← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وقد اختلف الناس في الكلالة، والكتابُ يدل على قول الصِّدِّيق أنها ما عدا الوالد والولد (١)، فإنه سبحانه قال في ميراثِ وَلدِ الأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] فسَوَّى بين ميراث الإخوة في الكَلالةِ وإنْ فرَّق بينهم في جهةِ الإرثِ ومقداره، فإذا كان وجودُ الجدِّ مع الإخوة للأم لا يُدْخِلهم في الكلالة، بل يمنعهم من صِدْقِ اسم الكلالة على الميت أو عليهم أو على القرابة، فكيف أُدخل ولد الأب في الكلالة ولم يمنعهم وجودُه صدقَ اسمها؟ وهل هذا إلا تفريقٌ محض بين ما جمع اللَّه بينه؟ يوضحه الوجه الثاني، وهو أن ولد الولد يمنع الإخوة من الميراث، ويخرج المسألة عن كونها كلالة؛ لدخوله في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] ونسبة أبي (٢) الأبِ إلى الميت كنسبةِ ولدِ ولده إليه، فكما أن الولَد وإن نَزَلَ يُخرج المسألة عن الكلالة فكذلك أبو (٢) الأب وإن علا، ولا فرق بينهما ألبتة. يوضحه الوجه الثالث، [وهو] (٣) أن نسبة الإخوة إلى الجد كنسبة الأعمام إلى أبي الجد، فإن الأخَ ابنُ الأب والعم ابن الجد، فإذا خَلَفَ عَمَّه وأبا جده فهو كما لو خلف أخاه وجدَّه سواء، وقد أجمع المسلمون على تقديم أبي (٢) الجد على العم، فكذلك يجب تقديم الجد على الأخ، وهذا من أبين القياس وإن لم يكن هذا قياسًا جليًا فليس في الدنيا قياسٌ جلي! يوضحه الوجه الرابع، وهو أن نسبة ابن الأخ إلى الأخ كنسبة أبي (٢) الجد إلى الجد، فإذا قال الأخ: أنا أرِثُ (٤) مع الجد لأني ابنُ أبي (٢) الميت والجد أبو أبيه (٥) فكِلانا في القُرب إليه سواء، صاحَ ابنُ الأخِ مع أبي (٢) الجد (٦) وقال: أنا ابنُ ابنِ أبي (٢) الميت فكيف حَرَمتموني مع أبي أبي أبيه ودرجَتُنا واحدة؟ وكيف

стр. 947

سمعتم قول أبي مع الجدِّ ولم تسمعوا قولي مع أبي الجد؟ فإن قيل: أبو الجدِّ جَدٌ وإنْ علا، وليس ابنُ الأخ أخًا. قيل: فهذا حجةٌ عليكم؛ لأنه إذا كان أبو الأب أبًا، و [أبو] الجدِّ جدًا، فما للإخوة ميراثٌ مع الأب بحال. فإن قلتم: نحن نجعل أبا الجَدِّ جدًا، ولا نجعل أبا الأب أبًا. قيل: هكذا فعلتم، وفرَّقتم بين المتماثلين، وتناقضتم أبين تناقض، وجعلتموه أبًا في موضع وأخرجتموه عن الأبوة في موضع. يوضحه الوجه الخامس، وهو أن نسبة الجد إلى الأب في العَمُود الأعلى كنسبة ابنِ الابنِ إلى الابن في العمود الأسفل، فهذا أبو أبيه، وهذا ابنُ ابنهِ، فهذا يُدْلي إلى الميت بأبي الميت (١)، وهذا يُدلي إليه بابنهِ، فكما كان ابنُ الابنِ ابنًا فكذلك يجب أن يكون أبو الأب أبًا، فهذا هو الاعتبار الصحيح من كل وجه وهذا معنى قول ابن عباس: ألَا يَتَّقي اللَّه زيدٌ؟ يجعل ابنَ الابن ابنًا ولا يجعل أبا الأب أبًا؟ (٢) يوضحه الوجه السادس، وهو أن اللَّه سبحانه سَمَّى الجَدَّ أبًا في قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقوله: ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)﴾ [الشعراء: ٧٦] وقول يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] وفي حديثِ المعراج: "هذا أبوك آدم، وهذا أبوك إبراهيم" (٣) وقال النبي ﷺ لليهود: "مَنْ أبوكم؛ قالوا: فلانٌ، قال: كذبتم، بل أبوكم فلانٌ، قالوا: صدقتَ" (٤) وسَمَّى ابنَ الابنِ ابنًا كما في قولهْ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] و ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٧] وقول النبي ﷺ : "ارْمُوا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا" (٥) والأبوةُ والبنوةُ من الأمور المتلازمة المتضايفة

стр. 948

يمتنع ثبوت أحدهما بدون الآخر، فيمتنع ثبوتُ بنوَّةِ الابنِ (١) إلا مع ثبوت الأبوَّةِ لأبي الأب. يوضحه الوجه السابع، وهو أن الجد لو مات ورثه بنو بنيه دون إخوته باتفاق الناس، فهكذا الأب إذا مات يرثه أبو أبيه دون إخوته، وهذا معنى قول عمر بن الخطاب لزيد: كيف يرثني أولادُ عبدِ اللَّه دون إخوتي ولا أرثهم دون إخوتهم؟ (٢) فهذا هو القياس الجلي والميزان الصحيح الذي لا مغمزَ فيه ولا تطفيف. يوضحه الوجه الثامن، [وهو] (٣) أن قاعدة الفرائض وأصولها [أنه] (٤) إذا كان

стр. 949

قرابةُ المُدْلي من الواسطة من جنس قرابة الواسطة كان أقوى مما إذا اختلف جنس القرابتين، مثال ذلك أن الميت يُدْلي إليه ابنُه بقرابة البنوَّة، وأبوهُ يُدْلي إليه بقرابة الأبوة، فإذا أدلى إليه واحد ببنوَّةِ البنوة وإنْ بعُدت كان أقوى ممن يدلي إليه بقرابة بنوة الأبوة وإن قربت، فكذلك قرابةُ أبوة الأبوة وإن عَلَتْ أقوى من قرابة بنوة الأب وإنْ قرُبت، وقد ظهر اعتبار هذا في تقديم جَدِّ الجد، وإن عَلا على ابنِ الأخِ وإن قَرُب وعلى العم؛ لأن القرابة التي يُدْلي بها الجد من جنسٍ واحد وهي الأبوة، والقرابة التي يدلي بها الأخ وبَنُوه من جنسين وهي بنوة الأبوة، ولهذا قُدِّمت قرابةُ ابنِ الأخ على قرابة ابن الجد؛ لأنها قرابةُ بنوةِ أبٍ، وتلك قرابةُ بنوةِ أبي أب، فبين ابنُ (١) الأخ فيها وبين الميت جنسٌ واحد وهي الأخوةُ، فبواسطتها وَصَل إليه، بخلاف العم فإن بينه وبينه جنسين (٢) أحدهما الأبوة والثاني بنوتها، وعلى هذه القاعدة بناء [باب] (٣) العَصَبات. يوضحه الوجه التاسع، وهو أن كُلَّ بني أبٍ أدنى وإن بَعدُوا عن الميت يُقَدَّمون في التعصيب على بني الأبِ الأعلى وإن كانَوا أقربَ إلى الميت، فابنُ ابنِ ابنِ الأخ يُقدَّم على العَمِّ القريب، وابنُ ابنِ ابنِ العَمِّ وإن نزل يُقدَّم على عَمّ الأبِ، وهذا مما يبين أن الجنس الواحد يقومُ أقصاه مقام أدناه، ويقدَّم الأقصى على من يقدم عليه الأدنى، فيُقدم ابنُ ابنِ الابنِ على من يقدم عليه الابنُ، وابن ابن الأخ على من يُقدَّم عليه الأخُ، وابن ابن العم على من يقدم عليه العم، فما بال أبي (٤) الأب وحدَه خرج عن (٥) هذه القاعدة ولم يقدم على من يقدم عليه الأب؟ وبهذا يظهر بطلان تمثيل الأخ والجد بالشجرة التي خرج منها غصنان والنهر الذي خرج منه ساقيتان (٦)، فإن القرابة التي من جنس واحد أقوى من القرابة المركبة من جنسين؛ وهذه القرابة البسيطة مقدمة على تلك المركبة بالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار الصحيح، ثم قياس القرابة على القرابة والأحكام الشرعية على مثلها أولى من قياس قرابة الآدميين على الأشجار والأنهار مما ليس في الأصل حكم شرعي، ثم نقول: بل النهر الأعلى أولى بالجَدْول من الجدول التي (٧) اشتق

