← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

رضي -ضمنًا- بنتائجه، ومنها: أن هذا العقد لا يحلُّ عروتَهُ إلا القاضي، وهو ما يمكن اعتباره تفويضًا من الزوج جائزًا له شرعًا عند الجمهور، ولو لم يصرح بذلك؛ لأن القاعدة الفقهية تقول: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وتنفيذ أحكام القضاء -ولو كان غير إسلامي- جائز من باب جلب المصالح ودفع المفاسد، وحسمًا للفوضى، كما أفاده كلام غير واحد من حُذَّاقِ العلماء؛ كالعز ابن عبد السلام، وابن تيمية، والشاطبي" (١). وقد استند هذا القرار إلى أن الزوج بعقده للنكاح في ظل قوانين هذا البلد التي تسمح للقاضي غير المسلم بإيقاع الطلاق كأنه وَكَّلَ القاضي غيرَ المسلم بحلِّ العصمة بدلًا منه، وهي وكالة ممتدة طيلةَ بقاءِ النكاحِ بين الزوجين. وفي هذا التخريج مِنَ البُعْدِ ما لا يخفى؛ فالأعمُّ -كما يقول العلماء- لا إشعارَ له بأخص معيَّنٍ، فعقدُ النكاح في تلك البلاد قد يكون صاحبه ذاهلًا وغافلًا عن مسألة الطلاق، فضلًا عن أن يكون عاقدًا توكيلًا، فكلُّ ما احتاج إلى إذن فإنه يحتاج إلى تصريح، كما تقول القاعدة؛ أخذًا من الحديث: "الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها" (٢) (٣). كما أن هذا القرار يرى أن ثبوتَ النكاح إنما تم من جهة القضاء، فكذا التفريق، والحق أن النكاح المدني لا يعتدُّ به حتى يستكمل أركان العقد الشرعي وشروطه، فإذا انعقد العقد شرعًا، فلا مانع من توثيق العقد الشرعي توثيقًا مدنيًّا؛ وذلك لضمان

стр. 1052

الحقوق في المستقبل، لا أنه جهة يستمد منها المسلمُ الشرعيةَ. وعليه: فإن حَلَّ عقدِ النكاح أولًا، وصحتَهُ، وتَرَتُّبَ آثارِهِ عليه إنما يَستندُ إلى العقد الشرعي لا غير. كما أنه اعتبر عقدَ النكاح المذكور بمنزلة التفويض من الزوج، وهو جائز عند الجمهور، ولو لم يُصرِّح به؛ لأن "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا". . . إلخ. ويُنَاقَشُ هَذَا: بأنه ليس بمنزلة التفويض؛ لأن الزوج عند التفويض لا يَسقط حقُّه في التطليق، فالطلاق حقٌّ من حقوق الزوج، فله أن يطلق زوجته بنفسه، وله أن يفوضها في تطليق نفسها، وله أن يوكِّلَ غيرَهُ في التطليق، وكلٌّ من التفويض والتوكيل لا يُسقِطُ حقَّهُ، ولا يمنعه من استعماله متى شاء (١)، بينما الزوج هنا لا حقَّ له في ذلك، كما جاء في القرار: "إن هذا العقد لا يحلُّ عروتَهُ إلا القاضي". وقولهم: "كالمشروط شرطًا" لا يعني كلَّ شرط على الإطلاق، وإنما شرطٌ يوافِقُ الحقَّ؛ كما قال ﷺ : "المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك" (٢)، وحرمان الزوج من ذلك يخالفه؛ لأنه إسقاط لحقٍّ قرره الكتابُ، وأكدته السنةُ للزوج؛ لأن الطلاق حَلُّ عقدةِ النكاح فلا يملكه من ليست بيده، وقد قال تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وقال ﷺ : "الطلاق لمن أخذ بالساق"، وقصة الحديث أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها؛ قال: فصعد رسول

стр. 1053

الله ﷺ المنبر، فقال: "يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (١)، ومعنى الحديث: أن الطلاق حقُّ الزوج، الذي له أن يأخذ بساق المرأة لا حقَّ غيرِهِ، لكن أباح الشرع أن يُطَلِّقَ القاضي نيابةً عن الزوج، إذا كان الزوج عاجزًا عن الطلاق، أو ممتنعًا منه، وكان في بقاء عصمة الزوجية ضررٌ أو ضرارٌ؛ لقوله ﷺ : "لا ضررَ ولا ضرارَ" (٢). فللقاضي المسلم في بعض الأحوال أن يطلق على الزوج للإعسار في النفقة، أو الغيبة المنقطعة، أو الأسر والسجن، ونحو ذلك. قال في الفتح: "والوطءُ والإسكانُ وغيرُهما من حقوق الزوج إذا شُرِطَ عليه إسقاطُ شيءٍ منها كان شرطًا ليس في كتاب الله فَيَبْطُلُ" (٣)؛ كما قال ﷺ : "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط" (٤). ولأن الاحتكام المذكور والرضى به ليس متَّفَقًا على جوازه، وإنما له صور كثيرة يتردَّدُ حكمُها بين الكفر والفسق وبين الجوازِ للضرورة. فالاحتكام قد يكون: كفرًا: إذا كان عن رضًا وقبولٍ؛ لأن حقيقة الإيمان هي التصديق والانقياد، ومن لم

стр. 1054

يَحْصُلْ في قلبه التصديقُ والانقيادُ فهو غير مسلم (١). قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّساء: ٦٥]. قال ابن كثير ﵀: "يُقسم -تعالى- بنفسه الكريمة المقدسة ألَّا يُؤْمِنَ أحدٌ حتى يُحَكِّمَ الرسولَ ﷺ في جميع الأمور. . . " (٢). كما يقول ﵀: "فمن ترك الشرعَ المحكمَ المنزلَ على محمد بن عبد الله خاتمِ الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كَفَرَ، فكيف بمن تحاكم إلى اليَاسَا (٣)، وقدَّمَهَا عليه؟ مَنْ فَعَلَ ذلك كَفَرَ بإجماع المسلمين" (٤). أو فسقًا: قال ابن تيمية -في شرح قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣١]-: "إن هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم يكونون على وجهين. . . فذكر الأولَ وحكمَهُ، ثم قال: الثاني: أن يكون اعتقادُهُمْ وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا (٥)، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصٍ، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب" (٦). أو جائزًا للاضطرار: "ولا يلزم من هذا أن كلَّ مَنْ تحاكَمَ إلى المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية لا بُدَّ أن يكون كافرًا، بل قد يُضطر المسلم لتخليص حقوقِهِ ونحو ذلك إلى التحاكم

стр. 1055

إليها مع عدم رضاه عنها، فلا يكون كافرًا، بل يكون حكمُهُ حكمَ المضطرِ" (١). وحتى لا يتعرضَ المضطر للإثم لا بُدَّ أن ينضبطَ بضوابِطِهِ، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وعليه: فإن اللجوء إلى القضاء الوضعيِّ لاستصدارِ حكمٍ بالطلاق من الجهة القانونية لا يكفي للحكم بانحلالِ عقدةِ النكاح وحصولِ الطلاق والفراقِ حتى يُطَلِّقَ الزوجُ بعبارته؛ ذلك أن الطلاق تصرُّفٌ قوليٌّ يُنَاطُ بالزوج؛ لأنه الذي بيده عقدة النكاح. أوْ لا يتأتَّى أن يطلق الزوج بعبارته لامتناعِهِ أو لغير ذلك من الأسباب، وعندئذٍ يتأتَّى البحث عن جهة شرعية تُنَزَّلُ منزلةَ القاضي المسلم في الحكم بالتفريق، على أن ثمةَ حالاتٍ لا يُحتاجُ معها إلى بحث عن جهة تقوم هذا المقامَ، وهذه الحالات كالتالي: ١ - إذا تقدَّم الرجل إلى المحكمة بطلب الطلاق، وصدر الحكم، فإن الطلاق يقع؛ لأن طلبه توكيلٌ، ولا يتحمل من الأعباءِ الماليةِ إلَّا مؤخرَ المهرِ، والنفقةِ أثناءَ العدةِ، والمتعة. فإن فَرَضَتْ عليه المحكمةُ أقلَّ من الواجب الشرعي، فعليهِ أن يُكْمِلَهُ وإنْ فَرَضَتْ عليه أكثر من الواجب الشرعي، فعلى المرأةِ ألَّا تأخذَهُ إلَّا إذا رضي زوجُهَا، وإلَّا أثمتْ بأكلِها الحرامَ (٢). ٢ - وإذا كانت المرأة هي الراغبة في الطلاق والطالبة للتفريق بسوءِ معاملتها بما لا يليقُ بمثلها، وصدر الحكم به في المحكمة وَقَعَ الطلاقُ؛ لأنه موافقٌ للشرع، قال ابن رشد ﵀: "والسلطان يُطلق بالضرر عند مالكٍ إذا تَبَيَّنَ" (٣).

