← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

"إنك ستأتيه وتطوف به" (١) فإنه لا دلالة في هذا اللفظ على تعيين العام الذي يأتونه فيه، وأنكر على عديّ بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفسَ العقالين (٢)، وأنكر على مَنْ فهم من قوله: "لا يدخلُ الجنةَ مَنْ كان في قلبه مثقالُ حبة خَرْدلةٍ من كِبْر" شمول لفظه لحسْن الثوب وحُسن النعل، وأخبرهم أنه: "بَطرُ الحق وغَمطُ الناس" (٣) وأنكر على من فهم من قوله: "مَنْ أحبَّ لقاء اللَّه أحبَّ اللَّه لقاءَه، ومن كره لقاءَ اللَّهِ كره اللَّه لقاءه" أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احْتُضِرَ وبُشِّر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاء اللَّه، واللَّه يكره لقاءه، وأن المؤمن إذا احْتُضِرَ وبُشِّر بكرامة اللَّه أحَبَّ لقاء اللَّه وأحبَّ اللَّه لقاءه (٤)، وأنكر

стр. 912

على عائشة (١) إذ فهمت من قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] معارضته لقوله [ ﷺ ]: "مَنْ نُوقش الحِسَاب عُذِّبَ" وبيَّن لها أن الحساب اليسير هو العَرْض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة (٢)، وأنكر على مَنْ فهم من قوله [تعالى] (٣): ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة وأنه لا يسلم أحدٌ من عمل السوء، وبيَّن لهم أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بِالهَمِّ (٤) والحَزَنِ والمرض والنَّصبِ وغير ذلك من مصائبها، وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة (٥)، وأنكر على مَنْ فهم من قوله [تعالى] (٣): ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] (٣)﴾ [الأنعام: ٨٢] أنه ظُلم

стр. 913

النَّفس بالمعاصي، وبيَّن لهم أنه الشرك، وذَكَر قولَ لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] (١) مع أن سياق اللفظ عند (٢) إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك؛ فإن اللَّه سبحانه لم يقل ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] ولَبْسُ الشيء بالشيء تغطيتهُ به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمانَ ويحيطُ به ويلبسه إلا الكفرُ، ومن هذا قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾ [البقرة: ٨١] فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدًا، فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به، ومع أن سياق قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨١] ثم حُكمُ اللَّه أعدلُ حُكمٍ وأصدقُه أَنَّ مَنْ آمن ولم يلبس إيمانه بظلم فهو أحق بالأمن والهُدى، فدل على أن الظلم الشِّرك، وسأله عمر بن الخطاب (٣) ﵁ عن الكَلالَة وراجعه فيها مرارًا، فقال: تكفيك آية الصَّيف (٤)،

стр. 914

واعترف عمر بأنه خَفِيَ عليه فهمهما وفهمها الصديق (١)، وقد نهى النبي ﷺ عن لحومِ الحُمرِ الأهلية ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تُخمَّس وفهم بعضهم أن النهي لكونها (٢) كانت حمولة القوم وظهورهم، وفهم بعضهم [أنه لكونها] (٣) كانت جوَّالي القرية، وفهم علي بن أبي طالب وكبار الصحابة ﵃ ما قَصَدَه [رسول اللَّه] (٤) ﷺ بالنهي وصَرَّح بعلَّته من كونها رجسًا (٥)، وفهمت المرأة

стр. 915

من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] جواز المُغَالاة في الصَّداق فذكرته لعمر فاعترف به (١)، وفهم ابن عباس من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن المرأة قد تَلدُ لستة أشهر، ولم يفهمه عثمان فهمَّ برجم امرأة ولدت لها حتى ذكَّره به ابنُ عباس فأقر به (٢)، ولم يفهم عمر من قوله:

стр. 916

"أُمرت أن أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عَصموا مِنِّي دِماءَهم وأَموالَهم إلا بحقها" قتال مانعي الزكاة حتى بَيّن له الصديق فأقرَّ به (١)، وفهم قُدامة بن مَظْعون من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] رفع الجُناح (٢) عن الخَمْر حتى بَيَّن له عمر أنه لا يتناول الخمر (٣)، ولو تأمَّل سياق الآية لفهم المراد منها، فإنه إنما رفع الجُناح عنهم فيما طعموه مُتَّقين له فيه، وذلك إنما يكون باجتناب ما حَرَّمه من المطاعم؛ فالآية لا تتناول المحرَّم بوجه ما، وقد فهم من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] انغماس الرجل في العدو حتى بَيَّن له (٤) أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التَّهلُكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضات اللَّه، وأن الإلقاء [بيده] (٥) إلى التهلكة هو الإقبال على الدنيا وعمارتها وترك الجهاد (٦)، وقال الصِّدِّيقُ ﵁: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتَضَعُونها على غير مواضعها (٧): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ الناس إذا

стр. 917

رَأوا المنكر فلم يغيِّروه أوشك أن يعمَّهُم اللَّه بعقاب من عنده" (١) فأخبرهم أنهم يضعُونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلافَ مَا أريد بها، وأشكل على ابن عباس أمْرُ الفِرْقَةِ الساكتة التي لم ترتكب ما نُهيت عنه من اليهود: هل عُذِّبُوا أو نَجَوا حتى بين له مولاه عِكْرِمة دخولهم في الناجين دون المعذبين، وهذا هو الحق؛ لأنه سبحانه قال عن الساكتين: ﴿وَإِذْ [قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ] (٢) لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤] فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم، وإن لم يواجهوهم بالنهي فقد واجههم به مَن أدَّى الواجب عنهم، فإن

стр. 918

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين، فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم، وأيضًا فإن اللَّه سبحانه إنما عذب الذين نَسُوا ما ذُكِّروا به وعَتْوا عمَا نُهوا عنه، وهذا لا يتناول الساكتين قطعًا، فلما بين عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كَسَاه بُرْدَة [وفرح به] (١)، وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] السورة؟ قالوا: أمر اللَّه نبيَّه إذا فَتحَ عليه أن يستغفره، فقال لابن عَبَّاس: ما تقول أنت؟ قال: هو أجلُ رسول اللَّه ﷺ ، أعلمه إيَّاه، فقال: ما أعلمُ منها غيرَ ما تَعلم (٢)، وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد، فإنه سبحانه لم يُعلِّق الاستغفار بعلمه (٣)، بل علّقه بما يحدثه هو سبحانه من نعمة من فَتْحِه على رسوله ودخول الناس في دينه، وهذا ليس بسببٍ للاستغفار، فعلم أن سببَ الاستغفار غيرُه (٤)، وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة اللَّه على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه ليلقى ربه طاهرًا مطهرًا من كل ذنب فيقدم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًا عنه، ويدل عليه أيضًا قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] وهو ﷺ كان يُسبِّح بحمده دائمًا (٥)، فعلم أن المأمور به من

стр. 919

ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في هذا الدين أمرٌ أكبر (١) من ذلك المتقدم، وذلك مقدمةٌ بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي تُرقيه إلى ذلك المقام بقيةٌ فأمره بتوفيتها، ويدل عليه أيضًا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال (٢)، فشرعها (٣) في خاتمة الحج وقيام الليل، وكان النبي ﷺ إذا سَلَّم من الصلاة استغفر ثلاثًا (٤)، وشرع للمتوضئ [بعد كمال وضوئه أن يقول] (٥): "اللَّهم اجعلني من التوَّابين واجعلني من المتطهرين" (٦) فعُلم أن التوبةَ مشروعةٌ عَقيب الأعمال الصالحة، فأمر رسولَه

стр. 920

بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دينه أفواجًا، فكأنَّ التبليغَ عبادةٌ قد أكملها وأدَّاها، فشُرع له الاستغفارُ عقيبها، والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من الآية حكمًا أو حكمين، ومنهم من يفهم [منها] (١) عشرة أحكام أو (٢) أكثر من ذلك، ومنهم من [يقتصر فهمُه] (٣) على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائِه [وإشارته وتنبيهِه] (٤) واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر (٥) متعلق به فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يَنْتبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به، وهذا كما فهم ابنُ عباس من قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن المرأة قد تَلِدُ لستة أشهر (٦)، وكما فهم الصدِّيقُ من آية الفرائض في أول السورة وآخرهَا أن الكلالةَ مَنْ لا ولدَ له ولا والِد، وأسقط الإخوةَ بالجدِّ (٧)، وقد أرشد النَّبيُّ ﷺ عُمَر إلى هذا الفهم حيث سأله عن الكلالة وراجَعَه

