← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقال سَلَمة بن شَبيب: سمعت أحمد يقول: رأيُ الشافعي ورأيُ مالك ورأيُ أبي حنيفة كلّه عنده رأي (١)، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار (٢). وقال أبو عُمَر بن عبد البر: أنشدني عبد الرحمن بن يحيى: أنشدنا أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي (٣) بمكة أنشدنا محمد بن جعفر: أنشدنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل عن أبيه: دينُ النبيِّ محمدٍ آثارُ (٤) ... نِعْمَ المطيَّةُ للفتى الأخْبَارُ لا تُخدَعَنَّ عن الحديث وأهلِهِ ... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نَهَارُ ولربما جهل الفتى طُرُقَ الهُدَى ... والشمسُ طالعةٌ لها أنوارُ (٥) ولبعض أهل العلم: العلم قال اللَّه قال رسوله ... قال الصَّحابةُ ليس خُلْفٌ فيهِ ما العلم نَصْبُكَ للخلاف سَفَاهَةً ... بين النصوص وبين رأي سَفِيهِ كلَّا! ولا نَصْبُ الخلاف جَهَالةَ ... بين الرسول وبين رأي فقيهِ كلَّا! ولا رَدُّ النُّصوصِ تعمُّدًا ... حَذَرًا من التَّجْسيم والتَّشبيهِ حاشا النُّصُوصَ من الذي رُمِيَتْ به ... من فرْقَةِ التَّعطيل والتَّمويهِ فصل في الرأي المحمود، وهو أنواع [النوع] (٦) الأول: رأي أفقه الأمة، وأبَرِّ الأمة قلوبًا، وأعمقهم علمًا (٧)، وأقلهم تكلَّفًا، وأصحهم قُصُودًا، وأكملهم فِطْرة، وأتمهم إدراكًا، وأصفاهم

стр. 457

أذهانًا، الذين (١) شاهدوا التنزيل، وعَرَفوا التأويل، وفَهِمُوا مقاصد الرسول؛ فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول ﷺ كنسبتهم إلى صحبته؛ والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قَدْرهم إلى قَدْرهم. [قول الشافعي في الصحابة وآرائهم] قال الشافعي [﵀] (٢) في "رسالته البغدادية" التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني (٣)، وهذا لفظه: "وقد أثنى اللَّه ﵎ على أصحاب رسول اللَّه ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول اللَّه ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم اللَّه وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصَّالحين، أدُّوا إلينا سُنَنَ رسول اللَّه ﷺ ، وشاهدوه والوحي (٤) ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول اللَّه ﷺ عامًا وخاصًا وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا (٥)، وهم فوقنا في كل عملٍ واجتهادٍ وورعٍ [وعقلٍ] (٢) وأمرٍ استدرك به علم واستنبط به، وآراوْهم [لنا] (٢) أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومَنْ أَدْرَكنا ممن يُرْضى أو حُكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول اللَّه ﷺ فيه سُنَّةً إلى قولهِم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله". ولما كان رأي الصحابة عند الشافعي بهذه المثابة قال [الشافعي] (٦) في الجديد في كتاب الفرائض في ميراث الجد والإخوة (٧): وهذا مذهب تلقيناه عن زيد بن ثابت، وعنه أخذنا أكثر الفرائض. قال: والقياس عندي قتل الرَّاهبِ لولا ما جاء عن أبي بكر ﵁ (٨)، فترك

стр. 458

صريح القياس لقول (١) الصديق. وقال في رواية الربيع عنه: والبدعة ما خالف كتابًا أو سنةً أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ . فجعل ما خالف قول الصحابي (٢) بدعة، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى إشباع الكلام في هذه المسألة، وذكر نصوص الشافعي عند ذكر تحريم الفتوى بخلاف ما أفتى به الصحابة، ووجوب اتّباعهم في فتاويهم، [وأن لا] (٣) يخرج من جملة أقوالهم، وأن الأئمة متفقون على ذلك. [ليس مثل الصحابة أحد، وما وافق فيه عمر القرآن] والمقصود أن أحدًا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، و [كيف يساويهم] (٤) وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته؟ كما رأى عمر [في أَسَارَى] (٥) بدر أن تُضرب أعناقُهم فنزل القرآن بموافقته (٦)، ورأى أن تُحجب نساء النبي ﷺ فنزل القرآن بموافقته (٧)، ورأى أن يُتخذ من مقام إبراهيم مصلى فنزل القرآن بموافقته (٨)؛ وقال لنساء النبي ﷺ لما اجتمعن في الغيرة عليه: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] فنزل القرآن بموافقته (٩)، ولما توفي عبد اللَّه بن أبيّ قام رسول اللَّه ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه، فقال: يا رسول اللَّه إنه منافق، فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ فأنزل اللَّه

стр. 459

عليه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١) [التوبة: ٨٤]. [حكم سعد بن معاذ وابن مسعود بحكم اللَّه] وقد قال سعد بن معاذ لما حكَّمه النبي ﷺ في بني قريظة: إني أرى أن تُقْتل مقاتلتُهم، وتُسبى ذرياتُهم (٢)، وتُغنم أموالُهم، فقال النبي ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه من فوق سبع سماوات" (٣). ولما اختلفوا في [المفوضة (٤) شهرًا إلى ابن مسعود قال]: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه ورسوله بريء منه، أرى أن لها مَهْر نسائها لا وَكْس ولا شَطَطْ، ولها الميراث، وعليها العِدَّة، فقام ناس من أشْجَعَ فقالوا: نشهد أن رسول اللَّه ﷺ قضى في امرأة منا يُقال لها بَرْوَع بنت واشِق، بمثل ما قضيت [به]، فما فرح ابن مسعود بشيء بعد الإسلام فرحه بذلك (٥).

стр. 460

[رأي الصحابة خير من رأينا لأنفسنا] وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا [لأنفسنا، وكيف لا] (١)، وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمةً وعلمًا ومعرفةً وفهمًا عن اللَّه ورسوله ونصيحةً للأمة، وقلوبهم على قلب نبيهم (٢)، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غَضًّا طريًا لم يَشُبْه إشكالٌ، ولم يَشُبه خلافٌ (٣)، ولم تدنسه (٤) معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم (٥) من أفسد القياس. فصل النوع الثاني من الرأي المحمود الرأي الذي يفسر النصوص، ويبيّن وجه الدلالة منها، ويقررها ويوضح محاسنها، ويُسهِّل طريق الاستنباط منها، كما قال عَبْدَان: سمعت عبد اللَّه بن المبارك يقول: "ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث" (٦). وهذا هو الفهم الذي [يختص اللَّه سبحانه به] (٧) من يشاء من عباده. ومثال هذا رأي الصحابة [﵃] (٨) في العَوْل (٩) في الفرائض عند تزاحم الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المَبْتُوتَة في مرض الموت، ورأيهم في مسألة جَرِّ الولاء، ورأيهم في المُحْرم يقع على أهله بفساد حجه ووجوب المُضيّ فيه

