← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

[على هذا] (١) البتة، وقياسُ قولِ هؤلاء أنها إذا غطَّتْ يَدَها (٢) افتدت، فإنَّ النبيَّ ﷺ سَوَّى بينهما في النهي، وجعلهما كَبَدَنِ المحرم، فنهى عن لبس القميص والنقاب والقفازين، هذا للبدن وهذا للوجه وهذا لليدين، ولا يحرم ستر البدن (٣)، فكيف يحرم ستر الوجه في حق المرأة مع أمر اللَّه لها أنْ تُدْنِيَ عليها من جلبابها لئلا تعرف، ويفتتن بصورتها؟ (٤) ولولا أن النبي ﷺ قال في المحرم: "ولا يُخَمَّرُ رأسُه" (٥) لجاز تغطيته بغير العمامة. وقد روى الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة: عثمان وابن عباس وعبد اللَّه بن الزبير وزيد بن ثابت وجابر، أنهم كانوا يُخَمِّرون وجوههم وهم محرمون (٦)؛ فإذا كان هذا في حق الرجل، وقد أمر بكشف رأسه (٧)؛ فالمرأة بطريق الأولى [والأحْرَى] (٨).

стр. 702

وقَصَّرت طائفةٌ أخرى فلم تمنع المحرمة (١) من البُرْقُعِ ولا اللِّثام، قالوا: إِلا أن يدخلا (٢) في اسم النقاب فتُمنع منه، وعُذْرُ هؤلاء أنَّ المرجعَ إلى ما نَهَى عنه النبي ﷺ ، ودخل في لفظ المَنْهي عنه [فقط] (٣)، والصَّوابُ النهيُّ عما دخل في عموم لفظه وعموم معناه وعلَّته؛ فإنَّ البرقع واللثام وإن لم يُسمَّيا نقابًا، فلا فرق بينهما وبينه، بل إذا نُهِيَتْ عن النقاب فالبرقع واللِّثام أولى؛ ولذلك منعتها أم المؤمنين من اللثام. ومن ذلك لفظ الفدْيَة، أدخل فيها طائفةٌ خُلْعَ الحيلة على فعل المحلوف عليه مما هو ضد الفدية؛ إذ المراد بقاء النِّكاح بالْخَلاص من الحِنْث، وهي إنّما شُرِعت لزوال النكاح عند الحاجة إلى زواله، وأخرجت منه طائفة ما فيه حقيقة [الفدية] (٤) ومعناها، واشترطت له لفظًا معينًا، وزعمت أنه لا يكون فدية وخلعًا إِلا به، وأولئك تجاوزوا به، وهؤلاء قصروا به؛ والصواب أن كل ما دخله المال فهو فدية بأي لفظ كان، والألفاظ لم تُرَدْ لذواتها ولا تعبدنا بها (٥)، وإنما هي وسائل إلى المعاني؛ فلا فرق قَطُّ بين أن تقول: "اخلعني بألف"، أو: "فَادِني بألف" (٦) لا حقيقة ولا شرعًا، ولا لغة ولا عرفًا؛ وكلامُ ابن عباس والإمام أحمد عام في ذلك، لم يقيده أحدهما بلفظ، ولا استثنى لفظًا دون لفظ، بل قال ابن عباس: عامة طلاق أهل اليمن الفداء (٧)، وقال الإمام أحمد: الخلع فرقة، وليس بطلاق، وقال: الخلع ما كان من جهة النساء (٨)، وقال: ما أجازه المال فليس بطلاق، وقال: إذا خالَعَهَا بعد تطليقتين فإن شاء راجَعَها فتكون معه على واحدة.

стр. 703

وقال في رواية أبي طالب: الخلعُ مثلُ حديث سَهْلة إذا كرهت المرأة الرجل وقالت: لا أبرُّ لَكَ قسَمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا، ولا أغتسلُ لك من جنابة، فقد حلَّ له أن يأخذ منها ما أعطاها (١)؛ لأن النبي ﷺ قال: "أتَرُدِّينَ عليه حَدِيقَتَهُ" قلت: وقد قال في الحديث: "اقْبَلِ الحدِيقَة وطلِّقها تطليقة" (٢) وجعل أحمد ذلك فداء. وقال ابن هانيء: سُئل أبو عبد اللَّه عن الخلع: أفسخ [نكاح] أم [خلع] طلاق (٣) هو؟ أم تذهب إلى حديث ابن عباس كان يقول: فرقة وليس بطلاق؟ فقال أبو عبد اللَّه: كان ابن عباس يتأول هذه الآية: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾ (٤) [البقرة: ٢٢٩]، وكان ابن عباس يقول: هو فداء (٥)، قال ابن عباس: ذكر اللَّه الطلاقَ في أول الآية، والفداءَ في وسطها، وذكر الطلاق بعد؛ فالفداء ليس هو بطلاق (٦)، [و] (٧) إنما هو فداء (٨)، فجعل ابن عباس وأحمد الفداءَ فداءً [لمعناه لا للفظه] (٩)، وهذا

стр. 704

هو الصواب؛ فإنَّ الحقائق (١) لا تتغير بتغيير الألفاظ، وهذا باب يطول تتبعه. [وجوب إعطاء اللفظ والمعنى حقّهما] والمقصود أن الواجب فيما عَلَّق عليه الشارعُ الأحكام من الألفاظ والمعاني أن لا يُتجاوز بألفاظها ومعانيها، ولا يُقصر بها، ويُعطى اللفظ حقَّه والمعنى حقَّه؛ وقد مدح اللَّه [تعالى] (٢) أهلَ الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهلُ العلم؛ ومعلوم أنَّ الاستنباطَ إنما هو استنباطُ المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض، فيُعتبر ما يصح منها بصحة مثله ومُشَبَّهه (٣) ونظيره، ويَلغى ما لا يصح، هذا الذي يعقله الناس من الاستنباط؛ قال الجوهري: الاستنباط كالاستخراج (٤)؛ ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ، فإنَّ ذلك ليس طريقة الاستنباط؛ إذ موضوعات الألفاظ لا تُنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم؛ واللَّه سبحانه ذَمَّ مَنْ سمع ظاهرًا مجردًا فأذاعه وأفشاه، وحمد مَنِ استنبط من أولي العلم حقيقته ومعناه. يوضِّحه أنَّ الاستنباطَ استخراجُ الأمر الذي من شأنه أن يَخفى على غير مُستنبِطِه، ومنه (٥) استنباطُ الماء من أرض البئر والعين؛ ومن هذا قول علي بن أبي طالب ﵁، وقد سئل: هل خَصَّكم رسول اللَّه ﷺ بشيء دون النَّاس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبَّة وبرأ النَّسمة، إِلا فهمًا يؤتيه اللَّه عبدًا في كتابه (٦). ومعلوم أنَّ هذا الفهَم قدرٌ زائدٌ على معرفة موضوع اللفظ أو عمومه (٧) أو خصوصه، فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب، وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره، ومراد المتكلم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير المراد، ولا يخرج منها شيء من المراد.

