قال القاضي عضد الدين (١) (ت ٧٥٦ هـ) (٢): «. . . فبالحقيقة: عدمه مانع، وذلك لحكمة في عدمه تنافي حكمة الحكم [أو] (٣) السبب:
- فالحكم: كالقدرة على التسليم، فإن [عدمها] (٤) ينافي حكمة البيع، وهو الانتفاع.
- والسبب: كالطهارة للصلاة، فإن عدمها ينافي تعظيم الباري، وهو السبب [لوجوب] (٥) الصلاة»
الثالث: المانع:
يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. وهو ينقسم إلى:
مانع الحكم: وهو ما استلزم حكمة تقتضي نقيض الحكم. كالأبوة في القصاص، فإن كون الأب سببا لوجود ابنه يقتضي: ألا يصير الابن سببا لعدمه.
стр. 107
وإلى مانع السبب: وهو ما استلزم حكمة تخل بحكمة السبب. كالدين في الزكاة، فإن حكمة السبب، وهو الغنى، مواساة الفقراء من فضول أموالهم، ولم يدع [الدين في] (١) المال فضلا تكون به المواساة.
ولما ذكر ما هو مجمع على ما هو أقسام خطاب الوضع، أعقبه بما هو مختلف فيه، فقال:
الرابع والخامس: الصحة والفساد:
(وأما الصحة): التي هي موافقة الفعل ذي الوجهين (٢) وقوعا (٣) الشرع (٤).
والمراد بالوجهين: موافقة الشرع ومخالفته، عبادة كان (٥) أو عقدا، كالصلاة، والبيع، فالصحة فيه: موافقته للشرع.
(و) مقابل الصحة: وهو (الفساد)، مخالفة الفعل ذي الوجهين وقوعا الشرع. وهو مرادف/ [ظ ٦] للبطلان.
وزعم أبو حنيفة (ت ١٥٠ هـ) (٦): أن بينهما تفصيلا، وهو: إن كانت
стр. 108
المخالفة لكون النهي عنه لذاته، فهي البطلان. كما في الصلاة بدون بعض الشروط [أو] (١) الأركان.
أو لوصفه فهي الفساد، كما في صوم يوم النحر للإعراض بصومه عن ضيافة الله للناس بلحوم الأضاحي التي شرعها فيه.
والخلاف لفظي، إذ هو في التسمية فقط، حاصله : أن مخالفة الفعل المحتمل الوجهين للشرع بالنهي عنه لذاته، كما تسمى بطلانا هل تسمى
стр. 109
فسادا؟ أو لوصفه، كما تسمى فسادا، هل تسمى بطلانا؟ في ذلك خلاف.
ولما كان التحقيق أن الصحة والفساد من قبيل خطاب الوضع (١)، كما مشى عليه الآمدي (٢)، وتاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ) (٣)، وتبعهما المحلي (٤) (ت ٨٦٤ هـ) (٥)؛ أشار إلى [مقابله] (٦) بصيغة
стр. 110
التمريض (١): (فقيل): الجزم والحق (أنهما عقليان) (٢). وعليه مشى ابن الحاجب (٣)، لكنه فرض المسألة في العبادة فقط.
٤ - أقسام خطاب التكليف:
[وخطاب التكليف هو الإيجاب والتحريم والندب والإباحة والكراهة وخلاف الأولى].
(و) أما (خطاب التكليف) فستة أقسام:
الأول: (هو الإيجاب) ،
أي: اقتضاء الفعل اقتضاء جازما، كالصلاة والصوم.
والثاني: التحريم ،
أي اقتضاء الترك اقتضاء جازما، كشرب الخمر، والزنا.
والثالث: الندب ،
أي: اقتضاء الفعل اقتضاء غير جازم كصلاة الضحى، وغسل الجمعة.
والرابع: (الإباحة) ،
أي: اقتضاء التخيير (٤) بين فعل الشيء، وتركه،
стр. 111
كالأكل، والشرب، والنوم، ونحوه.
والخامس: (الكراهة) ،
أي: اقتضاء الترك اقتضاء غير حازم بنهي مخصوص. كالنهي في حديث الصحيحين: «إذا دخل أحد كم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (١). وفي حديث ابن ماجه وغيره: «لا تصلوا [في] (٢) أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشيطان» (٣).
والسادس: (خلاف الأولى) (٤)
أي: اقتضاء الترك اقتضاء غير جازم، بنهي غير مخصوص.
كالنهي عن ترك (٥) المندوبات المستفاد من. . .