стр. 1056

على أن هذه الحالة الثانية فيها المحذورُ المذكورُ آنفًا، وإنْ وافقَ حكمُ القاضي الكافرِ مذهبًا لفقهاءِ المسلمين؛ إذ العلةُ في المنع ليست الموافقةَ أو المخالفةَ، وإنما أصلُ الولاية، والتي لا تكون لكافر على مسلم أو مسلمة. وهذه الحالة تفارِقُ سابقتَهَا من حيث إن الزوج يقع الطلاق بإذنِهِ وطلبِهِ، ويمكن أن يُشْفِعَهُ بالتلفظ به بعد صدورِهِ لتوثيقه وتأكيده شرعًا. ٣ - وإن كانت الكراهية منهما معًا، فإنْ طَلَبَ الزوج التفريق وَقَعَ؛ لأنه توكيل، وعليه تبعاته، وإن طلبت الزوجة الفُرْقَةَ وصدر الحكم، وَوَقَّعَ عليه الزوج وَقَعَ؛ -لأنه إجازةٌ "والإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة" (١) -، وعليها تبعاته. وبكلِّ حالٍ فإنه إذا صدر الطلاق ممن يملكه بصيغة شرعية صحيحة، فَلَا مانعَ من توثيقه مدنيًّا أمامَ المحاكمِ المختصَّةِ لحفظ الحقوق؛ إذ لا محذورَ شرعًا في التوثيق بمجرده، بل هو مطلوبٌ لتفادي التبعاتِ والمسئولياتِ التي قد تَنشأ عن بقاء هذا العقدِ قانويًا مع انحلالِهِ شرعًا. وبناءً على ما سبق فإنه يبقى الأمرُ -في حالة امتناع الزوج عن التطليق مع حكم المحكمة غير المسلمة به- غيرَ معتبرٍ لافتقاد حقيقة الطلاق شرعًا، فإذا امتنع الزوج أو تعذر الوصول إليه فالمصير إلى من يقوم مقامَ القاضي في ديار الأقليات؛ لاستصدار حكم شرعي بالطلاق، وهذا ما سيتناوله المبحث الآتي بإذن الله.

стр. 1057

المبحث الثاني ولاية المراكز الإسلامية في التطليق والتفريق توصيف المسألة وتكييفها: لم يرتضِ عامة الفقهاء المعاصرين -استنادًا إلى ما أصَّله المتقدمون، وثبت في محكمات الشريعة- وقوع الطلاق بين المسلمين بعبارة قاضٍ غير مسلم وفقًا لأحكامٍ علمانَّيةٍ لا تَمُتُّ إلى دين الإسلام بصلة. واحتاجوا إلى مخرج لبحث كيفية إجراء هذه الأحكام التي تفتقر إلى ولاية القضاء في إصدارها وإلزام الكافة بها. كما أنه نظرًا لاغتراب كثير من المسلمين في بلاد الأقليات؛ فإنه توجد نوازل أخرى في باب الأحوال الشخصية عند التزويج، كما هي عند التفريق؛ إذ إن جمهور العلماء على أن المسلمة لا تُزَوِّجُ نفسها، وأنها تحتاج إلى وليها في هذا الشأن المهم، فإذا فقدت المرأة أولياء من العصبات في بلاد الإسلام رفعتْ أَمْرَها إلى القضاء فتزوجت بولاية السلطان؛ إذ "السلطان وليُّ من لا وليَّ له" (١) (٢). وفي بلاد الأقليات توجد مسلمات لا أولياء لهن من عصباتهن؛ لاختلاف الدين، ولا قضاء يَستند إلى الإسلام في أحكامه، ولا تُنظر قضيتها لو رُفعت؛ لأن عقد الزواج هناك مدني يقوم على أن تُزوج المرأةُ نفسَهَا من غير حاجة إلى وليٍّ، فكيف السبيل لحل هذه

стр. 1058

المعضلة، وإذا غاب الإمام أو فُقِدَ قام أهل الحل والعقد بالأمر نيابةً عنه، أو إلى أن يُقام غيرُه. ومما يستأنس به للدلالة على معنى قيام النقباء والوكلاء عن الأمة ما أخرجه البخاري عن مروان ابن الحكم والمسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال -حين أذن له المسلمون في عتق سبي هوازن-: "إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أَمْرَكم". فرجع الناس فكلَّمَهُمْ عرفاؤهم فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أن الناس قد طيبوا وأذنوا (١). وهو يدل على مشروعية إنابة البعض عن الكل؛ فالعلاقة إذن وكالة صريحة أو ضمنية بينهم وبين الأمة (٢). فأهل الحل والعقد هم وكلاء الأمة ونوابها في عقد الأمور الكبيرة العظيمة وحلها، وهذا العمل الجليل يعقد لهم ولاية ونفوذًا للكلمة في عموم الأمة. فإن خلا المكان عن إمام أو نائبه لموت أو فَقْدٍ حسيٍّ بالأسر أو نحوه، أو فَقْدٍ شرعيٍّ بالكفر، أو بترك تحكيم الشريعة واستبدالها- آل الأمر إلى أهل الحل والعقد، وعادت الولاية العامة إليهم. قال الجويني: "فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطان ذي نجدة واستقلال وكفاية ودراية، فالأمور موكلة إلى العلماء، وحقٌّ على الخلائق -على اختلاف طبقاتهم- أن يرجعوا إلى علمائهم، وَيصْدُروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك فقد هُدُوا إلى سواء السبيل، وصار علماءُ البلاد ولاةَ العباد، فإن عسر جمعهم على واحد

стр. 1059

استبدَّ أهلُ كلِّ صقع وناحية باتباع عالمهم" (١). فإن لم يكن ثمة أمراء فقد وجبتْ طاعة العلماء والزعماء فإن لم تجتمع كلمة هؤلاء، أو تعذر اجتماعهم هل يتأتى القول بقيام آحادهم في بلادهم وأصقاعهم مقام القاضي في أمور الولايات التي تتعلق بالأحوال الشخصية في بلاد الأقلية؟ وبفرض قبول الرجال والنساء الأزواج والزوجات بهذا الحلِّ، هل يترتب على اعتماده مشكلات مع الجهات الرسمية في تلك البلاد؟ وهل لأهل الحل والعقد في تلك البلاد من القوة التنفيذية ما يضمن تنفيذَ أحكامهم وإنفاذَ قراراتهم؟ وهل يمكن اعتبار المراكز الإسلامية والجمعيات والهيئات الدينية في تلك البلاد مرجعية شرعية معتبرة لإقامة هذه الولايات وإلزام المتخاصمين بالأحكام في الفروج والأموال، ونحو ذلك؟ وما هي ضوابط هذا الأمر ومحاذيره التي يجب رعايتها؟ لا شك أن هذه النازلة كما تتعلق بالأحوال الشخصية ترتبط أيضًا بباب الولايات والقضاء خاصة من أبواب السياسة الشرعية. تحرير محل النزاع: بعد التسليم بأن: • التزويج والتطليق والخلع عقود وتصرفات شرعية، لا تصح إلا إذا جَرَتْ وفق الشريعة، واستنادًا لمرجعيتها، وكل ما أُبْرِمَ على خلاف ذلك فهو رَدٌّ، لا يُعْبَأُ به ولا يُلتفت إليه. • والزواج في المجتمعات الغربية يتم على مرحلتين: - الزواج المدني لإثبات الحقوق أمام القضاء، وهو يتم أمام الجهات القانونية

стр. 1060

المتخصصة، ووفقًا للقانون المعمول به في بلاد الأقليات سواء في أوروبا أو أمريكا أو غيرها، ويكون وحده هو الحكم عند النزاع. - والزواج الشرعي الذي ينشئ العلاقة الزوجية بين الطرفين، ويصبح كل منهما حلالًا للآخر، وهو يجري غالبًا في المراكز الإسلامية والمساجد وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية. - الأصل أن الحجة القاطعة والحكم الأعلى لدى المسلم هو الشرع لا غير، وأن أحكام الشريعة هي وحدها التي تُرَدُّ إليها الأمور عند التنازع، سواء في مجال العلاقات الأسرية أو في غيرها من العلاقات، وما اللجوء إلى التوثيق الرسمي أمام القضاء الغربي إلا لتحصيل مصالح أساسية لا يتسنى تحصيلها إلا بهذا الطريق. - وعلى هذا فعقد الزواج إنما يبتدئ بالعقد الذي يجري وفقًا لأحكام الشريعة، سواء تم في المركز الإسلامي، أو في محيط الأسرة، ومثله الطلاق والخلع، ونحوه. ولكن التطليق وفسخ النكاح لسبب يقتضيهما غالبًا ما يقع بحكم جبري، يحكم به قاضٍ شرعي، يستند في شرعيته إلى ولاية شرعية قائمة، فإن عدمت تلك الولاية فهل للمراكز الإسلامية وعلمائها قدر من ولاية القضاء بما تُصانُ به مصالح الأنام، وتستقر معه الأحكام؟ وبعد منع إنفاذ أحكام الكفار على المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] هل تنفذ أحكام هذه المراكز في بلاد الأقليات؟ الأقوال ومناقشتها: القول الأول: سبق أن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث قد أصدر قراره بإنفاذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الغربية بشأن التطليق للضرر والفسخ، ونحو ذلك، وقد أُورِدَتْ

