← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أساله عن زوج وأبوين، فقال: للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وللأب بقية المال، فقال: تجده في كتاب اللَّه أو تقوله برأيك؟ قال: أقوله برأيي، ولا أفضِّلُ أمًا على أب (١). [اجتهاد الصحابة بالقياس] وقايَسَ [علي بن أبي طالب -كرم اللَّه وجهه- وزيد بن ثابت في المكاتب (٢)، وقايسه في الجد والإخوة (٣)، وقاس] (٤) ابن عباس الأَضْراس بالأصابع، وقال: عَقْلها سواء، اعتبروها بها (٥). [ما أجمع الفقهاء عليه من مسائل القياس] قال المزني: الفقهاء من عصر رسول اللَّه ﷺ إلى يومنا وهلَمَّ جرًا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، قال: وأجمعوا [بأن] (٦) نظير الحقِّ حقٌّ، ونظيرَ الباطل باطلٌ؛ فلا يجوز لأحد إنكار القياس؛ لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها (٧). قال أبو عمر بعد حكاية ذلك عنه (٨): ومن القياس المجمع عليه صيد ما عدا المكلَّب (٩) من الجوارح قياسًا على الكلاب، لقوله (١٠): ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]. وقال [ ] (١١): ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، فدخل في ذلك المحصنون قياسًا، وكذلك قوله في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ

стр. 667

نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١) [النساء: ٢٥]، فدخل في ذلك العبد (٢) قياسًا عند الجمهور، إلا من شذَّ (٣) ممن لا يكاد يُعدُ [قوله] (٤) خلافًا؛ وقال في جزاء الصيد المقتول في الحرم (٥): ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥]؛ فدخل فيه قتل الخطأ قياسًا عند الجمهور إلا من شذ (٦)؛ [لأنه أتلف ما لا يملك قياسًا على مال غيره إذا أتلفه عمدًا أو خطأ] (٧)، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فدخل في ذلك الكتابيات قياسًا [فكل من تزوج كتابية وطلقها قبل المسيس؛ لم يكن عليها عدة، والخطاب قد ورد بالمؤمنات] (٨)، وقال في الشهادة في المداينات: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٩) [البقرة: ٢٨٢]، فدخل في معنى [قوله] (٨) ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] قياسًا [على الدين] (١٠): المواريثُ (١١) والودائع والغُصُوب وسائر الأموال. وأجمعوا على توريث البنتين الثلثين قياسًا على الأختين [وهذا كثير جدًّا

стр. 668

يطول الكتاب بذكره] (١)، وقال عَمَّن (٢) أعسَرَ بما بقي عليه من الربا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فدخل في ذلك كلُّ مُعسِرٍ بدَيْنٍ [حلالٍ] (٣)، وثبت ذلك قياسًا [واللَّه أعلم] (٤). ومن هذا الباب توريثُ الذَّكَر ضِعْفي ميراث الأنثى منفردًا، وإنما ورد النص في اجتماعهما بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، ومن هذا الباب أيضًا قياسُ التظاهر بالبنت على التظاهر بالأم، [لأن العلة أن يكون المتظاهر بها رحمًا محرمًا] (٥)، وقياس الرقبة في الظِّهار على الرقبة في القتل بشرط الإيمان، وقياس تحريم الأختين وسائر القرابات من الإماء على الحرائر في الجمع [بينهن] (٦) في التَّسرِّي [والنكاح] (٧)، قال (٨): وهذا لو تَقَضَيتُه (٩) لطال به الكتاب [واللَّه الموفق للصواب] (١٠). قلت: بعض هذه المسائل فيها نزاع، وبعضها لا يعرف فيها نزاع بين السلف. [جواب نفاة القياس، ورده] وقد رام بعض نُفَاة القياس إدخال هذه المسائل المجمع عليها في العمومات اللفظية؛ فأدخل قذف الرجال في قذف المحصنات، وجعل المحصنات صفةً للفروج لا للنساء، وأدخل صيدَ الجوارح كلها في قوله: [﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، وقوله:] (١١) ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ وإن كان من لفظ الكلب فمعناه مُغْرِين لها

стр. 669

على الصيد، قاله مجاهد والحسن، وهو رواية عن ابن عباس (١)، وقال أبو سليمان الدمشقي: مكلبين معناه معلِّمين، وإنما قيل لهم مكلبين لأنّ الغالب من صيدهم إنما يكون بالكلاب. وهؤلاء وإنْ أمكنهم ذلك، في بعض المسائل، كما جزموا بتحريم [أجزاء] (٢) الخنزير لدخوله في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وأعادوا الضمير إلى المضاف إليه [دون المضاف] (٣)، فلا يمكنهم ذلك في كثير من المواضع، وهم مضطرون فيها -ولا بد- إلى القياس، أو القول بما لم يَقُلْ به غيرُهم ممن تقدَّمهم، فلا نعلم أحدًا من أئمة الفتوى يقول في قول النبي ﷺ وقد سئل عن فأرة وقعت في سَمْن: "ألقوها وما حولها وكُلُوه" (٤) إن ذلك مختصٌّ بالسَّمن دونَ سائرِ الأَدهان والمائعات، هذا مما يقطعُ بأنَّ الصَّحابة والتابعين وأئمة الفتوى (٥) لا يُفَرِّقون فيه بين السَّمن والزيت والشيرج والدِّبْس (٦) كما لا يفرق بين الفأرة والهرة في ذلك (٧)، وكذلك نَهْي النبي ﷺ عن بيع الرطُّب بالتمر (٨)، لا

стр. 670

يفرِّق عالمٌ يفهم عن اللَّه ورسوله بين ذلك وبين بيع العنب بالزبيب. ومن هذا أن اللَّه سبحانه قال في المطلقة ثلاثًا: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي فإن طلقها الثاني فلا جناح عليها وعلى الزوج الأول أن يتراجعا، والمراد به تجديد العقد، وليس ذلك مختصًا بالصورة التي يطلق فيها الثاني فقط، بل متى تفارقا بموت أو خُلْع أو فَسْخ أو طلاق حَلَّت للأول، قياسًا على الطلاق. ومن ذلك قول النبي ﷺ : "لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة، ولا تشربوا في صِحافِها فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (١)، وقوله: "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجرجر في بطنه نارَ جهنم" (٢) وهذا التحريم لا يختصُّ بالأكل والشرب، بل يعمّ سائرَ وجوهِ الانتفاع؛ فلا يحلُّ له أن يغتسل بها، ولا يتوضَّأ بها، ولا يَدّهن فيها، ولا يكتحل منها، وهذا أمر لا يشك فيه عالم (٣). ومن ذلك نهي النبي ﷺ المُحْرِم عن لبس القميص والسراويل والعمامة

стр. 671

والخفين (١)، ولا يختص ذلك بهذه الأشياء فقط، بل يتعدى النَّهيُ إلى الجباب والدُّلوق والمُبَطَّنات والفَرَاجِي والأقْبِيَة والعرقشينات (٢)، وإلى [القبع] (٣) والطاقية والكوفية والكلوتة والطيلسان والقلنسوة، وإلى الجَوْرَبَيْنِ والجُرْمُوقَيْنِ والزربول ذي الساق، وإلى التُّبَّانِ ونحوه (٤).