стр. 950

منه، وأصل الشجرة أولى بغصنها من الغصن الآخر، فإن هذا صِنْوه ونظيره الذي لا يحتاج إليه، وذلك أصله وحاكمله الذي يحتاج إليه، واحتياج الشيء إلى أصله أقوى من احتياجه إلى نظيره، فاصلُه أولى به من نظيره. يوضحه الوجه العاشر، [وهو] (١) أن هذا القياس لو كان صحيحًا لوجَبَ طَرْدُه، ولما انتقض، فإن طرده تقديم الإخوة على الجد، فلما اتفق المسلمون على بطلان طَرْده علم أنه فاسد في نفسه. يوضحه الوجه الحادي عشر، [وهو] (١) أن الجد يقوم مقام الأب في التعصيب في كل سورة من صُوره، ويُقدَّم على كل عصبة يقدم عليه الأب، فما الذي أوجب استثناء الإخوة خاصة من هذه القاعدة؟ يوضحه الوجه الثاني عشر، [وهو] (١) أنه إن كان الموجِبُ لاستثنائهم قربهم (٢) وجب تقديمهم عليه، وإن كان مساواتهم له في القرب وجب اعتبارهم (٣) في بنيهم وآبائه لاشتراكهم في السبب الذي اشترك فيه هو والإخوة، وهذا مما لا جوابَ [لهم] (٤) عنه. يوضحه الوجه الثالث عشر، وهو أنه قد اتفق الناس على أن الأخَ لا يُساوي الجد، فإن لهم قولين: أحدهما: تقديمُه (٥) عليه، والثاني: توريثُه معه، والمورِّثون لا يجعلونه كأخ مطلقًا، بل منهم مَنْ يقاسم به الإخوة إلى الثلث (٦)، ومنهم من يُقاسمهم به إلى السدس (٧)، فإن نَقَصَتْه المقاسمةُ عن ذلك أعطوه إياه فرضًا

стр. 951

وأدخلوا النقصَ عليهم أو حَرموهم، كزوجٍ وأمٍ وجدٍّ وأخٍ، فلو كان الأخُ مساويًا للجد وأولى منه كما ادَّعى المورثون أنه القياس لساواه في هذا السدس أو قُدِّم عليه (١)، فعُلم (٢) أنَّ الجدَّ أقوى، وحينئذ فقد اجتمع عَصَبتان وأحدهما أقوى من الآخر فيقدم عليه. يوضحه الوجه الرابع عشر، [وهو] (٣) أن المورِّثين للإخوة لم يقولوا في التوريث قولًا يدل عليه نصٌ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ مع تناقضهم، وأما المقَدِّمون له على الإخوة فهم أسْعَدُ الناس بالنص والإجماع والقياس وعدم التناقض، فإن من المورثين مَنْ يُزاحِم به إلى الثلث، ومنهم من يزاحم به إلى السدس، وليس في الشريعة مَنْ يكون عَصَبة يُقاسم عصبة نظيره إلى حد ثم يُفرض له بعد ذلك الحد، فلم يجعلوه معهم عصبةً مطلقًا، ولا ذا فرض مطلقًا، ولا قدموه عليهم مطلقًا، ولا ساوَوْهُ بهم مطلقًا، ثم فرضوا له سدسًا أو ثلثًا بغير نص ولا إجماع ولا قياس، ثم حَسَبُوا عليه الإخوة من الأب ولم يعطوهم شيئًا إذا كان هناك إخوة لأبوين، ثم جعلوا الأخواتِ معه عصبةً إلا في سورة واحدة فرضوا فيها للأخت، ثم لم يهنوها بما فرضوا لها (٤)، بل عادوا عليها بالإبطال فأخذوه وأخذوا ما أصابه فقسموه بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم أعالوا هذه المسألة خاصةً من مسائل الجد والإخوة، ولم يُعِيلوا غيرها، ثم ردُّوها بعد العَوْل إلى التعصيب، وسَلِم المُقدِّمون له على الإخوة من هذا كله (٥) مع فَوْزهم بدلالة الكتاب والسنة والقياس ودخولهم في حزب الصِّدِّيق. يوضحه الوجه الخامس عشر، [وهو] (٣) أن الصِّديقَ لم يَختلف عليه أحدٌ من

стр. 952

الصحابة في عهده أنه مقدَّم على الإخوة، قال البخاري في "صحيحه" في [باب] (١) ميراث الجد مع الإخوة: "وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير: "الجَدُّ أبٌ"، وقرأ ابنُ عباس: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] ولم يذكر أن أحدًا خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي ﷺ متوافرون، وقال ابن عباس: يرثني ابنُ ابني دون إخوتي ولا أرث أنا ابنَ ابني؟ ويُذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أقاويل مختلفة" (٢)، انتهى، وقال عبد الرزاق: ثنا ابنُ جُرَيج قال: سمعتُ ابنَ أبي مليكة يحدث أن ابنَ الزُّبير كتب إلى أهل العراق: إن الذي قال له النبي ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلًا حتى ألقى اللَّه سِوى اللَّه لاتخذتُ أبا بكر خليلًا" كان يجعل الجدَّ أبًا (٣)، وقال الدارمي في "صحيحه": ثنا مُسلم (٤) بن إبراهيم: ثنا وُهَيبٌ: ثنا أيوب: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جعله الذي قال [له] (٥) رسول اللَّه ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذته خليلًا ولكن أخوَّة الإسلام أفضل" يعني: أبا بكر جعله أبًا (٦). ثنا محمد بن يوسف (٧)، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدَةَ

стр. 953

قال: لقيتُ مروان بن الحكم بالمدينة فقال: يا ابن أبي موسى ألم أُخْبَرْ اْن الجدَّ لا ينزل فيكم منزلة الأب وأنت لا تنكر؟ قال: قلت: [ولو كنت] (١) أنت لم تنكر، قال مروان: فأنا أشْهَدُ على عثمان بن عفان أنه شهد على أبي بكر أنه جعل الجدَّ أبًا، إذا لم يكن دونه أب (٢). ثنا يزيد بن هارون: ثنا أشعث، [عن عروة] (٣)، عن الحسن قال: إن الجد قد مضت فيه سُنَّة، وإن أبا بكر جعل الجدَّ أبًا، ولكن الناس تحيَّروا (٤)، وقال حماد بن سلمة: ثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن مروان قال: قال لي عثمان بن عفان: قال لي عمر (٥): إني قد رأيت في الجد رأيًا، فإن رأيتم أن تتَّبعوه فاتبعوه، فقال عثمان: إن نَتبعْ رأيَك فرأيك رشد (٦)، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان، قال: وكان أبو بكر يجعله أبًا (٧)، والمورِّثون للإخوة

