← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩] وعلى هذه الحالة المذكورة يُحْمَلُ قوله ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" (١). - على مسلمي البلاد غير الإسلامية التشبث بالإقامة في تلك البلاد، وإظهار ما يمكنهم إظهارُه من شعائر الإسلام، والصبر على ما يُصيبهم من بلاءٍ، باعتبارهم النواةَ الأساسيةَ الأقدرَ على توطين الإسلام في هذه المجتمعات، ويطبق هذا الحكم من باب أولى على من احتُلَتْ ديارهم من المسلمين فإنه يتعين في حقهم الثباتُ؛ دفعًا للصائل، ودرءًا للحرابة، وكفًّا للعدوان. - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أعرابيًّا سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة؟ فقال: "ويحك إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار؛ فإن الله لن يَتِرَكَ من عملك شيئًا" (٢). - يوصي المجمعُ مَن أقام مِن المسلمين خارج ديار الإسلام بتبني منهج الاعتدال والوسطية، وفتح باب الحوار الهادئ مع القائمين على الأمر في هذه المجتمعات لحلِّ ما

стр. 1087

يتعرضون له من إشكالات. - كما يوصيهم بالعمل الجاد لإقامة المؤسسات الإسلامية في مختلف المجالات، ودعم القائم منها، وتقليد مسئوليتها لأهل الكفاية والديانة؛ للحفاظ على هويتهم الإسلامية ووحدتهم الدينية. - كما يوصي المجمع المخلصين من دول العالم الإسلامي برعاية الجاليات الإسلامية، والعمل على تهيئة المناخ المناسب لعودة المهاجرين إلى أوطانهم، والعقول المهاجرة على وجه الخصوص إلى بلادها، والحرص على إيقاف نزيف الهجرة، وذلك عن طريق إنشاء المؤسسات الاقتصادية، والمراكز العلمية، والمحاضن الاجتماعية، وتوفير الضمانات التامة لهم؛ حتى يسهموا في تقدم أمتهم، ونهضة شعوبهم. - كما يوصي المجمعُ الدولَ الإسلامية بعقد اتفاقات مع دول المهجر ليهيئوا الأمن لجالياتهم، إلى أن يعودوا إلى أوطانهم" (١). المطلب الثالث: أحكام التجنس: بناءً على ما سبق فإن التجنس فرع عن الإقامة، ويعرض لحكمه ما يعرض للإقامة من عوارض التحريم: عند الخوف على نفسه أو على أولاده من الخروج من الدين، إذا وجد بلدًا لا فتنة فيه. أو الكراهة: إذا كان لا يخاف الكفر، إلا أنه يشاهد المناكر ولا ينكرها، ويجد بلدًا أقلَّ مناكِرَ. أو الجواز: عند التساوي. أو الوجوب: عندما توجد مصلحة قوية للإسلام والمسلمين في بقائه، أو تحصل مفسدة في انتقاله.

стр. 1088

أو الاستحباب: عندما يقوم بالدعوة إلى الدين مع وجود غيره من الدعاة. وهي أمور تحتاج إلى تحقيق المناط والنظر في المآلات (١). ولا شك أن هناك أسبابًا أخرى لدوران حكم التجنس بين الأحكام الخمسة، وهي أسباب تتعلق بالمسلم نفسه، فكثيرًا ما تقتضي مصلحة أحد المسلمين أن يرحل عن ديار الإسلام إلى غيرها، إما طلبًا للعمل، أو للعلم، أو العلاج، وغير ذلك، فيريد أن يوثق إقامته في تلك الديار، ويعمق مصلحته بها فيطلب التجنس. أو قد تُجْبِرُهُ الظروف الصعبة إلى أن يحتميَ بدار من دور الكفر، ويلتجئَ إليها هربًا من ظلم أو اضطهاد، وتستلزم إقامته في تلك الديار أن يكون حاملًا لجنسيتها التي تجسد انتماءه إلى تلك الوحدة الاجتماعية التي تمثلها تلك الدولة على حد قولهم. أو قد يكون الفرد المسلم في دولة كافرة ينتسب إليها وإن لم يكن من أهلها بالأصالة، بمعنى: أن يكون قد ولد ونشأ فيها هو وأجداده منذ عقود عدة. أو قد يكون ممن أسلموا من أهلها المخالفين في أصل الدين. وعليه، فيتجه تقسيم التجنس إلى قسمين: تجنسٌّ اضطراريٌّ، وآخرُ اختياريٌّ. الأقوال وقائلوها: التجنس بجنسية الدول غير المسلمة مسألة حادثة، وقد اختلف فيها فقهاء العصر على أربعة أقوال: القول الأول: قول أكثر الفقهاء المعاصرين، وهو المنع. وممن قال به الشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ علي محفوظ، والشيخ محمد عبد الباقي الزرقاني، والشيخ إدريس الشريف محفوظ -مفتي لبنان- والشيخ يوسف

стр. 1089

الدجوي، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والعلامة عبد الحميد بن باديس، والعلامة البشير الإبراهيمي، وكل أعضاء جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ محمد السبيل، والدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، والدكتور البوطي، وآخرون يطول سردهم (١). القول الثاني: قول بعض فقهاء العصر، وهو الجواز، وممن قال به: الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور وهبة الزحيلي، والشيخ الشاذلي النيفر، والشيخ فيصل مولوي، وغيرهم؛ بشرط المحافظة على الدين، والتمسك به، وعدم الذوبان في المجتمع الكافر (٢). القول الثالث: جواز التجنس عند الضرورة، كما لو كان مضطهدًا في دينه ببلده المسلم، ولم يقبله أحد سوى الحكومة الكافرة. وهو رأي بعض أعضاء مجمع الفقه الإسلامي، وهم الحاج عبد الرحيم باه، والشيخ محمد بن عبد اللطيف آل سعد، والشيخ محمد المختار السلامي مفتي تونس، وغيرهم (٣).