стр. 672

ومن هذا قول النبي ﷺ : "إذا ذهب أحدكم إلى الغَائط فليذهب معه بثلاثة أحجار" (١) فلو ذهب معه بخرقة وتنظِّف (٢) أكثرَ من الأحجار أو قطن أو صوف أو خَزٍّ أو نحو ذلك جاز، وليس للشارع غَرضٌ في غير التنظيف (٣) والإزالة، فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار في الجواز [بل] (٤) أولى؛ ومن ذلك أن النبي ﷺ

стр. 673

نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه أو يخطب على خطبته (١)، ومعلوم أن المفسدة التي نهى عنها في البيع والخطبة موجودة في الإجارة، فلا يحل له أن يُؤجِّر على إجارته، وإنْ قُدِّر دخول الإجارة في لفظ البيع العام، وهو بيع المنافع، فحقيقتها غير حقيقة البيع، وأحكامها غير أحكامه. ومن ذلك قوله سبحانه في آية التيمم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، فألحقت الأمةُ أنواعَ الحدث الأصغر على اختلافها في نقضها بالغائط، والآية لم تنص من أنواع الحدث الأصغر إلا عليه أو على اللَّمْس على قول مَنْ فسَّره بما دون الجماع، وألحقتِ الاحتلامَ بملامسة النساء، وألحقت واجَد ثمن الماء بواجده، وألحقت مَنْ خاف على نفسه أو بهائِمه من العطش إذا توضَّأ بالعادم؛ فجوَّزت له التَّيممَ وهو واجدٌ للماء، وألحقت مَنْ خشيَ المرض من شدة برد الماء (٢) بالمريض في العدول عنه إلى البدل؛ وإدخال هذه الأحكام وأمثالها في العمومات المعنوية التي لا يستريب مَنْ له فهمٌ عن اللَّه ورسوله في قَصْدِ عمومها وتعليق الحكم به وكونه متعلقًا بمصلحة العبد أولى من إدخالها في عموماتٍ لفظية بعيدةٍ التناول لها ليست بحرية (٣) الفهم مما لا ينكر تناول العمومين لها؛ فمن الناس من يتنبَّه لهذا، ومنهم من يتنبَّه لهذا، ومنهم من يتفطَّن لتناول العمومين لها. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقاست الأمةُ الرَّهنَ في الحضر على الرهن في السفر، والرهن مع وجود الكاتب على الرهن مع عدمه، فإن استُدل على ذلك بأنَّ النبي ﷺ رَهَنَ دِرْعَه في الحضر (٤)؛ فلا عمومَ في ذلك، فإنَّما رهنها على شعير استقرضه من

стр. 674

يهودي، فلا بُدَّ من القياس إما على الآية وإما على السنة؛ ومن ذلك أن سمرة بن جندب لما باع خمرَ أهلِ الذمة وأخذه في العشور التي عليهم، فبلغ عمر فقال: قاتل اللَّه سمرة، أما علم أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَعَنَ اللَّه اليهود، حُرِّمَتْ عليهم الشحوم فجَمَلوها (١) وباعوها وأكلوا أثمانها" (٢) وهذا محض القياس من عمر [﵁] (٣)؛ فإن تحريم الشحوم على اليهود كتحريم الخمر على المسلمين، وكما يحرم ثمن الشحوم المحرَّمة فكذلك يحرم ثمن الخمر الحرام. ومن ذلك أن الصحابة [﵁] (٤) جعلوا العبد على النصف من الحر في النكاح والطلاق والعِدَّةِ، قياسًا على ما نص اللَّه عليه من قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، قال عبد الرزاق: أنا سفيان بن عُيينة، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سليمان بن يَسار، عن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن عمر بن الخطاب [﵁] (٤) قال: يَنْكِحُ العبد اثنتين (٥). وقال عبد الرزاق: أنبأنا سفيان الثوري وابن جريج قالا: ثنا جعفر بن

стр. 675

محمد، عن أبيه أن علي بن أبي طالب [كرم اللَّه وجهه في الجنة] (١) قال: ينكحُ العبد اثنتين (٢). وذكر الإمام أحمد عن محمد بن سيرين قال: سأل عمر بن الخطاب الناسَ: كم يتزوج العبد؟ فقال (٣) عبد الرحمن بن عوف: "ثنتين، وطلاقه ثنتان" (٤)، وهذا كان بمَحْضَر من الصحابة فلم ينكره أحد. وقال محمد بن عبد السلام الخُشَني (٥): حدثنا محمد بن المثنى: ثنا عبد الرحمن بن محمد (٦) المحاربي، عن ليث بن أبي سُلَيم، عن عطاء قال: أجمع أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن العبد لا يجمع بين النساء فوق اثنتين (٧). وروى حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس أن عمر قال: لو استطعت (٨) أن أجعل عِدَّةَ الأمَةِ حَيْضَةً ونصفًا لفعلت، فقال رجل: يا أمير المؤمنين فاجعلها شهرًا ونصفًا، فسكت (٩).

стр. 676

وقال عبد اللَّه بن عتبة، عن (١) عمر: عِدَّةُ الأمَةِ إذا لم تحض شهران كعدتها إذا حاضت حيضتين (٢). وروى ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن عبد اللَّه بن عتبة عن عمر: ينكح العبد امرأتين، ويطلق طلقتين، وتعتدُّ الأمة حيضتين، وإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرًا ونصفًا (٣). وقال علي (٤): عدةُ الأمَةِ حيضتان، فإن لم تكن تحيض فشهر ونصف (٥). والمقصود أن الصحابة نصَّفُوا ذلك قياسًا على تنصيف اللَّه [سبحانه] (٦) الحدَّ على الأمَة. [صور من قياس الصحابة] ومن ذلك أن الصحابة قَدَّمُوا الصِّدِّيق في الخلافة وقالوا: رضِيَهُ رسول اللَّه [ ﷺ ] (٦)

стр. 677

لديننا، أفلا نرضاه لدُنيانا؟ (١) فقاسوا الإمامة الكبرى على إمامة الصلاة، وكذلك اتِّفاقهم على كتابة المصحف وجمع القرآن فيه، وكذلك اتفاقهم على جمع الناس على مصحف واحد وترتيب واحد وحرف واحد (٢)، وكذلك مَنْعُ عمر وعلي من

стр. 678

بيع أمهات الأولاد برأيهما (١)، وكذلك تسوية الصِّدِّيق بين الناس في العطاء برأيه (٢)، وتفضيل عمر برأيه (٣)، وكذلك إلحاق عمر حدَّ الخمر بحد القذف برأيه (٤) وأقرَّهُ الصحابة (٥)، وكذلك توريث عثمان بن عفان [﵁]، (٦) المبتوتة في مرض الموت برأيه (٧)، ووافقه الصحابة، وكذلك قول ابن عباس في نهي النبي ﷺ

стр. 679

عن بيع الطعام قبل قبضه (١)، قال: أحْسِبُ كل شي بمنزلة الطعام (٢)، وكذلك عمر وزيد لما وَرَّثا الأم ثُلُثَ ما بقي [في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين قاسا وجودَ الزوج على أما إذا لم يكن زوج] (٣)؛ فإنه حينئذٍ يكون للأب ضعفي ما للأم] (٤)، فقدَّرا أن [يكون] (٥) الباقي بعد الزوج والزوجة كل المال (٦)، وهذا من أحسن

