٣ - حجية الإجماع وحكمه:
[وهو: حجة في الشرع، وخرقه حرام].
(وهو) أي: الإجماع (حجة) على أهل عصره ومن بعدهم (في الشرع) يجب العمل به على كل مكلف، خلافا (١) للشيعة (٢)، وبعض
стр. 247
الخوارج (١)، وبعض المعتزلة (٢).
- (وخرقه (٣) حرام)، فلا تجوز مخالفته للتوعد عليه في قوله تعالى :
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ (٤). وثبوت الوعيد على المخالفة يدل على وجوب المتابعة وتحريم المخالفة.
стр. 248
٤ - حجية الإجماع السكوتي:
[وفي حجية السكوتي وكونه إجماعا حقيقة تردد].
(وفي حجية (١) السكوتي)، وهو أن يفتي بعض المجتهدين بحكم ويبلغ جميعهم، فيسكتون على التصريح بموافقته أو إنكاره، أقوال:
أولها: ليس بحجة ولا إجماع، * وعزي إلى الشافعي أخذا من قوله: لا ينسب للساكت (٢) إجماع (٣) * (٤).
стр. 249
ثانيها : أنه حجة وإجماع (١)، لأن سكوت العلماء في مثل ذلك يشعر بالموافقة/ [و ٢٦] عادة.
ثالثها : أنه حجة لا إجماع، وبه قال الصيرفي (ت ٣٣٠ هـ) (٢).
رابعها : أنه حجة بشرط الانقراض للعصر (٣)، وبه قال البندنيجي (٤) (ت ٤٢٥ هـ) (٥) وأبو علي الحليمي (ت ٤٠٣ هـ) (٦).
стр. 250
خامسها : أنه حجة، إن كانت (١) فتيا لا حكما، لأن الفتيا يبحث فيها عادة، فالسكوت عنها رضى بها بخلاف الحكم وعزي لابن أبي هريرة (٢) (ت ٣٤٥ هـ) (٣).
سادسها : أنه حجة إن كان حكما لا فتيا، لصدوره عادة بعد البحث مع العلماء، بخلاف الفتيا، وهو قول أبي إسحاق المروزي (٤) (ت ٣٤٠ هـ) (٥).
سابعها : أنه حجة، إن وقع في أمر يفوت استدراكه، كإباحة فرج، وإراقة دم، لأن ذلك لخطره لا يسكت عنه، إلا راض به بخلاف غيره.
стр. 251
ثامنها : أنه حجة، إن كان الساكتون أقل من القائلين، بناء على أن مخالفة الأقل لا تضر.
تاسعها : أنه حجة فيما يدوم ويستمر وقوعه دون غيره وهو قول إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) (١)، نقله [عنه] (٢) البرماوي (ت ٨٣١ هـ) (٣).
والصحيح من هذه الأقوال : أنه حجة مطلقا، وشهره
стр. 252
الرافعي (١) (ت ٦٢٤ هـ) (٢) في كتاب القضاء.
وفي إلحاقه بالمنطوق (وكونه إجماعا)، أما مجاز فمسلم، وأما (حقيقة) ففيه (تردد) بين الأصوليين.
٥ - التمسك بأقل ما قيل:
[والتمسك بأقل ما قيل حق].
(و) أما (التمسك بأقل ما قيل) من أقوال العلماء حيث لا دليل، فهو (حق)، مثال ذلك اختلافهم في دية الذمي الكتابي، قيل: كدية المسلم، وقيل: كنصفها، وقيل: كثلثها (٣). وبه أخذ الشافعي (٤) الاتفاق على وجوب الأخذ بأقل ما قيل في الدية المذكورة.
стр. 253
الأصل الرابع
القياس
١ - تعريف القياس وتحديد أركانه:
[القياس: إلحاق صورة مجهولة الحكم بصورة معلومة الحكم لجامع بينهما يقتضي ذلك الحكم. فأركانه أربعة: الأصل، والعلة، والفرع، والحكم].
وهو لغة: التقدير والتسوية.
