَ وتمادى على الفتيا برأي إنسان بعينه، فهو الذي يَلْحَقه الوعيد؛ وقد رُوِّينا في "مسند عَبْد بن حُمَيدَ" (٢): ثنا عبد الرزاق: ثنا سفيان الثوري، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قال في القرآن برأيه فَلْيَتَبَؤَأ مَقْعَدَه من النار" (٣). فصل فيما روي عن صِدِّيقِ الأمة وأعلمها من إنكار الرأي روينا عن عَبْد بن حُمْيد: ثنا أبو أسامة، عن نافع، عن عمر الجُمحيّ، عن ابن أبي مليكة قال: قال أبو بكر [﵁] (٤): أيُّ أرضٍ تُقِلني، وأيُّ سماء تُظِلني

стр. 407

إن (١) قلت في آيةٍ من كتاب اللَّه برأيي، أو بما لا أعلم (٢).

стр. 408

وذكر الحسن بن علي الحُلْواني: حدثنا عارم، عن حماد بن زيد، عن سعيد ابن أبي صدقة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحَدٌ أهْيَبَ بما (١) لا يعلم من أبي بكر [﵁] (٢)، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهْيَبَ بما (١) لا يعلم من عمر [﵁] (٢)، وإن أبا بكر نزلَتْ به قضيةٌ فلم يجد في كتاب اللَّه منها أصلًا، ولا في السنة أثرًا فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خَطَأ؛ فمني وأستغفر اللَّه (٣). فصل في المنقول من ذلك عن عمر بن الخطاب [﵁ -] (٢) [قال ابن وهب: ثنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب ﵁] (٤) قال وهو على المنبر: يا أيها الناس إن (٥) الرأي إنما كان من رسول اللَّه ﷺ مصيبًا، إن اللَّه كان يُرِيهِ، وإنما هو منا الظنُّ والتكلفُ (٦). قلت: مُراد عمر [﵁] (٧) قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، فلم يكن له رأي غير ما أراه اللَّه إياه، و [أما] (٧) ما رأى غيره فظن وتكلف. قال سفيان الئوري: ثنا أبو إسحاق الشَّيْباني، عن أبي الضَّحى، عن مسروق، قال: كَتَب كاتبٌ لعمر بن الخطاب: "هذا ما رأى اللَّه ورأى عمر"، فقال: بئس ما قلت، قل: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمن عمر (٨). وقال ابن وهب: أخبرني ابن لَهِيعَةَ، عن عبيد (٩) اللَّه بن [أبي] (٧) جعفر قال: قال عمر بن الخطاب [﵁] (٧): السُّنَّةُ ما سَنَّهُ اللَّه ورسولُه [ ﷺ ] (٧)، لا

стр. 409

تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة (١). قال (٢) ابن وهب: وأخبرني ابن لَهِيعَةَ، عن أبي الزِّناد، عن محمد بن إبراهيم التيمي أن عمر بن الخطاب [﵁] (٣) قال: أصبح أهلُ الرأي أعْدَاء السنن، أعيتهم أن يَعُوهَا وتَفَلَّتَتْ منهم أن يَرْوُوها، فاسْتَبَقُوهَا بالرأي (٤). قال ابن وهب: وأخبرني عبد اللَّه بن عياش (٥)، عن محمد بن عَجْلان، عن عبيد اللَّه بن عمر أن [عمر] بن الخطاب قال: اتَّقُوا الرأي في دينكم (٦). وذكر ابن عجلان، عن صَدَقة بن أبي عبد اللَّه أن عمر بن الخطاب كان يقول: أصحابُ الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديثُ أن يحفظوها وتَفَلَّتَتْ [منهم] (٧) أن يَعُوها، واسْتَحْيَوْا حين سُئلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم (٨).