стр. 680

القياس؛ فإنَّ قاعدةَ الفرائض أن الذكر والأنثى إذا [اجتمعا وكانا] (١) في درجة واحدة فإما أن ياخذ الذكرُ ضعفَ ما تأخذه (٢) الأنثى كالأولاد وبني الأب، وإما أن تساويه كولد الأم، وإما أنَّ الأنثى تأخذ ضعفَ ما يأخذ الذكر مع مساواته لها في الدرجة (٣) فلا عَهْدَ به في الشريعة، فهذا من أحسن الفهم عن اللَّه ورسوله، وكذلك أخذ الصحابة في الفرائض بالعَوْل (٤) وإدخال النَّقْص على جميع ذوي الفروض قياسًا على إدخال النقص على الغرماء إذا ضاق مالُ المُفْلِسِ عن توْفيتهم، وقد قال النبي ﷺ للغرماء: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك" (٥) وهذا مَحْضُ العَدْل، على أنَّ تخصيصَ بعض المستحقين بالحرمان وتوفية بعضهم بأخذ نصيبه ليس (٦) من العدل. [قياس الصحابة حد الشرب على حد القذف] وقال عبد الرزاق: أنبأنا مَعمر، عن أيوب السَّخْتياني، عن عكرمة أن عمر بن الخطاب ﵁ شاور الناس في حد الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها واجترؤوا عليها، فقال له علي: إن السكران إذا سكر هَذَى، وإذا هذى افترى، فاجعله حد

стр. 681

الفرية، فجعله عمر حد الفرية ثمانين (١). ورواه مالك عن ثور بن زيد الدِّيلي (٢) أن عمر شاور الناس (٣)، ورواه وكيع: حدثنا ابن أبي خالد (٤)، عن الشعبي قال: استشارهم عمر، فذكره، ولم ينفرد علي بهذا القياس، بل وافقه عليه الصحابة؛ قال الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن وبرة الصلتي قال: بعثني خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيته وعنده عليّ وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف مُتَّكئون في المسجد، فقلت له: إن خالد بن الوليد يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن الناس انبسطوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة، فما ترى؟ فقال عمر: هم هؤلاء عندك، قال: فقال علي: أراه إذا سكر هَذَى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون، فاجتمعوا على ذلك، فقال عمر: بَلِّغ صاحبك، ما قالوا، فضرب خالد ثمانين، وضرب

стр. 682

عمر ثمانين، قال: وكان عمر إذا أُتي بالرجل القوي المنهمك (١) في الشراب ضربه ثمانين، وإذا أتي بالرجل الذي كانت منه الزلة (٢) الضعيف ضربه أربعين، وجعل ذلك عثمان أربعين وثمانين (٣)، وهذه مراسيل ومُسندات من وجوه متعددة يقوي بعضها بعضًا، وشهرتها تغني عن إسنادها. [قياس الصحابة في الجد مع الإخوة] وقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري، عن عيسى بن أبي عيسى الخَيَّاط، عن الشعبي قال: كره عمر (٤) الكلام في الجد حتى صار جدًا، وقال: إنه كان من [رأي] (٥) أبي بكر أن الجد أولى من الأخ، وذكر الحديث، وفيه: فسأل عنها زيدَ بن ثابت فضرب له مثلًا بشجرة خرجت ولها أغصان، قال: فذكر شيئًا لا أحفظه، فجعل له الثُّلُث، [قال الثوري] (٦): وبلغني أنه قال: يا أمير المؤمنين، شجرة نَبتت، فانشعب منها غُصْن، فانشعب من الغصن غصنان، فما جعل الغصن الأول أولى من الغصن الثاني، وقد خرج الغصنان من الغصن الأول؟ قال: ثم سأل عليًا، فضرب له مثلًا واديًا سال [فيه سيلٌ] (٥)، فجعله أخًا فيما بينه وبين ستة، فأعطاه السُّدس، وبلغني أن عليًا [كرم اللَّه وجهه] (٥) حين سأله عمر جعله سيلًا، قال: فانشعب منه شُعْبة، ثم انشعبت (٧) شعبتان، فقال: أرأيت لو أنَّ هذه الشعبة الوسطى تيبس (٨) أما

стр. 683

كانت ترجع إلى الشعبتين جميعًا؟ قال الشعبي: فكان (١) زيد يجعله أخًا حتى يبلغ ثلاثة هو ثالثهم، فإنْ زادوا على ذلك أعطاه الثلث، وكان عليٌّ يجعله أخًا ما بينه وبين ستة وهو سادسهم، ويعطيه السدس، فإن زادوا [على ستة] (٢) أعطاه السدس، وصار ما بقي بينهم (٣). وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق: حدثنا إسماعيل بن أبي أُويس: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه أن عمر بن الخطاب لما استشار في ميراث الجد والإخوة، قال زيد: وكان رأَيي (٤) [يومئذٍ أن الإخوة أحق بميراث أخيهم من الجد، وعمر بن الخطاب يرى] (٥) يومئذٍ أن الجد أولى بميراث ابن ابنه من إخوته، فتحاورتُ أنا وعمر محاروةً شديدةً، فضربت له في ذلك مثلًا، فقلت: لو أنَّ شجرةَ تشعَّبَ من أصلها غصن، ثم تشعَّب في ذلك الغصن خُوطَان (٦) ذلك الغصن يجمع الخوطَيْنَ دون الأصل ويغْذُوهما، ألا ترى يا أمير المؤمنين أنَّ أحدَ الْخُوطَيْن أقربُ إلى أخيه منه إلى الأصل؟ قال زيد: فانا أُعْذِلُه وأضربُ له هذه الأمثال، وهو يأبى إلا أنَّ الجدَّ أولى من الإخوة، ويقول: واللَّه لو أنِّي قضيت اليوم لبعضهم لقضيتُ به للجدِّ كله، ولكن لعَلّي لا أخيب منهم أحدًا، ولعلهم أن يكونوا كلهم ذوي حق، وضرب علي وابن عباس لعمر يومئذٍ مثلًا معناه: لو أن سَيْلًا سألَ فخلج (٧) منه خليج، [ثم خلج من] (٨) ذلك الخليج شعبتان (٩).