стр. 1090

القول الرابع: التفصيل في المسألة؛ فالناس في طلب الجنسية على ثلاثة أقسام: الأول: التجنس بجنسية الدولة الكافرة من غير مسوغ شرعي، بل تفضيلًا للدولة الكافرة وإعجابًا بها وبشعبها وحكمها، وهذه ردة عن الإسلام عياذًا بالله. الثاني: التجنس للأقليات المسلمة التي هي من أصل سكان تلك البلاد؛ فهو مشروع، وعليهم نشر الإسلام في بلادهم، وتبييت النية للهجرة، لو قامت دولة الإسلام، واحتاجت إليهم. الثالث: تجنس الأقليات المسلمة التي لم تكن من أهل البلد وأقامت به، ويعتريه الحالات التالية: أ - أن يترك المسلم بلده بسبب الاضطرار والاضطهاد، ويلجأ لهذه الدولة، فهو جائز بشرط الاضطرار الحقيقي للجوء، وأن يتحقق الأمن للمسلم وأهله في بلاد الكفر، وأن يستطيع إقامة دينه هناك، وأن ينوي الرجوع لبلاد الإسلام متى تيسر ذلك، وأن ينكر المنكر ولو بقلبه، مع عدم الذوبان في مجتمعات الكفر. ب - أن يترك المسلم بلده قاصدًا بلاد الكفر لأجل القوت؛ فلو بقي في بلاده لهلك هو وأهله، فله أن يتجنس إذا لم يستطع البقاء بغير جنسيته. جـ - التجنس لمصلحة الإسلام والمسلمين ونشر الدعوة، وهو جائز. د - التجنس لمجرد أغراض دنيوية بلا ضرورة، ولا مصلحة للإسلام وأهله، وهو محرم، وليس بردَّةٍ أو كفر (١).

стр. 1091

الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بالمنع على مذهبهم بالقرآن، والسنة، ومقاصد الشريعة، والمعقول: أولًا: القرآن الكريم: ١ - قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٣ - ٢٤]. وجه الدلالة: في هاتين الآيتين النهي عن اتخاذ ذوي القربى أولياءَ إن كانوا كفارًا، فكيف باتخاذ الأباعد أولياءَ وأصحابًا، وإظهار الموافقة لما هم عليهم والرضا به؟! وعليه فإن الحصول على الجنسية وسيلة إلى موالاة الكفار، وموافقتهم على دينهم الباطل، وهو محرم (١). ٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]. ٤ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ

стр. 1092

أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤]. وجه الدلالة: قال القرطبي: "ومن يتولهم منكم، أي: يعضدهم على المسلمين، فإنه منهم، بين الله تعالى أن حكمه كحكمهم؛ لأنه قد خالف الله ورسوله، كما خالفوا، ووجبت معاداته، كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار، كما وجبت لهم، فصار منهم، أي: من أصحابهم" (١). وكما هو معروف أن الذي تجنس بجنسية الدولة غير الإسلامية يجب عليه أن يغير تبعية الدولة الإسلامية إلى دولة غير إسلامية، وهي من أهم صفات الولاء، وولاء الكفار كفر في الإسلام إذا كان رضاء بهم؛ ولذلك استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن التجنس بلا ضرورة، قصدًا لتفضيل تلك الجنسية على الجنسية الإسلامية كفر وردة (٢). ٥ - قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. قال الشوكاني ﵀: "وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر منه الجلود، وترجف له الأفئدة، فإنه سبحانه أقسم أولًا بنفسه مؤكدًا لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله، حتى تحصل لهم غاية، هي تحكيم رسول الله ﷺ ، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، فضم إلى التحكيم أمرًا آخر هو عدم وجود حرج، أي حرج في صدورهم" (٣).

стр. 1093

وقال الشيخ رشيد رضا ﵀: "إذ لا يقبل اجتماع الإيمان الصحيح برسالة الرسول مع إيثار غيره على الحكم الذي جاء به عن الله تعالى، ولا مع كراهة حكمه والامتعاض منه، ولا مع رده وعدم التسليم له بالفعل" (١). فالآية تنفي الإيمان عن الذين لم يحكموا الرسول، أي: شرع الله فيما بينهم، ولم يرضوا بحكمه، ولم يسلموا له، والذي يتقبل جنسيةً أجنبيةً اختيارًا منه يقبل ويرضى ويفضل على شريعةِ الله شريعةَ غيره من البشر، فلا يكون مؤمنًا بالله ورسوله، ومن ثم فإن من يقبل التجنس بجنسية غر المسلمين ينطبق عليه حكم الآية. كما أن التجنس بجنسية بلاد تُحِلُّ قوانينها الحرام المجمع عليه، وتُحَرِّمُ الحلال المجمع عليه وتبدل الشرع المجمع عليه يتضمن إقرارهم على تحليل الحرام، وتحريم الحلال، وإنكار ما علم من الدين بالضرورة، قال تعالى -في حق من استحل النسيء-: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٣٧]. وفي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]. وبيَّنَ النبي ﷺ لعدي بن حاتم عبادَتَهُمْ لهم بقوله: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟ " قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم". ٦ - وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. وجه الدلالة: قال القرطبي ﵀: "وفي هذه الآية دليل على وجوب هجران الأرض التي