стр. 410

وذكر ابن الهادي (١)، عن محمد بن إبراهيم التَّيْمي قال: قال عمر بن الخطاب: إياكم والرأيَ، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديثُ أن يَعُوهَا، وتفلتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم (٢). [و] (٣) قال الشعبي: عن [عمرو بن حُرَيْث]، قال: قال عمر بن الخطاب [﵁] (٣): إياكم وأصحابَ الرأي فإنهم أعداء السنن، أعْيتَهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا (٤). وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصِّحة. وقال محمد بن عبد السلام الخُشَنيّ: ثنا محمد بن بشار: حدثنا يونس ابن (٥) عُبيد اللَّه العميري (٦): ثنا مُبارك بن فَضَالة، عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيها الناس، اتَّهِمُوا الرأي في الدين، فلقد رأيتني وإني لأرُدُّ أمر رسول اللَّه ﷺ برأيي فاجتهد ولا آلو، وذلك

стр. 411

يوم أبي جَنْدَل (١)، والكتابُ يكتب وقال: اكتبوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال: يكتب (٢) باسمك اللهم، فرضي رسول اللَّه ﷺ وأبيْتُ، فقال: يا عمر تراني قد رضيتُ وتأبى؟ (٣) وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبدُ الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مَعْمر بن أبي حَبيبة مولى بنت صَفْوَان، عن عُبيد بن رفاعة، عن أبيه رفاعة بن رافع قال: بينما أنا عند عمر بن الخطاب [﵁] (٤) إذ دَخَلَ عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين هذا زيد بن ثابت يُفتِي الناسَ في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: عليّ به، فجاء زيد، فلما رآه عمر، فقال عمر: أيْ عَدُوَّ نفسه قد بلغْتَ أن تفتي الناس برأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، واللَّه ما فعلْتُ، ولكن سمعتُ من أعمامي حديثًا فحَدَّثت به: من أبي أَيوب، ومن أُبيّ بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فقال عمر: عليّ برفاعة بن رافع، فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل (٥) أن يغتسل؟ قال (٦): قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول اللَّه ﷺ ، لم يأتنا فيه عن اللَّه تحريم، ولم يكن فيه عن رسول اللَّه ﷺ شيء، فقال عمر: ورسول اللَّه ﷺ يعلم (٧) ذلك؟ قال: ما أدري، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فَجُمِعُوا، فشاورهم فشار الناس أن لا

стр. 412

غُسْلَ (١)، إلا ما كان من مُعَاذ وعلي، فإنهما قالا: إذا جاوز الختانُ الختان وجب الغسلُ، فقال (٢) عمر: هذا وأنتم أصحابُ بَدْرٍ قد اختلفتم، فمن بعدكم أشَدُّ اختلافًا، فقال علي: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحَدٌ أعلم بهذا من شأن رسول اللَّه ﷺ من أزواجه، فأرسَلَ إلى حَفْصَة فقالت: لا علم لي (٣)، فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختان، الْخِتَانَ فقد وجب الغسل، فقال: لا أسمع برجلٍ فعل ذلك إلا أوْجَعْتُه ضربًا (٤). قول عبد اللَّه بن مسعود [في (ذم) الرأي] (٥) قال البخاري: حدثنا سُنيد (٦): ثنا يحيى بن زكريا، عن مجالد، (عن الشعبي)، عن مسروق، عن عبد اللَّه قال: لا يأتي عليكم عامٌ إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول: أمير خير من أمير، ولا عامٌ أخْصَبُ من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تَجِدُون منهم (٧) خَلَفًا، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم (٨).