стр. 112
أوامرها (١)، لأن الأمر بالشيء نهي/ [و ٧] عن ضده، كفطر مسافر لا يجهده الصوم (٢)، أو ترك صلاة الضحى (٣).
وهذا القسم زاده تاج الدين السبكي في جمع الجوامع (٤) تبعا لإمام الحرمين؛ إلا أنه عدل عن النهي المقصود إلى النهي (٥) المخصوص.
وقال في غير جمع الجوامع: والإمام أول من علمناه ذكره مع أنه (٦) لم ينشئه من عندياته، بل نقله عن غيره، وقال: إنه مما أحدثه المتأخرون (٧).
٥ - تعريف الرخصة والعزيمة:
[ثم الحكم إن تغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة؛ وإلا فعزيمة].
стр. 113
أ - تعريف الرخصة:
(ثم الحكم) المأخوذ من الشرع، أي: الذي لا نعمله إلا منه.
(إن تغير) باعتبار متعلقة التنجيزي (١).
(إلى سهولة)، كأن تغير من حرمة الفعل أو الترك إلى الحل له.
(لعذر) أي: لأجله.
بشرط أن يكون (مع قيام) أي: وجود.
(السبب للحكم) المتخلف عنه لوجود العذر.
(الأصلي): نعت للحكم.
(فرخصة) أي: فالحكم المتغير من صعوبة إلى سهولة بالشرط المتقدم يسمى: رخصة.
وهي في اللغة: السهولة والتيسير.
ثم نقل في الاصطلاح: إلى سهولة خاصة وهي السهولة في الحكم.
وذلك مثلا: كوجوب أكل الميتة للمضطر بعد حرمتها، وقيل: إنه عزيمة من حيث إنه وجوب؛ وندب القصر للمسافر؛ وإباحة السّلم؛ وكراهة فطر مسافر لا يجهده الصوم (٢)؛ وأصل الكل التحريم.
وسببه: ففي [الميتة] (٣): الخبث؛ وفي القصر والفطر: دخول وقت كل
стр. 114
منهما، وهو سبب لوجوب الصلاة كاملة، والصوم؛ وفي السلم: الغرر.
وهذه الأسباب كلها قائمة حال الحل.
وأعذار الحل: الاضطرار، ومشقة السفر، والحاجة إلى أثمان الغلات قبل إدراكها.
ب - تعريف العزيمة:
(وإلا) فإن لم يتغير أصلا، أو تغير لصعوبة، أو لسهولة من غير عذر، (فعزيمة) أي: يسمى عزيمة.
وهي في اللغة: القصد المصمم.
ونقل في الاصطلاح: إلى قصد خاص؛ لأنه عزم أمره، أي: قطع وحتم، سواء صعب على المكلف، أم سهل؛ فهي فعيلة بمعنى مفعولة.
ج - مناقشة في تعريف الرخصة والعزيمة:
وأورد على التعريفين: وجوب ترك الصلاة والصوم على الحائض؛ فإنه عزيمة؛ فيصدق عليه حد الرخصة، / [ظ ٧] فإن هذا متغير من صعوبة إلى سهولة.
وأجيب عن ذلك: بأن الحيض الذي هو عذر في الترك مانع من الفعل، ومن مانعيته نشأ وجوب الترك؛ أي: بالنظر إلى أنه واجب.
والحاصل: أن وجوب الترك عليها خارج من تعريف الرخصة بقوله:
«لعذر»؛ لأن التغير في حقها لمانع لا لعذر؛ وداخل في تعريف العزيمة، لأنه تغير من صعوبة إلى سهولة لا لعذر بل لمانع.
стр. 115
٦ - الخطاب:
[والكلام في الأزل يسمى خطابا، ويتعلق الأمر بالمعدوم].
أ - تعريف الخطاب:
(والكلام): النفسي الأزلي.
الأصح أنه (في الأزل) أي: باعتباره، (يسمى) الآن فيما لا يزال:
(خطابا) حقيقة.
وقيل: إنما يسمى خطابا حقيقة فيما لا يزال فقط، عند وجود من يفهم، وإسماعه إياه. والخلاف مفرع على تفسير الخطاب:
لأنا إذا فسرناه بأنه «الكلام الذي أفهم بالفعل»، لزم أنه عند عدم المخاطب لم يفهم بالفعل، فلا يسمى (١) خطابا.