стр. 1094

يُعْمَلُ فيها بالمعاصي، وقال سعيد بن جبير: إذا عُمِلَ بالمعاصي في أرض فاخرج منها" (١). وقال الشوكاني ﵀: "وقد اسْتُدِلَّ بهذه الآية على أن الهجرة واجبة على كل من كان بدار الشرك، أو بدار يُعْمَلُ فيها بمعاصي الله جهارًا إذا كان قادرًا على الهجرة، ولم يكن من المستضعفين؛ لما في هذه الآية الكريمة من العموم، وإن كان السبب خاصًّا، كما تقدم، وظاهرُهَا عدمُ الفرق بين مكان ومكان وزمان وزمان" (٢). وقال الآلوسي ﵀ (٣): " ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بترك الهجرة، واختيار مجاورة الكفار الموجبة للإخلال بأمور الدين، أو بنفاقهم وتقاعدهم عن نصرة رسول الله ﷺ وإعانتهم الكفرة" (٤). وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن استطاع ذلك، ووعيدًا شديدًا للذين يتركون الهجرة، ويقبلون أن يعيشوا مستضعفين أذلاء. فإذا كانت الآية تمنع من الإقامة في دار الكفر على هذا النمط، وتتوعد بوعيدٍ شديدٍ الذين يقبلونه، فالنهي عن الانتقال من دار الإسلام إلى دار الكفر والبقاء هناك من باب أولى؛ لأن الإقامة الدائمة في البلد المعطي الجنسيةَ هي أهم آثار الجنسية. ٧ - وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ

стр. 1095

يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩ - ١٤٠]. ٨ - وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨٠ - ٨١]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] وجه الدلالة: الآيات تدلُّ على حرمة اتخاذ الكافرين أولياءَ، والجنسية موالاة، وتتضمن ركونًا إليهم، ورضًا بما هم عليه من الكفر، ودخولًا في طاعتهم. وفي هذا المعنى آيات كثيرة. ثانيًا: السنة المطهرة: ١ - عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن جامع المشرك وسَكَن معه فإنَّه مثله" (١). ٢ - وقوله ﷺ : "أنا بريء مِن كل مسلمٍ يقيمُ بين أظْهُر المشركين" قالوا: يا رسول الله، ولم؟ قال: "لا تراءَى نَارَاهُما" (٢). ٣ - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقبل الله

стр. 1096

من مشرك بعد ما أسلم عملًا، أو يفارق المشركين إلى المسلمين " (١). ٤ - وعن جرير ﵁ قال: "بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فراق المشرك" (٢). ٥ - وعن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا بعث أميرًا على سريةٍ أو جيشٍ أوصاه بأمور، فذكرها ومنها: "ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين" (٣). وجه الدلالة: قد استفاضت النصوص الشرعية السابقة في التحذير من موالاة الكافرين، ومحبتهم ومودتهم والرضا عنهم، وعن منكراتهم، وأوضحت أن ذلك مناقض لأصل الإسلام، وهادم لعقيدة الولاء والبراء، والحب والبغض في الله، التي لا يصح إسلام عبدٍ إلا بها. ولما كان التجنس يلزم منه -لا محالة- ولاءُ المرء للدولة التي يحمل جنسيتها وخضوعه لنظامها وقوانينها، ويصير المتجنس واحدًا من المواطنين له ما لهم وعليه ما عليهم، وتجري عليه أحكام ملتهم في الأحوال الشخصية والمواريث، وعدم تدخله في شئون أولاده، إذا بلغوا السن القانونية عندهم، سواء الذكور والإناث، لما كان الأمر كذلك كان طلب التجنس بجنسية الدول الكافرة من غير إكراه عليها؛ بل طلبًا من المتجنس أو موافقة على قبولها صورةً من صور الردة عن الإسلام عياذًا بالله العظيم، وخروجًا عن سبيل المؤمنين، ودخولًا في معية الكافرين الذين حذرنا الله تعالى منهم، ومن اتباع سبيلهم، والمقام بين أظهرهم،

стр. 1097

وموالاتهم والركون إليهم، كما أشارت النصوص السابقة. وفي الأحاديث دليل ظاهر على تحريم مُسَاكَنَةِ الكفار، ووجوب مفارقتهم (١)؛ حيث تبرأ الرسول ﷺ من الذين يقيمون بين أظهر المشركين، فكيف يكون حال الذين يفارقون دار الإسلام وُيضحون بكل غالٍ ونفيسٍ من أجل أن يحصلوا على جنسية الدولة غير الإسلامية، لا شكَّ أن ذلك أخطرُ وأخوفُ. ومن هذه الأدلة يتضح أن حكم التجنس حرام في جميع الأحوال والظروف، وذلك الفعل يُعَرِّضُ صاحبَهُ إلى غضب الله ورسوله ﷺ ، وهو معصية كبيرة تمسُّ الدين والإيمان، ويدفع الإنسان إلى خسارة الدنيا والآخرة (٢). ثم إن هذا التجنس قد يكون كفرًا وردة إذا كان حبًّا في التشبه بأهل الكفر، وإيثارًا للحكم الأجنبي على الحكم الإسلامي (٣). ثالثًا: المقاصد الشرعية، والمعقول: التجنس يترتب عليه واجبات ملزمة على رأسها: المشاركة في جيش الدولة المانحة للجنسية والدفاع عنها، ولو كانت حربها ضد المسلمين، وهذا من أعظم الموالاة للمشركين، والنصوص المذكورة آنفًا طافحة بتكفير مَنْ فعل هذا، وقد سمى الله من أظهر الموالاة للمشركين -كذبًا وخوفًا من الدوائر- منافقًا، كما في قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر: ١١]، فكيف بمن أظهر ذلك لهم صادقًا، ودخل في طاعتهم