стр. 684

ورَأْيُ الصديق (١) أولى من هذا الرأي وأصح في القياس، لعشرة أوجه ليس هذا موضع ذكرها. والجواب عن هذه الأمثلة: أنَّ المقصود أن الصحابة ﵃ كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر، ولا يُلتفت إلى مَنْ (٢) يقدح في كل سند من هذه الأسانيد وأثر من هذه الآثار، فهذه في تَعَدُّدها (٣) واختلاف وجوهها وطرقها جارية مجرى التواتر المعنوي، الذي لا يشك فيه، وإنْ لم يثبت كل فرد من الأخبار به (٤)، وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جُرَيْج [قال] (٥): أخبرني عمرو، قال: أخبرني حيي (٦) بن يعلى بن أمية أنه سمع أباه يقول، وذكر قصة الذي قتلته امرأة أبيه وخليلها (٧)، أن عمر بن الخطاب [﵁]، كتب إليّ أن اقْتُلْهُمَا فلو اشترك فيه أهلُ صنعاء كلهم لقتلتُهم (٨)، قال ابن جريج: فأخبرني

стр. 685

عبد الكريم وأبو بكر قالا جميعًا: إن عمر كان يشك (١) فيها حتى قال له عليّ: يا أمير المؤمنين، أرأيتَ لو أنَّ نفرًا اشتركوا في سرقة جَزُور، فأخذ هذا عضوًا وهذا عضوًا، أكنتَ قاطعَهم؟ قال: نعم، قال: وذلك حين استخرج له الرأي (٢). [بين ابن عباس والخوارج] وقال عبد اللَّه بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بُكير بن الأشج عَمّن حدثه عن ابن عباس قال: أرسلني على إلى الحَرورية (٣) لأكلّمهم، فلما (٤) قالوا: "لا حَكَمَ إلا اللَّه" قلت: أجل، صدَقْتُم (٤)، لا حكم إلا اللَّه، وأن اللَّه قد حَكَّم في رجل وامرأته، وحَكَّم في قتل الصيد؛ فالحكم في رجل وامرأته، والصيد أفضل أم الحكم في الأمَّة يرجع بها، وَيحْقن دماءها، وَيلُمُّ شعثها؟ (٥). وقال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا عكرمة بن عمار: ثنا سِمَاك الحنفي قال: سمعت ابنَ عباس يقول: قال على: لا تُقَاتلوهم حتى يخرجوا، فإنهم سيخرجون، قال: قلت: يا أمير المؤمنين أَبْرِد بالصلاة، فإنِّي أريد أن أدخل عليهم فأسمع من كلامهم وأكلّمَهُم، فقال علي: أخشى عليكَ منهم، قمال: وكنتُ (٦) رجلًا حسن الخلق لا أوذي أحدًا، قال: فلبستُ أحسنَ ما يكون من اليمنية، وترجّلتُ، ثم دخلتُ عليهم وهم قائلون، فقالوا [لي] (٧): ما هذا اللباس؟ فَتَلَوْتُ عليهم القرآن: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، ولقد رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يلبس أحسن ما يكون من اليمنية، فقالوا: لا بأس، فما جاء بك؟ فقلتُ: أتيتُكم من عند صاحبي، وهو ابنُ عمِّ رسول اللَّه ﷺ ، [وخَتْنه] (٨)،

стр. 686

وأصحابُ رسول اللَّه ﷺ أعلمُ بالوحي منكم، وعليهم نزلَ (١) القرآنُ، أبلِّغُكم عنهم وأبلغهم عنكم، فما الذي نقمتم؟ فقال بعضهم: إنّ قريشًا قوم خَصِمون قال اللَّه [ ] (٢): ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]، فقال بعضهم: كلموه، فانتحى لي رجلان منهم أو ثلاثة، فقالوا: إنْ شئتَ تكلَّمتَ، وإنْ شئتَ تكلَّمنا، فقلتُ: بل تكلَّموا، فقالوا: ثلاث نقمناهن عليه، جعل الحكم إلى الرجال، وقال اللَّه [ ] (٢): ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فقلت: قد جعلَ اللَّه الحكمَ من أمره إلى الرجال في رُبع درهم في الأرنب، وفي المرأة وزوجها: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، أفخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم، قالوا: وأُخرى مَحَا نَفْسَه أن يكون أمير المؤمنين، فإن لم يكن أميرَ المؤمنين فأمير الكافرين هو؟ فقلت لهم: أرأيتم إن قرأتُ [من] (٢) كتاب اللَّه عليكم وجئتكم به من سنة رسول اللَّه ﷺ أترجعون؟ قالوا: نعم، قلتُ: قد سمعتُم أو أُراه قد بَلَغكم، أنه لما كان يوم الحديبية جاء سهيل بن عمرو إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال النبي (٣) ﷺ لعلي: أكتبْ هذا ما صالح عليه محمد رسول اللَّه ﷺ ؛ فقالوا: لو نعلم أنك رسولُ اللَّه لم نقاتلك، فقال رسول اللَّه ﷺ لعلي: "امحُ يا علي"، أفخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم، قال: وأما قولُكم: قَتَلَ ولم يَسْب ولم يغنم، أفَتَسْبُون أُمَّكم وتَسْتحلُّون منها ما تستحلُّون من غيرها؟ فإن قلتم: نعم فقد كفرتم بكتاب اللَّه، وخرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين، وكلَّما جئتُهم بشيء من ذلك أقول: أفخَرجتُ منها؟ فيقولون: نعم، قال: فرجع منهم ألفان وبقي ستةُ آلاف (٤)، وله طرق عن ابن عباس، وقياسُه المذكور من أحسن القياس وأوضحه. وقد أنكر ابنَ عباس على زيد [بن ثابت مخالفته للقياس في مسألة الجد

стр. 687

والإخوة، فقال: ألا يتقى اللَّه زيد؟] (١) يجعلُ ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أبَ الأبِ أبًا؟ (٢) وهذا محض القياس. ولما خَصَّ الصِّدِّيق أُمَّ الأم بالميراث دون أم الأب، قال له بعض الأنصار: لقد وَرَّثتَ امرأةً من ميتٍ، لو كانت هي الميتة لم يَرثْها، وتركتَ امرأةً لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت، فشَرَّك بينهما. قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عُيينة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: جاءت جَدَّتان إلى أبي بكر، فأعطى الميراث أمَّ الأم دون أم الأب، فقال له رجل من الأنصار من بني حارثة يقال له: عبد الرحمن بن سهل (٣): يا خليفة رسول اللَّه، قد أعطيتَ الميراث التي لو ماتت لم يرثها، فجعل الميراث بينهما (٤). ولما شهد أبو بكرة وأصحابُه على المغيرة بن شعبة بالحدِّ، ولم يكمَّلوا النصاب حَدَّهم عمر (٥)، قياسًا على القاذف، ولم يكونوا قَذَفَةً بل شهودًا؛ وقال عثمان لعمر: إن نتَّبع رأيك فرأيك أسَدُّ (٦)، وإن نتبع مَنْ قبلك فلنعم ذو الرأي

стр. 688

كان (١)؛ وقال علي: اجتمع رأيي ورأيُ عمر في بيع (٢) أمهات الأولاد أن لا يُبَعْنَ، ثم رأيت بيعهن، فقال له قاضيه عَبيدة السَّلْماني: [يا أمير المؤمنين] (٣) رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحَبُّ الينا من رأيك وَحْدك في الفرقة (٤). ولما أرسل عمرُ إلى المرأة فاسقطت جنينها استشار الصحابةَ؛ فقال له عبد الرحمن بن عوف وعثمان: إنما أنت مُؤَدِّب، ولا شيء عليك؛ وقال له علي: أما المأثَم فأرجو أن يكونَ محطوطًا عنك، وأرى عليك الدية (٥)، فقاسه عثمان وعبد الرحمن على مؤدِّب امرأته وغلامه وولده، وقاسه عليّ عَلَى قاتل الخطأ، فاتَّبع عمرُ قياس علي. ولما احتُضِرَ الصديق [﵁] (٦) أوصى بالخلافة إلى عمر [﵁] (٧)، وقاس ولايتَه لمن بعده إذ هو صاحب الحلِّ والعقد على ولاية المسلمين له إذ (٨) كانوا هم أهل الحل والعقد، وهذا من أحسن القياس. [اختلافهم في المرأة المُخَيَّرة] وقال علي: سألني أمير المؤمنين عمر عن الخيار، فقلت: إنْ اختارت