стр. 921

السؤال فيها مرارًا، فقال: يكفيك آية الصَّيْف (١)، وإنما أشكل على عمر قولُه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، الآية، فدلَّه النبي ﷺ على ما يبيِّن له المراد منها وهي الآية الأولى التي نزلت في الصيف، فإنه وَرَّثَ فيها ولَدَ الأم في الكلالة (٢) السدس، ولا ريبَ أنَّ الكلالةَ فيها مَنْ لا ولد له ولا والد، وإن عَلَا. ونحن نذكر عدة مسائل مما اختلف فيها السَّلَفُ ومَنْ بعدهم، قد (٣) بينتها النصوص، ومسائل قد احتُجُّ فيها بالقياس وقد بيَّنها النَّصُ وأغنى فيها عن القياس. [المسألة المشتركة في الفرائض] المسألة الأولى: [المشتركة في الفرائض] (٤)، وقد دل القرآن على اختصاص ولَدِ الأم فيها بالثلث، بقوله (٥) تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وهؤلاء ولد الأم، فلو أدخلنا معهم ولد الأبوين لم يكونوا شركاء في الثلث بل يزاحمهم فيه غيرهم، فإن قيل: بل وَلدُ الأبوين منهم، إلغاء لقرابة الأب، قيل: هذا وهم، لأن اللَّه سبحانه قال (٦) في أول الآية: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] ثم قال: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] فذَكَرَ حُكمَ واحدهم وجماعتهم حكمًا يختص به الجماعة منهم كما يختص به واحدُهُم، وقال في ولد الأبوين: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ

стр. 922

الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] فذكر حكم ولد الأب والأبوين واحدُهُم وجماعتهم، وهو حكم يختص به جماعتهم [كما يختص به واحدهم] (١) فلا يشاركهم فيه غيرُهُم، فكذا حكم ولد الأم، وهذا يدل على أن أحد الصِّنفين غيرُ الآخر، فلا يشارك أحدُ الصنفين الآخر، وهذا الصنف الثاني هو ولد الأبوين أو الأب بالإجماع (٢)، والأول هو ولد الأم بالإجماع، كما فسَّرته قراءةُ بعض الصحابة (٣): "من أم" وهي تفسيرٌ وزيادةُ إيضاح، وإلا فذلك معلوم من السياق ولهذا ذكر سبحانه ولد الأم في آية الزوجين، وهم أصحاب فرض مُقَدَّر لا يخرجون عنه، ولا حَظَّ لأحد منهم في التعصيب، ولم يذكر فيها أحدًا من العصبة، بخلاف ذكر (٤) في آية العمودين الآية التي قبلها؛ فإن لجنسهم حظًا في التعصيب، ولهذا قال في آية الإخوة من الأم والزوجين: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] ولم يقل ذلك في آية العمودين، فإن الإنسان كثيرًا ما يَقْصِدُ ضِرَار الزوجين (٥) وولد الأم لأنهم ليسوا من عصبته، بخلاف أولاده وآبائه فإنه لا يضَارهم في العادة، فإذا (٦) كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث لم يجز تنقيصهم منه، وأما ولد الأبوين فهم جنس آخر وهم عصبته (٧) وقد قال النبي ﷺ : "ألِحْقُوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فلأوْلى رَجلٍ ذَكَر" (٨) وفي

стр. 923

هذه المسألة لم تُبْقِ الفرائضُ شيئًا، فلا شيء للعصبة بالنَّص، وأما قول القائس (١): "هَبْ أن أبانا كان حمارًا" فقول باطل حسًا وشرعًا، فإن الأبَ لو كان حمارًا لكانت الأم أتانًا، وإذا قيل: يُقدَّر وجوده كعدمه، قيل: هذا باطل، فإن الموجود لا يكون كالمعدوم، وأما بطلانه شرعًا فإن اللَّه سبحانه حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم. فإن قيل: الأب إن لم ينفعهم لم يضرهم. قيل: بل قد يضرهم كما ينفعهم (٢) فإن ولد الأم لو كان واحدًا وولد الأبوين مئة وفَضَل نصفُ سدس (٣) انفرد ولد الأم بالسُّدُس، واشترك ولد الأبوين في نصف السدس، فهلَّا قبلتم (٤) قولَهم ههنا: هَبْ أن أبانا كان حمارًا؟ وهلا قدَّرتم الأب مَعْدُومًا فخرجتم عن القياس كما خرجتم عن النص، وإذا جاز أن ينقصهم الأبُ جاز أن يحرمهم، وأيضًا فالقرابة المتصلة الملتئمة من الذكر والأنثى لا تفرق أحكامها، هذه قاعدة النسب في الفرائض وغيرها، فالأخ من الأبوين لا نجعله (٥) كأخ من أب وأخ من أم فنعطيه السدس [فرضًا] (٦) بقرابة الأم والباقي تعصيبًا بقرابة الأب. فإن قيل: فقد فرقتم بين القرابتين (٧)، فقلتم في ابني عم أحدهما أخ لأم: يُعطى الأخ للأم بقرابة الأم السدسَ ويقاسم ابن العم بقرابة العمومة. قيل: نعم هذا قول الجمهور، وهو الصواب، وإن كان شُرَيْح ومَنْ قال (٨) بقوله أعطى الجميع لابن العم الذي هو أخ لأم، كما لو كان ابن عم لأبوين، والفرقُ بينهما على قول الجمهور أن كليهما في بُنوَّة العم سواء، وأما الأخوة للأم فمستقلة ليست [مقترنة] (٦) بأبوة حتى تُجعل كابن العم للأبوين، فههنا (٩) قرابة الأم

стр. 924

منفردة عن قرابة العمومة، بخلاف قرابة الأم في مسألتنا فإنها متحدة بقرابة الأب. ومما يبين أن عدم التشريك هو الصحيح أنه لو كان فيها أخوات لأب لفرض لهنَّ الثلثان وعالَت الفريضة، فلو كان معهن أخوهن سَقَطْنَ به، ويُسمَّى الأخ المشئوم، فلما كنَّ بوجوده يَصِرْن عصبة صار تارة ينفعهن، وتارة يضرهن ولم يجعل وجوده كعدمه في حال الضرار فكذلك قرابة الأب لما صار الإخوة بها عَصَبة صار ينفعهم تارة ويضرهم أخرى، وهذا شأن العَصَبة فإن العَصَبة تارة تحُوزُ (١) المالَ وتارة تحوز (١) أكثره وتارة تحوز أقله وتارة تَخيبُ (٢)؛ فمن أعطى العصبة مع استغراق الفروض المال (٣) خرج عن قياس الأصول وعن موجب النص. فإن قيل: فهذا (٤) استحسان. قيل: لكنه استحسان يخالف الكتاب والميزان، فإنه ظلمٌ للإخوة من الأم حيث يؤخذ ضهم ويُعطاه غيرهم، وإن كانوا يَعقِلُون عن الميت ويُنفِقون عليه لم يلزم من ذلك أن يشاركوا مَنْ لا يعقل ولا يُنفق في ميراثه، فعاقلة المرأة -من أعمامها وبني عمها وإخوتها- يعقلون عنها، وميراثها لزوجها وولدها كما قضى بذلك رسول اللَّه ﷺ (٥)، فلا يمتنع أن يعقل ولدُ الأبوين ويكون الميراثُ لولد الأم. [المسألة العمرية] المسألة الثانية: العمريتان (٦)، والقرآن يدل على قول جمهور الصحابة فيها كعمر وعثمان وعبد اللَّه بن مسعود وزيد بن ثابت: إن للأم ثُلثَ ما بقي بعد فَرْضِ [أحد] الزوجين (٧)، وههنا طريقان:

стр. 925

أحدهما: بيان عدم دلالته على إعطائِها الثلث كاملًا مع الزوجين، وهذا أظهر الطريقين. والثاني: دلالته على إعطائها ثُلثَ الباقي، وهو أدقُّ وأخفى من الأول، أما الأول فإن اللَّه سبحانه إنَّما أعطاها الثلث كاملًا إذا انفرد الأبوان بالميراث، فإن قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] شرطان (١) في استحقاق الثلث: عدمُ الولد، وتفردُهما بميراثه، فإن قيل: ليس في قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] ما يدل على أنهما تفردا بميراثه، قيل: لو لم يكن [تفردُهما] (٢) شرطًا لم يكن في قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] فائدة، وكان تطويلًا يغني عنه قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فلما قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] علم أن استحقاق الأم الثلث موقوف على الأمرين، وهو سبحانه ذكر أحوالَ الأم كُلِّها نصًا وإيماء، فذكر أن لها السدس مع الإخوة، وأن لها الثلث كاملًا مع عدمِ الولد وتفرُّدِ الأبوين بالميراث، بقي لها