واصطلاحا: (إلحاق)، أي (١): حمل (صورة مجهولة) الحكم، لعدم ورود نص، أو إجماع (بصورة معلومة الحكم)، لورود نص أو إجماع، (لجامع بينهما يقتضي ذلك) الجامع (الحكم).
(فأركانه) أي: القياس أربعة، وهي: (الأصل، والعلة، والفرع، والحكم).
стр. 254
٢ - الركن الأول:
الأصل، وشروطه
[فالأصل: المحكوم عليه، المشبه به. وشرطه:
١ - ثبوت حكمه، ٢ - وأن لا يكون حكمه منسوخا، ٣ - ولا مخصوصا، كشهادة خزيمة، ٤ - وكغير معقول المعنى، كالتقديرات، ٥ - وكمعقول المعنى، إلا أنه لا نظير له في الشرع.
٦ - وأن لا يكون الأصل فرعا عن أصل آخر.
٧ - وأن لا يكون الاتفاق على الحكم مركبا على وصفين، وكل فريق يدعي أن وصفه هو العلة، وهو القياس المركب].
(فالأصل): قال الأكثر: إنه (المحكوم عليه)، أي محل الحكم (المشبه به)، (١) كالخمر في قياس النبيذ عليه.
وقيل: الأصل/ [ظ ٢٦] هو الحكم. وقيل: دليله.
(وشرطه) أي الأصل:
стр. 255
الشرط الأول: ثبوت حكمه:
(ثبوت حكمه) لأنه إذا لم يكن ثابتا، وتوجه المنع عليه من المعترض، (١) لم يترتب عليه الفرع (٢)، إذ ثبوته في الفرع، فرع ثبوته في الأصل.
الشرط الثاني: أن لا يكون منسوخا:
(وأن لا يكون حكمه منسوخا). وإلا لم يبن الفرع عليه، لزوال اعتبار الجامع في نظر الشارع بالنسخ (٣)، فلا يتعدى الحكم به * على (٤) منهاج القياس * (٥).
الشرط الثالث: أن لا يكون مخصوصا:
(و) شرطه: أن (لا) يمنع من القياس عليه مانع، لوروده على خلاف القياس بكونه (مخصوصا) محله بالحكم، بنص أو إجماع.
فيمتنع إلحاق غيره به وإلا بطل الاختصاص، (كشهادة خزيمة)، فقد خص بهذا الحكم، وشهر بهذه الفضيلة بين الصحابة لحديث «من شهد له خزيمة، أو شهد عليه، فحسبه» (٦).
стр. 256
الشرط الرابع: أن يكون معقول المعنى:
(وكغير معقول المعنى) فإن الحكم فيه خاص بمحله (١)، فيمتنع إلحاق غيره به لفقد معنى [مورد] (٢) النص، (كالتقديرات) في نصب الزكاة، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود والكفارات.
الشرط الخامس: أن يكون مما له نظائر:
(وكمعقول المعنى)، أي: المصلحة التي هي مورد النص، (إلا أنه، لا
стр. 257
نظير له في الشرع) يقع به التشارك فيجب اختصاص الحكم فيه بمحله، ويمتنع الإلحاق. مثال ذلك: رخص (١) السفر، قد عقل معنى إثباتها من جهة الشرع، ولكن لم نجد سببا، يضاهي السفر في الاشتمال على أنواع الحاجات. أما المريض فهو مساو له في الفطر بحكم النص، فلم يفتقر إلى القياس. وأما حاجة المريض إلى القصر والجمع، فلا تضاهي حاجة المسافر؛ بل حاجته إلى الصلاة قاعدا أو تفريقها في الأوقات لتخفف عليه؛ فلم يكن مساويا للسفر في وجه الحاجة.
الشرط السادس: أن لا يكون فرعا عن أصل آخر:
(وأن لا يكون الأصل)، أي: حكمه (فرعا عن) حكم (أصل آخر، لأن العلة، إن اتحدت فذكر الوسط الثاني ضائع؛ وإن لم تتحد، فلا مساواة ولا إلحاق.