стр. 461

والقضاء والهَدْي من قابل، ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينًا، ورأيهم في الحائض تَطْهُرُ قبل طلوع الفجر تصلي المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل الغروب صلت الظهر والعصر، ورأيهم في الكلالة، وغير ذلك. قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون: أنا عاصم الأحول، عن الشعبي قال: سُئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد (١). فإن قيل: كيف يجتمع هذا مع ما صح عنه من قوله: "أَيُّ سَمَاء تُظِلُّني؟ وأي أرض تُقِلُّني إن قلت في كتاب اللَّه برأيي" (٢)، وكيف يجامع هذا الحديث الذي تقدم: "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"؟ (٣). فالجواب أن الرأي نوعان: أحدهما: رأي مجرد لا دليل عليه، بل هو خَرْص وتخمين، فهذا الذي أعاذ اللَّه الصديق والصحابة منه. والثاني: رأي مستندٌ إلى [استدلال واستنباط] (٤) من النص وحده، أو من نص آخر معه، فهذا من ألطف فَهْمِ النصوص وأدقه، ومنه رأيه في الكلالة أنها ما عدا الوالد والولد، فإن اللَّه سبحانه ذكر الكلالة في موضعين من القرآن، ففي أحد الموضعين (٥) وَرَّثَ معها الأخَ والأختَ من الأم، ولا ريب أن هذه الكلالة ما عد الوالد والولد، والموضع الثاني (٦) وَرَّث معها ولد الأبو ين أو (٧) الأب النصف أو (٧) الثلثين، فاختلف الناس في هذه الكلالة، والصحيح فيها قول الصديق الذي

стр. 462

لا قول سواه، وهو الموافق للغة العرب كما قال (١): وَرِثْتُم قَنَاةَ المَجْدِ لا عَنْ كَلالةٍ ... عَنْ ابْنَي مَنَافٍ: عَبْدِ شَمْسٍ وهَاشِمِ أي: إنما ورِثْتموها عن الآباء والأجداد، لا عن حواشي النسب (٢)، وعلى هذا فلا يَرِثُ ولد الأب والأبوين، لا مع أب [ولا] (٣) مع جد، كما لم يرثوا مع الابن ولا ابنه، وإنما ورثوا مع البنات؛ لأنهم عصبة فلهم ما فضل عن الفروض (٤). فصل النوع الثالث من الرأي المحمود [الرأي] (٥) الذي تواطأت عليه الأمة، [وتَلَقاه] (٦) خلَفُهم عن سلفهم، فإنّ ما تواطئوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابًا، كما تواطئوا عليه من الرواية والرؤيا، وقد قال النبي ﷺ لأصحابه وقد تعددت منهم رؤيا ليلة القدر في السبع (٧) الأواخر من رمضان: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر [فمن كان منكم متحريها، فلْيتحرَّها في السبع الأواخر] " (٨)، فاعتبر ﷺ تواطؤَ رؤيا المؤمنين؛

стр. 463

فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها [ورأيها] (١)، ولهذا [كان] (٢) من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله، ولا ينفرد به واحد، وقد مدح اللَّه سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم، وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب [﵁] (٣) ليس عنده فيها نصٌّ اللَّه ولا عن رسوله جَمَعَ لها أصحاب رسول اللَّه ﷺ ثم جعلها شورى بينهم (٤). قال البخاري: حدثنا سُنيد: ثنا يزيد، عن العوَّام بن حَوْشَب، عن المُسيَّب بن رافع قال: كان إذا جاءه (٥) الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سمى صوافي الأمر فرفع إليهم، فجمع لهم أهل العلم، فإذا (٦) اجتمع عليه رأيهم [فهو] الحق (٧). وقال محمد بن سُليمان الباغَنْدي (٨): ثنا عبد الرحمن بن يونس: ثنا عمر بن أيوب: أخبرنا عيسى بن المسيب، عن عامر، عن شُريح القاضي، قال لي عمر بن الخطاب: [أن] (٩) اقضِ بما استبان لك من قضاء رسول اللَّه ﷺ ، فإن لم تعلم [كل أقضية رسول اللَّه ﷺ ] (١٠)، فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضى به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك، واسْتَشِر أهل العلم والصلاح (١١).

стр. 464

وقال الحُميدي: ثنا سُفيان: ثنا الشَّيبانيّ، عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح: إذا حضرك أمر لا بد منه، فانظر ما في كتاب اللَّه فاقض به، فإن لم يكن، ففيما (١) قضى به رسول اللَّه ﷺ ، فإن لم يكن ففيما (١) قضى به الصالحون وأئمة العدل، فإن لم يكن فأنت بالخيار، فإنْ شئتَ أن تجتهد رأيك فاجتهد رأيك، وإنْ شئت أن تؤامرني، ولا أرى مؤامرتك إيايَّ إلا خيرًا لك، والسلام (٢). فصل النوع الرابع من الرأي المحمود أن يكون بعد طلب عِلْم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها في القرآن ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة فبما قضى به الخلفاءُ الرَّاشدون أو اثنان منهم أو واحد، فإن لم يجده، ففيما (٣) قاله واحد من الصحابة [﵃] (٤)، [فإن لم يجده] (٥) اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب اللَّه وسنة رسوله (٦) ﷺ وأقضية أصحابه، فهذا هو الرأي الذي سَوَّغَه (٧) الصحابة واستعملوه، وأقروا (٨) بعضهم بعضًا عليه. قال علي بن الجَعْد: أنبأنا شعبة، عن سَيَّار (٩)، عن الشعبي، قال: أخذ عمر فرسًا من رجل على سَوْم، فحَمَل عليه فَعَطِبَ، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا، فقال الرجل: إني أَرْضى بشُريح العِراقي، فقال شُريح:

стр. 465

أخذته صحيحًا سليمًا، فأنتَ له ضامنٌ حتى تردَّه صحيحًا سليمًا، قال: فكأنه أعجبه فبعثه قاضيًا، وقال: ما استبان لك من كتاب اللَّه فلا تسأل عنه، فإن لم يستبن في كتاب اللَّه فمن السنة، فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك (١). [خطاب عمر إلى أبي موسى] وقال أبو عبيد: [ثنا] (٢) كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرْقان، وقال أبو نعيم: عن جعفر بن بُرْقان، عن مَعْمَر البَصْري، عن أبي العَوَّام، وقال سفيان بن عيينة: ثنا إدريس [أبو عبد اللَّه بن إدريس] (٣) قال: أتيت سعيد بن أبي بُرْدة فسألته عن رسائل (٤) عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بُرْدة، فأخرج له (٥) كُتُبًا، فرأيت [في كتاب] (٦) منها، رجعنا إلى حديث [أبي] (٦) العَوَّام، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: " [أَمَّا بعد] (٦)، فإن القضاء فريضةٌ محكمةٌ، وسنةٌ متبعةٌ، فَافْهَم إذا أُدْلي إليك، فإنه لا ينفع تكلُّم بحق لا نفاذ له، وآسِ (٧) الناس في مَجْلِسِكَ، وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حَيْفِكَ، ولا يَيأس (٨) ضعيف من عدلك، البينة على المُدَّعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حَرَّم حلالًا، ومن ادَّعى حقًا غائبًا أو بينة فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن [أحضر] (٩) بَيِّنة أعطيتَه بحقِّه، وإن أعجزه ذلك اسْتَحْلَلْتَ (١٠) عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعمى (١١)، ولا يمنعنَّك قضاءٌ قضيتَ فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فَهُدِيتَ [فيه] (١٢)