стр. 954

بعدهم عمرُ وعثمانُ وعلي وزيد وابن مسعود (١)، فأما عمر فإن أقواله اضطربت فيه، وكان قد كتب كتابًا في ميراثه، فلما طُعِنَ دعا به فمحاه (٢). وقال الخُشنيُّ: عن محمد بن بَشَّار (٣)، عن محمد بن أبي عَدي، عن شُعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر حين طُعِنَ: إني لم أقض في الجد شيئًا (٤). وقال وكيع: عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: مات ابنٌ لابن عمر بن الخطاب، فدعا زيدَ بن ثابت فقال: شَعِّبْ ما كنت تشعّب إني لأعلم (٥) أنَّي أولى به منهم (٦)، وأما علي فقال عبد الرزاق: عن معمر: ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير،

стр. 955

عن رجل من مراد قال: سمعت عليًا يقول: مَنْ سرَّه أن يتقحَّمَ (١) جراثيم جهنم فَلْيَقْضِ بين الجد والإخوة (٢)، وأما عثمان وابن مسعود فقال البَغويُّ: ثنا حجَّاجُ بن المِنْهال: ثنا حماد بن سلمة: أخبرنا اللَّيث بن أبي سُلَيْم، عن طاوس أن عثمان وعبد اللَّه بن مسعود قالا: الجدُّ بمنزلةِ الأب (٣). فهذه أقوال المورثين كما ترى قد اختلفت في أصل (٤) توريثهم معه، واضطربت في كيفية التوريث، وخالفت دلالة الكتاب والسنة والقياس الصحيح، بخلاف قول الصديق ومَنْ معه (٥). يوضحه الوجه السادس عشر، [وهو] (٦) أن الناس اليوم قائلان: قائلٌ بقول أبي بكر، وقائل بقول زيد، ولكن قول الصديق هو الصواب وقول زيد بخلافه، فإنه يتضمن تعصيبَ الجَدِّ للأخوات وهو تعصيبُ الرجل جنسًا آخر ليسوا من جنسه، وهذا لا أصل له في الشريعة، إنما يُعْرَف في الشريعة تعصيب الرجال للنساء إذا كانوا من جنس واحد كالبنين والبنات والإخوة والأخوات، ولا يُنتقض هذا بالأخوات مع البنات فإن الرجال لم يعصبوهنَّ، وإنما عصبهن البناتُ، ولما كان تعصيبُ البنين أقوى كان الميراث لهم دون الأخوات، بخلاف قول من عصَّب الأخوات بالجد، فإنه عصبهنَّ بجنس آخر أقوى تعصيبًا منهن، وهذا لا عهد به في الشريعة البتة.

стр. 956

يوضحه الوجه السابع عشر، [وهو] (١) أن الجد والإخوة لو اجتمعوا في التعصيب لكانوا إما من جنس واحد أو من جنسين، وكلاهما باطل، أما الأول فظاهر البطلان لوجهين: أحدهما: اختلافُ جهة التعصيب، والثاني: أنهم لو كانوا من جنس واحد لاستووا في الميراث والحرمان كالإخوة والأعمام وبنيهم إذا انفردوا، وهذا هو التعصيب المعقول في الشريعة، وأما الثاني فبطلانُه أظهر، إذ قاعدة الفرائض أن العصبةَ لا يرثون في المسألة إلا إذا كانوا من جنس واحد، وليس لنا عصبة من جنسين يرثان مُجتَمِعيْن قط، بل هذا محال (٢)، فإن العصبة حكمُه أن يأخذَ ما بقي بعد الفروض، فإذا كان هذا حكم هذا الجنس وجب أن يأخذَ دون الآخر، وكذلك الجنس الآخر فيفضي أحدهما (٣) إلى حرمانهما، واشتراكهما ممتنع لاختلاف الجنس، وهذا ظاهر جدًا. يوضحه الوجه الثامن عشر، [وهو] (٤) أن الجدَّ أبٌ في باب الشهادة وفي بابِ سقوط القصاص، وأبٌ في باب المنعِ من دفعِ الزكاة إليه، وأبٌ في باب وجوب إعتاقه (٥) على ولد ولده، وأبٌ في باب سقوط القطع في السرقة، وأبٌ عند الشافعي في باب الإجبار في النكاح، وفي باب الرجوع في الهبة، وفي باب العتق بالملك، وفي باب الإجبار على النفقة، وفي باب إسلام ابن ابنهِ تبعًا لإسلامه، وأبٌ عند الجميع في باب الميراث عند عدم الأب فرضًا وتعصيبًا في غير محل النزاع، فما الذي أخرجه عن أبوَّته في باب الجد والإخوة؟ فإن اعتبرنا تلك الأبواب فالأمر في أبوته في محل النزاع ظاهر، وإن اعتبرنا باب الميراث فالأمر أظهرُ وأظهر. يوضحه الوجه التاسع عشر، [وهو] (٦) أن الذين وَرَّثوا الإخوة معه إنما ورَّثوهم لمساواة تعصيبهم لتعصيبه (٧)، ثم نقضوا الأصل، فقدَّموا تعصيبَهُم على تعصيبه في باب الوَلَاءِ وأسقطوه بالإخوة لقوة تعصيبهم عندهم، ثم نقضوا ذلك أيضًا فقدَّموا الجدَّ عليهم في باب ولاية النكاح، وأسقطوا تعصيبهم بتعصيبه، وهذا

стр. 957

غاية التناقض والخروج عن القياس لا بنص ولا إجماع. يوضحه الوجه العشرون، وهو قول النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (١) فإذا خَلَّفت المرأةُ زوجَهَا وأمها وأخاها وجدها (٢)؛ فإن كان الأخ أولى رجل ذَكَر فهو أحقُّ بالباقي، وإن كانا سواء في الأولوية وجَبَ اشتراكُهما فيه، وإن كان الجَدُّ أولى وهو الحق الذي لا ريب فيه فهو أولى به، وإذا كان الجد أولى رجل ذَكَر وجب أن ينفرد بالباقي بالنص، وهذا الوجه وحده كافٍ وباللَّه التوفيق. وليس القصد هذه المسألة بعينها، بل بيان دلالة النص والاكتفاء به عما عداه، وأن القياسَ شاهدٌ وتابع، لا أنه مستقل في إثبات حكم من الأحكام لم تدل عليه النصوص. ومن ذلك الاكتفاء بقوله: "كُلٌّ مسكرٍ خَمْر" (٣) عن إثبات التحريم بالقياس في الاسم أو في الحكم كما يفعله مَنْ لم يحسن الاستدلال بالنص. ومن ذلك الاكتفاء بقوله (٤): ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] عن إثبات قطع النَّبَّاش بالقياس اسمًا أو حكمًا، إذ السارقُ يعمُّ في لغةِ العرب وعُرْفِ الشارع [سارقَ] (٥) ثياب الأحياء والأموات. ومن ذلك الاكتفاء بقوله (٤): ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ [لَكُمْ] (٦) تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] في تناوله لكل يمينٍ منعقدةٍ يحلفُ بها المسلمون، من غير تخصيص إلا بنص أو إجماع، وقد بيَّن ذلك سبحانه (٧) في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] (٨٩)﴾ (٦) [المائدة: ٨٩] فهذا صريحٌ في أنَّ كل يمين منعقدة فهذا كفارتها، وقد أدخلتِ الصحابةُ في هذا

