غلاما لا غلامين (١). وكذا لو قال لامرأته: إن كان حملك ذكرا، فأنت طالق طلقتين فكان ذكرين. قيل: لا تطلق لهذا المعنى، وقيل: تطلق حملا على الجنس (٢).
فانظر كيف تردد الفقهاء هنا في المطلق والنكرة، حتى إن ألحق بالنكرة كان للوحدة، وإن ألحق بالمطلق كان (٣) للأعم منها، فدل أنهم يفرقون. فيخرج (٤) المعارف، نحو: زيد، والعام، نحو: رجل، ونحوه.
ج - تعريف المقيد:
(ويقابله) أي: المطلق (المقيد) فهو ما دل على شائع في جنسه فيدخل (٥) المعارف، والعمومات كلها، ونحو: «أعتق رقبة مؤمنة».
стр. 212
١٢ - مراتب الدلالة:
أ - النص:
[والنص: ما لا يحتمل إلا معنى بالوضع].
(و) اللفظ (النص): مشتق من منصة العروس، وهو الكرسي الذي [تنص] (١) عليه العروس أي ترتفع. سمي بذلك لارتفاعه على غيره من الألفاظ في فهم معناه من غير توقف وتردد.
(ما) أي لفظ (لا يحتمل إلا معنى) واحدا، (بالوضع) لذلك المعنى الواحد كألفاظ العدد.
وقد يطلق على (٢) ما دل على معنى، وإن احتمل غيره كصيغ الجموع في العموم فإنها تدل على أقل الجمع مع احتمال الاستغراق.
وقد يطلق في مقابلة القياس، سواء كان ظاهرا أو نصا بالمعنى الأول.
وقد يطلق في كتب الفروع بإزاء القول المخرج (٣).
стр. 213
ب - الظاهر:
[والظاهر: ما احتمل معنيين، أحدهما أرجح من حيث الوضع].
(و) اللفظ (الظاهر) في اللغة: الواضح.
وفي الاصطلاح (ما احتمل/ [و ٢٢] معنيين أحدهما): دلالته عليه (أرجح) عند العقل من الآخر (من حيث الوضع) اللغوي والعرفي، ولذا عرفه ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ): ب «ما دل دلالة ظنية» (١).
وقال ابن السمعاني (ت ٤٨٩ هـ): «الظاهر: لفظ معقول يتبادر إلى الفهم منه معنى مع احتمال اللفظ غيره» (٢).
فمثال الدال بالوضع اللغوي: الأسد راجح للحيوان المفترس، مرجوح للرجل الشجاع.
ومثال الدال بالعرف: كالغائط راجح للخارج المستقذر، مرجوح للمكان المطمئن.
ج - التأويل:
[والتأويل: حمل اللفظ على المعنى المرجوح بدليل. وهو صحيح وفاسد؛ والصحيح: قريب، وبعيد].
١) تعريف التأويل:
(والتأويل) مشتق من آل يؤول، إذا رجع، تقول: آل الأمر إلى كذا،
стр. 214
أي رجع إليه.
وفي الاصطلاح (حمل اللفظ) المحتمل للمعنيين (١) (على المعنى المرجوح) [منهما] (٢) (لدليل) يصيره راجحا.
٢) التأويل: صحيح وفاسد ولعب:
(وهو) أي التأويل منه: تأويل (صحيح و) منه: تأويل (فاسد)، ومنه تأويل لعب.
فإن حمل على المرجوح لدليل قطعي أو ظني مقتض للحمل فصحيح.
وإن حمل على المرجوح لما يظن دليلا، وليس بدليل في نفس الأمر لا قطعي، ولا ظني، ففاسد.
أو حمل على المرجوح لا لشيء أصلا، فلعب لا تأويل. لأن التأويل إنما يسمى تأويلا، لأنه آل إلى الظهور، وعند قيام الدليل عليه، فإذا لم يوجد دليل قطعي ولا مظنون (٣) فلا تأويل.
٣) التأويل الصحيح: قريب وبعيد:
(والصحيح) قسمان منه: تأويل (قريب و) منه تأويل (بعيد).