стр. 1098

وانتسب إليها جهرًا؟! (١). وكيفَ يجوز لمسلم أن ينتظم في جيش يحارب المسلمينَ، وهو يعلم أن ذلك يترتب عليه أن يقتل أخاه المسلم بيده؟ لقد بَيَّنَ الله في كتابه أن المؤمنين أشداء على الكفار رحماء بينهم، وأنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين؛ فكيف تنقلب الصورة بجعْلِ سيفِ المسلم مسلولًا على أخيه المسلم، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح، فليس منا" (٢). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لَزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتل رجل مسلم" (٣). إن للتجنس آثارًا غايةً في السوء على النشءِ والذرية من انحلال وتسيب، وانطماس للهوية، وانتكاس للفطر، ونبذ لأحكام الدين، وإعراض عنه، وموالاة للمشركين، ومعاداة للمؤمنين؛ إذ قد نُشِّؤوا لا يعرفون إلا الكفر، ورضعوا من لبانه، وخالطت مناهجُه لحومَهم ودماءَهم فتنجست بنجاسة الشرك -عياذًا بالله العظيم- ولا يُنازعُ في كون هذا واقعَ المتجنسين، أو أغلبهم إلا مكابِرٌ تسقط مكالمته. يقول الونشريسي: "فالواجب على كل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر السعي في حفظ رأس الإيمان بالبعد والفرار عن مُسَاكَنَةِ أعداء حبيب الرحمن. . .؛ لأن مُسَاكَنَةَ الكفار من غير أهل الذمة والصَّغَارِ لا تجوز، ولا تباح ساعةً من نهار؛ لما تنتجه من الأدناس والأوضار، والمفاسد الدينية والدنيوية طولَ الأعمار" (٤).

стр. 1099

إن التجنس إقامةٌ ببلاد الكفر وزيادة، والأدلة واضحة في تحريم المقام بدار الكفر مع عدم استطاعة إظهار شعائر الدين، يقول ابن رشد: "فإذا وجب -بالكتاب والسنة وإجماع الأمة -على من أسلم ببلاد الحرب أن يُهَاجِرَ ويلحق بدار المسلمين. . . فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلاد حيث تجري عليه أحكامهم" (١). قالوا: ولا عذر لهؤلاء المتجنسين؛ لأنهم ليسوا بِمُكْرَهِينَ حتى نقول ما قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]؛ بل هم مختارون راضون، وليس ما ينتظرونه وراءَ التجنس من حطام الدنيا، وحظوظ العاجلة بمسوغ لهذا التجنس، بل يجب أن يفر المرء بدينه متى استطاع، وإن ذهبت دنياه، اقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. وقد أوجب الله الهجرة من دار الكفر إن خاف المسلم على نفسه الفتنة، وتَوَعَّدَ الله سبحانه أولئك الذين يَبْقَونَ في أوطانهم بين الفتنة وهم قادرون على الهجرة، فقال جلَّ مِنْ قائلٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. وتَوَعَّدَسبحانه مَنْ يعبدُهُ على حرف، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١].

стр. 1100

وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ. [العنكبوت: ١٠]. أدلة القول الثاني: استدل القائلون بالجواز -بشرط المحافظة على الدين والتمسك به، وعدم الذوبان في المجتمع الكافر- بأدلة من المقاصد الشرعية، والقواعد الكلية، والمعقول: أولًا: الأدلة من المقاصد والمعقول: ١ - قالوا بأننا نرجح مع الجمهور الرأي القائل بجواز الإقامة ببلاد غير المسلمين، وأدلتهم راجحة على أدلة مخالفيهم، ثم إن الجواز هناك مقيد بما إذا استطاع المرء إقامة دينه، وأَمِنَ الفتنة على نفسه ومن يعول. والتجنس لا يزيد على الإقامة إلا بمجرد الانتساب إلى الدولة، وهو في الوقت ذاته يكسب المتجنس قوةً وتمكنًا في المجتمع، ويجعل الإقامةَ مدعومةً بما يدفع الفتنة، ويمكن المسلم من إظهار دينه؛ الأمر الذي يترتب عليه تأكيد شرعية الإقامة (١). وعليه، فإنه يمكن تخريج هذه المسألة على قول من أباح الإقامة ببلاد غير المسلمين. قال الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي: ما دمنا قد قلنا بجواز الإقامة في دار الكفر، فإنه يتفرع عنه جواز التجنس؛ لأنه ما هو إلا لتنظيم العلاقة؛ فهي تسهل لهم الأمور، وتسهل أيضًا الاستفادة من خدماتهم (٢). ٢ - الشريعة الإسلامية إنما جاءت لحفظ الكليات الخمس: الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وكل ما كان سبيلًا لحفظ هذه الضروريات فهو مشروع، والتجنس بجنسيات هذه الدول يوفر للإنسان حياة كريمة وطمأنينة وأمنًا وتمتعًا

стр. 1101

بحقوق وحريات تنعدم غالبًا في الدول الإسلامية في واقعنا المعاصر، بل إنها تيسر له التعبد والدعوة ونشر العلم بما لا نظير له في الدول الإسلامية؛ لأن دول الغرب قائمة على العلمانية، وعلى الليبرالية المطلقة، وعلى الحريات العامة التي تقوم الشعوب على حراستها والاستمساك بها، ولا تستطيع الأنظمة المساس بهذه الحريات العامة؛ ومن ثم يكون التجنس في ظل هذه الأوضاع محقِّقًا لكثير من المصالح الإسلامية، فإذا كان التجنس وسيلة لتحقيق هذه المصالح المشروعة فهو إذًا مشروع. ومن حرَّم التجنس من أهل العلم إنما حرَّمه خوفًا من الذوبان في الشخصية الغربية، أما إذا كانت الجنسية تعطي المتجنسَ قوةً وصلابة وقدرة على المطالبة بالحقوق وإبداء رأيه، والتصويت في الانتخابات لمن يخدم قضيته دون أن يتنازل عن دينه، ويعايش من حوله بالمعروف، ويحسن معاملتهم، كما قال جل وعلا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. فإذا صار الوضع كذلك فلا مانع من التجنس؛ لوجود المصلحة المتحققة التي تربو بكثير على المفسدة المتوقعة (١). ويقول د. القرضاوي: "المسلم الذي يحتاج للسفر إلى بلاد غير إسلامية تعطيه الجنسيةُ قوةً ومنعةً، فلا يحقُّ للسلطات طرده، ويكون له الحق في الانتخاب، مما يعطي قوةً للمسلمين في هذه البلاد، حيث يخطبُ المرشحون وُدَّهم؛ ولذا فحملُ الجنسية ليس في ذاته شرًّا ولا خيرًا، وإنما يأخذ الحكم حسب ما يترتب على أخذ هذه الجنسية من النفع للمسلمين، أو الإضرار بهم، مثل أخذ الفلسطينيين خاصة الجنسيةَ الإسرائيليةَ،