стр. 689

زوجها فهي واحدة، وهو أحقُّ بها، وإنْ اختارت نفسها فهي واحدة بائنة، فقال: ليس كذلك، إنْ اختارت نفسها فهي واحدة، وهو أحق بها، وإن اختارت زوجها فلا شيء، فاتبعته على ذلك، فلما خلص الأمرُ إليَّ، وعلمتُ أني أُسأل عن الفروج عُدتُ إلى ما كنت أرى، فقال له زاذان: لأمرٌ جامعت عليه أمير المؤمنين وتركت رأيك له أحبُّ ألينا من أمر انفردت به، فضحك وقال: أما إنه قد أرسل إلى زيد بن ثابت، وخالفني وإياه (١)، وقال: إن اختارت زوجَها فهي واحدة، وزوجها أحقُّ بها، وإن اختارت نفسها فهي ثلاث (٢)، وهذا رأيٌ منهم كُلُّهم [﵁] (٣)؛ ورأي عمر [﵁] (٣) أقوى وأصح. وقال عمرُ لِعَليٍّ: إني قد رأيت في الجد رأيًا فاتَّبعوني، فقال علي: إن نتبع رأيك فرأيك رشيد، كان نتبع رأي من قبلك فنِعمَ ذو الرأي كان (٤). وهل مع زيد بن ثابت في مسائل الجد والإخوة والمعَادَّة والأكدرية (٥) نصٌّ من قرآن أو سنة أو إجماع إلا مجرد الرأي؟ ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لامرأته: "أنت عليَّ حرام"؛ فقال شيخا الإسلام وبَصَرا الدِّين وسَمْعُه أبو بكر وعمر [﵄] (٣): هو يمين (٦)، وتبعهما حبرُ

стр. 690

الأمة وتَرجُمانُ القرآن ابن عباس (١)؛ وقال سيف اللَّه علي بن أبي طالب وزيد: هو طلاق ثلاث (٢)؛ وقال ابن مسعود: طلقة واحدة (٣)، وهذا من الاجتهاد والرأي. [الصحابة فتحوا باب القياس والاجتهاد] [فالصحابة ﵃] (٤) مَثَّلوا الوقائع بنظائرها، وشَبّهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء بابَ الاجتهاد، وَنَهَجُوا لهم طريقه، وبيّنوا لهم سبيله، وهل يستريبُ عاقل في أن النبي ﷺ لما قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غَضْبَان" (٥) إنما كان ذلك لأن الغضب يُشوِّشُ عليه قلبَه وذهنَه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويُعَفي عليه طريقَ العلم

стр. 691

والقصد، فمن قَصَرَ النَّهيَ (١) على الغضب وحده دون الهَمّ المزعج، والخوف المقلق، والجوع والظمأ الشديد، وشُغْل القلب المانع من الفهم؛ فقد قَلَّ فِقهُه وفهمُه (٢)، والتعويل في الحكم على قَصْد المتكلِّم، والألفاظُ لم تقصد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني، والمتوصل (٣) بها إلى معرفة مراد المتكلِّم، ومُراده يظهر من عموم لفظه تارة، ومن عموم المعنى الذي قصده تارة، وقد يكون فَهْمُه من المعنى أقوى، وقد يكون من اللفظ أقوى، وقد يتقاربان؛ كما إذا قال الدليل لغيره: لا تَسْلُكْ هذا الطريقَ فإن فيها مَنْ يقطع الطريق، أو هي مَعْطَشَة مخوفة؛ عَلِمَ هو وكلُّ سامع أنَّ قصدَه أعمُّ من لفظه، وأنه أراد نَهْيه عن كل طريق هذا شأنها؛ فلو خالفه وسلك طريقًا أخرى عَطِبَ بها حَسُنَ لومه، ونُسِبَ إلى مخالفته ومعصيته، ولو قال الطبيب للعليل وعنده لحم ضأن: لا تأكل الضأن فإنه يزيد في مادة المرض، لَفَهِمَ كُلُّ عاقل منه أن لحم الإبل والبقر (٤) كذلك، ولو أكل منهما لَعُدَّ مخالفًا، والتحاكمُ في ذلك إلى فِطَرِ الناس وعقولهم، ولو مَنَّ عليه غيره بإحسانه فقال (٥): واللَّه لا أكلت له لقمةً، ولا شربتُ له ماءً، يريد خلاصه من مِنَّتهِ عليه، ثم قَبِلَ منه الدراهم والذهب والثياب (٦) والشاة ونحوها لَعَدَّهُ العقلاءُ واقعًا فيما هو أعظم [مما] (٧) حَلَف عليه، ومُرتكبًا لذروة سَنَامه؛ ولو لَامَه عاقلٌ على كلامه لمن لا يليق به [مُحَادثته] (٨) من امرأة أو صبي فقال: واللَّه لا كَلَّمته، ثم رآه خاليًا به يُؤاكله ويشاربه ويُعَاشره ولا يكلمه لَعَدُّوه مرتكبًا لأشدِّ مما حلف عليه وأعظمه. [العمل بالقياس مركوز في فطر الناس] وهذا مما فطر اللَّه عليه عباده؛ ولهذا فهمت الأمة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] جميعَ وجوهِ الانتفاع من اللبس والركوب والسكنى (٩) وغيرها.

стр. 692

وفهمت من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] إرادة النَّهي عن جميع أنواع الأذى بالقول والفِعل، وإنْ لم تَرِد (١) نصوص أخرى بالنهي عن عموم الأذى، فلو بَصَقَ رجل في وَجْه وَالديه وضَرَبهما بالنعل (٢)، وقال: إني لم أقل لهما: أُفٍّ، لَعَدَّهُ الناس في غاية السَّخافة والحماقة والجهل من مجرد تفريقه بين التأفيف المنهي عنه، وبين هذا الفعل قبل أن يبلغه نهي غيره، ومَنْعُ هذا مكابرةٌ للعقل والفهم والفطرة، فمَنْ عَرف مراد المتكلِّم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تُقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يُستدلُّ بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده، ووضَحَ بأيِّ طريق كان؛ عُمِلَ بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أو كتابة، أو إيماء أو دلالة عقلية، أو قرينة حاليَّة، أو عادة [له] (٣) مطّردة لا يُخِلُّ بها، أو مِنْ مُقتضى كماله وكمال أسمائه وصفاته، وأنه يمتنع منه إرادة ما هو معلوم الفساد، وترك إرادة ما هو متيقن مصلحته (٤)، وأنه يستدل على إرادته للنظير بإرادة نظيره ومثله [وشبهه، وعلى كراهة الشيء بكراهة مثلة ونظيره] (٥) ومشبهه، فيقطع العارفُ به وبحكمته وأوصافه على أنه يريد هذا ويكره هذا، ويحبُّ هذا [ويبغض هذا] (٣)، وأنت تجد من له اعتناءٌ شديد بمذهب رجل [وأفتى له] (٦) كيف يفهم مراده من تصرفه ومذهبه (٧)؟ ويخبر عنه بأنه يفتي بكذا، ويقوله، وأنه لا يقول بكذا ولا يذهب إليه، لما لا يجد في كلامه صريحًا، وجميع أتباع الأئمة مع أئمتهم بهذه المثابة. [العبرة بإرادة المتكلم لا بلفظه] وهذا [أمر] (٣) يَعُمُّ أهلَ الحقِّ والباطلِ، لا يمكن دفعه؛ [فاللفظ الخاص قد ينتقل] (٨) إلى معنى العموم بالإرادة، [والعام قد ينتقل إلى معنى الخصوص بالإرادة] (٩)، فإذا دُعي إلى غَداء فقال: واللَّه لا أتغدَّى، أو قيل له: "نَمْ" فقال:

стр. 693

واللَّه لا أنام، أو: "اشرب هذا الماء" فقال: واللَّه لا أشرب، فهذه كلها ألفاظ عامة نُقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يَقْطع السامعُ عند سماعها بأنه لم يُرِد النَّفيَ العام إلى آخر العمر (١)، والألفاظ ليست تَعَبُّديَّة (٢)، والعارفُ يقول: ماذا أراد، واللفظي يقول: ماذا قال، كما كان [يقول] الذين لا يفهمون (٣) إذا خرجوا من عند النبي ﷺ يقولون: ماذا قال آنفًا؛ وقد أنكر اللَّه سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]؛ فذمَّ من لم يفقه كلامه، والفقه أخص من الفهم؛ وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وَضْعِ اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت (٤) مراتبهم في الفقه والعلم. وقد كان الصحابة ﵃ يستدلون على إذن الرب تعالى وإباحته بإقراره، وعدم إنكاره عليهم في زمن الوحي، وهذا استدلال على المراد بغير لفظ، بل بما عرف من مُوجب أسمائه وصفاته، وأنه لا يُقرُّ على باطل حتى يبينه، وكذلك استدلال الصِّدِّيقة الكبرى أم المؤمنين خديجة بما عَرَفته من حكمة (٥) الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته ورحمته، أنه لا يُخْزي محمدًا ﷺ ، فإنه (٦) يصلُ الرَّحم، ويحملُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضَّيف، ويُعين على نوائب الحق (٧)، وأَنَّ مَنْ كان بهذه المثابة فإنَّ العزيزَ الرحيم الذي هو أحكم الحاكمين وإلهُ العالمين لا يُخزيه، ولا يُسَلِّط عليه الشَّيطانَ، وهذا استدلال منها قبل ثبوت النبوة والرسالة، بل استدلال على صحتها وثبوتها في حقِّ مَنْ هذا شأنه؛ فهذا معرفة منها بِمُرادِ الرب تعالى وما يفعله من أسمائه وصفاته وحكمته ورحمته وإحسانه ومجازاته المُحْسنَ (٨) بإحسانه، وأنه لا يُضيع أَجر المحسنين، وقد كانت الصحابةُ أَفْهَمَ الأمة لمراد نبيّها وأتْبَعَ

стр. 694

له، وإنما وكانوا يُدَنْدِنُونَ حول معرفة مراده ومقصوده، ولم يكن أحد منهم يظهر له مُرَادُ رسول اللَّه ﷺ ثم يَعْدِلُ عنه إلى غيره ألبتة. [بم يعرف مراد المتكلم ؟] والعلمُ بمراد المتكلم يُعرفُ تارةً من عموم لفظه، وتارةً من عموم علَّته، والحوالة على الأول أوضَحُ لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضَحُ لأرباب المعاني والفهم والتدبر. [أغلاط أصحاب الألفاظ وأصحاب المعاني] وقد يعرض لكلٍّ من الفريقين ما يُخِلُّ بمعرفة مراد المتكلِّم، فيعرض لأرباب الألفاظ التقصيرُ بها عن (١) عمومها، وهضْمُها تارة، وتحميلها فوقَ ما أريد بها تارة، ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ، فهذه أربعُ آفاتٍ هي منشأ غلط الفريقين. ونحن نذكر بعض الأمثلة لذلك ليعتبر به غيره، فنقول: [بعض الأغلاط التي وقع فيها أهل الألفاظ وأهل المعاني] قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ فلفظ الخمر عام في كل مُسكر، فإخراج بعض الأشربة المُسكرة عن شمول اسم الخمر لها تقصيرٌ به وهضمٌ لعمومه، بل الحق ما قاله صاحب الشرع: "كل مسكر خمر" (٢)، وإخراجُ بعضِ أنواع الميسر عن شمول اسمه لها تقصير أيضًا به، وهضم لمعناه (٣) فما الذي جعل النردَ الخالي عن (٤) العِوَضِ من الميسر وأخرج الشطْرَنْجَ عنه، مع أنها من أظهر أنواع الميسر؟ كما قال غير واحد من السلف: إنه مَيْسِر (٥). وقال

стр. 695

عليُّ [﵁]: هو مَيْسر المعجم (١). وأما تحميلُ اللفظ فوق ما يحتمله؛ فكما حُمّل لفظ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله في آية البقرة: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] مسألة العينة (٢) التي هي ربًا بحيلة، وجعلها من التجارة، ولَعَمْرُ اللَّه إنَّ الربا الصريح تجارةٌ للمُرابي وأيُّ تجارة (٣)، وكما حُمِّل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] [على] (٤) مسألة التحليل، وجعل التيس المستعار الملعون على لسان رسول اللَّه ﷺ داخلًا في اسم الزوج (٥)، وهذا في التجاوز يقابل الأول في التقصير.

стр. 696

ولهذا كان معرفةُ حدود ما أنزل اللَّه على رسوله أصل العلم وقاعدته وآخِيَّته التي يرجع إليها، فلا يخرج شيئًا من معاني ألفاظه عنها، ولا يدخل فيها ما ليس منها، بل يُعطيها حقَّها، ويفهم المراد منها.