فالذي يترجح على الظاهر بأدنى دليل مرجح، قريب. كقوله تعالى:
﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ (٤) على. . .
стр. 215
عزمهم (١) على القيام إليها، ووجه قربه قيام (٢) الإجماع على أن المراد ذلك.
والذي لا يترجح على الظاهر إلا بأقوى منه، بعيد. كتأويل الحنفية قوله ﷺ لغيلان بن سلمة (٣)، وقد أسلم على عشر نسوة، : «أمسك أربعا وفارق سائرهن» (٤) على ابتداء نكاح أربع منهن فيما إذا كان نكحهن معا
ووجه بعده: أن المخاطب بمحله قريب عهد بالإسلام، لم يسبق له بيان بشروط (١) النكاح مع حاجته إلى ذلك، ولم ينقل تجديد نكاح منه، ولا/ [ظ ٢٢] من غيره مع كثرتهم، وتوفر دواعي (٢) حملة الشريعة على نقله لو وقع.
د - المجمل:
[والمجمل: ما لم تتضح دلالته، لاحتماله أكثر من معنى من غير رجحان].
(والمجمل) لغة: المجموع، وجملة الشيء مجموعه، ومنه أجمل الحساب إذا جمعه. ومنه: المجمل في مقابلة المفصل.
وفي الاصطلاح: (ما) أي: لفظ (لم تتضح) أي: تنجلي (دلالته) فيتناول القول والفعل.
ويخرج المهمل إذ لا دلالة له، والمبين لاتضاح دلالته.
وإنما لم تتضح دلالته (لاحتماله) أي: اللفظ (أكثر من معنى) واحد، (من غير رجحان) لأحد الاحتمالات، ك «القرء» المتردد بين الحيض والطهر، و «المختار» بين الفاعل والمفعول.
هـ - البيان:
[والبيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي].
стр. 218
(والبيان) يطلق على فعل المبيّن، وهو التبيين، كالسلام والكلام (١) للتسليم، والتكليم.
واشتقاقه من بان : إذا ظهر، أو انفصل؛ و (٢) على ما حصل به التبيين وهو : الدليل؛ وعلى متعلق التبيين ومحله، وهو : المدلول.
وفي الاصطلاح : وبالنظر إلى المعاني الثلاثة اختلف العلماء في تفسيره، والمختار ما قاله الصيرفي (ت ٣٣٠ هـ) : (٣) (إخراج الشيء) قولا كان أو فعلا (من حيز الإشكال) والإجمال - أي : من حالة لم يتضح معها معناه - (إلى حيز التجلي) (٤) والوضوح. أي : (٥) إلى حال يتضح معها معناه، بنصب ما يدل عليه من حال أو مقال وأورد على الحد إشكالان :
أحدهما : البيان ابتداء من غير تصور إشكال بيان، وليس ثم إخراج من حيز الإشكال (٦).
стр. 219
ثانيهما : أن لفظ الحيز في الموضعين مجاز، والتجوز في الحد لا يجوز (١).
وأجيب عن الأول : بأن هذا لغوي، والتعريف للاصطلاحي.
وأجيب (٢) عن الثاني : بأن المجاز بالقرينة يدخل التعريف كما صرح به الغزالي (٣) (ت ٥٠٥ هـ) وغيره. قال العضد (ت ٧٥٦ هـ) : «ولا يخفى أن هذه مناقشات (٤) واهية» (٥).
стр. 220
١٣ - النسخ:
[والنسخ: رفع الحكم الشرعي بخطاب].
أ - تعريف النسخ:
(والنسخ) لغة له معنيان:
- الإزالة: تقول: نسخت الشمس الظل، أي: أزالته، ونسخت الريح آثار القوم أي: أزالتها.
- والنقل: [تقول] (١): نسخت الكتاب أي: نقلت ما فيه إلى آخر، ونسخت النحل، أي: نقلتها من موضع إلى آخر.
ومنه المناسخات في المواريث، لانتقال المال/ [و ٢٣] من وارث إلى آخر.
والتناسخ في الأرواح، لأنه نقل من بدن إلى بدن.
