١ - نوقشت دلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] بأن الآية لا تدلُّ على بطلان عقد النكاح، وإنما تدل على النهي عن رَدِّ المسلمات المهاجرات إلى أزواجهن الكفار، فأين في هذا ما يقتضي أما لا تنتظر زوجها حتى يصير مسلمًا مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم تُرَدُّ إليه؟ (١).
٢ - ونوقشت دلالة قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، بأنها لا تدلُّ على البطلان؛ لأن عمر وغيره عمدوا إلى تطليق نسائهم المشركات بمكة امتثالًا لها، ولم ينفسخ عقد النكاح بينهم وبينهن بمجرد نزولها، فهو طلاق وليس بفسخ.
٣ - كما نوقشت قصةُ زينبَ وردُّها إلى زوجها بأن النبي ﷺ لم يُحْدِثْ شيئًا حين رَدَّهَا، أي: لا نكاحًا ولا صداقًا، وإنما رَدَّهَا إليه بنفس النكاح الأول، ويدلُّ هذا على أنه لم ينفسخ نكاحها لا بإسلامها ولا بهجرتها.
وأجاب الجمهور عن دلالة آية الممتحنة مع آية البقرة على فسخ النكاح، وتحريم بقاء المسلمة في عصمة زوجها الكافر بما يلي:
١ - التحريم يمنع العقد والوطء معًا وليس الوطء فحسب، كما أن التحريم يعني: المنع حالًا واستقبالًا وإذا كان ما سبق عمله في الماضي قائمًا في الحاضر فإنه يطلب منعه والتوقف عنه فورًا.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، فإذا استمرَّ النكاح السابق دون إسلام المشرك كان هذا مخالفة صريحة للنص، إلا أن يقوم دليل التخصيص أو التقييد، ولقد تقرَّرَ عند الأصوليين أن النهي يقتضي الفورَ والدوامَ والتكرارَ (٢).
стр. 1017
٢ - علة التحريم هي اختلاف الدين، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهذه العلة موجودة في العقود السابقة على التحريم، والأصل في التحريم أن يشمل العقودَ الجديدة، ومَنْعَ استدامة العقود القديمة.
٣ - قاعدة: يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء (١)، أو البقاء أسهل من الابتداء (٢)، محلها حيث لا توجد مخالفات تتعلق بصلب العقد، فإذا كان الأمر متعلقًا بصلب العقد ومحله وهو الزوجة فلا محل لها، كما لو ثبت بينهما رضاع أو نسب فلا بد من التفريق ولا ترد هذه القاعدة، وعليه: فآية البقرة تمنع ابتداءَ عقودٍ جديدةٍ، وآية الممتحنة تمنع امتدادَ عقودٍ سابقةٍ.
٤ - بعد التسليم بوجود خلاف قديم ومتقدم يظهر أنه بعد وفاة حماد بن أبي سليمان الذي كان يروي قول النخعي ويفتي به بعد الشعبي لم يسمع هذا القول بعد ذلك، فالإجماع يُسلَّم بعد زمن حماد، لا سيما وأن سائر المذاهب السنية الأربعة والظاهرية مع الشيعة الزيدية لم يُرْوَ عنهم إلا إبطال النكاح والتفريق، باستثناء ابن تيمية ﵀ وابن القيم ﵀ والشيعة الجعفرية، فإنهم اعتبروا العقد موقوفًا، ولا يَحِلُّ به الوطءُ.
فكان المنع من الوطء والتفريق موطنَ إجماع صحيح منعقد.
ثانيًا: مذهب الحنفية ومن معهم:
١ - مناقشة أدلتهم من القرآن:
استدلالهم بآية سورة الممتحنة يجاب عنه بأن الذي أوجب الفرقة بين المسلمة المهاجرة إلى دار الإسلام وزوجها الكافر في دار الكفر هو إسلامها، لا هجرتها، أي: هو
стр. 1018
اختلاف دينِها عن دينِه، لا دارِها عن دارِه.
وفي هذا يقول ابن العربي: "الذي أوجب فُرْقَةَ المسلمة من زوجها هو إسلامُها، لا هجرتُها؛ لأن الله قد قال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فبيَّنَ أن العلة عدم الحِلِّ بالإسلام، وليس باختلاف الدارين" (١)، ووافقه القرطبي حيث قال: "هذا أدلُّ دليلٍ على أن الذي أوجب فُرْقَةَ المسلمة من زوجها إسلامُها، لا هجرتُهَا. . . وقال ابن عبد البر: لا فَرْقَ بين الدارين، لا في الكتاب والسنة، ولا في القياس، وإنما المراعَى في ذلك الدينانِ، فباختلافهما يقع الحكم وباجتماعهما، لا بالدار، والله المستعان" (٢).
وقال ابن القيم: "قال الجمهور: لا حجة لكم في شيء من ذلك؛ فإن قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] إنما هو في حال الكفر؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ثم قال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وأما قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] فقد تنازع الناس فيه، فقالت طائفة: هذا منسوخ، وإنما كان ذلك في الوقت الذي كان يجب فيه رَدُّ المهر إلى الزوج الكافر إذا أسلمت امرأته، وأما من لم يَرَهُ منسوخًا فلم يجب عنده رَدُّ المهر لاختلاف الدارين، بل لاختلاف الدين، ورغبة المرأة عن التربص بإسلامه؛ فإنها إذا حاضت حيضة ملكت نفسها، فإن شاءت تزوجت وحينئذٍ تَرُدُّ عليه مهرَهُ، وإن شاءت أقامت وانتظرت إسلامه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فإنما ذلك بعد انقضاء عدتها ورغبتها عن زوجها، وعن التربص بإسلامه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمراد بعد انقضاء عدتها ورضاها، وأما قوله: ﴿وَلَا
стр. 1019
تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فهذا لا يدلُّ على وقوع الفرقة باختلاف الدار، وإنما يدلُّ على أن المسلم ممنوعٌ من نكاح الكافرة المشركة، ونحن لا نقول ببقاء النكاح مع شركها، بل نقول: إنه موقوفٌ فإن أسلمتْ في عدتها أو بعدها فهي امرأته" (١).
وأجاب الحنفية عن ذلك:
بأن الآية الكريمة واردة في بيان حكم المؤمنات المهاجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام، مفارقات أزواجهن المشركين في دار الحرب، والحكم الذي وردت به الآية هو وقوعُ الفُرْقَةِ بينَ المؤمنة المهاجرة إلى دار الإسلام، وبين زوجها الكافر في دار الحرب، وإباحة نكاحها لمن شاءت من المسلمين، فدلالة الآية على وقوع الفرقة باختلاف الدارين واضحة (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] نصٌّ في وقوع الفُرْقَةِ بين الزوجين باختلاف الدار؛ لأن الزوجية لو كانت باقية بينهما لكان هو أحق بها (٣).
وأجيب عن ذلك:
بأن الآية الكريمة لا دلالةَ فيها على وجوب الفُرْقَةِ بين الزوجين في الحال عند اختلاف الدار بينهما، بل غاية ما تدلُّ عليه، هو أن الذي يوجب الفُرْقَةَ بين المسلمة وزوجها الكافر هو إسلامُها لا هجرتُها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فبين أن العلة عدم الحل بالإسلام، وليس باختلاف الدارين (٤).
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] لا دلالةَ فيها على
стр. 1020
وجوب الفُرْقة بينهما عند اختلاف الدار، بل غاية ما تدلُّ عليه الآية -كما قال ابن القيم-: أن المسلم لا يجوز له أن يتزوج المشركة، وإذا أسلم لا يبقى النكاح بينهما إلا إذا أسلمت أثناء العدة، أما إذا لم تُسْلِمْ، فَيُفَرَّق بينهما؛ لاختلاف الدين بينهما (١).
٢ - مناقشة أدلتهم من السنة:
الحديث الذي استدلوا به، ضعيف الإسناد (٢)، فقد قال الإمام أحمد عن هذا الحديث: إنه ضعيفٌ أو واهٍ، ولم يسمعه الحجاج (٣) من عمرو بن شعيب إنما سمعه من محمد ابن عبيد العرزمي (٤)، والعرزمي حديثه لا يساوي شيئًا، والحديث الصحيح: "أن النبي ﷺ أقرَّهما على النكاح الأول" (٥)، وقال الترمذي: "في إسناده مقال" (٦)، وقال الدارقطني: "هذا الحديث لا يثبت، وحجاج لا يُحْتَجُّ به، والصواب حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ رَدَّها بالنكاج الأول" (٧).
وعلى فرض صحته، فهو معارَض بحديث ابن عباس ﵄ الذي سبق بيانه، وهو أصح منه.
قال البيهقي: "بلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال: سألت عنه البخاري
стр. 1021
-﵀ فقال: حديث ابن عباس أصح في هذا من حديث عمرو بْن شعيب" (١).
وأجيب عن ذلك:
بأن حديث عمرو بن شعيب، وإن كان ضعيفًا إلا أنه يتقوَّى بغيره من الأدلة التي أَوجبت الفُرْقَةَ بين المسلمة المهاجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وزوجها الكافر المقيم بدار الحرب.
قال ابن التركماني: "الحديث عندنا صحيح" (٢).
وقال ابن عبد البر: "وحديث عمرو بن شعيب تُعَضِّدُهُ الأصول" (٣)، وقد صرَّح فيه بوقوع عقد جديد، والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل، ويؤيده مخالفةُ ابن عباس ﵄ لما رواه، كما حكى ذلك عنه البخاري أنه قال: "إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه" (٤).
وقال الترمذي: "قال يزيد بن هارون: حديث ابن عباس أجود إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب" (٥).
