← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وما من شك أنها أضعف طرفي هذه العلاقة من جهة كونها امرأةَّ، ومن جهة عدم قانونية إقامتها بتلك البلاد إلَّا عن طريق تلك الإقامة المبنية على عقد زواجها المدني الباطل شرعًا بالإجماع، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ٢٢١]، قال تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وعليه فلا اختلاف بين أهل العلم على حكم هذه الصورة، قال القرطبي: "وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه" (١)، وفي موسوعة الإجماع: "الإجماع على تحريم نكاح الكافر للمرأة المسلمة" (٢)، وبهذا أفتى المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٣). ثانيًا: يُتفق مع هذه الفتيا في حَقِّ زواج المسلم من الحربية في دار الحرب، فإن الراجح هو حرمة هذا الزواج ولو قصد إليه الزوج، وفساده إذا وقع، فإن المختار في هذا السياق الزماني والأحوال المعاصرة حرمة نكاح الحربية من أهل الكتاب والإقامة بها في دار الحرب، وقد نصَّ كثير من أهل العلم على ذلك. ونصُّوا على دُورِ حربٍ في زمانهم، ولا يبعد القول بزيادة عدد هذه الدور بزيادة عدد الدول المحاربة للإسلام فعلًا وفي مواقع كثيرة، بنفسها وبغيرها. وإلا فماذا تفعل الجيوش الأمريكية والبريطانية اليوم بديارنا في العراق وأفغانستان، ومن الذي يظاهر الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المباركة؟! ثالثًا: على قول من يجيز نكاح الكتابية الحربية في دار الحرب مع الكراهة الشديدة فإنه يشترط أن تكون متدينة بدين أهل الكتاب، ولو كان محرَّفًا، لا أن تكون وثنية، أو لا دينية ملحدة، وعليه فالإجماع منعقد أيضًا على حرمة نكاح المشركة البوذية، أو الهندوسية، أو

стр. 982

اللادينية الملحدة، ومن لا ينتسبون إلى اليهودية أو النصرانية بحال من الأحوال. رابعًا: صورة الزواج المدني الذي تتولاه المحاكم خارج ديار الإسلام، واستنادًا إلى قوانين تلك الديار الوضعية لا ينعقد به نكاح شرعًا؛ وذلك لأمور اجتمعت فيه، بحيث لم يقل فقيه واحد بصحة العقد مع اجتماع تلك المخالفات في عقد واحد، وهذه المخالفات هي: ١ - خلو العقد عن الولي، على اعتبار أن المرأة إذا بلغت سنَّ الرشد فإنها تزوج نفسها. ٢ - يُكتفَى في هذا العقد المدني بشاهد غير مسلم. ٣ - يخلو هذا العقد عن المهر فلا يشار إليه أصلًا. ٤ - لا يتضمن تلفظًا بإيجاب أو قبول، وإنما هي أوراق تكتب وإجراءات تعمل. ٥ - لا يتضمن مثل هذا العقد إشهارًا، أو إعلانًا في طريقة إجرائه. ومعلوم أن الجمهورَ يمنعون صحةَ الزواج إذا خلا عن ولي خلافًا للحنفية (١). وأنهم لا يجيزون نكاح السرِّ أو نكاحًا خلا عن الشهود واتُّفِقَ على كتمِهِ (٢) وأنهم أجمعوا على أن شهادة غير المسلمين على عقد نكاح المسلمين غير مقبولة، وأجاز أبو حنيفة وأبو يوسف شهادة الكتابيين على زواج مسلم من كتابية (٣). كما اتفقوا على أن المهر شرط من شروط العقد، وليس لها ولا لزوجها التراضي على تركه والتواطؤ على إسقاطه إلا بعد تحققه وثبوته، وعليه فلا يوجد من يبيح أو يصحح عقدًا اشتمل على هذه المفاسد مجتمعة دفعة واحدة في عقد واحد. وعليه: فإذا اجتمعت تلك المفاسد في مثل هذه العقود فإنها فاسدة باطلة، لا أثر

стр. 983

ينعقد أو يترتب عليها، ويكون ضربًا من العبث أو التلاعب. وهذا التوثيق المدني أو العقد المدني لا يوجب للعقد تصحيحًا من الناحية الشرعية. وعليه: فمن اقتصر عليه سواء لتحصيل الإقامة أو لغير ذلك من المقاصد المقبولة شرعًا فإنه لا ينعقد شرعًا، ولا يستباح به ما كان محرَّمًا قبله. وعليه: فمن احتاج إلى هذا التوثيق فلا بد من أن يجري العقد بعد ذلك بصيغة شرعية تتضمن أركان العقد وواجباته وشروطه، ولا شك أن التوثيق لا صلة له بصحة العقد. خامسًا: كثيرًا ما يتضمن هذا العقد تأقيتًا عند إبرامه وعقده، فينقلب مباشرة إلى نكاح مؤقت فيكون متعة باطلة، فإذا تأقت عقد النكاح بطل عند أهل السنة بالإجماع. وقال القاضي عياض: "وقع الإجماع على تحريمها من جميع العلماء" (١). وقال المازري: "انعقد الإجماع على تحريمه" (٢). وفي البحر الرائق: "إجماع الصحابة على حرمته، وما نقل عن ابن عباس من إباحتها فقد صح رجوعه" (٣). وقال ابن بطال: "وأجمعوا على أنه متى وقع الآن أُبطل، سواء قبل الدخول أم بعده" (٤). وفي موسوعة الإجماع: "الإجماع على تحريم نكاح المتعة" (٥). وبناءً على ذلك فكل نكاح كان إلى أجل مؤقت فهو شبيه بنكاح المتعة، سواء أكان المقصود منه تحصيل المتعة أو شيئًا آخر كحلِّ المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول، أو تحصيل منفعة دنيوية، وهو محرم وباطل بالإجماع بعد الكتاب والسنة.

стр. 984

سادسًا: إذا استجمع العقد المدني أسباب الصحة وكانت المرأة ممن يصلح نكاحها من أهل الكتاب بالشروط المعتبرة، ولم تكن من أهل دار الحرب، وخلت عن سائر الموانع، ثم أراد رجل مسلم أن يتزوجها بعد اتفاقٍ قبل العقد على مقصوده من تحصيل الإقامة بتلك البلد للحاجة المشروعة والمعتبرة شرعًا، فتواطآ على هذا الشرط قبل العقد، ثم خلا العقد عند إبرامه عن هذا الشرط فما حكم النكاح؟ تقدَّم أن جهتين كبيرتين أفتتا ببطلان هذا العقد وفساده وأنهما بَنَتَا الحرمةَ والفسادَ على أمورٍ ذُكِرَتْ آنفًا. ومن تلك العلل: أن النكاح لم يشرع لتحصيلِ مقاصدَ كهذه التي ذُكِرَتْ من طلب الإقامة ونحوها، وأن الزواج إنما شرع للبقاء والديمومة، وهذا الصوري ينافي ذلك. وقد يُنَاقَشُ هذا القول بأن "بطلان هذا العقد ليس صحيحًا؛ فالزواج في الإسلام ليس مقصودًا منه الديمومة والبقاء، وإنما له قصود مختلفة، ذكرها النبي ﷺ في قوله: "تنكح المرأة لأربع خصال؛ لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. . . " (١). وقد ذكر الشاطبي قصودًا كثيرة قائمة من الحديث؛ كالتناسل القائم من حديث: "تزوجوا الولود الودود" (٢)، والقيام على مصالح الزواج القائم من حديث جابر (٣). ولهذا. . . فلا عبرة بقصد الطلاق عند النكاح؛ لتحقق هذه القصود أو بعضها بالنكاح، وفي هذا قال الشاطبي:

стр. 985

"الأسباب -من حيث هي أسباب شرعية لمسببات- إنما شُرعت لتحصيل مسبباتها، وهي المصالح المجتلبة، أو المفاسد المستدفعة. والمسببات بالنظر إلى أسبابها ضربان: أحدهما: ما شرعت الأسباب لها إمَّا بالقصد الأول، وهي مُتعلق المقاصد الأصلية، أو المقاصد الأُوَل أيضًا، وإما بالقصد الثاني، وهي متعلق المقاصد التابعة، وكلا الضربين مبين في كتاب المقاصد. والثاني: ما سوى ذلك، مما يُعْلَمُ أو يُظَنُّ أن الأسباب لم تُشرع لها، أو لا يعلم ولا يظن أما شُرِعَتْ لها، أو لم تُشرع لها؛ فتجيء الأقسام ثلاثة: أحدها: ما يُعلم أو يُظن أن السبب شرع لأجله؛ فَتَسَبُّبُ المتسبِبِ فيه صحيح؛ لأنه أتى من بابه، وتوسل إليه بما أَذِنَ الشارع في التوسل به إلى ما أذن أيضًا في التوسل إليه؛ لأنا فرضنا أن الشارع قصد بالنكاح -مثلًا- التناسل أولًا، ثم يتبعه اتخاذ السكن، ومصاهرة أهل المرأة لشرفهم أو دينهم، أو نحو ذلك، أو الخدمة، أو القيام على مصالحه، أو التمتع بما أحل الله من النساء، أو التجمل بمال المرأة، أو الرغبة في جمالها، أو الغبطة بدينها، أو التعفف عما حرم الله، أو نحو ذلك، حسبما دلت عليه الشريعة. . . فصار إِذَنْ ما قصده هذا المتسبب مقصود الشارع على الجملة، وهذا كافٍ، وقد تبين في كتاب المقاصد: أن القصد المطابق لقصد الشارع هو الصحيح، فلا سبيل إلى القول بفساد هذا التسبُّبِ" (١). "وفي مذهب مالك من هذا كثير جدًّا؛ ففي (المدونة) فيمن نكح وفي نفسه أن يفارق: أنه ليس من نكاح المتعة، فإذا تزوج المرأة ليمين لزمته أن يتزوجَ على امرأته، فقد فرضوا