стр. 926

حالة ثالثة -وهي مع عدم الولد وعدم تفرد الأبوين بالميراث- وذلك لا يكون إلا مع الزوج والزوجة، فإما أن تُعطى في هذه الحال الثلث كاملًا وهو خلاف مفهوم القرآن، وإما أن تُعطى السُّدس فإنَّ اللَّه سبحانه لم يجعله فرضها إلا في موضعين مع الولد ومع الإخوة، وإذا امتنع هذا وهذا كان الباقي بعد فرضِ الزوجة (١) هو المال الذي يستحقه الأَبوان، ولا يشاركُهُما فيه مُشارِك، فهو (٢) بمنزلة المال كله إذا لم يكن زوج ولا زوجة، فإذا تقاسماه أثلاثًا كان الواجب أن يتقاسما الباقي بعد فرض الزوجين كذلك. فإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا ورثته الأم [مع] (٣) مَنْ دون الأب كالجد والعم والأخ وابنه. قيل: إذا كانت تأخذ الثلث مع الأب فأخذُها له مع مَنْ دُونه من العصبات أولى، وهذا من باب التنبيه. فإن قيل: فمن أين أعطيتموها الثلثَ كاملًا إذا كان معها ومع هذه العَصَبة الذي هو دون الأب زوج أو زوجة، واللَّه سبحانه إنما جعل لها الثلث كاملًا إذا انفرد الأبوان بميراثِه على ما قرَّرتموه، فإذا كان جد وأم أو عم وأم أو أخ وأم أو ابن عم أو ابن أخ مع أحد الزوجين (٤)، فمن أين أعُطيت الثلث كاملًا، ولم ينفرد الأبوان بالميراث؟ قيل: بالتنبيه ودلالة الأولى، فإنها إذا أخذت الثلث كاملًا مع الأب فلأن تاخذه مع [ابن] (٥) العم أولى وأما إذا كان أحَدُ الزوجين مع هذه (٦) العصبة فإنه ليس له إلا ما بقي بعد الفروض، ولو استوعبت الفروضُ المالَ سقط كأم وزوج وأخ لأم، بخلاف الأب. فإن قيل: فمن أين تأخذون حكمها إذا كان مع العَصَبَة ذو فرض غير البنات والزوجة؟

стр. 927

قيل: لا يكون ذلك إلا [مع] (١) ولد الأم أو الأخوات لأبوين أو لأب (٢) واحدة أو أكثر، واللَّه سبحانه قد أعطاها السدس مع الإخوة، فدلَّ على أنها تأخذ الثلث مع الواحد إذ ليس بإخوة. بقي (٣) الأختان والأخوان؛ فهذا مما تنازع فيه الصحابة فجمهورُهم أدخلوا الاثنين في لفظ الإخوة، وأبى ذلك ابنُ عباس (٤)، ونَظَرُه أقرب إلى ظاهر اللفظ (٥)، ونظر الصحابة أقربُ إلى المعنى وأولى به؛ فإن الإخوة إنما حجبوها

стр. 928

إلى السدس لزيادة ميراثِهِم على ميراثِ الواحد، ولهذا لو كانت واحدةً أو أخًا واحدًا لكان لها الثلث معه، فإذا كان الإخوةُ ولدَ أمِ كان فرضُهم الثُّلثَ اثنين كانا (١) أو مئة، فالاثنان والجماعة في ذلك سواء، وكذلك لو كُنَّ أَخواتٍ لأب أو لأب وأم ففرضُ الثنتين (٢) وما زاد واحد، فحجبُها عن الثلث إلى السدس باثنين كحَجْبها بثلاثة سواء، لا فرق بينهما ألبتة. وهذا الفهم في غاية اللطف، وهو من أدق فهم القرآن، ثم طرد ذلك في الذكور من ولد الأب والأبوين لمعنى يقتضيه (٣)، وهو توفير السدس الذي حُجبت عنه لهم لزيادتهم على الواحد (٤) نظرًا لهم ورعايةً لجانبهم، وأيضًا فإن قاعدة الفرائض أن كُلَّ حكم اختصَّ به الجماعة عن الواحد اشتركَ فيه الاثنان وما فوقهما كولدِ الأُمِّ والبناتِ وبناتِ الابنِ والأَخواتِ للأبوين أو للأب، والحَجْبُ ههنا قد اختص به الجماعة، فيستوي فيه الاثنان وما زاد عليهما، وهذا هو القياس

стр. 929

الصحيح والميزان الموافق لدلالة الكتاب وفهم أكابر الصحابة؛ وأيضًا فإن الأمة مُجْمِعة على أن قوله [تعالى] (١): ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] يدخل في حكمه الثنتان (٢)، وإن اختلفوا في كيفية دخولهما في الحكم كما سيأتي، فهكذا دخول الأَخَويْن في الإخوة؛ وأيضًا فإن لفظ الإخوة كلفظ الذكور والإناث والبنات والبنين، وهذا كله قد يُطلق ويراد به الجنس الذي جاوَزَ الواحد وإن لم يزد على اثنين، فكلُّ حكمٍ عُلِّق بالجمع من ذلك دخل فيه الاثنان كالإقرار والوصية [والوقف] (١) وغير ذلك؛ فلفظ الجمع قد يُرَاد به الجنس المتكثِّر أعم من تكثيره بواحد أو اثنين (٣)، كما أن لفظ المثنَّى قد يراد به المتعدّد أعم من أن يكون تعدده بواحد أو أكثر، نحو: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] ودلالتهما [حينئذ] (٤) على الجنس المتكثر (٥)، وأيضًا فاستعمال [الاثنين في الجمع بقرينة واستعمال] (٤) الجمع في الاثنين بقرينة (٦) جائز بل واقع، وأيضًا فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] وهذا يتناول الأخَ الواحدَ والأخت الواحدة كما يتناول مَنْ فوقهما (٧)، ولفظُ الإخوةِ وسائرُ ألفاظ الجمع [قد] (٨) يُعْنَى به الجنسُ من غير قصد التعدد، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقد يُعْنَى به العددُ من غير قصد [لعدد معين بل لجنس التعدد، وقد يُعنى به العددُ مع قصدِ معدودٍ معيَّن] (٩)، فالأول يتناول الواحدَ وما (١٠) زاد، والثاني يتناول الاثنين وما (١٠) زاد، والثالث يتناول الثلاثة فما زاد عند إطلاقه، وإذا قُيِّد اختص بما قيد به. ومما يدل على أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أن المراد به الاثنان فصاعدًا أنه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ

стр. 930

شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] فقوله: ﴿كَانُوا﴾ [النساء: ١٢] ضمير جمع، ثم قال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] فذكَرهم بصيغة الجَمْعِ المُضْمَر وهو قولُه: ﴿فَهُمْ﴾ [النساء: ١٢] والمْظْهَر وهو قوله: ﴿شُرَكَاءُ﴾ [النساء: ١٢] ولم يذكر قبل ذلك إلا قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢] فذكر حكم الواحد وحكم اجتماعه (١) مع غيره، وهو يتناول الاثنين قطعًا؛ فإن قولَه: ﴿أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٢] أي أكثر من أخ أو أخت، ولم يرد أكثر من مجموع الأخ والأخت، بل أكثر من الواحد، فدل على أن صيغةَ الجَمْعِ في الفرائض تتناول العدَدَ الزائد على الواحد مطلقًا، ثلاثةً كان أو أكثرَ منه؛ وهذا نظير قوله: ﴿وَإِنْ (٢) كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] ومما يوضح ذلك أن لفظ الجمع قد يختص بالاثنين مع البيان وعدم اللبس، كالجمع المضاف إلى اثنين مما يكون المضاف فيه جزءًا من المضاف إليه أو كجزئه، نحو "قلوبهما" و"أيديهما"، فكذلك يتناول الاثنين فما فوقهما مع البيان (٣) بطريق الأَوْلَى، وله ثلاثةُ أحوالٍ: أحدها: اختصاصُه بالاثنين، الثانية: صلاحيتُه لهما، الثالثة: اختصاصُه بما زاد عليهما، وهذه الحالُ له عند إطلاقه، وأما عند تقييده فبحسب ما قُيِّد به، وهو حقيقةٌ في الموضعين، فإن اللفظ تختلف دلالته بالإطلاق والتقييد، وهو حقيقةٌ في الاستعمالين؛ فظهر أن فهم جمهور الصحابة أحسن من فهم ابن عباس في حَجْب الأم بالاثنين، كما أن فهمهم في العمريتين أتمُّ من فهمه؛ وقواعد الفرائض تشهد لقولهم؛ فإنه إذا اجتمع ذكرٌ وأنثى في طبقة واحدة كالابنِ والبنتِ والجدِّ والجدّةِ والأَبِ والأمِّ والأخِ والأختِ فإما أن يأخذ الذكر ضعفَ ما تأخذه (٤) الأنثى أو يساويها؛ وأَمَّا أن تأخذ الأنثى ضعفَ الذَّكرِ فهذا خلاف قاعدة الفرائض التي أوجبها شرعُ اللَّه وحكمته؛ وقد عهدنا اللَّه سبحانه أعطى الأب ضعفَ ما أعطى الأم إذا انفرد الأبوان بميراث الولد، وساوى بينهما في وجود الولد، ولم يفضِّلها عليه في موضع واحد، فكان جعل الباقي بينهما بعد نصيبِ أحدِ الزوجين أثلاثًا هو الذي يقتضيه الكتاب والميزان؛ فإن ما يأخذه الزوج أو الزوجة من المال كأنه مأخوذٌ بدَيْنٍ أو وصية إذ لا قرابةَ بينهما، وما يأخذه الأبوان يأخذانه بالقرابة، فصارا هما المستقلين بميراث الولد بعد فرض الزوجين، وهما في طبقة واحدة، فقسم الباقي بينهما أثلاثًا.