وحديث ابن عباس ﵄ وإن كان أصح منه، لكنه منسوخ كما قال ابن عبد البر: "وهذا الخبر -يعني: خبرَ ابن عباس- وإن صح فهو متروك منسوخ عند الجميع؛ لأنهم لا يجيزون رجوعه إليها بعد خروجها من عادتها، وإسلام زينب كان قبل أن ينزل كثير من الفرائض" (٦).
стр. 1022
وعلى فرض أن الحديث ليس منسوخًا، يمكن الجمعُ بين الحديثين، بأن معنى حديث ابن عباس أن النبي ﷺ رَدَّهَا عليه بالنكاح الأول، يريد على مثل النكاح الأول من الصداق وغيره، ولم يُحْدِثْ زيادةً على ذلك من شرطٍ ولا غيرِهِ (١).
وأجيب عن ذلك:
بأن حديث عمرو بن شعيب لا يقوى على معارضة حديث ابن عباس ﵄؛ لأنه أصح فيقدم عند التعارض.
وقولهم: بأن حديث عمرو بن شعيب، وإن كان ضعيفًا، فإن الآية تؤيده وتشهد له، فهذا غير مسلَّم؛ لأن الآية لا دلالة فيها على وجوب وقوع الفرقة بين الزوجين في الحال، عند اختلاف الدار بينهما.
وبهذا يضعف استدلال الحنفية بهذا الحديث.
٣ - مناقشة أدلتهم من المأثور:
أثرُ عمر ﵁ الذي استدلوا به، لا وجود له إلا في كتبهم، وليس موجودًا، في كتب السنن والآثار المشهورة، وهذا مما يُضْعِفُ الاستدلالَ به.
وعلى فرض وجوده، فلا دلالةَ لهم فيه؛ لأن عمر ﵁ عندما قال: من أراد أن تَبِيْنَ امرأته منه فليهاجِرْ، قصد بذلك أنها تبين منه بالإسلام، لا باختلاف الدار؛ لأن اختلاف الدار لا أثر له في الفُرْقَةِ، وإنما الأثر لاختلاف الدين.
٤ - مناقشة أدلتهم من المعقول:
الرد على الوجه الأول:
قولهم بأن تباين الدارين مُفَوِّتٌ لمقاصدِ النكاحِ، هذا غير صحيح؛ لأن اختلاف
стр. 1023
الدار إنما يؤثِّر في انقطاع الولاية وعدم السيادة، وهما لا يوجبان انقطاعَ الزواج، وليس لهما تأثيرٌ في الفُرْقَةِ؛ ولهذا لو أسلمت المرأة في دار الكفر، ويقي زوجها الكافر مستأمنًا بدار الإسلام، لا تقع الفُرْقَةُ بينهما بمثل هذا التباين، ولا تقع الفُرْقَةُ بينهما إلا باختلاف الدِّينِ.
وكذلك لو دخل المسلم دار الكفر بأمان لا تقع الفُرْقة بينه وبين زوجته المسلمة التي في دار الإسلام، وأيضًا لو كان لانقطاع الولاية تأثير على الزواج لوقعت الفُرْقة بين الزوجينِ الذَينِ أحدهما في دار البغي، والآخر في دار العدل، وليس كذلك (١).
الرد على الوجه الثاني:
قولهم بأن أهل دار الحرب كالموتى في حقِّ أهل دار الإسلام، هذا غير صحيح؛ لأن هناك فرقًا بين الموت، واختلاف الدار، فالموت قاطع للأملاك، ومن بينها: عصمة النكاح، أما اختلاف الدار فهو غير قاطع للأملاك، وبهذا يكون لا أثر له في انقطاع العصمة بين الزوجين.
الرد على الوجه الثالث:
قولهم بأن الدار اختلفت بين الزوجين حقيقةً وحكمًا، فوجب أن تقع الفرقة بينهما، كالحربية إذا دخلت دار الإسلام بأمان، ثم أسلمت، فإن الفرقة تقع بينها وبين زوجها الذي في دار الحرب في الحال.
قال ابن القيم ﵀-في الرد عليه-: "هذا مُنْتَقَضٌ بانتقالِ المسلم إلى دار الحرب، ودخول الحربية إلى دار الإسلام ودخول الحربي بأمان لتجارة أو رسالة، فإن الفرقة لا تقعُ، وأمَّا الحربية إذا دخلت دار الإسلام وأسلمت؛ فالموجِبُ للفُرْقة هناك اختلاف الدِّين دون اختلاف الدارين، ألا ترى أنه لو وُجِدَ في دار واحدة كان الحكم كذلك" (٢).
стр. 1024
الرد على الوجه الرابع:
قولهم بأن اختلاف الدارين يقطع الميراث؛ فالذمي إذا مات في دار الإسلام، وخلف مالًا وله ورثة في دار الحرب، لم يستحقوا من ماله شيئًا؛ لاختلاف الدارين بينهم، فكذلك يقطع عصمة النكاح.
قال ابن القيم -في الرد عليه-: "انقطاع الإرث بينهما لم يرجع إلى اختلاف الدارين، لكن رجع إلى قطع الموالاة والنصرة؛ ولهذا لو كان ذميًّا في دار الإسلام فَدَخَلَ قريبُهُ الحربيُّ مستأمنًا ليقيم مدة ويرجع إلى دار الحرب لم يتوارثا، وإن كانت الدار واحدة" (١).
أما قياسهم الفُرْقَةَ بين الزوجين عند اختلاف الدارين بينهما على الفُرْقَةِ بينهما بنسب أو رضاع فهو قياس مع الفارق، وغير معتبر؛ لأن الفُرْقَةَ بين الزوجين بنسب أو رضاع قد تكون في دار واحدة بخلاف الفُرْقَةِ باختلاف الدارين؛ فإنها لا تكون في دار واحدة.
ثالثًا: الرد على أصحاب القول الثالث:
الدليل الأول: آية سورة الممتحنة:
هذه الآية لم تَقُلْ صراحة بفسخ عقد النكاح، ولكنها قررت عدمَ الحِلِّيَّةِ، وهذا يقتضي فسخَ العقد، وقررت إباحة الزواج للمسلمة المهاجرة من زوج آخر، وهذا يقتضي فسخَ العقد الأول، وقصة زينب أثبتتْ أن العقدَ لا يزالُ موجودًا، ولكنَّ التفريقَ الحسيَّ عن زوجها كان قائمًا؛ ولذلك رَدَّهَا رسولُ الله ﷺ إلى زوجها بعد إسلامِهِ، فالعقد موجود، لكن التفريقَ الحسيَّ واجبٌ ريثما يتمُّ فسخُهُ، أو يُسْلِمُ الزوجُ.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]:
إن تطليق عمر لزوجتيه المشركتين المقيمتين بمكة يدلُّ على أن الأمر الإلهي
стр. 1025
بالطلاق ليس طلاقًا مباشرًا، بل لا بد أن يُنَفِّذَ المسلمُ هذا الأمرَ ويُطَلِّقَ، فإنْ لم يفعلْ فقد وقع في المحذور، ومثل هذا الحكم ينطبقُ على المرأة المرتبطة بعقد سابقٍ حين تُسلم ويبقى زوجها على دِينِهِ.
الدليل الثالث: من السنة المطهرة:
قولهم بأن العمل بعد الهجرة استمرَّ على أن اختلاف الدِّينِ لم يكن يُفَرِّقُ بين المرأة وزوجها، بدليلِ بقاءِ المستضعفاتِ في مكة مع أزواجِهِنَّ، ومنهن أُمُّ الفضل زوجةُ العباسِ، وزينبُ بنتُ النبيِّ ﷺ زوجةُ أبي العاص بن الربيع.
فيجاب عنه على النحو التالي:
١ - أما أُمُّ الفضل لبابةُ بنتُ الحارث زوجةُ العباس بن عبد المطلب، فقد أسلمتْ قَبْلَ العباس، وكان ابنها عبد الله بن عباس مسلمًا تبعًا لها، وهو من الوِلْدَانِ، وقد صح عنه أنه قال: "كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الوِلْدَانِ، وهي من النساء"، وقد علَّقَ عليه الذهبي بقوله: فهذا يُؤْذِنُ بأنهما أسلما قبل العباس وعجزا عن الهجرة (١).
وهذا يعني: أن أُمَّ الفضل كانت مع العباس مسلمةً وهو كافر، قبل أن ينزلَ حكمُ وجوبِ التفريق بين الزوجين باختلاف الدِّين، فلا حرج عليها، وإن كانت قد بقيتْ عنده بعد نزول هذا الحكم ومعرفتها به؛ إذ ربما نزل الحكم ولم تَعْرِفْ به؛ لأنها ليست في دار الإسلام، فهي معذورة؛ لأنها كانت مستضعفة، والإعذار هنا حكمٌ عامٌّ مبنيٌّ على رفع الحرج في هذا الدِّين.
