← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فقهاء الأمة، ومنهم مَنْ كان مُقيمًا بالكوفة كعلي وابن مسعود، وبالمدينة كعمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت، وبالبَصْرَة كأبي موسى الأشعري، وبالشام كمُعَاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان، وبمكة كعبد اللَّه بن عباس، وبمصر كعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعن هذه الأمصار انتشر العلم في الآفاق، وأكثر مَنْ رُوي عنه التحذير من الرأي مَنْ كان بالكوفة إرهاصًا بين يَدَيْ ما عَلِم اللَّه [سبحانه] (١) أنه يحدث فيها بعدهم] (٢). فصل [تأويل ما روي عن الصحابة من الأخذ بالرأي] قال أهل الرأي: وهؤلاء الصحابةُ ومَنْ بعدهم من التابعين والأئمة -وإن ذَمُّوا الرأيَ، وحَذّروا منه، ونَهَوْا عن الفتيا والقضاء به، وأخرجوه من (٣) جملة العلم- فقد رُوي عن كثير منهم الفُتْيَا والقضاء به، والدلالة عليه، والاستدلال به، كقول عبد اللَّه بن مسعود في المُفَوِّضة (٤): أقول فيها برأيي (٥)، [وقول عمر بن الخطاب لكاتبه: قل: هذا ما رأى عمر بن الخطاب (٦)، وقول عثمان بن عفان في الأمر بإفراد العُمْرَة عن الحج: إنما هو رأيٌ رأيته (٧)، وقول علي في أمَّهات الأولاد: اتفق رأيي ورأيُ عمر على أن لا يُبَعْنَ (٨).

стр. 422

وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شُرَيح: إذا وَجَدْتَ شيئًا في كتاب اللَّه فاقْض به، ولا تلتفت إلى غيره، وإن أتاك شيء ليس في كتاب اللَّه فاقْضِ بما سنَّ رسول اللَّه ﷺ ، فإن أتاك ما ليس في كتاب اللَّه [ولم يَسُنَّ رسولُ اللَّه ﷺ فاقضِ بما أجمع عليه الناس، وإن أتاك ما ليس في كتاب اللَّه ولا] (١) سنة رسول اللَّه ﷺ ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فإن شئتَ أن تجتهد رأيَكَ فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى التأخرَ إلا خيرًا لك، ذكره سفيان الثوري، عن الشَّيْبانيّ، عن الشعبي، عن شُرَيْح أن عمر كتب إليه (٢). [طريقة أبي بكر وعمر في الحكم على ما يرد عليهما] وقال أبو عُبيد في كتاب "القضاء": ثنا كَثير بن هِشَام، عن جعفر بن بُرْقَان، عن مَيْمون بن مَهْران قال: كان أبو بكر الصِّدِّيق إذا ورَدَ عليه حكمٌ؛ نَظَرَ في كتاب اللَّه تعالى، فإن وَجَد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب اللَّه نَظَر في سنة رسول اللَّه ﵁ فإن وَجَد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناسَ: هل علمتم أن رسول اللَّه ﷺ قَضَى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القومُ فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سُنَّةً سَنَّها النبي ﷺ جَمَع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيُهم على شيء قضى به (٣). وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجدَ ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر [فيه] (٤) قَضاءٌ قضى به، وإلا جَمَعَ علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيُهم على شيء قضى به (٥).

стр. 423

[طريقة ابن مسعود] وقال أبو عبيد: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: أكثروا عليه ذاتَ يوم فقال: إنه قد أتى علينا زمان وَلَسْنَا نقضي (١)، ولسنا هناك، ثم إن اللَّه بلَّغَنا ما ترون، فمن عُرِضَ عليه قضاء بعد اليوم فَلْيَقْضِ بما في كتاب اللَّه، فإن جاءه أمر ليس في كتاب اللَّه ولا قَضَى به نبيه (٢) ﷺ [فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاءه أمر ليس في كتاب اللَّه ولا قضى به نبيه ﷺ ] (٣) ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقل: إنّي أرى، وإني أخاف؛ فإن الحلال بَيِّنٌ والحرام بيِّن، وبين ذلك مشتبهات (٤)، فَدَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يريبك (٥). وقال محمد بن جَرير الطَّبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم: أنا هُشَيْم: أنا سَيَّار، عن الشَّعْبي قال: لما بعث عمر شُرَيْحًا على قضاء الكوفة قال [له]: انْظُرْ ما يتبين لك في كتاب اللَّه فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك في كتاب اللَّه فاتبع فيه سنة رسول اللَّه ﷺ ، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد فيه رأيك (٦).

стр. 424

[من قياس الصحابة] وفي كتاب عمر إلى أبي موسى: "اعْرِفِ الأشبَاهَ والأمثال، وقِسِ الأمور" (١). وقايَسَ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت في المكاتَبِ (٢)، وقايسه في الجدِّ والإخوة؛ فشَبَّهه عليٌّ بسيلٍ انشعبت منه شُعْبة، ثم انشعبت من الشعبة شعبتان (٣)، وقايسه (٤) زيد على شجرة انشعب منها غُصْن، وانشعب من الغصن غصنان (٥). وقولهما في الجد: إنه لا يحجب الإخوة (٦)، وقاس ابنُ عباس الأضراس

стр. 425

بالأصابع، وقال: اعتبرها بها (١)؛ وسئل عليٌّ (﵁) عن مَسِيره إلى صِفِّين: هل كان بعهدٍ عَهِدهُ إليه رسولُ اللَّه ﷺ أم رأْي رآه؟ قال: بل رأي رأيته (٢). وقال عبد اللَّه بن مسعود وقد سئل عن المفوضة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسوله منه بريء (٣). [حال ابن مسعود] وقال ابنُ أبي خَيْثَمة: ثنا أبي: ثنا محمد بن خَازِم (٤)، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: مَنْ عَرَضَ له منكم قضاء فَلْيَقْضِ بما في كتاب اللَّه، فإن لم يكن في كتاب اللَّه فَلْيَقْضِ بما قضى فيه نبيُّه ﷺ ، فإن جاءَهُ أمرٌ ليس في كتاب اللَّه ولم يَقْضِ فيه نبيه ﷺ فَلْيَقْضِ بما قضى به الصالحون، فإن جاءَهُ أمر ليس في كتاب اللَّه ولم يقض به نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه، فإن لم يُحْسِن فَلْيَقُم ولا يستحيي (٥).