стр. 697

[ومن هذا] (١): لفظ الأيْمَانِ والْحَلِفِ، أخرجت طائفةٌ من الأيمان الالتزامية التي يلتزم (٢) صاحبُها بها إيجابَ شيء أو تحريمه، وأدخلت طائفةٌ فيها التعليق المحض الذي لا يقتضي حضًّا ولا منعًا، والأول نَقْصٌ من المعنى، والثاني تحميلٌ له فوق معناه. ومن ذلك لفظُ الربا، أدخلتْ فيه طائفةٌ ما لا دليل على تناول اسم الربا له، كبيع الشَّيْرَج بالسِّمسِم، والدِّبْس بالعنب، والزيت بالزيتون، وكل ما استخرج من ربويٍّ وعمل منه بأصله، وإنْ خرج عن اسمه ومقصوده وحقيقته، وهذا لا دليلَ عليه يوجب المصيرَ إليه لا من كتاب، ولا من سنة، ولا إجماع ولا ميزان صحيح، وأدخلت فيه من مسائل مُد عَجْوَة ما هو أبعد شيء عن الربا، وأخرجت طائفة أخرى منه ما هو من الربا الصريح (٣) حقيقة وقصدًا وشرعًا (٤)، كالحيل الربوية التي هي أعظم مَفْسدةً من الربا الصريح، ومفسدة الربا البَحْت الذي لا يتوصل إليه بالسلاليم أقلُّ بكثير، وأخرجت منه طائفةٌ بيع (٥) الرطب [بالتمر] (٦)، وإن كان كونه من الربا أخفى من كون الحيل الربوية منه، فإن التماثُلَ موجودٌ فيه في الحال دون المآل، وحقيقةُ الربا في الحيل الربوية أكملُ وأتم منها في العقد الربوي الذي لا حيلة فيه. ومن ذلك لفظ البينة (٧)، قَصَّرَتْ به (٨) طائفة، فأخرجتْ منه الشاهدَ واليمين (٩)، وشهادة العبيد (١٠) العُدُول الصادقين المقبولي القول على اللَّه ورسوله، وشهادة النساء منفردات (١١) في المواضع التي لا يحضرهنّ فيه الرجالُ، كالأعراس

стр. 698

والحمامات، وشهادة الزوج في اللِّعان إذا نَكَلتِ المرأة (١)، وأَيْمان المدَّعِين الدمَ إذا ظهر اللَّوْثُ (٢)، ونحو ذلك مما يبيِّن الحق أعظم من بيان الشاهدين، وشهادة القاذف (٣)، وشهادة الأعمى (٤) على ما يتيقنه، وشهادة أهل الذمة على الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلم (٥)، وشهادة الحال في تداعي الزوجين متاعَ البيت (٦)، وتداعي النجار والخياطِ آلَتَهُما ونحو ذلك، وأدخلت فيه طائفة ما ليس منه كشهادة مجهول الحال، الذي (٧) لا يُعرف بعَدَالة ولا فسق (٨)، وشهادة وجوه الآجر (٩) ومعاقد القمط (١٠) ونحو ذلك (١١)؛ والصَّوابُ أنَّ كلَّ ما يُبيِّنُ الحق فهو بينة، ولم يعطل اللَّه ولا رسوله حقًا بعد ما تبين بطريق من الطرق أصلًا، بل حكم اللَّه ورسوله الذي لا حكم له سواه، أنه متى ظهر الحقُّ ووضَح بأي طريق كان، وجب تنفيذه ونصره، وحَرُمَ تعطيلُه وإبطالُه، وهذا بابٌ يطول استقصاؤه، ويكفي المستبصر التنبيه عليه، وإذا فهم هذا في جانب اللفظ فهم نظيره في جانب المعنى سواء.

стр. 699

[القياسيون والظاهرية مفرطون] وأصحاب الرأي والقياس حَمَّلوا معاني النصوص فوق ما حَمَّلها الشارع، وأصحاب الألفاظ الظواهر (١) قَصَّروا بمعانيها عن مراده، فأولئك قالوا: إذا وقعت قَطْرةٌ من دم في البحر، فالقياس أنه ينجس، ونَجَّسوا بها الماء الكثير مع أنه لم يتغير منه شيء ألبتة بتلك القطرة، وهؤلاء قالوا: إذا بال جَرَّةً [من بول] (٢) وصَبَّها في الماء لم تنجسه (٣)، وإذا بال في الماء نفسه ولو أدنى شيء نَجَّسَه (٤)، فنَجَّسَ

стр. 700

أصحابُ الرأي والقياس (١) القناطير المقنطرة، ولو كانت ألف ألف قنطار من سمن أو زيت أو شَيْرَج بمثل رأس الإبرة من البول والدم، والشعرة الواحدة من الكلب والخنزير عند من يُنجِّس شَعْرَهما، وأصحاب الظواهر والألفاظ عندهم لو وقع الكلب والخنزير بكماله أو (٢) أي ميتة كانت في أي ذائب كان من زيت أو شَيْرَج أو خَلٍّ أو دبْس أو وَدَكٍ غير السمن أُلقيت الميِّتةُ فقط، وكان ذلك المائع حلالًا طاهرًا كله، فإن وقع ما عدا الفأرة في السمن من كلب أو خنزير أو أي نجاسة كانت، فهو طاهر حلال ما لم يتغيِّر. ومن ذلك أن النبي ﷺ قال: "لا تَنْتَقِبُ المرأة ولا تلبس القُفَّازَيْنِ" (٣) يعني في الإحرام، فسوَّى بين يَدَيها ووجهها في النهي عما صنع على قدر العضو، ولم يمنعها من تغطية وجهها، ولا أمَرَها بكشفه ألبتة، ونساؤه ﷺ أعلم الأمة بهذه المسألةُ، وقد كُنَّ يُسْدِلْنَ على وجوههن إذا حاذاهن الركبانُ، فإذا جاوزوهن كَشَفْنَ وجوهَهن (٤)، وروى وَكيع عن شعبة عن يزيد الرشك (٥) عن مُعَاذَة العدَوية قالت: سألتُ عائشة: ما تَلْبَسُ المحرمة؟ فقالت: لا تنتقب، ولا تتلثم، وتُسْدِل الثوب على وجهها (٦)، فَجَاوَزَتْ (٧) طائفةٌ ذلك، ومنعتها من تغطية وجهها جملة، قالوا: فإذا سَدَلت على وجهها فلا تَدَعُ الثوبَ يمسُّ وجهها، فإن مسه افتَدَتْ، ولا دليل

стр. 701

[على هذا] (١) البتة، وقياسُ قولِ هؤلاء أنها إذا غطَّتْ يَدَها (٢) افتدت، فإنَّ النبيَّ ﷺ سَوَّى بينهما في النهي، وجعلهما كَبَدَنِ المحرم، فنهى عن لبس القميص والنقاب والقفازين، هذا للبدن وهذا للوجه وهذا لليدين، ولا يحرم ستر البدن (٣)، فكيف يحرم ستر الوجه في حق المرأة مع أمر اللَّه لها أنْ تُدْنِيَ عليها من جلبابها لئلا تعرف، ويفتتن بصورتها؟ (٤) ولولا أن النبي ﷺ قال في المحرم: "ولا يُخَمَّرُ رأسُه" (٥) لجاز تغطيته بغير العمامة. وقد روى الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة: عثمان وابن عباس وعبد اللَّه بن الزبير وزيد بن ثابت وجابر، أنهم كانوا يُخَمِّرون وجوههم وهم محرمون (٦)؛ فإذا كان هذا في حق الرجل، وقد أمر بكشف رأسه (٧)؛ فالمرأة بطريق الأولى [والأحْرَى] (٨).