واختلف في أيهما هو حقيقة.
فقيل: هو حقيقة فيهما (٢) من باب المشترك.
وقيل: في الأول، وهو الإزالة. وفي الثاني مجاز، وهو النقل باسم اللازم، إذ في النقل إزالة عن موضعه الأول.
وقيل في الثاني وهو النقل. وفي الإزالة مجاز باسم الملزوم، قال العضد:
стр. 221
ولا يتعلق به غرض علمي (١).
وأما في الاصطلاح فقد اختلف فيه، والأصح أنه (٢) (رفع) تعلق (الحكم الشرعي بخطاب) من الشارع، فينبغي زيادة قيد التعلق في الحد، ليندفع ما يقال من أن الحكم قديم، فكيف يرتفع؟! وإنما يرتفع الحادث وهو التعلق التنجيزي.
وخرج ب «الشرعي»، رفع البراءة الأصلية، أي عدم التكليف بشيء، والمخرج بآية ونحوها من المخصصات، وبخطاب الرفع بالموت.
ب - أنواع النسخ:
تنبيه: يجوز النسخ إلى بدل، كنسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة (٣).
وإلى غيره: كنسخ وجوب الصدقة بين يدي النجوى (٤).
стр. 222
وإلى بدل أغلظ منه : كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية (١).
وإلى بدل أخف منه : كنسخ العدة عاما بأربعة أشهر وعشرا (٢).
لوارث» (١).
والسنة بالكتاب : كنسخ استقبال بيت المقدس بقوله تعالى : ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ. . .﴾ الآية (٢).
стр. 225
القسم الثالث بقية الأدلة
السنة والإجماع والقياس والاستدلال
стр. 226
الأصل الثاني (١):
السنة
١ - تعريف السنة وأنواعها:
١ - تعريف السنة:
[السنة: قول النبي ﷺ ، وفعله، وتقريره].
وهي لغة: الطريق، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ (٢) أي:
طرق.
وفي الاصطلاح: (قول النبي) سيدنا محمد * خاتم الأنبياء وسيدهم * (٣)، ﷺ ، وكذا (فعله) أيضا ﷺ (و) كذا (تقريره) (٤) على قول أو فعل وقع بحضرته.
٢ - السنة التقريرية:
[إذ لا يقر ﷺ أحدا على باطل].
كإقراره أبا بكر ﵁، على قوله بإعطاء سلب القتيل، وهو ما معه
стр. 227
من ثيابه، وفرسه، وسلاحه لقاتله (١).
وإقراره خالد بن الوليد رضي الله/ [ظ ٢٣] عنه على أكل الضب (٢).
وكذا أيضا ما فعل أو قيل في زمان حياته ﷺ في غير مجلسه، لكنه علم به ولم ينكره مع تمكنه (٣) من إنكاره، فحكمه حكم ما فعل و (٤) قيل في مجلسه وعلم به ولم ينكره، (إذ) النبي ﷺ كغيره من الأنبياء معصوم، (لا يقر ﷺ أحدا) من الناس (على) فعل أو قول (باطل) أي منكر. لأن الإقرار على المنكر منكر، وهو ﵊ (٥) معصوم
стр. 228
[عن] (١) المنكر (٢).
قال الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): «فإن قيل: لعله منعه من الإنكار مانع، كعلمه بأنه لم يبلغه التحريم، فلذلك فعله، أو بلغه الإنكار مرة، فلم ينجع فيه، فلم يعاوده.
قلنا: ليس هذا مانعا، لأن من لم يبلغه التحريم، يلزمه تبليغه ونهيه حتى لا يعود. ومن بلغه ولم ينجع فيه، يلزمه إعادته وتكراره لئلا يتوهم نسخ التحريم» (٣).
٣ - السنة الفعلية:
أ - الأصل في السنة الفعلية:
[وفعله ﷺ : غير محرم، للعصمة؛ ولا مكروه، للأمر بالاقتداء به].