стр. 1102

فإن هذا يعد اعترافًا ضمنيًّا بدولة إسرائيل، ولكن أخذ الجنسية من دول الغرب بغرض تقوية شوكة المسلمين هناك، فلا حرمة في هذا" (١). ٣ - بعد التسليم بوجود بعض المفاسد، إلا أنه ينبغي أن يُسَلَّمَ بأن المصالح المترتبة أعظمُ وأهم، ومعلومٌ أنه يُرْتَكَبُ أخفُّ الضررين، ويُدْفَعُ الضررُ الأشدُّ بالضررِ الأخفِّ، ويُتَحَمَّلُ الضررُ الأخفُّ لجلب مصلحةٍ تفويتُهَا أشدُّ. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإنها تُرَجِّحُ خيرَ الخيرين، وتَدْفَعُ شرَّ الشرين، وتُحَصِّلُ أعظمَ المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفعُ أعظمَ المفسدتين باحتمال أدناهما" (٢). وقد جاء في جواب أسئلة المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن: "ولو تجنس مسلم بهذه الجنسية لدعوة أهلها إلى الإسلام، أو تبليغ الأحكام الشرعية إلى المسلمين المقيمين بها، فإنه يثاب على ذلك، فضلًا عن كونه جائزًا" (٣). ٤ - في أمر المسلمين هناك بالخروج من تلك البلاد، وترك جنسياتها إضعاف للإسلام هناك؛ بحيث لا ترجى له رجعة، كما حدث في الأندلس وصقلية؛ إذ أُخرج منها المسلمون وحلَّ النصارى محلهم، أما أن يثبت وضع المسلمين هناك ويقوى، فهو السبيل لدعوتهم ونشر الدين بينهم، وتحقيق مقاصد فقه الأقليات المسلمة. ٥ - أنه أحيانًا يضطر المسلم إلى التجنس بجنسية تلك الدول محافظةً على حياته، كأن يكون فارًّا من بلده الأصلي، أو لم يُمْنَحْ جنسية دولة إسلامية تحميه وتمكنه من

стр. 1103

العيش فيها كاللاجئين الفلسطينيين، وقد لا يُسْمَحُ له بالمقام في بلاد الكفر إلا بالتجنس، وكذا لو انعدم مصدر قُوتِهِ وقوتِ عياله في بلاد المسلمين، والقاعدة الفقهية الكلية: أن الضرر يُزال، وأن الضرورات تبيح المحظورات. ولا شك أن كل من يُحًرِّمُ الحصولَ على الجنسية يبيح ذلك لدى الاضطرار. "نخرج من هذا إلى أن التجنس بجنسية دولة غير مسلمة جائز، بشرط ألا يترتب عليه ذوبان وفقدان الشخصية الإسلامية، وضياع الدين، وألا يترتب عليه -أيضًا- فعل أو قول محرم، فإن ترتب عليه شيء من ذلك فيحرم، وكل إنسان على نفسه حجة بينة شاهدة بما يصدر عنه من الأعمال يوم القيامة" (١). ١ - أدلة القول الثالث: استدلَّ القائلون بالجواز عند الضرورة فقط، بما استدل به المانعون في القول الأول، فأدلتهم أدلة للفريق الثالث، إلا أنهم استثنوا الضرورات، وما في حكمها من الحاجات، بالأدلة التي يُسْتَنَدُ إليها عند إباحة المحرمات لدى الاضطرار. بحيث يدخل في هذا من كان مضطرًا إلى ذلك بأصل وجوده ونشأته في تلك البلاد، ومن كان مضطهدًا في بلده، كأن تكون صادرة ضده أحكام ظالمة، أو لا جنسية له، ونحو ذلك. وقد أفتى الشيخ علي الطنطاوي عندما سئل عن ذلك، فقال: "لا يجوز لمسلم أن يتجنس بجنسية دولة كافرة؛ لأن ذلك يوجب عليه الالتزام بقوانينها وأوامرها، إلا إذا اضطر إلى ذلك اضطرارًا، ولم يقل أو يعمل ما يخالف الشرع" (٢). ٢ - أدلة القول الرابع: استدلوا فيما أباحوه من صور التجنس بأدلة المجوزين للضرورة والحاجة، وفيما حرَّموا بأدلة المانعين.

стр. 1104

مناقشة الأدلة: أولًا: مناقشة أدلة القائلين بالمنع: ١ - أما استدلالكم بالنصوص القطعية المحرِّمةِ للموالاة والتحاكم لغير الله ورسوله فمسلَّمٌ ولا نزاعَ فيه بين أهل الإسلام، وكلامنا في تجنس لا يَلْزَمُ منه حبُّهم ولا نصرتهم، ولا رضا القلب بمنكراتهم، أو مشاركتهم فيها، والمتجنِّس مأمور بأن يكون ولاؤه لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن يُظهرَ دينَهُ ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأن يتحاكمَ لشريعة الله، ويمكن أن يوصي بذلك في ميراثه إذا مات، على أن أكثر الدول الإسلامية لا تُحَكِّمُ شريعةَ الله، وفيها من الربا والظلم ما لا يخفى، كما أن كثيرًا ممن يقيم بالبلاد الإسلامية لهم ولاءاتهم للغربيين عقلًا وروحًا، فما الفرق إذن؟! وأجيب: بأن مجرد التجنس هو إعلان من المرء بخضوعه لأحكام الكفر وقبوله الولاء للكفر وأهله، سواء خضع بالفعل أو لا، فالجنسية "تعبير صريح قاطع عن ولائه للدولة التي يحمل جنسيتها وعن خضوعه لنظامها" (١). ثم إنه لن يَسْلَمَ من الوقوع في الحرام أو المشاركة فيه؛ لأن صبغة المجتمع هكذا بخلاف دول المسلمين؛ فيمكن للمرء أن يجد مندوحةً وأن يتعامل معاملات شرعية مع إخوانه المسلمين؛ إذ لا تجبره قوانين بلاده على الربا في الغالب، وسيجد من يعينه على ذلك. وعليه، فإن استقراء واقع المتجنسين يدل على غلبة المفسدة على المصلحة في هذا الشأن. وأن التجنس في هذه البلاد يُعْتَبَرُ بدايةً راجحة للانفصال التدريجي عن جماعة المسلمين بكل ما تعنيه هذه الكلمة، ولا سيما بالنسبة للجيل القادم من الأبناء الذين