стр. 413

وقال ابن وهب: ثنا شقيق: عن مجالد به، قال: ولكن ذَهَابُ خياركم وعلمائكم، ثم يَحْدُث قوم يَقِيسُون [الأمور] برأيهم فينهدم الإسلام، ويثلم (١). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، (عن الشعبي)، عن مسروق قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: عُلَماؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤوسًا جهالًا يَقِيسون الأمور برأيهم (٢). وقال سُنَيْد بن داود: حدثنا محمد بن فَضل (٣)، عن سالم بن أبي حَفْصة، عن مُنْذر الثوري، عن الرَّبيع بن خُثَيْم أنه قال: قال عبدُ اللَّه: ما عَلّمَكَ اللَّه [من علم] (٤) في كتابه فاحْمدِ اللَّه، وما استأثر به عليك من علم فكِلْه إلى عالمه، ولا تتكلف؛ فإن اللَّه [ ] (٥) يقول [لنبيه] (٦): ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٧) [ص: ٨٦]. يروى هذا عن الربيع بن خثيم وعن عبد اللَّه. وقال سعيد بن منصور: حدثنا خَلَف بن خَليفة: ثنا أبو يزيد، عن الشعبي قال: قال ابن مسعود: إياك وأرأيت [أرأيت] (٦)، فإنما هَلَك مَنْ كان قبلكم بأرأيت [أرأيت] (٥)، ولا تقيسوا شيئًا فتزلَّ قَدَمٌ بعد ثبوتها، وإذا سُئل أحدكم عما لا يعلم؛ فليقل: لا أعلم؛ فإنه ثلث العلم (٨).

стр. 414

وصح عنه في الْمُفَوِّضَة (١) أنه قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسولُه بريء [منه] (٢). قول عثمان بن عفان [﵁] (٣) [في (ذم) الرأي] (٤) قال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عَبَّاد، عن عبد اللَّه (٥) بن الزبير قال: أنا واللَّه مع عثمان بن عفان بالْجُحْفَة إذ قال عثمان وذُكِرَ له التمتع بالعمرة إلى الحج: أتموا الحجَّ وأخلصوه (٦) في أشهر الحج، فلو أخرَّتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيتَ زورتين كان أفضل؛ فإن اللَّه قد أوْسَعَ في الخير، فقال له علي (٧): عمدت إلى سنة رسول اللَّه ﷺ ورُخْصَة رَخّصَ اللَّه للعباد بها في كتابه (٨) تُضَيِّقُ عليهم فيها وتنهى عنها، [وكانت لذي الحاجة ولنائي الدار] (٩)، ثم أهلّ علي بعمرة وحج معًا، فأقبل عثمان بن عفان [﵁] (٣) على الناس فقال: أَنَهَيْتَ عنها؟ إني لم أنهَ عنها، إنما كان رأيًا أشرتُ به، فمن شاء أخَذَه ومن شاء تركهُ (١٠).

стр. 415

فهذا عثمان يخبر عن رأيه أنه ليس بلازم للأمة الأخذُ به [بل مَنْ شاء أخذ به] (١) ومن شاء تركه، بخلاف سنة رسول اللَّه ﷺ ؛ فإنه لا يَسَعُ أحدًا تركها، لقول أحد كائنًا (٢) من كان. قول علي بن أبي طالب [﵁] (٣) [في (ذم) الرأي] (٤) قال أبو داود: حدثنا أبو كُرَيْب محمد بن العلاء: ثنا حفص بن غِيَاث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق [السَّبيعي] (٣)، عن عبدِ خَيْر، عن علي [﵁] (٣) أنه قال: لو كان الدينُ بالرأي لكان أسْفَلُ الْخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه (٥). قول عبد اللَّه بن عباس [﵁] (٣) [في (ذم) الرأي] (٤) قال ابن وهب: أخبرني بِشْر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عَبْدَة بن أبي لُبَابة، عن ابن عباس أنه قال: مَنْ أحدث رأيا ليس في كتاب اللَّه ولم تَمْضِ به سنة [من] (٣)

стр. 416

رسول اللَّه ﷺ لم يدر على ما هو منه إذا لقي اللَّه [ ] (١). وقال عفان بن مسلم الصَّفَّار: ثنا عبد الرحمن بن زياد: حدثنا الحسن بن عمرو الفُقَيْمي، عن أبي فَزَارة قال: قال ابن عباس: إنما هو كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه ﷺ ، فمن قال بعد ذلك برأيه؛ فلا أدْرِي أفِي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته (٢). وقال عَبْدُ بن حُمَيد (٣): حدثنا حُسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن ليث، عن بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار (٤).