стр. 705

وأنت إذا تأملت قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، وجدتَ الآية من أظهر الأدلة على نبوة النبي ﷺ ، وأن هذا القرآن جاء من عند اللَّه، وأن الذي جاء به روح مطهر (١)، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيلٌ، ووجدت الآية أُخْتَ قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، ووجدتها دالَّةً بأحسن الدلالة على أنه لا يمسَّ المصحف إِلا طاهر (٢)، ووجدتها دالة -أيضًا- بألطف الدلالة على أنه لا يجد حلاوتَه وطعمه إِلَّا من آمن به وعمل به، كما فهمه البخاريُّ من الآية فقال في "صحيحه" في باب: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ (٣) [آل عمران: ٩٣]: "لا يمسه": لا يجد طَعْمه ونفعه، إِلَّا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه إِلَّا [الموقن] (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وتجد تحته -أيضًا-[أنه] (٥) لا يَنَال معانيه ويفهمه كما ينبغي إِلَّا القلوبُ الطاهرة، وأنَّ القلوب النجسة ممنوعةٌ من فهمه مصروفة عنه، فتأمل هذا النسبَ القريبَ، وعَقْدَ هذه الأخوة بين هذه المعاني، وبين المعنى الظاهر من الآية، واستنباط هذه المعاني كلها من الآية بأحسنِ وجه وأبينه. فهذا من الفهم الذي أشار إليه علي (٦) ﵁. وتأمل قوله تعالى لنبيّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] كيف يفهم منه أنه إذا كان وجودُ بدنه وذاتِهِ فيهم، دفَعَ عنهم العذاب، وهم أعداؤُه، فكيف [وجود] (٥) سِرِّه والإيمان به ومحبته ووجود ما جاء به إذا كان في قوم أو كان في شخص؟ أفليس دَفْعه (٧) العذاب عنهم بطريق الأولى والأحرى؟ (٨).

стр. 706

وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] كيف تجد تحته -بألطف دلالة وأدقها وأحسنها- أنه من اجتنب الشرك جميعه كُفِّرتْ عنه كبائرُه، وأن نسبة الكبائر إلى الشرك كنسبة الصغائر إلى الكبائر، فإذا وقعت الصغائر مكفَّرة باجتناب الكبائر، فالكبائر تقع مكفرة باجتناب الشرك، وتجد الحديث الصحيح؛ كأنه مشتقٌ من هذا المعنى، وهو قوله ﷺ فيما يَروي عن ربه ﵎: "ابن آدم إنك لو لَقيتني بقُراب (١) الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لقيتُكَ بقُرابها مغفرة" (٢)، وقوله: "إن اللَّه حَرم على النار مَنْ قَال: لا إله إِلَّا اللَّه خالصًا من قلبه" (٣) بل مَحْو التوحيدِ -الذي هو توحيد- الكبائر (٤) أعظم من مَحْو اجتناب الكبائر للصغائر. وتأمل قوله [تعالى] (٥): ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]، كيف نبَّههم (٦) [بالسفر الحسي علي] (٧) السفر إليه؟ وجمع لهم بين السفرين، كما جمع لهم [بين] (٨) الزادين في قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] فجمع لهم بين زاد سفرهم وزاد معادهم؟ وكما جمع بين اللِّباسين في قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ

стр. 707

لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، فذكر سبحانه زينة ظواهرهم و [زينة] (١) بواطنهم ونَبَّههم بالحِسِّيِّ على المعنوي؛ وفَهْمُ هذا القدر زائد على فَهْمِ مجرد اللفظ ووضعه في أصل اللسان، واللَّه المستعان، وعليه التُّكْلَان، ولا حول ولا قوة إِلَّا به (٢). فصل [قول نفاة القياس وأدلّتهم] قد أتينا على ذكر فصول نافعة، وأصول جامعة، في تقرير القياس والاحتجاج به، لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منها، فلنذكر مع ذلك ما قابلها من النصوص والأدلة الدالة على ذم القياس، وأنه ليس من الدين، وحصول الاستغناء عنه والاكتفاء بالوَحْيين، وها نحن نسوقها مفصَّلة مبينة بحمد اللَّه تعالى: قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأجمع المسلمون على أن الرد إلى اللَّه سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول [ ﷺ ] (٣) هو الرد إليه في حضوره وحياته، وإلى سنَّته في غَيْبته وبعد مماته (٤)، والقياس ليس بهذا ولا هذا. ولا يقال: الردُّ إلى القياس هو من الردِّ إلى اللَّه [ورسوله] (٥)، لدلالة كتاب اللَّه وسنة رسوله [﵇] (٣)، كما تقدَّم تقريرُه؛ لأنَّ اللَّه سبحانه إنما رَدّنا إلى كتابه وسنة رسوله، ولم يردَّنا إلى قياس عقولنا وآرائنا قط، بل قال تعالى لنبيّه ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ولم يقل: بما رأَيتَ أنتَ، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] (٦)، ﴿وَمَنْ لَمْ

стр. 708

يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]﴾ (١) [العنكبوت: ٥١]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، فلو كان القياسُ هُدًى لم ينحصر الهُدى في الوحي، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمه وحده (٢)، وهو تحكيمه في حال حياته، وتحكيم سنته فقط بعد وفاته، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] أي: لا تقولوا حتى يقول. قال نُفَاةُ القياس: والإخبار عنه بأنه حَرَّمَ ما سكت عنه أو أوجبه قياسًا على ما تكلم بتحريمه أو إيجابه تقدُّم بين يديه؛ فإنه إذا قال: "حَرَّمْتُ عليكم الربا في البر" فقلنا: ونحن نقيس على قولك البلوط (٣)، فهذا مَحْضُ التَّقدُّم. قالوا: وقد حَرَّم سبحانه أن نقول عليه ما لا نعلم، فإذا فعلنا ذلك فقد واقعنا (٤) هذا المحرم يقينًا، فإنَّا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في الذهب والفضة، تحريمه في القَدِيد من اللحوم، وهذا قَفْوٌ منا ما ليس لنا به علم، وتعدٍّ لما حَدَّ لنا، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، والواجب أن نقف عند حدوده، ولا نتجاوزها ولا نُقصِّر بها. ولا يقال: فإبطالُ (٥) القياس وتحريمه والنهي عنه تقدُّمٌ بين يديّ اللَّه ورسوله، وتحريم ما (٦) لم ينص على تحريمه، [و] (١) قَفْوٌ منكم ما ليس لكم به علم؛ قالوا: لأنا نقول: اللَّه سبحانه [وتعالى] (١) أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، وأنزل علينا كتابه، وأرسل إلينا رسوله (٧) يعلِّمنا الكتاب والحكمة، فما عَلَّمناه وبيّنه لنا فهو من الدين، وما لم يُعَلِّمناه ولا بَيَّنَ لنا أنه من الدين فليس من

стр. 709

الدين ضرورة (١)، وكل ما ليس من الدين فهو باطل؛ فليس بعد الحق إِلَّا الضلال؛ [وقد] (٢) قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فالذي أكمله اللَّه [سبحانه] (٢) وبيَّنه هو ديننا، لا دينَ لنا سواه، فأين فيما أكمله لنا: قِيسوا ما سَكَتُّ عنه على ما تكلمت بإيجابه أو (٣) تحريمه أو (٣) إباحته سواء كان الجامع بينهما علة، أو دليل علة، أو وصفًا شَبيهًا، فاستعملوا ذلك [كُلَّه] (٤) وانْسُبُوه إليَّ وإلى رسولي وإلى ديني، واحكموا به علي. قالوا: وقد أخبر سبحانه ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وأخبر رسوله: "أن الظَّنَّ أكذبُ الحديث" (٥)، ونهى عنه، ومن أعظم الظَّن ظَنُّ القياسيين؛ فإنهم ليسوا على يقين أن اللَّه سبحانه [وتعالى] (٦) حَرَّم بيع السِّمسم بالشيرج، والحلوى بالعنب، والنشا بالبُرِّ، وإنما هي ظنون مجردة لا تغني من الحق شيئًا. قالوا: وإنْ لم يكن قياس (الضُّرَاط) على (السلام عليكم) من الظن الذي نهينا عن اتباعه وتحكيمه، وأخبرنا أنه لا يغني من الحق شيئًا فليس في الدنيا ظن باطل، [فأين الضُّرَاط من "السلام عليكم"؟] (٧)، وإن لم يكن قياس الماء الذي لاقى الأعْضَاء الطاهرة الطيبة عند اللَّه في إزالة الحدث على الماء الذي لاقى أخْبَثَ العذرات والميتات والنجاسات، ظنّا فلا ندري ما الظَّنُّ الذي حرم اللَّه [سبحانه] (٦) القولَ به، وذمَّه في كتابه وسَلَخه من الحقِّ، وإنْ لم يكن قياس