стр. 986

المسألة، وقال مالك: إن النكاح حلال، فإن شاء أن يقيم عليه أقام، وإن شاء أن يفارق فارق، وقال ابن القاسم: وهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم مما علمنا أو سمعنا. قال: وهو عندنا نكاح ثابت: الذي يتزوج يريد أن يَبَرَّ في يمينه، وهو بمنزلة من يتزوج المرأة للذة يريد أن يصيب منها، لا يريد حبسها، ولا ينوي ذلك، على ذلك نيته وإضماره في تزويجها، فأمرُهما واحد، فإن شاءا أن يقيما أقاما؛ لأن أصل النكاح حلال. ذكر هذا في (المبسوطة). وفي (الكافي) في الذي يقدم البلدة، فيتزوج المرأة ومِن نيته أن يطلقها بعد السفر: أن قول الجمهور جوازه. وذكر ابن العربي مبالغة مالك في منع نكاح المتعة، وأنه لا يجيزه بالنية؛ كأن يتزوجها بقصد الإقامة معها مدة، وإن لم يلفظ بذلك، ثم قال: وأجازه سائر العلماء، ومثَّلَ بنكاح المسافرين، قال: وعندي أن النية لا تؤثر في ذلك، فإنا لو ألزمناه أن ينوي بقلبه النكاح الأبدي. . . لكان نكاحًا نصرانيًّا، فإذا سلِم لفظه لم تضره نيته، ألا ترى أن الرجل يتزوج على حسن العشرة، ورجاء الأدمة، فإن وجدها وإلَّا فارق، كذلك يتزوج على تحصيل العصمة فإن اغتبط ارتبط، وإن كره فارق، وهذا كلامه في كتاب (الناسخ والمنسوخ). وحكى اللخمي (١) عن مالك: فمن نكح لغربة أو لهوى؛ ليقضي إربه ويفارق فلا بأس. فهذه مسائل دلَّتْ على خلاف ما تقدَّم في القاعدة المستدل عليها، وأشدها مسألة حل اليمين؛ لأنه لم يقصد النكاح رغبة فيها، وإنما قصد أن يَبَرَّ في يمينه، ولم يشرع النكاح لمثل هذا. ونظائر ذلك كثيرة، وجميعها صحيح مع القصد المخالف لقصد الشارع، وما ذلك

стр. 987

إلَّا لأنه قاصد للنكاح أولًا، ثم الفراق ثانيًا، وهما قصدان غير متلازمين، وإلَّا فإن جعلتهما متلازمين في المسألة الأولى بحيث يؤثر أحدهما في الآخر فليكن كذلك في هذه المسائل، وحينئذٍ يبطل جميع ما تقدم. فعلى الجملة: يلزم إما بطلان هذا كله، وإما بطلان ما تقدم" (١). قال الشيخ عليش (٢): "حقيقة نكاح المتعة الذي يفسخ مطلقًا النكاح الذي ذكر الأجل عند عقده للولي أو للمرأة أو لهما معًا، وأما إن لم يذكر ذلك، ولم يشترط، وقصده الزوج في نفسه وفهمت المرأة ووليها منه ذلك -فإنه يجوز، قاله الإمام مالك ﵁، وهي فائدة جليلة تنفع المتغرب. . . وصدر الشارح في شروحه وشامله بفساده أيضًا، ثم حكى عن الإمام الصحة فإن لم تفهم المرأة ما أراد الزوج صح اتفاقًا" (٣) (٤). وعند الشافعية: "وإن قدم رجل بلدًا، وأَحَبَّ أن ينكح امرأة ونيته ونيتها أن لا يمسكها إلا مقامه بالبلد، أو يومًا، أو اثنين، أو ثلاثة كانت على هذا نيته دون نيتها، أو نيتها دون نيته، أو نيتهما معًا دون نية الولي، غير أنهما إذا عقدا النكاح مطلقًا لا شرط فيه، فالنكاح ثابت، ولا تفسد النية من النكاح شيئًا؛ لأن النية حديث نفس، وقد وُضع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم" (٥). وعند الحنابلة: "وإن تزوجها بغير شرط إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا

стр. 988

انقضت حاجته في هذا البلد، فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم، وأنه لا بأس به، ولا تضر نيته" (١). وفي فتح الباري: "فلو نوى عند العقد أن يفارق بعد مدة صح نكاحه إلا الأوزاعي فأبطله" (٢). وعليه: فإن حجة من أباح أنه عقد مطلق عن الشرط الفاسد فإذا وقع مستوفيًا لشرائطه فقد صح، وقد يظهر للزوجين استدامة العشرة بينهما، فيصح ولو كان قبل العقد تصريح بالتأقيت، جاء في الأم: "ولو كانت بينهما مراوضة فوعدها إن نكحها أن لا يمسكها إلا أيامًا، أو إلا مقامه بالبلد، أو إلا قدر ما يصيبها كان ذلك بيمين، أو غير يمين فسواء، وأكره له المراوضة على هذا، ونظرت إلى العقد فإن كان العقد مطلقًا لا شرط فيه فهو ثابت؛ لأنه انعقد لكل واحد منهما على صاحبه ما للزوجين، وإن انعقد على الشرط فسد وكان كنكاح المتعة" (٣). الترجيح: الذي يظهر من خلال عرض المسألة على ما سبق أن هذا الذي يسمى بالزواج الصوري بقصد الحصول على الجنسية أو الإقامة في غير دار الإسلام قد يصح، وذلك بقيد الاستكمال لشروطه والتحقق لأركانه، والتنبه لمحاذيره وضوابطه، ومنها: ١ - أن يكون هذا العاقد ممن تحل له تلك الإقامة الدائمة، أو المؤقتة بتلك الديار، أو ممن يباح له التجنس بجنسيتها. ٢ - إذا كانت المرأة غير مسلمة فيشترط فيها ما يلي:

стр. 989

• أن تكون متدينة بدين أهل الكتاب، وإلا اعتُبِرَتْ مشركة كافرة. • ألَّا تكون من أهل دار الحرب، وإلا استباح بالعقد من تحرم عليه. • أن تكون عفيفة ليست بعاهرة، ولا ذات أخدان، وإلا جاءته بأبناء سفاح ونسبتهم إليه بالقانون، وكان ديُّوثًا. والأَولى أن تكون تلك الزوجة من أهل دار الإسلام، أو من أهل دار الكفر إذا دخلت في الإسلام حديثًا. ٣ - أن يخلو العقد عن كل سبب يُبطله أو يُفسده، من الخلو عن الولي، أو الشهود، أو التصريح بالتأقيت، ونحوه. فإذا خلا العقد المدني عن ذلك، أو بعضه، فليصحح بطريقة شرعية. فإن تخلَّف شيء من هذه الشروط فلا مفرَّ من القول بالحرمة، والنهي عن هذا العقد؛ للمفاسد التي ذكرت وسدًّا لذريعة الفساد والإفساد والتلاعب بالعقود والأنكحة الشرعية، فإن تحققت الشروط وغابت آدابٌ ومقاصدُ، فالقول متجه بصحة العقد قضاءً، مع الإثم أو الحرمة ديانةً، فلا يصار إليه إلا اضطرارًا، والضرورات تقدر بقدرها. الصورة الثالثة: جاء في فتيا المجلس الأوروبي للإفتاء: "وأما الصورة الثالثة: فالعقد وإن كانت صورته صحيحة، ولكن الزوج آثم بغشه المرأة؛ وذلك لإضماره نية الطلاق من حين العقد، والزواج في الإسلام يعني الديمومة والبقاء والاستقرار للحياة الزوجية، والطلاق طارئ بعد العقد؛ ولهذا السبب حُرِّمَ الزواجُ المؤقت واعتُبِرَ فاسدًا. كذلك فإن الإيجاب والقبول في الزواج شرطان أساسيان فيه، والمرأة حين قَبِلته زوجًا فإنما كان مقصودها حقيقة الزواج، ولو علمت أنه قَبِلَهَا زوجةً مؤقتةً يُطَلِّقُهَا متى شاء لرفضت ذلك، فإذا كان عازمًا الطلاقَ عند العقد أثَّرَ ذلك في صحة العقد؛ لأن