وإذا فسرناه: بأنه «الكلام الذي علم أنه يفهم» يسمى خطابا. فقد نزل المعدوم * الذي سيوجد * (٢) منزلة الموجود/ [و ٨] في تسمية الكلام المتعلق به خطابا، لأنه كلام علم أنه يفهم؛ أعم من أن يفهم بالفعل أو بالصلاحية، وقد حصل أحدهما.
ب - خطاب المعدوم:
(ويتعلق) عند أهل السنة (٣) (الأمر). . .
стр. 116
والنهي (١)، أي : طلب الفعل والترك (٢) جازما، أو غير جازم، (بالمعدوم) الذات، أو الصفات المتوقف عليه (٣) التكليف.
وأنكر ذلك جميع الفرق قائلين : إذا امتنع تكليف الغافل فالمعدوم أولى.
والجواب : أن هذا إنما يرد لو قلنا إنه يتعلق (٤) به تنجيزا (٥) في حال العدم. ونحن إنما قلنا : إنه يتعلق به بمعنى أن المعدوم الذي علم الله تعالى أنه يوجده بشروط التكليف، توجه عليه حكم في الأزل بما يفهمه، ويفعله
стр. 117
فيما لا يزال.
وقد مثل لذلك الشيخ الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) (١) رضي الله تعالى عنه، تقريبا للأفهام، فقال: «إن الملك العظيم المستولي على الأقاليم، قد يجد في نفسه أمرا لما (٢) بعد (٣) من نوابه (٤)، ويكتب بذلك، ولا يصل إليه إلا بعد/ [و ٨] المدة الطويلة، ويكون مؤاخذا بمقتضاه، مستحقا للمدح والذم بشرط البلوغ، ولا يقال: إنه أمره عند البلوغ إليه، فإن الأمر قد يكون عند البلوغ (٥) على حال لا يصلح الأمر منه من نسيان أن نوم».
٧ - عبارات أخرى عن أقسام الحكم التكليفي:
[والفرض والواجب بمعنى.
والمندوب، والسنة، والنافلة، والمستحب، والتطوع، والمرغب فيه، والحسن مترادفة].
أ - الفرض والواجب:
стр. 118
(والفرض، والواجب) : من حيث المفهوم الأصلي : متغايران.
ومن حيث العرف الشرعي : (بمعنى) واحد. فهما مترادفان عند الجمهور.
وفرق الحنفية (١) بينهما بالظن، والقطع. فما ثبت بقطعي يسمى فرضا، كقراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقوله تعالى : ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٢). وما ثبت بظني : يسمى واجبا، كتعيين الفاتحة، الثابت بحديث : «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (٣)، وهو آحاد. والنزاع لفظي.
قال الشيخ زروق (ت ٨٩٩ هـ) (٤) في شرح. . .
стр. 119
الوغليسية (١): «ومن ألقاب الفرض: (مستحق)، ولازم، ومكتوب، فأيهن (٢) قلت صدق على معنى الفرض، كما يلقب المحرم: بالمحظور، والممنوع» (٣).
ب - عبارات عن المندوب:
(والمندوب، والسنة، والنافلة، والمستحب، والتطوع، والمرغب فيه، والحسن): أسماء (مترادفة) وضعت لمعنى واحد، وهو الفعل المطلوب طلبا غير جازم، كما علم من حد المندوب فيما تقدم.
[وخالف في ذلك (٤)، القاضي. . .
стр. 120
الحسين (ت ٤٦٢ هـ) (١)، والبغوي (ت ٥١٦ هـ) (٢)، والخوارزمي (ت ٥٦٨ هـ) (٣)، من الشافعية،] (٤) والخلاف لفظي أيضا (٥).
٨ - تعريف الأداء والقضاء والإعادة:
أ - تعريف الأداء:
[الأداء إيقاع المأمور به في وقته المعين].
(والأداء) في الاصطلاح: (إيقاع) أي: فعل الشيء (المأمور به) كله، أو بعضه، واجبا كان أو مندوبا، (في وقته المعين) له شرعا.
стр. 121
فخرج ما لم يقدر له وقت، كالنوافل. أو قدر له لكن لا شرعا، كالزكاة، يعين لها الإمام شهرا.
وأورد عليه: قضاء الصوم - مثلا - جعل له الشارع وقتا معينا لا يجوز تأخيره عنه، وهو من حين الفوات إلى رمضان السنة الثانية، فإذا فعله فيه كان قضاء مع أن حد الأداء منطبق عليه، فيكون غير مانع. فيجب أن يزاد في الحد له: «أولا».
وأجيب: بأنه لا يحتاج إلى هذه الزيادة؛ لأن الوقت صار حقيقة عرفية في الأول، فلا يتناول ذلك/ [ظ ٨] إلا بقرينة.