стр. 1105

ينشأون في محاضن هذه المجتمعات، ومشاربها العلمانية الجامحة، فيرتدُّ في الأعمِّ الأغلبِ عن الإسلام. وقد نوقش هذا: بأن ما طرأ على العمل الإسلامي ومؤسساته في الغرب من تطور ورسوخ ينهض دليلًا على نقيض ذلك، وإيًّا كان الأمر ففي الحالة التي يغلب على الظن فيها أن تؤول الأمور إلى ذلك، فهذه التي يُسْتَصْحَبُ فيها بعينها أصلُ المنع، ولكنه لا ينسحب بالضرورة على جميع الحالات (١). ٢ - وأما القول بأن التجنس يؤدي إلى إنكار ما عُلم من الدين بالضرورة وهو كفر؛ فلا يَلْزَمُ من التجنس هذا اللازمُ؛ بل لو تلبَّسَ المتجنِّس ببعض المحرمات؛ فلا يلزم منه استحلالُهَا بقلبه، وأهل السنة مجمعون على عدم تكفير المسلم بذنب ما لم يستحلَّهُ. وأجيبَ: بأن النصوص اعتبَرت من رضي بالتحاكم إلى قوانين الكفر كافرًا؛ لأنه لا يُعْقَلُ أن يتحاكم إليها طوعًا مع اعتقاده أحكامَ الإسلام؛ بل هو عين التناقض، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]. ونوقش بأن: كثيرًا ممن تجنسوا بجنسية هذه البلاد بَقَوا على وفائهم لدينهم وأمتهم، وقد استفادوا من هذا التجنس قوةً وظَّفوها في الدعوة إلى الله تعالى، وإقامة المؤسسات

стр. 1106

والمراكز التي تُوَطِّنُ الدعوةَ وتجعلُهَا قارَّةً بدلًا من كونها مارَّةً أو مهاجرة، وتوطِّئُ لها مهادًا، وتُرْكِزُ لها لواءً في هذه المجتمعات، وعلى أيدي هؤلاء دخل كثير من الناس في دين الله. وأجيبَ: بأن هذا يتأتى للمقيم إقامةً طويلةً أو دائمةً من غير احتياج إلى مفسدة الدخول في عقد الجنسية باشتراطاته وإلزاماته. ٣ - وأمَّا القول بأن التجنس يُؤَثِّرُ على الذرية فَمُحْتَمَلٌ، والاحتمالُ يُسْقِطُ الاستدلالَ، ونحن نرى كثيرًا من أبناء الجاليات المسلمة متمسكًا بدينه وقيمه خاصَّةً في ظل التربية الإسلامية. وأجيبَ: بأن هذه مكابرةٌ وتعسفٌ، والذي اعتبروه احتمالًا هو الواقع إلا في قليل من الناس؛ فأغلب الأُسَرِ المسلمة تشكو انحلالَ الأخلاقِ والتفلُّتَ من الدِّينِ؛ بل منهم من يرتدُّ أولادُهُ أو تأخذُهُمْ أمهاتهم قَسْرًا بحكم قوانين تلك البلاد، وينسبونهم إلى الكفر، ولا يستطيعُ الوالد أن يُحَرِّكَ ساكنًا، وكذا لا يستطيع أن يربيَ أولادَهُ أو يأطرَهُمْ على الحق لو أَبَوا عليه، حتى لو وصل الأمر إلى الزنا وشرب الخمر -عياذًا بالله- فليس لولي البنت أو الابن أن يمنع ذلك، فضلًا عن أن يُعَاقِبَ عليه، بل لو فعل لعُوقِبَ وأُجْبِرَ على تأمين مكان مستقلٍّ لبناته وأبنائه للزنا والفجور -عياذًا بالله- فهل هناك أعظم من هذا فسادًا وانحلالًا؟! ٤ - وأما محذور المشاركة في جيوش الدول الكافرة. فأجيب عنه: بأنَّ الخدمة في جيوشِ كثيرٍ من تلك الدول اختياريةٌ، ولو فُرِضَ أن المسلم أُكْرِهَ على ذلك فهو مأمورٌ بأنْ يَفِرَّ أو يمتنعَ، ولو أُزْهِقَتْ روحُهُ. وأجيب:

стр. 1107

بأنه كان في مندوحة عن هذا البلاءِ، فلماذا يرمي نفسَهُ في غمارِهِ، ولماذا يذلُّ نفسَهُ؟ وقد تقدَّمَ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، فلم يعذر هؤلاء الذين بَقَوا في مكة مستضعفينَ، وأُكْرِهُوا على مقاتلة إخوانهم المسلمين يومَ بدرٍ، فكيف بِمَنْ قَبِلَ بمحض إرادته الانضواءَ تحت لواء أعداء الله؟! ولا يصح أن يقال: إن التعهد الذي يبذله المتجنس لا يعدو أن يكون إجراءً شكليًّا، فهو موضعُ نظرٍ، بل غلطٌ لا محالةَ؛ لأنه عهد وميثاق، والقوم يعنون ما يفعلون، ولو علموا أن طالب التجنس يخادعهم، ويبيت عدم الالتزام بنظمهم لما قبلوا منحه الجنسية بحال من الأحوال، ومن ناحية أخرى فإن المواثيق والعهود في الإسلام لا يجوز فيها المعارِيض فضلًا عن الكذب، واليمين على ما استحلفك عليه صاحبُكَ، ولا سيما أنه ليس في الأمر إكراهٌ ولا شبهةُ إكراهٍ. ثانيًا: مناقشة أدلة القائلين بالجواز: ناقش المانعون أدلةَ القائلين بالجواز على النحو التالي: ١ - الاستدلال بحفظ الشريعة للكليات الخمس، وبأن التجنس وسيلة لذلك استدلالٌ في غير موضعه؛ لأن حفظ الشريعة للكليات الخمس يكون بطرق مشروعة، لا بفعل المحرمات وترك الواجبات، ثم إن مصلحة حفظ الدين مقدَّمة على كل مصلحة سواها، والتجنس هادم للدين وحالِقٌ للديانة؛ فأين هي المصلحة، وأين هو حفظ الكليات؟! ٢ - وأما التسوية بين التجنس والإقامة، فلا يسلَّم أصلًا جواز الإقامة مع المحاذير المذكورة، والتي لا انفكاك عنها إلا بالمكابرة، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]. ولو سلم جوازُ الإقامة فالتجنس محظور؛ لأنه مختلِفٌ عنها؛ إذ يلزم منه التزامات

стр. 1108

وحقوق على المتجنِّس، كما سبق، ولا كذلك المقيم، ولو طالت إقامته. ٣ - وأما الاستدلال بجلب المصالح، ودرء المفاسد؛ فإن مصلحة الرخاء والدعة ليست مقدَّمةً على مصلحة الحفاظ على الدين، أَفَتُجْعَلُ فتنةُ الناس كعذاب الله؟ أَفَتُسَاوَى هذه المصالحُ بالوالاة والتحاكم لغير الله، وإهلاك الذُّرية؟ ولو سلم الأمر من ذلك مع تحصيل تلك المصالح؛ فالضرورة تُقَدَّرُ بقدرها، والضرورة مندفعةٌ بالإقامة، ولا حاجةَ للتجنس الذي تَلْزَمُ به هذه المحنُ والبلايا. ٤ - أما الاستدلال بالضرورة، وكذلك أصحاب القول الثالث؛ فلا بُدَّ أولًا من تَحَقُّقِ الضرورةِ المعتَبرَةِ شرعًا، لا المتوهمةِ ولا الحاجيةِ ولا التحسينيةِ، كرغد العيش والرفاهية، وهو حال كثير من المتجنسين الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة. ولو فُرِضَ تَحَقُّقُ الضرورةِ بشروطها المعتَبَرَةِ فلا بُدَّ أن تُقَدَّرَ بقدرها، وأَلَّا تُزَالَ بضررٍ مثلها، أو أشدَّ، وللإنسان حِيَلٌ كثيرةٌ ليتخلص من ضرورته، دون اللجوء للتجنس، فإن زالت الضرورة بما دون التجنس من أنواع الإقامةِ الممتدَّةِ لم يَبْقَ هنا للتجنس مُسَوِّغٌ. الترجيح: لا شك أن نازلة كهذه لا يصلح فيها إطلاقاتٌ، أو تعميماتٌ، كما في قول المانعين المحرمين مطلقًا، أو قول المبيحين مطلقًا. والإباحة عند الاضطرار والاحتياج من غير وقوع في المنكرات الكبار أليقُ بهذا المقام. ولو قيل: إن الأصلَ المنعُ من التجنس، ويباح عند الحاجة الماسة التي تَتَنَزَّلُ منزلةَ الضرورة لكان هذا إنصافًا. ويعيب القولَ الأولَ إشكالاتٌ في الطرح، أخطرُها: التعميمُ، والتشددُ في النظر إلى اللوازم، والاعتقادُ بدوامها أبدًا، وعدمُ التفريق بين واقع يَتَنَزَّلُ عليه الدليلُ بلا تأويلٍ، وواقعٍ آخرَ قد يقضي النظرُ بدخوله تحت دليلٍ آخرَ يجعلُ الحكمَ مختلفًا.

стр. 1109

وعلى سبيل المثال: هناك بعض الحالات التاريخية اعْتُبِرَ فيها الحصول على الجنسية بمثابة مغادرة الإسلام، والارتباط بالأجنبي المحتل، كما حدث في تونس والجزائر، حيث كانت الحكومة الفرنسية المستعمِرة تشجع المسلمين هناك على الحصول على الجنسية الفرنسية؛ لأسباب سياسية وقانونية من خلال ضمِّ تلك البلدان إلى الدولة الفرنسية، باعتبارهم مواطنين فرنسيين. وكانت السلطات الفرنسية تُجَنِّدُ اليهودَ الجزائريين لتكثيرِ عدد الفرنسيين، وللاعتماد عليهم في إدارة البلاد، والهيمنة على تجارتها. ولما كانت حركة الجهاد الإسلامي موجهةً ضد الاحتلال الأجنبي ومن يتعاون معه، جرى اعتبارُ مَنْ يتجنس بالجنسية الفرنسية ملتحقًا بخدمة الكفار، ومرتدًّا عن الدين الإسلامي. وفي هذه الأثناء سأل بعضُ التونسيين علماءَ الأزهر حولَ: "تجنس رجل مسلم بجنسية أُمَّةٍ غيرِ مسلمة اختيارًا منه، والتزم أن تجري عليه قوانينها بَدَلَ أحكام الشريعة الغراء" فأجاب الشيخ يوسف الدجوي -من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف- بما يلي: "إن التجنس بالجنسية الفرنسية والتزام ما عليه الفرنسيون في كل شيء حتى الأنكحة والمواريث والطلاق ومحاربة المسلمين والانضمام إلى صفوفهم معناه: الانسلاخُ من جميع شراع الإسلام، ومبايعةُ أعدائه. . . وأمَّا حليف الفرنسيين الخارج من صفوف المسمين طوعًا واختيارًا مستبدِلًا لشريعةٍ بشريعةٍ، وأُمَّةٍ بأُمَّةٍ، مقدِّمًا ذلك على اتباع الرسول بلا قاسرٍ ولا ضرورةٍ، فلا بُدَّ أن يكون في اعتقاده خللٌ، وفي إيمانه دَخَلٌ. . . فلسنا نشك في أن هؤلاء المتجنسين بالجنسية الفرنسية على أبواب الكفر، وقد سلكوا أقرب طريق إليه" (١). فهل يصح أن نسحب حكم هذه الصورة على جميع الصور التي تختلف معها