стр. 990

المرأة بنت قبولَها على غير ما أراد" (١). وأما ما صدر عن مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا فلم تَبْدُ فيه إشارة إلى هذه الصورة، وكأن المجمع لا يرى تفصيلًا في مشروعية هذه الصورة، فيلحقها بغيرها في الحرمة. وهذه الصورة قد سبق ما يدل على مشروعيتها بشروطها وصحتها قضاءً وديانةً، وغاية ما قد يقال فيها هو الكراهة من باب الديانة لا غير، وليس الكراهة التحريمية كما مال إليها بعض الباحثين (٢). قال مالك: "ليس هذا من الجميل، ولا من أخلاق الناس" (٣) وعند الشافعية كراهة ذلك؛ لأنه لو صرَّحَ لبطل النكاح (٤) والقول بأن هذا غشٌّ محرم مردود بأنه قد لا يفعل وقد يمسكها بعد قضاء حاجاته، وقد يُتَوَفَّى عنها قبل ذلك، وقد تُتَوَفَّى هي عنه قبل الطلاق، قال ابن رشد الجد: "إذ قد ينكح الرجل المرأة وفي نيته أن يفارقها، ثم يبدو له فلا يفارقها، وينكحها ونيته ألا يفارقها ثم يبدو له فيفارقها" (٥). وقد يَرِدُ على فتوى المجمعين أنها مخالفة لقاعدة النظر إلى المآلات، ونتائج التصرفات، فقد يلجأ الشاب إلى ممارسات أو معاملات أشد فسادًا وأبعد عن المشروعية كما أن له آثارًا سلبية على المرأة أيضًا. يقول الشيخ عبد الله بن بَيَّه: "هذه الفتوى بالإضافة إلى ضعف مستندها، فإنها مخالفة لقاعدة النظر إلى المآلات، من جهة أن الشاب الذي يُمْنَعُ من هذا النوع الأخير

стр. 991

من الزواج قد يؤول به الأمر إلى ارتكاب المحرمات بدون بردعة (١)، أما المآل الآخر: فهو كسر نفس المرأة، وبخاصة المسلمات الجدد، فينبغي أن ينبه إليه بتوجيه الشاب إلى إدامة الزواج، وحسب الإمكان، وتمتيع المرأة بتقديم تعويض مالي كما هو المشروع بدلًا من تحريم الحلال. ثم إن الزواج إذا وقع بشروطه فإنه زواج صحيح، حتى ولو نوى عدم الاستمتاع بها، قال الشاطبي في الموافقات: "إن متعاطي السبب إذا أتى به بكمال شروطه، وانتفاء موانعه، ثم قصد لئلَّا يقع مسببه فقد قصد محالًا، وتكلَّف رفع ما ليس له رفعه، ومنع ما لم يجعل له منعه، فمن عقد نكاحًا على ما وُضع له في الشرع، أو بيعًا، أو شيئًا من العقود، ثم قصد ألا يستبيح بذلك العقد ما عقد عليه فقد وقع قصده عبثًا، ووقع المسبب الذي أوقع سببه، وكذلك إذا أوقع طلاقًا، أو عتقًا، قاصدًا به مقتضاه في الشرع، ثم قصد ألَّا يكون مقتضى ذلك، فهو قصد باطل، ومثله في العبادات: إذا صلَّى أو صام أو حجَّ كما أُمِرَ، ثم قصد في نفسه أن ما أَوقع من العبادة لا يصح له، أو لا ينعقد قربةً، وما أشبه ذلك فهو لغو" (٢) (٣). وقد يُجاب عن ذلك بأن مفسدة التخوض في هذه الفروج بلا حِلٍّ أو برهان أعظم، وأن كسر نفس المرأة أهون من تضييع دينها، أو إهدار عفتها أو العبث بكرامتها. لكن الذي ينصح به المسلم في تلك البلاد أن يحفظ صورة الإسلام وأهله بيضاءَ ناصعةً، وألا يكون سببًا في الإساءة إلى سمعة أهل الإسلام ببلاد الأقليات. وعليه: فلينوِ الدوامَ في هذه الأنكحة، فإن بدا له أمرٌ فَلْيسَرِّحْ بإحسان، والله وحده المستعان.

стр. 992

المبحث الثالث حكم بقاء من أسلمت تحت زوجها الكافر تصوير المسألة وتكييفها: بانتشار الدعوة إلى الله في أرجاء الدنيا تزايدَ دخولُ الناس في الإسلام رغبةً ومحبة، والنساء في هذا المجال أكثرُ استجابةً من الرجال، وقد يُسلم الرجل وتبقى زوجه على مِلَّتِها، وقد تُسلم المرأة ويبقى زوجها على مِلَّتِه. والأمر من جهة الرجل قد يبدو أيسرَ وأقلَّ مؤنةً؛ فإنه إذا كانت زوجته كتابية فله أن يُمسكها ولا يؤثِّر إسلامه في استدامة عقد نكاحه؛ إذ يجوز للمسلم أن يتزوج من الكتابية ابتداءً إذا كانت ذمية، وليست حربية. كما أن الزوج هو الطرف الأقوى في العلاقة الزوجية، وهو قادر على فكِّ الارتباط، إلا أنه أيضًا يترتب على الطلاق بالنسبة له مفاسدُ يحسن استحضارها، ومنها: أن زوجته الباقية على ملتها من الوثنية أو غيرها من ملل الشرك ستذهب بنصف ثروته، وبأولاده الصغار كحاضنة لهم، وذلك بموجب قوانين تلك البلاد غير المسلمة، وفي هذا من المشقة المالية والمعنوية ما فيه، ولا سيما وأنه يتطلع إلى المحافظة على ذريته، وأن يكونوا معه على الإسلام. أما في حقِّ المرأة إذا أسلمتْ فإن الوضع يشتدُّ حراجةً فهي مأمورة بمفارقة غير المسلم مطلقًا، وجماهير أهل العلم يُبطلون عقد النكاح بمجرد إسلامها قبل زوجها. وإذا كانت لا عائلَ لها إلا ذلك الرجل، فإنها تتعرض لمحنة مالية ومعنوية كبيرة، ولا سيما أن بلاد الأقليات لا يتمتع المسلمون فيها بقدرات مالية مميزة تمكِّنهم من إيواء هؤلاء النسوة وإعاشتهن.

стр. 993

وربما كان لها أولاد من ذلك الرجل هي متعلقة بهم، ولا تريد أن تفارقهم، كما تريد أن تقوم بواجب دعوتهم إلى الله، وتنشئتهم على الإسلام. بل تتطلع أيضًا إلى دعوة ذلك الرجل الذي كانت زوجة له، لعله يدخل في دين الله، فتلتئم بذلك أسرتها، ويجتمع شملها مع زوجها وأولادها وتسعد في دنياها وأخراها. تحرير محل النزاع: ١ - وقع الإجماع على حرمة نكاح المشركات مطلقًا (١). ٢ - وقع الإجماع على حرمة نكاح الكافر للمسلمة مطلقًا (٢). ٣ - وقع الإجماع على أنهما إذا أسلما معًا فهما على نكاحهما الأول، ما لم يكن بينهما نسب، أو رضاع مطلقًا (٣). قال ابن عبد البر ﵀: "أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معًا في حالة واحدة، أن لهما المقام على نكاحهما، ما لم يكن بينهما نسب ولا رضاع" (٤)، وقد أسلم خَلْقٌ في زمن النبي ﷺ ونساؤهم، وأُقِرُّوا على أنكحتهم، ولم يسألهم رسول الله ﷺ عن شروط النكاح، ولا عن كيفيته، وهذا أمرٌ عُلِمَ بالتواتر والضرورة، فكان يقينًا (٥). ٤ - وقع الإجماع على أنه إذا أسلم الزوج وكانت زوجه كتابية أنهما على نكاحهما الأول (٦).