стр. 417

قول سهل بن حُنيف (﵁) [في ذم الرأي] (١) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا أبو عَوَانة، عن الأعمش، عن أبي وَائِل قال، قال سهل بن حُنَيْف: أيها الناس [اتهِمُوا رأيَكم (على دينكم)] (٢)، لقد رأيتُني يومَ أبي جَنْدل، ولو أستطيع أن أردَّ أمر رسول اللَّه ﷺ لرددته (٣). قول عبد اللَّه بن عمر [في ذم الرأي] (٤) (﵁) قال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن دينار قال: أخبرني طاوس، عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان إذا لم يجد في الأمر يُسْأل عنه شيئًا قال: إن شئتم أخبرتكم بالظن (٥). وقال البخاري: قال لي صدقة، عن الفضل بن موسى، عن موسى بن عُقبة، عن الضَّحاك، عن جابر بن زيد قال: لقيني ابنُ عمر فقال: يا جابر، إنك من فقَهَاء البصرة، وتُسْتَفْتَى فلا تفتيَنَّ إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية (٦).

стр. 418

وقال مالك، عن نافع عنه: العلم ثَلَاث: كتاب ناطق (١)، وسنة ماضية، ولا أدري (٢). قول زيد بن ثابت (﵁) [في ذم الرأي] (٣) قال البخاري: حدثنا سُنيد بن داود: ثنا يحيى بن زكريا مولى ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن (٤) أبي خالد، عن الشَّعبي، قال: أتَى زيدَ بن ثابت قومٌ، فسألوه عن أشياء، فأخبرهم بها، فكتبوها ثم قالوا: [لو] أخبرناه، قال: فأتوه فأخبروه، فقال: أعذرًا لعل كل شيء حدثتكم خطأ، إنما اجتهدتُ لكم رأيي (٥). قول مُعَاذ بن جبل (﵁) [في ذم الرأي] (٦) قال حماد بن سلمة: ثنا أيوبُ السِّخْتِيَاني، عن أبي قلابة، عن يزيد بن عَميرة (٧) عن مُعَاذ بن جبل قال: تكونُ فِتَنٌ فيكثر فيها المال، ويُفتح القرآن حتى

стр. 419

يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن، فيقرؤه الرجلُ فلا يُتَّبع، فيقول: واللَّه لأقرأنَّهُ عَلَانيةً، فيقرؤه علانية فلا يتبع، فيتخذ مسجدًا، ويبتدع كلامًا ليس من كتاب اللَّه ولا من سنة رسول اللَّه ﷺ ، فإيَّاكم وإيَّاه؛ فإنه بِدْعَة وضلالة، قاله معاذ ثلاث مرات (١). قول أبي موسى الأشعري [في ذم الرأي] (٢) قال البغوي: ثنا الحجَّاجُ بن المِنْهَال: ثنا حماد بن سلمة، عن حُميد، عن أبي رجاء العُطَارِدي قال: قال أبو موسى الأشعري: مَنْ كان عنده علم فَلْيُعَلِّمه الناسَ، وإن لم يعلم فلا يقولَنَّ ما ليس له به علم، فيكونَ من المتكلفين ويَمْرُقَ من الدين (٣).