ب - تعريف القضاء:
[والقضاء ما سبق لفعله مقتض مطلقا بعد وقته.
والوقت هو الزمان المقدر له شرعا مطلقا].
(والقضاء) في الاصطلاح:
(إيقاع)، أي: فعل كل أو بعض، (ما)، أي: شيء، (سبق لفعله) متعلق بقوله: (مقتض مطلقا) أي: من الموقع، كما في قضاء الصلاة والصوم المتروكين بلا عذر. أو من غيره، كما في قضاء النائم الصلاة، والحائض الصوم، فإنه سبق ما يقتضي فعلهما، لكن من غير النائم والحائض عند المحققين.
(بعد (١) وقته)، أي: وقت أدائه.
стр. 122
وعبر بالاقتضاء الشامل للوجوب، والندب، تبعا لصاحب جمع الجوامع (١)، وهو شافعي المذهب. والمالكية لا يرون قضاء النوافل، بل إطلاق القضاء على الفجر عند المحققين (٢) مجاز. ولهذا عبر ابن الحاجب بالوجوب (٣).
(والوقت) المعتبر في كون المفعول فيه يسمى : أداء، وبعده قضاء، (هو : الزمان المقدر له شرعا)، أي قدره له الشارع (مطلقا).
فخرج ما لم يقدر له الشارع زمانا، كالنذر والنفل المطلقين، ونحوهما، فلا يوصفان بأداء، ولا قضاء.
ودخل ما قدر له الشارع زمانا، سواء كان موسعا كالحج، أو مضيقا كالصلوات (٤) المكتوبات، وسننها، وكصوم رمضان وأيام البيض.
وأورد عليه : بأن زيادة «مطلقا» حشو، لصدق (٥) الحد على كل من الموسع، والمضيق أنه الوقت المقدر شرعا بدونها.
стр. 123
وأجيب: بأنه وإن شملها لا يمنع توهم عدم إرادة الشمول، أو أنه لا يصدق على الموسع بناء على توهم أن التقدير جعله بقدره، فزاد «مطلقا» دفعا للتوهم. والله أعلم.
ج - تعريف الإعادة:
[والإعادة إيقاعه في وقته ثانيا.
وهل لخلل أو لعذر؟ قولان].
(والإعادة) في الاصطلاح: نوع من الأداء عند المحققين - على ما صرح به الآمدي (ت ٦٣١ هـ) (١) وغيره، وإن وقع في عبارة المتأخرين خلافه (٢) - وهي:
أن الإعادة (إيقاعه) أي: الشيء المعاد - بالمعنى اللغوي، وهو أعم من أن يكون في الوقت أولا - لعذر أو لخلل أولا (في وقته) المقدر له شرعا (ثانيا).
стр. 124
(وهل) وقعت الإعادة في وقته ثانيا؛ (لخلل) في الفعل/ [و ٩] الأول :
كفوات شرط، أو ركن، كالصلاة مع النجاسة، أو بدون الفاتحة. (أو) وقعت الإعادة في وقته ثانيا؛ (لعذر) في الفعل الأول : لفضيلة (١) يريد حصولها مثل (٢) من صلى منفردا حيث لا جماعة مثلا؟
(قولان) عند الأصوليين :
- فالصلاة المكررة معادة على الثاني؛ لحصول فضل (٣) الجماعة.
- وغير معادة على الأول؛ لانتفاء الخلل، وهو المشهور الذي جزم به الإمام الرازي (٤) (ت ٦٠٦ هـ) (٥) وغيره؛ ورجحه ابن الحاجب (٦)؛ وهو الظاهر من كلام المصنف : حيث قدمه، وعطف الآخر
стр. 125
عليه ب «أو».
واختار (١) تاج الدين السبكي في شرح المختصر: أن الإعادة فعل الشيء ثانيا، في وقت الأداء: مطلقا من غير تقييد بخلل ولا بعذر؛ إذ كل من القولين (٢) غير مرضي عنده (٣).
وأورد على حد المصنف: أنه غير جامع، لعدم تناوله ما زاد على الإعادة الأولى إن كان.
وأجيب:
أما أولا: فلعله اختار أن الإعادة مقيدة بالواحدة كما عليه جماعة من الأصوليين.
وأما ثانيا: فالمراد بالثاني: خلاف الأول، فيشمل ما زاد على الثاني.
وإطلاق الثاني على هذا (٤) المعنى واقع في استعمالاتهم.