стр. 994

٥ - وقع الإجماع على أنه بمجرد إسلام المرأة فقد حرم الجماع بينهما إذا كان الزوج وثنيًّا ووجب التفريقُ الحسيُّ. قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في كتاب الأم: "الناس لا يختلفون في أنه ليس له أن يطأها في تلك الحال إذا كانت وثنية" (١)، وقال البيهقي في السنن الكبرى: "باب الزوجين الوثنيين يسلم أحدهما فالجماع ممنوع حتى يسلم المتخلف منهما؛ لقول الله : ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] " (٢). وقال القرطبي ﵀: "وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام" (٣). وإن مما يجدر ذكره هنا -قبل الدخول في سرد مذاهب الفقهاء- ﵏ -في أثر إسلام أحد الزوجين، وبقاء الآخر مصرًّا على كفره- أنهم جميعًا -بعد نزول آية الممتحنة- يتفقون على أنه بإسلام أحد الزوجين وبقاء الآخر على الكفر تتوقف الحياة الزوجية بين الزوج الكافر والزوجة المؤمنة، وتتوقف الحياة الزوجية بين الزوج المؤمن والزوجة الوثنية الكافرة، فلا جماع ولا انكشاف ولا إنجاب، ولا أي شيء من المسِّ، ولا أي شيء من دواعي الجماع بينهما، ولا يحقُّ للكافر الوثني أن يعود إلى الحياة الزوجية ما دام على كفره، وإنما يحقُّ أن يعود إلى الحياة الزوجية إذا أسلم فرضِيَ بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا (٤). قال ابن عبد البر: "لم يختلف العلماء أن الكافرة إذا أسلمت ثم انقضت عدتها أنه لا

стр. 995

سبيل لزوجها إليها، إذا كان لم يسلم في عدتها، إلا شيء رُوِيَ عن إبراهيم النخعي شَذَّ فيه عن جماعة العلماء، ولم يتبعه عليه أحد من الفقهاء، إلا بعض أهل الظاهر" (١). قال د. محمد عبد القادر أبو فارس: "لم يَرِدْ نقلٌ صحيح عن عالم أو فقيه أو مفسر في جواز استمرار المؤمنة زوجةً لكافرٍ مصرٍّ على كفره، والاستمتاع بها ومجامعتها والإنجاب منها، وهي مؤمنة وهو كافر، ولم يَرِدْ نصٌّ أو نقلٌ صحيح عن فقيه أو عالم أو مفسر على جواز استمرار الحياة الزوجية بين مؤمن وكافرة تصرُّ على كفرها ووثنيتها، فتستمر المعاشرة والتكشف والجماع والإنجاب، وإن كانت الزوجة كافرة ومصرة على كفرها وقد عرض الإسلام عليها، بل الجميع يوقفون الحياة الزوجية ويمنعون العشرة بينهما بمجرد إسلام أحدهما، ولا تحل العشرة الزوجية إلا بإسلام الآخر" (٢). وبعد اتفاقهم على ما سبق فقد اختلفوا في إبطال العقد، وكيف يتم، ومتى يتم؟ وقد نقل بعض المعاصرين ثلاثة عشر قولًا في ذلك (٣) أصلها عند ابن القيم في تسعة (٤) أقوال، وهي تعود إلى ثلاثة أقوال رئيسة (٥). وفيما يلي ذِكْرُ هذه الأقوال الثّلاثة عشر ثم رَدُّها إلى الأقوال الثلاثة الرئيسة: ١ - يبطل عقد النكاح بينهما بمجرد إسلام أحدهما قبل الآخر. وهذا مذهب الحسن البصري في رواية، وعطاء بن أبي رباح في رواية، وعكرمة (٦)،

стр. 996

وقتادة السدوسي، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١)، وعبد الله بن شبرمة (٢) في رواية، وأبي ثور (٣)، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، تبعه عليها بعض أصحابه، ومذهب أبي محمد بن حزم، كذلك هو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة إذا كانت الزوجة غيرَ مدخولٍ بها، وهو مذهب سفيان الثوري إذا كان الزوجان في دار الحرب خاصة. ٢ - يبطل عقد النكاح بينهما إذا سبق الزوجُ الزوجةَ بالإسلام، ولم تُسلم معه في نفس المجلس، وقد عرض عليها الإسلام، وليست كتابية، وهذا مذهب المالكية، وابن قيم الجوزية. ٣ - يبطل عقد النكاح بينهما إذا أسلم الزوج، ولم تُسْلِمِ الزوجة بعده في مدة يسيرة، وهذا مذهب بعض المالكية، كابن القاسم. ٤ - يبطل عقد النكاح بينهما إذا أسلم أحدهما قبل الآخر، ولم يُسلم الآخر منهما في عدة الزوجة، وهذا مذهب مجاهد المكي في الرواية الصحيحة عنه، وهو رواية عن الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن شبرمة، كذلك هو مذهب الأوزاعي والليث بن سعد، والمالكية في الزوجة تُسلم أولًا،

стр. 997

والشافعية، والحنابلة، وإسحاق بن راهويه. ٥ - يبطل عقد النكاح بينهما إذا انتقل المسلم منهما من دار الحرب إلى دار الإسلام، وهذا مذهب الحنفية خاصة. ٦ - يبطل عقد النكاح بينهما ساعةَ إسلامِ أحدِهِمَا، وذلك إذا كانا غيرَ كتابيين، أما إذا كانا كتابيين فيفرَّق بينهما، وهذا مذهب عطاء بن أبي رباح في رواية عنه، وظاهرُ المنقولِ عن طاوس (١) ومجاهد وسعيد بن جبير في بعض الروايات. ٧ - يبطل عقد النكاح بينهما إذا أسلم أحدهما في دار الحرب، وحاضت الزوجة ثلاث حيض، ولم يُسلم الآخر منهما، وهذا مذهب الحنفية خاصة. ٨ - يبطل عقد النكاح بينهما إذا أسلم أحدهما، ودُعِيَ الآخر إلى الإسلام فأبى أن يُسلم، وهذا قول عمر بن عبد العزيز في رواية، والزهري من وجه ضعيف. ٩ - لا يبطل عقد النكاح بينهما مطلقًا إلا بقضاء القاضي، وهذا مقتضى قول طاوس اليماني، وسعيد بن جبير، والحكم بن عتيبة (٢)، وإحدى الروايات عن عمر بن عبد العزيز، وفي رواية ضعيفة عن الزهري، وهو ظاهرُ قولِ عبد الله بن عباس، كما كان يرى للزوجة المسلمة إبطالَهُ باختيارها، وترك زوجها الكافر. ١٠ - لا يبطل عقد النكاح بينهما إذا كانا جميعًا في دار الإسلام إلا بقضاء القاضي، وهذا مذهب الحنفية، وسفيان الثوري.

стр. 998

١١ - لا يبطل عقد النكاح بينهما إلا بقضاء القاضي، أو بانتهاء العدة، وهذا مذهب الزهري في رواية. ١٢ - ينتقل عقد النكاح بينهما إذا أسلم أحدهما دون الآخر إلى عقد جائز، ويكون النكاح موقوفًا، فإن أسلم الآخر منهما استمرَّ النكاح، ولها أن تنكح زوجًا غيره، وهذا رواية مضعفة عن أحمد بن حنبل، ومذهب داود بن علي الظاهري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، كذلك هو مذهب ابن القيم في حالة سبق الزوجة بالإسلام. ١٣ - ينتقل عقد النكاح بينهما إلى عقد جائز، يبيح للزوجة مفارقة الزوج إن شاءت، كما يبيح مكثها معه كزوجة إن شاءت، ما داما في موضعِ تمكينٍ، كدارِ إسلامٍ، وعليه تدل الرواية الصحيحة المحفوظة عن أمير المؤمنين عمر، والرواية عن أمير المؤمنين علي، وهو مذهب عامر الشعبي (١) وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان (٢). وهذه الأقوال يمكن رَدُّهَا -كما سبق- إلى ثلاثة أقوال رئيسة على النحو التالي: الأول: بطلان عقد النكاح السابق بين المسلمة وغير المسلم، والخلاف ضمن هذا القول على وقت البطلان فقط، وهو يشمل الأقوال من اإلى ٨، والقول الحادي عشر أيضًا، وهو أنه لا يبطل عقد النكاح إلا بقضاء القاضي، أو بانتهاء العدة، فهو يتوافق في النهاية مع من يقول ببطلان العقد بانتهاء العدة. الثاني: لا يبطل عقد النكاح السابق إلا بقضاء القاضي مطلقًا، أو في دار الإسلام

стр. 999

فقط، هذا هو القول التاسع والعاشر والحادي عشر أيضًا. الثالث: ينتقل العقد السابق من عقدٍ لازمٍ إلى عقدٍ جائزٍ، يُجيزُ لها أن تفارِقَهُ وتنكحَ زوجًا غيره إن شاءتْ، ولا يجوز له أن يطأها مطلقًا في دار الحرب، أو في دار الإسلام، وفقَ القول الثاني عشر -قول ابن القيم- ويجوز الوطء بينهما ما دامت في دار الإسلام، وفقَ القول الثالث عشر -قول عمر وعلي- والذي تبناه -فيما بعد- عامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان. وبفحص هذه الأقوال نجد أنه باعتماد القول بالتفريق والإبطال لما بينهما من العقد، فقد اخْتُلِفَ في مسائلَ، هي: ١ - نوع الإبطال الذي يلحق عقد النكاح: القول الأول: هو فسخ يجب بعد انقضاء العدة، وهو رأي الأئمة الأربعة. القول الثاني: هو طلاق. القول الثالث: يبقى النكاح مع عدم المسيس حتى يحكم القاضي بالتفريق. القول الرابع: يكون موقوفًا. بحيث يتحول العقد إلى عقد جائز من جهة الزوجة، فلها أن تبقى معه من غير مسيس، ولها أن تفارقه وتنكح زوجًا غيره. ٢ - كيفية الرد والاستئناف: القول الأول: على القول بأنه فسخ بعد انقضاء العدة يكون الردُّ بعقد ومهر جديدين. القول الثاني: يرجع الزوج إليها من غير احتياج إلى عقد جديد إذا أسلم قبل انقضاء عدتها. القول الثالث: يرجع بعقد جديد، لكن بصداقها القديم. القول الرابع: يستمر على النكاح القديم، ولو بعد انقضاء العدة، ولو طالت المدة!