стр. 466

لرشدك أن تُراجعَ فيه الحق، فإن (١) الحقَّ قديمٌ لا يُبْطله شيءٌ، ومُراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجَرَّبًا عليه شهادة زور، أو مجلودًا في حدٍ، أو ظنِّينًا في ولاءٍ أو قرابة، فإن اللَّه تعالى تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبيِّنات والأَيْمان، ثم الفَهْمَ الفَهْم فيما أُدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في [قرآنٍ ولا سنة] (٢)، ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال، ثم اعمد (٣) فيما ترى إلى أحبِّها إلى اللَّه وأشبهها بالحق، وإيِّاك والغضب والقلق والضَّجر والتأذِّي بالناس والتنكُّر (٤) عند الخصومة، أو الخصوم، شك أبو عبيد، فإن القضاء في مواطن الحق مما يُوجبُ اللَّه به الأجر، ويُحسنُ به الذِّكر. فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه اللَّه ما بينه وبين الناس، ومن تَزَيَّن بما ليس في نفسه شانَهُ اللَّه، فإن اللَّه تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا، فما ظنُّك بثواب عند اللَّه في عاجل رزقه، وخزائن رحمته، والسلام عليك ورحمة اللَّه" (٥).

стр. 467

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 470

قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا. وهذا (١) كتاب جليل، تلّقاه العلماءُ بالقبول، وبَنَوْا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه، وإلى تأمله والتفقه فيه. [شرح كتاب عمر في القضاء] وقوله: "القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة" يريد به أن ما يحكم به [الحاكم] (٢) نوعان: أحدهما: فرض محكم غير منسوخ، كالأحكام الكلية التي أحكمها اللَّه في كتابه. والثاني: أحكام سَنَّها رسول اللَّه ﷺ ، وهذان النوعان هما المذكوران في حديث عبد اللَّه بن عمرو (٣) عن النبي ﷺ : "العلمُ ثلاثةٌ فما سِوى ذلك فهو فَضْل: آيةٌ محكمةٌ، وسنةٌ قائمةٌ، وفريضةٌ عادلةٌ" (٤).

стр. 471

رواه ابنُ وَهْب: عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد اللَّه بن رافع عنه. ورواه بَقِيَّةُ عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ دخل المسجد فرأى جَمْعًا من الناس على رجل، فقال: "ما هذا"؟ قالوا: يا رسول اللَّه، رجل علَّامة، قال: "وما العلامة"؟ قالوا: أعلم الناس [بأنساب العرب، وأعلم الناس بعربية، وأعلم الناس بالشعر (١)، وأعلم الناس] بما اختلف فيه العرب، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر" (٢). وقال رسول اللَّه ﷺ : "العلم ثلاثة، وما خلا فهو فَضْل: آية محكمة (٣) أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة" (٤). [صحة الفهم نعمة] وقوله: "فافهم إذا أُدلي إليك"، صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نِعم اللَّه التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعطيَ عبدٌ عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجلَّ منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامُه عليهما، وبهما بايَنَ (٥) العبدُ طريقَ المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريقَ الضَّالين الذين فسدت فهومهم (٦)، ويصير من المُنْعَم عليهم الذين حَسُنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم، الذين أُمرنا أن نسأل اللَّه أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه اللَّه في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق

стр. 472

والباطل، والهُدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى. [التمكن بنوعين من الفهم] ولا يتمكن المفتي [ولا] (١) الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن (٢) والأمارات والعلامات، حتى يحيط به علمًا. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حُكْم اللَّه الذي حَكَم به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بَذَلَ جَهْده واستفرغ وُسْعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا (٣)؛ فالعالم مَنْ يتوصل بمعرفة الواقع [والتفقه فيه] (٤) إلى معرفة حكم اللَّه ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دُبُرٍ إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان ﷺ (٥) بقوله: "ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما" (٦) إلى معرفة عين الأم (٧)، وكما توصَّل أميرُ المؤمنين علي ﵁ (٨) بقوله للمرأة التي حملت كتاب

стр. 473

حاطب لمَّا أنكرته: "لتخرجن الكتاب أو لنُجَرِّدَنَّك" إلى استخراج الكتاب منها (١)، وكما توصل الزبير بن العوام بتعذيب أحد ابني أبي الحقيق بأمر رسول اللَّه ﷺ حتى دلَّهم على كنز [حُيَي] (٢) لما ظهر له كذبه في دعوى ذهابه بالإنفاق بقوله: "المال كثير والعهد أقرب من ذلك" (٣) وكما توصل النعمان بن بشير بضرب المتهمين بالسرقة إلى ظهور المال المسروق عندهم، فإن ظهر وإلا ضرب من اتهمهم كما ضربهم، وأخبر أن هذا حكم رسول اللَّه ﷺ (٤). ومن تأَمَّل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومَنْ سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث اللَّه بها رسوله.

стр. 474

وقوله: "فيما (١) أُدلي إليك" [أي ما توصل] (٢) به إليك من الكلام الذي يُحكم به بين الخصوم، ومنه قولهم: أَدلى [فلان] (٣) بحجَّتِه، وأدلى بنَسَبه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] أي: تضيفوا ذلك إلى الحكام، وتتوصلوا بحكمهم إلى أكلها. فإن قيل: لو أُريد (٤) هذا المعنى لقيل: "وتُدْلُوا بالحكام إليها" وأما الإدلاء بها إلى الحكام فهو التوصل بالبرطيل (٥) بها إليهم، فَتَرْشُوا الحاكم لتتوصلوا (٦) بِرِشْوَتِهِ إلى أكله (٧) بالباطل. قيل: الآية تتناول النوعين: فكل منهما إدلاء إلى الحكام [بسببها] (٨)، فالنهي عنهما معًا. وقوله: "فإنه لا ينفع تكلُّم بحق لا نفاذ له" ولايةُ الحق: نفوذُه، فإذا لم ينفذ كان ذلك عزلًا له عن ولايته، فهو بمنزلة الوالي العدل الذي في توليته مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، فإذا عزل عن ولايته لم ينفع، [ومراد عمر بذلك] (٩): التحريض على تنفيذ الحق إذا فهمه الحاكم، ولا ينفع، تكلمه به إن (١٠) لم يكن له قوة [على] (١١) تنفيذه، فهو تحريض منه على العلم بالحق والقوة على تنفيذه، وقد مدح اللَّه سبحانه أُولي القوة في (١٢) أمره، والبصائر في دينه فقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] [فالأيدي: القوي] (١٣) على تنفيذ أمر اللَّه، والأبصار: البصائر في دينه.