стр. 710

أعداء اللَّه ورسوله من عُبّاد الصُّلّبان واليهود الذين (١) هم أشد الناس عداوة للمؤمنين على أوليائه، وخيار خَلْقه، وسادات الأمة وعلمائها، وصلحائها في تكافؤ دمائهم وجَرَيان القِصاص بينهم، فليس في الدنيا ظَنٌّ يُذَمُّ أتباعه. قالوا: ومن العجب أنكم قِسْتُم أعداءَ اللَّه على أوليائه في جَرَيان القصاص بينهم، فقلتم: ألف ولي للَّه قتلوا نصرانيًا واحدًا يُجَاهرهم بسبِّ اللَّه ورسوله، وكتابه [علانيةً] (٢)، ولم تقيسوا مَنْ ضربَ [رأسَ رجل] (٣) بدبوس فَنَثَر دماغَه بين يديه على مَنْ طعنه بمسَلّة فقتله. قالوا: وسُنبيِّن لكم من تناقض أقيستكم واختلافها وشدة اضطرابها ما يُبيّن أنه من عند غير اللَّه (٤). قالوا: واللَّه تعالى (٥) لم يَكِلْ بيانَ شريعَتِهِ إلى آرائنا (٦) وأقيستنا واستنباطنا، وإنما وَكَلَها إلى رسوله المبيِّنِ عنه، فما بيَّنه عنه وَجَبَ اتِّباعه، وما لم يبيِّنه فليس من الدين، ونحن نُنَاشدكم اللَّه: هل اعتمادكم في هذه الأقيسة الشّبَهية والأَوصاف الحَدْسِيّة التخمينية على بيان الرسول أم على آراء الرجال وظنونهم وحدسهم؟ قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فأين (٧) بيَّن النبي ﷺ أني إذا حرمتُ شيئًا أو أوجبته أو أبحتُه، فاستخرجوا وصفًا ما شبهيًا (٨) جامعًا بين ذلك وبين جميع ما سكتُ عنه، فألحقوه به، وقيسوا عليه. قالوا: واللَّه تعالى (٩) قد نَهى عن ضَرْب الأمثال له، فكما لا تُضرب له الأمثال لا تُضرب لدينه، وتمئيل ما لم ينص على حُكمه بما نَصَّ عليه لِشَبهٍ (١٠) مَّا ضربُ الأمثال لدينه، وهذا بخلاف ما ضربه رسولُ اللَّه ﷺ من الأمثال في كثير من الأحكام التي سُئل عنها، كما أمرهم بقَضَاء الصلاة التي نامُوا عنها، فقالوا: ألَّا نصلِّيها لوقتها من الغد؟ فقال: "أينهاكم عن الرِّبا ويَقْبَله منكم" (١١)، وكما قال

стр. 711

لعمر وقد سأله عن القُبْلة للصائم: "أرأَيتَ لو تمضمضت بماء ثم مَجَجْتَه" (١)، وكما قال لمن سأَلَتْهُ عن الحجِّ عن أبيها: "أرأيتِ لو كان على أبيك دَيْن" (٢)، وكما قال لمن سأله: هل يثابُ على وطْءِ زوجته؟ "أرأيتم لو وَضَعَها في الحرام؟ " (٣). [من الأمثال التي ضربها اللَّه ورسوله] ومن أحسن هذه الأمثال وأبلغها وأعظمها تقريبًا إلى الأفهام: ما رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه سبحانه أمر يحيى بن زكريا (٤) بخمس كلمات ليعمل بها، ويأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يُبطئ بها، فقال عيسى ﵇: إن اللَّه أمَرَكَ بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإمَّا أَن تَأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سَبَقْتَنِي أن يُخسف بي أو أُعذَّب، فجمع الناس في بيت

стр. 712

المقدس، فامتلأ [المسجد] (١)، وقعدوا على الشُّرَف، فقال: إنَّ اللَّه أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنَّ، وآمركم أن تعملوا بهن؛ أولاهن أنْ تعبدوا اللَّه، ولا تشركوا به شيئًا، وإنَّ مَثَلَ مَنْ أشرك بالته كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو وَرِقٍ، فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأدِّ إليّ، فكان يعملُ ويؤدي إلى غير سيِّده، فأيكم يرضى أن يكون عبدُه كذلك؟ وإن اللَّه أمركم بالصَّلاة، فإذا صلَّيتم فلا تلتفتوا، فإنَّ اللَّه ينصبُ وَجْهَه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفتْ، وأمركم بالصيام؛ فإنَّ مثل ذلك كمثل رجل في عِصَابة معه صُرَّة فيها مِسْك، وكُلُّهم يعجبه ريحُها، وإنّ ريح الصائم (٢) أطْيَبُ عند اللَّه من ريح المسك، وأمركم بالصدقة، فإنَّ مثل ذلك كمثل رجل أَسَرَهُ العدو فأوثَقُوا يديه إلى عُنُقه وقَدَّموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي منكم بكل قليل وكثير، فَفَدى نَفْسه منهم، وأمركم أنْ تذكُروا اللَّه، فإنَّ مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوُّ في أثره سِرَاعًا حتى إذا أتى على حِصْنٍ حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبدُ لا يحرز نفسه من الشيطان إِلَّا بذكر اللَّه (٣)، قال النبي ﷺ : وأنا آمركم بخَمْسٍ اللَّه أمرني بهن: السمعُ، والطاعة، والجهاد، والهِجْرة، والجماعة؛ فإنَّه من فارق الجماعة قِيْدَ شبر فقد خلع رِبْقَة الإسلام من عنقه إِلا أن يُراجَع، ومن ادَّعى دَعْوَى الجاهلية فإنّه من جُثَّاء (٤) جهنم، قالوا: يا رسول اللَّه وإنْ صلَّى وإنْ صام؟ قال: وإنْ صلى وإنْ صام، فادعُوا بدعوى اللَّه الذي سَمّاكم المسلمين المؤمنين عباد اللَّه" (٥) حديث صحيح.