стр. 1000

٣ - المدة التي يمكن للمتأخر فيها الرد إلى الحياة الزوجية: القول الأول: إذا أسلم المتأخر خلال عدتها استأنف حياته الزوجية، وإذا أسلم بعدها فلا سبيل له عليها، وهو مذهب الأئمة الأربعة. القول الثاني: لا حدَّ للمدة التي يجوز فيها الردُّ، ما دامت لم تَنْكِحْ زوجًا غيره، وهو قول ابن تيمية وابن القيم. الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: من القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وفتاوي الصحابة وفعلهم، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وأتباع مذاهبهم، وطوائف كثيرة من السلف والخلف (١). وخلاصته: بطلانُ عقد النكاح إمَّا بانقضاء العِدَّةِ، كما هو مذهب الأغلبية، أو بقضاء القاضي، كما هو مذهب الزهري في رواية. واستدلوا لمذهبهم بالكتاب، والسنة، وآثار الصحابة. أولًا: القرآن الكريم: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].

стр. 1001

وجه الدلالة: نصت هذه الآية نصًّا صريحًا على عدم إرجاع المؤمنات المهاجرات إلى الكفار، وحرَّمَتْ بقاء المؤمناتِ زوجاتٍ للكافر، وأمرتْ كلَّ مؤمن يتزوج كافرة أن يفارقها، بقوله تعالى في الآية: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال ابن العربي -في قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]-: "بَيَّنَ أن العلة عدم الحل بالإسلام، وليس اختلاف الدارين" (١) والذي أوجب فُرْقَةَ المسلمة من زوجها هو إسلامها. يقول الشوكاني: "إن عبارة: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] تعليل للنهي عن إرجاعهن، وفيه دليل على أن المؤمنة لا تحل لكافر، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها لا مجرد هجرتها، والتكرير لتأكيد الحرمة، أو الأول لبيان زوال النكاح، والثاني لامتناع النكاج الجديد" (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال ابن كثير ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] تحريم من الله ، على عباده المؤمنين نكاحَ المشركات، والاستمرارَ معهن" (٣). وقال ابن العربي -في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]-: "هذا بيان لامتناع نكاح المشركة من جملة الكوافر، وهو تفسيره والمراد به. قال أهل التفسير: أَمَرَ الله تعالى كلَّ مَنْ كان له زوجة مشركة أن يُطَلِّقَهَا، وقد كان الكفار يتزوَّجون المسلمات، والمسلمون يتزوَّجون المشركات، ثم نَسَخَ الله ذلك في هذه الآية وغيرها،

стр. 1002

وكان ذلك نسخ الإقرار على الأفعال بالأقوال" (١). ٣ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. دلت هذه الآية على حكمين: الأول: تحريم زواج المسلم من المشركة حتى ولو أعجبته، طالما بقيت على شركها. الثاني: تحريم زواج المسلمة من المشرك حتى ولو أعجبها وأَعجبَ أهلها، طالما بقي على شركه. وعلة التحريم في الحالتين هي الشرك باعتباره الوصفَ المؤثرَ (٢). موقع آية الممتحنة من آية البقرة: " آية البقرة تمنع النكاح إطلاقًا بين المسلمين والمشركات، وبين المشركين والمسلمات، وقد جاء الإذن بعد ذلك (بآية المائدة) بزواج المسلمين من الكتابيات، وبقي المنع يشمل الباقي من النساء الكافرات أو المشركات، أما زواج المسلمة من غير المسلم فقد بقي ممنوعًا عملًا بعموم آية البقرة، وانعقد على ذلك الإجماع، كما هو معروف. وجاءت آية الممتحنة تتناول عقود الزواج السابقة على الإسلام، ويهمنا في هذا البحث المرأة إذا أسلمت وبقي زوجها على دينه، وتركت بلادها -دار الكفر- والتحقت بدار الإسلام والهجرة، لقد نصت الآية بوضوح ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وبينت علة ذلك، وهي عدم الحلية بين المؤمنات والكافرين.

стр. 1003

إذًا: آية البقرة منعت ابتداءً النكاح بين المسلمة والكافر. وآية الممتحنة أكَّدت هذا المنع بالنسبة للعقود السابقة، وللعقود الجديدة ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]-ولو بموجب عقود سابقة- ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] بموجب عقود جديدة. وإذا كانت آية الممتحنة نزلت بمناسبة هجرة بعض المسلمات إلى المدينة، وجاء النهي عن إرجاعهن إلى الكفار، فإن تعليل هذا النهي لم يأتِ مبنيًّا على ظرف معين يقع فيه الإيذاء، أو التعذيب، أو الضغط على المرأة المسلمة من زوجها الكافر، وإنما جاء النهي معللًا (بعدم الحلية)، وهذا أمر لا علاقة له باختلاف الدَّار، ولا بالتعرض للأذى المحتَمَلِ. فآية البقرة تمنع إنشاء عقود جديدة. وآية الممتحنة تمنع استمرار العقود القديمة" (١). ثانيًا: السنة المطهرة: ١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ رَدِّ ابنتَهُ زينبَ على أبي العاص بن الربيع بمهرٍ جديد ونكاح جديد (٢). ٢ - عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: رَدَّ النبي ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يُحْدِثْ نكاحًا (٣).

стр. 1004

درجة الحديث الأول: قال الترمذي ﵀-بعد رواية الحديث-: هذا حديث في إسناده مقال، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها، ثم أسلم زوجها وهي في العدة أن زوجها أحقُّ بها ما كانت في العدة، وهو قول مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحق (١). وفي نيل الأوطار: وفي إسناده حجاج بن أرطاة، وهو معروف بالتدليس، وأيضًا لم يسمعه من عمرو بن شعيب، كما قال أبو عبيد، وإنما حمله عن العرزمي وهو ضعيف، وقد ضعَّفَ هذا الحديثَ جماعةٌ من أهل العلم (٢). درجة الحديث الثاني: قال الترمذي ﵀-قبل أن يرويه-: وفي الحديث الآخر أيضًا مقال. وقال -بعد أن رواه-: هذا حديث ليس بإسناده بأسٌ، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قِبَلِ داود بن الحصين من قِبَلِ حفظه. فعبارة الترمذي واضحة أنه لم يصححِ الحديثَ، بل ذَكَرَ ضعفَ ضبطِ داودَ بنِ الحصين وحفظه، وقد رَدَّ كثير من العلماء رواية داود بن الحصين وبخاصة إذا روى عن عكرمة، وتجنبوا روايته (٣). وجه الدلالة من الحديثين: ١ - أن الرسول ﷺ حبس ابنته زينب عن أبي العاص بعد غزوة بدر والمنِّ عليه،

стр. 1005

على أن يبعث زينب، وجاء بها زيد بن حارثة وظلَّتْ عند أبيها. ٢ - عند هجرتها وحياتها في المدينة انقطعتِ العشرةُ الزوجية بينها وبين أبي العاص. ٣ - بقيت العِشرة الزوجية منقطعة حتى أسلم أبو العاص، فأعادها الرسولُ ﷺ إليه بعد إسلامه، فبعضُهُمْ يقولُ: وكانت في عدتها بعد نزول آية الممتحنة: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فأعادها إليه، وهي في عدتها، ومنهم من يقول: أعادها إليه بعد عدتها بعقد جديد ومهر جديد. ٤ - ولفظُ: رَدَّ الرسولُ زينبَ على أبي العاص يدلُّ بوضوح على ما تقدَّمَ من انقطاع العشرة الزوجية والخلوة وسائر أسباب الجماع ودواعيه (١). ثالثًا: فعل الصحابة ﵃ وفتاويهم: ١ - ثبت أن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- كان له زوجتان مشركتان (٢) قبل نزول هذه الآية، فلما نزلت قام بفراقهما، وهما: قريبة وأم كلثوم الخزاعية. ٢ - أن عياض بن غنم ﵁ كانت تحته أم الحكم بنت أبي سفيان، وكانت مشركة فطلَّقَهَا فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي (٣)، وكانت أروى بنت ربيعة بن عبد المطلب مشركة تحت طلحة بن عبيد الله، فطلَّقَهَا (٤). ٣ - صح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى في المرأة التي تسلم ويصر زوجها على الكفر أن يفرق بينهما. وذلك أن رجلًا من بني تغلب يقال له عباد بن النعمان كان تحته امرأة من بني تميم،