٩ - تعريف الواجب المضيق والواجب الموسع:
[والوقت: إما أن يساوي الفعل، كرمضان، وهو: الواجب المضيق؛ أو
стр. 126
يزيد عليه كالصلوات الخمس، وهو الواجب الموسع، وقد يتسع بالعمر كالحج].
أ - تعريف الواجب المضيق:
(والوقت) الاختياري:
(إما أن يساوي الفعل) بحيث يقتصر على مقدار ذلك الفعل (١).
(كرمضان) مثلا، فإن وقته لا يزيد على مقدار ذلك الفعل [ولا ينقص عنه وهو: (الواجب المضيق) وقته.
(أو) لا يساوي الفعل، بحيث ينقص عن مقدار ذلك الفعل] (٢) أو يزيد عليه. والأول يسمى بالواجب المضيق أيضا: سواء قصد حصوله [فيه] (٣) بناء على جواز التكليف بالمحال؛ أو لم يقصد حصوله فيه، بل إيجاب قضائه، كمن زال عذره وقد بقي من الوقت ما لا يسع إلا ركعة.
ب - تعريف الواجب الموسع:
والثاني: وهو: ما (يزيد) وقته (عليه) أي: بحيث لا يقتصر على مقدار ذلك الفعل وهو قد يكون محدودا (كالصلوات) الخمس مثلا (و) ذلك (هو الواجب الموسع) لاتساع وقته.
فإن الظهر مثلا: وقته من الزوال لآخر القامة، بغير ظل الزوال، فمتعلق الوجوب هو القدر المشترك بين/ [ظ ٩] أجزاء القامة، ففي أي
стр. 127
جزء أوقعه فيه، فقد أوقعه في وقته.
(وقد) لا يكون محدودا، بل ([يتسع]) (١) وقت الواجب (بالعمر) كله، ففي أي جزء من عمره أوقعه فيه، فقد أوقعه في وقته (٢) (كالحج)، وقضاء الفوائت مثلا.
والحق: أنه لا يجب على المؤخر عزم.
وقيل: يجب عليه، ليتميز الواجب الموسع عن المندوب في جواز الترك.
والجواب: أن التمييز يحصل بدونه، وهو ترتب الإثم على تأخير الواجب عن وقته.
١٠ - المطلوب العيني والمطلوب الكفائي:
[والمطلوب: إن كان من معين، فعيني؛ وإلا فكفائي].
أ - المطلوب العيني:
(والمطلوب) فرضا كان أو سنة:
(إن كان) منظورا بالذات إلى فاعله بأن قصد حصوله (من معين):
أي كل مكلف بعينه، أو من مكلف واحد كخصائصه المفروضة عليه دون أمته ﷺ : (فعيني).
ب - المطلوب الكفائي:
(وإلا) بأن قصد حصوله في الجملة، من غير نظر بالذات إلى فاعله،
стр. 128
بل بالتبع ضرورة أنه لا يحصل بدون فاعل. فشمل (١) الديني كصلاة الجنائز، والأمر بالمعروف. والدنيوي كالحرف، والصنائع : (فكفائي).
وهو معنى (٢) قول (٣) الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) (٤) : إنه «كل مهم ديني يراد حصوله ولا يقصد عين من تولاه» (٥).
стр. 129
قال ابن السبكي : «. . . وبهذا يترجح عندك أنه لا يجب على الكل، لأن الفاعلين لا نظر إليهم (١) فيه (٢) بالذات/ [و ١٠]، بل بضرورة الواقع، إذ لا يقع الفعل إلا من فاعل، فما بالنا نجعله متعلقا (٣) بالكل، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك، وملاقاة الوجوب للبعض ممكنة بالمعنى الذي أسلفناه. ولو أن غريقا قذفه الحوت إلى شاطئ البحر فنجا، أو جائعا قدر الله له الشبع (٤) بدون أكل، فيحتمل أن يقال بالتأثيم - لعصيان الكل (٥) - بالجرأة على الله تعالى. والأظهر أنه لا يأثم أحد لحصول المقصود» (٦).
стр. 130
١١ - الواجب بالتبع وبالقصد، والواجب المعين والمخير:
[والواجب إما بالتبع أو بالقصد، وقد يتعلق بنوع معين أو مبهم من أمور معينة كخصال الكفارة].
أ - الواجب بالتبع والواجب بالقصد:
(و) الفعل (الواجب) وجوبه (إما بالتبع) لواجب آخر توقف حصوله عليه، ويسمى بالمقدمة، أي يؤخذ وجوبه من دليل المتوقف عليه، (أو بالقصد) من الشارع له بعينه، كالصلاة والصوم.