(وفعله): وهو كل ما يصدر منه ﷺ ، جبليا كان أو شرعيا (غير محرم للعصمة)، أي: لعصمته ﷺ (ولا مكروه)، ولا خلاف الأولى، [لندرة] (٤) وقوع ذلك من غيره التقي، فأحرى منه ﷺ ،
стр. 229
مع جلالة قدره، وعظم منصبه على كل منصب، (للأمر) [من الباري ﷻ ] (١)، (بالاقتداء به) ﷺ .
إذ ما فعله مما يظهر لنا أنه مكروه، أو خلاف الأولى، فليس كما نتخيله، بل هو لبيان الجواز، فهو أفضل في حقه، لأنه مأمور ببيان المشروع فلا يكون مكروها في حقه، ولا خلاف الأولى.
ب - فعله الجبلي ﷺ :
[وفعله الجبلي: على الإباحة، بالنسبة إليه ﷺ وإلينا.
فإن احتمل كونه جبليا، أو شرعيا، فعلى أيهما يحمل؟: تردد].
(وفعله الجبلي)، أي: الخلقي كأكله، وشربه، وقيامه، وقعوده، فهو (٢) محمول (على الإباحة بالنسبة إليه) ﷺ ، (و) كذا بالنسبة (إلينا) أيضا.
(فإن احتمل) فعل من أفعاله، (كونه) أي: ذلك الفعل المحتمل (جبليا أو شرعيا)، كجلوسه للاستراحة (٣)،. . .
стр. 230
وحجة (١) راكبا (٢)، واضطجاعه [بعد] (٣) ركعتي الفجر (٤)، (فعلى أيهما يحمل)؟ على الجبلي، أو على الشرعي؟ [ففي ذلك (تردد) بين العلماء.
فقيل: يحمل على الجبلي، لأن الأصل عدم التشريع فلا يسن لنا.
وقيل (٥): يحمل على الشرعي] (٦)، لأنه ﵊، بعث لبيان الشرعيات، وعليه الأكثرون.
ج - الفعل الخاص به ﷺ :
[والخاص به: واضح].
стр. 231
والفعل (الخاص به) ﷺ دون أمته، كزيادته في النكاح على أربع/ [و ٢٤] نسوة (١)، وتخيير نسائه فيه (٢)، (٣) (واضح)، لأن أمته لا تشاركه في شيء من ذلك اتفاقا.
د - فعله المبين ﷺ :
[وبيان ما شرع: تابع لما هو بيان له].
(و) أما (بيان ما) أي: الفعل الذي (شرع لنا) فهو (تابع لما هو بيان له) * في الإيجاب وغيره * (٤)، مثل أن يقع الفعل بعد إجمال، كقطع يد
стр. 232
السارق من الكوع دون المرفق والعضد (١)، بعد ما نزل قوله تعالى:
﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ (٢).
هـ - فعله المتكرر ﷺ :
[والمتكرر حكمه كالأول].
(و) الفعل (المتكرر حكمه كالأول) أي: كحكم الفعل الأول.
٤ - ما سوى الأنواع المتقدمة:
[وما سوى ذلك: إن علم حكمه، فأمته مثله؛ وإن جهل - مع تعيين محمله -: خلاف].
(وما سوى ذلك) الشيء المتكرر المذكور (٣) من فعله ﷺ .
(إن علم حكمه) من وجوب أو ندب أو إباحة أو غير ذلك (فأمته مثله) في ذلك على الأصح.
وقال أبو علي بن خلاد (ت قبل ٣٥٠ هـ) (٤): «أمته مثله في/ [و ٢٤]
стр. 233
العبادة فقط» (١).
وقيل : لا مطلقا، فيكون كمجهول الحكم، فيجري فيه ما جرى فيه.
وهاهو (٢) يذكر ما جرى في مجهول الحكم (٣) [من الخلاف] (٤). (٥) فقال :
(وإن جهل) حكمه، والحالة أنه مقرون (مع تعيين محمله) (٦)، ففي ذلك (خلاف) بين الأصوليين :
قيل : يحمل على الوجوب في حقه وحقنا، لأنه الأحوط.
وقيل : على الندب، لأنه المتحقق بعد الطلب.