стр. 1006

فأسلمت فدعاه عمر، فقال: إما أن تُسْلِمَ، وإما أن أنزعها منك، فأبى أن يُسْلِمَ فنزعها منه (١). ٤ - وعن جابر بن عبد الله بن حرام ﵄ أنه قال -لما سئل عن نكاحِ المسلمِ اليهوديةَ والنصرانيةَ-: "لا يَرِثْنَ مسلمًا ولا يَرِثُهُنَّ، ونساء أهل الكتاب لنا حِلٌّ ونساؤنا عليهم حرام" (٢). وعبارة: "نساؤنا عليهم حرام" عبارة عامة تشمل العقد والوطء، فيحرم على المسلمة أن تنكح كافرًا كتابيًّا، ويحرم عليها أن تمكِّنَهُ من الوطء كذلك، والعبرة -كما هو معلوم- بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. ٥ - وعن ابن عباس ﵄: "إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه" (٣). وعنه أيضًا ﵁ في اليهودية أو النصرانية تكون تحت اليهودي أو النصراني فَتُسْلِمُ، فقال: "يُفَرَّقُ بينهما، الإسلامُ يعلُو ولا يُعْلَى عليه" (٤)، وسنده صحيح (٥). وقد أفتى بهذا من التابعين عطاءُ بن أبي رباح، ومجاهد، والحسن، والحكم بن عتيبة، وسعيد ابن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، وطاوس، وقتادة وغيرهم (٦). القول الثاني: وخلاصته: لا يبطل عقد النكاح إلا بقضاء القاضي مطلقًا، أو في دار الإسلام فقط، وهو خلاصة القول التاسع والعاشر والحادي عشر أيضًا، وهو ظاهر قول ابن عباس، كما كان يرى للزوجة المسلمة إبطاله باختيارها، وترك زوجها الكافر. وهو مقتضى قول طاوس، وسعيد بن جبير، وسفيان الثوري، والزهري في رواية

стр. 1007

عنه، وهو مذهب الحنفية (١). ومذهب الحنفية: أن المرأة إذا أسلمت وهاجرت من دار كفر إلى دار الإسلام، فإن اختلاف الدارين يفرق بينها وبين زوجها، بمجرد صيرورتها في دار الإسلام. وتفصيل ما أُجْمِلَ من مذهبهم في هذه القضية على المسائل التالية: المسألة الأولى: أن يكون الزوجان من أهل دار الإسلام بالذمة، فإذا أسلم الزوج وزوجته ليست كتابية عرض عليها الإسلام، فإن أبت فَرَّقَ بينهما القاضي. وكذلك إذا أسلمت الزوجة، فيعرض الإسلام على الزوج فإن أسلم وإلا فَرَّقَ بينهما القاضي (٢). وبناءً عليه فإنه ما لم يفرق بينهما القاضي فهي امرأته (٣). المسألة الثانية: أن يكون الزوجان من أهل دار الحرب، فإذا أسلم أحدهما ولم يهاجر، فهي امرأته حتى تحيض ثلاث حيض إن كانت من ذوات الحيض، أو تمضي ثلاثة أشهر، فإذا مضت هذه المدة ولم يُسْلِمِ الآخرُ منهما وقعت الفُرْقَةُ بينهما (٤). وليست هذه بعدَّةٍ لشمولها غيرَ المدخول بها؛ إذ لا يفرقون بينهما (٥). المسألة الثالثة: أن يكون الزوجان من أهل دار الحرب، فَيُسْلِمُ أحدهما، ثم يخرج إلى دار الإسلام، فهنا تقع الفُرْقَةُ لاختلاف الدار (٦).

стр. 1008

أدلة القول الثاني: أما ما يتعلق بالمسألة الأولى، فبعد اتفاق الحنفية مع الجمهور في إبطال النكاح، وإيجاب الفُرْقة، واستدلالهم لذلك بأدلتهم، استدلوا الاشتراط القاضي بأدلة، منها: ١ - قضاء عمر بالفُرْقَةِ: حيث كان رجل من بني تغلب نصراني، تحته امرأة نصرانية فأسلمَتْ فَرُفِعَتْ إلى عمرَ، فقال له: إن أسلمتَ وإلَّا فرَّقْتُ بينكما، فقال له: لم أَدَعْ هذا إلا استحياءً من العرب أن يقولوا: إنه أسلم على بُضْعِ امرأة، قال: ففرَّقَ عمر بينهما (١). وجه الدلالة: لو أن الفُرْقَةَ تقع بمجرد الإسلام لم يكن للتفريق الصادر عن عمر ﵁ معنًى، وقد وقع بمحضر الصحابة فكان إجماعًا (٢). ٢ - القياس والمعقول من وجهين: أ - لا يجوز أن يكون مجرد الإسلام مبطلًا للنكاح؛ لأن الإسلام إنما عرف عاصمًا للأملاك، فكيف يكون مبطلًا لها، وإذا كان قد صحح ابتداءً عقد النكاح بين كافر وكافرة فالإبقاء عليه عند إسلام أحدهما أسهل وأولى (٣). ب - إن إضافة انقطاع النكاح للإسلام لا نظير له في الشرع، ولا أصل يلحق به قياسًا بجامع صحيح معتبر، ولا يوجد نقلٌ سمعي يفيده، فكان مضافًا إلى قضاء القاضي (٤). وأما في حالة أن يكون الزوجان من أهل دار الحرب، وعدم وجدان القاضي أو ولي الأمر، وهي المسألة الثانية في مذهبهم فيقام شرط البينونة في الطلاق الرجعي مقام القاضي،

стр. 1009

وإقامة الشرط مقام العلة عند تعذر اعتبار العلة جائز، فنزل انقضاء ثلاث حيضات مقام تفريق القاضي (١). على أن الحنفية لا يعتبرونها عدة، وإنما سببًا أو شرطًا لوقوع الفُرْقَةِ. وأما المسألة الثالثة: وهي اعتبار اختلاف الدار موجبًا لوقوع الفُرْقَةِ في حال كون الزوجين من أهل دار الحرب، فَيُسلم أحدهما، ثم يخرج إلى دار الإسلام، فهنا تقع الفرقة، لاختلاف الدار (٢). وقد وَرَدَ ما يفيد هذا الاعتبار عند المالكية أيضًا (٣). ومعنى اختلاف الدارين الذي تتحقق به الفُرْقَةُ عند الحنفية ومن معهم هو أن يكون أحد الزوجين من أهل دار الإسلام حقيقةً أو حكمًا، بالإسلام أو الذمة، والآخر من أهل دار الكفر -أي: كافرًا حربيًّا- كأن يُسلم أحد الزوجين في دار الكفر، ثم يهاجر إلى دار الإسلام، أو يخرج أحد الزوجين من دار الكفر إلى دار الإسلام، ذميًّا، أو مستأمنًا، ثم يُسلم أو يعقد عقد الذمة، أو يخرج المسلم من دار الإسلام إلى دار الكفر مرتدًّا عن دينه، أو يخرج الذمي من دار الإسلام إلى دار الكفر ناقضًا للعهد، ففي جميع هذه الأحوال تجب الفرقة بين الزوجين؛ لتباين الدارين بينهما. أما إذا كان الزوجان مسلمين، فخرج أحدهما إلى دار الكفر بأمان أو بغيره، فلا تقع الفُرْقَةُ؛ لأنهما من أهل دار واحدة، وإن كان أحدهما مقيمًا في دار الكفر، والآخر في دار الإسلام، فاختلاف الدار لا أثر له بالنسبة للزوجين المسلمين (٤).