стр. 1061

على هذا الحكم إيراداتٌ كثيرة في دقته وفي تخريجه وتعليله، وقد وافق بعض الباحثين (١) على ما انتهى إليه نظر المجلس جلبًا للمصالح، ودفعًا للمفاسد، وحسمًا للفوضى، وفي المبحث السابق نوقش هذا القول بما تضعف معه النتيجة التي انتهى إليها. القول الثاني: وهو لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا ومن وافقه من الباحثين، وبه صدر قرار المجمع في دورة مؤتمره الثاني بالدانمرك من ٤ - ٧ جمادى الأولى ١٤٢٥ هـ، ٢٢ - ٢٥ يونيو ٢٠٠٤ م، وجاء فيه: "لجوء المرأة إلى القضاء لإنهاء الزواج من الناحية القانونية لا يترتب عليه وحده إنهاء الزواج من الناحية الشرعية، فإذا حصلت المرأة على الطلاق المدني فإنها تتوجه به إلى المراكز الإسلامية ليتولى المؤهلون في هذه القضايا من أهل العلم إتمام الأمر من الناحية الشرعية، ولا وجه للاحتجاج بالضرورة للاعتداد بالتطليق المدني في هذه الحالة؛ لتوافر المراكز الإسلامية وسهولة الرجوع إليها في مختلف المناطق" (٢). وفي تعليل هذا القرار وتوجيهه قيل: إن الأصل أن يكون للمسلمين قاضٍ مسلمٌ يحكم بينهم بشرع الله، ومن سلطة هذا القاضي التفريق للضرر بين الزوجين وتطليق الزوجة من زوجها في تلك الحالات التي يبيح له الشرع فيها ذلك؛ ونظرًا لانعدام القاضي المسلم المعين من قبل السلطان

стр. 1062

المسلم في البلدان غير الإسلامية، فإن المراكز الإسلامية تقوم مقام القاضي المسلم؛ إذ لا سبيل إلى تحكيم شرع الله في البلدان غير الإسلامية في أحكام الطلاق والنكاح والإرث ونحوها مما لا يستطيعه المسلمون إلا بذلك. قال ابن قدامة ﵀: "القضاء من فروض الكفايات؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه فكان واجبًا عليهم كالجهاد والإمامة. قال أحمد: لا بد للناس من حاكم، أتذهبُ حقوق الناس؟ " (١). ثم أردف القرار تتميمًا: "اللجوء إلى القضاء الوضعي لإنهاء الزواج من الناحية القانونية لا يترتب عليه وحده إنهاء الزواج من الناحية الشرعية، إلا إذا صدر الطلاق من الزوج، أو من المحكَّم من قِبَلِ المركز الإسلامي أو الجالية الإسلامية" (٢). وذلك بناءً على أن الأصل في المسلم ألا يتحاكم لغير شرع الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ولذلك فلا يُعْتَدُّ بالطلاق إلا إذا كان صادرًا من الزوج؛ لأنه الذي أخذ بالساق، وفي الحديث النبوي: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (٣)، أو من حاكم شرعي، وهو هنا المركز الإسلامي، كما تقدم، وأما القضاء الوضعي فحكمه لا يعتدُّ به شرعًا؛ ولذلك فتطليق القاضي الوضعي ليس بنافذ، وتظل المرأة شرعًا في عصمة زوجها حتى يصدر الطلاق منه، أو من حاكم شرعي، وإنما يباح اللجوء إلى القضاء الوضعي لمجرد الحصول على وثائق رسمية لتسهيل المعاملات المباحة، ولتسهيل الحصول على الحقوق الشرعية،

стр. 1063

وإباحة اللجوء إلى القضاء هنا مستندها القاعدة الفقهية التي ذكرها ابن نجيم وغيره: أن الحاجة العامة أو الخاصة تنزل منزلة الضرورة، والمراد بمنزلة الضرورة أنها تؤثِّر في الأحكام فتبيح ارتكابَ المحظور، أو تَرْكَ الواجب وغير ذلك، مما يستثنى من القواعد الأصلية (١). وقد ذهب إلى هذا أو قريب منه الشيخ ابن بيَّه فقال: "ومع ما تقدم -أي: من استبعاده لمأخذ قرار المجلس الأوروبي للإفتاء في هذا الشأن- فإن القول بإنفاذ الطلاق لا يبعد، وذلك بإيجاب طلاق الزوجة على الزوج، وعلى جماعة المسلمين أن يحكموا بهذا الطلاق حتى لا تظل الزوجة على معصية، كما قدمنا عن المالكية في الزوجة الناشز؛ درءًا للمفسدة وتوسيعًا لمفهوم إنفاذ أحكام قضاة الجور المسلمين المُولَّيْنَ من طرف الكفار؛ ليشمل القضاة الكفار درءًا للمفسدة التي أشار إليها العز ابن عبد السلام في الحالة الأولى حيث قال: "ولو استولى الكفار على إقليم عظيم، فولَّوُا القضاءَ لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة؛ فالذي يظهر: إنفاذ ذلك كله جلبًا للمصالح العامة، ودفعًا للمفاسد الشاملة؛ إذ يبعد عن رحمة الشارع ورعايته لمصالح عباده تعطيلُ المصالح العامة، وتحمُّلُ المفاسد الشاملة؛ لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها ممن هو أهل لها، وفي ذلك احتمال بعيد" (٢). وحيث يقول أيضًا -في الشهادة، وهي صنو القضاء-: "بل لو تعذرت العدالة في جميع الناس لما جاز تعطيل المصالح المذكورة، بل قدمنا أمثل الفسقة، فأمثلَهم وأصلَحَهم للقيام بذلك فأصلَحَهم؛ بناءً على أنَّا إذا أُمِرْنا بأمر أتينا بما قدرنا عليه، ويسقط عنا ما عجزنا عنه، ولا شك أن حفظ البعض أولى من تضييع الكل، وقد قال شعيب ﵇: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]، وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فعلَّق تحصيل مصالح التقوى على الاستطاعة، فكذلك المصالح

стр. 1064

كلها" (١) (٢). وقال ابن عابدين: "وأما في بلاد عليها ولاة كفار: فيجوز للمسلمين إقامة الجمع والأعياد، ويصير القاضي قاضيًا بتراضي المسلمين" (٣). وقال -قبل ذلك-: "ويتفرع على كونها دار حرب: أن الحدود والقود لا يجري فيها" (٤). فيفهم من كلامه: أن من تراضى عليه المسلمون يمكن أن يحكم بينهم فيما سوى الحدود والدماء. وقد تقرر فيما سبق (٥) قاعدة: "قيام أهل الحل والعقد مقام الإمام"، وقاعدة: "إقامة جماعة المسلمين مقام القاضي"، باعتبارها مستند تخويل المراكز الإسلامية صلاحيةَ البتِّ في قضايا التنازع بين الزوجين، وبخاصة في دعوى الضرر، وإيقاع الطلاق والخلع؛ ولما تقدم فإنه يجوز للمراكز الإسلامية -وما في حكمها مما يعتبر مرجعًا لجماعة المسلمين- أن تقرر تطليق المرأة التي قد صدر لها حكم من محكمة غير إسلامية، أو لم يصدر لها حكم، ورفع الزوجان أَمْرَهما إليها. إلا أن عليها في كل الأحوال أن تُراجِعَ كل حالة لإثبات المقتضي وعدم المانع شرعًا، وأن تحاول الصلح ما وجدتْ إليه سبيلًا، وأن تستعين ببعض الفقهاء ما أمكن، وأن تسأل العلماء حتى تطمئن إلى سلامة إجراءاتها (٦). ومما يُستدل به على مشروعية هذا العمل:

стр. 1065

١ - دفع الحاجة ورفع الحرج، ولا شك أن ترك تزويج المرأة المسلمة الصالحة للزواج الراغبة فيه أَمْرٌ تترتب عليه مفاسد عظيمة، وبخاصة في المجتمعات الغربية، والمجتمعات التي تتساوى معها في عدم تحكيم شرع الله، وقد تنزلق المرأة بسبب ذلك في هاوية الفاحشة، وهذا أَمْرٌ فيه مضرة عليها في دينها وفي دنياها، وإن فرض أما استطاعت الصبر عن التزوج -مع الرغبة فيه- فلن يحصل ذلك إلا بحرج شديد. قال الجويني ﵀: "فأما القول في المناكحات فإنَّا نعلم أنه لا بد منها، كما أنه لا بد من الأقوات، فإن بها بقاء النوع، كما بالأقوات بقاء النفوس، والنكاح هو المغني عن السفاح. . . والمناكح في حق عامة الناس في حكم ما لا بد منه" (١). ومن المعلوم أن مثل هذه الحاجة ليست نادرة، بل هي في ديار الغرب ومجتمعات الأقليات المسلمة من الأمور الشائعة، فهي حاجة عامة، وقد ذكر العلماء أن الحاجة العامة تتنزل منزلة الضرورة الخاصة في حقِّ آحاد الناس (٢). ٢ - تزويج المركزِ المسلمةَ التي ليس لها ولي في مثل هذا المجتمع يدفع ضررًا راجحًا يلحق بها في حال عدم التزويج، ورفعُ الضرر أصلٌ عظيم في الشريعة المطهرة استُفِيدَ من أدلة عديدة أفادت بمجموعها القطعَ بثبوت هذا الأصل؛ ومن ذلك: قوله تعالى -في شأن الزوجات-: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. وقد ثبت عن النبي ﷺ قوله: "لا ضرر ولا ضرار" (٣).

стр. 1066

٣ - الآيات التي تدل على أن المؤمنين أولياء لبعضهم، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وهاتان الآياتان تثبتان ولاية المؤمن، والولاية جنس تدخل تحته كلُّ ولاية تبيح التصرف في شئون الآخر في النفس أو المال أو غير ذلك. وولاية المسلم على المرأة المسلمة في المكان الذي ليس فيه ولي قريب ولا سلطان مما يدخل تحت هذا اللفظ. وقد نقل القرطبي ﵀ في تفسيره عن ابن خويز منداد (١) ﵀ أنه قد روى عن الإمام مالك ﵀ في بعض أقواله في تفسير الأولياء من هم؟ قوله: "كل من وضع المرأة في منصب حسن فهو وليها، سواء أكان من العصبة، أم من ذوي الأرحام، أم الأجانب، أم الإمام، أم الوصي" (٢). ونقل القرطبي -أيضًا- عن إسماعيل بن إسحاق (٣) قوله: "لما أمر الله سبحانه بالنكاح جعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضًا، فلو أن رجلًا

стр. 1067

مات ولا وارث له لكان ميراثه لجماعة المسلمين، ولو جنى جناية لعقل عنه المسلمون، ثم تكون ولايةٌ أقرب من ولايةٍ، وقرابةٌ أقرب من قرابةٍ، وإذا كانت المرأة بموضعٍ لا سلطان فيه، ولا ولي لها، فإنها تصير أمرها إلى من يوثق به من جيرانها، فيزوجها، ويكون هو وليها في هذه الحال؛ لأن الناس لا بد لهم من التزويج، وإنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن، وعلى هذا قال مالك -في المرأة الضعيفة الحال-: إنه يزوجها من تسند أمرها إليه؛ لأنها ممن تضعف عن السلطان، فأشبهت من لا سلطان بحضرتها، فرجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها" (١). وإذا تحقق أن لأهل الحل والعقد وجماعة المركز الإسلامي حقًّا في التطليق فإنه يثبت به حق التزويج أيضًا عند المالكية؛ جاء في المعيار المعرب للونشريسي: "إذا لم يكن بالبلد قاضٍ زوَّج صالحو البلد من أراد التزويج. وسئل أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي (٢) عن امرأة أرادت التزويج، وهي ثيب ولا حاكم بالبلد، وأولياؤها غيب، ترفع أمرها إلى فقهاء البلد فيأمروا من يزوجها، وكيف إن لم يكن بالبلد عالم ولا قاضٍ أترفع أمرها إلى عدول البلد في البكر والثيب؟ فأجاب: إذا لم يكن في البلد قاضٍ فيجتمع صالحو البلد ويأمرون بتزويجها. كل بلد لا سلطان فيه فعدول البلد وأهل العلم يقومون مقامه في إقامة الأحكام. . . وسئل أيضًا عن بلد لا قاضي فيه ولا سلطان أيجوز فعل عدوله في بيوعهم

стр. 1068

وأشريتهم ونكاحهم؟ فأجاب: بأن العدول يقومون مقامَ القاضي والوالي في المكان الذي لا إمامَ فيه ولا قاضي، قال أبو عمران الفاسي: أحكام الجماعة الذين تمتد إليهم الأمور عند عدم السلطان نافذ منها كلُّ ما جرى على الصواب والسداد، في كل ما يجوز فيه حكم السلطان، وكذلك كل ما حكم في عمال المنازل من الصواب ينفذ" (١). وبهذا المعنى صدرت فتاوي متعددة في مذهب الشافعية، ومن ذلك: ما جاء في فتاوي ابن حجر الهيتمي الشافعي أنه سئل عن امرأة لا ولي لها ولَّتْ أمرها رجلًا فزوَّجَهَا فهل يصح نكاحها أم لا؟ فأجاب: "يصح نكاحها إذا ولَّتْ أمرها رجلًا؛ لأن يونس بن عبد الأعلى (٢) روى عن الشافعي ﵁ أنه قال: إذا كان في الرفقة امرأة لا ولي لها فولَّت أمرها رجلًا فزوَّجها جاز، واختاره الشيخ محيي الدين النووي ﵀، قال ابن مأمون -وكان رجلًا مشهورًا من جلة أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه-: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا كانت المرأة في جوار قوم ليس لها زوج، ولا هي في عدة من زوج، ولا لها ولي حاضر، فولَّتْ أمرها رجلًا من صالحي جيرانها فزوَّجها تزويجًا صحيحًا فالنكاح جائز. قال: المزني: فقلت للشافعي: فإنا نحفظ عنك في كتابك أن النكاح باطل، فقال

стр. 1069

الشافعي: إن الأمر إذا ضاق اتسع. . . قال الإمام الأزرق (١): وحكم المواضع التي لا حاكم فيها، ولا يمتد إليها أمر الحكام من الرفقة فيما يظهر لي: جواز تولي أمرها إلى عدل" (٢). وجاء أيضًا في فتاوي الرملي بأنه سئل عما لو حَكَّمَتِ امرأةٌ لا ولي لها إلا الحاكمُ عدلًا في تزويجها وليس بمجتهد، فهل يجوز له تزويجها؟ فأجاب بأنه لا يجوز تزويجه إيَّاها إلا عند فَقْدِ القاضي؛ إذ الضرورة تتقدَّرُ بقدرها، وهذا يفيد جواز تزويج العدل للمرأة التي لا ولي لها عند فَقْدِ القاضي (٣). وقريب من هذا ما عند الحنابلة من فتاوي، ومنها: ما ذكره ابن قدامة ﵀ في المرأة التي لا يُوجد لها "ولي، ولا ذو سلطان أنه يُزوِّجُهَا رجلٌ عدلٌ بإذنها، فإنه قال في دهقان قرية: يزوِّجُ من لا ولي لها إذا احتاط لها في المهر والكفء، إذا لم يكن في الرستاق قاضٍ" (٤). وجاء في مجموع فتاوي ابن تيمية ﵀ أنه سئل عن أعراب نازلين على البحر وأهل البادية، وليس عندهم ولا قريبًا منهم حاكم، فهل يصح عقد أئمة القرى لهم مطلقًا لمن لها ولي ولمن ليس لها ولي؟ فأجاب بأن من كان لها ولي من النسب، فهو وليها الذي يزوجها، وإن كانت معتقة فمعتقها هو الولي.