стр. 713

وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه (١) خمس مرات، هل يَبقى من دَرَنه شيء؟ قالوا: لا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو اللَّه بهن الخطايا" (٢)، ومَثَّلَ ﷺ المؤمن القارئ للقرآن بالأُتْرجَّة في طِيب الطعم والريح، وضده بالحنظلة، والمؤمن الذي لا يقرأ بالتمرة في طيب الطعم، وعدم الريح، والفاجر القارئ بالرَّيْحانة ريحها طيب وطعمها مُرّ (٣)، ومَثَّل المؤمن بالخامة من الزرع لا تزال الرياح تُميلها ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومَثل المنافق بشجرة الأرز -وهي الصَّنَوْبرَة- لا تهتز ولا تميل حتى تُقْطَع مرةً واحدة (٤)، ومثّل المؤمن بالنخلة في كثرة خيرها ومنافعها وحاجة الناس إليها وانتيابهم لها لمنافعهم بها (٥)، وشَبَّه أمته

стр. 714

بالمطر في نفع أوله وآخره (١)، وحياة الوجود به، ومَثّل أمته والأمتين الكتابيتين قبلها فيما خص اللَّه به أمته وأكرمها به بِأُجَرَاءَ عَمِلوا بأجرٍ مسمًى لرجل يومًا على أن يوفّيهم أجورهم، فلم يكملوا بقيّة يومهم وتركوا العمل من أثناء النهار، فعملتْ أمته بقيةَ النهار فأستكملوا أجرَ الفريقين (٢)، وضرب له ولأُمَّته جبريلُ وميكائيلُ مثلَ ملك اتخذ دارًا، ثم بَنى (٣) فيها بيتًا، ثم جعل مائدة، ثم بعث رسولًا يدعو الناسَ إلى طعامه، فمنهم مَنْ أجاب الرسول، ومنهم مَنْ تركه، فاللَّه هو الملك، ومحمد (٤) الداعي، والدار الإسلام، والبيت الجنة، فمن أجابه دخلَ الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل دار الملك وأكلَ منها، ومن لم يُجبه لم يدخل داره، ولم يأكل منها (٥). وفي "المسند"، والترمذي من حديث النَّوَّاس بن سَمْعان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا، على كَنَفيّ الصراط سوران

стр. 715

لهما (١) أبوابٌ مفتَّحة، وعلى الأبواب ستورٌ مرخاةٌ، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا (٢)، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك (٣)! لا تفتحه، فإنَّك إنْ تفتحه تَلِجْهُ، فالصِّراطُ الإسلامُ، والسوران حدودُ اللَّه، والأبوابُ المفتَّحةُ محارمُ اللَّه، فلا يقع أحد في حد من حدود اللَّه حتى يكشف الستر، والداعي على رأس الصراط كتاب اللَّه، والداعي من فوق الصراط واعظُ اللَّه في قلب كلِّ مسلم" (٤)، فليتأمَّل العارف قدر هذا المثل، وليتدبره حقَّ تدبُّره، ويزن به نفسه (٥)، وينظر أين هو منه، وباللَّه التوفيق. وقال ﷺ : "مَثَلي ومَثَلَ الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إِلا موضع لَبِنَة، فجعل الناسُ يدخلونها ويتعجَّبون منها، ويقولون: لولا (٦) موضعُ تلك اللبنة، فكنتُ [أنا] موضع تلك اللبنة"، رواه مسلم (٧). وفي "الصحيحين" من

стр. 716

حديث أبي هريرة وأبي سعيد عنه ﷺ : "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا، فجعل الدواب والفراش يَقَعْنَ فيها، فأنا آخذ بحُجَزِكم عن النَّار، وأنتم تقتحمون فيها" (١). ومَثَّل مَنْ وقع في الشُّبهات بالراعي يرعى حول الحمى، وأنه يوشك أن يقع فيه (٢). وقال الحافظ أبو محمد بن خَلَّاد الرامهرمزي (٣): حدثنا أبو شعيب (٤) الحَرّاني: ثنا يحيى بن عبد اللَّه البابلتي (٥): ثنا صفوان بن عمرو قال: ثني سليم بن عامر قال: قال النبي ﷺ : "نُصرت بالرعب [مسيرةَ شهر] (٦)، وأُوتيت جوامع الكلم، وأوتيت الحكمة، وضرب لي من الأمثال مثل القرآن، وإني بينا أنا نائم إذ أتاني ملكان، فقام أحدهما عند رأسي، وقام الآخر عند رجلاي (٧)، فقال للذي عند رأسي: اضرب مثلًا وأنا أُفسِّره، فقال الذي عند رأسي وأهوى إليّ: لِتَنَمْ عينُك، ولتسمع (٨) أذنُك، ولْيَعِ قلبُك، قال: فكنتُ كذلك، أنها الأذن فتسمع، وأما القلبُ فيعي، وأما العين فتنام، قال: فضرب مثلًا فقال: بِرْكة فيها شجرة ثابتة، وفي الشجرة غصن خارج، فجاء ضاربٌ فضرب الشَّجرةَ، فوقع الغُصنُ، ووقع معه ورقٌ كثير، كل ذلك في البِركة لم يَعْدُها، ثم ضرب الثانية، فوقع ورقٌ كثير، كل ذلك في البركة لم يَعْدُها، ثم ضرب الثالثة فوقع ورقٌ كثير، لا أدري ما وقع فيها أكثر أو ما خرج منها، قال: ففسر الذي عند رجلاي (٧)، فقال: أما

стр. 717

البركة فهي الجنةُ، وأما الشجرة فهي الأمة، وأما الغصنُ فهو النبي ﷺ ، وأما الضارب فملك الموت: ضرب الضربة الأولى في القرن الأول، فوقع النبي ﷺ وأهل طبقته، وضرب الثانية في القرن الثاني، فوقع كل ذلك في الجنة، ثم ضرب الثالثة في القرن الثالث فلا أدري ما وقع فيها أكثر أم ما خرج منها" (١). وفي "المسند" من حديث جابر: "كان النبي ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وَعلا صَوْتُه، واشتدَّ غضبُه، حتَّى كأنَّه نذيرُ جيشٍ يقول؛ صَبَّحكم ومَسّاكم (٢)، ثم يقول: بعثُت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى" (٣)، وفي حديث المسْتَوْرِد: "بُعثت في نَفَس الساعة سبقتها، كما سبقتْ هذه هذه، وأشار بأصبعيه" (٤)، وفي "المسند" عنه (٥): "إنَّ مَثَلي ومَثَلَ ما بعثني اللَّه، كمثلِ رجلٍ أتى

стр. 718

قومه، فقال: يا قوم! إني رأيتُ الجيش بعيني، وأنا النَّذير العُرْيان فالنّجاءَ، فأطاعه طائفةٌ منهم فأدلجوا على مهلهم فنجوا، وكذبه (١) طائفة فأصبحوا مكانهم فصبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، وكذلك مثل مَنْ أطاعني واتَّبع ما جئتُ به، ومثل من عصاني، وكَذَّب بما جئتُ به من الحق" (٢)، وفي "الصحيحين" عنه (٣): "مثلي ومثل ما بعثني اللَّه به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا، فكان منها طائفة قبلتِ الماءَ فأنبتتِ الكلأَ والعُشْبَ الكثير، وكان منها أجَادِبُ أَمْسَكَت الماء، فبفع اللَّه بها الناس فشربوا وزرعوا وسَقَوا، وأصاب طائفةً أخرى منها إنما هي قيعانٌ، لا تمسك ماءً ولا تُنبت كلأ، فذلك مثل من فقُهَ في دين اللَّه ونفَعَه اللَّه بما بعثني به (٤)، فعَلِمَ وعَلَّم، ومثلُ مَنْ لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقْبل هدى اللَّه الذي أُرْسِلتُ به" (٥) وفي "الصحيحين" عنه ﷺ أنه خطب الناس فقال: "واللَّه ما الفقرَ أخْشَى عليكم، وإنما أخشى عليكم ما يُخْرجُ اللَّه لكم من زهرة الدنيا، فقال رجل: يا رسول اللَّه أو يأتي الخيرُ بالشر؟ فَصَمَتَ رسول اللَّه ﷺ ثم قال: كيف قلت؟ فقال: يا رسول اللَّه أو يأتي الخيرُ بالشر؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن الخير لا يأتي إِلا بالخير، وإنَّ مما يُنبتُ الربيعُ ما يقتل حَبَطًا أو يُلِمَّ، إِلَّا آكلة الخضرِ، أكلتْ حتى إذا امتدَّت خاصِرَتاها استقبلتِ الشمسَ فَثَلَطَتْ وبالت (٦)، ثم