وقيل : على الإباحة، لأن الأصل عدم الطلب.
стр. 234
وقيل: بالوقف في الكل لتعارض أوجهه.
وقيل: الوقف (١) في الأولين فقط (٢)، سواء ظهر (٣) قصد القربة أم لا، لأنهما الغالب من فعل النبي ﷺ .
وقيل: الوقف فيهما إذا (٤) ظهر قصد القربة، وإلا فعلى الإباحة (٥).
٢ - أنواع العلم بالأخبار:
[والخبر: إما مقطوع بكذبه. أو بصدقه؛ ومنه: الخبر المتواتر: والعلم الحاصل منه ضروري. وقيل نظري].
أ - الخبر المقطوع بكذبه أو بصدقه:
(والخبر) بالنظر لذاته يحتمل الصدق والكذب. وبالنظر لما يعرض له من أمور خارجة عنه:
١) الخبر المقطوع بكذبه:
(إما مقطوع بكذبه) (٦)، من غير تشكيك ولا تردد.
стр. 235
كالمعلوم خلافه ضرورة، كقولك: (١) السماء أسفل [و] (٢) الأرض فوق، أو النقيضان يجتمعان، أو يرتفعان.
أو استدلالا كقول الفلاسفة: العالم قديم، وخبر (٣) مدعي الرسالة بلا معجزة، فإن كذبه يعلم بالاستدلال.
وكل خبر نقل عنه ﷺ أوهم أمرا باطلا لا يقبل التأويل، فمقطوع بكذبه. فمن ذلك ما روي أنه تعالى خلق نفسه، فإنه/ [ظ ٢٤] أو هم أمرا باطلا، وهو حدوثه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد دل الدليل القاطع على تنزيهه تعالى عن الحدوث، وعلى استحالة كون الخالق خالقا لنفسه، فإن الشرع ورد بما يجوزه العقل لا بما يستحيله.
٢) الخبر المقطوع بصدقه، ومنه المتواتر:
(وإما) مقطوع (بصدقه) كخبر المولى ﷻ ، ورسوله ﷺ ، وبعض الخبر المنسوب للنبي ﷺ وإن جهلنا عينه.
(ومنه) أي من المقطوع بصدقه (الخبر المتواتر).
- وهو لغة: [المتتابع] (٤) مع فترة.
- واصطلاحا: خبر جمع يمتنع في العادة تواطؤهم * على الكذب * (٥)
стр. 236
عن شيء محسوس [كمشاهدة] (١) أو سماع، فخرج خبر الواحد.
وبقوله : «يمتنع. . . الخ» جمع لا يمتنع عليهم التواطؤ على الكذب، كالفسقة.
وبقوله : (٢) «محسوس»، ما كان عن معقول، أي بدليل عقلي، فإنه يجوز الغلط فيه، كخبر الفلاسفة بقدم العالم.
وتقييد الامتناع بالعادة، يخرج التجويز (٣) العقلي، دون نظر إلى العادة، فإنه لا يمتنع وإن بلغ ما عسى أن يبلغ.
- (والعلم الحاصل منه)، أي : من الخبر المتواتر (ضروري). أي :
يحصل عند سماعه، من غير نظر ولا كسب. وهو الأصح عند الجمهور.
(وقيل : ) - وهو رأي الكعبي (ت ٣١٩ هـ) (٤) وإمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) (٥). . .
стр. 237
- (نظري) (١).
ب - الخبر المظنون الصدق:
١) تعريفه:
[وإما مظنون الصدق: وهو خبر العدل].
(وإما مظنون الصدق) عطف على قوله: (٢) إما مقطوع. . . الخ.
و (هو خبر) الواحد (العدل) وهو ما لم ينته إلى (٣) حد رتبة المتواتر، سواء كان رواية واحد أو (٤) أكثر، أفاد العلم بالقرائن المنفصلة أم لا.
٢) من أنواعه: الخبر المستفيض:
[ومنه: المستفيض: وهو الشائع عن أصل].
(ومنه) أي: ومن خبر الواحد العدل: الخبر (المستفيض).