стр. 931

فإن قيل: فههنا (١) سؤالان: أحدهما: أنكم هلَّا أعطيتموها ثلثَ جميع المال في مسألة زوجة وأبوين؛ فإن الزوجة إذا أخذتِ الرُّبعَ وأخذت هي الثلث كان الباقي للأب وهو أكثر من الذي أخذته، فوفيّتُم حينئذ بالقاعدة، وأعطيتموها الثلثَ كاملًا، والثاني: أنكم هلَّا جعلتم لها ثلثَ الباقي إذا كان بدل الأب في المسألتين جَدٌّ. قيل: قد ذهب إلى كل واحد من هذين المذهبين ذاهبون من السلف الطيب، فذهب إلى الأول محمد ابن سيرين (٢) ومَنْ وافقه، وإلى الثاني عبد اللَّه بن مسعود (٣)، ولكن أبى ذلك جمهورُ الصحابة والأئمة بعدهم، وقولُهم أصحُّ في الميزان وأقرب إلى دلالة الكتاب؛ فإنا لو أعطيناها (٤) الثلث كاملًا بعد فرض الزوجة (٥) كنّا قد خَرَجْنَا عن قاعدة الفرائض وقياسها (٦) وعن دلالة الكتاب، فإن الأب حينئذٍ يأخذ [رُبُعًا وسُدُسًا] (٧)، والأم لا تساويه ولا تأخذ شطره، وهي في طبقته، وهذا لم يشرعه اللَّه قط، ودلالة الكتاب لا تقتضيه؛ وأما في مسألة الجد فإن الجد أبعد منها، وهو يُحجَب بالأب، وليس في طبقتها فلا يُحجبُها عن شيء من حَقِّها، فلا يمكن أن تُعطى ثُلثَ الباقي ويُفضل الجد عليها بمثل ما تأخذ، فإنها أقرب منه، وليس في درجتها، ولا يمكن أن تُعطى السُّدس؛ فكان فرضها الثلث كاملًا. وهذا مما فهمه الصحابة ﵃ من النصوص بالاعتبار الذي هو في معنى

стр. 932

الأصل، أو بالاعتبار الأولى، أو بالاعتبار الذي فيه إلحاقُ الفرع بأشبه الأَصْلين به، أو تنبيه اللفظ، أو إشارته وفَحْواه، أو بدلالة التركيب، وهي ضَمُّ نص إلى نص آخر، وهي غير دلالة الاقتران، بل هي ألطف منها وأدق وأصح كما تقدم. فالقياس المحض والميزان الصحيح أنَّ الأم مع الأب كالبنت مع الابن والأخت مع الأخ؛ لأنهما ذكرٌ وأُنثى من جنس واحد، وقد أعطى اللَّه [سبحانه] (١) الزوجَ ضِعْفَ ما أعطى الزوجة تفضيلًا لجانب الذُكورية، وإنما عدل عن هذا في ولد الأم لأنهم يُدْلُون بالرحم المجرَّدِ ويُدْلُون بغيرهم وهو الأم، وليس لهم تعصيبٌ [بحال] (٢)، بخلاف الزوجين والأبوين والأولاد، فإنهم يُدْلُون بأنفسهم، وسائر العصبة يُدْلون بذكرٍ كولدِ البنين وكالإخوةِ للأبوين أو للأب، فإعطاءُ الذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأنثيين معتبرٌ فيمن يُدْلي بنفسه أو بعصبة؛ وأما مَنْ يُدلي بالأمومة كولد الأم فإنه لا يُفضَّلُ ذكرُهم على أنثاهم، وكان الذكر كالأنثى في الأخذ، وليس الذكر كالأنثى في باب الزوجية ولا في باب الأبوة ولا البنوة ولا الأخوة؛ فهذا هو الاعتبارُ الصحيحُ، والكتاب يدل عليه كما تقدم بيانه. وقد تناظر ابنُ عباس وزيد بن ثابت في العمريتين، فقال له ابن عباس: أين في كتاب اللَّه ثُلثُ ما بقي؟ فقال زيد: وليس في كتاب اللَّه إعطاؤها الثلث كله مع الزوجين (٣)، أو كما قال، بل كتابُ اللَّه يمنعُ إعطاءَها الثلث مع أحد الزوجين؛ فإنه لو أعطاها الثلثَ مع الزوج لقال: فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث، فكانت تستحقه مطلقًا، فلما خَصَّ الثلثَ ببعض الأحوال عُلم أنَّها لا تستحقه مطلقًا، ولو أعطيته مطلقًا لكان قولُه: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] زيادة في اللفظ ونقصًا في المعنى، وكان ذِكْرُه عديمَ الفائدة، ولا يمكن أن تُعطى السدس [لأنه إنما جُعلَ لها مع الولد أو الإخوة، فدل القرآن على أنها لا تُعطى السدس] (٤) مع أحد

стр. 933

الزوجين ولا تعطى الثلث؛ وكان قسمةُ ما بقي بعد فرض الزوجين بين الأبوين مثلَ قسمةِ أَصلِ المال بينهما، وليس بينهما فرقٌ أصلًا لا في القياس ولا في المعنى. فإن قيل: فهل هذه دلالةٌ خطابيةٌ لفظية أو قياسية محضة؟ قيل: هي ذات وجهين؛ فهي لفظيةٌ من جهةِ دلالةِ الخطاب، وضمِّ بعضه إلى بعض، واعتبارِ بعضِه ببعض؛ وقياسيةٌ من جهة اعتبار المعنى، والجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، وأكثر دلالات النصوص كذلك كما في قوله: "مَنْ أعتق شِرْكًا [له] في عبد" (١) وقوله: "أيما رجل وَجَدَ مَتَاعَه بعينِه عند رجلٍ قد أفْلَسَ فهو أحقُّ به" (٢) وقوله: "من باع شركًا له في أرض أو رَبْعة (٣) أو حائط (٤) " حيث يتناول الحوانيت؛ وقوله (٥): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] فخص الإناث باللفظ، إذ كُنَ سببَ النزول، فنَصَّ عليهن بخصوصهن، وهذا أصح من فَهْم من قال من أهل الظاهر: المرادُ بالمحصناتِ: الفروجُ المحصناتُ، فإن هذا لا يفهمه السامع من هذا اللفظ ولا من قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] ولا من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ

стр. 934

النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] ولا من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] بل هذا من عُرْف الشارع، حيث يُعبِّر باللفظ الخاص عن [المعنى] (١) العام، وهذا غير باب القياس؛ وهذا تارة يكون لكون اللفظ الخاص صار في العُرف عامًّا كقوله: ﴿لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (٢) [النساء: ٥٣] ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٣) [فاطر: ١٣] ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٤) [النساء: ٤٩، الإسراء: ٧١] ونحوه، وتارة لكونه قد عُلم بالضرورة من خطاب الشارع تعميمُ المعنى لكل ما كان مماثلًا للمذكور، وأن التَّعيين في اللفظ لا يُراد به التخصيص بل التمثيل، أو لحاجة المخاطب إلى تعيينه بالذكر، أو لغير ذلك من الحِكَم. فصل [مسألة ميراث الأخوات مع البنات] المسألة الثالثة: ميراث الأخوات مع البنات وأنهن عصبة؛ فإن القرآن يدل عليه كما أوجبته السنة الصحيحة (٥)، فإن اللَّه سبحانه قال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وهذا دليل على أن الأختَ ترثُ النِّصف مع عدم الولد، وأنه هو يرث المال كله مع عدم ولدها، وذلك يقتضي أن الأخت مع الولد لا يكون لها النِّصفُ مما ترك؛ إذ لو كان كذلك لكان قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] زيادة في اللفظ، ونقصًا (٦) في المعنى، وإيهامًا لغير المراد، فدل على أنَّها مع الولد لا ترثُ النصفَ، والولد إما ذكر وإما أنثى، [فأما