وقال ابن السبكي: «ما ذكره الأصوليون من أن شرط حكم الأصل أن يكون غير فرع: مخصوص عندي بما إذا لم يظهر للوسط فائدة البتة (٢)؛ أما إذا ظهرت له فائدة، فلا/ [و ٢٧] يمتنع عندي، أن يقاس فرع على فرع» (٣).
الشرط السابع: أن لا يكون مركبا:
وشرطه أيضا: (أن لا يكون الاتفاق على الحكم) فيه (مركبا، على وصفين) مختلفين، (وكل فريق) من الخصماء (يدعي أن وصفه هو العلة).
أو يكون الاتفاق مركبا على وصف، يمنع الخصم وجوده في الأصل، (و) معنى هذين القسمين: (هو القياس المركب) (١).
فالأول يسمى: «مركب الأصل».
ومثاله: قياس حلي البالغة على حلي الصبية، في عدم وجوب الزكاة.
فإن عدمه في الأصل متفق عليه بين الشافعي والحنفي. لكن الشافعي يقول:
стр. 260
«حلي مباح» والحنفي يقول : «حلي صبية» (١).
والثاني يسمى : «مركب الوصف». (٢)
مثاله : قياس «إن تزوجت فلانة فهي طالق»، على : «فلانة التي أتزوجها طالق» في : عدم وقوع الطلاق [بعد التزوج (٣). فإن عدمه في الأصل متفق عليه بين الشافعي والحنفي. والعلة تعليق الطلاق] (٤) قبل ملكه. والحنفي يمنع وجودها في الأصل، ويقول : هو تنجيز
٣ - الركن الثاني:
العلة
شروطها، ومسالكها
أ - تعريف العلة:
[وأما العلة: فهي المعرف، وهو وصف ظاهر لا خفي، منضبط].
(وأما) الركن الثاني من أركان القياس وهو (العلة) للحكم ويعبر عنها: بالوصف الجامع بين الأصل والفرع.
(فهي المعرّف) للحكم بمعنى أنها إذا وجدت كانت علامة للمجتهد، يستدل بها على وجود الحكم ومعرّفة له، كالإسكار فإنها (١) علة لتحريم المسكر (٢) وعلامة عليه.
(وهو) أي المعرف، (وصف) حقيقي، أي: متعلق في نفسه لا يتوقف تعلقه على غيره من عرف أو لغة أو شرع.
وذلك الوصف (ظاهر)، أي: متميز عن غيره كالسّكر: (لا خفي) كالرضى والسخط.
(منضبط): كالطعم في باب الربا.
стр. 263
ب - شروط العلة:
الشرط الأول: الاطراد:
[وفي شرط الاطراد، والانعكاس، والتعدية: خلاف].
(وفي شرط الاطراد)، وهو التلازم بين وجود العلة مع وجود المعلول، وعدم اشتراطه خلاف:
فإن انخرم الاطراد بتخلف الحكم عن العلة، وهو (١): النقض، ففي (٢) كونه قادحا في وجود العلة أو لا؟ عشرة أقوال (٣):
المنصور (٤) عند الشافعية أنه قادح مطلقا.
والمنقول عن أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد أنه غير قادح مطلقا.
стр. 264
وإن انخرم الاطراد، بأن وجد الحكم مع إلغاء وصف من العلة : سواء أبدله لغيره، كما يقال في إثبات/ [ظ ٢٧] صلاة [الخوف] (١)، هي صلاة يجب قضاؤها على من لم يفعلها، فيجب أداؤها كصلاة الأمن، فإن الصلاة فيها كما يجب قضاؤها مع الترك، يجب أداؤها.
فيقول المعترض : خصوص الصلاة ملغي، ويبين بأن الحج كذلك واجب الأداء كالقضاء. فيبدل خصوص الصلاة بالعبادة دفعا للاعتراض.