٢ - أما زينب بنت النبي ﷺ زوجة أبي العاص بن الربيع، فقد هاجرت بعد رجوع زوجِها من أَسْرِهِ ببدر، وكان ذلك يقينًا قبل نزول آية البقرة، وآية الممتحنة، فعندما
стр. 1026
كانت مع زوجها في مكة لم يكن حكمُ التفريق بسبب اختلاف الدِّينِ قد نزل، وعندما نزل هذا الحكم كانت مفارِقةً لزوجها، وإن بقي العقدُ معلَّقًا موقوفًا، وإذا كانت رواية ابن إسحاق عن أَسْرِ أبي العاص وإجارَتهِ من قِبَلِ زوجَتِهِ زينبَ، وقبولِ رسولِ الله هذا الجوارَ، وقولِهِ لها: "أي بُنَيَّةُ، أكرمي مثواهُ، ولا يخلصَنَّ إليكِ، فإنك لا تَحِلِّينَ له". رواية ضعيفة وفق تحقيق الشيخ الجديع، إلَّا أنها هنا لم تنشئ حكمًا جديدًا حتى نحتاج إلى توثيقها، بل هي تأكيد للحكم الثابت بالنص: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ ولأنه حتى ولو لم تَرِدْ هذه الروايةُ أصلًا فإن مفارقةَ زينب لزوجها بعد بدر وانقطاعَ الحياة الزوجية بينهما فعلًا ونزول آيتي البقرة والمتحنة قبل ذلك يجعلُ التفريقَ بين زينب وأبي العاص أمرًا ظاهرًا، وإن لم يتمَّ بعد فسخ العقد نهائيًّا، وعلى من يريد القول بأن جوارَ زينبَ لأبي العاص وإطلاقَ أَسْرِهِ أدَّى إلى عودة العلاقة الزوجية بينهما أثناءَ وجوده في المدينة وهو على كفرِهِ- أن يثبت ذلك؛ لأنه ادِّعاء خلاف الظاهر، والصحيح أنه لم تَرِدْ أية روايةٍ -ولو ضعيفة- تتحدث عن هذا الأمر، فتبقى رواية: لا يخلصَنَّ إليكِ؛ فإنكِ لا تَحِلِّينَ له، مقبولةً، ولو كانت ضعيفة؛ لأنها متوافقة مع النصوص، ومع الواقع، وهي لم تشرع حكمًا جديدًا، ولكنها تأكيد لحكم ثابت.
إن قصة زينب تؤكد -إذًا- أن اختلاف الدِّين فَرَّقَ بينها وبين زوجِهَا، ولو حصل ذلك بعد سنواتٍ طويلةٍ من حياتهما المشتركة، ويزيد ذلك تأكيدًا ما ثبت من أن رسول الله ﷺ رَدَّ زينب إلى زوجها أبي العاص بعد إسلامه بالنكاح الأول، فلماذا الرَّدُّ إذا لم تكنِ الفُرْقَةُ حاصلةً؟
٣ - ليس مقبولًا القولُ بأن العمل استمرَّ بعد الهجرة على أن اختلاف الدِّين لم يكن يُفَرِّقُ بين المرأة وزوجها، استدلالًا بالقصتين السابقتين، وقد بيَّنَا أن أُمَّ لبابة
стр. 1027
معذورةٌ؛ لأنها كانت من المستضعَفات بمكة، وأن زينب كانت مفارِقة لزوجها.
بينما نجد أن كثيرًا من الروايات الصحيحة، تؤكد أن العمل بعد الهجرة -وخاصة بعد نزول آيتي البقرة والممتحنة - على أن اختلاف الدِّينِ يُفَرِّقُ بين المرأة وزوجها، وحسبنا من هذه الروايات ما ثبت عن ابن عباس: "كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين، كانوا مشركينَ أهلَ حربٍ يقاتِلُهم ويقاتلونه، فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تُخْطَبْ حتى تحيضَ وتطهرَ، فإذا طهرتْ حَلَّ لها النكاح، فإنْ هاجَرَ زوجُهَا قبل أن تنكح رُدَّتْ إليه" (١).
الدليل الرابع: من الأدلة الأصولية:
قولهم شرعُ مَنْ قَبْلَنَا شرعٌ لنا ما لم يَرِدْ في شرعنا ما يَنسخُهُ، مردود بثبوت الناسخ، وهوَ آيةُ سورةِ البقرةِ: وما دام أن النسخ صحَّ بهذه الآية الواضحة القاطعة، ثم أجمع عليه المسلمون بعد ذلك فقدْ سقط الاستدلال بقصة امرأتي نوح ولوط وآسية زوجة فرعون، مع الإشارة إلى أن زوجة فرعون كانت مكرَهة، وبالتالي فإن اعتبارَ الإكراهِ حالةٌ تبيحُ للزوجة المسلمة أن تظلَّ مع زوجها الكافر هي حالةٌ موجودةٌ عندنا لدى النساء المستضعَفات بمكة، وقد عَذَرَهُنَّ الله تعالى.
الدليل الخامس: من المعقول:
القول بأن أنكحة الكفار فيما بينهم صحيحة بإطلاق طالما هم على الكفر -مسلَّم، لكنها ليست صحيحة إذا أسلم الزوجان أو أحدهما، بل هي أنواع:
стр. 1028
النوع الأول: أن لا يكون في أنكحة الكفار، إذا أسلموا أو أسلم أحد الزوجين، أيُّ سببٍ من أسباب الفساد لو أردنا إجراءَهَا الآنَ، فهذِهِ تستمِرُّ على الصحة بلا خلافٍ.
النوع الثاني: أن يكون في أنكحة الكفار، إذا أسلموا أو أسلم أحد الزوجين -سببُ فسادٍ يرجعُ إلى حرمة المحلِّ، أي: أن هذه المرأة لا يحلُّ لها الزواجُ من هذا الرجل لو أردنا إجراءَ عقدِهَا الآن، كأن تكونَ محرَّمَةً عليه بالقرابةِ أو بالمصاهرَةِ أو بالرَّضاع، أو أن يكون للزوج -عندما أسلم- أكثرُ من أربعِ زوجاتٍ، أو أن تكون ممن لا يحلُّ للرَّجلِ أن يجمع بينها وبين زوجةٍ ثانيةٍ، ففي هذه الحالةِ يجبُ فسخُ النكاحِ بينَ الرَّجُلِ والمرأة المحرَّمَةِ عليه، وبينه وبين ما يزيدُ عن الأربع زوجات، وبينه وبين إحدى الزوجتين التي لا يجوز الجمعُ بينهما، وبالتالي يجب التفريقُ بين الزوجين إذا أسلما أو أسلم أحدهما، وكل ذلك ثابتٌ بالسنة الصحيحة، ولا خلافَ عليه.
النوع الثالث: أن يكون في أنكحة الكفار سببُ فسادٍ، ولكنه لا يرجع إلى حرمة المحلِّ، كأن يكون العقد قد تمَّ بغير شهود، أو بدون إذن الولي، بحيث إننا لو أردنا عقدَ الزواج الان يمكننا أن نستدرِكَ هذه الأسبابَ فنأتي بالشهودِ، أو نحصل على موافقة الولي، ففي مثل هذه الحالة تعتبر عقود الكفار صحيحة.
الدليل السادس: من المعقول:
وهو أن العمل بين المسلمين قبل الهجرة كان على صحة العقود السابقة للإسلام وبقائها بعد الإسلام، مما يدلُّ على أن تغيير الدِّينِ لم يكنْ مؤثرًا في صحة عقود النكاح السابقة.
وأجيب:
هذا صحيح، ولكنه ليس دليلًا في موضع النزاع؛ لأن الذين يقولون بإبطال العقود السابقة بسبب اختلاف الدِّين، أو الذين يقولون بوجوب التفريق بين الزوجين إذا أسلمت المرأة وبقي زوجها على دِينِهِ، يستندون إلى آيتي البقرة والممتحنة؛ إذ هي التي
стр. 1029
تبين الحكم الشرعي في هذه المسألة، ومن المعروف أن القرآن الكريم نزل منجمًا، وأن الأحكام الشرعية وردتْ أيضًا بالتدريج، ولا يخالف أيٌّ من العلماء في أن تحريم زواج المسلمة من غير المسلم شُرِعَ بعد الهجرة مع نزول آية البقرة، ولا يقول أحد: إن تحريم بقاء المسلمة مع زوج غير مسلم كان قبل نزول آية الممتحنة.
نعم، إن تغيير الدِّينِ لم يكن قبلَ الهجرة مؤثِّرًا على صحة عقودِ النكاح السابقة؛ لأنه لم يكنْ قد وَرَدَ الدليلُ المخالفُ لذلك، وأصبح مؤثِّرًا ومؤدِّيًا إلى التفريق بين الزوجين بعد نزول آية الممتحنة، كما ذكرنا.
الدليل السابع: من المعقول:
وهو أن التفريق لا يحقق مصلحة، بل هو مفسدة؛ لأنه يُنَفِّرُ من الدخول في الإسلام. أقول:
١ - معلوم أن الشرع إذا أَمَرَ بشيء فهو مصلحة، وإذا نهى عن شيء فهو مفسدة، ولو لم يدركْ ذلك الناسُ بعقولهم؛ لأن المصلحة أو المفسدة تتبع النصَّ الشرعيَّ، إن وُجِدَ، وإذا ظَنَّ الناسُ وجودَ مصلحة في مخالفة النصِّ فهي مصلحة متوَهَّمة، وليست حقيقية.
وعليه: فإن تفريق المرأة المسلمة عن زوجها غير المسلم هو المصلحة؛ لأنه أَمْرُ الله، وهو لا يُنَفِّرُ من الدخول في الإسلام أكثر من تفريق المرأة المسلمة إذا كانت محرَّمَةً على زوجها الكافر بسبب القرابة، أو المصاهرة، أو الرضاع، أو غير ذلك، وهذه زينب فَرَّقَهَا الإسلام عن زوجها أبي العاص ولم يَنْفِرْ، بل دخل في دين الله حين قُدِّرَتْ له الهداية.
الترجيح:
بعد عرض الأدلة ومناقشتها يتبين: أن أَولى الأقوال وأرجحَها وأوسطَها قولُ ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى.
وخلاصته: أن المرأة إذا أسلمتْ فلها أن تقيم مع زوجها متربصةً به الإسلام، على
стр. 1030
ألَّا تُمَكِّنَهُ من نفسها، ويكون عقدها هنا موقوفًا فإن اختارت الفُرْقَةَ وأن تنكح غيره فلها ذلك، وإن أحبت البقاءَ من غير وطءٍ فالأمْرُ إليها.
وهو قولٌ يَجمعُ بين رعاية المرأة وترغيبها في الإسلام، ورعاية الرجل والأسرة وترغيبهم أيضًا في الإسلام.