стр. 935

الذكر] (١) فإنه يُسْقطها كما يُسقط الأخ بطريق الأولى، ودل قوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] على أن الولدَ يُسقطه كما يسقطها، وأما الأنثى فقد دلَّ القرآنُ على أنها إنما تأخذ النصفَ ولا تمنع الأخ عن النصف الباقي إذا كانت بنت وأخ، بل دل القرآن مع السنة والإجماع أن الأخ يفوز بالنصف الباقي، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] وقال النبي ﷺ : "ألْحِقُوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأوْلى رجلٍ ذكرٍ" (٢) وليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت مع إناث الولد بغير جهة الفرض، وإنما صريحُه ينفي أن يكون فرضُها النصفَ مع الولد (٣)، فبقي ههنا ثلاثة أقسام: إما أن يُفرضَ لها أقل من النصف، وإما أن تُحرمَ بالكلية، وإما أن تكون عَصَبة، والأولُ مُحَال، إذ ليس للأخت فرضٌ مُقدر غير النصف، فلو فرضنا لها أقلَّ منه لكان ذلك وضع شرع جديد، فبقي إما الحِرمانُ وإما التعصيبُ (٤)، والحرمانُ لا سبيل إليه؛ فإنها وأخاها في درجة واحدة، وهي لا تُزاحم البنت (٥)، فإذا لم يسقط أخوها بالبنت لم تسقط هي بها أيضًا، فإنها لو سَقَطت بالبنت ولم يسقط أخوها بها لكان أقوى منها وأقربَ إلى الميت، وليس كذلك، وأيضًا فلو أسقطتها البنتُ إذا انفردت عن أخيها لأسقطتها مع أخيها، فإن أخاها لا يزيدُها قوةً، ولا يحَصِّلُ لها نفعًا في موضع واحد، بل لا يكون إلا مضرًا لها ضررَ نقصان أو ضرر حرمان، كما إذا خلَّفت زوجًا وأمًا وأخوين لأم وأختًا لأب وأم، فإنها يُفرض لها النصفُ عائلًا، وإن كان معها أخوها سَقَطَا معًا، ولا تنتفع به في الفرائض في موضع واحد؛ فلو أسقطتها البنتُ إذا انفردت لأسقطتها بطريق الأولى مع من يضعفها ولا يقويها؛ وأيضًا فإن البنت إذا لم تُسْقط ابنَ الأخ وابن العم [وابن عم الأب] (٦) والجد وإن بَعُد فأنْ (٧) لا تُسْقِطَ الأخت مع قربها بطريق الأولى، وأيضًا فإن قاعدة الفرائض إسقاط البعيد بالقريب، وتقديم الأقرب على الأبعد، وهذا عكس ذلك فإنه يقتضي (٨) تقديم الأبعد جدًا الذي بينه وبين الميت وسائط كثيرة على الأقرب الذي ليس بينه وبين الميت إلا واسطة الأب وحده، فكيف يرثُ ابنُ عمِّ جَدِّ الميت مثلًا

стр. 936

مع البنت وبينه وبين الميت وسائط كثيرة وتُحرم الأخت القريبة التي ركَضَتْ معه في صُلْب أبيه ورحم أمه؟ هذا من المحال الممتنع شرعًا؛ فهذا من جهة الميزان. وأما من جهة فهم النص فإن اللَّه سبحانه قال في الأخ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] ولم يمنع ذلك ميراثه منها إذا كان الولد أنثى، فهكذا قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] لا ينفي أن ترث غيرَ النصف مع إناث الولد أو ترث (١) الباقي إذا كان نصفًا؛ لأن هذا غير الذي أعطاها إياه فرضًا مع عدم الولد، فتأمله فإنه ظاهر جدًا؛ وأيضًا فالأقسام ثلاثة: * إما أن يقال: يُفرضُ لها النصف مع البنت. * أو يقال: تَسقطُ معها بالكلية. * أو يقال: تأخذ ما فَضَلَ بعد فَرْضِ البنت أو البنات. والأول ممتنع للنص والقياس، فإن اللَّه سبحانه إنما فرض لها النصفَ مع عدم الولد، فلا يجوز إلغاءُ هذا الشرط وفَرْضُ النصف لها مع وجوده، واللَّه سبحانه إنما أعطاها النصف إذا كان الميتُ كَلَالة لا ولدَ له ولا والد، فإذا كان له ولد لم يكن الميتُ كلالةً فلا يفرض لها معه [منه] (٢)؛ وأما القياس فإنها لو فُرض لها النصف مع وجود البنت لنقصت البنت عن النصف إذا عالت الفريضة [كزوجة أو زوج] (٣) وبنت وأخت [وإخوة] (٤)، والإخوة لا يزاحمون الأولاد لا بفرضٍ ولا تعصيب، فإن الأولاد أولى منهم، فبطل فرض النصف، وبطل سقوطها بما ذكرناه؛ فتعين القسم الثالث وهو أن تكون عصبة لها ما بقي، وهي أولى به من سائر العصَبَات الذين هم أبعد منها؛ وبهذا جاءت السنة الصحيحة الصريحة التي قضى بها رسول اللَّه ﷺ ؛ فوافَقَ قضاؤه كتابَ ربه والميزانَ الذي أنزله (٥) مع كتابه؛ وبذلك قضى الصحابةُ بعده كابن مسعود ومُعاذ بن جبل وغيرهما. فإن قيل: لكن خرجتم عن قوله ﷺ : "ألحقُوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فلأوْلى رجلٍ ذكرٍ" (٦) فإذا أعطينا البنت فرضها وجب أن يُعطى الباقي لابن الأخ

стр. 937

أو العم أو ابنه دون الأخت؛ فإنه رجل ذكر، فأنتم عدَلتم عن هذا النص وأعطيتموه الأنثى، فكنا أسعدَ بالنص منكم، وعملنا به وبقضاء رسول اللَّه ﷺ حيث أعطى البنتَ النصفَ وبنتَ الابن السدسَ والباقي للأخت إذا لم يكن هناك أولى رجل ذكر (١)، فكانت الأختُ عصبةَ، وهذا توسط بين قولكم و [بين] (٢) قول من أسقط الأخت بالكلية، وهذا مذهب إسحاق بن راهويه، وهو اختيار أبي محمد بن حزم (٣)، وسقوطها بالكلية مذهب ابن عباس كما قال عبد الرزاق: أنبا معمر، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة: قيل لابن عباس: رجلٌ تَركَ ابنته وأخته لأبيه وأمه، فقال: لابنته (٤) النصفُ ولأمهِ السدسُ وليس لأخته شيءٌ مما ترك، وهو لعصبته، فقال له السائل: إنّ عُمر قضى بغير ذلك، جَعلَ للبنتِ النصفَ، وللأختِ النصفَ، فقال ابنُ عباس: أأنتم أعلم أم اللَّه؟ قال معمر: فذكرت ذلك لابن طاوس، فقال [لي] (٢): أخَبَرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: قال اللَّه : ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فقلتم أنتم: لها النصفُ، وإن كان له ولد (٥)، وقال ابنُ أبي مُليكة، عن ابن عباس: أَمرٌ ليس في كتاب اللَّه ولا في قضاءِ رسولِ اللَّه ﷺ وستَجِدُونه في الناس كُلِّهم: ميراثُ الأخت مع البنت (٦). فالجواب أن نصوص رسول اللَّه ﷺ كلها حق يُصدِّقُ بعضُها بعضًا ويجب الأخذُ بجميعها، ولا يُترك له نصٌ إلا بنص آخر ناسخ له، لا (٧) يُترك بقياسٍ ولا رأي ولا عملِ أهلِ بلدٍ ولا إجماع، ومحال أن تُجمعَ الأمةُ على خلاف نص له إلا أن يكون له نص آخر ينسخه؛ فقوله ﷺ : "فما أبْقَتِ الفرائضُ فلأوْلى رجلٍ

стр. 938

ذكرٍ" (١) عامٌّ قد خص منه قوله: "تَحُوزُ المرأة ثلاثَ مواريث: عتيقَها، ولقيطَها، وولدَهَا الذي لاعَنَتْ عليه" (٢) وأجمع الناسُ على أنها عَصبة عتيقها، واختلفوا في كونها عصبة لقيطها وولدها المنفي باللعان، وسُنَّةُ رسولِ اللَّه ﷺ تقضي (٣) بين المتنازعين، فإذا خُصَّت منه هذه الصور بالنص (٤) وبعضها مجمعٌ عليه خصت منه هذه الصورة لما ذكرناه من الدلالة (٥). فإن قيل: قولُه: "فلأولى رجل ذكر" إنما هو في الأقارب الوارثين بالنسب وهذا لا تخصيص فيه (٦). قيل: فأنتم تقدمون المعتق على الأخت مع البنت، وليس من الأقارب، فخالفتم النصين معًا، وهو ﷺ قال: "فلأولى رجل ذكر" فأكده بالذكورة ليبين أن العاصب بنفسه المذكور هو الذكر دون الأنثى، وأنه لم يرد بلفظ الرجل ما يتناول الذكر والأنثى كما في قوله: "مَنْ وَجَدَ متاعَهُ عند رجل قد أفلس" (٧) ونحوه مما يُذكر فيه لفظ الرجل والحكمُ يعمُّ النوعين، وهو نظير قوله في حديث الصدقات: "فابْنُ لَبُونٍ ذكر" (٨) ليبين أن المراد الذكر دون الأنثى، ولم يتعرض في الحديث