стр. 426

[حال ابن عباس] وذكر سفيان بن عُيَيْنَة، عن عُبيد اللَّه بن أبي يزيد (١) قال: سمعت ابن عباس إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب اللَّه قال به، وإن لم يكن في كتاب اللَّه وكان عن رسول اللَّه ﷺ قال به، فإن لم يكن في كتاب اللَّه ولا عن رسول اللَّه ﷺ وكان عن أبي بكر وعمر قال به، فإن لم يكن في كتاب اللَّه ولا عن رسول اللَّه ﷺ ولا عن أبي بكر وعمر اجتهد رأيه (٢). [حال أبيّ بن كعب] وقال ابن أبي خَيْثمة: حدثني أبي: ثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، عن سُفيان، عن عبد الملك بن أبْجَر (٣)، عن الشعبي، عن مسروق قال: سألتُ أبيَّ بن كعب عن شيء فقال: أكان هذا؟ قلت: لا، قال: فأجِمَّنَا (٤) حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا (٥). [جملة من أخذ من الصحابة بالرأي] قال أبو عمر بن عبد البر: وروينا عن ابن عباس أنه أرسل إلى زيد بن ثابت: أفي كتاب اللَّه ثُلُثُ ما بقي؟ فقال: أنا أقول برأيي وتقول برأيك (٦).

стр. 427

وعن ابن عمر أنه سئل عن شيء فَعَلَهُ: أرأيتَ رسول اللَّه ﷺ فعل هذا أو شيء رأيته؟ قال: بل شيء رأيته (١). وعن أبي هريرة أنه كان إذا قال في شيء برأيه قال: هذه من كِيسِي، ذكره ابن وهْبَ، عن سُليمان بن بلال، عن كثير بن زَيْد، عن وليد بن رَبَاح (٢) عن أبي هريرة (٣). وكان أبو الدرداء يقول: إيَّاكم وفِرَاسَةَ العلماء (٤)، احذروا أن يشهدوا عليكم شهادَةً تكُبُّكُمْ على وجوهكم في النار، فواللَّه إنه للحَقُّ يقذف اللَّه في قلوبهم (٥). قلت: وأصل هذا في الترمذي (٦) مرفوعًا: "اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور اللَّه، ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥].

стр. 428

وقال أبو عمر: ثنا عبد الوارث بن سفيان: ثنا قاسم بن أصْبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخُشَنِي (١) ثنا إبراهيم بن أبي الفياض البَرْقّي الشيخ الصالح: ثنا سُليمان بن يَزيع الإسكندراني: ثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن سعيد بن المسَيَّبِ، عن علي، قال: قلت: يا رسول اللَّه الأمر ينزل بنا لم يَنْزِل فيه القرآن، ولم تَمْضِ فيه منك سنة، قال: "اجْمَعُوا له

стр. 429

العالِمين (١) -أو قال: العابدين- من المؤمنين، فاجعلوه شُورى بينكم، ولا تَقْضُوا (٢) فيه برأي واحد" (٣). وهذا غريب جدًّا من حديث مالك، وابراهيم البَرْقي وسُليمان ليسا ممن يحتج بهما. وقال عمرُ لعلي وزيد: لولا رأيُكما لاجتمع رأيي ورأي أبي بكر، كيف يكون ابني ولا أكون أباه؟ يعني الجد (٤). وعن عمر أنه لقي رجلًا فقال: ما صنعت؟ قال: قضى عليٌّ وزيدٌ بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردُّك إلى كتاب اللَّه أو [إلى] سنة نبيه ﷺ لفعلت، ولكني أردك إلى رأيٍ، والرأي مشترك (٥). فلم يَنْقُضْ ما قال علي وزيد. وذكر الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: إن اللَّه اطَّلَعَ في قلوب العباد فرأى قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد؛ فاختاره لرسالته، ثم اطلع في قلوب العباد بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته، فما

стр. 430

رآه المؤمنون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح (١). وقال ابن وهب عن ابن لَهِيعة: إن عمر بن عبد العزيز استعمل عُرْوَة بن محمد السَّعْدي على اليمن، وكان من صالحي عُمَّال عمر، وإنه كتب إلى عمر يسأله عن شيء من أمر القضاء، فكتب إليه عمر: لَعَمْرِي، ما أنا بالنشيط على الفتيا وما وجدت منها بُدًّا، وما جعلتك إلا لتكفيني، وقد حَمَّلتك ذلك، فاقض فيه برأيك (٢). [و] (٣) قال محمد بن سعد: أخبرني رَوْح بن عُبادة: ثنا حماد بن سلمة، عن الجُرَيْري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال للحسن: أرأيت ما تُفْتِي به الناس، أشيء سمعته أم برأيك؟ فقال الحسن: لا واللَّه ما كُلُّ ما نفتي به سمعناه، ولكنْ رأيُنَا لهم خير من رأيهم لأنفسهم (٤). وقال محمد بن الحسن: مَنْ كان عالمًا بالكتاب والسنة وبقول أصحاب رسول اللَّه ﷺ وبما استحسن فقهاء المسلمين وَسِعَهُ أن يجتهد رأيه فيما يُبتلى به، ويقضي به، ويمضيه في صلاته وصيامه وحجِّه وجميع ما أُمِرَ به ونُهي عنه، فإذا