стр. 958

النص الحلفَ بالتزام الواجباتِ والحلف بأحب القُرباتِ المالية إلى اللَّه وهو العتقُ، كما ثبت ذلك عن ستة (١) منهم ولا مخالف لهم من بقيَّتِهم (٢)، وأدخلت فيه الحلفَ بالبغيض إلى اللَّه وهو الطلاق كما ثبت ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ (٣) ولا مخالف له منهم (٤)، فالواجبُ تحكيمُ هذا النص العام والعملُ بعمومه حتى يثبت إجماع الأمة إجماعًا متيفنًا (٥) على خلافه، فالأمة لا تُجمِع على خطأ البتة. ومن ذلك الاكتفاء بقوله ﷺ : "مَنْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ" (٦) في إبطالِ كُلِّ عقدِ نهى اللَّه ورسوله عنه وحَرَّمه، وأنه لغوٌ لا يُعتدُّ به، نكاحًا كان أو طلاقًا أو غيرهما، إلا أن تُجمع الأمة إجماعًا معلومًا على أن بعض ما نهى اللَّه ورسوله عنه وحَرَّمه من العقود صحيحٌ لازم معتدّ به غير مردود، فهي لا تجمع على خطأ، وباللَّه التوفيق. ومن ذلك الاكتفاء بقوله [تعالى] (٧): ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] مع قوله ﷺ : "وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" (٨) فكل ما لم يبين اللَّه ولا رسوله ﷺ تحريمَه من المطاعم و [المشارب] (٧) والملابس والعقود والشروط فلا يجوز تحريمها، فإن اللَّه سبحانه قد فصَّل لنا ما حرم علينا، فما كان من هذه الأشياء حرامًا فلا بد أن يكون تحريمه مفصلًا، وكما أنه لا يجوز [إباحة ما حرّمه اللَّه، فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا عنه ولم يحرمه] (٩)، وباللَّه التوفيق.

стр. 959

الفَصل الثَّاني [ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس] في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس، وأن ما يُظن مخالفته للقياس فأحد الأمرين لازم فيه ولا بد: إما أن يكون القياس فاسدًا، أو (١) يكون ذلك الحكم لم يثبت بالنص كونه من الشرع (٢). وسألت شيخنا قدس اللَّه روحه (٣) عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: "هذا خلافُ القياس" لِما ثبت بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم، وربَّما كان مجمعًا عليه، كقولهم: طهارةُ الماء إذا وقعت فيه نجاسةٌ [على] (٤) خلاف القياس، وتطهيرُ النجاسةِ على خلاف القياس، والوضوءُ من لحوم الإبل، والفِطْر بالحجامة، والسَّلَم، والإجارة، والحوالة، والكتابة، والمُضَاربة، والمزارعة، والمساقاة، والقَرْض، وصحةُ صوم الأكل الناسي (٥)، والمضيُّ في الحج الفاسد، كل ذلك على خلاف القياس، فهل ذلك صواب أم لا؟ فقال: ليس في الشريعة ما يخالف القياس. وأنا أذكر ما حصلته من جوابه بخطه ولفظه، وما فتح اللَّه سبحانه لي بِيُمن إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه (٦). [لفظ القياس مجمل] [أصْلُ هذا أن لفظ] (٧) القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح

стр. 960

والفاسد، والصحيح هو الذي وَرَدَتْ به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، فالأول قياس الطَّرْد، والثاني قياس العكس، وهو من العدل الذي بعث اللَّه به نبيه ﷺ ؛ فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علَّق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها، ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو أن لا يكون بين الصورتين فرقٌ مؤثر في الشَّرع، فمثل هذا القياس أيضًا لا تأتي الشريعة بخلافه، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بحكمٍ يفارق به نظائره فلابد أن يختص ذلك [النوع] (١) بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره، لكن (٢) الوصف الذي اختص به ذلك النوع وقد (٣) يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر، وليس من شرط القياس الصحيح أن يَعْلم صحتَه كلُّ أحد، فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وحيث علمنا أن النص [ورد] (٤) بخلاف قياس علمنا قطعًا أنه قياس فاسد، بمعنى أن سورة النص امتازت عن تلك الصور التي يُظن أنها مثلها بوصفٍ أوجب تخصيصَ الشارع لها بذلك الحكم، فليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا، ولكن يخالف القياس الفاسد، وإن كان بعضُ الناس لا يعلم فساده، ونحن نبين ذلك فيما ذكر في السؤال. [شبهة من ظن خلاف القياس وردها] فالذين قالوا: "المضاربة والمُسَاقاة والمزَارعة على خلاف القياس" ظنّوا أن هذه العقود من جنس الإجارة؛ لأنها عملٌ بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعِوَض والمعوض، فلما رأوا العمل والرِّبْحَ في هذه العقود غير معلومين قالوا: هي على خلاف القياس (٥)، وهذا من غلطهم؛ فإن هذه العقود من جنس

стр. 961

المشاركات، لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، والمشاركاتُ جنسٌ غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها شَوْبُ المعاوضة، وكذلك المقاسمة جنس غير جنس المعاوضة المحضة، وإن كان فيها شَوْبُ المعاوضة حتى ظن بعضُ الفقهاء أنها بيع يشترط فيها شروط البيع الخاص. [العمل المقصود به المال على ثلاثة أنواع] وإيضاح هذا أن العمل الذي يقصد به المال ثلاثة أنواع (١): أحدهما: أن يكون العمل مقصودًا معلومًا مَقْدُورًا على تسليمه، فهذه الإجارة اللازمة. الثاني: أن يكون العمل مقصودًا، لكنه مجهولٌ أو غَرَرٌ، فهذه الجَعَالة (٢)، وهي عقدٌ جائزٌ ليس بلازم، فإذا قال: "مَنْ رد عبدي الآبق فله مئة" فقد يقدر على رده وقد لا يقدر، وقد يردُّه من مكان بعيد أو قريب، فلهذا لم تكن لازمة، لكن هي جائزة، فإن عَمِل العملَ استحق الجعل، وإلّا فلا، ويجوز أن يكون الجُعْلُ فيها إذا حصل بالعمل جزءًا شائعًا ومجهولًا جهالة لا تمنع التسليم، كقول أمير الغزو: "مَنْ دَلَّ على حصنٍ فله ثلث ما فيه" أو يقول (٣) للسّريَّة التي يسيرُ بها: "لكم خمسُ ما تغنمون أو ربُعُه" وتنازعوا في السَّلَب: هل هو مُستحقٌ بالشرع كقول الشافعي (٤) أو بالشرط كقول أبي حنيفة (٥) ومالك (٦)؟ [على قولين] (٧) وهما

стр. 962

روايتان عن أحمد (١)، فمن جعله مستحقًا بالشرط جعله من هذا الباب، ومن ذلك إذا جعل للطبيب جُعْلًا على الشفاء جاز، كما أخذ أصحابُ النبي ﷺ القطيع من الشَّاءِ الذي جعله لهم سَيِّدُ الحي، فَرَقَاه أحدُهم حتى برئ (٢)، والجُعْل كان على الشفاء لا على القراءة، ولو استأجر طبيبًا إجارة لازمة على الشفاء لم يصح؛ لأن الشفاء غير مقدور له (٣)، فقد يشفيه اللَّه وقد لا يشفيه، فهذه ونحوه مما تجوز فيه الجَعَالة، دون الإجارة اللازمة. فصل وأما النوع الثالث فهو: ما لا يُقْصَد فيه العمل، بل المقصود فيه المال، وهو المضاربة، فإن ربَّ المال ليس له قصدٌ في نفس العمل كما للجاعل (٤)، والمستأجر [له] (٥) قصد في عَملِ العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئًا لم يكن له شيءٌ، وإن سَمَّى هذا جَعَالة بجزء مما يحصل من العمل كان [هذا] (٦) نزاعًا لفظيًا، بل هذه مشاركة: هذا بنفعِ ماله، وهذا بنفع بدنه (٧)، وما قسم اللَّه من ربح كان بينهما على الإشاعة؛ ولهذا لا يجوز أن يختص أحدُهما بربح مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن العَدْل الواجب في الشركة، وهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ من المزارعة، فإنهم كانوا يشترطون لربِّ الأبيض زرعَ بقعة بعينها، وهو ما نبت على الماذياناتِ (٨) وأقبال الجداول ونحو ذلك، فنهى النبي ﷺ عنه (٩)، ولهذا قال الليث بن سعد وغيره: " [إن] (٥) الذي نَهَى عنه النبي ﷺ أمرٌ لو نَظرَ فيه ذو البصيرة