стр. 1070

"وأما من لا ولي لها فإن كان في القرية أو الحلة نائب حاكم زوَّجَهَا هو وأمير الأعراب ورئيس القرية، وإذا كان فيهم إمام مطاع زوَّجَهَا -أيضًا- بإذنها" (١). وأما المذهب الحنفي فمعلوم أنه لا يشترط الولي في الراجح المفتى به عندهم (٢). إلا أن المشكلة لديهم في أمر الطلاق، أو الفسخ، وليس في المذهب الحنفي تأصيل لهذه النازلة. ولا شك أن ما أصَّله المالكية يفتح بابًا للسعة، وإعماله ليس بجديد على الأمة، فقد مَسَّتِ الحاجة بذلك في الديار الهندية في زمن الاستعمار البريطاني؛ حيث إن الاستعمار كان قد قضى على المحاكم الشرعية بتاتًا، ونصب قضاة من غير المسلمين لفصل قضايا المسلمين، حتّى في أحوالهم الشخصية، وكانت أغلبية سكان الهند من المسلمين على مذهب الحنفية، وبالرغم من ذلك فإن فقهاء الحنفية أفتوا في هذا الباب بمذهب المالكية. وقد ألف الشيخ أشرف التهانوي (٣) كتابًا اسمه: الحيلة الناجزة للحليلة العاجزة، وفيه جرى على مذهب المالكية، ووافقه عليه جميع علماء الهند، وموافقتهم مثبتة في ذلك الكتاب (٤). وبمثل ما عمل مشايخ الهند أفتى فضيلة شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق ﵀-وهو حنفي المذهب- في معرض جوابه على سؤال وجهه إليه مدير معهد علوم الشريعة الإسلامية بجنوب أفريقيا حول مدى شرعية أن يتولى قاضٍ غيرُ مسلمٍ

стр. 1071

القضاءَ في شئون الأحوال الشخصية للمسلمين، ومدى صلاحية حكمه في أي قضية ذات علاقة بالشريعة الإسلامية، فقال: "والمسلمون إذا كانوا أقلية في بلد غير إسلامي يرجعون إلى تعاليم الإسلام بتوجيه من علماء المسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم وأحوالهم الشخصية، وكل ما يعرض لهم من أمور دينهم، وإذا عَيَّنَ الحاكمُ غيرُ المسلم قاضيًا غيرَ مسلمٍ أو محاميًا في شئون الأحوال الشخصية الإسلامية، أو من يقوم بإدارة أموالهم لم يجز هذا في قول عامة الفقهاء؛ حيث لا يصح أن يتقلد القضاءَ إلا المسلمُ المؤهَّلُ لذلك بالشروط المقررة لمثله. . . " إلى أن قال: "ومن ثَمَّ لا يحل للمسلمين التحاكمُ إلى قاضٍ غير مسلم إلا عند الضرورة، وعلى الأقلية الإسلامية في هذه الحال العملُ على الخلاص؛ إما باستقلال، أو بهجرة، أو بالتحاكم إلى محكمين مسلمين علماء ويرضاهم المتخاصمون، لا سيما في مسائل الحلال والحرام، ومنها: أمور الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ونسب وميراث، وهذا خير لدينهم ولدنياهم من التحاكم إلى قاضٍ غير مسلم عَيَّنَهُ الحاكم" (١). وفي مشروعية هذا التحكيم وإلزامية ما يصدر عنه من أحكام صدر قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الآتي: "إذا كان للقائم على المركز الإسلامي صفة الحكم سواء باتفاق الطرفين، أو لاصطلاح الجالية المسلمة عليه فإنه يعتد بما يجريه من التفريق بسبب الضرر، أو الشقاق، أو سوء العشرة أو لعدم النفقة أو الغيبة أو السجن أو الأسر، ونحوه بعد استيفاء الإجراءات القانونية التي تقيه من الوقوع تحت طائلة القانون". "وعلى المحكمين اتباع الخطوات الشرعية اللازمة في مثل هذه الحالات، كالاستماع إلى

стр. 1072

طرفي الخصوم، وضرب أجل للغائب منهما، وتجنب التسرع في الحكم، وإقامة العدل بينهما ما أمكن" (١). واستند قرار المجمع إلى النصوص الشرعية التي أباحت الخلع، مثل: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ومثل: حديث امرأة ثابت بن قيس أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دِينٍ ولا خلق إلا أني أخاف الكفر، فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته"؟ قالت: نعم فردَّتها عليه، وأمره ففارقها (٢). وإلى ما قرره الفقهاء من أن الخلع إما أن يكون بين الزوجين بتراضيهما، وإما بأن يخلع المرأة من زوجها حاكمٌ، أو من يقوم مقامه وهو المراكز الإسلامية، وذلك في حالة التنازع بين الزوجين، ففي مغني المحتاج: "وإن أبى الفيئة والطلاق، فالأظهر الجديد أن القاضي إذا رفعته إليه يطلق عليه طلقةً نيابةً عنه؛ لأنه لا سبيل إلى دوام إضرارها، ولا إجباره على الفيئة؛ لأنها لا تدخل تحت الإجبار، والطلاق يقبل النيابة فناب الحاكم عنه، عند الامتناع كما يزوِّج عن العاضل، ويستوفي الحق من المماطل، فيقول: أوقعت على فلانة عن فلان طلقةً، كما حكي عن الإملاء، أو حكمتُ عليه في زوجته بطلقةٍ، فإن قال: أنت طالق ولم يقل عن فلان، لم يقع" (٣). وعلى القائمين على الأمر في هذه المراكز أن يقدروا الأمر قدره، وأن يستوفوا الإجراءات التي يتعين استيفاؤها؛ لتصح أحكامهم، من الاستماع إلى كلا الطرفين، وعدم القضاء في أي واقعة بناء على سماع من طرف واحد فيها، وإبلاع أطراف النزاع

стр. 1073

بموعد نظر الخصومة، وضرب أجل للغائب، ولمن أراد أن يُعِدَّ دفاعه، أو يستدعي شهوده، إلى غير ذلك من الإجراءات المعهودة في نظر الدعاوي أمام المحاكم الشرعية وتبقى نقطة أخيرة في تنظيم إجراءات تلك المراكز، وأسلوب نظر تلك القضايا، وهذا مما قد تتعدد فيه الاجتهادات وتتفاوت فيه التقديرات، ويختلف باختلاف الأماكن والبيئات. ولا بأس هنا أن نشير إلى بعض ما ذكره فقهاء المالكية من تحديدات وتقييدات في نقاط محددة: أولًا: عدد الجماعة الذين يُفَوَّضُ إليهم النظر في هذه القضايا: ذهب بعض المالكية كالشيخ محمد عليش ﵀ إلى أن أقلَّ العدد ثلاثة. فقال: "وتعبير المصنف كغيره بجماعة يقتضي أن الواحد لا يكفي، وكذا الاثنين" (١). إلا أن الدردير في شرحه الكبير قال: "وأراد بجماعة المسلمين اثنين عدلين فأكثر" (٢). وعليه فإن الأحوط ألا يقلَّ العدد عن ثلاثة خروجًا من الخلاف، وكما هو ظاهرُ لفظِ الجماعة، ولأن النقص في العدالة يُجْبَرُ بتكثير العدد، كما أن الثقة بالعدد الأكثر أكبر، واستبداد الواحد بالقضاء ربما أفضى إلى شيء من التهمة، ولا شك أن أعمال المحاكم الشرعية المعاصرة والوضعية معًا فيها هذه اللجنة الثلاثية. صفات المحكمين: من بداهة الأمر أن يكون هؤلاء المحكمون من أصحاب الكفاية والدراية في المسائل الشرعية والفقهية خاصة، فلو كانت هذه اللجنة تحكم في أمور النكاح والطلاق ونحوهما فلا غنى بها أن يكون القائمون عليها والمشاركون في عضويتها من أهل العلم بأسباب المفاسخات، والطرائق الشرعية للإثبات، وما يرتبط بذلك من إجراءات،

стр. 1074

وعند النقص أو الخلل فإن عليهم أن يشاوروا العلماء. ولا شك أن وسائل الاتصالات اليوم قد تعددت وطرائق التواصل المباشر قد تنوعت بما يفيد الأقليات، ويعينها في حَلِّ النوازل والمشكلات وذلك بالتواصل المباشر مع العلماء حول العالم. وقد نص المجمع الفقهي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته المنعقدة بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، من ١ - ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ بشأن التحكيم ما يلي: "أولًا: التحكيم اتفاق طرفي خصومة معينة على تولية من يفصل في منازعة بينهما بحكم ملزم يطبق الشريعة الإسلامية، وهو مشروع سواء أكان بين الأفراد أو في مجال المنازعات الدولية. ثانيًا: يشترط في الحكم بحسب الأصل توافر شروط القضاء" (١). حجية الحكم عند صدوره: يقع الحكم حجةً نافذةً إذا صدر بإجماع أعضاء اللجنة، وهو ظاهرُ عباراتِ المالكية، وقياس قولهم في الحَكَمينِ، كما جاء في المدونة: "قلت: فلو أنهما اختلفا فطلَّق أحدُهما ولم يُطَلِّقِ الآخرُ؟ قال: إِذًا لا يكون هناك فراق؛ لأن إلى كل واحد منهما ما إلى صاحبه باجتماعهما عليه" (٢). وقال الباجي: "ولو حكَّما جماعةً فاتفقوا على حكم نفَّذوه وقضوا به جاز، قاله ابن كنانة في المجموعة، ووجه ذلك أنهما إذا رضيا بحكمِ رجلينِ، أو رجال فلا يلزمُهُمَا حكم بعضهم دون بعض" (٣). الترجيح:

стр. 1075

يترجح قول من قال بأن الطلاق المدني لا يرتب بمفرده حصول الطلاق شرعًا، وأن على المرأة المسلمة أن ترفع أمرها في بلاد الأقليات إلى المراكز الإسلامية لينظروا قضيتها، ويحققوا في إمكان إيقاع الطلاق شرعًا، وما يترتب عليه من آثار، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال ﷺ : "وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" (١). وأخيرًا فإن مسلمي الأقليات ينبغي لهم أن ينصتوا إلى هذه النصائح المهمة في هذا الباب: أولًا: يجب على المسلم والمسلمة أن يعقدا زواجهما وفقَ الأحكام الشرعية ما أمكن ذلك؛ لأنه وإن كان عقد الزواج وفقَ القوانين الأوربية يُعْتَبَرُ جائزًا من حيث إنه عقد، إذا جرى ضمن الضوابط الشرعية، إلا أن الزوجين بعد ذلك يخضعانِ إلى هذه القوانين في كل ما يتعلق بآثار الزواج، ومنها: الطلاق والإرث، ولا يجوز للمسلم أن يتحاكم إلى غير شرع الله برضاه. وبناءً على ذلك فإن من واجب المسلم أن يعقد زواجه في دولته المسلمة طالما كان ذلك ممكنًا ما دام قانون دولته مستمَدًّا من الأحكام الشرعية ولو كانت فيه بعض المخالفات. ثانيًا: المسلم والمسلمة من أصحاب الجنسية الأوروبية، سواء كانوا من أهل البلاد الأصليين فأسلموا، أو من المسلمين الذين تجنسوا بجنسية أوروبية، فليس أمامهم إلا أن يعقدوا زواجهم مدنيًّا حسب قوانين بلادهم. ثم يجرى عقد زواج شرعي بعد العقد المدني أو قبله، لكن هذا العقد الشرعي ليس له أي مفعول أمام القضاء الأوروبي بالنسبة لآثار الزواج، وإن كان يعطي الزوجين اطمئنانًا أكثر إلى مشروعية المعاشرة الزوجية". وإن كانا غير ملزمين بذلك؛ لأنهما لا يحملان الجنسية، بل هما مقيمان هناك، ويتمتعان بجنسية دولة إسلامية، فقد يلحقهما إثم من الإقدام على عقد الزواج وفقَ قانون أوروبي. وفي هذه الحالة نكون أمام واقعة جديدة، وهي:

стр. 1076

ثالثًا: عندما يعقد زوجان مسلمان زواجهما وفقَ قانون وضعي غير مسلم، يجب عليهما أن يتفقا على إخضاع هذا الزواج بآثاره للأحكام الشرعية ما أمكنهما ذلك. ومن الواجب أن يكون مثل هذا الاتفاق رسميًّا إذا سمح القانون بذلك، وإلا يكفي أن يكون خطيًّا في هذه الحالة، وحين يقع خلاف بينهما يختاران حَكَمًا من العلماء، أو من المسلمين القادرين على القيام بهذه المهمة، وهذا الحكم يحاول الإصلاح ما أمكن، فإن تعذَّرَ عليه ذلك حَكَمَ بالتفريق بينهما شرعًا، ويصبح تنفيذُ هذا الحكم الشرعي وفقَ الإجراءات القضائية للقوانين الأوروبية أمرًا مشروعًا، وهو السبيل الوحيد لتنفيذ الحكم الشرعي إذا أراده الطرفان. وأخيرًا فقد أباح الله تعالى للمرأة أن تبعث حكمًا من أهلها، ويبعث الرجل حكمًا من أهله، أو من غير أهلهِمَا على ما صححه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ولتأخذ برأي من يَعْتَبِرُ أن للحكمين التفريقَ إذا اجتمعا عليه، وهم جمع من فقهاء المالكية مع الإمام مالك، وهو أحد قولي الإمام أحمد، ورجحه ابن تيمية، وقبل ذلك هو قول جمع من الصحابة ﵃ (١). فإذا حكما بالتفريق جازَ لهما عندئذٍ أن يعْتَبِرَا أن الفراق قد وقع حقيقةً، وجاز لها أن تنكح زوجًا غيره بعد انتهاء عدتها (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 1077

الفْصَلُ الخَامِسُ من نوازل السياسة الشرعية المبحث الأول: حكم التجنس بجنسية دولة غير مسلمة. المبحث الثاني: حكم المشاركة السياسية في الدول غير المسلمة.

стр. 1078

المبحث الأول حكم التجنس بجنسية دولة غير مسلمة لمحة عن نشأة فكرة الجنسية وتطورها: عاش البشر منذ القدم على هيئة جماعات، تبدأ من الأسرة التي تتكون من الأب وزوجه وأبنائه، وباجتماع الأسر المتحدة في قرابة الدم تتكون القبيلة، ومن اجتماع القبائل واتحادها نشأت الأمة. وقديمًا كان انتماء الشخص إلى قبيلته وولاؤه كُلُّه لها، فإليها ينتسب، وفيها يندمج، وفي كيانها تذوب شخصيته، وهو معها ظالمةً أو مظلومةً. ويمثل هذا الولاءَ قولُ الشاعر العربي قديمًا: وَمَا أَنَا إِلَّا مِنْ غُزَيَّةَ إِنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غُزَيَّةُ أَرْشُدِ وظل الحال على ذلك من التعصب المقيت، والتحزب البغيض، والتفاخر بالأحساب والعصبية الجاهلية إلى أن أشرقت شمس الرسالة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام والتحية، فغدت الرابطة بين المسلمين إنما هي بالانتساب لهذا الدين مهما تباعدت الأقطار واختلفت الألسن، قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" (١). وجاءت النصوص متواترةً تُقَرِّرُ هذا الأصلَ الأصيلَ والركنَ الركينَ، وتنهى أشدَّ النهي عن كل تعصب وحمية جاهلية، حتى رَسَخَ هذا النظام القويم في النفوس واستقرَّ؛ ولذا قال العربي المسلمُ بعد تبرُّئِهِ من العصبية الجاهلية:

стр. 1079

أَبِي الإِسْلَامُ لَا أَبَ لِي سِوَاهُ ... إِذَا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أَوْ تَمِيْمِ فصار الدين -بحمد الله- هو الرابط الذي يربط بين الأفراد والجماعات المنتمية إليه، وهو العروة الوثقى التي يلجأ إليها الخلق، والقاسم المشترك بين المسلمين في شتى بقاع الأرض، ويتعين أن يكون الولاء والعَدَاء، والحب والبغض عليه وحده، لا على العِرق أو الجنس؛ فوطن الإسلام هو العالم أجمع، والأرض لله تعالى يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين دون من سواهم. فالأرض أو المادة لا يكوِّنانِ الجماعة الواحدة، وإنما رباط العقيدة وأُخُوَّةُ الإسلام هما ما يجمع بين الناس من مختلف الألوان والأجناس، ومن أقاصي البقاع ودانيها، ويربطان فيما بينهم بنوع من الوحدة أمتنَ وأنبلَ من وحدة اللون والدم والتضاريس. وعليه فإن انتساب الفرد إلى ما هو أكبرُ أمرٌ قديم في تاريخ الإنسانِ إلَّا أن الناظر في تاريخ الأمم وأحوالِ البشر يظهر له أن التجنس باعتبارِهِ انتماءً من الشخص إلى دولة معينة إنما هو أمر حادثٌ لم يظهر إلَّا في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي لظروف جَدَّتْ على البشرية ما كانت موجودة فيما مضى من عمرها، حيث نظمت لأول مرة بمقتضى نصٍّ تشريعيٍّ بشريٍّ تمثَّل في التقنين المدني الفرنسي الصادر عام ١٨٠٤ م (١). وعليه، فإن انتماء الشخص إلى دولة ما بالجنسية إنما هو اصطلاح قانوني حديث، يعود إلى القرن التاسع عشر الميلادي. المطلب الأول: تعريف الجنسية لغةً وقانونًا: أولًا: مفهوم الجنسية والتجنس لغة: الجنسية مصدر صناعي مأخوذ من الجنس، وهو الضرب من كل شيء، قال ابن فارس ﵀:

стр. 1080

الجنس "الضرب من الشيء. قال الخليل: كل ضرب جنس، وهو من الناس والطير والأشياء جملة" (١). فالناس جنس، والإبل جنس، والبقر جنس. والتجنس والتجنيس: تَفَعُّلٌ وتفعيلٌ للجنس، أي: طلب له. ويقال: هذا يجانس هذا، أي: يشاكله. وعليه، فإن كل طائفة من الناس يتشاكلون في أمر ما فَهُمْ جنسٌ فيه، كجنس العرب، وجنس العجم، وجنس المؤمنين، وجنس المشركين، وجنس العلماء، وجنس العسكر. . . وهكذا، وعلى هذا المعنى مضى علماء اللغة (٢). وقد جاء الجنس بمعنى القوم، ففي الأحكام السلطانية: "فالذي يجمعهم عند فقدِ النسب أمران: إمَّا أجناس وإمَّا بلاد، فالمتميزون بالأجناس كالترك، والهند، ثم يتميَّزَ الترك أجناسًا والهند أجناسًا" (٣). وقد عرف بعض اللغويين المعاصرين الجنسية بأنها: الصفة التي تلحق بالشخص من جهة انتسابه لشعب أو أمة، مثل: فلان مصري أو عربي (٤). ثانيًا: مفهوم الجنسية والتجنس قانونًا: ذهب بعض القانونيين إلى تعريفها قانونًا بأنها: رابطة قانونية وسياسية، تفيد اندماج الفرد في عنصر السكان بوصفه من العناصر المكونة للدولة (٥).