стр. 431

اجتهد ونَظَرَ وقاس على ما أشبه ولم يألُ؛ وَسِعَهُ العمل بذلك، دفين أَخْطَأَ الذي ينبغي أن يقول به (١). فصل ولا تعارض بحمد اللَّه بين هذه الآثار، عن السادة الأخيار، بل كلها حق، وكل منها له وجه، وهذا إنما يتبين بالفرق بين الرأي الباطِلِ الذي ليس من الدين والرأي [الحق] (٢) الذي لا مَنْدُوحة [عنه] (٢) لأحد من المجتهدين، فنقول وباللَّه المستعان: [معنى الرأي] الرأي في الأصل مصدر رَأَى الشَيءَ، يَرَاهُ، رَأْيًا (٣)، ثم غلب استعماله على المْرئي نفسه من باب استعمال المصدر في المفعول، كالهَوَى في الأصل مصدر هَوِيه يَهْوَاهُ هَوًى (٤)، ثم استعمل في الشيء الذي يُهْوَى؛ فيقال: هذا هَوَى فلانٍ، والعرب تفرق بين مصادر فعل (الرؤية) بحسب محلها (٥) فتقول: رأى كذا في النوم رُؤْيا، ورآه في اليقظة رؤيةً، ورأى كذا -لما يعلم بالقلب ولا يرى بالعين- رَأيًا، ولكنهم خَصُّوه بما يراه القلب بعد فِكْرٍ وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات؛ فلا يقال لمن رأى بقلبه أمرًا غائبًا عنه مما يَحُسُّ به: إنه رأي (٦)، ولا يقال أيضًا للأمر المَعْقُول الذي لا تختلف فيه العقولُ ولا تتعارض فيه الأمارات: إنه رأي، وإن احتاج إلى فكر وتأمل كدقائق الحساب ونحوها (٧).

стр. 432

[الرأي على ثلاثة أنواع] فإذا عُرِف هذا فالرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه؛ والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به وأفْتَوا به، وسَوَّغُوا القول به، وذمُّوا الباطل، ومنعوا من العمل [به] (١) والفتيا والقضاء به، [وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله. والقسم الثالث: سَوَّغوا العمل والفُتْيَا والقضاء به] (٢) عند الاضطرار إليه حيث لا يوجد منه بُدٌّ، ولم يلزموا أحدًا العمل به، ولم يُحرِّموا مخالفته، ولا جعلوا مُخالِفَه مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خَيَّرُوا بين قبوله ورده؛ فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه، كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس، فقال لي: عند الضرورة (٣) وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة: لم يُفَرِّطُوا فيه ويُفَرِّعُوه ويُوَلِّدُوه ويُوَسِّعُوه كما صنع المتأخرون، بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها، كما يوجد كثير من الناس يضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه وتَعَسُّر حفظه، فلم يتعدَّوا (٤) في استعماله قدر الضرورة، ولم يَبْغُوا العدول (٥) إليه مع تمكنهم من النصوص والآثار؛ كما قال تعالى في المضطر إلى الطعام المُحَرَّم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦)﴾ [البقرة: ١٧٣] فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصُّل إلى المُذَكَّى، والعادي: الذي يتعدَّى قدر الحاجة بأكلها. [الرأي الباطل وأنواعه] فالرأي الباطل أنواع: أحدها: الرأي المخالف للنص، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام

стр. 433

فسادُه وبطلانه، ولا تحلُّ الفتيا به ولا القضاء، وإن (١) وقع فيه مَنْ وقع بنوع تأويلٍ وتقليد. النوع الثاني: هو الكلام في الدين بالخرْص والظن، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، فإنَّ مَنْ جهلها وقاسَ برأيه فيما سئل عنه بغير علم، بل لمجرد (٢) قدر جامع بين الشَّيئين ألحق أحدهما بالآخر، أو لمجرد قدرٍ فارقٍ يراه بينهما، ففرق (٣) بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار؛ فقد وقع في الرأي المذموم الباطل [فضلَّ وأضل] (٤). فصل [الرأي المتضمن تعطيل الأسماء والصفات الإلهية] النوع الثالث (٥): الرأيُ المتضمنُ تعطيلَ أسماءِ الربِّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال من الْجَهْمِيَّة والمُعْتَزلة والقَدَريَّة ومن ضَاهَاهُم، [حيث استعمل أهله قياساتِهِم الفاسدة وآراءَهم الباطلة وشُبَهَهَم الداحضة في رَدِّ النصوص الصحيحة الصريحة، فردوا لأَجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي [لم يجدوا] (٦) إلى رَدِّ ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف [والتأويل] (٧)، فانكروا لذلك رؤية المؤمنين رَبَّهم في الآخرة، وأنكروا كلامه وتكليمه لعباده، وأنكروا مباينته للعالم، واستواءه على عرشه، وعُلوَّهُ على المخلوقات، وعموم قدرته على كل شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجن والإنس عن تعلُّقِ قُدْرَتِه ومشيئته وتكوينه لها، ونَفَوْا لأجلها حَقائقَ ما أَخبرَ به عن نفسه وأَخبرَ به رسولُه (٨) من صِفاتِ كَمالهِ ونُعوتِ جَلَاله؛ وحرَّفوا لأجلها النصوص عن مَواضِعِها، وأخرجوها عن معانيها [وحقائقها] (٩) بالرأي

стр. 434

المجرد الذي حقيقته أنه زُبالة الأذهان ونُخالة الأفكار وعُفارة (١) الآراء ووساوس الصدور، فملأوا به الأوراق سَوَادًا، والقلوب شُكوكًا، والعالم فسادًا. [نشأة الفساد من تقديم الرأي والهوى على الوحي] وكل من له مسْكَة من عقل، يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، و [لا] (٢) في أمة إلا فسد أمرها أتمَّ الفساد] (٣)، فلا إله إلا اللَّه كم نُفِيَ بهذه الآراء من حق، وأُثْبِتَ بها من باطل، وأميت بها من هدًى، وأحيي بها من ضلالة؟ [وكم هُدِمَ بها من مَعْقَل الإيمان (٤)، وعُمِّر بها من دين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل (٥) الآراء الذين لا سَمْعَ لهم ولا عَقْل، بل هم شرٌّ من الحُمُر (٦)، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] (٧). [النوع الرابع من الرأي] النوع الرابع: الرأي الذي أُحدثت به البدع، وغُيِّرت به السنن، وعمَّ به البلاء، وتربَّى عليه (٨) الصغير، وهَرِمَ فيه الكبير. فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمَّة وأئمتها على ذمِّه وإخراجه من الدين. [النوع الخامس من الرأي] النوع الخامس: ما ذكره أبو عمر بن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي ﷺ وعن أصحابه والتابعين [﵃] (٩) أنه