ولا شك أن في هذا القول إعمالًا لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] إلا أن هذا القول يُفَارِقُ الجمهورَ فيما لو دخل الزوجُ إلى الإسلام بعد العِدَّةِ فإنه لا يعود إليها إلا بعقدٍ ومهرٍ جديدين، عند الجمهور، وأما شيخ الإسلام، وابن القيم فيعيدانه إليها بنفسِ العقدِ الأول، وهو قولٌ يستفيد من واقعة زينب وزوجها ﵄.
وقد نص المجلس الأوربي للإفتاء على أرجحية هذا القول وتبنَّاهُ، مقدِّمًا إيَّاهُ على قول الجمهورِ، فجاء في بيانه الختامي في دورته العادية الثامنة:
القرار (٣/ ٨) في موضوع: إسلام المرأة وبقاء زوجها على دِينِهِ، ما يلي:
بعد اطلاع المجلس على البحوث والدراسات المختلفة في توجهاتها، والتي تناولت الموضوع بتعميق وتفصيل في دورات ثلاث متتالية، واستعراض الآراء الفقهية وأدلتها، مع ربطها بقواعد الفقه وأصوله، ومقاصد الشرع، ومع مراعاة الظروف الخاصة التي تعيشها المسلمات الجديدات في الغرب حين بقاء أزواجهن على أديانهم؛ فإن المجلس يؤكد أنه يحرم على المسلمة أن تتزوج ابتداءً من غير المسلم، وعلى هذا إجماع الأمة سلفًا وخلفًا، أما إذا كان الزواج قبل إسلامها فقد قرر المجلس في ذلك ما يلي:
أولًا: إذا أسلم الزوجان معًا ولم تكن الزوجة ممن يحرم عليه الزواج بها ابتداءً كالمحرمة عليه حرمةً مؤبدةً بنسب أو رضاع فهما على نكاحهما.
ثانيًا: إذا أسلم الزوج وحده، ولم يكن بينهما سببٌ من أسباب التّحريم، وكانت
стр. 1031
الزوجة من أهل الكتاب فهما على نكاحهما.
ثالثًا: إذا أسلمتِ الزوجةُ وبقي الزوج على دينه فيرى المجلس:
أ - إن كان إسلامُهَا قبل الدخولِ بها فتجبُ الفُرْقَةُ حالًا.
ب - إن كان إسلامها بعد الدخولِ، وأسلم الزوج قَبْلَ انقضاءِ عِدَّتِهَا، فهما على نكاحِهِمَا.
جـ - إن كان إسلامها بعد الدخول، وانقضتِ العدةُ، فلها أن تنتظرَ إسلامَهُ، ولو طالتِ المدةُ، فإن أَسْلَمَ فهما على نكاحهما الأول، دون حاجة إلى تجديد له.
د - إذا اختارت الزوجة نكاحَ غيرِ زوجها بعد انقضاء العدة، فيلزمُهَا طلبُ فسخِ النكاح عن طريق القضاء.
رابعًا: لا يجوز للزوجة -عند المذاهب الأربعة- بعد انقضاء عدتها البقاءُ عند زوجها، أو تمكينُهُ من نفسها. ويرى بعضُ العلماء أنه يَجُوزُ لها أن تمكثَ مع زوجها بكامل الحقوق والواجبات الزوجية، إذا كان لا يضيرها في دينها، وتطمعُ في إسلامه؛ وذلك لعدم تنفير النساء من الدخول في الإسلام إذا عَلِمْنَ أنهن سيفارِقْنَ أزواجهن ويتركْنَ أُسَرَهُنَّ، ويستندون في ذلك إلى قضاءِ أميرِ المؤمنين عمر بن الخطاب في تخيير المرأة في الحيرة التي أسلمتْ ولم يُسْلِمْ زوجها: "إن شاءتْ فارقته، وإن شاءتْ قَرَّتْ عنده"، وهي رواية ثابتة عن يزيد بْن عبد الله الخطمي، كما يستندون إلى رأي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إذا أسلمتِ النصرانيةُ امرأةُ اليهودي أو النصراني كان أحقَّ ببضعها؛ لأن له عهدًا، وهي أيضًا رواية ثابتة. وثبت مثل هذا القول عن إبراهيم النخعي، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان (١).
وهو بيانٌ يعكس وجودَ آراء متعارضة داخل المجلس، وتساهلًا مع القول
стр. 1032
الضعيف الذي يبدو واهيَ الاعتبار، في حين جاء بيان مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا متحفظًا ومتوافقًا مع مذهب الجمهور، من غير إشارة إلى مذهب شيخ الإسلام إلَّا عند تسبيب قرار المجمع وتوجيهه، حيث نَصَّ على وجاهة مذهب ابن تيمية وابن القيم من غير أن يتبناه المجمع، مع مسيس حاجة مسلمات الغرب إليه.
ومن غير التفاتٍ إلى القول القائل باستدامة الحياة والعشرة، بشرط أن تطمع في إسلامه وألَّا يؤذيَهَا في دينها؛ وذلك لضعفه الظاهر.
وهذا القرار جاء متوافقًا مع قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في هذا الشأن، حيث جاء فيه:
"بمجرد إسلامِ المرأةِ، وإباءِ الزوجِ الإسلامَ ينفسخ نكاحُهُمَا، فلا تَحِلُّ معاشرتُهُ لها، ولكنها تنتظر مدة العدة، فإن أَسْلَمَ خلالها عادت إليه، بعقدهما السابقِ، أمَّا إذا انقضت عدتها ولم يُسْلِمْ فقد انقطع ما بينهما، فإنْ أَسْلَمَ بعد ذلك، ورغبا في العودة إلى زواجهما عادا بعقد جديد، ولا تأثير لما يُسَمَّى بحسن المعاشرة في إباحة استمرار الزواج" (١).
ويلاحَظُ أن القرار لم يحدد أو يطلب قضاءَ قاضٍ ليحكمَ بالبطلان أو الفسخ، في حين أن اتفاق المجلسين الآخرين على الرجوع إلى القضاءِ؛ ليتحقق إنهاءُ العقد السابق، وهو موقفٌ مستوحًى من مذهب الحنفية.
وذلك لأن انفساخ العقد يحتاج إلى توثيق قضائي على الأقل، وكذا فإن رأي ابن القيم وشيخه ابن تيمية، وهو أن الزواج موقوف حتى تنكح زوجًا غيره -على وجاهته- ضعيفُ التطبيقِ في العصر الحاضر؛ إذ لا يُسْمَحُ للمرأة -قضاءً- بالزواجُ من رجل آخر إلا بعد فسخ عقد زواجها السابق، وليس مقبولًا في قوانين جميع الدول،
стр. 1033
ومنها: قوانينُ الدول الإسلامية المستمَدَّةُ من الأحكام الشرعية، أن يُباحَ للمرأة عقدُ زواجٍ ثانٍ، وهي لا تزالُ على عصمة زوجها الأول، بحجة أن الزواج الأول ينحلُّ حين يُعْقَدُ الزواجُ الثاني، فإذا كان من حَقِّهَا بعد انتهاء العدَّةِ أن تنكح زوجًا آخرَ، فإن هذا الحق لا تستطيع ممارسته قانونيًّا إلا بعد فسخِ عقدِهَا السابقِ، فيكون هذا الفسخُ واجبًا على أقلِّ تقديرٍ لتمكينها من ممارسة حقِّهَا الشرعيِّ بالزواج من آخرَ.
أما طريقةُ فسخِ العقد فهي رفعُ الأمر إلى القضاء في جميع الحالات، ففي دار الإسلام يُعْرَضُ الإسلامُ على الزوج فإنْ أَبَى فَيُفَرِّقُ القاضي بينه وبين زوجتِهِ.
وفي غير دار الإسلام تَطْلُبُ الزوجةُ التفريقَ لأي سببٍ يَنْسَجِمُ مع قوانين بلادها، وعادةً تحكمُ المحاكم بالتفريق، ولو بعد زمن طويل، وإن كان في مذهب الحنفية أن الزوجة إذا أسلمتْ في دار الحرب أو في دار الإسلام تَبِيْنُ عن زوجها إذا لم يُسْلِمْ عند انتهاءِ فترةِ العدةِ، كما سبق بيانه، والله أعلم.
стр. 1034
الفْصَلُ الرَّابِعُ
من نوازل الطلاق
المبحث الأول: حكم الطلاق الذي يوقعه القاضي غير المسلم فى بلاد الأقليات
المبحث الثاني: ولاية المراكز الإسلامية في التطليق والتفريق
стр. 1035
المبحث الأول
حكم الطلاق الذي يوقعه القاضي غير المسلم في بلاد الأقليات
تصوير النازلة وتكييفها:
الطلاق من محاسن الشريعة المحمدية، به تنحلُّ عقدة النكاح، ويرتفع الحِلُّ الذي كان بين الزوجين عندما يكون الطلاق هو آخر العلاج والدواء، وكما يقع التفريق بالطلاق فإنه يقع بالفسخ أيضًا، والفسخ قد يكون بتراضٍ بين الزوجين، وهذا هو الخلع، أو يكون بواسطة القاضي لسبب يَحْمِلُ عليه.
والأصل في الإسلام أن الطلاق بيد الزوج بما جعل الله للرجال من القوامة، والقدرة على تحمل المسئولية.
ولا يعني هذا أن الإسلام أخلى المرأة من أن يكون لها حقٌّ في التطليق، أو إيقاع الفُرْقة، فقد جعل لها هذا الحقَّ في حالات، منها:
- أن تشترط المرأة ذلك في صلب عقدها، فيوافق زوجها، كما هو معروف عند الحنفية (١).
- أو أن يقول لها زوجها بعد الزواج أمرك بيدك، أو طلقي نفسك إن شئت، ونحو ذلك، كما هو معروف عند الجمهور (٢).