ب - الواجب المعين والواجب المخير:
(وقد يتعلق) / [و ١٠] الطلب، جازما كان أو غير جازم:
стр. 131
(بنوع) واحد (معين)، أي : متميز. واحترز بالتعيين (١) النوعي من الشخصي، لأنه لا يتعلق به طلب، لأن تحققه خارجا مانع من التكليف به.
(أو) بنوع واحد أيضا (مبهم) في الظاهر (من أمور معينة)، ويسمى الواجب المخير.
وهو على قسمين :
- قسم يجوز فيه الجمع [بين] (٢) تلك الأمور، وتكون أيضا أفرادها محصورة (كخصال الكفارة)، فالواجب فيها يتعلق بواحد من الإطعام، والكسوة، والعتق، ومع ذلك يجوز إخراج الجميع.
- وقسم لا يجوز فيه الجمع (٣) بين تلك الأمور، ولا تكون أفرادها محصورة، مثال ذلك : إذا مات الإمام الأعظم، ووجدنا جماعة قد استعدوا لذلك، أي اجتمعت فيهم شرائط الإمامة، فإنه يجب على الناس نصب أحد المستعدين من الجماعة للإمامة، ولا يجوز نصب زيادة عليه.
تتمة : أما التكليف بواحد مبهم من أمور مبهمة - لأنه تكليف بما لا يعلمه الشخص المكلف - فمبني على التكليف بما (٤) لا يطاق.
стр. 132
الفصل الثاني
قواعد الحكم الشرعي
١ - قاعدة:
[وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه] .
(و) الأمر الذي مقتضاه (وجوب الشيء يستلزم) النهي الذي يقتضي (حرمة نقيضه) الذي هو تركه [كما أن حرمة الشيء تستلزم وجوب نقيضه الذي هو تركه] (١) أيضا.
وهذا مما لا يتصور فيه نزاع؛ وإنما النزاع في الضد لا في النقيض.
وليس الخلاف أيضا في المفهومين للقطع بتغايرهما.
ولا في اللفظين، لأن صيغة الأمر «افعل»، وصيغة النهي «لا تفعل».
وإنما الخلاف في: أن تعلق الأمر النفسي، هل عين تعلق النهي النفسي؟ وبالعكس؟.
فقيل: إن الأمر بالشيء هو (٢) النهي عن ضده عقلا.
وقيل: يتضمنه.
وقيل: أمر الوجوب يتضمنه دون الندب.
стр. 133
وقيل: لا عينه، ولا يتضمنه طلبا (١). واقتصر قوم على هذا.
وقال آخرون: إن النهي عن الشيء نفس الأمر به.
وقيل: على الخلاف.
ثم اختلف القائلون بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده:
فمنهم: من عمم القول في أمر الوجوب والندب.
ومنهم: من خصصه (٢) / [ظ ١٠] * بأمر الوجوب، فجعله عين النهي عن الضد.
ومنهم: من خصصه (٣) بما * (٤) إذا اتحد الضد كالحركة والسكون.
ومنهم: من قال: (٥) عند التعدد يكون نهيا عن واحد غير معين.
٢ - قاعدة:
[يجوز التكليف بالمحال مطلقا]:
(ويجوز) عقلا (التكليف بالمحال مطلقا) أي: سواء كان محالا لنفس مفهومه، كالجمع بين الضدين. [أو] (٦) لا لنفس مفهومه، بل إما لعدم
стр. 134
جريان العادة بخلق القدرة على مثله، كالمشي من الزّمن، والطيران من الإنسان؛ أو لتعلق العلم بعدم وقوعه كإيمان من علم الله أنه لا يؤمن.
وقال ابن التلمساني (١) (ت ٦٤٤ هـ) (٢) : ما لا يطاق ينقسم (٣) خمسة أقسام :
الأول : المستحيل في نفسه : كقلب الأجناس، والكون في محلين في زمان واحد. وهذا لا يتعلق (٤) به قدرة البتة، لا قديمة ولا حادثة.
الثاني : المستحيل بالنسبة إلى العبد خاصة : كخلق الأجسام وبعض الأعراض كالطعوم والروائح.
الثالث : ما لم تجر العادة بخلق القدرة على مثله وإن جاز [خرقها] : (٥)
كالمشي على الماء، والطيران في الهواء.
الرابع : ما لا قدرة للعبد عليه حال التكليف، وله قدرة عليه حال الامتثال.