стр. 719

اجتَرَّتْ (١) وعادت [فأكلت] (٢)، فمن أخذ مالًا بحقِّه يُبارك له فيه، ومن أخذ مالًا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكلُ ولا يشبع" (٣). وقالت ميمونة: قال رسول اللَّه ﷺ لعمرو بن العاص: "الدنيا حُلوة خَضِرَة، فمن اتقى اللَّه فيها وأصلح، وإلا فهو كالذي يأكلُ ولا يشبع، وبين الناس في ذلك كبُعد الكوكبين (٤)، أحدهما يطلع في المشرق والآخر يغيب في المغرب" (٥)، ومَثَّل نفسه ﷺ في الدنيا براكب مَرَّ بأرض فَلاةٍ، فرأى شجرةً، فاستظل [تحتها] (٦)، ثم راح وتركها (٧).

стр. 720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 721

وفي "المسند" والترمذي عنه ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إِلا كما يَضعُ أحدُكم أصبعه في اليَمّ، فلينظر بم يرجع" (١)، ومرَّ مع الصحابة بسَخْلة منبوذة، فقال: "أَتروْن هذه هانت على أهلها، فوالذي نَفْسي بيده للدُّنيا أهون على اللَّه من هذه على أهلها" (٢)، وقال: "إنّما مَثَلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازةً

стр. 722

غَبْراء لا يدرون ما قطعوا منها أكثر أو ما بقي منها، فحسرت ظهورهم، ونفد زادهم، وسقطوا بين ظَهْري المفازة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حُلّة يقطر رأسه، فقالوا: إن هذا لحديثُ عهدٍ بريفٍ، فانتهى إليهم، فقال: يا هؤلاء، ما شأنكم؟ فقالوا: ما ترى كيف حسرت ظهورنا، ونفدت أزوادنا بين [ظهري] (١) هذه المفازة، لا ندري ما قطعنا منها أكثر أم ما بقي؟ فقال: ما تجعلون لي إنْ أَوردتُكم ماءً رُواءً (٢) ورياضًا خضرًا؟ قالوا: حكمك، قال: تُعطوني عهودَكم ومواثيقكم ألا تعصوني، ففعلوا، فمال بهم فأوردهم ماءً رواءً (٣) ورِياضًا خُضْرًا، فمكث يسيرًا، ثم قال: هلُمُّوا إلى رياض أعشبَ من رياضكم هذه، وماءٍ أروى من مائكم هذا، فقال جُلُّ القوم: ما قدرنا على هذا حتى كدنا أنْ لا نقدر عليه، وقالت طائفةٌ منهم: ألستُم قد جعلتم لهذا الرجل عهودكم ومواثيقَكم أن لا تعصوه؟ فقد صدقكم في أول حديثه، فآخرُ حديثه مثل أوله، فراح وراحوا معه، فأوردهم رياضًا خضرًا وماءً رواءً، وأتى الآخرين العدوُّ من ليلتهم فأصبحوا ما بين قتيل وأسير" (٤). وقال: "مثل المؤمن كمثل النَّخْلة، أكلت طيِّبًا ووضعت طيبًا، وإنَّ مثل المؤمن كمثل القطعةِ الجيدةِ من الذهب، أُدخلت النَّار فنُفِخَ عليها فخرجت جيدة" (٥).

стр. 723

وروى لَيْث، عن مجاهد، عن ابن عمر يرفعه: "مثل المؤمن مثل النخلة -أو النحلة- إنْ شاورته نفعك، وإنْ ماشَيْته نَفَعك، وإنْ شاركته نفعك" (١)، وقال:

стр. 724

"مثل المؤمن والإيمان كمثل الفَرَس في آخيته (١) يجول ما يجول ثم يرجع إلى آخيته؛ وكذلك المؤمن يَقْتَرِف ما يقترف (٢) ثم يرجع إلى الإيمان" (٣)، وقال: "مثل المؤمنين في تَوَادهم وتراحُمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى شيء منه، تَدَاعى سائرُه بالسَّهَر والحمى" (٤)، وقال: "مثل المنافق كمثل الشاة العَائِرة بين

стр. 725

الغنمين (١)، تَكرُّ إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة" (٢)، وقال: "مثل القرآن كمثل الإبل المُعقَّلة (٣)، إن تعهَّد صاحبها عُقُلَها أمسكها، وإنْ أغفلها ذهبت، وإذا قام صاحب القرآن به ذكره، وإذا لم يَقُم به نسيه" (٤)، وقال موسى بن عبيدة، عن مَاعِز (٥) بن سُويد العَرْجي، عن عليّ بن أبي طالب -كرم اللَّه وجهه- أن النبي ﷺ قال: "مثلُ المؤمن الذي لا يُتِمُّ صلاته مثلُ المرأة التي حَمَلت حتى إذا دنا نِفاسُها أسقطت، فلا حامل ولا ذات رِضاع؛ ومثلُ المصلي كمثل التاجر لا يَخْلُص له الربح حتى يخلص له رأس المال؛ وكذلك المصلي لا يقبل اللَّه له نافلة حتى يؤدِّي الفريضة" (٦).

стр. 726

وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أَوس بن خالد، عن أبي هريرة يرفعه: "مثل الذي يسمع الحكمةَ ولا يحملُ إِلا شَرَّها، كمثل رجل أتى راعيًا فقال: آجرني (١) شاةً من غنمك، فقال: انْطَلِقْ فخذ بأذُنِ شاة منها، فذهب فأخذ بأذُن كلب الغنم" (٢)، وقال عبد اللَّه بن المبارك: ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: حدثني أبو عبد ربه (٣) قال: سمعت مُعَاوية يقول على هذا المنبر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنما بَقي من الدنيا بَلَاء وفتنة، وإنما مَثَلُ عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاهُ طاب أسفلهُ، وإذا خَبُثَ أعلاه خبث أسفلهُ" (٤).

стр. 727

وفي "المسند" من حديث عبد اللَّه بن عمرو (١) عن النبي ﷺ : "أن رجلًا كان فيمن كان قبلكم اسْتَضَاف قومًا فأضافوه، ولهم كلبة تَنْبح، قال: فقالت الكلبة: واللَّه لا أنبح ضَيف أهلي اللَّيلة، قال: فَعَوَى جِرَاؤُها في بطنها فبلغ ذلك نبيًّا لهم أو قَيْلًا لهم (٢)، فقال: مثل هذه مثل أمة تكون بعدكم يقهر سفهاؤها حكماءَها، ويغلب سفهاؤُها علماءَها" (٣).