- كما أثبت الإسلام لها أن تطلب من القاضي التفريق حين تكون بالزوج عيوب مَرَضِيَّة تمنع الحياة المستقرة معه، أو إذا غاب غيبة طويلة تتضرر بها المرأة، أو إذا ثبت أنه
стр. 1036
يؤذيها بدنيًّا بما لا تحتمله، ولا يليق بأمثالها، كما هو معروف عند المالكية (١).
وبالجملة فإن هناك أسبابًا كثيرة تَحْمِلُ على التفريق القضائي تندرج جميعًا تحت اسم "الضرر"، وقد نهى الله تعالى الأزواج عن مضارة الزوجات، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، كما قررت السنة أن "لا ضرر ولا ضرار" (٢).
وبناءً على ما تقدم فإن المرأة إذا لم تجد مع زوجها حلًّا لمشكلات مزمنة، ولم تفلح محاولات الصلح، أو إذا كان الزوج مستبدًّا بالضرر والإضرار بها؛ فإن لها أن ترفع أمرها بطلب إلى القاضي في بلاد الإسلام فينظر في قضيتها، بما يرفع الظلم عنها.
ولكن كيف يكون الأمر إذا كانت تعيش في بلاد الأقليات، حيث تُفْقَدُ الرايةُ الإسلامية، وتغيب الأحكام الشرعية، وتحل محلها القوانين الوضعية؟
وهل إذا توجهت إلى القضاء غير المسلم لا تكون آثمة، باحتكامها إلى غير شريعة دينها، وبالتقاضي أمام غير مسلم، وبالاختصام إلى قوانين لا صلة لها بدينها؟
وإذا قضى القاضي غير المسلم بطلاقِهَا، أو فَسْخِ نكاحِهَا، هل يُعْتَدُّ -والحال هذه- بحكمه؟ وهل يلزمها -كما يلزم غيرها- ديانًة، فتحل للأزواج بعد صدور هذا الحكم مباشرة، كما لو كانت في بلاد إسلام، وديار إيمان؟
وماذا لو تعارض الحكم الشرعي والقانون الوضعي في هذا الأمر المهم من العلاقات بين الرجل والمرأة؟
ولقد أتى الفقهاء جميعًا على ذكر شرط الإسلام فيمن يتولى القضاء:
ذلك أن الله يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
стр. 1037
قال القرطبي -في معنى (السبيل) في هذه الآية-: "أي حجة عقلية ولا شرعية يستظهرون بها على المسلمين إلا أبطلها الله وَدُحِضَتْ" (١).
فالقضاء مبناه على أداء الشهادة على المسلم، وقد منعها الله من الكافر على المسلم، والقضاء والشهادة ولاية، فإذا كان الكافر لا يملك أدنى الولايات على المسلم -وهي أداء الشهادة- فلا يكون له أعلاها وهي القضاء (٢).
قال الماوردي: "ولا يجوز أن يُقَلَّدَ القضاء إلَّا من تكاملت فيه شروطه التي يصحُّ معها تقليده وينفذ بها حكمه، وهي سبعة. . . الرابع: الإسلام؛ لكونه شرطًا في جواز الشهادة، مع قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] " (٣).
إن الحال في بلاد الغرب جِدُّ مختلفٍ عنه في بلاد الشرق المسلم، ولا سيما في هذا الشأن الخاص بالأسرة وأمن المجتمعات.
وكما أن المرأة قد تتضرر من هذا الوضع، فإن الرجل قد يتضرر بما هو مثل ذلك وأشد، والسبب أن صدور حكم بالطلاق من ذلك القضاء يعني -غالبًا-: اقتسام ثروته مع مطلقته، والتكليف بالإنفاق عليها مدةَ حياتِهَا، ورعايتها مع الأبناء بشكل مجحف ومكلِّف، لدرجة قد تدفع الرجل إلى قبول الضيم في شرفه، بدلًا من طلاق زوجته؛ لئلا يغرم ما لا يقدر عليه! أو يتحمل من النفقات ما لا طاقة له به!
ومن عجبٍ أن عددًا ممن خلبتهم الشقراء الحسناء فأقبلوا عليها بالزواج دفعوا أموالهم ودين أولادهم ثمنًا لهذا الزواج الذي آل يومًا من الأيام إلى الفراق! وتبعته التبعات والحسرات!
وفيما يلي بعض صور من هذه النازلة:
стр. 1038
١ - قد ترفع الزوجة دعوى على زوجها إلى المحكمة غير الإسلامية، وإلى القاضي غير المسلم طالبةً الطلاقَ من زوجها، لا لضرر لَحِقَهَا، ولا لعيب في ذلك الزوج، ولا لأي مسوغٍ من المسوغات، وإنّما لرغبة مفارقة ذلك الزوج، وتبديل حياتها -كما قالت إحداهن- يعني: لنزوة ألمَّت بتلك المرأة فاستجابت لها، أو لخديعة من أحد الرجال، أو تخبيب من أحد الفتَّانين فوقعت في شراكها.
وبما أن القانون الهولندي قد منح المرأة حقَّ طلبِ الطلاق من المحكمة، على قدم المساواة مع الرجل، دون البحث عن المبرر أو السبب الذي دفعها إلى ذلك؛ فإن المحكمة غالبًا ما تحكم لها بما تريد، فتطلق المرأة من زوجها، سواء رضي الزوج أو لم يرضَ، قَبِلَ أو لم يقبلْ. وهو قانون يطبق على كل مقيم في هذه الدولة، ما دام قد رضي الإقامة بها، سواء رغب في الاحتكام إلى قوانينها، أم لم يرغب، دون مراعاة لدين هذا الشخص أو ذاك، ولا اعتبار لهذه الثقافة، أو تلك (١).
٢ - أن امرأة رفعت ضد زوجها دعوى طلب الطلاق من المحكمة الهولندية، وحصلت عليه بالفعل، لكنَّ الطلاق الشرعي -أو المغربي كما يُطلق عليه أبناء الجالية المغربية- لم يتمَّ، فاعتمدت المرأة على الطلاق الهولندي، وتزوَّجت على أساسه من رجل آخر زواجًا مدنيًّا في البلدية، وولدت منه وَلَدَينِ، وبما أن الطلاق المغربي ما زال لم يتمَّ رفعت على الزوج دعوى النفقة فبقي الزوج الأول معلقًا، لا يستطيع الزواج بامرأة ثانية حتى يُشْعِرَ الأولى برغبته في الزواج من ثانية، ويَأذنَ له القاضي بذلك، وعليه أن ينتظرَ المحكمة المغربية لإصدار حكمها (٢).
стр. 1039
٣ - أن المتداعِيَيْنِ في دعوى طلب إثبات طلاق سابق صادر عن محكمة دينية أمريكية قد جرى عقد زواجهما في عمان وسافرا إلى أمريكا، ثم سُجِنَ الزوج وتقدمت الزوجة بدعوى أمام محكمة (سيركت) في مقاطعة (كوك - إلينوي) بطلب فسخ الزواج، فصدر الحكم بها غيابيًّا بحقه؛ نظرًا لوجوده في السجن، وتم تبليغه، وقد مُنِحَ الطرفانِ طلاقًا وفسخ كافة الروابط الزوجية، ويعد الحكم تزوجت بزوج آخر، وأنجبت. منه وَلَدَيْنِ، وأجاب الزوج الأول أن المدعية زوجته، وأنه لم يطلقها قط، وأن الطلاق الذي حصل من المحكمة الأمريكية ليس طلاقًا شرعيًّا؛ كونه لم يتلفظ بالطلاق، وطلبَ فسخَ عقدِ زواجِها من زوجها الثاني، وَرَدَّ دعوى الطلاقِ؛ كونها ما زالت زوجته شرعًا (١).
٤ - مسلم أردني تجنس بالجنسية الأمريكية، وكان تزوج مسلمة وأنجب منها، ثم تم الطلاق بطلبها بحكم محكمة في أمريكا، ثم تزوج بأخرى بناءً على هذا الطلاق، وأنجب منها ومات، فعند تسجيل حصر إرثه من قبل أولاده من الثانية طلب منهم القاضي وثيقة طلاق الأولى، فأبرزوا حكم المحكمة الأمريكية المصدَّق والمكتَسِب للدرجة القطعية، وشهادة تنفيذية له من الأحوال المدنية الأردنية، فرفض القاضي قبوله؛ لأنه حكم أجنبي، ولا ولاية لغير المسلم على المسلم، وَوَرَّثَهَا كزوجة له؛ لعدم صحة طلاق المحكمة الأمريكية، فقالوا: إنها وقتَ وفاةِ أبينا كانت متزوجة بغيره وأنجبت منه، ولا زالت تعيش معه إلى الآن، فقال: زواجها باطل؛ لعدم صحة طلاقها بحكم المحكمة الأمريكية؛ لأنه لا ولاية لغير المسلم على المسلم، وبعد تكرر المراجعات جرى عليها حل إداري (٢).
стр. 1040
تحرير محل النزاع:
غيرُ خافٍ على المسلم أن الحاكم الحكيم هو العليم الخبير، وأن للشريعة الإسلامية سلطانًا تُردُّ إليه الخصومات، ويصدر عن أحكامها في المهمات والملمات، وأن الحجة العليا والمرجعية العظمى في حسِّ كل مسلم وعقله وعقيدته ودولته هي للشرع المطهر المعصوم.
وقد دَلَّتْ على ذلك النصوصُ القطعيةُ كتابًا وسنة، وتحقَّقَ عليه الإجماع الصحيح الصريح، قال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥].
وفي الحديث: "إن الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكْمُ" (١).
والإجماع منقول على هذا المعنى، فقد قال ابن حزم ﵀ "لا خلاف بين اثنين من المسلمين أن من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأتِ بالنص عليه وحيٌ في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك، خارج عن الإسلام" (٢).
وقال ابن القيم ﵀: "وقد جاء القرآن وصح الإجماع بأن دين الإسلام نَسَخَ كلَّ دين كان قبله، وأن من التزم ما جاءت به التوراة والإنجيل، ولم يتَّبِعِ القرآن فإنه كافر" (٣).