стр. 939

للعاصب بغيره، فدلَّ قضاؤه الثابتُ عنه في إعطاء الأخت مع البنت وبنت الابن (١) ما بقي أن (٢) الأخت عصبة بغيرها، فلا تنافي بينه وبين قوله: "فلأولى رجل ذكر" بل هذا إذا لم يكن ثَّمَّ عصبة بغيره، بل كان العصبة عصبة بأنفسهم، فيكون أولاهُم وأقربُهم إلى الميت أحقهم بالمال؛ وأما إذا اجتمع العصبتان (٣) فقد دلَّ حديثُ ابن مسعود الصحيح أن تعصيب الأخت أولى من تعصيب مَنْ هو أبعدُ منها، فإنه أعطاها الباقي ولم يعطه لابن عمه مع القطع (٤)، فإن العرب بَنُو عم بعضُهم لبعض، فقريب وبعيد، ولا سيما إن كان ما حكاهُ ابنُ مسعود من قَضَاء رسول اللَّه ﷺ قضاء عامًا كليًا، فالأمر حينئذ يكون أظهر وأظهر. فصل [صحة قول الجمهور في مسألة ميراث الأخوات] ومما يبين صحة قول الجمهور أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] إنما يدل منطوقُه على أنها تَرِثُ النصف مع عدم الولد، والمفهوم إنما يقتضي أن الحكم في المسكوت ليس مماثلًا للحكم في المنطوق، فإذا كان فيه تفصيلٌ حصل بذلك مقصود المخالفة، فلا يجب أن تكون كل صورة من صُوَر المسكوت مخالفة لكل صور المنطوق، ومَنْ تَوَهم ذلك فقد توهم باطلًا، فإن المفهوم إنما يدل بطريق التعليل أو بطريق التخصيص، والحكم إذا ثبت لعلةٍ فانتفت في بعض الصور أو جميعها جاز أن يخلُفها علةٌ أخرى. وأما قصد التخصيص فإنه يحصل بالتفصيل، وحينئذ فإذا نَفَيْنَا إرْثَهَا مع ذكور

стр. 940

الولد ونفينا (١) إرثَها النصفَ [فرضًا] (٢) مع إناثهم وَفَّينا بدليل الخطاب. فصل [المراد بأولى رجل ذكر في المواريث] ومما يبين أن المراد بقوله؛ "فلأولى رجل ذكر" العصبةُ بنفسه لا بغيره أنه لو كان بعد الفرائض إخوةٌ وأخواتٌ أو بَنُون وبنات [أو بنات] ابن وبنو ابن لم ينفرد الذكر (٣) بالباقي دون الإناث بالنص والإجماع، فتعصيبُ الأختِ بالبنت كتعصيبها بأخيها؛ فإذا لم يكن قوله: "فلأولى رجل ذكر" موجبًا لاختصاص أخيها دونها لم يكن موجبًا لاختصاص ابن عم الجد (٤) بالباقي دونها. يوضحه أنه لو كان معها أخوها لم تسقط، وكان الباقي بعد فرض البنات بينها وبين أخيها هذا، وأخوها أقربُ إلى الميت من الأعمام وبنيهم، فإذا لم يُسقطها [الأخ] (٥) فَلأن لا يُسقطها ابنُ عم الجد بطريق الأولى والأحْرَى، وإذا لم يسقطها ورثت دونه، لكونها أقْرَبَ منه، بخلاف الأخ فإنها تشَاركه (٦)، لاستوائهما في القرب من الميت، فهذا مَحْضُ القياس والميزان الموافق لدلالة الكتاب ولقضاء النبي ﷺ (٧)؛ وعلى هذا الطريق فلا تخصيص في الحديث، بل هو على عُمومِه، وهذه الطريقة (٨) أفْقَه وألطف. يوضح ذلك أن قاعدة الفرائض أن جنس أهل الفروضِ فيها مُقَدَّمون على جنس العصبة، سواء كان ذا فَرْضٍ مَحْض أو كان له مع فَرْضِه تعصيبٌ في حال إما بنفسه وإما بغيره، والأخَوات من جنس أهل الفرائض؛ فيجب تقديمهنَّ على من هو أبعد منهن ممن لا يرث إلا بالتعصيب المحض كالأعمام وبنيهم وبني الإخوة، والاستدلال بهذا الحديث على حرمانِهنّ مع البناتِ كالاستدلال على حرمانِهنَّ مع إخوتِهنَّ وحرمانِ بناتِ الابن، بل البنات أنفسهن مع إخوتهن، وهذا (٩) باطلٌ بالنص، والإجماع، فكذا الآخر. ومما يوضحه أنا رأينا قاعدة الفرائض أن البعيد من العَصَبات يعصبُ من هو

стр. 941

أقرب منه إذا لم يكن له فرضٌ، كما إذا كان بناتٌ وبناتُ ابنِ وأسفل منهن ابنُ ابنِ ابنٍ فإنه يعصبُهن فيحصل (١) لهن الميراث بعد أنْ كُنَّ محروماتٍ، وأما أن البعيد من العَصَبَات يمنع الأقرب من الميراث بعد أن كان وارثًا فهذا ممتنع شرعًا وعقلًا، وهو عكس قاعدة الشريعة، واللَّه الموفق. وفي الحديث مسلك آخر، وهو، أن قولَه: "ألحقوا الفرائض بأهلها" المراد به من كان من أهلها في الجملة، وإن لم يكن في هذه الحال من أهلها كما في اللفظ الآخر: "اقْسِمُوا المالَ بين أهل الفرائض" (٢) وهذا أعم من كونه من أهل الفرائض بالقوة أو بالفعل، فإذا كانوا كلهم من أهل الفرائض بالفعل كان الباقي للعصبة، وإن كان فيهم مَنْ هو من أهلِ الفرائضِ بالقوةِ وإن حُجب عن الفرضِ بغيره دَخَلَ في اللفظ الأول وإن لم يكن لأولى رجلٍ ذكر معه شيءٌ، وإنما يكون له إذا كان أهل الفرائض مطلقًا معدومين، واللَّه أعلم. فصل [ميراث البنات] المسألة الرابعة: ميراث البنات، وقد دلَّ صريحُ النص على أن للواحدة النصف ولأكثر من اثنتين الثلثين، بقي الثِّنْتان (٣)، فأشْكَلَ دلالة القرآن على حكمهما على كثير من الناس، فقالوا: إنما أثبتناه بالسنة الصحيحة، وقالت طائفة: بالإجماع، وقالت طائفة: بالقياس على الأختين. قالوا: واللَّه سبحانه نصَّ على الأختينِ دون الأَخوات، ونص على البنات دون البنتين، فأخذنا حكم كل واحدة من الصورتين المسكوت عنها من الأخرى. وقالت طائفة: بل أُخذ من نص (٤) القرآن، ثم تنوعت طرقهم في الأخذ: فقالت طائفة: أخذناه من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فإذا أخذ الذكرُ الثلثين والأنثى الثلثَ عُلم قطعًا أن حظ الأنثيين الثلثان، وقالت طائفة: إذا كان للواحدة مع الذكر الثلثُ، لا الربع،

стр. 942

فلأن (١) يكون لها الثلث مع الأنثى أوْلى وأحْرَى، وهذا من تنبيه النص بالأدنى على الأعلى، وقالت طائفة: أخذناه من قوله سبحانه (٢): ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] فقيد النِّصفَ بكونها واحدةً، فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا في حال وَحْدَتها، فإذا كان معها مثلُها فإما أن تُنقصَها عن (٣) النصفِ وهو محالٌ أو يشتركان فيه وذلك يُبطلُ الفائدةَ في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١١]، ويجعلُ ذلك لغوًا مُوهِمًا خلافَ المراد به وهو محال، فتعين القسم الثالث وهو انتقالُ الفرضِ من النصف إلى ما فوقه وهو الثُلثان. فإن قيل: فأيُّ فائدةٍ [في التقييد بقوله] (٤): ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١] والحكمُ لا يختص بما فوقهما؟ قيل: حسنُ ترتيب الكلامِ وتأليفهِ ومطابقةِ مضمرِه لظاهره أوجبَ ذلك؛ فإنه سبحانه قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، فالضمير في ﴿كُنَّ﴾ مجموعٌ يطابق الأولاد، أي: فإن كان الأولادُ نساءً فذكر لفظ الأولاد وهو جمع ﴿كُنَّ﴾ (٥) وهو ضمير جمع، و ﴿نِسَاءً﴾ وهو اسم جمع، فلم يكن بد من فوق اثنتين، وفيه نكتة أخرى، وهي (٦) أنه سبحانه قد ذكر ميراثَ الواحدةِ نصًا وميراث الثنتين تنبيهًا كما تقدم، فكان في ذكر العدد الزائد على الاثنتين دلالة على أن الفرضَ (٧) لا يزيدُ بزيادتِهنَّ على الاثنتين كما زاد بزيادة الواحدة على الأخرى. وأيضًا فإن ميراثَ الاثنتين قد عُلم من النص، فلو قال: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] كان تكرارًا (٨) ولم يُعلم منه حكم ما زاد عليهما، فكان ذكر الجمع في غاية البيان والإيجاز، ومطابقة أولُ الكلام وآخرُه وحسن تأليفه وتناسبه. وهذا بخلاف سياق آخر السورة فإنه قال: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، فلم يتقدم اسمُ جمعٍ ولا ضميرُ جمع يقتضي أن يقول: فإن كُنَّ [نساءً] (٩) فوق اثنتين.