стр. 475

[واجب الحاكم] وقوله: "وآس الناس (١) في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حَيْفك، ولا ييأس ضَعيفٌ من عدلك" إذا عدل الحاكم في هذا بين الخَصْمين فهو عنوان عدله في الحكومة، فمتى خص أحد الخصمين بالدخول عليه، أو (٢) القيام له، أو صَدْر المجلس، أو الإقبال عليه والبشاشة له، والنظر إليه، كان عنوان حَيْفِه وظلمه، وقد رأيت في بعض التواريخ [القديمة] (٣) أن أحد قضاة العدل في بني إسرائيل أوصاهم إذا دفنوه أن ينبشوا قبره بعد مدة، فينظروا هل تغيَّر منه شيءٌ أم لا، وقال: إني لم أَجُرْ قط في حكم، ولم أحاب فيه، غير أنه دخل عليَّ خصمان كان أحدهما صديقًا لي فجعلت أصغي إليه بأُذُني أكثر من إصغائي إلى الآخر، ففعلوا ما أوصاهم به، فرأوا أذنه قد أكلها التراب، ولم يتغير جسده (٤). [في تخصيص أحد الخصمين مفسدتان] وفي تخصيص أحد الخصمين بمجلس أو إقبال أو إكرام مَفْسَدَتان: إحداهما (٥): طمعه في أن تكون الحكومة له، فيَقْوى قلبُه وجنانُه. والثانية: أن الآخر يَيْأس من عدله ويضعف قلبه، وتنكسر حجَّتُه. [معنى البينة] وقوله: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" البينة في كلام اللَّه و [كلام] (٦) رسوله، وكلام الصحابة: [اسم] (٧) لكل ما يُبين الحقَّ، فهي أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء، حيث خصوها بالشاهدين (٨)، أو الشاهد واليمين، ولا حَجْر في الاصطلاح؛ ما لم يتضمن حَمْل كلام اللَّه ورسوله عليه، فيقع بذلك الغَلَط في فَهْم النصوص، وحملها على غير مراد المتكلم [منها] (٩).

стр. 476

[غلط المتأخرين في تفسير البينة] وقد حصل بذلك للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم النصوص، ونذكر من ذلك مثالًا واحدًا، وهو ما نحن فيه [من] (١) لفظ البينة، فإنها في كتاب اللَّه اسم لكل ما يبيِّن الحقَّ؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ [وَالزُّبُرِ]﴾ (١) [النحل: ٤٣، ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧] وقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وقال: ﴿بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣]. وهذا كثير [في القرآن] (٢)، لم يختص لفظ البينة بالشاهدين، [بل] (٣) ولا استعمل في الكتاب فيهما ألبتة (٤)، إذا عرف هذا فقول النبي ﷺ للمدَّعي: "ألك بينة" (٥) وقول عمر: "البينة على المدعي"، وإن كان هذا قد روي مرفوعًا (٦) المراد

стр. 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 478

به: كلُّ (١) ما يُبيّن الحق من شهود أو دلالة، فإنَّ الشارع في جميع المواضع يقصد ظهورَ الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له، ولا يردُ حقًا قد ظهر بدليله أبدًا فيضيع حقوقَ اللَّه وعباده ويعطِّلها، ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في تخصيصه به مع مُسَاواة غيره في ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحًا (٢) لا يمكن جَحْده ودفعه، كترجيح شاهد الحال على مجرد اليد، في صورة مَنْ على رأسه عمامة وبيده عمامة وآخر خَلْفه مكشوف الرأس يعدو أثره، ولا عادة له بكشف رأسه، فبيِّنة الحال ودلالته هنا تُفيد من ظهور صدق المُدّعي أَضْعَاف ما يفيده مجرد اليد عند كل أحد، فالشارعُ لا يُهْمل مثل هذه البيِّنة والدلالة، ويضيّع حقًا يعلم كل أحد ظهوره وحجته، بل لمَّا ظنَّ هذا من ظَنَّه ضيَّعوا طريق الحكم (٣)، فضاع كثير من الحقوق لتوقف ثبوتها عندهم على طريق معين، وصار الظالم الفاجر ممكَّنًا من ظلمه وفجوره، [فيفعل ما يريد] (٤)، ويقول: لا يقوم عليَّ بذلك شاهدان اثنان، فضاعت حقوقٌ كثيرةٌ للَّه ولعباده، فحينئذٍ (٥) أخرج اللَّه أمر هذا الحكم العام (٦) من أيديهم، وأدخل (٧) فيه من أمر الإمارة والسياسة ما يحفظ به الحق تارة ويَضِيعُ به أخرى، ويحصلُ به العدوان تارة والعدل (٨) أخرى، ولو عَرفَ ما جاء به الرسول على وجهه لكان فيه تمام المصلحة المُغْنية عن التفريط والعدوان (٩).

стр. 479

[نصاب الشهادة في القرآن] وقد ذكر اللَّه [سبحانه] (١) نصاب الشهادة في القرآن في خمسة مواضع؛ فذكر نصاب شهادة الزنا أربعة في سورة النساء وسورة النور، وأما في غير الزنا فذكر شهادة الرجلين، والرجل والمرأتين في الأموال؛ فقال في آية الدَّيْن: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فهذا في التحمل والوثيقة التي يحفظ بها صاحب المال حَقَّه، لا في طريق الحكم وما (٢) يحكم به الحاكم؛ فإن هذا شيءٌ وهذا شيءٌ، وأمر في الرجعة بشاهدين عَدْلين، وأمر في الشهادة على الوصية في السفر [باستشهاد عدلين من المسلمين أو آخرين (٣) من غيرهم، وغير المؤمنين هم الكفار، والآية صريحةٌ في قبول شهادة الكافرين على الوصية في السفر] (٤) عند عدم الشاهدين المسلمين، وقد حكم بها (٥) النبي ﷺ والصحابة بعده ولم يجئ بعدها ما يَنْسَخُها، فإن المائدة من آخر القرآن نزولًا، وليس فيها منسوخ، وليس لهذه الآية مُعَارِضٌ ألبتة، ولا يصح أن يكون المراد بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من غير قبيلتكم، فإن اللَّه [سبحانه] (١) خاطب بها المؤمنين كافة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] [ولم يخاطب بذلك قبيلة معينة حتى يكون قوله: "من غيركم"] (٦) أيتها القبيلة، والنبي ﷺ لم يَفْهَم هذا من الآية بل إنما فهم [منها] (٧) ما هي صريحة فيه، وكذلك أصحابه (٨) من بعده، وهو سبحانه ذَكَر ما تُحفظ به الحقوق من الشهود، ولم يذكر أن الحكام [لا يحكمون] (٩) إلا بذلك، فليس في القرآن نَفْي الحكم بشاهد ويمين (١٠)، ولا بالنُّكُولِ ولا باليمين المردودة، ولا بأَيْمان القَسَامة، ولا بأَيْمان اللِّعان، وغير ذلك مما يُبيّن الحق ويُظهره ويدل عليه. وقد أجمع (١١) المسلمون على أنه يقبل في الأموال رجل وامرأتان، وكذلك