وقال محدِّثُ الديار المصرية في العصر الحديث الشيخ أحمد شاكر ﵀: "إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح، لا خفاءَ فيه ولا
стр. 1041
مداورةَ، ولا عذرَ لأحد ممن ينتسب إلى الإسلام -كائنًا من كان- في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقراراها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه" (١)
وقال الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر ﵀: "فصل الدولة عن الدين هدمٌ لمعظم الدين، ولا يُقْدِمُ عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين" (٢).
ويقول الشيخ عبد القادر عودة ﵀: "ومن الأمثلة الظاهرة على الكفر بالامتناع في عصرنا الحاضر: الامتناعُ عن الحكم بالشريعة الإسلامية، وتطبيق القوانين الوضعية بدلًا منها. . . ولا خلاف بين الفقهاء والعلماء في أن كلَّ تشريع مخالف للشريعة الإسلامية باطلٌ لا تجب له الطاعة، وأن كل ما يخالف الشريعة محرَّمٌ على المسلمين، ولو أمرت به أو أباحته السلطة الحاكمة أيًّا كانت" (٣).
وأخيرًا يقول الشيخ القرضاوي: "بل إن العلماني الذي يرفض مبدأ تحكيم الشريعة من الأساس ليس له من الإسلام إلا اسمه، وهو مرتدٌّ عن الإسلام بيقين، يجب أن يُستتاب، وتُزاح عنه الشبهة، وتُقام عليه الحجة، وإلا حكم القضاء عليه بالرِّدَّة، وجُرِّدَ من انتمائه إلى الإسلام، أو سُحبت منه الجنسية الإسلامية، وفُرِّقَ بينه وبين زوجه وولده، وجَرَتْ عليه أحكام المرتدين المارقين، في الحياة وبعد الوفاة" (٤).
وعليه: فإن المسلم ليس في فسحة من دينه إذا تحاكم إلى غير ما أنزل الله، رضًا واختيارًا، فإن هذا نفاق لا يجتمع مع الإيمان.
وبالجملة فإن كل ما أُحْدِثَ من الأقوال والأفعال ومناهج الحكم على خلاف
стр. 1042
الشريعة فهو رَدٌّ، لا حرمةَ له، ولا أثَرَ يترتب عليه، إلا ما دعت إليه الضرورة.
"والإنسان متى حلَّلَ الحرام المجمع عليه، أو حرَّمَ الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًّا باتفاق الفقهاء" (١).
وكلُّ مسلمٍ مأمورٌ بالاحتكام إلى الشرع المطهر في كل زمان ومكان، وفي داخل ديار الإسلام وخارجها، لا يُعْفَى من هذا أحدٌ، ولا يَسقط التكليفُ به عن أحدٍ.
وعليه: فإن الأصل هو حرمة التحاكم إلى القضاء الوضعي عند وجود البديل الشرعي القادر على استخلاص الحقوق وردِّ المظالم، وقد استفاضتِ النصوصُ في ذلك، وانعقد عليه إجماع أهل العلم، فإذا انعدم القضاء الشرعي، وأمكن تحكيم أهل العلم وحملة الشريعة كان هذا هو المتعين، وينبغي النزول على أحكامهم، والتسليم لهم في مسائل الاجتهاد؛ فإن قضاء القاضي وحُكْمَ المحَكِّم يرفع الخلاف، وقد ذكر أهل العلم أنه إذا خلا الزمان من السلطان الشرعي فإن الأمور موكولةٌ إلى العلماء، ويصبح علماءُ البلاد ولاةَ العباد، وينبغي على الجاليات الإسلامية المقيمة في المجتمعات الغربية أن تُوَفِّرَ الآلياتِ التي تتيح للمتخاصِمِينَ أن يتحاكموا إلى الشريعة، وأن تُوَفِّرَ لهم مَنْ يفصل في خصوماتهم بناءً على أحكامها، والميسور من ذلك لا يسقط بالمعسور.
وإذا كان من المحكم العام الذي لا اختلاف عليه أنه لا يجوز التحاكم إلى القانون الوضعي، فكذلك -وبنفس الدرجة- لا يجوز الاحتكام إلى غير المسلم في شئون أهل الإسلام.
"وهذه المسألة في كتب الفروع محسومة، فغير المسلم ليس أهلًا للحكم في شئون المسلمين، لا قاضيًا ولا حكمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] والآية وردت بصورة الخبر، ويُرَادُ به الأمرُ، كما يقول الشاطبي، وسَلْبُ
стр. 1043
أهلية القضاء والحكم عن غير المسلم أمرٌ لا خلاف فيه، فيما أعلم.
ومع ذلك فإن أوضاع المسلمين في ديار غير المسلمين -حيث لا يُسْمَحُ بإنشاءِ محاكمَ إسلاميةٍ يتحاكمون أمامها، وتخضع منازعتهم بالكلية لقوانين قضاة البلد الذي يقيمون به- تجعل حالهم مندرجًا ضمن الضرورات التي لها أحكامها، والتي تتخذ من المصالح معيارًا للحكم، والإمكان والاستطاعة أساسًا للتكليف؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] " (١).
ضوابط التحاكم إلى غير الشريعة:
فإذا لم يتيسر ذلك؛ لعدم نزول الخصم على حكم حَمَلَةِ الشريعةِ، وكان لا يردعه إلا سلطانٌ ذُو شوكةٍ، فإن التحاكم إلى القضاء الوضعي في هذه الحالة لاستخلاص حقٍّ أو دَفْعِ مظلمةٍ رخصةٌ، لا تثريبَ على من يلجأ إليها عندما تتعين سبيلًا إلى تحصيل الحق؛ لأن النصوص الواردة في نفاق وكفر من أعرض عن التحاكم إلى الشرع إنما كانت في واقعٍ تهيَّأتْ فيه أسبابُ التحاكم إلى الشرع المطهر، وأعرض فيه من أعرض عن ذلك طائعًا مختارًا؛ لتفضيله التحاكم إلى القانون الوضعي على التحاكم إلى القانون الشرعي.
دلَّ على ذلك الجوازِ قولُه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷺ : "دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢)، وحديث: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة يقول لنا: "فيما استطعتم" (٣).
стр. 1044
ويتقيد هذا اللجوءُ إلى القانون الوضعي بمقيِّداتٍ حاكمةٍ وقواعدَ ضابطةٍ، منها:
١ - تعذر استخلاص الحق أو الوصول إليه إلَّا بهذه الطريقة فحسب.
٢ - الاقتصار على المطالبة بالحق فحسب وأخذه عند الحكم به من غير زيادة.
٣ - كراهة القلب للاحتكام إلى غير القضاء الشرعي.
٤ - بقاء هذا الترخص في دائرة الضرورة بالمعنى العام، والذى يشمل الضرورة والحاجة.
وأمَّا ما يدلُّ على القيد الأول: تعذر استخلاص الحقوق أو دفع المظالم عن طريق القضاء الشرعي، فهو أنه إذا أمكن استخلاص الحق أو دفع المظلمة عن طريق القضاء الشرعي لم تكن هناك ضرورة تُلجئ إلى التحاكم إلى القانون الوضعي الّذي حكمُهُ التحريمُ -كما تقدَّم- لغير الضرورة.
وأما ما يدلُّ على القيد الثاني: معرفةُ حكم الشرع في النازلة وعدم المطالبة بزيادة، فهو أن المطالبة بزيادة على حكم الشرع ظلم، والظلم حرام، دلَّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، ومن أدلة السنة: الحديث القدسي: "إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تظالموا" (١)، ومن دلائل ذلك: أن المسلم يجب عليه في حالة سلوك الوسيلة المباحة -وهي التحاكم إلى الشرع- ألَّا يأخذ مالَ غيرِهِ وإن حكمَ لَهُ به الحاكم الشرعي؛ لقوله ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعلَّ بعضَكُمْ أن يكون أبلغ من بعض، فأحسبُ أنه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيتُ له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذْهَا أو ليتركْهَا" (٢)، فمن باب أولى لا يبيح له حكم الحاكم غير الشرعي أن يظلم غيره.
стр. 1045
ومن دلائل ذلك أيضًا: القاعدةُ الفقهية: "الضرورة تُقَدَّرُ بقدرها" ودلائلها المعروفة؛ ولأن الضرورة أباحت سلوك وسيلة محرمة لاستخلاص الحق ورفع الظلم، ولم تُبِحْ سلوكَها لظلم الآخرين وأخذ ما ليس بحق.
ومن أدلة القيد الثالث -وهو كراهة القلب للتحاكم إلى القانون الوضعي-: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
ومنها: حديث: ". . . فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (١)، وحديث: "ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع"؛ قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا" (٢).
وأما ما يدل على القيد الرابع فهو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]، كما يُستفاد ذلك من القاعدة الفقهية: "الضرورات تبيح المحظورات".
كما يدل على ذلك أيضًا قصةُ لجوءِ الصحابة ﵃ للمثول أمام النجاشيِّ الكافرِ -يومئذٍ- مرتين بسبب مطالبة كفار قريش بهم، وللذود عن حقهم في إبطال مزاعم قريش الباطلة فيهم.
ومن قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بشأن
стр. 1046
الرواية التي كتبها المدعو سلمان رشدي: "القرار الثالث: يعلن المجلس أنه يجب ملاحقة هذا الشخص، بدعوى قضائية جزائية تُقَدَّمُ عليه، وعلى دار النشر التي نشرت له هذه الرواية، في المحاكم المختصة في بريطانيا، وأن تتولى رفعَ هذه الدعوى عليه منظمةُ المؤتمر الإسلامي التي تمثل الدولَ الإسلاميةَ، وأن تُوَكِّلَ في هذه الدعوى أقوى المحامين المتمرِّسين في القضايا الجنائية أمام محاكم الجزاء البريطانية" (١). وواضح من القرار تجويزُهُمْ التحاكمَ إلى المحاكم البريطانية في تلك النازلة.