стр. 435

القول في [أحكام] (١) شرائع الدين بالاستحسان والظُّنون، والاشتغال بحفظ المعْضِلات والأغلوطات، ورَدِّ الفروع [والنوازل] (٢) بعضها على (٣) بعضٍ قياسًا، دون ردها على أصولها والنظر في عللها واعتبارها، فاستُعْمِل فيها الرأي قبل أن [تنزل] (٤)، وفُرِّعت وشُققت (٥) قبل أن تقع، [وتُكّلِّم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن] (٦)، قالوا: وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن، والبعث على [جهلها] (٧)، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها، ومن كتاب اللَّه [ ] ومعانيه، واحتجوا (٨) على [صحة] (٩) ما ذهبوا إليه [من ذلك] (١٠) بأشياء. [لَعْنُ مَنْ يسأل عَمَّا لم يكن] ثم ذكر من طريق أسد بن موسى: ثنا شَرِيك عن لَيْث، عن طاوس، عن ابن عمر قال: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يلعن مَنْ سأل (١١) عما لم يكن (١٢)، ثم

стр. 436

ذكر من طريق أبي داود: ثنا إبراهيم بن موسى الرَّازي (١): ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عبد اللَّه بن سعد، عن الصُّنابحي، عن معاوية [﵁] (٢) أن النبي ﷺ نَهَى عن الأُغُلُوطات (٣).

стр. 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 438

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي بإسناده [مثله] (١)؛ وقال: فسَّره الأوزاعي يعني صِعَاب المسائل. وقال الوليد بن مسلم: عن الأوزاعي، عن عبد اللَّه بن سَعْد، عن عبادة بن [نسي، عن] (٢) الصُّنَابحي، عن معاوية بن أبي سُفيان أنهم ذكروا المسائل [عنده] (٣)، فقال: أتعلمون أن رسول اللَّه ﷺ [نهى عن عُضَل المسَائِل (٤). قال أبو عمر: واحتجوا أيضًا بحديث سهل [بن سعد] (٥) وغيره أن رسول اللَّه ﷺ ] (٦) كره المسائل وعَابَها (٧)، وبأنه ﷺ قال: "إن اللَّه [ ] (٨) يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال" (٩). [وقال ابن أبي خَيْثمة: ثنا أبي: [ثنا عبد] (١٠) الرحمن بن مهدي: ثنا مالك، عن الزُّهْري، عن سهل بن سعد قال: لعن رسولُ اللَّه ﷺ المسائل وعابها (١١). قال أبو بكر: هكذا ذكره أحمد بن زهير بهذا الإسناد، وهو خلاف لفظ "الموطأ" (١٢).

стр. 439

قال أبو عمر: وفي سماع أشهب: سئل مالك عن قول رسول اللَّه ﷺ : "أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال"، فقال: أما كثرة السؤال [فلا أدري أ] (١) هو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل؛ فقد كره رسول اللَّه ﷺ المسائل وعَابَها (٢)، وقال اللَّه [ ] (٣): ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فلا أدري أهو هذا أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاء؟!. وقال الأوزاعي، عن عَبْدة بن أبي لُبَابة: وددت أن [حَظِّيَ] (٤) من أهل هذا الزمان أن لا أسالهم عن شيء ولا يسألوني [عن شيء] (٥)، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدَّراهم بالدَّراهم (٦).

стр. 440

قال: واحتجوا أيضًا (١) بما رواه ابن شِهَاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أباه يقول: قال رسول اللَّه ﷺ "أعْظَمُ المسلمين في المسلمين جُرْمًا مَنْ سأل عن شيء لم يُحرَّم على المسلمين فحرَّم عليهم من أجل مسألته" (٢). وروى ابن وهب أيضًا قال: حدثني ابن لَهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ذَرُوني ما تركتكم؛ فإنما أهلك (٣) [من كان قبلكم بكثرة] (٤) سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فَخُذُوا منه ما استطعتم" (٥). وقال سفيان بن عُيَيْنة، عن عمرو، عن طاوس قال: قال عمر بن الخطاب [﵁] (٦) وهو على المنبر: أحَرِّجُ باللَّه على [كل] (٧) امرئ سأل عن شيء لم يكن، فإن اللَّه [ ] (٨) قد بَيَّين ما هو كائن (٩). [سؤال الصحابة عما ينفع] وقال أبو عمر: وروى جَرير (١٠) بن عبد الحميد ومحمد بن فُضَيْل عن عطاء بن السَّائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا خَيْرًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ﷺ ، كلهن في القرآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم (١١).

стр. 441

قال أبو عمر: ليس في الحديث من الثلاث عَشْرَة مسألة إلا ثلاث (١). قلت: ومراد ابن عباس بقوله: "ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة" المسائل التي حكاها اللَّه في القرآن عنهم، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبيّنَ لهم أحكامها بالسنة لا تكاد تحصى، ولكن إنما كانوا يسألونه عما ينفعهم من الواقعات، ولم يكونوا يسألونه عن المقدَّرات والأغلوطات وعُضَل المسائل، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها، بل كانت همَمُهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به، فإذا وقع بهم أمر سألوا عنه فأجابهم (٢). [الأشياء التي نُهيَ عن السؤال عنها] وقد قال [اللَّه] (٣) تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠١ - ١٠٢]. وقد اختُلِف في هذه الأشياء المسؤول عنها: هل (٤) أحكام قَدَريَّة أو أحكام شرعية؟ على قولين؛ فقيل: إنها أحكام شرعية عفا اللَّه عنها، أي سكتَ عن تحريمها فيكون سؤالهم عنها سبب تحريمها، ولو لم يسألوا