стр. 728

وفي "صحيح البخاري" من حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: "مثلُ القائم في حدود اللَّه والواقع فيها كمثل قومٍ اسْتَهَموا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلَاها، وبعضُهم أسفَلَها، فكان الذين في أسفلها إذا اسْتَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فوقهم، فقالوا: لو أنا خَرَقْنَا في نصيبنا خَرْقًا، ولم (١) نُؤْذِ مَنْ فوقنا، فإنْ هم تركوهم، وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإنْ أخَذُوا على أيديهم نَجَوْا ونجوا جميعًا" (٢). وفي "المعجم الكبير" عنه من حديث سهل بن سعد قال: "إياكم وَمُحَقّرَاتِ الذنوب، فإنَّ مَثَلَ ذلك كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء هذا بعُودٍ وهذا بعود، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإنَّ محقرات الذنوب متى يُؤخذ بها صاحبها تُهْلِكهُ" (٣).

стр. 729

وفي "المسند" من حديث أبيّ بن كعب يرفعه: "إن مَطْعَمَ ابن آدم قد ضُرب مثلًا للدنيا، فانظر ما يخرج من ابن آدم، وإن قزَّحه ومَلَّحَه (١) قد علم إلى ما يصير" (٢). قال (٣): أبو محمد بن خلاد: ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن مَعْدان: ثنا يوسف بن مسلم المِصِّيصي: ثنا حَجَّاج الأعور، عن أبي بكر الهُذَليّ، عن الحسن، عن أبيّ بن كعب عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إني ضَرَبْتُ للدنيا مثلًا، ولابن آدم عند الموت، مَثَلُه مثلُ رجلٍ له ثلاث (٤) أخِلَّاء، فلما حَضَرهُ الموتُ قال لأحدهم: إنك كنتَ لي خليلًا، وكنت أبرّ الثّلاثة عندي، وقد نزل بي من أمر اللَّه ما ترى، فماذا عندك؟ قال: يقول: وماذا عندي؟ وهذا أمرُ اللَّه قد غَلَبني، ولا أستطيع أن

стр. 730

أنفِّس كُرْبَتك، ولا أفرّج غمَّك، ولا أؤخَّر ساعتك، ولكن ها أنذا بين يديك (١)، فخذني زادًا تذهب به (٢) معك، فإنّه ينفعك، قال: ثم دعا الثاني، فقال: إنكَ كنتَ لي خليلًا، وكنت أبرّ الثلاثة عندي، وقد نزل بي من أمر اللَّه ما ترى، فماذا عندك؟ قال: يقول: وماذا عندي؟ وهذا أمر اللَّه [قد] (٣) غلبني، ولا أستطيع أن أُنفِّس كربتك، ولا أفرج غمك، ولا أؤخر ساعتك (٤) ولكن سأقوم [عليك] (٥) في مرضك، فإذا مُتَّ أنْقَيْتُ غسلَك، وجَدَّدْتُ كسوتك، وسَتَرْتُ جَسَدك وعورتك، قال: ثم دعا الثالث فقال: قد نزل بي من أمر اللَّه ما ترى وكُنتَ أهْوَنَ الثلاثة عليّ، وكنتُ لك مُضَيعًا، وفيك زاهدًا، فما عندك؟ قال: عندي أني قرينكَ وحليفُكَ (٦) في الدنيا والآخرة، أدخل معك قبرك حين تدخله، وأخرج منه حين تخرج منه، ولا أفارقك أبدًا، فقال النبي ﷺ هذا ماله وأهله وعمله، أما الأول الذي قال: خذني زادًا، فمالُه، والثاني: أهلُه، والثالث: عمله" (٧). وقد رواه -أيضًا- بسياق آخرَ من حديث أبيّ -أيضًا-، ولفظه أن رسول اللَّه ﷺ قال يومًا لأصحابه: "أتدرون ما مَثَلُ أحدكم ومثل مالِه وأهلِه وعمله؟ قالوا: اللَّه ورسوله أَعْلَم، فقال: إنَّما مثلُ أحدكم ومثلُ أهله وماله وعمله، كمثل رجل له ثلاثة إِخْوَة، فلما حضرته الوفاةُ دعا بعضَ إخوته، فقال: إنه قد نزل بي من الأمر ما ترى، فمالي عندك؟ وما لديك؟ فقال: لك عندي أن أُمرِّضَك ولا أُزايلك، وأنْ أَقومَ بشأنك، فإذا مُتَّ غسَّلتُك وكَفَّنْتُكَ وحَمَلْتُكَ مع الحاملين، أحملك طورًا (٨) وأميطُ عنك طورًا (٨)، فإذا رجعتُ أثنيتُ عليك (٩) بخيرٍ عند من يسألني عنك، هذا [أخوه] (١٠) الذي هو أهله، فما ترونه؟ قالوا: لا نسمع

стр. 731

طائلًا يا رسول اللَّه، ثم يقول [للأخ الآخر] (١): أترى ما قد نزل بي؟ فما لي لديك؟ وما لي عندك؟ فيقول: ليس عندي [غناء] (٢) إِلا وأنتَ في الأحياء، فإذا مُتَّ ذُهِبَ بك مذهبٌ، وذُهِبَ بي مذهب، هذا أخوه الذي هو ماله، كيف ترونه؟ قالوا: لا (٣) نسمع طائلًا يا رسول اللَّه، ثم يقول لأخيه الآخر: أترى ما قد نزل بي، وما ردَّ عليَّ أهلي ومالي؟ فمالي عندك؟ وما [لي] (٤) لديك؟ فيقول: أنا صاحبُكَ في لَحْدك، وأنيسُكَ في وَحْشَتِكَ، وأقعدُ يوم الوزن في ميزانك [فأثقِّل ميزانك] (٤)، هذا أخوه الذي هو عَمَلُه، فكيف ترونه؟ قالوا: خيرُ أخٍ، وخيرُ صاحبٍ يا رسولَ اللَّه، قال: فإنَّ الأمر هكذا" (٥). وقال رسول اللَّه ﷺ : "مَثَلُ الجليس الصالح مثلُ صاحب المسك (٦)، إما أن يُحْذِيْكَ، وإما أن يَبيعك، وإما أن تَجِدَ (٧) منه ريحًا طيبة، ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكِير، إنْ لم يُصبك مِنْ شَرَره أصابكَ من ريحه" (٨). وفي "الصحيح" عنه (٩) أنه قال: "مَثَلُ الْمُنْفِقِ والبخيل، مثل رجلين عليهما جُبَّتَان -أو جُنَّتان (١٠) - من حديد من لَدُن ثديهما إلى تَرَاقيهما، فإذا أراد الْمُنْفِقُ أن ينفقَ سبغت عليه حتى يجر (١١) بنانه ويعفو أثره، وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت، ولَزمتْ كلُّ حلقة موضعها فهو يوسعها فلا تتسع" (١٢).