الطلاق في النظام الغربي:
وقبل الدخول إلى حكم النازلة يحسن التعرف إلى الطلاق في النظام الغربي وما يحيط به من إجراءات وملابسات، وذلك في نقاط محددة للاختصار:
• الطلاق المدني الذي توقعه المحاكم في الغرب الأوروبي كالزواج المدني لا يَستند إلى قوانين دينية، وليس للدين فيه اعتبار، وإنما هو عقد مدني، لا يقع فيه الطلاق، أو الفراق إلا بقرار من المحكمة.
• والطلاق حق مشترك بين الرجل والمرأة في الغرب فكما هو بيد الرجل أن يطلبه، كذا هو بيد المرأة.
• ولا يستطيع الرجل أن يستقل بإيقاعه حتى يحكم به القاضي، ولو تكلم به الرجل فلا اعتبار لوقوعه أو قانونيته لديهم حتى يصدر بذلك قرار المحكمة.
• ليس للقاضي أن يسأل طالب الطلاق عن سببه، أو الدافع لطلبه، فيكفيه أن يقرَّ بأن حياته الزوجية قد باءت بالفشل. والسبب في هذا أن أكثر ما يهدم الأسرة والبيوت هو الخيانة الزوجية، والتي غدت عند الغرب نوعًا من الحرية الشخصية
стр. 1047
التي لا ينبغي استنكارها أو تقييدها!!
• تطول إجراءات الطلاق المدني لاشتراط القانون فترةَ انفصالٍ جسدي لسبق الطلاق تتراوح من سنة إلى ثلاث سنوات، وهو يعني: استقلالًا في السكن والمعيشة.
• يلزم لتقديم هذا الطلب توكيلُ محامٍ بحيث إنَّ صاحبَ الطلب لا يتمكن من تقديمه بنفسه.
• يتعين لديهم قبل الطلاق الاتفاقُ على حضانة الأطفال، وكيفية زيارتهم، وتقسيم أثاث البيت، ومصير سكن الزوجية، ومَنْ تجب له النفقة، وما هي قيمتها.
• وقوع الطلاق يوجب النفقة بين الرجل والمرأة، بل يوجبها للمحتاج منهما في فترة الانفصال الجسدي.
• تقدير النفقة بحسب مستوى المعيشة الذي كان عليه الزوجان من خلال الدخول الحقيقية للطرفين.
• قيمة النفقة هي نصف مجموع ما يأتي الطرفينِ مِنْ مالٍ، فيما يعرف بمبدأ المناصفة، بحيث يتساويانِ في الدخول ويتقاسمانها بالسوية.
• تُحسب النفقة على الأطفال قبل النفقة على المطلِّق، أو المطلَّقة.
• في ظروف معينة يأخذ المطلِّق أربعةَ أسباعِ الدخلِ فيما تأخذ المطلَّقةُ ثلاثةَ أسباعِهِ، والسبب في ذلك ترك الأزواج للعمل بعدَ الطلاق، حيث يتحول ما يدخل إليه من مالٍ إلى مطلقته.
وكثيرًا ما وقع جرَّاء ذلك جرائمُ وانتحارٌ مِنْ قِبَلِ الطرف الذي يَدْفَعُ.
• ولا تنتهي النفقة إلَّا إذا عمل المنفَقِ عليه، فوصل دخله الشهري إلى مستوى المنفِقِ، وإذا تزوَّج المنفَقُ عليه سقطت نفقتُهُ ووجبَ على الزوج الثاني، في حين تبقى
стр. 1048
نفقة الأطفال، كما تبطل إذا مات مستحقُّ النفقة (١).
وبناءً على ما سبق فإن المسلم إذا دخل في علاقة زواج مع امرأة غير مسلمة فإن الحكم بينهما -والحال هذه- قوانينُ بلادِها.
فإذا وقع بينهما خلاف استأثرت المرأة بنصف ثروته -على كفرها- وأخذتْ جميع أولاده، وعاشت تخادنُ الرجالَ، وهو ينفق عليهم نصف دخلِهِ، وعاش يرى ابنته تذهب إلى الكنيسة، بل وتلبس الصليب، وتعاشر الرجال ولا يستطيع إلا أن يبارك هذا العهر، فلا عجب أَنِ انتحرَ بعضهم، وفقد بعضُهُمْ عقلَهُ!!
حكم الطلاق الصادر عن غير مسلم:
بادئ ذي بدء نقول: إن هناك بعض الدول تسمح قوانينها بأن يخضع المقيمُ فيها للقوانين المعمول بها في بلده الأصلي بغضِ النظر عن موافقتها للشريعة من عدمها.
فالمسلم المقيم مثلًا في أوروبا يمكن أن يخضع لقانون البلد الذي يقيم فيه، ويمكن أن يخضع لقانونه الشخصي في بلده الأصلي، إذا كان قانون البلد الذي يقيم فيه يسمح بذلك، وقد يكون قانون بلده الأصلي منسجمًا مع الأحكام الشرعية، أو معارِضًا لها، فالقوانين الأوروبية عندما يسمح بعضها بتطبيق القانون الشخصي للمقيم على أرضها إنما تعني: القانون المعمول به اليوم في الدولة التي يحمل جنسيتها، سواء أكان موافقًا أم مخالفًا للأحكام الإسلامية.
على أنه ثمة حالاتٌ متنوعةٌ في هذا الشأن، ومن ذلك:
الحالة الأولى: أن يكون الزوجان من رعايا دولة إسلامية، وقد تم عقد زواجهما في دولة إسلامية، ولا يؤثِّر في ذلك أن تكون الزوجة كتابية، وهما يقيمان في إحدى الدول
стр. 1049
الأوروبية، ووقع بينهما خلاف يمكن أن يؤدِّي إلى الطلاق في هذه الحالة.
- يجب على الزوجين أن يرفعا خلافهما إلى محكمة البلد الذي جرى عقد زواجهما فيه؛ لأنه من الناحية الشرعية فإن قوانين بلادنا الإسلامية في نطاق الأحوال الشخصية تبقى في عمومها مستمدة من الأحكام الشرعية، وإن وقعت في بعضِهَا مخالفاتٌ، ولكنها تظلُّ أقربَ إلى الشريعة بما لا يقاس من قوانين البلاد الأوروبية، ومن حيث منطق القانون الدولي الخاص فإن القانون الذي تأسس عليه الزواج ينبغي أن يكون هو القانون الذي ينظر في آثار الزواج وانحلاله.
- إذا رفع الزوجانِ أو أحدُهما خلافَهما إلى محكمة البلد الذي يُقيمان فيه؛ لأن ذلك أيسر عليهما، أو لأن قانون هذا البلد يُعطي أحدَهما امتيازًا لا يجده في قانون بلده، فقد وقع الخطأ الأول، ويتحمل إثمَهُ الشرعيَّ مَنْ بادر إليه، وهنا نقول:
- قد يجيز البلدُ الرجوعَ في مثل هذا الخلافِ إلى القانون الذي أنشأ الزواجَ، ففي هذه الحالة يجب على الزوجين أن يُطالِبَا المحكمةَ بتطبيقِ أحكام القانون الذي تزوجا بموجبه، فإن لم يفعلا ذلك وقع الخطأ الثاني، ويتحمل مسئوليتَهُ الشرعيةَ مَنْ لم يطلب ذلك من المحكمة.
- إذا كان قانون البلد يَفرِضُ على محاكمها تطبيقَ أحكامِهِ، ويَمنعها من تطبيق قانونٍ آخرَ فسنكون أمام حكم قضائي صادر عن قضاء دولة غير إسلامية يخصُّ أشخاصًا مسلمين. وهذا الحكم القضائي مُلزِم من الناحية الواقعية والقانونية، غير أن الطرف الذي طالب به يكون آثمًا شرعًا ويجب على الطرفين -حتى بعد صدور الحكم القضائي، إذا أرادا التوبة- أن يتفقا على التحكيم بمقتضى الأحكام الشرعية.
الحالة الثانية: أن يكون أحد الزوجين من رعايا دولة إسلامية وهو مقيم في دولة أوروبية ولم يحصل على جنسيتها بعد، ويكون الزوج الآخر من رعايا دولة أوروبية.
فإذا كان عقد الزوج قد تم وفق قانون الدولة المسلمة، وجب أن يرفع الخلاف إلى
стр. 1050
محاكم هذه الدولة، وإذا رُفِعَ إلى محاكم الدولة الأوروبية يجب مطالبتها بتطبيق أحكام القانون الذي بُنِيَ الزواج عليه، ولو كان الغالب في هذه الحالة أن تُطَبِّقَ المحاكمُ الأوروبية قوانينَهَا الخاصة باعتبار أحد الزوجين من جنسيتها، وهي تفترض أن قوانينها تحمي حقوقه، فنكون أمام حكم قضائي صادر عن دولة غير إسلامية، ويُلْزِمُ مسلمًا.
أما إذا كان عقد الزواج قد تم وفق قانون الدولة الأوروبية، والخلاف بين الزوجين حصل في أرضها فلا بدَّ أن تحكم في محاكمها وفق قوانينها، فنكون أمام حكم قضائي أوروبي يتناول إنسانًا مسلمًا (١).