стр. 480

توابعها من البيع، [والأجل فيه] (١) والخِيار فيه، والرَّهْن، والوصية للمُعَيَّن، وهبته، والوقف عليه، وضمان المال وإتلافه، ودَعْوى رق مجهول النسب، وتسمية المهر، وتسمية عِوَض الخلع، و [يقبل في ذلك (كله) رجل وامرأتان] (٢). وتنازعوا في العتق، والوكالة في المال، والإيصاء إليه [فيه] (٣)، ودعوى قَتْل الكافر لاستحقاق سَلَبه، ودَعْوى الأسير الإسلامَ [السابق] (٤) لمنع رقه، وجناية الخطأ والعَمْد التي لا قَوَد فيها، والنكاح، والرَّجْعة، هل يقبل فيها رجل وامرأتان أم لا بد من رجلين؟ (٥) على قولين، وهما روايتان عن أحمد، فالأول قولُ أبي حنيفة، والثاني قول مالك والشافعي، والذين قالوا لا يقبل إلا رجلان قالوا: إنما ذكر اللَّه الرجل والمرأتين في الأموال، دون الرجعة والوصية وما معهما، [فقال لهم الآخرون] (٦): ولم يذكر [سبحانه] (٣) وصف الإيمان (٧) في الرَّقبة إلا في كفارة القَتْل، ولم يذكر فيها إطعام ستين مسكينًا، وقلتم: نحمل (٨) المطلق على المقيد إما بيانًا وإما قياسًا، وقالوا أيضًا (٩): فإنه سبحانه إنما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] [وفي الآية الأخرى] (١٠): ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] بخلاف آية الدَّيْن فإنه قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي الموضعين الآخرين لمّا لم يَقُل: ﴿رَجُلَانِ﴾ لم يَقُل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾. [فإن قيل: اللفظ مذكر؛ فلا يتناول الإناث] (١١). قيل: قد استقرَّ في عُرْف الشارع أن الأحكام المذكورة بصيغة المذكَّرين إذا أُطْلِقَت ولم تقترن بالمؤنث فإنها تتناول (١٢) الرجال والنساء؛ لأنه يُغلَّب المذكر عند الاجتماع كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وقوله: ﴿وَلَا

стр. 481

يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ (١)﴾ [البقرة: ١٨٣] وأمثال ذلك، وعلى هذا فقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] يتناول الصنفين، لكن قد استقرت (٢) الشريعة على أن شهادة المرأة نصفُ شهادة الرجل، فالمرأتان في الشهادة كالرجل الواحد، بل هذا أولى؛ فإن حضور النساء عند الرجعة أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق بالديون، [وكذلك حضورهن عند الوصية وقت الموت] (٣)، فإذا جَوَّز الشارعُ استشهاد النساء في وثائق الديون (٤) التي يكتبها الرجال مع أنها إنما تكتب غالبًا في مَجَامع الرجال فلأن يسوغ (٥) ذلك فيما تشهده (٦) النساء كثيرًا كالوصية والرَّجْعَة أولى. يوضِّحه: أنه قد شَرَعَ في الوصية استشهادَ آخرين من غير المسلمين عند الحاجة؛ فلأن يجوز استشهاد رجل وامرأتين بطريق الأولى والأحرى، بخلاف الديون فإنه لم يامر فيها باستشهاد آخرين من غيرنا؛ إذ كانت (٧) مُدَاينة المسلمين تكون بينهم وشهودهم حاضرون، والوصية في السفر قد لا يشهدها إلا أهل الذمة، وكذلك الميت قد لا يَشهَدُه إلا النساء. وأيضًا فإنما أمر في الرَّجْعَة باستشهاد ذَوَي عَدْلٍ؛ لأن المستشهد هو المشهود عليه بالرجعة، وهو الزوج؛ لئلا يكتمها، فأمر بأن يستشهد أكمل النصاب، ولا يلزم إذا لم يشهد (٨) هذا الأكمل أن لا (٩) يقبل عليه شهادة النصاب الأنقص، فإن طرق الحكم أعم من طرق حفظ الحقوق (١٠)، وقد أمَرَ النبي ﷺ الملتقطَ أن يُشهد عليه ذَوَي عدل، ولا يكتم، ولا يغيب (١١)، ولو شهد عليه باللقطة رجل وامرأتان قُبِلتْ بالاتفاق، بل يحكم عليه بمجرد وصف صاحبها لها.

стр. 482

وقال تعالى في شهادة المال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال في الوصية والرَّجْعَة: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] لأن المستشهد [هناك صاحب الحق فهو يأتي بمن يرضاه لحفظ حقه، فإن لم يكن عدلًا كان هو المضيَّع لحقه، وهذا المستشهد يستشهد] (١) بحق ثابت عنده، فلا يكفي رضاه به، بل لا بُدَّ أن يكون عَدْلًا في نفسه، وأيضًا فإن اللَّه سبحانه [وتعالى] (١) قال هناك: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأن صاحب الحق هو الذي يحفظ [حقه فيحفظه] (٢) بمن يرضاه، وإذا قال مَنْ عليه الحق: أنا راض (٣) بشهادة هذا عليَّ، ففي قَبُوله نزاع، والآية تدل على أنه يقبل، بخلاف الرجعة والطلاق فإن فيهما حقًا للَّه، وكذلك الوصية فيها حقٌّ لغائب. ومما يوضح ذلك أن النبي ﷺ قال في المرأة: " [أليست] (١) شهادتها نصف شهادة الرجل؟ " (٤) فأطلق ولم يقيد، ويوضحه أيضًا أن النبي ﷺ قال للمُدَّعي لمَّا قال: هذا غَصَبني أرضي، فقال: "شَاهِداكَ أو يَمينه" (٥)، وقد عَرَف أنه لو أتى برجل وامرأتين حكم له، فعلم أن هذا يقوم مقام الشاهدين، وأن قوله: "شاهداك

стр. 483

أو يمينه" إشارة إلى الحجة الشرعية (١) التي شعارها الشاهدان، فإما أن يُقال: لفظ "شاهدان" معناه دَليلان يَشْهدان، وإما أن يُقال: رجلان أو ما يقوم مقامهما والمرأتان دليل بمنزلة الشاهد. يوضحه أيضًا: أنه لو لم يأت المُدَّعي بحجة حَلَف المُدَّعى عليه، فيمينهُ كشهادة آخر (٢)؛ فصار معه دليلان شاهدان، أحدهما: البراءة، والثاني: اليمين، وإن نَكَل (٣) عن اليمين فمن قضى عليه بالنُّكُول؛ قال: النكول إقرار أو بدل (٤)، وهذا جيد إذا كان المدعَّى عليه هو الذي يعرف الحق دون المدَّعي، [كما] (٥) قال عثمان لابن عمر: تحلف أنك بعته وما به عَيْب تعلمه، فلما لم يحلف قَضَى عليه (٦)، وأما الأكثرون فيقولون: إذا نكل [تُرد اليمين] (٧) على المُدَّعي فيكون نكول الناكل دليلًا (٨)، ويمين المُدَّعي دليلًا ثانيًا، فصار الحكم بدليلين: شاهد ويمين، والشارع إنما جعل الحكم في الخصومة بشاهدين؛ لأنَّ المُدَّعي لا يحكم له بمجرد قوله، والخصم منكر، وقد يحلف أيضًا، فكان أحدُ الشاهدين يقاومُ