стр. 963

بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز" (١)، فتبين (٢) أن النهي عن ذلك مُوجَبُ القياس، فإن هذا لو شرط في المضاربة لم يجز، فإن مبنى المشاركات (٣) على العدل بين الشريكين، فإذا خُصَّ أحدهما بربح دون الآخر لم يكن ذلك عدلًا، بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء مشاع (٤) فإنهما يشتركان في المَغْنَمِ والمَغْرم، فإن حصل ربح اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في المغرم، وذهب نفعُ بَدَنِ هذا كما ذهب نفعُ مال هذا، ولهذا كانت الوضيعة على المال؛ لأن ذلك في مقابلة ذهاب نفع المال، ولهذا كان الصواب أنه يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل (٥)، فيُعْطَى العامل ما جرت العادة أن يُعطاه (٦) مثله إما نصفه أو ثلثه، فأما أن يُعطى شيئًا مقدَّرًا مضمونًا في ذمة المالك كما يُعطى في الإجارة والجَعَالة فهذا غلط ممن قاله، وسببُ غلطه (٧) ظنُّه أن هذه إجارة فإعطاءه في فاسدها عوضَ المثلِ كما يعطيه في الصحيح المُسمَّى، ومما يبين غلط هذا القول أن العامل قد يعمل عشر سنين أو أكثر، فلو أُعطي أجرة أُعطي (٨) أضعاف رأس المال، وهو في الصحيح (٩) لا يستحق إلا جزءًا من الربح إن كان هناك ربح، فكيف يستحق في الفاسدة أضعاف ما يستحقه في الصحيحة؟ وكذلك الذين أبطلوا المزارعة والمساقاة (١٠) ظنوا أنهما إجارة بعوض مجهول فابطلوهما، وبعضُهم صحَّح منهما (١١)

стр. 964

ما تدعو إليه الحاجة كالمساقاة على الشجر لعدم إمكان إجارتها بخلاف الأرض فإنه يمكن إجارتها، وجوَّزوا من المزارعة ما يكون تبعًا للمساقاة إما مطلقًا وإما إذا كان البياضُ الثلث، وهذا كله بناء على أن مُقتضى الدليل بطلان المزارعة، وإنما جُوِّزت للحاجة، ومن أعطى النظر حقه على أن المزارعة أبعد عن الظلم والغرر من الإجارة بأجرة مسماة مضمونة في الذمة، فإن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالزرع النابت في الأرض، فإذا لزمته الأجرة ومقصوده [من الزرع] (١) قد يحصل وقد لا يحصل كان في هذا حصول أحد المعاوضين (٢) على مقصوده دون الآخر، فأحدُهما غانمٌ ولا بد، والآخر متردد بين المغنم والمغرم، وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان، فلا يختص أحدهما بحصول مقصوده دون الآخر، فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم والغرر من الإجارة. [الأصل في جميع العقود العدل] والأصل في العقود كلها إنما هو العدل الذي بُعثت به الرسل وأُنزلت به الكتب، قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] والشارع نهى عن الربا لما فيه من الظلم، وعن الميسر لما فيه من الظلم، والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا، وكلاهما أكل المال (٣) بالباطل، وما نهى عنه النبي ﷺ من المعاملات -كبيع الغَرر (٤)، وبيع الثمر قبل بُدُوِّ صلاحه (٥)، وبيع السِّنين (٦)، وبيع حبَل الحَبَلة (٧)،

стр. 965

وبيع المُزَابَنة (١) والمحَاقَلة (٢)، وبيع الحصاة (٣)، وبيع المَلاقيح والمضامين (٤)، ونحو ذلك- هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر. فالإجارة بالأجرة المجهولة مثل أن يَكْرِيَه الدار بما يكسبه المكتري من (٥) حانوته من المال هو من الميسر، وأما المُضَاربة والمسَاقاة والمزَارعة فليس فيها شيء من الميسر، بل هي [من] (٦) أقْوَم العَدْل، وهو مما يبين لك أن المزارعة التي يكون فيها البَذْر من العامل أولى بالجواز من المزارعة التي يكون فيها البذر من رب الأرض؛ ولهذا كان أصحاب النبي ﷺ يزارعون على هذا الوجه، وكذلك عَامَلَ النبي ﷺ أهلَ خيبر بشَطر ما يخرج منها من ثمر وزرع على أن يعملوها من أموالهم (٧)، والذين اشترطوا أن يكون البذر من رب الأرض قاسُوا ذلك على

стр. 966

المضاربة، فقالوا: المضاربة المال فيها من واحد والعمل من آخر، فكذلك المزارعة ينبغي أن يكون البَذْر فيها من مالك الأرض، وهذا القياس -مع أنه مخالف للسنة الصحيحة ولأقوال الصحابة- فهو من أفسد القياس، فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه، ويقتسمان الربح، فهذا نظير الأرض في المزارعة، وأما البَذْر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه بل يذهب كما يذهب نفع الأرض فإلحاقه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأجل (١) الباقي؛ فالعامل إذا أخرج البَذْرَ ذهب عمله وبذره، ورب الأرض يذهبُ نفعُ أرضه، وبدن هذا (٢) كأرض هذا؛ فمن جعل البَذْرَ كالمال في المضاربة كان ينبغي له أن يعيد مثل هذا البذر إلى صاحبه، كما قال مثل ذلك في المضاربة، كيف ولو اشترط رب البذر عَوْد نظيره لم يجوّزوا ذلك؟ فصل [الحوالة موافقة للقياس] وأما الحوالة فالذين قالوا: "إنها على خلاف القياس" (٣) قالوا: هي بيع دين بدين، والقياس يأباه، وهذا غلطٌ من وجهين (٤): أحدهما: أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ (٥)، والكالئ: هو المؤخَرُ الذي لم يُقْبَضْ (٦)، كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة، وكلاهما مُؤخَّر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ (٧)، وأما بيع الدَّيْن بالدَّيْن فينقسم إلى بيع واجب بواجب كما ذكرنا،

стр. 967

وهو الممتنع (١)، وينقسم إلى بيع ساقط بساقط، وساقط بواجب، وواجب بساقط، وهذا فيه نزاع. قلت (٢): الساقطُ بالساقط في سورة المقاصَّة، والساقطُ بالواجبِ كما لو باعه دينًا له في ذمته بدَيْن آخر من غير جنسه، فسقط الدينُ المبيعُ ووجب عِوَضه، وهو (٣) بيع الدين ممن هو في ذمته، وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كُر (٤) حنطة بعشرة دراهم في ذمته فقد وجب له عليه دَيْن وسقط له عنه دين غيره، وقد حُكي الإجماع على امتناع هذا، ولا إجماع فيه، قاله شيخنا، واختار جوازه (٥)، وهو الصواب، إذ لا محذور فيه، وليس (٦) بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى، فإن المنهيَّ عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة فإنه لم يتعجل أحدُهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة، وأما ما عداه من الصور الثلاث فلكل منهما غَرضٌ صحيح ومنفعة مطلوبة، وذلك ظاهر في مسألة التقاص، فإن ذمتهما تبرأ من أسرِها، وبراءةُ الذمة مطلوبٌ (٧) لهما وللشارع، فأما في الصورتين الأخرتين (٨) فأحدهما يُعجِّل براءة ذمته والآخر ينتفع (٩) بما يربحه، وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح -وذلك في بيع العين بالدين- جاز أن يفرغَهَا من دَيْنٍ ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها به ابتداء (١٠) إما بقرض أو (١١) بمعاوضة، فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى شاغل، وليس هناك بيع كالئ بكالئ، وإن كان بيع دَيْن بدين فلم ينهَ الشَّرعُ (١٢) عن ذلك لا بلفظه ولا بمعنى لفظه، بل قواعد الشرع تقتضي جوازه؛ فإن الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمةِ المُحيل إلى ذمة المُحال عليه، فقد عاوض