стр. 442

[عنها] (١) لكانت عفوًا، ومنه قوله ﷺ وقد سُئل عن الحج-: "أفي كُلِّ عام؟ فقال: لو قُلتُ نعم لوجبت، ذَرُوني ما تركتكم، فإنما هَلَكَ مَنْ كان قبلكم بكثرة مَسَائِلِهم (٢) واخِتلافِهِم على أَنْبِيائِهم" (٣)؛ ويدل على هذا التأويل حديثُ أبي ثعلبة [المذكور] (٤) "إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرْمًا [من سَئل عن شيء لم يُحرّم، فحُرِّم من أجل مسألته" (٥)]، ومنه الحديث الآخر: "إن اللَّه فَرَضَ فرائض فلا تضيِّعوها، وحد حدودًا فلا تَعْتَدُوها، وحَرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم [من] (٦) غير نِسْيَانٍ فلا تبحثوا عنها" (٧) وفُسِّرت بسؤالهم عن أشياء من الأحكام القدرية؛ كقول عبد اللَّه بن حُذَافة: "مَنْ أبي يا رسول اللَّه؟ " (٨)، وقول آخر: "أيْنَ أبي (٩) يا رسول اللَّه؟ " قال: "في النار" (١٠). [توضيح معنى آية النهي عن السؤال] والتحقيق أن الآية تعم النهيَ عن النوعين، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدَ

стр. 443

لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [إما] (١) في أحكام الخلق والقدر، فإنه يسوءهم أن يبدوَ لهم [ما يكرهونه مما سألوا عنه، وإما في أحكام التكليف فإنه يسوءهم أن يبدوَ لهم] (٢) ما يشقُّ عليهم تكليفه مما سألوه عنه. وقوله [تعالى] (٣): ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فيه قولان: أحدُهما: أنَّ القُرْآن إذا نَزَل بها ابتداءً بغير سؤال فسَألتُم عن تفصيلِها وعِلْمها أُبديَ لكم وبُيّنَ لكم، والمراد بحين النزول زمنه المتصل [به] (٤)، لا الوقت المقارن للنزول، وكأن في هذا إذنًا لهم في السؤال عن تَفْصيل المُنزَّل ومعرفته بعد إنزاله؛ ففيه رفعٌ لتوهُّمِ المَنْعِ من السؤال عن الأشياء مطلقًا. والقول الثاني: أنه من باب التهديد والتحذير، أي [إن] (٥) سألتم عنها في وقتِ نُزولِ الوَحي جاءكم بيانُ ما سألتم عنه [ولا بد، وبَدا لكم ما يسُؤكم؛ (لأنه وقت وحي، فاحذروا أن يُوحيَ اللَّه إلى رسوله في بيان ما سألتم عنه ما] (٦) يسوءكم والمعنى: لا تتعرضوا للسؤال عما يسوءُكُم) (٧) بيانُه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أُبديَ لكم. وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي: عن بيانها خبرًا وأمرًا، بل طوى بيانَها عنكم رحمةً ومغفرةً وحلمًا (٨) واللَّه غفور حليم. فعلى القول الأول: عفا اللَّه عن التكليف بها تَوْسِعَةَ عليكم، وعلى القول الثاني: عفا اللَّه عن بيانها لئلا يسوءكم بيانها (٩). وقوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ أراد نوع تلك المسائل، لا أعيانها، أي قد تعرَّضَ قوم من قبلكم لأمثال هذه المسائل، فلما بُيِّنَت لهم كفروا بها، فاحذروا مشابهتَهُم والتعرُّضَ (١٠) لما تعرضوا له. ولم ينقطع حكم هذه الآية، بل [لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال] (١١) عما

стр. 444

إن بدا له ساءه، بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو اللَّه، ومن ههنا قال عمر بن الخطاب [﵁] (١): يا صاحب الميزاب، لا تخبرنا، لما سأله رفيقه عن مائِه أطاهر أم لا (٢)؟ وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طَوَاه عنه وسَتَره، فلعلَّه يسوءه إن بَدَى له، فالسؤال عن جميع ذلك تعرُّض لما يكرهه اللَّه؛ فإنه سبحانه يكره إبدائها، ولذلك سكت عنها، [واللَّه أعلم] (٣). فصل [الآثار عن التابعين في ذم الرأي] قالوا: ومن تدبر الآثار المروية في ذم الرأي وجدَها لا تخرج عن هذه الأنواع المذمومة، ونحن نذكر آثار التابعين ومَنْ بعدهم بذلك؛ ليتبيَّن مرادهم: قال الخُشَني: ثنا محمد بن بَشَار: ثنا يحيى بن سعيد القَطَّان، عن مُجَالد عن الشعبي، قال: لعن اللَّه أَرأيتَ (٤).

стр. 445

قال يحيى بن سعيد: وثنا صالح بن مُسْلِم قال: سألت الشعبي عن مسألة من النكاح فقال: إن أخبرتُكَ برأيي [فَبُل] عليه (١). [قالوا: فهذا قول الشعبي في رأيه، وهو من كبار التابعين] (٢)، وقد لَقي مئة وعشرين من الصحابة، وأخذ عن جمهورهم (٣). وقال الطحاوي: ثنا سُليمان بن شُعَيْب: ثنا عبد الرحمن بن خالد: ثنا مالك بن مِغْوَل، عن الشعبي قال: ما جاءكم به هؤلاء عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ فخذوه، وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحشِّ (٤). [وقال البخاري: حدثنا سُنيد بن داود: ثنا حماد بن زيد (٥)، عن عمرو بن دينار قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك، قال: إنا للَّه وإنا إليه

стр. 446

راجعون، يكتبونه وأنا أرجع عنه غَدًا (١). وقال إسحاق بن راهويه] (٢): قال سفيان بن عُيَينة: اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم، لا أن [يقول هو] (٣) برأيه. [وقال ابن أبي خَيْثَمة: ثنا الحَوْطي: ثنا إسماعيل بن عَيَّاش، عن سوادة بن زياد وعَمرو بن المُهاجر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس: إنه لا رَأْيَ لأحد مع سنةٍ سَنَها رسولُ اللَّه ﷺ ] (٤). قال أبو نَضْرَة (٥): سمعت أبا سَلَمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصري: بَلَغني أنك تُفْتِي برأيك، فلا تُفْتِ برأيك إلا أن يكون سنةً عن رسول اللَّه ﷺ (٦). [وقال البخاري: حدثني محمد بن مَحْبوبِ: ثنا عبد الواحد: ثنا الزِّبْرقان بن عبد اللَّه الأسدي أن أبا وائل شَقِيق بن سَلَمة قالَ: إياك ومجالسَةَ من يقول: أرأيت أرأيت (٧).