وأما الحالة الثالثة: فهي محلُّ الإشكال فيما لو كان الزوجان من دولة أوروبية، فلا بُدَّ أن يعقد زواجهما وفق قانون تلك الدولة، حتى يصبح رسميًّا تترتب عليه آثاره القانونية، فإذا دَبَّ خلاف بينهما وانتهى الأمر إلى الارتفاع إلى القضاء في تلك البلاد بعد تعذُّرِ الوفاق والصلح والتحكيم الشرعيِّ الوديِّ، فوقع حكم بالطلاق من قاضٍ غيرِ مسلمٍ على زوجين مسلمين، فما الحكم؟
صدر بهذا الشأن قرار من المجلس الأوروبي للإفتاء، وفيما يلي نصه:
قرار المجلس الأوروبي للإفتاء:
" الأصل أن المسلم لا يرجع في قضائه إلا إلى قاضٍ مسلم، أو من يقوم مقامه، غير أنه بسبب غياب قضاء إسلامي حتى الآن يتحاكم إليه المسلمون في غير البلاد الإسلامية، فإنه تحين على المسلم الذي أَجْرَى عقدَ زواجه وفق قوانين هذه البلاد، تنفيذُ قرارِ القاضي غير المسلم بالطلاق؛ لأن هذا المسلم لمَّا عَقَدَ زواجه وفق هذا القانونِ غيرِ الإسلاميِّ، فقد
стр. 1051
رضي -ضمنًا- بنتائجه، ومنها: أن هذا العقد لا يحلُّ عروتَهُ إلا القاضي، وهو ما يمكن اعتباره تفويضًا من الزوج جائزًا له شرعًا عند الجمهور، ولو لم يصرح بذلك؛ لأن القاعدة الفقهية تقول: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وتنفيذ أحكام القضاء -ولو كان غير إسلامي- جائز من باب جلب المصالح ودفع المفاسد، وحسمًا للفوضى، كما أفاده كلام غير واحد من حُذَّاقِ العلماء؛ كالعز ابن عبد السلام، وابن تيمية، والشاطبي" (١).
وقد استند هذا القرار إلى أن الزوج بعقده للنكاح في ظل قوانين هذا البلد التي تسمح للقاضي غير المسلم بإيقاع الطلاق كأنه وَكَّلَ القاضي غيرَ المسلم بحلِّ العصمة بدلًا منه، وهي وكالة ممتدة طيلةَ بقاءِ النكاحِ بين الزوجين.
وفي هذا التخريج مِنَ البُعْدِ ما لا يخفى؛ فالأعمُّ -كما يقول العلماء- لا إشعارَ له بأخص معيَّنٍ، فعقدُ النكاح في تلك البلاد قد يكون صاحبه ذاهلًا وغافلًا عن مسألة الطلاق، فضلًا عن أن يكون عاقدًا توكيلًا، فكلُّ ما احتاج إلى إذن فإنه يحتاج إلى تصريح، كما تقول القاعدة؛ أخذًا من الحديث: "الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها" (٢)(٣).
كما أن هذا القرار يرى أن ثبوتَ النكاح إنما تم من جهة القضاء، فكذا التفريق، والحق أن النكاح المدني لا يعتدُّ به حتى يستكمل أركان العقد الشرعي وشروطه، فإذا انعقد العقد شرعًا، فلا مانع من توثيق العقد الشرعي توثيقًا مدنيًّا؛ وذلك لضمان
стр. 1052
الحقوق في المستقبل، لا أنه جهة يستمد منها المسلمُ الشرعيةَ.
وعليه: فإن حَلَّ عقدِ النكاح أولًا، وصحتَهُ، وتَرَتُّبَ آثارِهِ عليه إنما يَستندُ إلى العقد الشرعي لا غير.
كما أنه اعتبر عقدَ النكاح المذكور بمنزلة التفويض من الزوج، وهو جائز عند الجمهور، ولو لم يُصرِّح به؛ لأن "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا". . . إلخ.
ويُنَاقَشُ هَذَا:
بأنه ليس بمنزلة التفويض؛ لأن الزوج عند التفويض لا يَسقط حقُّه في التطليق، فالطلاق حقٌّ من حقوق الزوج، فله أن يطلق زوجته بنفسه، وله أن يفوضها في تطليق نفسها، وله أن يوكِّلَ غيرَهُ في التطليق، وكلٌّ من التفويض والتوكيل لا يُسقِطُ حقَّهُ، ولا يمنعه من استعماله متى شاء (١)، بينما الزوج هنا لا حقَّ له في ذلك، كما جاء في القرار: "إن هذا العقد لا يحلُّ عروتَهُ إلا القاضي".
وقولهم: "كالمشروط شرطًا" لا يعني كلَّ شرط على الإطلاق، وإنما شرطٌ يوافِقُ الحقَّ؛ كما قال ﷺ : "المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك" (٢)، وحرمان الزوج من ذلك يخالفه؛ لأنه إسقاط لحقٍّ قرره الكتابُ، وأكدته السنةُ للزوج؛ لأن الطلاق حَلُّ عقدةِ النكاح فلا يملكه من ليست بيده، وقد قال تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وقال ﷺ : "الطلاق لمن أخذ بالساق"، وقصة الحديث أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها؛ قال: فصعد رسول
стр. 1053
الله ﷺ المنبر، فقال: "يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (١)، ومعنى الحديث: أن الطلاق حقُّ الزوج، الذي له أن يأخذ بساق المرأة لا حقَّ غيرِهِ، لكن أباح الشرع أن يُطَلِّقَ القاضي نيابةً عن الزوج، إذا كان الزوج عاجزًا عن الطلاق، أو ممتنعًا منه، وكان في بقاء عصمة الزوجية ضررٌ أو ضرارٌ؛ لقوله ﷺ : "لا ضررَ ولا ضرارَ" (٢).
فللقاضي المسلم في بعض الأحوال أن يطلق على الزوج للإعسار في النفقة، أو الغيبة المنقطعة، أو الأسر والسجن، ونحو ذلك.
قال في الفتح: "والوطءُ والإسكانُ وغيرُهما من حقوق الزوج إذا شُرِطَ عليه إسقاطُ شيءٍ منها كان شرطًا ليس في كتاب الله فَيَبْطُلُ" (٣)؛ كما قال ﷺ : "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط" (٤).
ولأن الاحتكام المذكور والرضى به ليس متَّفَقًا على جوازه، وإنما له صور كثيرة يتردَّدُ حكمُها بين الكفر والفسق وبين الجوازِ للضرورة.
فالاحتكام قد يكون:
كفرًا: إذا كان عن رضًا وقبولٍ؛ لأن حقيقة الإيمان هي التصديق والانقياد، ومن لم
стр. 1054
يَحْصُلْ في قلبه التصديقُ والانقيادُ فهو غير مسلم (١).
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّساء: ٦٥].
قال ابن كثير ﵀: "يُقسم -تعالى- بنفسه الكريمة المقدسة ألَّا يُؤْمِنَ أحدٌ حتى يُحَكِّمَ الرسولَ ﷺ في جميع الأمور. . . " (٢).
كما يقول ﵀: "فمن ترك الشرعَ المحكمَ المنزلَ على محمد بن عبد الله خاتمِ الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كَفَرَ، فكيف بمن تحاكم إلى اليَاسَا (٣)، وقدَّمَهَا عليه؟ مَنْ فَعَلَ ذلك كَفَرَ بإجماع المسلمين" (٤).
أو فسقًا: قال ابن تيمية -في شرح قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١]-: "إن هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم يكونون على وجهين. . . فذكر الأولَ وحكمَهُ، ثم قال: الثاني: أن يكون اعتقادُهُمْ وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا (٥)، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصٍ، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب" (٦).
أو جائزًا للاضطرار: "ولا يلزم من هذا أن كلَّ مَنْ تحاكَمَ إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية لا بُدَّ أن يكون كافرًا، بل قد يُضطر المسلم لتخليص حقوقِهِ ونحو ذلك إلى التحاكم
стр. 1055
إليها مع عدم رضاه عنها، فلا يكون كافرًا، بل يكون حكمُهُ حكمَ المضطرِ" (١).
وحتى لا يتعرضَ المضطر للإثم لا بُدَّ أن ينضبطَ بضوابِطِهِ، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
وعليه: فإن اللجوء إلى القضاء الوضعيِّ لاستصدارِ حكمٍ بالطلاق من الجهة القانونية لا يكفي للحكم بانحلالِ عقدةِ النكاح وحصولِ الطلاق والفراقِ حتى يُطَلِّقَ الزوجُ بعبارته؛ ذلك أن الطلاق تصرُّفٌ قوليٌّ يُنَاطُ بالزوج؛ لأنه الذي بيده عقدة النكاح.
أوْ لا يتأتَّى أن يطلق الزوج بعبارته لامتناعِهِ أو لغير ذلك من الأسباب، وعندئذٍ يتأتَّى البحث عن جهة شرعية تُنَزَّلُ منزلةَ القاضي المسلم في الحكم بالتفريق، على أن ثمةَ حالاتٍ لا يُحتاجُ معها إلى بحث عن جهة تقوم هذا المقامَ، وهذه الحالات كالتالي:
١ - إذا تقدَّم الرجل إلى المحكمة بطلب الطلاق، وصدر الحكم، فإن الطلاق يقع؛ لأن طلبه توكيلٌ، ولا يتحمل من الأعباءِ الماليةِ إلَّا مؤخرَ المهرِ، والنفقةِ أثناءَ العدةِ، والمتعة.
فإن فَرَضَتْ عليه المحكمةُ أقلَّ من الواجب الشرعي، فعليهِ أن يُكْمِلَهُ وإنْ فَرَضَتْ عليه أكثر من الواجب الشرعي، فعلى المرأةِ ألَّا تأخذَهُ إلَّا إذا رضي زوجُهَا، وإلَّا أثمتْ بأكلِها الحرامَ (٢).
٢ - وإذا كانت المرأة هي الراغبة في الطلاق والطالبة للتفريق بسوءِ معاملتها بما لا يليقُ بمثلها، وصدر الحكم به في المحكمة وَقَعَ الطلاقُ؛ لأنه موافقٌ للشرع، قال ابن رشد ﵀: "والسلطان يُطلق بالضرر عند مالكٍ إذا تَبَيَّنَ" (٣).