стр. 943

وقد ذَكَر ميراثَ الواحدةِ وأنه النصفُ، فلم يكن بُدّ من [ذكر] (١) ميراث الأختين وأنه الثلثان؛ لئلا يُتوهَّم أن الأخرى إذا انضمت إليها أخذت نصفًا آخر، ودل تشريكُه بين البنات وإن كَثُرن [في الثلثين] (٢) على تشريكه بين الأخوات وإن كثرن [في ذلك] (٢) بطريق الأولى؛ فإن البناتِ أقربُ من الأخواتِ ويُسقطنَ فرضهن؛ فجاء بيانُه سبحانه في كُلِّ من الآيتين من أحسن البيان، فإنه لما بَيَّن ميراث الاثنتين (٣) بما تقرر بين ميراث ما زاد عليهما، وفي آية الإخوة والأخوات لمَّا بين ميراثَ الأخت والأختين لم يحتج أن يبين ميراث ما زاد عليهما؛ إذ قد عُلمَ بيانُ الزائد على الاثنتين في مَنْ هن (٤) أوْلى بالميراث من الأخوات، ثم بيَّن حُكمَ اجتماع ذكورهم وإناثهم، فاستوعب بيانُه جميعَ الأقسام. فصل المسألة الخامسة: ميراث بنت الابن السدس مع البنت، وسقوطها إذا استكمل البناتُ الثلثين (٥)، ودلالة القرآن على هذا أخفى من سائر ما تقدم، وبيانها أنه تعالى (٦) قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] وقد عُلم أن الخطاب يتناول ولد البنين، دون ولد البنات، وأن قوله: ﴿أَوْلَادِكُمْ﴾ يتناول مَنْ ينتسب إلى الميت وهم ولدُه وولدُ بنيه، وأنه يتناولُهم على الترتيب، فيدخل فيه ولدُ البنين عند عدم ولد الصُّلبِ؛ فإذا لم يكن إلا بنتٌ فلها النصف، وبقي من نصيبِ البناتِ السدسُ، فإذا كان ابنُ ابنٍ (٧) أَخذَ الباقي كله بالتعصيب للنص، فإن كان معه أخَواته شاركْنَه في الاستحقاق لأنهن معه عصبة، وهذ أحد ما يدل على [أن] (١) قوله: "فلأولى رجلٍ ذكر" (٨) لا يمنع أن تأخُذ الأنثى إذا كانت عصبية (٩) بغيرها؛ ولهذا أخذت الأختُ مع البنت الباقيَ بالتعصيب، لأنها عصبية (٩) بها، وإن لم يكن مع البنت إلا بناتُ ابنٍ فقد كنَّ بصَدَد أخذ الثلثين لولا البنتُ، فإذا أخذت النصف فالسدس الباقي لا مانع لهن من أخذه فيفُزنَ به؛ ألا ترى أنه إذا استكمل البنات الثلثين لم يكن لهن

стр. 944

شيءٌ، ولو لم يكن بناتٌ أخذنَ جميع الثلثين، فإذا قُدِّمت البنت عليهن بالنصف أخذن بقية الثلثين اللذين كُنَّ يفزن بهما جميعًا لولا البنت، وهذا حكم النبي ﷺ [سواء] (١). فإن قيل: فمن أين أعطيتم بناتِ الابنِ إذا استكمل البناتُ الثلثين وكان معهن أخوهن، والنبي ﷺ جعل الباقي لأولى رجلٍ ذَكَر؟ قيل: قد تقدم بيان ذلك مستوفى، وأن هذا حكم كل عصبة معه وارث من جنسه في درجته كالأولاد والإخوة بخلاف الأعمام وبني الإخوة. فإن قيل: فكيف عَصَّبَ ابنُ ابنِ الابنِ مَنْ فوقه وليس في درجته؟ قيل: إذا كان يَعصبُ مَنْ [هو] (٢) في درجته مع أنه أنزلُ ممن فوقه ولا يُسقطه فتعصيبه لمن (٣) هو فوقه وأقرب منه إلى الميت بطريق الأولى؛ فإذا كان الأنْزلُ لا يقوى هو على إسقاطه فكيف يقوى على إسقاط (٤) الأعلى (٥)؟ على أن عبد اللَّه بن مسعود لا يُعصِّبُ به مَنْ في درجته ولا من فوقه، بل يخصه بالباقي (٦). ووجه قوله

стр. 945

أنَّها لا ترث مفردةٌ (١) فلا ترث مع أخيها، كالمحجوبة برقِّ أو كفرٍ، بخلاف ما إذا كانت وارثةً كبنتٍ وبنتِ ابنٍ معها أخوها فإنه يعصبها اتفاقًا لأنها وارثةٌ. وقولُ الجمهور (٢) أصحُّ، فإنها وارثة في الجملة، وهي ممن يستفيدُ التعصيب بأخيها. وهنا إنَّما سقط ميراثها بالفرض لاستكمال من فوقها الثلثين، ولا يلزم من سقوطِ الميراثِ بالفرض سقوطه بالتعصيب مع قيام مُوجبهِ وهو وجودُ الأخِ، [وإذا كان وجودُ الأخِ] (٣) يجعلُها عصبةً فيمنعها الميراثَ بالكلية ولولاه وَرِثت بالفرضِ وهو الأخُ المشئوم فالعَدْل يقتضي أن يجعلَها عصبةً فيورِّثَها إذا لم ترث بالفرض وهو الأخُ النافعُ، فهذا محض القياس والميزان، وقد فهمت دلالة الكتاب عليه. والنزاعُ في الأختِ للأب مع الأختِ أو الأخواتِ للأبوين كبنتِ الابنِ مع البنتِ والبناتِ (٤) سواء، وباللَّه التوفيق. فصل [ميراث الجد مع الإخوة] المسألة السادسة: ميراث الجد مع الإخوة، والقرآن يدل على قول (٥) الصدِّيق ومَنْ معه من الصحابة كأبي موسى وابن عباس وابن الزبير وأربعة عشر منهم ﵃ (٦)، ووجه دلالة القرآن على هذا القول قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ]﴾ (٧) [النساء: ١٧٦] إلى آخر الآية، فلم يجعل للإخوة ميراثًا إلا في الكلالة.

стр. 946

وقد اختلف الناس في الكلالة، والكتابُ يدل على قول الصِّدِّيق أنها ما عدا الوالد والولد (١)، فإنه سبحانه قال في ميراثِ وَلدِ الأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] فسَوَّى بين ميراث الإخوة في الكَلالةِ وإنْ فرَّق بينهم في جهةِ الإرثِ ومقداره، فإذا كان وجودُ الجدِّ مع الإخوة للأم لا يُدْخِلهم في الكلالة، بل يمنعهم من صِدْقِ اسم الكلالة على الميت أو عليهم أو على القرابة، فكيف أُدخل ولد الأب في الكلالة ولم يمنعهم وجودُه صدقَ اسمها؟ وهل هذا إلا تفريقٌ محض بين ما جمع اللَّه بينه؟ يوضحه الوجه الثاني، وهو أن ولد الولد يمنع الإخوة من الميراث، ويخرج المسألة عن كونها كلالة؛ لدخوله في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] ونسبة أبي (٢) الأبِ إلى الميت كنسبةِ ولدِ ولده إليه، فكما أن الولَد وإن نَزَلَ يُخرج المسألة عن الكلالة فكذلك أبو (٢) الأب وإن علا، ولا فرق بينهما ألبتة. يوضحه الوجه الثالث، [وهو] (٣) أن نسبة الإخوة إلى الجد كنسبة الأعمام إلى أبي الجد، فإن الأخَ ابنُ الأب والعم ابن الجد، فإذا خَلَفَ عَمَّه وأبا جده فهو كما لو خلف أخاه وجدَّه سواء، وقد أجمع المسلمون على تقديم أبي (٢) الجد على العم، فكذلك يجب تقديم الجد على الأخ، وهذا من أبين القياس وإن لم يكن هذا قياسًا جليًا فليس في الدنيا قياسٌ جلي! يوضحه الوجه الرابع، وهو أن نسبة ابن الأخ إلى الأخ كنسبة أبي (٢) الجد إلى الجد، فإذا قال الأخ: أنا أرِثُ (٤) مع الجد لأني ابنُ أبي (٢) الميت والجد أبو أبيه (٥) فكِلانا في القُرب إليه سواء، صاحَ ابنُ الأخِ مع أبي (٢) الجد (٦) وقال: أنا ابنُ ابنِ أبي (٢) الميت فكيف حَرَمتموني مع أبي أبي أبيه ودرجَتُنا واحدة؟ وكيف