стр. 238
- (وهو) لغة: المنتشر، من قولهم: فاض الماء، إذا انتشر.
- واصطلاحا: (الشائع عن أصل،) بخلاف الشائع لا عن أصل. فإنه غير (١) مظنون الصدق، بل مقطوع بكذبه.
٣) هل يفيد خبر الواحد العلم ؟
[ولا يفيد العلم إلا بقرينة].
(و) خبر الواحد (لا يفيد العلم، إلا بقرينة)، تحتف به، بحيث يقطع السامع مع وجودها بصدق الخبر. كإخبار الرجل بموت ولده المشرف على الموت، مع قرينة البكاء، وإحضار الكفن، والنعش. فإن لم تحتف به قرينة:
لم يفد العلم. / [و ٢٥] كما قال إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) (٢)، والغزالي (ت ٥٠٥ هـ) (٣)، وجرى عليه الآمدي (ت ٦٣١ هـ) (٤) وابن الحاجب
стр. 239
(ت ٦٤٦ هـ) (١)، والبيضاوي (ت ٦٧٥ هـ) (٢).
وقال الأكثر: خبر الواحد لا يفيد العلم مطلقا، ولو احتفت به القرائن.
٤) حكم العمل بخبر الواحد:
[ويجب العمل به في الفتوى، والشهادة إجماعا، وكذا باقي الأمور الدينية. قيل سمعا، وقيل عقلا].
وبحسب (٣) عبارة المحصول (٤): ((٥) يجوز العمل به)، أي: بخبر الواحد (في الفتوى والشهادة) والحكم، أي: يجب العمل بما يفتي به المفتي، وبما يشهد به شاهدان (٦)، وبما يحكم به الحاكم (إجماعا) من العلماء.
(وكذا) يجب العمل به في (٧) الأمور الدينية، كإخبار عدل واحد
стр. 240
بتنجيس الماء، ودخول وقت الصلاة، وغير ذلك.
ويؤخذ منه : أن العمل في الدنيوية أولى، كخبر طبيب (١) بنفع شيء أو ضره (٢).
قيل : يجب العمل سمعا لا عقلا، لأنه ﷺ كان يبعث الآحاد إلى القبائل لتبليغ الأحكام كما هو معروف، فلولا أنه يجب العمل بخبرهم لم (٣) يكن لبعثهم فائدة.
واعترض بأن الحاصل من بعث الآحاد : أخبار آحاد، فكيف تثبت به حجة خبر الواحد؟.
وأجيب : بأن التفاصيل الحاصلة من بعث الآحاد، تفيد بجملتها التواتر المعنوي، كالأخبار الدالة على شجاعة سيدنا (٤) علي ﵁.
وقيل : يجب العمل عقلا عند عدم مورد السمع به، وكذا مع وجوده، لأنه لو لم يجب العمل به لتعطلت وقائع الأحكام المروية بالآحاد وهي كثيرة جدا، ولا سبيل إلى القول بذلك. وعلى هذا الإمام أحمد (٥). . .
стр. 241
(١) والقفال (ت ٣٦٥ هـ) وابن سريج (ت ٣٠٦ هـ) (٢) من أصحاب الشافعي، وأبو الحسين البصري (٣) (ت ٤٣٦ هـ) (٤) من المعتزلة.
стр. 242
الأصل الثالث
الإجماع
١ - تعريف الإجماع:
[الإجماع: اتفاق المجتهدين من أمة النبي ﷺ بعده في عصر على أمر].
وهو لغة يطلق على معنيين:
أحدهما: العزم: قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ (١)، أي: اعزموا، ومنه قوله ﵊: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل» (٢).
стр. 243
وثانيهما : الاتفاق.
وحقيقة (١) أجمع : صار ذا جمع.
وفي الاصطلاح : اتفاق خاص، وهو : (اتفاق المجتهدين).
أي : أهل العقد والحل (من أمة النبي (٢) ﷺ بعده)، إذ لا اتفاق لهم مع وجوده.