стр. 484

الخصم المنكر؛ فإن إنكاره ويمينه كشاهد، ويبقى الشاهد الآخر خبرَ عدلٍ لا مُعارضَ له؛ فهو حجة شرعية لا معارض لها. وفي (١) الرواية إنما يُقْبَل خبر الواحد إذا لم يعارضه أقْوَى منه، فاطَّرد القياس والاعتبار في الحكم والرواية. يوضحه أيضًا: أن [المقصود] (٢) بالشهادة أن يُعلم بها ثبوت المَشْهودِ به، وأنه حقٌّ وصدق، فإنها خبر عنه، وهذا لا يختلف بكون المشهود به مالًا، أو طلاقًا، أو عتقًا، أو وصية، بل من صُدِّق في هذا صُدِّق في هذا، فإذا (٣) كان الرجل مع المرأتين كالرجلين يُصدَّقان في الأموال، فكذلك صِدْقهما في هذا؛ وقد ذكر اللَّه [سبحانه] حكمة تَعَدُّد الأنثيين (٤) في الشهادة، وهي أن المرأة قد تنسى الشهادة وتضل عنها فتذكِّرَها الأخرى، ومعلوم أن تذكيرها لها بالرجعة (٥) والطلاق والوصية مثل تذكيرها لها بالدَّين وأولى، وهو سبحانه أمر بإشهاد امرأتين لتوكيد الحفظ؛ لأن عَقْلَ المرأتين وحفظهما يقوم مقام عقل رجل وحفظه، ولهذا جعلت على النصف من الرجل في الميراث والدِّية والعقيقة والعِتْق؛ فعتق امرأتين يقوم مقام عتق رجل، كما صح عن النبي ﷺ : "مَنْ أعْتَقَ أمرأً مسلمًا أعتَقَ اللَّه بكل عضوٍ منه عضوًا [منه] (٦) من النار، ومن أعتق امرأتين مسلمتين أعتَقَ اللَّه بكل عضو منهما عضوًا [منه] (٧) من النار" (٨) ولا ريب أن هذه الحكمة في التعدُّد هي

стр. 485

عند التحمل (١)، فأما إذا عَقَلت المرأة وحَفِظت وكانت ممن يوثق بدينها فإنَّ المقصود حاصلٌ بخبرها، كما يحصل بأخبار الديانات، ولهذا تقبل شهادتها وَحْدَها في مواضع، ويحكم بشهادة امرأتين ويمين الطالب في أصح القولين، وهو قول مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد (٢). قال شيخنا [-قدس اللَّه روحه-] (٣): لو قيل يحكم بشهادة امرأة ويمين الطالب لكان متوجهًا، قال: لأن المرأتين إنما أقيمتا مقام الرجل في التحمل لئلا

стр. 486

تنسى إحداهما، بخلاف الأداء، فإنه ليس [في] (١) الكتاب ولا في السنة أنه لا يحكم إلا بشهادة امرأتين، ولا يلزم من الأمر باستشهاد المرأتين وَقْتَ التحمل ألا يحكم بأقل منهما؛ فإنه سبحانه (٢) أمر باستشهاد رجلين في الديون، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، ومع هذا فيحكم بشاهد واحد (٣) ويمين الطالب، ويحكم بالنكول والرد وغير ذلك. فالطرق التي يحكم بها الحاكم أوْسَعُ من الطرق التي أرشَدَ اللَّه صاحبَ الحق إلى أن يحفظ حقه بها، وقد ثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه سأله عقبة بن الحارث، فقال: "إني تَزَوَّجْتُ امرأة، فجاءت أمة سوداء، فقالت: إنها أرضَعَتْنَا" فأمره بفراق امرأته، فقال: "إنها كاذبة"، فقال: "دَعْهَا عنك" (٤) ففي هذا قَبُول شهادة المرأة الواحدة، وإن كانت أَمَةً، وشهادتها على فعل نفسها، وهو أصل في شهادة القاسم والخارِص والوَزان والكَيَّال [على فعل نفسه] (٥). فصل [وجوب معرفة هذا الأصل العظيم] وهذا أصل عظيم؛ فيجب [أن يُعرف، غلط فيه] (٦) كثير من الناس؛ فإن اللَّه [سبحانه] (٧) أمر بما يُحْفَظُ به الحقُّ فلا (٨) يحتاج معه إلى يمين صاحبه -وهو الكتاب والشهود- لئلا يجحد الحق [أو ينسى] (٧)، ويحتاج صاحبه إلى تذكير مَنْ لم يذكر، إما جُحُودًا واما نسيانًا، ولا يلزم من ذلك أنه إذا كان هناك ما يدل على الحق لم يقبل إلا هذه الطريق التي أمره أن يحفظ حقَّه بها.

стр. 487

فصل [ما يتعلق بشهادة الزنا وغيرها] وإنما أمر اللَّه (١) [سبحانه] (٢) بالعَدَد في شهود الزنا؛ لأنه مأمور فيه بالسَّتْر، [ولهذا غَلَّظَ فيه النِّصاب، فإنه] (٣) ليس هناك أحق، (٤) يضيع، [وإنما حد (٥) وعقوبة، والعقوبات تُدْرَأ بالشُّبهات، بخلاف حقوق اللَّه وحقوق عباده التي تضيع إذا لم يقبل فيها قول الصادقين] (٦)، ومعلوم أن شهادة العَدْل رجلًا كان أو امرأةً أقوى من استصحاب الحال، فإن استصحاب الحال من أضعف البيّنات (٧)، ولهذا يُدفع (٨) بالنكول تارة، وبا ليمين المردودة، [وبالشاهدين] (٩) وبالشاهد واليمين، ودلالة الحال، وهو نظير رفع استصحاب الحال في الأدلة الشرعية بالعموم والمفهوم والقياس، [فيرفع بأضعف الأدلة، فهكذا] (١٠) في الأحكام يرفع بأدنى النصاب، ولهذا قدَّم الخبر الواحد في أخبار (١١) الديانة على الاستصحاب، مع أنه يلزم جميع المكلفين، فكيف لا يقدم عليه فيما هو دونه؟ ولهذا كان الصحيح الذي دلت عليه السنة التي لا مُعارِضَ لها أن اللُّقَطَة إذا وصفها واصف صفةً تدلُّ على صدقه دُفعت إليه بمجرد الوصف (١٢)، فقام وَصْفُه لها مَقَامَ الشاهدين (١٣)، بل وصفه لها بيِّنة تبيِّن صدقَه وصحَّةَ دعواه، فإنَّ البيِّنة اسم لما يُبيِّن الحق (١٤). وقد اتفق العلماء أن مواضع الحاجات يقبل فيها من الشهادات (١٥) ما لا يقبل في غيرها من حيث الجملة، وإن تنازعوا في بعض التفاصيل، وقد أمر اللَّه [سبحانه] (٢) بالعمل بشهادة شاهدين من غير المسلمين عند الحاجة، [في الوصية