стр. 1081

أو هي: رابطة بين الفرد والدولة، تحدد مواطني الدولة الذين يشكلون أفرادها من الوطنيين المتمتعين بجنسيتها، والذين يكونون وحدة اجتماعية لها مميزاتها الطبيعية والبشرية (١). والجنسية ترتبط بما ذهب إليه "روسو" من أن إنشاء الدولة يقوم على عقد بين الأفراد وبينها (٢)، وهي النظرية المعروفة بالعقد الاجتماعي، فهي علاقة تعاقدية بين الدولة والفرد من خلال رابطة قانونية وسياسية، فالقانون ينظم أمورها وعلاقاتها وشروطها، ويحدد ما يترتب على وجودها أو فقدها، وهي سياسية؛ لقيامها على اعتبارات متصلة بالدولة كوحدة سياسية يتحدد على أساسها عنصر الشعب، وتتولى الدولة إنشاءها وتنظيم أحكامها (٣). وعرفتها محكمة العدل الدولية بأنها: رابطة قانونية قائمة أساسًا على رابطة اجتماعية وتضامن فعَّال في المعيشة والمصالح والمشاعر مع التلازم بين الحقوق والواجبات (٤). وأما التجنس: فهو طلب انتساب إنسان افى جنسية دولة من الدول، وموافقتها على قبوله في عداد رعاياها، مع خضوعه لقوانين تلك الدولة التي تجَنَّسَ بجنسيتها، وقبوله لها طوعًا، والتزام الدفاع عنها في حالة الحرب (٥). وعليه، فإن التجنس يقوم على أساس الحماية من جانب الدولة، والخضوع التام من جانب الفرد لجميع قوانين الدولة التي انتسب إليها هذا المتجنس. ويستند اكتساب الجنسية إلى استقرار الأجنبي في دولة غير دولته، واندماجه في

стр. 1082

مجتمع تلك الدولة (١). المطلب الثاني: تصوير النازلة وتكييفها: التجنس بجنسية دولة غير مسلمة، يعني: أن يَطلبَ مسلم إلى دولة لا تحكم بالإسلام، وأكثر أهلها غير مسلمين أن تقبل به في عداد رعاياها، وعن هذا القبول تنشأ من الحقوق والواجبات ما يلزم كلا طرفي هذا العقد المستحدث. إن أهم أثر يترتب على التجنس هو كسب صفة الوطني، والتي تستوجب التمتع بجميع الحقوق التي يتمتع بها الوطني الأصلي، والالتزام بكافة الواجبات التي يلتزم بها، ولعل من أهم هذه الحقوق والواجبات ما يلي: أولًا: الحقوق: يكون المتجنس مساويًا في الحقوق للوطني في الجملة، وإن اسْتُثْنِيَتْ بعض الأمور كالتقدم لوظائفَ حَسَّاسةٍ، ومن بين هذه الحقوق: ١ - الحصول على حق المواطنة. ٢ - التمتع بالإقامة الدائمة. ٣ - تكفل الدولة الحماية الدبلوماسية للمنتسب إليها، وتتولى القنصليات رعاية أحواله الشخصية خارج البلد. ٤ - التمتع بالحقوق السياسية كحق الانتخاب، وبممارسة الحريات الأساسية. ثانيًا: الواجبات، ومن أهمها: ١ - خضوع المتجنس لقوانين الدولة والاحتكام إليها.

стр. 1083

٢ - المشاركة في جيشها والتزام الدفاع عنها في حالة الحرب. ٣ - تمثيل الدولة خارجيًّا. ٤ - مشاركته في بناء صرح الدولة (١). والتجنس مسألة حادثة، ونازلة لم تكن على عهد السلف والأئمة؛ لأنه نادرًا ما كان يحتاج المسلم للإقامة الدائمة في غير ديار المسلمين؛ لوجود الخلافة الإسلامية التي يأوي إليها المسلمُ، ويتفيأُ ظلالَهَا، ولانعدام الحدود بين الدول الإسلامية، فأينما تيمم المسلم في بلاد الإسلام فهو في بلاده لا يُحِسُّ بغربة ولا وحشة، وكانت العزة الإسلامية التي يتمتع بها المسلم تمنعه من هذا، فهو ليس بحاجة للإقامة في بلاد الكفر، فضلًا عن التجنس بجنسياتها، ذلك أن التجنس بجنسية الدول الكافرة مُوَطِّئٌ للإقامة في بلاد الكفر، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على خلل أو ضعف حلَّ بالمسلمين، والخلل العظيم في هويتهم؛ إذ المهزوم والضعيف هو الذي يريد أن يُشَابِهَ المنتصرَ والقوي فيقتدي به. ومَنْ نظر في التاريخ وَجَدَ أن هذا أمر مطَّرد، فوقتَ أن كانت الدولة للمسلمين كان المشركون حريصين على تعلم لغتهم، والعيش في بلادهم؛ ليتمتعوا بالأمن والعدل ورغد العيش الذي كانت بلادهم قفرًا منه، وبلاد الأندلس شاهدةٌ! ثم إنه بعد سقوط الخلافة الإسلامية وانتشار الغزو الصليبي لبلاد الإسلام، أو ما سُمي -زورًا- بالاستعمار، فَتَحَتْ دولُ الكفار أوائل القرن الميلادي المنصرم بابَ التجنس لمن يرغب من المسلمين المقيمين، وفقًا لشروطهم! ومسألة التجنس من حيث الحكم ترتبط ارتباطًا أوليًّا بمسألة الإقامة بتلك البلاد، وهي مسألة بحثها العلماء قديمًا.

стр. 1084

ولا شك أن التجنس إقامةٌ وزيادةٌ، بل من شروطه الإقامةُ لمدة معلومةٍ، ويمكن أن يقال: إن الإقامة على ضربين: مؤقتة، ودائمة، والدائمة تعرف بالاستيطان عند الفقهاء الأقدمين، وبالجنسية في عرف علماء القانون. وإقامة الأقلية المسلمة في ديار الأكثرية غير المسلمة، قد ذهب المالكية والظاهرية (١) إلى حرمتها في دار غير المسلمين، سواء خشي الفتنة أم لم يخشها، وذهب الجمهور (٢) إلى الإباحة لن قدر على إظهار دينه، وأمن الفتنة، بل ذهب الشافعية إلى أنه إن قدر على إظهار دينه صارت البلد به دارَ إسلام، ونقل ابن حجر عن الماوردي قوله: "إذا قدر المسلم على إظهار دينه في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامةُ فيها أفضلُ من الرحلة منها؛ لما يرتجى من دخول غيره في الإسلام" (٣). وقد أصدر مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا قرارًا يتبنى فيه التأكيد على جواز ومشروعية، بل ووجوب الإقامة في بعض الأحوال، وجاء فيه: "الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بولاية سوكوتو بدولة نيجيريا في الفترة من ١٥ - ١٩ جمادى الآخرة ١٤٢٦ هـ - الموافق ٢١ - ٢٥ يوليو ٢٠٠٥ م. بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية المقدمة من السادة أعضاء المجمع وخبرائه بخصوص موضوع: "الإقامة خارج ديار الإسلام"، والمناقشات المستفيضة التي دارت حوله. قرر المجمع ما يلي: - الأصل أن يقيم المسلم داخل ديار الإسلام؛ تجنبًا للفتنة في الدين، وتحقيقًا