ويقول : هي عبادة يجب قضاؤها، فيجب أداؤها كالأمن. ثم ينقض وصف العبادة (٢) المعلل به بصوم الحائض، فإنه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها بل يحرم. أو لم يبدله بغيره، كإلغائه في المثال المذكور خصوص الصلاة، فلا يبقى من العلة إلا [قوله] (٣) يجب قضاؤها.
فيقال عليه : ليس كل ما يجب قضاؤه، يجب أداؤه، بدليل الحائض، إذ يجب عليها قضاء الصوم دون أدائه.
وانخرام الاطراد : بإلغاء وصف منهما يسمى «الكسر»، وقد يسمى «النقض المكسور». قال ابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) : «إنه قادح على الصحيح» (٤).
стр. 265
الشرط الثاني: الانعكاس:
وفي شرط (الانعكاس) وهو [التلازم] (١) بين عدم العلة وعدم المعلول، وعدم اشتراطه: خلاف مبني على جواز التعليل بعلتين ومنعه:
فالمانع يشترطه، ويجعل تخلفه بأن وجد (٢) الحكم بدون العلة قادحا فيها.
والمجوّز لا يشترطه، ويجعل التخلف غير قادح (٣).
الشرط الثالث: التعدية:
وفي شرط (٤) (التعدية) وهي: (٥) كون العلة تتعدى الأصل، فتوجد في غيره، وعدم اشتراطها (خلاف) بين الأصوليين:
стр. 266
منهم من اشتراط التعدية، ومنع التعليل بالقاصرة مطلقا.
ومنع الحنفية التعليل [بالقاصرة] (١) إن لم تكن بنص، أو إجماع (٢).
والصحيح عدم الاشتراط، وصحة التعليل بالقاصرة مطلقا، وهو مذهب الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) (٣)، ومالك (ت ١٧٩ هـ) (٤)، وأحمد
стр. 267
(ت ٢١٤ هـ) (١) واختاره الإمام الرازي (ت ٦٠٦ هـ) (٢) والآمدي (ت ٦٣١ هـ) (٣) وأتباعهما * (٤).
الشرط الرابع: تعليل الوجودي بالوجودي:
[ولا خلاف في تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي،
стр. 268
والعدمي بالعدمي].
(ولا خلاف) بينهم في تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجوديّ مثله: * كتعليلهم التحريم بالإسكار، لأنهما وجوديان معا.
الشرط الخامس: تعليل العدمي بالعدمي:
(و) لا خلاف أيضا في تعليل الحكم (العدمي بالعدمي) مثله * (١).
كتعليلهم عدم نفاذ التصرف بعدم العقل.
الشرط السادس: تعليل الوجودي بالعدمي:
[وفي تعليل الوجودي بالعدمي: خلاف].
(وفي تعليل) الحكم (الوجودي بالعدمي) - أي: الحكم العدمي - (خلاف) بين الأصوليين. نحو: قتل المرتد لعدم إسلامه، والأكثر/ [و ٢٨] على جوازه. قال العضد (ت ٦٤٦ هـ): والمختار منعه (٢). (٣)
الشرط السابع: تعليل العدمي بالوجودي:
[وأما تعليل العدمي بالوجودي: فهو التعليل بالمانع].
стр. 269
(وأما العكس): وهو (تعليل) الحكم (العدمي ب) الوصف (الوجودي)، كعدم نفاذ التصرف بالإسراف، (فهو) [المسمى] (١) عندهم (التعليل بالمانع)، أي: بالوصف المانع.
الشرط الثامن: وجود المقتضي:
[وهل من شرط التعليل به، وجود المقتضي؟ لأن انتفاء الحكم إذا لم توجد العلة فيه، لانتفائها، لا لوجود المانع أولا. لأن المانع إذا أثر مع المقتضي فدونه أولى].
(وهل من شرط) صحة (التعليل به) أي: بالمانع (وجود المقتضي) للحكم - وهو قول الجمهور - (لأن انتفاء الحكم) المعلل (إذا لم توجد العلة) فيه، أي: في المحل، إنما هو لأجل انتفائها، أي: العلة، لا لوجود المانع (٢)؟
(أو لا) يشترط في التعليل بالمانع وجود المقتضي - وهو اختيار الإمام الرازي (ت ٦٠٦ هـ) (٣)،. . .