стр. 488

في السفر] (١) مُنَبِّهًا بذلك على نظيره، وما هو أولى منه؛ كقبول شهادة النِّساء منفردات في الأعراس والحمَّامات والمواضع التي تنفرد النساء بالحضور فيها، ولا ريب أنَّ قبول شهادتهن هنا أولى من قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر (٢)، وكذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصِّبيان على تَجارُحِ بعضهم بعضًا (٣)، فإن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تقبل شهادتهم وشهادة النساء منفرداتٍ لضاعت الحقوق وتعطَّلت وأُهملت مع غلبة الظن أو القطع بصدقهم، ولا سيما إذا جاءوا مجتمعين قبل تفرقهم ورجوعهم إلى بيوتهم وتواطئوا على خبر واحد، وفُرِّقُوا وقت الأداء واتفقت كلمتهم، فإنَّ الظن الحاصل حينئذٍ من شهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل [من شهادة] (٤) رجلين، وهذا مما لا يمكن دفعُه وجَحْدُه، فلا يُظَنّ (٥) بالشريعة الكاملة الفاضلة المتضمنة (٦) لمصالح العباد في المعاش والمَعَاد أنها تُهْمِلُ مثل هذا الحق وتضيّعه، مع ظهور أدلته وقوتها، وتقبله مع الدليل الذي هو دون ذلك. [حكم شهادة العبد] وقد روى أبو داود في "سننه" في قضية (٧) اليهوديين اللّذين زَنَيا، فلما شهد أربعةٌ من اليهود عليهما أمر النبي ﷺ [برَجْمهما] (٨)،. . . .

стр. 489

و [قد تقدم] (١) حكم النبي ﷺ بشهادة الأمة الواحدة على فعل نفسها (٢)، وهو يتضمن شهادة العبد، وقد حكى الإمامُ أحمد عن أنس بن مالك إجماعَ الصحابة على شهادته فقال: ما علمت أحدًا رَدَّ شهادة العبد (٣)، وهذا هو الصواب، فإنه إذا قُبلت شهادتهُ على رسول اللَّه ﷺ في حكم يلزم [جميع] (٤) الأمة، فلأَن تُقبل

стр. 490

شهادته على واحد من الأمة في حكم جزئيٍّ أولى وأحرى، وإذا قبلت شهادته على حكم اللَّه ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى، فلأن تقبل شهادته على واحد من الناس أولى وأحرى، كيف وهو داخل في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؟ فإنه منا وهو عَدْل وقد عَدَّله النبي ﷺ بقوله: "يَحْمِلُ هذا العلم من كل خَلَفٍ عَدُولُه" (١) وعَدَّلَتْه الأمة في الرواية عن رسول اللَّه ﷺ [والفتوى] (٢)، وهو من رجالنا فيدخل في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهو مسلم فيدخل في قول عمر بن الخطاب: "والمسلمون عُدُولٌ بعضهم على بعض" (٣) وهو صادق فيجب العمل بخبره، وأن لا يرد (٤)، فإن الشريعة لا تردُّ خبر الصادق، بل تعمل (٥) به، وليس بفاسق، فلا يجب التثبُّتُ في خبره وشهادته، وهذا كله من تمام رحمة اللَّه وعنايته بعباده، وإكمال دينهم لهم، وإتمام نعمته عليهم بشريعته؛ لئلا تضيع حقوق اللَّه وحقوق عباده مع ظهور الحق بشهادة الصادق، لكن إذا أمكن حفظ الحقوق بأعلى الطريقين، فهو أولى كما أمر بالكتاب والشهود؛ لأنه أبلغ في حفظ الحقوق. [حول شهادة اليمين] فإن قيل: أمرُ الأموال أسهل، فإنه يُحكم فيها بالنُكول، وباليمين المردودة، وبالشاهد واليمين، بخلاف الرَّجْعة والطلاق. قيل: هذا فيه نزاع، والحجة إنما تكون بنص أو إجماع، فأما الشاهد واليمين فالحديث الذي في "صحيح مسلم" عن ابن عباس: "أن رسول اللَّه ﷺ قضى بالشاهِدِ واليمين" (٦) ليس فيه أنه في الأموال، وإنما هو قول عمرو بن دينار (٧)، ولو كان مرفوعًا عن ابن عباس فليس فيه اختصاص الحكم بذلك في

стр. 491

الأموال وحدها، فإنه لم يخبر عن شرع عام شَرَعَه رسول اللَّه ﷺ في الأموال، وكذلك سائر ما رُوي من حكمه بذلك، إنما هو في قضايا معينة قضى فيها بشاهد ويمين، وهذا كما لا يدل على اختصاص حكمه بتلك القضايا لا يقتضي اختصاص حكمه (١) بالأموال، كما أنه إذا حكم بذلك في الديون لم يدلَّ على أنَّ الأعيان ليست كذلك، بل هذا يحتاج إلى تنقيح المَنَاط، فيُنظر ما حكم لأجله إن وُجد في غير محل حكمه عُدِّيَ إليه. وفي حديث عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبي ﷺ : "أن المرأة إذا أقامت شاهدًا واحدًا على الطلاق، فإن حَلَف الزوج أنه لم يُطلِّق لم يُقضَ عليه، وإن لم يَحْلف حَلَفت المرأة، ويُقضى عليه" (٢). [الاحتجاج بصحيفة عمرو بن شعيب] وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولا يُعْرَف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها واحتجَّ بها (٣)، وإنما طعن فيها من [لم] (٤) يتحمَّل (٥) أعباء الفقه والفتوى، كأبي حاتم البُسْتي (٦) وابن حزم (٧) وغيرهما (٨)؛ وفي هذه الحكومة أن يُقضى في الطلاق بشاهد وما يقوم