стр. 447

وقال أبان بن عيسى بن دِينار، عن أبيه، عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن شِهَاب قال: دَعُوا السنة تمضي، لا تَعَرَّضُوا لها بالرأي] (١). وقال يُونُس، [ثنا ابن وهب أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود -وهو محمد بن عبد الرحمن بن نَوْفَل- سمعت عُرْوة بن الزبير يقول: ما زال أمرُ بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولِّدون [أبناء] سَبَايا الأمم (٢)، فأخذوا فيهم بالرأي، فأضَلُّوهم (٣).

стр. 448

وذكر ابن وَهْب، عن ابن شِهَاب أنه قال وهو يذكر ما وَقَعَ فيه الناسُ من هذا الرأي وتركهم السنن، فقال: إن اليهودَ والنصارى [إنما] (١) انسلخوا من العلم الذي بأيديهم حين اتَّبَعُوا الرأي وأخذوا فيه (٢). [وقال ابن وَهْب: حدثني ابنُ لَهيعة أن رجلًا سأل سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن شيء، فقال: لم أسمع في هذا شيئًا، فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك اللَّه برأيك، فقال: لا، ثُمَّ أعاد عليه، فقال: إني أَرْضى برأيك (٣)، فقال [سالم: إنِّي] لعلِّي إنْ أخبرتُك برأيي ثم تذهب فأرّى بعد ذلك رأيًا غيره فلا أجدك (٤). وقال البُخاريُّ: حدثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه الأُوَيْسيُّ: ثنا مالك بن أنس قال: كان رَبيعة يقول لابن شهاب: إن حالي ليس يُشْبه حالك، أنا أقول برأيي

стр. 449

مَنْ شاء أخذه وعمل به ومَنْ شاء تركه (١). وقال الفريابي: ثنا أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: سمعت حماد بن زيد يقول: قيل لأيوبَ السِّخْتِياني: مالك لا تنظر في الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار مالك لا تَجترُّ (٢)؟ قال: أكره مَضْغَ الباطل (٣). وقال الفِرْيَابي: ثنا العَبَّاس بن الوليد بن مَزْيَد: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعيَّ يقول: عليك بآثار مَنْ سَلَفَ وإن رَفَضَك الناسُ، وإياك وآراء الرجال وإن زَخْرَفوا لك القول (٤). وقال أبو زرعة: ثنا أبو مُسْهِر قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول أنه كان إذا سُئِل (٥) لا يُجيبُ حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، هذا الرأي، والرأيُ يخطئُ ويصيب] (٦).

стр. 450

وقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد كلاهما عن أبي حنيفة أنه قال: عِلْمُنَا هذا رأيٌ، وهو أحسن ما قَدِرْنا عليه، ومن جاءنا بأحْسَنَ منه قبلناه منه. [وقال الطحاوي: ثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم: ثنا أشهب بن عبد العزيز قال: كنتُ عند مالك فسُئل عن ألبتَّة (١)، فأخَذْتُ ألواحي لأكتب ما قال، فقال لي مالك: لا تفعل، فعَسَى في العشيِّ أقول: إنها واحدة] (٢). وقال مَعْنُ بن عيسى القَزَّاز: سمعت مالكًا يقول: إنما أنا بشر أُخطئ وأُصيب، فانظروا في قولي، فكلُّ ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتابَ والسنة فاتركوه (٣). فرضيَ اللَّه عن أئمة الإسلام، وجَزَاهم عن نصيحتهم [للأمة] (٤) خيرًا، ولقد امتثل وصيتَهم وسلك سبيلَهم أهلُ العلم والدين من أتباعهم. [المتعصبون عكسوا القضية] وأما المتعصبون فإنهم عكسوا القضية، ونظروا في السنة، فما وافق أقوالَهم منها قبلوه، وما خالفها تحيَّلوا في ردِّه أو ردِّ دلالته، وإذا جاء نظيرُ ذلك أو أضعفُ منه سندًا ودلالَةً وكان موافقًا (٥) قولَهم قبلوه، ولم يستجيزوا رده، واعترضوا به على (٦) منُازعيهم، وأشاحوا (٧) وقرَّروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته، فإذا جاء ذلك السندُ [بعينه] (٨) أو أقوى منه، ودلالته كدلالة ذلك أو

стр. 451

أقوى منه في خلاف قولهم، دفَعُوهُ ولم يقبلوه، وسنذكر من هذا إن شاء اللَّه طَرَفًا عند ذكر غائلة (١) التقليد وفساده، والفرق بينه وبين الاتِّباع. [كلام أئمة الفقهاء في الرأي] و [قال بَقِيُّ بن مَخْلَد: ثنا سَحْنون والحارثُ بن مِسْكين] (٢)، عن [ابن] (٣) القاسم عن مالك أنه كان يُكثر أن يقول: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (٤) [الجاثية: ٣٢]. وقال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مَرَضِه الذي مات فيه، فسلّمْتُ عليه، ثم جلستُ، فرأيته يبكي، فقلت له: يا أبا عبد اللَّه، ما الذي يبكيك؟ فقال [لي]: يا ابن قعنب، ومالي لا أبكي؟ ومَنْ أحقُّ بالبكاء مِنِّي؟ واللَّه لودِدْتُ أني ضُربت بكلِّ (٥) مسألة أفْتَيْتُ فيها بالرأي سَوْطًا، وقد كانت لي السَّعَة فيما قد سُبقت [إليه]، وليتني لم أفْتِ بالرأي (٦). وقال ابنُ أبي داود: ثنا أحمد بن سِنان قال: سمعت الشافعيَّ يقول: مَثَلُ الذي يَنْظرُ في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عُولج حتى بَرأ فأعقل ما يكون قد هاج به (٧). وقال ابن أبي داود: حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: لا تكاد تَرَى أحدًا ينظر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَل (٨).