стр. 968

المُحيلُ المحتالَ بدينه بدين آخر (١) في ذمة ثالث (٢)، فإذا عاوضَهُ من دَيْنه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز وباللَّه التوفيق. رجعنا إلى كلام شيخ الإسلام، قال (٣): الوجه الثاني -يعني مما يبين أن الحوالة على وفق القياس- أنَّ الحوالة من جنس إيفاء الحق، لا من جنس البيع، فإن صاحب الحق إذا استوفى من المَدينِ (٤) مالَه كان هذا استيفاء، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدَّيْن عن الدين الذي في ذمةِ المُحيل؛ ولهذا ذكر النبي ﷺ الحوالة في معرض الوفاء، فقال في الحديث الصحيح: "مَطْلُ الغني ظلم، وإذا أُتْبعَ أحدكم على مليء فَلْيَتَّبع" (٥) فأمر المَدِينَ بالوفاء، ونهاه عن المطل، وبين أنه ظالم إذا مطل، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على مليء، وهذا كقوله [تعالى] (٦): ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] أمر المستحق أن يطالب بالمعروف، وأمر المؤدي (٧) أنْ يؤدّي بإحسان، ووفاءُ الدين ليس هو البيع الخاص وإن كان فيه شَوْب (٨) المعاوضة، وقد ظنَّ بعضُ الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاءِ المَدين بسبب [أن] (٩) الغريم إذا قبض الوفاء صار في ذمة المدين مثله (١٠)، ثم إنه يقاصُّ ما عليه بماله، وهذا تكلُّفٌ أنكره جمهور الفقهاء، وقالوا: بل نفس المال الذي قَبضهُ يحصلُ به الوفاء، ولا حاجَة أن يُقدِّر في ذمة المستوفي دَيْنًا، وأولئك قَصَدُوا أن يكون وفاء دين بدين مطلق، وهذا لا حاجة إليه، فإن الدَّينَ من جنس المطلق الكلي والمعيَّن من جنس المعين، فمن ثبت في ذمته دين مطلق كلي فالمقصود منه هو الأعيان الموجودة، وأي مُعين

стр. 969

استوفاه حَصَل به المقصودُ من ذلك الدين المطلق. فصل [القرض على وفق القياس] وأما القرض فمن قال: "إنه على خلاف القياس" (١) فشُبْهته أنه بيع رِبَوي بجنسه مع تأخر القبض، وهذا غلط (٢)، فإن القرض من جنِس التبرع بالمنافع كالعارية، ولهذا سَمَّاه النبي ﷺ [مَنِيحَةً] (٣) فقال: "أو مَنيحة ذهب أو منيحةَ وَرِقٍ" (٤) وهذا من باب الإرفاق، لا من باب المعاوضات، فإن باب المعاوضات يُعطي كلٌّ منهما أصلَ المال على وجه لا يعود إليه، وباب القرض من جنس باب العارية والمنيحة وإفقار الظهر مما يُعطي فيه أصل المال لينتفعَ بما يستخلف منه ثم يُعيده إليه بعينه إن أمكن وإلا فنظيره ومثله (٥)، فتارةً ينتفع بالمنافع كما في عارية العَقَار وتارة يمنحه ماشيةً ليشرب لبنها ثم يعيدها أو شجرة (٦) ليأكل ثمرها ثم يعيدها، وتُسمَّي العريه، فإنهم يقولون: أعراه الشجرة (٧)، وأعاره المتاع، ومَنَحه الشاة، وأفقره الظهر، وأقرضه الدراهم، واللبن والثمر لمَّا كان يستخلف شيئًا بعد شيء كان بمنزلة المنافع، ولهذا كان في الوقف يجري مجرى المنافع، وليس هذا من باب البيع في شيء بل هو من باب الإرفاق والتبرع والصدقة، وإن كان المُقْرضُ قد ينتفع أيضًا بالقَرْض كما في مسألة السفتجة (٨)، [ولهذا كرهها من كرهها] (٩)، والصحيح أنها لا تكره؛ لأن المنفعة لا تخص المقرض، بل ينتفعان بها جميعًا (١٠).

стр. 970

فصل [إزالة النجاسة على وفق القياس] وأما إزالة النجاسة فمن قال: "إنها على خلاف القياس" (١) فقوله مِنْ أبطل الأقوال وأفسدها (٢)، وشبهته أن الماء إذا لاقى نجاسة تنخس بها، ثم [لاقى] (٣) الثاني والثالث كذلك، وهلمَّ جرًا، والنجس لا يزيل نجاسة، وهذا غلط، فإنه يقال: فلم (٤) قلتم: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسةً نَجُسَ؟ فإن قلتم: الحكم في بعض الصور كذلك، قيل: هذا ممنوع عند من يقول: [إن] (٣) الماء لا يَنْجُس إلا بالتغير. فإن قيل: فيقاس ما لم يتغيّر على ما تغيّر. قيل: هذا من أبطل القياس حسًا وشرعًا، وليس جَعْلُ الإزالة مخالفةً للقياس بأولى من جعل تنجيس الماء مخالفًا للقياس، بل يقال: إن القياس يقتضي أن الماء إذا [لاقى نجاسة لا ينجس، كما أنه إذا] (٥) لاقاها حال الإزالة لا ينجس؛ فهذا القياسُ أصحُّ من ذلك القياس؛ لأن النجاسة تزول بالماء حسًا وشرعًا، وذلك معلوم بالضرورة من الدين [بالنص والإجماع] (٥)؛ وأما تنجيسُ الماء بالملاقاة فموردُ نزاعٍ، فكيف يُجعل مَوردُ النزاعِ حجةً على مواقع الإجماع (٦)؟ والقياسُ يقتضي رد موارد النزاع إلى مواقع الإجماع، وأيضًا فالذي تقتضيه العقولُ أن الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس، فإنه باق على [أصل] (٥) خلقته، فهو (٧) طيب، فيدخل في قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (٨) [الأعراف: ١٥٧]. وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة فاستحالت بحيث لم يظهر لها لونٌ ولا طعمٌ ولا ريحٌ.

стр. 971

وقد تنازع الفقهاء: هل القياس يقتضي نجاسة الماء بملاقاة النجاسة إلا ما استثناه الدليل (١)، أو القياس يقتضي أنه لا ينجس إذا لم يتغير؟ على قولين، والأول قول أهل العراق، والثاني قول أهل الحجاز، وفقهاء الحديث منهم من يختار هذا ومنهم من يختار هذا (٢). وقول أهل الحجاز هو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والمعقول (٣)، فإن اللَّه سبحانه أباح الطَّيبات وحَرَّم الخبائث، والطيَّبُ والخبيثُ يثبت للمَحَلِّ (٤) باعتبار صفات قائمة به، فما دامت تلك الصفة فالحكمُ تابعٌ لها، فإذا زالت وخَلَفتها الصفة الأخرى زال الحكم وخلله ضده، وهذا (٥) هو مَحْضُ القياس والمعقول، فهذا الماء والطعام كان طيبًا لقيام الصفةِ الموجبةِ لِطِيبه، فإذا زالت تلك الصفة وخَلَفتها (٦) صفة الخبث عاد خبيثًا، فإذا زالت صفة الخَبَث عاد [إلى ما كان] (٧) عليه، وهذا كالعصير الطيب إذا تخَمَّر صار خبيثًا فإذا عاد إلى ما كان عليه عاد طيِّبًا، [والماء الكثير إذا تغير بالنجاسة صار خبيثًا فإذا زال التغير عاد طيبًا، والرجل المسلم إذا ارتدَّ صار خبيثًا فإذا عاد إلى الإسلام عاد طيبًا] (٨)، والدليل على أنه طيب الحس والشرع: أما الحس فلأن الخبث لم يظهر له فيه أثرٌ بوجه ما لا في لونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، ومحالٌ صِدْقُ المشتقِّ بدون المشتق منه، وأما الشرع فمن وجوه: أحدها: أنه كان طيبًا قبل ملاقاته لما يتأثر به، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه، وهذا يتضمن أنواع الاستصحاب الثلاثة المتقدمة: استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربًا أو طبخًا أو عجنًا (٩)، وملابسة واستصحاب (١٠) الحكم الثابت وهو الطهارة، واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع.