стр. 732

وقال: "مثل الذين يَغْزُونَ من أُمَّتي وَيَتَعَجَّلُونَ أجورَهم، كمثل أم موسى تُرَضعُ وَلَدَهَا وتأخُذ أجْرَها" (١). فصل [فائدة ضرب الأمثال] قالوا: فهذه وأمثالها من الأمثال التي ضرَبها رسولُ اللَّه ﷺ لتقريب المراد، وتفهيم (٢) المعنى، وإيصاله إلى ذهن السامع، وإحضاره (٣) في نفسه صورة (٤) المثال الذي مَثَّل به، فإنه [قد] (٥) يكون أقربَ إلى تَعقُّله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره؛ فإنَّ النفسَ تأنس بالنظائر والأشباه الأُنسَ التام، وتنفِرُ من الغُرْبة والوَحْدَة وعدم النظير؛ ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمرٌ لا يجحده أحد، ولا ينكره (٦)، وكلما ظهرتْ لها الأمثال ازْدَادَ المعنى ظهورًا، ووضوحًا، فالأمثالُ شواهدُ المعنى المراد، ومزكية له، فهي: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وهي خاصة العقل ولبّه وثمرته. [فرق بين الأمثال المضروبة من اللَّه ورسوله وبين القياس] ولكن أين [في] (٧) الأمثال التي ضربها اللَّه ورسوله على هذا الوجه، فهمنا

стр. 733

أنَّ الصِّداق لا يكون أقل من ثلاثة دراهم أو عشرة قياسًا [وتمثيلًا] (١) على [أقل] (١) ما يقطع فيه السارق؟ هذا بالألغاز والأحاجيِّ أشبهُ منه بالأمثال المضروبة للفهم، كما قال إمامُ الحديثِ محمدُ بنُ إسماعيل البخاريُّ في "جامعه الصحيح": (باب مَنْ شبَّه أصلًا معلومًا بأصلٍ مبيَّن، قد بيَّن اللَّه حكمهما ليفهمَ السامع) (٢)، فنحن لا ننكر هذه الأمثالَ التي ضَرَبها اللَّه ورسوله، ولا نجهل ما أريد بها، وإنما ننكر (٣) أن يُسْتَفَادَ وجوب (٤) الدم على مَنْ قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربع من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأنَّ الآيةَ تدلُّ على ذلك؛ وأن قوله ﷺ صدقة الفطر: "صاع من تمر، أو صاع من بُرٍّ، أو صاع من شعير، أو صاع من أقِطٍ، أو صاع من زبيب" (٥) يفهم منه أنه لو أعطى صاعًا من إهليلج (٦) جاز، وأنه يدلُّ على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار؛ وأن قوله [ ﷺ ]، (٧): "الوَلدُ لِلْفِرَاشِ" (٨) يُستفاد منه ومن دلالته أنه لو قال له الوليُّ بحضرة الحاكم: زوجتُك ابنتي -وهو بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب- فقال: قبلتُ هذا التَّزويجَ وهي طالق ثلاثًا، فأتت (٩) بعد ذلك بولدٍ لأكثر من ستة أشهر أنه ابنه، وقد صارت فراشًا بمجرد قوله: "قبلتُ هذا التزويج" (١٠)، ومع هذا لو

стр. 734

كانت له سُرِّيَّةٌ يطأها ليلًا ونهارًا لم تكن فراشًا [له] (١)، ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إِلا أن يَدَّعيه ويَسْتَلْحقه، [فإن لم يستلحقه فليس بولده] (٢). وأين يفهم من قوله ﷺ : "إن في قَتْل الخطأ شِبْهِ العَمْد ما كان بالسَّوْطِ والعَصا مئةً من الإبل" (٣)، أنه لو ضَرَبَهُ بحَجَر المنجنيق أو بكُور الحدَّاد (٤) أو بِمَرَازب الحديد العظام، حتى خَلَطَ دماغَهُ [بلَحْمه] (٥) وعَظْمه أن هذا خطأ شبه عمد لا يوجب قودًا. وأين يُفهم من قوله ﷺ : "أدرؤُا الحدودَ عن المسلمين ما استطعتم، فإنْ يكن له مخرج فخلُّوا سَبيله، فإنَّ الإمام أن يُخْطِئَ في العفو خيرٌ له من أن يخطئ في العقوبة" (٦) أن

стр. 735

مَنْ عَقَد على أُمِّه أو ابنته [أو أخته] (١)، ووطأها فلا حَدَّ عليه، وأنَّ هذا مفهومٌ من قوله: "ادْرَؤُوا الحدودَ بالشُّبهات" (٢) فهذا في معنى الشبهة التي تُدْرَأ بها الحدود،

стр. 736

وهي الشبهة في المحلِّ، أو في الفاعل، أو في الاعتقاد، ولو عرض هذا على فَهْم مَنْ فُرض من العالمين، لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه، وأنَّ مَنْ يطأ خالته أو عمته بملك اليمين فلا حدَّ عليه مع علمه بأنَّها خالتُه أو عمتُه، وتحريم (١) اللَّه لذلك، ويفهم هذا مِنْ: "ادرؤوا الحدود بالشُّبهات" (٢) وأَضْعاف [أضعاف] (٣) هذا مما لا يكاد ينحصر. فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره، وننكرُ أن يكونَ في كلام اللَّه ورسوله دلالةٌ على فهمه بوجهٍ ما. قالوا (٤): ومن أين يُفهم من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦ والمؤمنون: ٢١]، ومن قوله: ﴿فَاعْتبِرُواْ﴾ [الحشر: ٢] تحريم بيع الكشك باللبن، وبيع الخل بالعنب، ونحو ذلك؟ قالوا: وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، ولم يقل: "إلى قياساتكم وآرائكم" ولم يجعل اللَّه آراءَ الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبدًا. وقالوا (٥): وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فإنّما منعهم من الْخِيَرَةِ عند حكمه وحكم رسوله، [لا] (٦) عند آراء الرِّجال وأقيستهم وظنونهم، وقد أمر اللَّه -سبحانه- رسولَه باتِّباع ما أوحاه إليه خاصة، وقال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠، يونس: ١٥]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال [تعالى] (٧): ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، قالوا: فدل هذا النصُّ على أنَّ ما لم يأذن به اللَّه من الدين فهو شَرْعُ غيرِهِ الباطلُ. قالوا: وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ عن ربه ﵎ أنَّ كل ما سَكَتَ عن إيجابه أو تحريمه فهو عَفْوُ عَفَا عنه لعباده (٨)، يباح إباحة العفو؛ فلا يجوزُ تحريمه ولا

стр. 737

إيجابُه قياسًا على ما أَوْجبه أو حرَّمه بجامع بينهما؛ فإنَّ ذلك يستلزم رَفْعَ هذا القسم بالكليَّة وإلغاءه؛ إذ المسكوتُ عنه لا بدَّ أن يكون بينه وبين المُحرَّم شَبَهٌ ووصفٌ جامع (١)، أو بينه وبين الواجب، فلو جاز إلحاقُهُ به لم يكن هناك قِسْمٌ قد عُفي عنه، ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه، بل يكون ما سكت عنه قد حَرَّمَه قياسًا على ما حرمه، وهذا لا سبيلَ إلى دفعه، وحينيذٍ فيكون (٢) تحريم ما سكت عنه تبديلًا لحكمه، وقد ذَمَّ تعالى مَنْ بَدَّل غير القول الذي أُمر به؛ فمن بدَّل غيرَ الحكم الذي شَرَع له فهو أولى بالذم، وقد قال النبي ﷺ : "إنَّ مِن أعظم المسلمين [في المسلمين] جُرْمًا من سأل عن شيء لم يُحَرَّمْ فحُرِّم على الناس من أجل مسألته" (٣)، فإذا كان (٤) فيمن تسبَّب إلى تحريم الشارع صريحًا بمسألته عن حُكم ما سَكتَ عنه، فكيف بمن حَرَّم المسكوتَ عنه بقياسه وبرأيه؟ يوضِّحه أنَّ المسكوتَ عنه لما كان عَفْوًا عفا اللَّه لعباده عنه، وكان البحثُ عنه سببًا لتحريم اللَّه إيّاه لما فيه من مُقْتَضى التحريم، لا لمجرد السؤال عن