стр. 452

وقال عبد اللَّه بن أحمد أيضًا: سمعت أبي يقول: الحديثُ الضعيف أحَبُّ إليَّ من الرأي، وقال عبد اللَّه (١): سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجدُ [فيه] إلا صاحبَ حديثٍ لا يعرف صحيحَه من سقيمه وأصحابَ رأيٍ، فتنزل بهم (٢) النازلة؟ فقال أبي: يسأل أصحابَ الحديث، ولا يسأل أصحابَ الرأي، ضعيفُ الحديثِ أقوي من الرأي (٣). [أبو حنيفة يقدم الحديث الضعيف على الرأي والقياس] وأصحاب أبي حنيفة [﵀] (٤) مُجْمِعُونَ على أن مذهبَ أبي حنيفة أن ضعيف الحديث [عنده أولى] (٥) من القياس والرأي، وعلى ذلك بَنَى مذهبه، كما قدَّم حديث القَهْقَهة (٦) مع ضعفه على القياس والرأي، [وقَدَّم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السَّفر (٧) مع ضَعْفه على الرأي والقياس، ومنع قَطْعَ السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم (٨) والحديث فيه ضعيف، وجعل أكثرَ الحيض عشرةَ أيام (٩) والحديث فيه ضعيف، وشَرَط في إقامة الجمعة المِصْرَ والحديثُ فيه كذلك (١٠)

стр. 453

وترك القياس المحْضَ في مسائل [الآبار] لآثار فيها غيرِ مرفوعةٍ (١)، فتقديمُ (٢) الحديثِ الضعيفِ وآثار الصحابة على القياس والرأي (٣) قولهُ، وقولُ الإمام أحمد. [المراد بالحديث الضعيف عند السلف] وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسميه المتأخرون حسنًا قد يسميه المتقدمون ضعيفًا كما تقدم بيانه] (٤). [السلف جميعهم على ذم الرأي] والمقصود أن السلف جميعَهم على ذَمِّ الرأي والقياس المخالِفِ للكتاب والسنة، وأنه لا يحل العمل به لا فُتْيَا ولا قضاءً (٥)، وأن الرأي الذي لا يُعلم

стр. 454

مخالفته للكتاب والسنة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه، من غير إلزام ولا إنكار على من خالفه. [قال أبو عمر بن عبد البر: ثنا عبد الرحمن بن يحيى: ثنا أحمد بن سعيد بن حزم: ثنا عبد اللَّه بن يحيى [بن يحيى] (١)، عن أبيه أنه كان يأتي ابنَ وَهْبٍ فيقول له: من أين؟ فيقول له: من عند ابن القاسم، فيقول له ابن وهب: اتَّقِ اللَّه؛ فإن أكثر هذه المسائل رأي (٢). وقال الحافظ أبو محمد: ثنا عبد الرحمن بن سلمة: ثنا أحمد بن خليل: ثنا خالد بن سعيد: أخبرني محمد بن عمر بن كنانة، ثنا أبان بن عيسى بن دينار قال: كان أبي قد أجْمَع على ترك الفتيا بالرأي، وأحَبَّ الفُتْيَا بما رُوي من الحديث، فأعجلته المنية عن ذلك (٣). وقال أبو عمر: وروى الحسنُ بن واصل أنه قال: إنما هَلَكَ مَنْ كان قبلكم حين تشَعَّبَتْ بهم السُّبُلُ، وحادُوا عن الطَّريق، وتركوا الآثار، وقالوا في الدين برأيهم، فضلَّوا وأضلَّوا (٤). قال أبو عمر: وذكر نُعَيْم بن حَمَّاد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق: مَنْ يَرْغَب برأيه عن أمر اللَّه يَضِلُّ (٥). وذكر ابن وهب قال: أخبرني بكر بن مضر (٦) عن رجل من قريش أنه سمع ابنَ شِهاب يقول، وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن، فقال: إن اليهود والنصارى إنما انْسَلَخُوا من العلم الذي كان بأيديهم حين اشتقوا الرأي وأخذوا فيه (٧).

стр. 455

وذكر ابن جَرير في [كتاب] (١) "تهذيب الآثار" له عن مالك قال: قُبِضَ رسولُ اللَّه ﷺ قد تمَّ هذا الأمر واستكمل؛ فإنما ينبغي (٢) تَتّبع آثارَ رسولِ اللَّه ﷺ ولا تتبَّع (٣) الرأي؛ فإنه من اتَّبع الرأي جاء رجلٌ آخر أقوى منه في الرأي فاتبعه، [فأنت] كلما جاء رجل غَلَبَكَ اتبعته (٤). وقال نُعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك، عن عبد اللَّه بن وَهْب أن رجلًا جاء إلى القاسم بن محمد، فسأله عن شيء، فأجابه، فلما ولّى الرجلُ دَعَاه فقال له: لا تَقُلْ إن القاسم زعمَ أن هذا هو الحق، ولكن إذا اضْطُرِرْتَ إليه عملتَ به (٥). وقال أبو عمر: قال ابن وَهْب: قال لي مالك بن أنس، وهو يُنكر كثرةَ الجواب للمسائل: يا عبد اللَّه، ما علمتَه فَقُلْ به ودُلَّ عليه، وما لم تعلم فاسكت، وإياك أن تتقلد للناس قِلادَةَ سوء (٦). وقال أبو عمر: وذكر محمد بن حارث بن أسد الخُشَني: أنبأنا أبو عبد اللَّه محمد بن عَبّاس (٧) النَّحَّاس قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحداد يقول: سمعتُ سحنون بن سعيد يقول: ما أدري ما هذا الرأي! سُفِكت به الدِّماء، واسْتُحِلَّت به الفُرُوج، واسْتُحِقَّت به الحقوق، غير أنَّا رأينا رجلًا صالحًا فقلدناه] (٨).