стр. 972

الثاني: أنه لو شرب هذا الماء الذي قُطِرت فيه قطرةٌ من خمر مثل رأس الذبابة (١) لم يُحدّ اتفاقًا، ولو شربه صبيٌّ وقد قطرت فيه قطرة من لبن لم ينشئ الحرمة، فلا وجه للحكم بنجاسته لا من كتاب ولا سنة (٢) ولا قياس. والذين قالوا: "إن الأصل نجاسة الماء بالملاقاة" تناقضوا أظهر (٣) تناقض، ولم يمكنهم طَرْدُ هذا الأصل: فمنهم من استثنى مقدار الُقلَّتين (٤) على خلافهم فيها، ومنهم من استثنى ما لا يمكن نَزحُه، ومنهم من استثنى ما إذا حُرِّكَ أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر (٥)، ومنهم من استثنى الجاري خاصة، وفرَّقوا بين ملاقاة الماء في الإزالة إذا ورد على النجاسة وملاقاتها له إذا وردت عليه بفروق: منها أنه وارد على النجاسة فهو فاعلٌ وإذا وردت عليه فهو مَوْرُود مُنْفعل وهو أضعف، ومنها أنه إذا كان واردًا فهو جارٍ (٦) والجاري له قوة، ومنها أنه إذا كان واردًا فهو في محل التطهير وما دام في محل التطهير فله عمل وقوة، والصواب [أن مقتضى القياس] (٧) أن الماء لا ينجس إلا بالتغير (٨)، وأنه إذا تغيَّر في محل التطهير فهو نجس أيضًا، وهو في حال تغيره لم يزلها، وإنما خففها، ولا تحصل الإزالة المطلوبة إلا إذا كان غير متغير، وهذا هو القياس في المائعات كلها: أن يسيرَ النجاسةِ إذا استحالت في الماء ولم يظهر لها (٩) فيه لونٌ ولا طعمٌ ولا رائحةٌ فهي من الطيبات لا من الخبائث، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " [إن] الماء لا

стр. 973

ينجس" (١) وصح عنه أنه قال: "إن الماءَ لا يجنُب" (٢) وهما نصان صريحان في أن

стр. 974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 975

الماء لا ينجس بالملاقاة، ولا يسلبه طَهُوريتُه استعمالَه في إزالة الحدث، ومَنْ نجَّسه بالملاقاة أو سَلبَ طَهُوريته بالاستعمال فقد جعله ينجس ويجنب، والنبي ﷺ ثبت عنه في "صحيح البخاري" أنه سئل عن فارة وقعت في سَمْن فقال: "ألقُوهَا وما حولها وكُلُوه" (١) ولم يفصل بين أن يكون جامدًا أو مائعًا قليلًا أو كثيرًا، فالماء من طريق الأولى يكون هذا حكمه، وحديث التفريق بين الجامد (٢) والمائع حديثٌ معلول (٣)، وهو غلط من معمر من عدِّة وجوهٍ بيَّنها البخاريُّ في "صحيحه"

стр. 976

والترمذيُّ في "جامعه" وغيرهما (١)، ويكفي أن الزهري الذي روى عنه معمر حديث التفصيل قد روى عنه الناسُ كُلُّهم خلَاف ما روى عنه معمر، وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها تُلْقَى وما حولها ويؤكل الباقي في الجامد والمائع والكثير والقليل، واستدلل بالحديث (٢)، [فهذه فُتْيَاه] (٣)، وهذا استدلاله، وهذه رواية الأئمة عنه، فقد اتفق على ذلك النص والقياس، ولا يصلح للناس سواه، وما عداه من الأقوال فمتناقض لا يمكن لصاحبه طرده كما تقدم، فظهر أن مخالفة القياس فيما خالف النص لا فيما جاء به النص.

стр. 977

فصل [طهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس] وعلى هذا الأصل فطهارة الخَمر بالاستحالة على وَفْق القياس، فإنها نجسة لوصف الخَبَث، فإذا زال الموجِبُ زال الموجَبُ، وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها [بل] (١) وأصل الثواب والعقاب، وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت (٢)، وقد نَبَشَ النبي ﷺ قبورَ المشركين من موضع مسجده، ولم ينقل التراب (٣)، وقد أخبر اللَّه سبحانه عن اللَّبن أنه يخرج من بين فَرْث ودَمٍ، وقد أجمع المسلمون على أن الدابة إذا عُلِفَتْ بالنجاسة ثم حُبست وعُلِفت بالطاهرات حل لبنها ولحمها، وكذلك الزروع (٤) والثمار إذا سقِيت بالماء النجس ثم سقيت بالطاهر حلَّت (٥) لاستحالة وصفِ الخبث وتبدله بالطيب. وعكس هذا أن الطيب إذا استحال خبيثًا صار نجسًا كالماء والطعام إذا استحال بَوْلًا وعذرةً، فكيف أثّرت الاستحالة في انقلاب الطَّيِّب خبيثًا ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيبًا؟ واللَّه تعالى يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب، ولا عبرة بالأصل، بل بوصف الشيء في نفسه، ومن الممتنع بقاءُ حكم الخبيث وقد زال اسمه ووصفه، والحكم تابع للاسم والوصف دائر معه وجودًا وعدمًا، فالنصوص المتناولةُ لتحريمِ الميتةِ والدم ولحم الخنزير والخَمرِ لا تتناول الزروع (٦) والثمار والرَّماد والملح والتراب والخَل لا لفظًا ولا معنى، لا نصًا ولا قياسًا. والمفرِّقون بين استحالة الخمر وغيرها قالوا: الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة، فيقال لهم: وهكذا الدم والبول (٧) والعذرة إنما

стр. 978

نجست بالاستحالة وطهرت (١) بالاستحالة، فظهر أن القياس مع النصوص وأن مخالفة القياس في الأقوال التي تخالف النصوص. فصل [الوضوء من لحوم الإبل على وفق القياس] وأما قولهم: "إن الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس؛ لأنها لحم، واللحم لا يتوضأ منه" (٢) فجوابه أن الشارع فَرَّق بين اللَّحمين، كما فرَّق بين المكانين، وكما فرَّق بين الراعيين: [رعاة الإبل ورعاة الغنم] (٣) فأمر بالصلاة في مَرَابِض الغَنَمِ دون أعطان الإبل (٤)، وأمر بالتوضؤ من لحوم الإبل