(في عصر) واحد، في زمن ما قل أو كثر. / [ظ ٢٥] فيدخل اتفاق مجتهدي كل عصر، فإنه إجماع، إذ لا يشترط في الإجماع اتفاق هذه الأمة
стр. 244
في كل الأعصار.
(على أمر) ما، دينيا كان أو دنيويا. فيدخل فيه الإثبات والنفي، والقول والفعل، والشرعي والعقلي والعرفي.
ف «الاتفاق» جنس، والمراد به : الاشتراك في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو الكل، (١) وما في معنى ذلك من التقرير والسكوت عند من يقول : إن ذلك كاف في (٢) الإجماع.
وخرج ب «المجتهدين» : اتفاق المقلدين، أو بعض المجتهدين.
وبقوله «من أمة النبي الخ» : اتفاق المجتهدين من الأمم السابقة (٣)، فإنه ليس بإجماع على رأي الأكثرين. وذهب الأستاذ (ت ٤٠٦ هـ) إلى أنه كان حجة قبل نسخ ملتهم، واختار الآمدي (ت ٦٣١ هـ) الوقف (٤).
стр. 245
٢ - مستند الإجماع:
[ولا بد له من مستند].
(ولابد له) أي: الإجماع (من مستند) من أصل من الأصول يستند إليه من كتاب، أو سنة أو إجماع آخر أو قياس وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد فائدة. لأن القول في الدين بلا مستند خطأ.
وجوز قوم حصول الإجماع بلا مستند، بأن يوفق الله تعالى المجتهدين، للاتفاق على الصواب بلا مستند.
والخلاف في الجواز لا في الوقوع، لأن هؤلاء القوم وافقوا على عدم وقوعه كما نقله الآمدي (ت ٦٣١ هـ) عنهم (١).
стр. 246
٣ - حجية الإجماع وحكمه:
[وهو: حجة في الشرع، وخرقه حرام].
(وهو) أي: الإجماع (حجة) على أهل عصره ومن بعدهم (في الشرع) يجب العمل به على كل مكلف، خلافا (١) للشيعة (٢)، وبعض
стр. 247
الخوارج (١)، وبعض المعتزلة (٢).
- (وخرقه (٣) حرام)، فلا تجوز مخالفته للتوعد عليه في قوله تعالى :
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ (٤). وثبوت الوعيد على المخالفة يدل على وجوب المتابعة وتحريم المخالفة.
стр. 248
٤ - حجية الإجماع السكوتي:
[وفي حجية السكوتي وكونه إجماعا حقيقة تردد].
(وفي حجية (١) السكوتي)، وهو أن يفتي بعض المجتهدين بحكم ويبلغ جميعهم، فيسكتون على التصريح بموافقته أو إنكاره، أقوال:
أولها: ليس بحجة ولا إجماع، * وعزي إلى الشافعي أخذا من قوله: لا ينسب للساكت (٢) إجماع (٣) * (٤).
стр. 249
ثانيها : أنه حجة وإجماع (١)، لأن سكوت العلماء في مثل ذلك يشعر بالموافقة/ [و ٢٦] عادة.
ثالثها : أنه حجة لا إجماع، وبه قال الصيرفي (ت ٣٣٠ هـ) (٢).
رابعها : أنه حجة بشرط الانقراض للعصر (٣)، وبه قال البندنيجي (٤) (ت ٤٢٥ هـ) (٥) وأبو علي الحليمي (ت ٤٠٣ هـ) (٦).
стр. 250
خامسها : أنه حجة، إن كانت (١) فتيا لا حكما، لأن الفتيا يبحث فيها عادة، فالسكوت عنها رضى بها بخلاف الحكم وعزي لابن أبي هريرة (٢) (ت ٣٤٥ هـ) (٣).
سادسها : أنه حجة إن كان حكما لا فتيا، لصدوره عادة بعد البحث مع العلماء، بخلاف الفتيا، وهو قول أبي إسحاق المروزي (٤) (ت ٣٤٠ هـ) (٥).
سابعها : أنه حجة، إن وقع في أمر يفوت استدراكه، كإباحة فرج، وإراقة دم، لأن ذلك لخطره لا يسكت عنه، إلا راض به بخلاف غيره.