стр. 270
وابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) (١)، وابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) (٢) - (لأن) الوصف (المانع) من الحكم، (إذا أثر) في نفي الحكم (مع) وجود الوصف (المقتضي) [للحكم] (٣)، (فدونه أولى)؟
قال ابن السبكي : «لكن نسبته إلى عدم المقتضي أولى من نسبته إلى وجود المانع، وأقل مقدمات (٤).
* وأجيب (٥) : بأن عدم المقتضي، ووجود المانع، وكذا انتفاء الشرط، أدلة متعددة، ولا يمتنع اجتماعها.
قال ابن السبكي : ولك أن تقول : فالاستناد إليها حينئذ جميعا * (٦)» (٧).
стр. 271
ج - مسالك العلة:
[وللعلة طرق:] (وللعلة) المعرفة للحكم (طرق) أي: أدلة، * يستدل بها على عليتها * (١)، وتسمى المسالك.
المسلك الأول: النص:
[الأول: النص، صريحا، وإيماء] المسلك (٢) (الأول: النص): والمعنيّ به هنا، ما دل من الكتاب والسنة
стр. 272
على العلية، وهو تارة يدل (صريحا) لدلالة اللفظ على العلية وضعا، (و) تارة يدل (إيماء) لاقتران الوصف بحكم، لو لم يكن الوصف، أو نظيره للتعليل كان بعيدا، تنزه بلاغة الشارع عنه.
١) النص الصريح:
[فالصريح: الإتيان بصيغة العلة].
(فالصريح) مراتب أقواها:
- (الإتيان بصيغة) لفظ (العلة)، نحو: لعلة كذا، أو ما يدل عليها نحو:
﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا﴾ (١)، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ (٢)، إذن يغفر الله لك ذنبك.
- وقد يستفاد التعليل بحرف ظاهر فيه نحو: لكذا، أو إن كان كذا، أو بكذا.
- وقد يستفاد بتعليق الحكم على الوصف من إدخال الفاء على العلة نحو: «لا تغسلوهم، فإن كل جرح يفوح مسكا يوم القيامة» (٣).
стр. 273
٢) الإيماء ومراتبه:
[والإيماء مراتب:
- أن يذكر مع الحكم وصف يبعد أن يؤتي به لغير التعليل.
- والاستنطاق بوصف معلوم ليرتب عليه الجواب، فلولا التعليل لكان استنطاقه عاريا عن الفائدة.
- وذكر الحكم عقب العلم بحادثة.
- ونقل الراوي فعلا صدر من الشارع، أو من غيره، فيرتب عليه حكما من الشارع].
(والإيماء مراتب) أيضا:
أحدها:
(أن يذكر مع الحكم، وصف) مناسب، (يبعد أن يؤتي به) - أي بالوصف - (لغير التعليل) لعروه حينئذ عن الفائدة كقوله (١) ﵇:
«لا يحكم/ [ظ ٢٨] أحد بين اثنين، وهو غضبان» (٢). فتقييده المنع من
стр. 274
الحكم بحالة الغضب المشوش للفكر يدل على أنه علة له، وإلا خلا ذكره عن الفائدة، وذلك بعيد لنزاهة بلاغة الشارع عنه.
(و) ثانيها: (الاستنطاق):
وهو أن ينطق (بوصف معلوم) للسامع (ليرتب عليه)، أي: على ذلك الوصف (الجواب. فلولا التعليل) موجود فيه، (لكان استنطاقه) بذلك (عاريا عن الفائدة)، المساق لأجلها كقوله ﷺ ، حين سئل عن بيع الرطب بالتمر «أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذا» (١).
وكقوله ﵊ حين سألته الخثعمية: إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة حج، فإن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال (٢): أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه، أكان يؤدي ذلك عنه (٣)؟ قالت: نعم.