стр. 979

دون الغَنَم (١)، كما فرَّق بين الربا والبيع، والمُذَكَّى (٢) والمَيْتة؛ فالقياس الذي يتضمن التسوية بين ما فرق اللَّه بينه مِنْ أبطل القياس وأفسده، ونحن لا ننكر أن في الشريعة ما يخالف القياس الباطل، هذا مع أن الفرق بينهما ثابت في نفس الأمر، كما فرَّق بين أصحابِ الإبلِ وأصحابِ الغنمِ فقال: "الفَخْرُ والخيَلَاءَ في الفَدَّادين (٣) أصحاب الإبل، والسكينة في أصحاب الغنم" (٤) وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطانًا (٥)، وجاء أنها جنٌّ خُلقت من جن (٦)، ففيها قوة شيطانية،

стр. 980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 981

والغاذِي شبيه بالمغتذي، ولهذا حَرَّمَ كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير (١)؛ لأنها دواب عادية، فالاغتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذي من العُدْوان ما يضرُّه في دينه، فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها تلك القوة الشَّيْطانية والشيطان خُلِق من نار والنارُ تُطفأ بالماء، هكذا جاء الحديث، ونظيره الحديث الآخر: "إن الغَضَبَ من الشيطان، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" (٢) فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يُطفيء تلك القوة الشيطانية فتزول تلك المفسدة، ولهذا

стр. 982

أُمِرنَا بالوضوء مما مَسَّت النار (١) إما إيجابًا منسوخًا، وإما استحبابًا غير منسوخ، وهذا الثاني أظهر لوجوه: منها (٢) أن النسخ لا يُصَار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين، ومنها أن رُوَاة أحاديث الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة، ومنها أن المعنى الذي أُمرنا بالوضوء لأجله منها هو اكتسابُها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي خُلق منها والنارُ تُطفأ بالماء، وهذا المعنى موجود فيها، وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب (٣)، ومنها أن أكثر ما مع [من] (٤) ادّعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه ﷺ : "أكَلَ مما مسَّت النار ولم يتوضأ" (٥) وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء، لا على عدم استحبابه، فلا تنافي بين أمره وفعله (٦)، وبالجملة فالنسخ إنما يُصار إليه عند التنافي، وتحقق التاريخ، وكلاهما منتفٍ وقد يكون الوضوء من مَسّ الذَّكَر (٧) ومس النساء (٨) من هذا الباب، لما في ذلك من تحريك الشهوة، فالأمر بالوضوء منهما على وفق القياس، ولما كانت القوةُ الشيطانية في لحوم الإبل لازمةً كان الأمر بالوضوء منها لا مُعارض له من فعلٍ ولا قول، ولما كان في ممسوس النار عارضةً صح فيها (٩) الأمر والترك، ويدل على هذا أنه فرق بينها وبين لحوم الغَنَم في الوضوء، وفرق بينها وبين الغنم في مواضع الصلاة، فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل وأذِنَ في الصلاة في مَرَابض الغنم (١٠)، وهذا يدل على أنه ليس ذلك

стр. 983

لأجل الطهارة والنجاسة، كما أنه [لمَّا] (١) أمر بالوضوء من لحوم الإبل دون لحوم الغنم عُلم أنه ليس ذلك لكونها مما مَسَّتْه النار، ولما كانت أعطانُ الإبل مأوى للشيطان لم تكن مواضع للصلاة كالحُشُوشِ (٢)، بخلاف مَبَاركها في السفر، فإن الصلاة فيها جائزة؛ لأن الشيطان هناك عارض، وطردُ هذا المنعُ من الصلاة في الحمَّام لأنه بيت الشيطان (٣)، وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان، والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل، فإذا عُقِل المعنى لم يكن بُدٌّ (٤) من تعديته، ما لم يمنع منه مانع، واللَّه أعلم. فصل [الفطر بالحجامة على وفق القياس] أما الفِطْر بالحِجَامة (٥) فإنما اعتقد من قال: "إنه على خلاف القياس" (٦) ذلك بناء على أن القياسَ الفِطْرُ بما دخل لا بما خرج، وليس كما ظنُّوه، بل الفطر بها محض القياس، وهذا إنما يتبين بذكر قاعدة، وهي: أن الشارع الحكيم شرع الصوم على أكمل الوجوه وأقومها بالعَدْل، وأمَرَ فيه بغاية الاعتدال، حتى نَهى عن الوِصَال (٧)، وأمر بتعجيل الفِطْر وتأخير السحور (٨)، وجعل أعدلَ الصيامِ

стр. 984

وأفضلَه صيامَ داود (١)، فكان من تمام الاعتدال في الصوم أن [لا] (٢) يُدخل الإنسان ما به قُوامُه كالطعام والشراب ولا يخرج ما به قوامه كالقيء والاستمناء، وفرق بين ما يمكن الاحترازُ منه من ذلك وما لا يمكن، فلم يُفطر بالاحتلام ولا بالقيء الذارع كما لا يفطر بغبار الطَّحين وما يسبق من الماء إلى الجوف عند الوضوء والغسل، وجعل الحيض منافيًا للصوم دون الجنابة، لطول زَمَانِه (٣) وكثرةِ خروج الدم وعدم التمكن من التطهير قبل وقته بخلاف الجنابة، وفرقٌ بين دم الحِجَامة ودمِ الجرح فجعل الحجامةَ من جنسِ القيءِ والاستمناءِ والحيضِ وخروجَ الدَّمِ من الجرح والرُّعافِ من جنس الاستحاضةِ والاحتلامِ وذرعِ القيء، فتناسبت الشريعة وتشابهت تأصيلًا وتفصيلًا، وظهر أنها على وفق القياس الصحيح والميزان العادل، وللَّه الحمد (٤). فصل (٥) [التيمم جار على وفق القياس] ومما يُظن أنه على خلاف القياس باب التيمم، قالوا: إنه على خلاف

стр. 985

القياس من وجهين: أحدهما،: أن التراب مُلَوَّث لا يُزيلُ دَرَنًا ولا وَسَخًا ولا يطهِّر البدن كما لا يطهِّر الثوب، والثاني: أنه شُرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا خروجٌ عن القياس [الصحيح] (١). ولعمرُ اللَّهِ إنه خروج عن القياس الباطل المُضادِّ للدين، وهو على وفق القياس الصحيح؛ فإن اللَّه سبحانه جعل من الماء كل شيء حيّ، وخَلقَنا من التراب، فلنا مادتان: الماء، والتراب، فجعل منهما نَشْأَتَنا وأقواتنا، وبهما تطهَّرَتا وتعبَّدَنا، فالترابُ أصلُ ما خلق منه الناس، والماءُ حياةُ كل شيء، وهما الأصل في الطبائع التي ركَّب اللَّه عليها (٢) هذا العالم وجعل قوامه بهما، وكان أصلُ ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار هو الماءُ في الأمر المعتاد، فلم يجز العدولُ عنه إلا في حالة العَدمِ أو العذر بمرض ونحوه (٣)، وكان النقل عنه إلى أخيه وشقيقه التراب أولى من غيره، وإن لَوَّثَ ظاهرًا فإنه يُطهِّر باطنًا ويقوِّي (٤) طهارة الباطن فيزيل دَنَسَ الظاهرِ أو يخففه، وهذا أمر يشهده من له بصر نافذ بحقائق الأعمال وارتباط الظاهر بالباطن وتأثر كل منهما بالآخر وانفعاله عنه. فصل [الحكمة في كون التيمم على عضوين] وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة، فإن وضعَ الترابِ على الرؤوسِ مكروهٌ في العادات، وإنما يُفعل عند المصائب والنوائبِ، والرِّجْلَان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم للَّه والذل له والانكسار للَّه ما هو من أحبِّ العبادات إليه وأنفعها للعبد، ولذلك (٥) يستحبُّ للساجد أن يترِّبَ وجهه للَّه، وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد وجعل بينه وبين التراب وِقايةً فقال: "تَرِّبْ وجهك" (٦) وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرِّجْلين.
следующие страницы →