стр. 1010

وقد استدلوا لمذهبهم بأدلة من القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والمأثور، والمعقول، والقياس. أولًا: القرآن الكريم: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وجه الدلالة: دلت الآية على وقوع الفرقة بين الزوجين متى اختلفت الدار بينهما من وجوه عديدة: أ - دلَّ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ. . .﴾ [الممتحنة: ١٠] على أنَّ الفرقة تقع بين الزوجة التي أسلمت بدار الكفر، ثم هاجرت إلى دار الإسلام، وبين زوجها الذي تركته بدار الكفر كافرًا، فإن الأمر بعدم إرجاعها إلى زوجها الكافر في دار الكفر، دليل على انقطاع العصمة بينهما بسبب اختلاف الدار بينهما. ب - ودلَّ قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] على وقوع الفُرْقَةِ بين الزوجين، متى اختلفت الدار بينهما؛ لأن عدم الحل إنما يكون عند رفع النكاح وزواله. ج - ودلَّ قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] على وقوع الفُرْقَةِ بسبب اختلاف الدار؛ لأن الأمر بِرَدِّ مهر الزوجة المسلمة المهاجرة إلى دار الإسلام على زوجها الكافر المقيم بدار الكفر دليلٌ على انقطاع عصمة الزوجية بينهما؛ لأن الزوجية لو كانت باقية لما استحق الزوج رَدَّ المهر إليه؛ لأنه لا يجوز أن يستحق البضع وبدلَهُ. د - ودلَّ قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] على وقوع الفُرْقَةِ بين الزوجين، بسببِ اختلافِ الدارِ؛ لأن الله أحلَّ المسلماتِ المهاجراتِ إلى دارِ الإسلامِ للمؤمنين من غيرِ شرطٍ، إلا إعطاؤهُنَّ المهورَ، وهذا دليلٌ على عدم بقاء زواجِهِنَّ الأولِ؛ لأنه لو كان النكاح الأول باقيًا، لما جاز للمؤمنين نكاح المهاجرات بإسلامهن.

стр. 1011

هـ - ودلَّ أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] على وجوب الفُرْقَةِ بين الزوجين، بسبب اختلاف الدار بينهما؛ لأن الله نهى المؤمنين أن يُمْسِكُوا بعصمِ الكوافر فالكافر الذي أسلم في دار الكفر، ثم هاجر إلى دار الإسلام، وترك زوجته الكافرة في دار الكفر، يفرَّق بينهما؛ لأن اختلاف الدار أوجبَ انقطاعَ العصمة بينهما، والمراد بالعصمة هنا: النكاح، فقد انقطع النكاح بينهما؛ لاختلاف الدار بينهما (١). ثانيًا: السنة المطهرة: استدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ رَدَّ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد، ونكاح جديد (٢). وجه الدلالة: دلَّ الحديث على أن تباين الدارين يوجب الفرقة بين الزوجين؛ لأن العقد الجديد كان بالمدينة. ثالثًا: المأثور: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما أراد أن يهاجر إلى المدينة، نادى بمكة: "من أراد أن يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي" (٣). رابعًا: المعقول، وذلك من أربعة أوجه: الوجه الأول:

стр. 1012

أن تباين الدارين مُفَوِّتٌ لمقاصد النكاح؛ لأنه مع اختلاف الدار لا يتمكن الزوجان من الانتفاع بالنكاح عادةً، فلم يكن لبقائه فائدة فيزول؛ إذ يكون الزوجان بحال يتعذر معها انتظام التعاون المنشود، كالمسلم إذا ارتدَّ عن الإسلام، ولحق بدار الحرب، فإنه يزول ملكه عن أمواله، وتعتق أمهات أولاده، فكذلك إذا اختلفت الدار بين الزوجين، زالت الفائدة من النكاح (١). الوجه الثاني: ولأن أهل دار الحرب كالموتى في حق أهل دار الإسلام؛ ولهذا لو التحق بهم المرتد جَرَتْ عليه أحكام الموتى، فكما لا تتحقق عصمة النكاح بين الحي والميت، فكذلك لا تتحقق عند تباين الدارين حقيقةً وحكمًا (٢). الوجه الثالث: ولأن الدار اختلفت بين الزوجين حقيقةً وحكمًا، فوجب أن تقع الفرقة بينهما، كالحربية إذا دخلت دار الإسلام بأمان، ثم أسلمت، فإن الفرقة تقع بينها وبين زوجها الذي في دار الحرب في الحال (٣). الوجه الرابع: ولأن اختلاف الدارين يؤثر في انقطاع العصمة، كما يؤثر في المنع من الميراث، ألا ترى أن الذمي لو مات في دار الإسلام وخلَّفَ مالًا وله ورثة من أهل الحرب في دار الحرب، لم يستحقوا من إرثه شيئًا، وجُعِلَ مالُهُ في بيت المال؛ لاختلاف الدارين، ولو كان ورثته ذميين في دار الإسلام لكانوا هم أحقَّ بتركتِهِ من جماعة المسلمين؛ لأنه لم تختلف الدار بينهم؛ لأن الجميع من أهل دار الإسلام (٤).

стр. 1013

خامسًا: القياس: أن الفُرْقَةَ تقع بين الزوجين في الحال إذا ثبت أن بينهما رضاعًا أو نسبًا. فكذلك إذا اختلفت الدار فُرِّقَ بينهما في الحال (١). القول الثالث: وخلاصة هذا القول: أن العقد ينتقل من عقد لازم إلى جائز، يجيز للمرأة أن تفارق وتنكح زوجًا آخر إن شاءت، ويكون العقد موقوفًا، ولا يَحِلُّ له أن يطأها مطلقًا، لا في دار حرب أو إسلام، وهذا مذهب ابن القيم وشيخه رَحِمَهُمَا اللهُ. ويجوز الوطء بينهما ما دامت في دار الإسلام، ولم يكن زوجها محاربًا لدينها؛ وفقًا لما رُوِيَ عن عمر وعلي، وبه قال الشعبي والنخعي وحماد بن أبي سليمان (٢) وانتصر له الجديع، ورأى أنه أعظم في تأليف القلوب، وألصق بما قامت عليه الدعوة النبوية (٣). أدلة القول الثالث: من القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والأصول، والمعقول، وحاصلها ما يلي: أولًا: القرآن الكريم: ١ - آية سورة الممتحنة: وجه الدلالة: آية الممتحنة لم تَقُلْ: إن عقد النكاح قد انقطع بين المهاجرة وزوجها الكافر المحارب، إنما أباحت لها النكاح، وجاءت قصة زينب فأثبتت استمرارَ العقد القديم،

стр. 1014

ونفيُ الحِلِّ لا يعني إبطال العقد السابق؛ لأنه لم يبطل عقد زواج زينب، وإنما يعني: منع تمكين العدو الكافر المحارب من المسلمة. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وجه الدلالة: لو أفادت هذه الآيةُ انقطاعَ الزواجِ ما احتاجَ عمرُ إلى أن يطلق زوجتيه اللتين كانتا بمكة مشركتين. ثانيًا: السنة المطهرة: قصة زينب وغيرها في السنة النبوية، وقد تقدمت. وجه الدلالة: ما جرى عليه العمل بعد الهجرة، فبقاء طائفة من المؤمنين بمكةَ أمرٌ مقطوع به؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥]، ومن المحتمل أن يكون بين هؤلاء امرأة مسلمة مع زوج كافر، أو رجل مسلم مع زوجة كافرة، بل ما يؤكد وقوع ذلك قصة أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية زوجة العباس بن عبد المطلب، وقد أسلمت قبله وبقيت عنده، وقال ابن عباس ﵄: "كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي من النساء" (١)، وعن ابن عباس ﵄: "إنه لم يكن مع أبيه على دين قومه"، وعلَّق الذهبي على ذلك بقوله: "فهذا يُؤْذِنُ بأنهما أسلما قبل العباس وعجزا عن الهجرة" (٢)، وكذلك قصة زينب بنت النبي ﷺ ومُكْثها تحت

стр. 1015

زوجها أبي العاص بن الربيع، وهي مسلمة وهو يومئذ كافر، هاتان القصتان دلَّتا أنه بعد الهجرة استمرَّ العمل على أن اختلاف الدين لم يكن يفرِّقُ بين المرأة وزوجها، وأنه لم تأتِ الشريعة بما يضادُّ ذلك قبل آية الممتحنة. ثالثًا: الأدلة الأصولية: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِدْ في شرعنا ما ينسخه، واختلاف الدين لم يوجب على نوح ولوط مفارقة زوجتيهما الكافرتين، ولم يوجب على آسية مفارقة زوجها فرعون. رابعًا: المعقول: ١ - إن أنكحة الكفار فيما بينهم صحيحة، ولا تبطل إذا أسلم الزوجان، إلا إذا كانت المرأة لا تحل لزوجها حسب أحكامنا الشرعية، ولا يؤمر الزوجان بتجديد النكاح. وهذا ما جرى عليه العمل بين المسلمين قبل الهجرة، فهو دليل على أن تغيير الدين لم يكن مؤثِّرًا في صحة عقد النكاح السابق. ٢ - إن التفريق بمجرده لا يحقق مصلحة، بل هو مفسدة، ولا يناسب التبشير بدين الإسلام، وقد قال ابن القيم ﵀: "إن المرأة إذا علمت، أو الزوج أنه بمجرد إسلامه يزول النكاح، ويفارق من يحبُّ، ولم يَبْقَ له عليها سبيلٌ إلا برضاها ورضا وليها ومهر جديد، نَفَرَ عن الدخول في الإسلام، بخلاف ما إذا علم كل منهما أنه متى أسلم فالنكاح بحاله، ولا فراق بينهما إلَّا أن يختار هو المفارقة، كان في ذلك من الترغيب في الإسلام ومحبته ما هو أدعى إلى الدخول فيه" (١). مناقشة الأدلة: أولًا: مذهب الجمهور:

стр. 1016

١ - نوقشت دلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] بأن الآية لا تدلُّ على بطلان عقد النكاح، وإنما تدل على النهي عن رَدِّ المسلمات المهاجرات إلى أزواجهن الكفار، فأين في هذا ما يقتضي أما لا تنتظر زوجها حتى يصير مسلمًا مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم تُرَدُّ إليه؟ (١). ٢ - ونوقشت دلالة قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، بأنها لا تدلُّ على البطلان؛ لأن عمر وغيره عمدوا إلى تطليق نسائهم المشركات بمكة امتثالًا لها، ولم ينفسخ عقد النكاح بينهم وبينهن بمجرد نزولها، فهو طلاق وليس بفسخ. ٣ - كما نوقشت قصةُ زينبَ وردُّها إلى زوجها بأن النبي ﷺ لم يُحْدِثْ شيئًا حين رَدَّهَا، أي: لا نكاحًا ولا صداقًا، وإنما رَدَّهَا إليه بنفس النكاح الأول، ويدلُّ هذا على أنه لم ينفسخ نكاحها لا بإسلامها ولا بهجرتها. وأجاب الجمهور عن دلالة آية الممتحنة مع آية البقرة على فسخ النكاح، وتحريم بقاء المسلمة في عصمة زوجها الكافر بما يلي: ١ - التحريم يمنع العقد والوطء معًا وليس الوطء فحسب، كما أن التحريم يعني: المنع حالًا واستقبالًا وإذا كان ما سبق عمله في الماضي قائمًا في الحاضر فإنه يطلب منعه والتوقف عنه فورًا. قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، فإذا استمرَّ النكاح السابق دون إسلام المشرك كان هذا مخالفة صريحة للنص، إلا أن يقوم دليل التخصيص أو التقييد، ولقد تقرَّرَ عند الأصوليين أن النهي يقتضي الفورَ والدوامَ والتكرارَ (٢).

стр. 1017

٢ - علة التحريم هي اختلاف الدين، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهذه العلة موجودة في العقود السابقة على التحريم، والأصل في التحريم أن يشمل العقودَ الجديدة، ومَنْعَ استدامة العقود القديمة. ٣ - قاعدة: يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء (١)، أو البقاء أسهل من الابتداء (٢)، محلها حيث لا توجد مخالفات تتعلق بصلب العقد، فإذا كان الأمر متعلقًا بصلب العقد ومحله وهو الزوجة فلا محل لها، كما لو ثبت بينهما رضاع أو نسب فلا بد من التفريق ولا ترد هذه القاعدة، وعليه: فآية البقرة تمنع ابتداءَ عقودٍ جديدةٍ، وآية الممتحنة تمنع امتدادَ عقودٍ سابقةٍ. ٤ - بعد التسليم بوجود خلاف قديم ومتقدم يظهر أنه بعد وفاة حماد بن أبي سليمان الذي كان يروي قول النخعي ويفتي به بعد الشعبي لم يسمع هذا القول بعد ذلك، فالإجماع يُسلَّم بعد زمن حماد، لا سيما وأن سائر المذاهب السنية الأربعة والظاهرية مع الشيعة الزيدية لم يُرْوَ عنهم إلا إبطال النكاح والتفريق، باستثناء ابن تيمية ﵀ وابن القيم ﵀ والشيعة الجعفرية، فإنهم اعتبروا العقد موقوفًا، ولا يَحِلُّ به الوطءُ. فكان المنع من الوطء والتفريق موطنَ إجماع صحيح منعقد. ثانيًا: مذهب الحنفية ومن معهم: ١ - مناقشة أدلتهم من القرآن: استدلالهم بآية سورة الممتحنة يجاب عنه بأن الذي أوجب الفرقة بين المسلمة المهاجرة إلى دار الإسلام وزوجها الكافر في دار الكفر هو إسلامها، لا هجرتها، أي: هو

стр. 1018

اختلاف دينِها عن دينِه، لا دارِها عن دارِه. وفي هذا يقول ابن العربي: "الذي أوجب فُرْقَةَ المسلمة من زوجها هو إسلامُها، لا هجرتُها؛ لأن الله قد قال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فبيَّنَ أن العلة عدم الحِلِّ بالإسلام، وليس باختلاف الدارين" (١)، ووافقه القرطبي حيث قال: "هذا أدلُّ دليلٍ على أن الذي أوجب فُرْقَةَ المسلمة من زوجها إسلامُها، لا هجرتُهَا. . . وقال ابن عبد البر: لا فَرْقَ بين الدارين، لا في الكتاب والسنة، ولا في القياس، وإنما المراعَى في ذلك الدينانِ، فباختلافهما يقع الحكم وباجتماعهما، لا بالدار، والله المستعان" (٢). وقال ابن القيم: "قال الجمهور: لا حجة لكم في شيء من ذلك؛ فإن قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] إنما هو في حال الكفر؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ثم قال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وأما قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] فقد تنازع الناس فيه، فقالت طائفة: هذا منسوخ، وإنما كان ذلك في الوقت الذي كان يجب فيه رَدُّ المهر إلى الزوج الكافر إذا أسلمت امرأته، وأما من لم يَرَهُ منسوخًا فلم يجب عنده رَدُّ المهر لاختلاف الدارين، بل لاختلاف الدين، ورغبة المرأة عن التربص بإسلامه؛ فإنها إذا حاضت حيضة ملكت نفسها، فإن شاءت تزوجت وحينئذٍ تَرُدُّ عليه مهرَهُ، وإن شاءت أقامت وانتظرت إسلامه. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فإنما ذلك بعد انقضاء عدتها ورغبتها عن زوجها، وعن التربص بإسلامه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] والمراد بعد انقضاء عدتها ورضاها، وأما قوله: ﴿وَلَا

стр. 1019

تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فهذا لا يدلُّ على وقوع الفرقة باختلاف الدار، وإنما يدلُّ على أن المسلم ممنوعٌ من نكاح الكافرة المشركة، ونحن لا نقول ببقاء النكاح مع شركها، بل نقول: إنه موقوفٌ فإن أسلمتْ في عدتها أو بعدها فهي امرأته" (١). وأجاب الحنفية عن ذلك: بأن الآية الكريمة واردة في بيان حكم المؤمنات المهاجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام، مفارقات أزواجهن المشركين في دار الحرب، والحكم الذي وردت به الآية هو وقوعُ الفُرْقَةِ بينَ المؤمنة المهاجرة إلى دار الإسلام، وبين زوجها الكافر في دار الحرب، وإباحة نكاحها لمن شاءت من المسلمين، فدلالة الآية على وقوع الفرقة باختلاف الدارين واضحة (٢). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] نصٌّ في وقوع الفُرْقَةِ بين الزوجين باختلاف الدار؛ لأن الزوجية لو كانت باقية بينهما لكان هو أحق بها (٣). وأجيب عن ذلك: بأن الآية الكريمة لا دلالةَ فيها على وجوب الفُرْقَةِ بين الزوجين في الحال عند اختلاف الدار بينهما، بل غاية ما تدلُّ عليه، هو أن الذي يوجب الفُرْقَةَ بين المسلمة وزوجها الكافر هو إسلامُها لا هجرتُها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فبين أن العلة عدم الحل بالإسلام، وليس باختلاف الدارين (٤). وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] لا دلالةَ فيها على

стр. 1020

وجوب الفُرْقة بينهما عند اختلاف الدار، بل غاية ما تدلُّ عليه الآية -كما قال ابن القيم-: أن المسلم لا يجوز له أن يتزوج المشركة، وإذا أسلم لا يبقى النكاح بينهما إلا إذا أسلمت أثناء العدة، أما إذا لم تُسْلِمْ، فَيُفَرَّق بينهما؛ لاختلاف الدين بينهما (١). ٢ - مناقشة أدلتهم من السنة: الحديث الذي استدلوا به، ضعيف الإسناد (٢)، فقد قال الإمام أحمد عن هذا الحديث: إنه ضعيفٌ أو واهٍ، ولم يسمعه الحجاج (٣) من عمرو بن شعيب إنما سمعه من محمد ابن عبيد العرزمي (٤)، والعرزمي حديثه لا يساوي شيئًا، والحديث الصحيح: "أن النبي ﷺ أقرَّهما على النكاح الأول" (٥)، وقال الترمذي: "في إسناده مقال" (٦)، وقال الدارقطني: "هذا الحديث لا يثبت، وحجاج لا يُحْتَجُّ به، والصواب حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ رَدَّها بالنكاج الأول" (٧). وعلى فرض صحته، فهو معارَض بحديث ابن عباس ﵄ الذي سبق بيانه، وهو أصح منه. قال البيهقي: "بلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال: سألت عنه البخاري
следующие страницы →