стр. 947

سمعتم قول أبي مع الجدِّ ولم تسمعوا قولي مع أبي الجد؟ فإن قيل: أبو الجدِّ جَدٌ وإنْ علا، وليس ابنُ الأخ أخًا. قيل: فهذا حجةٌ عليكم؛ لأنه إذا كان أبو الأب أبًا، و [أبو] الجدِّ جدًا، فما للإخوة ميراثٌ مع الأب بحال. فإن قلتم: نحن نجعل أبا الجَدِّ جدًا، ولا نجعل أبا الأب أبًا. قيل: هكذا فعلتم، وفرَّقتم بين المتماثلين، وتناقضتم أبين تناقض، وجعلتموه أبًا في موضع وأخرجتموه عن الأبوة في موضع. يوضحه الوجه الخامس، وهو أن نسبة الجد إلى الأب في العَمُود الأعلى كنسبة ابنِ الابنِ إلى الابن في العمود الأسفل، فهذا أبو أبيه، وهذا ابنُ ابنهِ، فهذا يُدْلي إلى الميت بأبي الميت (١)، وهذا يُدلي إليه بابنهِ، فكما كان ابنُ الابنِ ابنًا فكذلك يجب أن يكون أبو الأب أبًا، فهذا هو الاعتبار الصحيح من كل وجه وهذا معنى قول ابن عباس: ألَا يَتَّقي اللَّه زيدٌ؟ يجعل ابنَ الابن ابنًا ولا يجعل أبا الأب أبًا؟ (٢) يوضحه الوجه السادس، وهو أن اللَّه سبحانه سَمَّى الجَدَّ أبًا في قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقوله: ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)﴾ [الشعراء: ٧٦] وقول يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] وفي حديثِ المعراج: "هذا أبوك آدم، وهذا أبوك إبراهيم" (٣) وقال النبي ﷺ لليهود: "مَنْ أبوكم؛ قالوا: فلانٌ، قال: كذبتم، بل أبوكم فلانٌ، قالوا: صدقتَ" (٤) وسَمَّى ابنَ الابنِ ابنًا كما في قولهْ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] و ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٧] وقول النبي ﷺ : "ارْمُوا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا" (٥) والأبوةُ والبنوةُ من الأمور المتلازمة المتضايفة

стр. 948

يمتنع ثبوت أحدهما بدون الآخر، فيمتنع ثبوتُ بنوَّةِ الابنِ (١) إلا مع ثبوت الأبوَّةِ لأبي الأب. يوضحه الوجه السابع، وهو أن الجد لو مات ورثه بنو بنيه دون إخوته باتفاق الناس، فهكذا الأب إذا مات يرثه أبو أبيه دون إخوته، وهذا معنى قول عمر بن الخطاب لزيد: كيف يرثني أولادُ عبدِ اللَّه دون إخوتي ولا أرثهم دون إخوتهم؟ (٢) فهذا هو القياس الجلي والميزان الصحيح الذي لا مغمزَ فيه ولا تطفيف. يوضحه الوجه الثامن، [وهو] (٣) أن قاعدة الفرائض وأصولها [أنه] (٤) إذا كان

стр. 949

قرابةُ المُدْلي من الواسطة من جنس قرابة الواسطة كان أقوى مما إذا اختلف جنس القرابتين، مثال ذلك أن الميت يُدْلي إليه ابنُه بقرابة البنوَّة، وأبوهُ يُدْلي إليه بقرابة الأبوة، فإذا أدلى إليه واحد ببنوَّةِ البنوة وإنْ بعُدت كان أقوى ممن يدلي إليه بقرابة بنوة الأبوة وإن قربت، فكذلك قرابةُ أبوة الأبوة وإن عَلَتْ أقوى من قرابة بنوة الأب وإنْ قرُبت، وقد ظهر اعتبار هذا في تقديم جَدِّ الجد، وإن عَلا على ابنِ الأخِ وإن قَرُب وعلى العم؛ لأن القرابة التي يُدْلي بها الجد من جنسٍ واحد وهي الأبوة، والقرابة التي يدلي بها الأخ وبَنُوه من جنسين وهي بنوة الأبوة، ولهذا قُدِّمت قرابةُ ابنِ الأخ على قرابة ابن الجد؛ لأنها قرابةُ بنوةِ أبٍ، وتلك قرابةُ بنوةِ أبي أب، فبين ابنُ (١) الأخ فيها وبين الميت جنسٌ واحد وهي الأخوةُ، فبواسطتها وَصَل إليه، بخلاف العم فإن بينه وبينه جنسين (٢) أحدهما الأبوة والثاني بنوتها، وعلى هذه القاعدة بناء [باب] (٣) العَصَبات. يوضحه الوجه التاسع، وهو أن كُلَّ بني أبٍ أدنى وإن بَعدُوا عن الميت يُقَدَّمون في التعصيب على بني الأبِ الأعلى وإن كانَوا أقربَ إلى الميت، فابنُ ابنِ ابنِ الأخ يُقدَّم على العَمِّ القريب، وابنُ ابنِ ابنِ العَمِّ وإن نزل يُقدَّم على عَمّ الأبِ، وهذا مما يبين أن الجنس الواحد يقومُ أقصاه مقام أدناه، ويقدَّم الأقصى على من يقدم عليه الأدنى، فيُقدم ابنُ ابنِ الابنِ على من يقدم عليه الابنُ، وابن ابن الأخ على من يُقدَّم عليه الأخُ، وابن ابن العم على من يقدم عليه العم، فما بال أبي (٤) الأب وحدَه خرج عن (٥) هذه القاعدة ولم يقدم على من يقدم عليه الأب؟ وبهذا يظهر بطلان تمثيل الأخ والجد بالشجرة التي خرج منها غصنان والنهر الذي خرج منه ساقيتان (٦)، فإن القرابة التي من جنس واحد أقوى من القرابة المركبة من جنسين؛ وهذه القرابة البسيطة مقدمة على تلك المركبة بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار الصحيح، ثم قياس القرابة على القرابة والأحكام الشرعية على مثلها أولى من قياس قرابة الآدميين على الأشجار والأنهار مما ليس في الأصل حكم شرعي، ثم نقول: بل النهر الأعلى أولى بالجَدْول من الجدول التي (٧) اشتق

стр. 950

منه، وأصل الشجرة أولى بغصنها من الغصن الآخر، فإن هذا صِنْوه ونظيره الذي لا يحتاج إليه، وذلك أصله وحاكمله الذي يحتاج إليه، واحتياج الشيء إلى أصله أقوى من احتياجه إلى نظيره، فاصلُه أولى به من نظيره. يوضحه الوجه العاشر، [وهو] (١) أن هذا القياس لو كان صحيحًا لوجَبَ طَرْدُه، ولما انتقض، فإن طرده تقديم الإخوة على الجد، فلما اتفق المسلمون على بطلان طَرْده علم أنه فاسد في نفسه. يوضحه الوجه الحادي عشر، [وهو] (١) أن الجد يقوم مقام الأب في التعصيب في كل سورة من صُوره، ويُقدَّم على كل عصبة يقدم عليه الأب، فما الذي أوجب استثناء الإخوة خاصة من هذه القاعدة؟ يوضحه الوجه الثاني عشر، [وهو] (١) أنه إن كان الموجِبُ لاستثنائهم قربهم (٢) وجب تقديمهم عليه، وإن كان مساواتهم له في القرب وجب اعتبارهم (٣) في بنيهم وآبائه لاشتراكهم في السبب الذي اشترك فيه هو والإخوة، وهذا مما لا جوابَ [لهم] (٤) عنه. يوضحه الوجه الثالث عشر، وهو أنه قد اتفق الناس على أن الأخَ لا يُساوي الجد، فإن لهم قولين: أحدهما: تقديمُه (٥) عليه، والثاني: توريثُه معه، والمورِّثون لا يجعلونه كأخ مطلقًا، بل منهم مَنْ يقاسم به الإخوة إلى الثلث (٦)، ومنهم من يُقاسمهم به إلى السدس (٧)، فإن نَقَصَتْه المقاسمةُ عن ذلك أعطوه إياه فرضًا
следующие страницы →