стр. 702

وقَصَّرت طائفةٌ أخرى فلم تمنع المحرمة (١) من البُرْقُعِ ولا اللِّثام، قالوا: إِلا أن يدخلا (٢) في اسم النقاب فتُمنع منه، وعُذْرُ هؤلاء أنَّ المرجعَ إلى ما نَهَى عنه النبي ﷺ ، ودخل في لفظ المَنْهي عنه [فقط] (٣)، والصَّوابُ النهيُّ عما دخل في عموم لفظه وعموم معناه وعلَّته؛ فإنَّ البرقع واللثام وإن لم يُسمَّيا نقابًا، فلا فرق بينهما وبينه، بل إذا نُهِيَتْ عن النقاب فالبرقع واللِّثام أولى؛ ولذلك منعتها أم المؤمنين من اللثام. ومن ذلك لفظ الفدْيَة، أدخل فيها طائفةٌ خُلْعَ الحيلة على فعل المحلوف عليه مما هو ضد الفدية؛ إذ المراد بقاء النِّكاح بالْخَلاص من الحِنْث، وهي إنّما شُرِعت لزوال النكاح عند الحاجة إلى زواله، وأخرجت منه طائفة ما فيه حقيقة [الفدية] (٤) ومعناها، واشترطت له لفظًا معينًا، وزعمت أنه لا يكون فدية وخلعًا إِلا به، وأولئك تجاوزوا به، وهؤلاء قصروا به؛ والصواب أن كل ما دخله المال فهو فدية بأي لفظ كان، والألفاظ لم تُرَدْ لذواتها ولا تعبدنا بها (٥)، وإنما هي وسائل إلى المعاني؛ فلا فرق قَطُّ بين أن تقول: "اخلعني بألف"، أو: "فَادِني بألف" (٦) لا حقيقة ولا شرعًا، ولا لغة ولا عرفًا؛ وكلامُ ابن عباس والإمام أحمد عام في ذلك، لم يقيده أحدهما بلفظ، ولا استثنى لفظًا دون لفظ، بل قال ابن عباس: عامة طلاق أهل اليمن الفداء (٧)، وقال الإمام أحمد: الخلع فرقة، وليس بطلاق، وقال: الخلع ما كان من جهة النساء (٨)، وقال: ما أجازه المال فليس بطلاق، وقال: إذا خالَعَهَا بعد تطليقتين فإن شاء راجَعَها فتكون معه على واحدة.

стр. 703

وقال في رواية أبي طالب: الخلعُ مثلُ حديث سَهْلة إذا كرهت المرأة الرجل وقالت: لا أبرُّ لَكَ قسَمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا، ولا أغتسلُ لك من جنابة، فقد حلَّ له أن يأخذ منها ما أعطاها (١)؛ لأن النبي ﷺ قال: "أتَرُدِّينَ عليه حَدِيقَتَهُ" قلت: وقد قال في الحديث: "اقْبَلِ الحدِيقَة وطلِّقها تطليقة" (٢) وجعل أحمد ذلك فداء. وقال ابن هانيء: سُئل أبو عبد اللَّه عن الخلع: أفسخ [نكاح] أم [خلع] طلاق (٣) هو؟ أم تذهب إلى حديث ابن عباس كان يقول: فرقة وليس بطلاق؟ فقال أبو عبد اللَّه: كان ابن عباس يتأول هذه الآية: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ (٤) [البقرة: ٢٢٩]، وكان ابن عباس يقول: هو فداء (٥)، قال ابن عباس: ذكر اللَّه الطلاقَ في أول الآية، والفداءَ في وسطها، وذكر الطلاق بعد؛ فالفداء ليس هو بطلاق (٦)، [و] (٧) إنما هو فداء (٨)، فجعل ابن عباس وأحمد الفداءَ فداءً [لمعناه لا للفظه] (٩)، وهذا

стр. 704

هو الصواب؛ فإنَّ الحقائق (١) لا تتغير بتغيير الألفاظ، وهذا باب يطول تتبعه. [وجوب إعطاء اللفظ والمعنى حقّهما] والمقصود أن الواجب فيما عَلَّق عليه الشارعُ الأحكام من الألفاظ والمعاني أن لا يُتجاوز بألفاظها ومعانيها، ولا يُقصر بها، ويُعطى اللفظ حقَّه والمعنى حقَّه؛ وقد مدح اللَّه [تعالى] (٢) أهلَ الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهلُ العلم؛ ومعلوم أنَّ الاستنباطَ إنما هو استنباطُ المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض، فيُعتبر ما يصح منها بصحة مثله ومُشَبَّهه (٣) ونظيره، ويَلغى ما لا يصح، هذا الذي يعقله الناس من الاستنباط؛ قال الجوهري: الاستنباط كالاستخراج (٤)؛ ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ، فإنَّ ذلك ليس طريقة الاستنباط؛ إذ موضوعات الألفاظ لا تُنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم؛ واللَّه سبحانه ذَمَّ مَنْ سمع ظاهرًا مجردًا فأذاعه وأفشاه، وحمد مَنِ استنبط من أولي العلم حقيقته ومعناه. يوضِّحه أنَّ الاستنباطَ استخراجُ الأمر الذي من شأنه أن يَخفى على غير مُستنبِطِه، ومنه (٥) استنباطُ الماء من أرض البئر والعين؛ ومن هذا قول علي بن أبي طالب ﵁، وقد سئل: هل خَصَّكم رسول اللَّه ﷺ بشيء دون النَّاس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبَّة وبرأ النَّسمة، إِلا فهمًا يؤتيه اللَّه عبدًا في كتابه (٦). ومعلوم أنَّ هذا الفهَم قدرٌ زائدٌ على معرفة موضوع اللفظ أو عمومه (٧) أو خصوصه، فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب، وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره، ومراد المتكلم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير المراد، ولا يخرج منها شيء من المراد.

стр. 705

وأنت إذا تأملت قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، وجدتَ الآية من أظهر الأدلة على نبوة النبي ﷺ ، وأن هذا القرآن جاء من عند اللَّه، وأن الذي جاء به روح مطهر (١)، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيلٌ، ووجدت الآية أُخْتَ قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، ووجدتها دالَّةً بأحسن الدلالة على أنه لا يمسَّ المصحف إِلا طاهر (٢)، ووجدتها دالة -أيضًا- بألطف الدلالة على أنه لا يجد حلاوتَه وطعمه إِلَّا من آمن به وعمل به، كما فهمه البخاريُّ من الآية فقال في "صحيحه" في باب: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ (٣) [آل عمران: ٩٣]: "لا يمسه": لا يجد طَعْمه ونفعه، إِلَّا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه إِلَّا [الموقن] (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وتجد تحته -أيضًا-[أنه] (٥) لا يَنَال معانيه ويفهمه كما ينبغي إِلَّا القلوبُ الطاهرة، وأنَّ القلوب النجسة ممنوعةٌ من فهمه مصروفة عنه، فتأمل هذا النسبَ القريبَ، وعَقْدَ هذه الأخوة بين هذه المعاني، وبين المعنى الظاهر من الآية، واستنباط هذه المعاني كلها من الآية بأحسنِ وجه وأبينه. فهذا من الفهم الذي أشار إليه علي (٦) ﵁. وتأمل قوله تعالى لنبيّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] كيف يفهم منه أنه إذا كان وجودُ بدنه وذاتِهِ فيهم، دفَعَ عنهم العذاب، وهم أعداؤُه، فكيف [وجود] (٥) سِرِّه والإيمان به ومحبته ووجود ما جاء به إذا كان في قوم أو كان في شخص؟ أفليس دَفْعه (٧) العذاب عنهم بطريق الأولى والأحرى؟ (٨).
следующие страницы →