الخامس : ما هو [من] (٦) جنس مقدور البشر لكن في الحمل عليه
стр. 135
مشقة عظيمة : كالأمر في التوبة بقتل النفس (١)، وثبوت الواحد للعشرة (٢).
وعليه يحمل قوله تعالى : ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ (٣) إذ لا معنى للابتهال في دفع ما (٤) لا يتصور وقوعه.
و(٥) الرابع أيضا واقع على أصل أبي الحسن (ت ٣٢٤ هـ) وهو لا يعده من تكليف ما لا يطاق، لأنه لا يشترط التمكن إلا حال الوقوع فلا يضر عدمه قبل ذلك (٦).
стр. 136
والثلاثة الباقية جوزها أبو الحسن (١) والتردد المنقول عنه إنما هو في وقوعها.
ويصح رد الثاني للثالث، والرابع للأول، فتكون ثلاثة فقط.
وفي التلويح : «ما لا يطاق :
إما أن يكون ممتنعا لذاته كإعدام القديم وقلب الحقائق، والإجماع منعقد على عدم وقوع التكليف به، والاستقراء أيضا شاهد على/ [و ١١] ذلك، والآيات ناطقة به.
وإما أن يكون ممتنعا لغيره، بأن يكون ممكنا في نفسه، لكن لا يجوز وقوعه من المكلف لانتفاء شرط أو وجود مانع.
فالجمهور على أن التكليف به غير واقع، خلافا للأشعري.
ولا نزاع في وقوع التكليف بما علم الله أنه لا يقع، أو أخبر بذلك، كبعض تكاليف العصاة والكفار.
فصار حاصل النزاع أن مثل ذلك هل هو من قبيل ما لا يطاق حتى
стр. 137
يكون التكليف الواقع به تكليفا بما لا يطاق؟ أم لا؟
فعند الجمهور : هو مما يطاق، بمعنى : أن العبد قادر على القصد إليه اختيارا (١) وإن لم يخلق الله الفعل عقب قصده، ولا معنى لتأثير قدرة العبد في أفعاله إلا هذا، على ما سبق في تحقيق التوسط بين الجبر والقدر (٢).
وعند الأشعري : هو محال لاستلزامه محالا (٣) وهو : انقلاب علم الله تعالى جهلا، أو وقوع الكذب في [أخباره] (٤). فإيمان أبي جهل محال، وهو مكلف به، فالتكليف بما لا يطاق واقع» (٥).
وزعم القرافي (ت ٦٨٤ هـ) (٦) : أن الأبله مكلف بدقائق التوحيد وهو
стр. 138
يقتضي وقوع التكليف بالمحال/ [ظ ١١] العادي (١).
وفي كلام التلويح المتقدم، ما يقتضي نسبته أيضا للأشعري أيضا فليتامل.
٣ - قاعدة:
[ولا يشترط في التكليف حصول الشرط الشرعي.
وعليه: هل يصح تكليف الكافر بالفروع ؟].
(ولا يشترط) لجواز اتفاقا، ولا للوقوع أيضا عند أكثر المحققين (٢) (في التكليف) بالمحال، ولا غيره (حصول الشرط الشرعي) وهو ما يتوقف عليه صحة المشروط شرعا كالإسلام للعبادة (٣).
فخرج العقلي كالتمكن من الأداء الزائل بالغفلة والنسيان، فإن حصوله شرط في صحة التكليف، وهذا مبني على قول الجمهور: إن الأمر يتعلق بالفعل قبل المباشرة بعد دخول وقته إلزاما وقبله إعلاما.
стр. 139
وقيل : لا يصح التكليف مع فقد (١) شرطه الشرعي، لعدم إمكان امتثاله.
وأجيب : بأنا لو سلمنا أن صحة التكليف تتوقف على إمكان المكلف به، بناء على امتناع التكليف بالمحال، / [و ١١] فلا نسلم انتفاء الإمكان هنا، بل هو متحقق، وذلك بأن يؤتى بالمشروط بعد الشرط.
(وعليه) أي : على أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكليف يصح منه (تكليف الكافر بالفروع) الشرعية، وقد وقع. فيعاقب على ترك الامتثال، وإن كان يسقط عنه ما فرط فيه في حال كفره إذا أسلم ترخيصا وترغيبا في الإسلام. قال تعالى : ﴿يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (٢). وقال أيضا :
﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ (٣). وقال : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً﴾ (٤)
وأما تفسير الصلاة بالإيمان لأنها شعاره، وتفسير الزكاة بكلمة التوحيد؛ قال المحلي : «وذلك لإفراده بالشرك فقط، كما قيل [خلاف] (٥) الظاهر» (٦) أي : في قوله. . .