стр. 492

مقام شاهد آخر من النكول ويمين المرأة، بخلاف ما إذا أقامت شاهدًا واحدًا وحلف الزوج أنه لم يُطَلِّق، فيمينُ الزوج عارَضَتْ شهادةَ الشاهد، وترجح جانبه بكون الأصل معه؛ وأما إذا نكل الزوج فإنه يُجعل نكوله مع يمين المرأة كشاهد آخر، ولكن هنا لم يُقض بالشاهد ويمين المرأة ابتداءً؛ لأن الرجل أعلم بنفسه هل طلّق أم لا، وهو أحفظ [لما وقع منه] (١)، فإذا نكَلَ وقام الشاهد الواحد، وحلفت المرأة كان ذلك دليلًا ظاهرًا [جدًّا] (١) على صدق المرأة أفلم يقضي عليه بالنكول وحده، ولا بيمين المرأة، وإنما قضى بالشاهد المقوى بالنكول ويمين المرأة] (٢). فإن قيل: ففي الأموال إذا أقام شاهدًا (٣) وحلف (٤) المدَّعِي حُكم له، ولا تُعْرَض اليمين على المُدَّعى عليه؛ وفي حديث عمرو بن شعيب: "إذا شهد الشاهد الواحد، وحلف الزوج أنه لم يُطَلِّق لم يُحكم عليه" (٥). قيل: هذا من تمام حكمة هذه الشريعة وجَلالَتها، أن (٦) الزوج لما كان أعْلَم بنفسه هل طلَّق أم لا، وكان أحفظ لما وقع منه وأعْقَل له وأعلم بنيَّته، وقد يكون [قد] (٧) تكلم بلفظ مجمل أو بلفظ يظنه الشاهد طلاقًا وليس بطلاق، والشاهد يشهد بما سمع، والزوج أعلم بقصده ومراده، جعل الشارعُ يمين الزوج معارضةً لشهادة الشاهد الواحد، ويُقويّ جانبه الأصلُ واستصحابُ النكاح، فكان الظن المستفاد من ذلك أقوى من الظن المستفاد من مجرد الشاهد الواحد، فإذا نكَلَ قوي الأصلُ (٨) في صدق الشاهد، فقاوم ما في جانب الزوج، فَقوَّاه الشارع بيمين المرأة، فإذا حلفت مع شاهدها ونكول الزوج قوي جانبها جدًّا، فلا شيء أحسن ولا أَبْيَن ولا أَعْدَل من هذه الحكومة، وأما المال المشهود به فإن المُدَّعي إذا قال: أقرضتُه أو بِعْتُه أو أعَرتُه، أو قال: غَصَبني أو نحو ذلك، فهذا الأمر لا يختص بمعرفته المطلوب (٩)، ولا يتعلق بن يته وقصده، وليس مع المُدَّعى عليه من شواهد صدقه ما مع الزوج من بقاء عصمة النكاح، وإنما معه مجرد براءة الذمة، وقد عُهد كثرة اشتغالها بالمعاملات، فقويَ الشاهد الواحد والنكول أو يمين

стр. 493

الطالب على رَفْعها، فحُكم له، فهذا كله مما يبين حكمة الشارع (١)، وأنه يقضي بالبينة التي تبين الحق وهي الدليل الذي يدل عليه، والشاهد الذي يشهد به، بحسب الإمكان. [يحكم بشهادة الشاهد الواحد إذا ظهر صدقه] بل الحق أن الشاهد الواحد إذا ظهر صِدقُه حكم بشهادته وحده (٢)، وقد أجاز النبي ﷺ شهادة الشاهد الواحد لأبي قتادة بقتل المشرك وَدَفع إليه سَلَبه بشهادته وحده، ولم يُحَلِّف أبا قتادة (٣)، فجعله بيِّنةً تامة، وأجاز شهادةَ خزيمة بن ثابت وحده بمبايعته ﷺ الأعرابي (٤) وجعل شهادته بشهادتين لما استندت إلى تصديقه [ ﷺ ] (٥) بالرسالة المتضمنة تصديقه في كل ما يخبر به (٦)، فإذا شهد المسلمون بأنه صادق في خبره عن اللَّه فبطريق الأَوْلى يشهدون أنه صادق (٧) عن رجل من أمته، ولهذا كان من تَرَاجِم بعض الأئمة على حديثه (٨): "الحكم بشهادة الشاهد الواحد إذا عُرف صِدْقُه" (٩).

стр. 494

فصل [تشرع اليمين من جهة أقوى المتداعيين] والذي جاءت به الشريعة أن اليمين تُشرع من جهة أقوى المتداعيين، فأي الخصمين تَرجَّح جانبه جُعلت اليمين من جهته، وهذا مذهب الجمهور كأهل المدينة وفقهاء الحديث كالإمام أحمد والشافعي ومالك وغيرهم (١)؛ وأما أهل العراق فلا يحلِّفون إلا المُدَّعى عليه وحده، فلا يجعلون اليمين إلا من جانبه فقط، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، والجمهور يقولون: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قضى بالشاهد واليمين (٢)، وثبت عنه أنه عرض الأَيْمان في القسامة على المدَّعِين أولًا، فلما أبَوْا جعلها من جانب المُدَّعى عليهم (٣)، وقد جعل اللَّه [سبحانه] (٤) أيمان اللعان من جانب الزوج أولًا، فإذا نكَلَتِ المرأة عن معارضة (٥) أَيْمانه بأَيْمانها وجب عليها العذاب بالحد، وهو العذاب المذكور في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] فإن المُدَّعي لما ترجَّح جانبه بالشاهد الواحد شُرعت اليمين من جهته، وكذلك أولياء الدَّم ترجَّحَ جانبهم باللَّوث فشُرعت اليمين من جهتهم وأُكِّدت بالعدد تعظيمًا لخطر النفس، وكذلك الزوج في اللعان جانبه أرجح (٦) من جانب المرأة قطعًا، فإن إقدامه على إتلاف فراشه،

стр. 495

ورميها بالفاحشة على رؤوس الأشهاد، وتعريض نفسه لعقوبة الدنيا والآخرة، وفضيحة أهله ونفسه على رؤوس الأشهاد، مما تاباه طباع العقلاء، وتَنفِرُ عنه (١) نفوسهم، لولا أن الزوجة اضْطَرَّتْهُ بما رآه وتيَّقنه (٢) منها إلى ذلك، فجانبه أقوى من جانب المرأة قطعًا، فشُرعت اليمين من جانبه، ولهذا كان [الصواب] (٣) القتل في القَسَامة واللِّعان وهو قول أهل المدينة، فأما فقهاء (٤) العراق فلا يقتلون لا بهذا ولا بهذا، وأحمد يقتل بالقسامة دون اللعان، والشافعي يقتل باللعان دون القسامة (٥)، وليس في شيء من هذا ما يعارض الحديث الصحيح، وهو قوله [ ﷺ ] (٦): "لو يُعطَى الناسُ بدَعْوَاهم لادَّعَى قومٌ دماءَ قومٍ وأموالَهم، ولكن اليمين على المُدَّعى عليه" (٧) فإن هذا إذا لم يكن مع المُدَّعي إلا مجرد الدعوى، فإنه لا يُقضى له بمجرد الدعوى، فأما إذا ترجَّحَ جانبه بشاهد أو لَوْثٍ أو غيره لم يقض له بمجرد دَعْوَاه، بل بالشاهد المجتمع من ترجُّح (٨) جانبه ومن اليمين، وقد حكم سُليمان بن داود ﵇ لإحدى المرأتين بالولد لترجُّحِ (٩) جانبها بالشفقة على الولد وإيثارها لحياته ورضى الأخرى بقتله، ولم يَلتفت إلى إقرارها للأخرى به، وقولها: "هو ابنها" (١٠)، ولهذا كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث: "التَّوْسِعَة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: [أفعل ليستبين الحق] (١١)
следующие страницы →