стр. 1085

للتناصر بين المؤمنين، وأنه لا تحل له مفارقتها إلا بنية حسنة؛ كطلب العلم، أو الفرار بالدين، أو الدعوة إلى الله ، أو السعي للرزق ونحوه، مع استصحاب قصدِ العودة متى امتهد له سبيل إلى ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥، ٥٦]. - تفاوت حكم الإقامة خارج ديار الإسلام بالنسبة للجاليات الإسلامية بحسب الأحوال: فتشرع لمن كان قادرًا على إظهار دينه، وآمنًا من أن يفتن هو أو من يعول في إسلامه، مع مراعاة ما جاء في الفقرة الأولى من هذا القرار، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وما رواه البخاري من حديث عائشة ﵁: "فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء" (١)؛ لإقرار النبيِّ ﷺ العباسَ ونعيمَ النحام ﵄ في مقامهما في مكة، وكانت حينئذ دارَ شرك. كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢). - وتجب في حق من تعينت إقامته لتعليم الإسلام، ورعاية أبنائه، ودفع شبهات خصومه. - وتحرم في حق من غلب على ظنه أن يُفْتَنَ هو أو من يعول في دينه، وحيل بينه وبين إقامة شعائر رَبِّهِ ما دام قادرًا على العودة إلى ديار الإسلام آمنًا فيها على نفسه، ولم يكن من المستضعفين الذين استثناهم الله في كتابه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً

стр. 1086

فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩] وعلى هذه الحالة المذكورة يُحْمَلُ قوله ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" (١). - على مسلمي البلاد غير الإسلامية التشبث بالإقامة في تلك البلاد، وإظهار ما يمكنهم إظهارُه من شعائر الإسلام، والصبر على ما يُصيبهم من بلاءٍ، باعتبارهم النواةَ الأساسيةَ الأقدرَ على توطين الإسلام في هذه المجتمعات، ويطبق هذا الحكم من باب أولى على من احتُلَتْ ديارهم من المسلمين فإنه يتعين في حقهم الثباتُ؛ دفعًا للصائل، ودرءًا للحرابة، وكفًّا للعدوان. - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أعرابيًّا سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة؟ فقال: "ويحك إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار؛ فإن الله لن يَتِرَكَ من عملك شيئًا" (٢). - يوصي المجمعُ مَن أقام مِن المسلمين خارج ديار الإسلام بتبني منهج الاعتدال والوسطية، وفتح باب الحوار الهادئ مع القائمين على الأمر في هذه المجتمعات لحلِّ ما

стр. 1087

يتعرضون له من إشكالات. - كما يوصيهم بالعمل الجاد لإقامة المؤسسات الإسلامية في مختلف المجالات، ودعم القائم منها، وتقليد مسئوليتها لأهل الكفاية والديانة؛ للحفاظ على هويتهم الإسلامية ووحدتهم الدينية. - كما يوصي المجمع المخلصين من دول العالم الإسلامي برعاية الجاليات الإسلامية، والعمل على تهيئة المناخ المناسب لعودة المهاجرين إلى أوطانهم، والعقول المهاجرة على وجه الخصوص إلى بلادها، والحرص على إيقاف نزيف الهجرة، وذلك عن طريق إنشاء المؤسسات الاقتصادية، والمراكز العلمية، والمحاضن الاجتماعية، وتوفير الضمانات التامة لهم؛ حتى يسهموا في تقدم أمتهم، ونهضة شعوبهم. - كما يوصي المجمعُ الدولَ الإسلامية بعقد اتفاقات مع دول المهجر ليهيئوا الأمن لجالياتهم، إلى أن يعودوا إلى أوطانهم" (١). المطلب الثالث: أحكام التجنس: بناءً على ما سبق فإن التجنس فرع عن الإقامة، ويعرض لحكمه ما يعرض للإقامة من عوارض التحريم: عند الخوف على نفسه أو على أولاده من الخروج من الدين، إذا وجد بلدًا لا فتنة فيه. أو الكراهة: إذا كان لا يخاف الكفر، إلا أنه يشاهد المناكر ولا ينكرها، ويجد بلدًا أقلَّ مناكِرَ. أو الجواز: عند التساوي. أو الوجوب: عندما توجد مصلحة قوية للإسلام والمسلمين في بقائه، أو تحصل مفسدة في انتقاله.

стр. 1088

أو الاستحباب: عندما يقوم بالدعوة إلى الدين مع وجود غيره من الدعاة. وهي أمور تحتاج إلى تحقيق المناط والنظر في المآلات (١). ولا شك أن هناك أسبابًا أخرى لدوران حكم التجنس بين الأحكام الخمسة، وهي أسباب تتعلق بالمسلم نفسه، فكثيرًا ما تقتضي مصلحة أحد المسلمين أن يرحل عن ديار الإسلام إلى غيرها، إما طلبًا للعمل، أو للعلم، أو العلاج، وغير ذلك، فيريد أن يوثق إقامته في تلك الديار، ويعمق مصلحته بها فيطلب التجنس. أو قد تُجْبِرُهُ الظروف الصعبة إلى أن يحتميَ بدار من دور الكفر، ويلتجئَ إليها هربًا من ظلم أو اضطهاد، وتستلزم إقامته في تلك الديار أن يكون حاملًا لجنسيتها التي تجسد انتماءه إلى تلك الوحدة الاجتماعية التي تمثلها تلك الدولة على حد قولهم. أو قد يكون الفرد المسلم في دولة كافرة ينتسب إليها وإن لم يكن من أهلها بالأصالة، بمعنى: أن يكون قد ولد ونشأ فيها هو وأجداده منذ عقود عدة. أو قد يكون ممن أسلموا من أهلها المخالفين في أصل الدين. وعليه، فيتجه تقسيم التجنس إلى قسمين: تجنسٌّ اضطراريٌّ، وآخرُ اختياريٌّ. الأقوال وقائلوها: التجنس بجنسية الدول غير المسلمة مسألة حادثة، وقد اختلف فيها فقهاء العصر على أربعة أقوال: القول الأول: قول أكثر الفقهاء المعاصرين، وهو المنع. وممن قال به الشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ علي محفوظ، والشيخ محمد عبد الباقي الزرقاني، والشيخ إدريس الشريف محفوظ -مفتي لبنان- والشيخ يوسف

стр. 1089

الدجوي، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والعلامة عبد الحميد بن باديس، والعلامة البشير الإبراهيمي، وكل أعضاء جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ محمد السبيل، والدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، والدكتور البوطي، وآخرون يطول سردهم (١). القول الثاني: قول بعض فقهاء العصر، وهو الجواز، وممن قال به: الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور وهبة الزحيلي، والشيخ الشاذلي النيفر، والشيخ فيصل مولوي، وغيرهم؛ بشرط المحافظة على الدين، والتمسك به، وعدم الذوبان في المجتمع الكافر (٢). القول الثالث: جواز التجنس عند الضرورة، كما لو كان مضطهدًا في دينه ببلده المسلم، ولم يقبله أحد سوى الحكومة الكافرة. وهو رأي بعض أعضاء مجمع الفقه الإسلامي، وهم الحاج عبد الرحيم باه، والشيخ محمد بن عبد اللطيف آل سعد، والشيخ محمد المختار السلامي مفتي تونس، وغيرهم (٣).

стр. 1090

القول الرابع: التفصيل في المسألة؛ فالناس في طلب الجنسية على ثلاثة أقسام: الأول: التجنس بجنسية الدولة الكافرة من غير مسوغ شرعي، بل تفضيلًا للدولة الكافرة وإعجابًا بها وبشعبها وحكمها، وهذه ردة عن الإسلام عياذًا بالله. الثاني: التجنس للأقليات المسلمة التي هي من أصل سكان تلك البلاد؛ فهو مشروع، وعليهم نشر الإسلام في بلادهم، وتبييت النية للهجرة، لو قامت دولة الإسلام، واحتاجت إليهم. الثالث: تجنس الأقليات المسلمة التي لم تكن من أهل البلد وأقامت به، ويعتريه الحالات التالية: أ - أن يترك المسلم بلده بسبب الاضطرار والاضطهاد، ويلجأ لهذه الدولة، فهو جائز بشرط الاضطرار الحقيقي للجوء، وأن يتحقق الأمن للمسلم وأهله في بلاد الكفر، وأن يستطيع إقامة دينه هناك، وأن ينوي الرجوع لبلاد الإسلام متى تيسر ذلك، وأن ينكر المنكر ولو بقلبه، مع عدم الذوبان في مجتمعات الكفر. ب - أن يترك المسلم بلده قاصدًا بلاد الكفر لأجل القوت؛ فلو بقي في بلاده لهلك هو وأهله، فله أن يتجنس إذا لم يستطع البقاء بغير جنسيته. جـ - التجنس لمصلحة الإسلام والمسلمين ونشر الدعوة، وهو جائز. د - التجنس لمجرد أغراض دنيوية بلا ضرورة، ولا مصلحة للإسلام وأهله، وهو محرم، وليس بردَّةٍ أو كفر (١).
следующие страницы →