стр. 738

حكمه، وكان اللَّه قد عفا عن ذلك وسامَحَ به عباده، كما يعفو عما فيه مَفْسَدة من أعمالهم وأقوالهم؛ فمن المعلوم أنَّ سكوته عن ذكر لَفْظٍ عام (١) يحرِّمه يدلُّ على أنه عَفْو عنه (٢)، فمن حَرَّمه بسؤاله عن علَّة التحريم، وقياسِهِ على المحرَّم بالنص كان أدْخَلَ في الذَّمِّ ممّن سأله عن حكمه لحاجته إليه؛ فحُرَّم من أجل مسألته، بل كان الواجبُ عليه أن لا يبحثَ عنه، ولا يسأل عن حُكمه، اكتفاءً بسكوتِ اللَّه عن [عَفْوه] (٣) عنه؛ فهكذا الواجبُ [عليه] (٣) أن لا يُحرِّم المسكوت عنه بغير النَّص الذي حرَّم اللَّه أصْلَه الذي يُلْحَق به. قالوا: وقد دلَّ على هذا كتاب اللَّه حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠١، ١٠٢]، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ذَرُونِي ما تركتُكُم، فإنما هَلَكَ الذين مِنْ قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (٤)، فأمرهم أن يتركوا من السؤال ما تركهم، ولا فَرْقَ في هذا في حياته (٥)، و [بعد] (٦) مماته، فنحن مأمورون أن نتركه ﷺ ، وما نصَّ عليه، فلا نقول [له] (٣): لِمَ حرَّمت كذا؟ لِنُلحق به ما سكت عنه، بل هذا أبْلَغُ في المعصية من أن نسأله عن حكم شيء لم يحكمْ فيه، فتأمَّلْه فإنه واضحٌ. [ويدل عليه قوله في نفس الحديث: "وإذا نهيتكم عن شيء فاجْتَنبُوه، وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتم"] (٧)، فجعل الأمور ثلاثةً، لا رابع لها: مأمور به، فالفَرْض عليهم فِعْلُه بحسب الاستطاعة، ومنهيٌّ عنه، فالفرض عليهم اجتنابُه بالكليَّة، ومسكوت عنه؛ فلا يُتَعَرَّضُ (٨) للسُّؤَالِ والتفتيش عنه. وهذا حكم لا يختصُّ بحياته فقط، ولا يخصُّ الصَّحابةَ دون مَنْ بعدهم، بل

стр. 739

فَرَضَ علينا نحن امتثالَ أمره بحسب الاستطاعة، واجتنابَ نهيه، وترك البحث والتفتيش عما سكت عنه، وليس ذلك التركُ جهلًا وتجهيلًا لحكمه، بل إثبات لحكم (١) العفو، وهو الإباحة العامة ورفع الحرج عن فاعله، فقد استوعَبَ الحديثُ أقسامَ الدِّينِ كُلِّها، فإنها إما واجب، وإما حرام، وإما مباح؛ والمكروه والمستحب فرعان: على هذه الثلاثة غير خارجين عن المباح؛ وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، فوَكَّل بيانَه إليه سبحانه لا إلى القياسيين والآرائيين (٢)؛ و [قد] (٣) قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، فقسم الحكم إلى قسمين: قِسمٌ أذنَ فيه [وهو الحق] (٤) وقسم افْتُرِيَ عليه [فيه] (٥)، وهو ما لم يأذنْ فيه، فأين أَذِن لنا أن نقيسَ البلَّوط على التمر في جريان الربا فيه؟ وأَنْ نقيسَ القزدير (٦) على الذهب والفضة، والخردلَ على البُرِّ؟ فإن كان اللَّه ورسوله وَصَّانا بهذا فَسَمْعًا وطاعة للَّه ورسوله، وإلا فإنا قائلون [لمنازعينا] (٤): ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾؟ [الأنعام: ١٤٤] فما لم تأتِنَا به وصيةٌ من عند اللَّه على لسان رسوله ﷺ فهو عينُ الباطل، وقد أمرنا اللَّه بردِّ ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله ﷺ ؛ فلم (٧) يُبحْ لنا قطُّ أن نَرُدَّ ذلك إلى رأي، ولا قياس، ولا تقليد إمام، ولا منام، ولا كُشوف، ولا إلهام، ولا حديث قلب، ولا استحسان، ولا معقول، ولا شريعة الديوان، ولا سياسة الملوك، ولا عوائد الناس التي ليس (٨) على شرائع المرسلين (٩) أضرَّ منها، فكل هذه طواغيت مَنْ تحاكم إليها أو دَعَا (١٠) منازعَه إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الطاغوت. و (١١) قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]، قالوا: ومن تأمل هذه الآية حق التأمل تبيِّن له أنَّها نصٌّ على إبطال القياس

стр. 740

وتحريمه؛ لأنَّ القياس كله ضربُ الأمثال للدّين، وتمثيل ما لا نصَّ فيه [بما فيه نَصٌّ] (١)، ومَنْ مَثَّل ما لم ينص اللَّه على تحريمه أو إيجابه بما حَرَّمه أو أَوجبه فقد ضرب للَّه الأمثال، ولو علم سبحانه أن الذي سكت عنه مثل الذي نصَّ عليه لأعلَمنا به، ولَمَا أغْفَله [سبحانه] (٢)، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ولبيِّن لنا ما نتقي، كما أخبر عن نفسه بذلك إذ يقول [سبحانه] (٢): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥]، ولَمَا وكَله إلى آرائنا (٣) ومقاييسنا التي ينقضُ بعضُها بعضًا، فهذا يقيس ما يذهب إليه على ما يزعم أنه نظيره، فيجيء مُنَازِعُه فيقيس ضد قياسِه من كلِّ وجهٍ، ويُبدي من الوصف الجامع مثلَ ما أبداه منازعُوه أو أظهرَ منه، ومحالٌ أن يكون القياسانِ معًا من عند اللَّه، وليس أحدهما أولى من الآخر، [فليسا من عنده] (٤)، وهذا وحده كافٍ في إبطال القياس. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فكل ما بيَّنه رسولُ اللَّه ﷺ فعن ربه [سبحانه] (٢)، بيَّنه بأمره وإذنه، وقد عَلِمنا يقينًا وقوعَ كل اسم في اللغة على مُسمَّاه فيها، وأن اسم البُرِّ لا يتناول [الخردل، وأسم التمر لا يتناول البلوط، واسم الذهب والفضة لا يتناول القزدير] (٥)، وأن تقدير نصاب السرقة لا يدخل فيه تقدير المَهْر، وأن تحريم أكلِ الميتة لا يدل على أن المؤمن الطيب عند اللَّه حيًا وميتًا إذا مات صار نجسًا خبيثًا، وأن هذا [عن] (٢) البيان -الذي وَلَّاه اللَّه رسولَه وبعثه به- أبعد شيء وأشده منافاة له، فليس هو مما بُعث به الرسول قطعًا، فليس إِذًا من الدين. وقد قال النبي ﷺ : "ما بَعثَ اللَّه من نبيٍّ إِلَّا كان حقًا عليه أن يَدُلَّ أمته على خير ما يَعْلمُه لهم، وينهاهم عن شرِّ ما يعلمه لهم" (٦)، ولو كان الرأيُ
следующие страницы →