стр. 275
قال : فدين الله أحق أن يقضى؟ (١). فإن الخثعمية سألته عن دين الله، فذكر
стр. 276
نظيره، وهو دين الآدمي، فنبه على التعليل به، أي: كونه علة للنفع، وإلا لزم العبث، ففهم منه أن نظيره في المسؤول عنه، وهو دين الله كذلك علة لمثل (١) هذا الحكم وهو النفع.
(و) ثالثها:
(ذكر الحكم عقب)، أي: إثر (العلم بحادثة) وقعت للمحكوم عليه، كحكمه ﷺ ، بعد قول الإعرابي: * هلكت وأهلكت (٢) * (٣)، واقعت أهلي في نهار رمضان فقال ﷺ : أعتق رقبة (٤).
стр. 277
فأمره بالإعتاق عند ذكر الوقاع، يدل على أنه علة له، وإلا خلا السؤال عن الجواب، وهو بعيد لنزاهته عنه ﷺ ، فيقدر السؤال في الجواب، فكأنه قال: إذا (١) واقعت (٢) فأعتق.
(و) رابعها:
(نقل الراوي فعلا) أيا كان مطلقا، سواء كان الراوي فقيها، أو غير فقيه، لأن الظاهر أنه لو لم يفهمه، لم يقله.
وسواء (صدر) الفعل المنقول (من الشارع، أو) من (غيره، فيرتب) الراوي (عليه) أي: على الفعل المنقول (حكما) صدر (من الشارع)، نحو: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا (٣)﴾ (٤)، ونحو: سهى فسجد (٥)، وزنا ما عز فرجم (٦). / [و ٢٩]
стр. 278
قال ابن السبكي (ت ٧٧١ هـ): «. . . ولا يخفى أن الوارد في كلام الله تعالى ورسوله ﷺ أقوى مما ورد في كلام الراوي، والراوي الفقيه أولى ممن ليس بفقيه» (١).
المسلك الثاني: الإجماع:
[الثاني: الإجماع].
(الثاني) من مسالك العلة: (الإجماع). قال ابن السبكي: «فإذا (٢) أجمعوا على [علية] (٣) وصف إجماعا قطعيا أو ظنيا، ثبتت عليته. ومثاله:
قوله ﵊: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) (٤). قال
стр. 279
القاضي أبو الطيب (ت ٤٥٠ هـ) (١): أجمعوا [على] (٢) أن النهي فيه لأن الغضب يشغل قلبه» (٣).
المسلك الثالث: المناسبة أو الإخالة أو تخريج المناط:
[الثالث: المناسبة، وهو كون محل الحكم فيه وصف يناسب الحكم].
(الثالث) من مسالك العلة: (المناسبة).
وتسمى إخالة، لأنه بالنظر إليه يخال أنه علة.
واستخراجها: تخريج المناط (٤) [أيضا] (٥)، لأنه (٦) إبداء ما نيط به الحكم.
(وهو (٧) كون محل الحكم فيه وصف يناسب الحكم)، كالإسكار في التحريم.
стр. 280
تعريف المناسب وأنواعه:
وفي المنهاج: «المناسب ما يجلب للإنسان نفعا (١)، أو يدفع عنه ضررا، وهو:
-[حقيقي] (٢) دنيوي ضروري، كحفظ النفس بالقصاص، والدين بالقتال، والعقل بالزجر عن المسكرات، والمال بالضمان، والنسب بالحد (٣) على (٤) الزنا.
- ومصلحي: كنصب الولي للصغير.
- وتحسيني: كتحريم القاذورات.
- وأخروي: كتزكية النفس.
- وإقناعي: يظن مناسبا، فيزول بالتأمل فيه» (٥)
(ثم المناسب) من حيث اعتباره أربعة أقسام: مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل:
١) المناسب المؤثر:
[ثم المناسب: إما أن ينص الشرع على اعتبار نوعه في نوع الحكم وهو المؤثر].