стр. 140
تعالى : ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ (١) أي : جعلوها إشارة للشرك (٢) فقط، دون ما عطف عليه، لكونها بلفظ المفرد، ولو كانت الإشارة للجميع، لقيل :
«تلك» مثلا.
قال المحقق العضد : «. . . وقوله تعالى حكاية عن الكفار : ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٣)، صرح بتعذيبهم بترك الصلاة، ولا يحمل على المسلمين، كقوله ﵇ : «نهيت عن قتل المصلين» (٤)،
стр. 141
لأن قوله : ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (١) ينفيه» (٢).
قال التفتازاني (ت ٧٩١ هـ) : «ولا يجوز أن يراد بالمصلين، المسلمون (٣)، لفوات المناسبة في قوله : ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (٤) فإنه عبارة عن الزكاة، لأنه الإطعام الواجب، ولأنه : إذا كان التعذيب على ترك الإسلام (٥)، لم تجب عليهم. . .
стр. 142
الزكاة (١)، فلم يصح التعذيب على تركها» (٢).
٤ - قاعدة:
[لا تكليف إلا بفعل] .
(ولا تكليف) عند الأكثر (إلا بفعل) (٣).
أما في الأمر: فالمكلف به (٤): * الفعل اتفاقا. وأما في النهي: فالمكلف
стр. 143
به * (١) الكف، أي: الانتهاء عن المنهي عنه على الأصح، خلافا لأبي هاشم (ت ٣٢١ هـ) (٢) وكثير من القائلين بأنه في النهي الانتفاء، لأن التكليف مشروط/ [و ١٢] بالقدرة، وهي لا تتعلق بالعدم، لأنها لا توجد قبل الفعل، بناء على أن العرض لا يبقى.
وعلى اشتراط الفعل في التكليف قيل: إن التكليف بالإيمان تكليف بأسبابه. [بناء] (٣) على أن التصديق الإيماني ليس بفعل.
وعن الإمام الرازي (ت ٦٠٦ هـ) (٤)، واقتصر عليه في المنهاج البيضاوي (ت ٦٧٥ هـ) (٥): أن المكلف به في النهي فعل الضد للمنهي عنه.
٥ - قاعدة:
[يصح التكليف مع علم انتفاء شرط الوقوع] .
стр. 144
(ويصح التكليف) من الشارع (مع علم) الآمر - بالمد -، وكذا المأمور (١) في الأظهر، زاده السبكي (٢).
(انتفاء) مفعول علم المضاف إلى الآمر (٣).
(شرط الوقوع) كأمر رجل بصوم يوم علم الآمر موته قبل ذلك اليوم، وكأمر امرأة بصوم يوم معين، علمت بالعادة أو بقول النبي، أنها تحيض فيه. فقد علم المأمور انتفاء شرط وقوع الصوم من الحياة، والتمييز عند وقته، فيصح تكليفهما بالصوم، ويلزمهما نية الصوم، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
وقال إمام الحرمين والمعتزلة (٤) : لا يصح التكليف مع ما ذكر لانتفاء
стр. 145
فائدته من الطاعة بالفعل، والعصيان بالترك، وأيضا فلأن المكلف (١) * المأمور بشيء لا يعلم أنه مكلف به عقب سماعه الأمر به لأنه قد * (٢) لا يتمكن من فعل المأمور به لموته قبل وقته أو عجزه عنه.
وأجيب: بأن فائدته الاختبار بالعزم على الفعل أو الترك، فيترتب الثواب أو العقاب، وبأن الأصل عدم ذلك. وبتقدير وجوده ينقطع تعلق الأمر الدال على التكليف.
٦ - قاعدة:
[ويعلم التكليف قبل دخول الوقت، وإن لم يعلم وجود الشرط فيه] .
(ويعلم) بالبناء للمجهول، (التكليف) بالمكلف به (قبل دخول الوقت) المنصوب [لأوان] (٣) التكليف؛ (وإن لم يعلم) - بالبناء للمجهول - (وجود الشرط) الشرعي (فيه)، أي: في الوقت المنصوب [لأوان] (٤) التكليف.
وعليه جمهور الأصوليين: قال العضد (ت ٧٥٦ هـ): «ولولا أن تحقق الشرط في الوقت ليس شرطا في التكليف لما علم قبل وقته، إذ