стр. 420

قول معاوية بن أبي سفيان [في ذم الرأي ﵁ -] (١) قال البخاري: حدثنا أبو اليَمَان: ثنا شُعيب، عن الزهري قال: "كان محمدُ بن جُبَير بن مُطَعم يحدث أنه كان عند معاوية في وَفْدِ من قريش، فقام معاوية فحمِدَ اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه قد بَلَغني أن رجالًا فيكم يتحدثون بأحاديثَ ليست في كتاب اللَّه، ولا تُؤْثَر عن رسول اللَّه ﷺ فأولئكم جُهَّالكم (٢). [إخراج الصحابة الرأي من العلم] فهؤلاء من الصَّحابة: أبو بكر الصِّدِّيق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبدُ اللَّه بن مسعود، وعبدُ اللَّه بن عباس، وعبدُ اللَّه بن عُمَر، وزيدُ بن ثابت، وسهلُ بن حُنَيْف، ومُعَاذ بن جبل، ومعاويةُ خالُ المؤمنين (٣)، وأبو موسى الأشعري يُخْرِجُونَ الرأيَ عن العلم، ويذمونه، ويحذرون منه، وَيَنْهَونَ عن الفُتْيَا به، ومن اضْطُر منهم إليه أخبَر أنه ظن، وأنه ليس على ثقةٍ منه، وأنه يجوز أن يكون منه ومن الشيطان، وأن اللَّه ورسوله برئ منه، وأن غايته أن يَسُوغ الأخذُ به عند الضرورة من غير لزوم لاتباعه ولا للعمل به، فهل يوجد عن (٤) أحد منهم قَطُّ أنه جَعَلَ رأي رجل بعينه دينًا تُتْرَكُ له السنن الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ ، ويُبَدَّع ويُضَلَّل مَنْ خالفه إلى اتباع السنن؟ فهؤلاء بَرْكُ (٥) الإسلام، وعصابة الإيمان، وأئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأنْصَحُ الأئمة للأمة، وأعلمهم بالأحكام وأدلتها، وأفْقَهُهُمْ في دين اللَّه، وأعمقهم علمًا، وأقلّهم تكلفًا، وعليهم دارت الفتيا، وعنهم انتشر العلم، وأصحابُهم هم

стр. 421

فقهاء الأمة، ومنهم مَنْ كان مُقيمًا بالكوفة كعلي وابن مسعود، وبالمدينة كعمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت، وبالبَصْرَة كأبي موسى الأشعري، وبالشام كمُعَاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان، وبمكة كعبد اللَّه بن عباس، وبمصر كعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعن هذه الأمصار انتشر العلم في الآفاق، وأكثر مَنْ رُوي عنه التحذير من الرأي مَنْ كان بالكوفة إرهاصًا بين يَدَيْ ما عَلِم اللَّه [سبحانه] (١) أنه يحدث فيها بعدهم] (٢). فصل [تأويل ما روي عن الصحابة من الأخذ بالرأي] قال أهل الرأي: وهؤلاء الصحابةُ ومَنْ بعدهم من التابعين والأئمة -وإن ذَمُّوا الرأيَ، وحَذّروا منه، ونَهَوْا عن الفتيا والقضاء به، وأخرجوه من (٣) جملة العلم- فقد رُوي عن كثير منهم الفُتْيَا والقضاء به، والدلالة عليه، والاستدلال به، كقول عبد اللَّه بن مسعود في المُفَوِّضة (٤): أقول فيها برأيي (٥)، [وقول عمر بن الخطاب لكاتبه: قل: هذا ما رأى عمر بن الخطاب (٦)، وقول عثمان بن عفان في الأمر بإفراد العُمْرَة عن الحج: إنما هو رأيٌ رأيته (٧)، وقول علي في أمَّهات الأولاد: اتفق رأيي ورأيُ عمر على أن لا يُبَعْنَ (٨).

стр. 422

وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شُرَيح: إذا وَجَدْتَ شيئًا في كتاب اللَّه فاقْض به، ولا تلتفت إلى غيره، وإن أتاك شيء ليس في كتاب اللَّه فاقْضِ بما سنَّ رسول اللَّه ﷺ ، فإن أتاك ما ليس في كتاب اللَّه [ولم يَسُنَّ رسولُ اللَّه ﷺ فاقضِ بما أجمع عليه الناس، وإن أتاك ما ليس في كتاب اللَّه ولا] (١) سنة رسول اللَّه ﷺ ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فإن شئتَ أن تجتهد رأيَكَ فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى التأخرَ إلا خيرًا لك، ذكره سفيان الثوري، عن الشَّيْبانيّ، عن الشعبي، عن شُرَيْح أن عمر كتب إليه (٢). [طريقة أبي بكر وعمر في الحكم على ما يرد عليهما] وقال أبو عُبيد في كتاب "القضاء": ثنا كَثير بن هِشَام، عن جعفر بن بُرْقَان، عن مَيْمون بن مَهْران قال: كان أبو بكر الصِّدِّيق إذا ورَدَ عليه حكمٌ؛ نَظَرَ في كتاب اللَّه تعالى، فإن وَجَد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب اللَّه نَظَر في سنة رسول اللَّه ﵁ فإن وَجَد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناسَ: هل علمتم أن رسول اللَّه ﷺ قَضَى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القومُ فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سُنَّةً سَنَّها النبي ﷺ جَمَع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيُهم على شيء قضى به (٣). وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجدَ ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر [فيه] (٤) قَضاءٌ قضى به، وإلا جَمَعَ علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيُهم على شيء قضى به (٥).