стр. 281
لأنه (إما) أن يعتبره الشرع، أو لا:
فالمعتبر: ب (أن ينص الشرع) بلفظ صريح، أو يثبت الإجماع (على اعتبار نوعه) أي: المناسب (في نوع الحكم * و) ذلك * (١) (هو المؤثر) سمي بذلك لظهور تأثيره.
مثال المعتبر بالنص: تعليل نقض الوضوء بمس الذكر، المستفاد من حديث: «من مس ذكره فليتوضأ» (٢).
ومثال المعتبر بالإجماع: تعليل ولاية المال على الصغير بالصغر، فإنه مجمع [عليه.
٢) المناسب الملائم:
[أو نوعه في جنس الحكم، أو جنسه في نوع الحكم، أو جنسه في
стр. 282
جنس الحكم، وهو الملائم].
(أو) ينص لا بلفظ] (١) صريح، بل بترتيب الحكم على وفقه، أو ثبوت إجماع على :
- اعتبار (نوعه) أي المناسب (في جنس الحكم). كالتعليل بالصغر في حمل النكاح على المال في الولاية بجامع الصغر. فإن الوصف الذي هو الصغر معتبر في جنس الولاية الشاملة لنوعي ولاية النكاح/ [ظ ٢٩] والمال بالإجماع.
- (أو) اعتبار (جنسه) أي المناسب (في نوع الحكم) كالتعليل بعذر (٢) الحرج في حمل الحضر على السفر في الجمع بين الصلاتين للمطر بجامع الحرج. فإن الوصف الذي هو الحرج، جنس شامل لنوعي الحرج (٣) الحاصل في السفر (٤) والمطر. وهو معتبر إجماعا في نوع الحكم الذي هو رخصة الجمع.
- (أو) اعتبار (جنسه) أي المناسب (في جنس الحكم) كالتعليل بجناية القتل العمد العدوان في حمل المثقل على المحدد في القصاص، فإن الوصف الذي هو جناية العمد العدوان، جنس يشمل الجناية في النفس والأطراف، معتبر في جنس الحكم، الذي هو القصاص الشامل، لقصاص
стр. 283
النفس والطرف.
(وهو) أي: المناسب المعتبر، بترتيب الحكم على وفق الوصف (الملائم) سمي بذلك لملاءمته للحكم.
٣) المناسب الغريب:
[أو لم ينص على اعتباره، وإنما ثبت الحكم على وفقه في صورة، فهو الغريب] (أو لم ينص) الشرع، ولم يثبت الإجماع (على اعتباره) في الوصف المناسب، (و) إنما (يثبت (١) الحكم) فقط، (على وفقه في صورة ما).
كالفتيا للملك عند [المواقعة] (٢) في رمضان، فإن حاله إنما يناسب التكفير ابتداء بالصوم، ليرتدع به دون الإعتاق، والإطعام لسهولتهما عليه.
لكن الشارع ألغى ذلك بإيجابه واحدا من الثلاث، لا بعينه، من غير تفرقة بين ملك ولا غيره، فلا يعمل به (٣) (فهو) النوع الثالث وهو: (الغريب).
стр. 284
٤) المناسب المرسل:
[. . . وإلا فهو المرسل].
وغير المعتبر: هو المشار إليه بقوله: (وإلا) (١) بأن لم ينص الشرع، ولم يثبت إجماع، ولا حكم من الشارع على وفقه في صورة ما، (فهو) النوع الرابع، وهو: (المرسل) يعبر عنه بالمصالح المرسلة، والاستصلاح أيضا.
المسلك الرابع: الدوران:
[الرابع: الدوران، وهو وجود الحكم عند وجود الوصف وعدمه عند عدمه].
المسلك (الرابع) من مسالك العلة: (الدوران).
وسماه الأقدمون: الجريان (٢).
стр. 285
والآمدي (١)، وابن الحاجب (٢) : الطرد والعكس.
(وهو وجود الحكم عند وجود الوصف وعدمه) أي الحكم (عند عدمه)، أي الوصف، كعصير العنب، فإنه مباح إجماعا (٣) ما لم يصر