стр. 456

وقال سَلَمة بن شَبيب: سمعت أحمد يقول: رأيُ الشافعي ورأيُ مالك ورأيُ أبي حنيفة كلّه عنده رأي (١)، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار (٢). وقال أبو عُمَر بن عبد البر: أنشدني عبد الرحمن بن يحيى: أنشدنا أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي (٣) بمكة أنشدنا محمد بن جعفر: أنشدنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل عن أبيه: دينُ النبيِّ محمدٍ آثارُ (٤) ... نِعْمَ المطيَّةُ للفتى الأخْبَارُ لا تُخدَعَنَّ عن الحديث وأهلِهِ ... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نَهَارُ ولربما جهل الفتى طُرُقَ الهُدَى ... والشمسُ طالعةٌ لها أنوارُ (٥) ولبعض أهل العلم: العلم قال اللَّه قال رسوله ... قال الصَّحابةُ ليس خُلْفٌ فيهِ ما العلم نَصْبُكَ للخلاف سَفَاهَةً ... بين النصوص وبين رأي سَفِيهِ كلَّا! ولا نَصْبُ الخلاف جَهَالةَ ... بين الرسول وبين رأي فقيهِ كلَّا! ولا رَدُّ النُّصوصِ تعمُّدًا ... حَذَرًا من التَّجْسيم والتَّشبيهِ حاشا النُّصُوصَ من الذي رُمِيَتْ به ... من فرْقَةِ التَّعطيل والتَّمويهِ فصل في الرأي المحمود، وهو أنواع [النوع] (٦) الأول: رأي أفقه الأمة، وأبَرِّ الأمة قلوبًا، وأعمقهم علمًا (٧)، وأقلهم تكلَّفًا، وأصحهم قُصُودًا، وأكملهم فِطْرة، وأتمهم إدراكًا، وأصفاهم

стр. 457

أذهانًا، الذين (١) شاهدوا التنزيل، وعَرَفوا التأويل، وفَهِمُوا مقاصد الرسول؛ فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول ﷺ كنسبتهم إلى صحبته؛ والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قَدْرهم إلى قَدْرهم. [قول الشافعي في الصحابة وآرائهم] قال الشافعي [﵀] (٢) في "رسالته البغدادية" التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني (٣)، وهذا لفظه: "وقد أثنى اللَّه ﵎ على أصحاب رسول اللَّه ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول اللَّه ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم اللَّه وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصَّالحين، أدُّوا إلينا سُنَنَ رسول اللَّه ﷺ ، وشاهدوه والوحي (٤) ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول اللَّه ﷺ عامًا وخاصًا وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا (٥)، وهم فوقنا في كل عملٍ واجتهادٍ وورعٍ [وعقلٍ] (٢) وأمرٍ استدرك به علم واستنبط به، وآراوْهم [لنا] (٢) أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومَنْ أَدْرَكنا ممن يُرْضى أو حُكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول اللَّه ﷺ فيه سُنَّةً إلى قولهِم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله". ولما كان رأي الصحابة عند الشافعي بهذه المثابة قال [الشافعي] (٦) في الجديد في كتاب الفرائض في ميراث الجد والإخوة (٧): وهذا مذهب تلقيناه عن زيد بن ثابت، وعنه أخذنا أكثر الفرائض. قال: والقياس عندي قتل الرَّاهبِ لولا ما جاء عن أبي بكر ﵁ (٨)، فترك

стр. 458

صريح القياس لقول (١) الصديق. وقال في رواية الربيع عنه: والبدعة ما خالف كتابًا أو سنةً أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ . فجعل ما خالف قول الصحابي (٢) بدعة، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى إشباع الكلام في هذه المسألة، وذكر نصوص الشافعي عند ذكر تحريم الفتوى بخلاف ما أفتى به الصحابة، ووجوب اتّباعهم في فتاويهم، [وأن لا] (٣) يخرج من جملة أقوالهم، وأن الأئمة متفقون على ذلك. [ليس مثل الصحابة أحد، وما وافق فيه عمر القرآن] والمقصود أن أحدًا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، و [كيف يساويهم] (٤) وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته؟ كما رأى عمر [في أَسَارَى] (٥) بدر أن تُضرب أعناقُهم فنزل القرآن بموافقته (٦)، ورأى أن تُحجب نساء النبي ﷺ فنزل القرآن بموافقته (٧)، ورأى أن يُتخذ من مقام إبراهيم مصلى فنزل القرآن بموافقته (٨)؛ وقال لنساء النبي ﷺ لما اجتمعن في الغيرة عليه: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] فنزل القرآن بموافقته (٩)، ولما توفي عبد اللَّه بن أبيّ قام رسول اللَّه ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه، فقال: يا رسول اللَّه إنه منافق، فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ فأنزل اللَّه

стр. 459

عليه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١) [التوبة: ٨٤]. [حكم سعد بن معاذ وابن مسعود بحكم اللَّه] وقد قال سعد بن معاذ لما حكَّمه النبي ﷺ في بني قريظة: إني أرى أن تُقْتل مقاتلتُهم، وتُسبى ذرياتُهم (٢)، وتُغنم أموالُهم، فقال النبي ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه من فوق سبع سماوات" (٣). ولما اختلفوا في [المفوضة (٤) شهرًا إلى ابن مسعود قال]: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسوله بريء منه، أرى أن لها مَهْر نسائها لا وَكْس ولا شَطَطْ، ولها الميراث، وعليها العِدَّة، فقام ناس من أشْجَعَ فقالوا: نشهد أن رسول اللَّه ﷺ قضى في امرأة منا يُقال لها بَرْوَع بنت واشِق، بمثل ما قضيت [به]، فما فرح ابن مسعود بشيء بعد الإسلام فرحه بذلك (٥).

стр. 460

[رأي الصحابة خير من رأينا لأنفسنا] وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا [لأنفسنا، وكيف لا] (١)، وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمةً وعلمًا ومعرفةً وفهمًا عن اللَّه ورسوله ونصيحةً للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم (٢)، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غَضًّا طريًا لم يَشُبْه إشكالٌ، ولم يَشُبه خلافٌ (٣)، ولم تدنسه (٤) معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم (٥) من أفسد القياس. فصل النوع الثاني من الرأي المحمود الرأي الذي يفسر النصوص، ويبيّن وجه الدلالة منها، ويقررها ويوضح محاسنها، ويُسهِّل طريق الاستنباط منها، كما قال عَبْدَان: سمعت عبد اللَّه بن المبارك يقول: "ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث" (٦). وهذا هو الفهم الذي [يختص اللَّه سبحانه به] (٧) من يشاء من عباده. ومثال هذا رأي الصحابة [﵃] (٨) في العَوْل (٩) في الفرائض عند تزاحم الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المَبْتُوتَة في مرض الموت، ورأيهم في مسألة جَرِّ الولاء، ورأيهم في المُحْرم يقع على أهله بفساد حجه ووجوب المُضيّ فيه
следующие страницы →