стр. 423

[طريقة ابن مسعود] وقال أبو عبيد: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: أكثروا عليه ذاتَ يوم فقال: إنه قد أتى علينا زمان وَلَسْنَا نقضي (١)، ولسنا هناك، ثم إن اللَّه بلَّغَنا ما ترون، فمن عُرِضَ عليه قضاء بعد اليوم فَلْيَقْضِ بما في كتاب اللَّه، فإن جاءه أمر ليس في كتاب اللَّه ولا قَضَى به نبيه (٢) ﷺ [فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاءه أمر ليس في كتاب اللَّه ولا قضى به نبيه ﷺ ] (٣) ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقل: إنّي أرى، وإني أخاف؛ فإن الحلال بَيِّنٌ والحرام بيِّن، وبين ذلك مشتبهات (٤)، فَدَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يريبك (٥). وقال محمد بن جَرير الطَّبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم: أنا هُشَيْم: أنا سَيَّار، عن الشَّعْبي قال: لما بعث عمر شُرَيْحًا على قضاء الكوفة قال [له]: انْظُرْ ما يتبين لك في كتاب اللَّه فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك في كتاب اللَّه فاتبع فيه سنة رسول اللَّه ﷺ ، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد فيه رأيك (٦).

стр. 424

[من قياس الصحابة] وفي كتاب عمر إلى أبي موسى: "اعْرِفِ الأشبَاهَ والأمثال، وقِسِ الأمور" (١). وقايَسَ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في المكاتَبِ (٢)، وقايسه في الجدِّ والإخوة؛ فشَبَّهه عليٌّ بسيلٍ انشعبت منه شُعْبة، ثم انشعبت من الشعبة شعبتان (٣)، وقايسه (٤) زيد على شجرة انشعب منها غُصْن، وانشعب من الغصن غصنان (٥). وقولهما في الجد: إنه لا يحجب الإخوة (٦)، وقاس ابنُ عباس الأضراس

стр. 425

بالأصابع، وقال: اعتبرها بها (١)؛ وسئل عليٌّ (﵁) عن مَسِيره إلى صِفِّين: هل كان بعهدٍ عَهِدهُ إليه رسولُ اللَّه ﷺ أم رأْي رآه؟ قال: بل رأي رأيته (٢). وقال عبد اللَّه بن مسعود وقد سئل عن المفوضة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسوله منه بريء (٣). [حال ابن مسعود] وقال ابنُ أبي خَيْثَمة: ثنا أبي: ثنا محمد بن خَازِم (٤)، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: مَنْ عَرَضَ له منكم قضاء فَلْيَقْضِ بما في كتاب اللَّه، فإن لم يكن في كتاب اللَّه فَلْيَقْضِ بما قضى فيه نبيُّه ﷺ ، فإن جاءَهُ أمرٌ ليس في كتاب اللَّه ولم يَقْضِ فيه نبيه ﷺ فَلْيَقْضِ بما قضى به الصالحون، فإن جاءَهُ أمر ليس في كتاب اللَّه ولم يقض به نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه، فإن لم يُحْسِن فَلْيَقُم ولا يستحيي (٥).
следующие страницы →