стр. 1110

اختلافًا يستدعي تَغَيُّرَ الحكم لِتَغَيُّر الواقعِ الذي يَتَنَزَّلُ عليه؟ إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وإن اختلاف الصور الواقعية يتطلبُ اختلافَ الأحكام الشرعية. والتزامُ حكمٍ واحد لا يتغيَّرُ مهما تَغَيَّرَ الواقع جمودٌ يأباه الفقه السليم، وتعطيلُ الأحكام الشرعية يرفضُهُ الفهمُ القويم. وعليه، فليس من السائغ إطلاقُ القول بالرِّدَّةِ على هذا العمل، وقد سبق القولُ بضرورة التفريقِ في هذا البابِ بين الحكم الأصلي للتجنس في صورته المطلقة المعتادة، وبين حكمه في ضوء ما احْتَفَّ به من قرائنَ وملابساتٍ في واقع الجاليات الإسلامية المقيمة خارج بلاد الإسلام، فإذا تجرَّدَ التجنسُ عن هذا المضمون السابق، وأصبح لا يعدو لدى المتجنسِ أن يكون وسيلةً لترتيب شئونهِ، وتوطينِ وجودِهِ ودفعتْ إليه ضروراتٌ ملجِئَةٌ، أو حاجات ماسَّة، مع بقاءِ صاحبِهِ حفيظًا على ولائه وبرائه، مقيمًا على عهده مع الله ورسوله، فإنه يصبح من موارد الاجتهاد، ولا يبعد القول بمشروعيته في هذا الإطار، فإن القبول التامَّ لشرائع الكافرين، والرضا بها ظاهرًا وباطنًا هو المقصود عند الحديث عن الإيمان والكفر في هذا الباب، أما مجرد الخضوع أو القبول الظاهري لهذه الشرائع تحقيقًا لمصلحة من المصالح، أو إمضاءً لأمر من الأمور، مع بقاء القلب على اطمئنانه بالإيمان، والتزامه بشرائع المسلمين فهو متعلِّقٌ بالفروع. ويتردد أمرُهُ بين الحِلِّ والحرمة أو الكراهة بحسب الأحوال، ولكنه لا يبلغ مبلغَ الكفر في الأعمِّ الأغلبِ، وفي دساتيرِ القومِ نصوصٌ على حرية المعتقدات الدينية، وحماية التصرفات التي تصدر بناءً عليها، وهي في هذا المقام قد تصلح لتقييد ما يَرِدُ في عقد التجنس من بنودٍ مخالِفَةٍ للشريعة. وعلى الجانب الآخر نجد قول المجيزين للتجنس لا تنقصه المرونة والمراعاة للواقع، ولكن يعيبه الخضوعُ المستمِرُّ لضغط الواقع، وهو مسلك في غاية الخطورة؛ لأنه يُفضي إلى ما بعده!!

стр. 1111

ولكي تتضحَ خطورةُ هذا المسلكِ نستعرضُ بعض المعالجات التي قدَّمها بعض المجيزين للتجنس لمشكلة ترتبت على التجنس والمواطنة، وهي مشكلة الالتحاق بجيوش الدول الكافرة المانحة للجنسية. فبسبب من هذه الجنسية واشتراطاتها أفتى بعض العلماء بأن على المسلم الملتَحِقِ بجيوش تلك الدول غير المسلمة أن يقاتل المسلمَ في جيش دولة إسلامية، كما وقع في الحرب الأمريكية على أفغانستان، وإلا كان ولاؤه لدولته محلَّ شكٍّ! مع ما يترتب على ذلك من أضرار عديدة! وإمَّا أنه مغتفرٌ بجانب الأضرار العامة التي تلحق بجموع المسلمين في الجيش الأمريكي، بل في الولايات المتحدة بوجه عام، إذا أصبحوا مشكوكًا في ولائهم لبلدهم التي يحملون جنسيته، ويتمتعون فيه بحقوق المواطنة، وعليهم أن يؤدوا واجباته (١). وقد سئل الشيخ فيصل مولوي: هل إذا قَاتَلَ المسلمُ الأمريكيُّ المسلمَ الأفغانيَّ وقَتَلَهُ يدخل النار؟ فأجاب: إذا قتل المسلمُ أخاه المسلمَ بدون تأويلٍ، وبدون أي سبب قاهرٍ فقتلَهُ دخل النار بلا جدال، كما ذكرت ذلك الأحاديث الصحيحة. أما إذا قاتل المسلمُ أخاه المسلمَ بسبب تأويلٍ معيَّن فَأَمْرُهم جميعًا إلى الله، وحكمه العدل لا يعرفه إلا هو، وقد حصل القتالُ بين فئتين من المسلمين من صحابة رسول الله ﷺ ، بناءً على خلافٍ، أو تأويلٍ لأسباب معينة، ولا نستطيع أن نحكم على أيٍّ منهم بدخول النار، لكننا نَكِلُ أَمْرَهُم إلى الله، ونسأله المغفرة لنا ولهم.

стр. 1112

وبناءً على ذلك لا نستطيع أن نقول: إن المسلمَ الأمريكيَّ إذا قتل أخاه المسلمَ الأفغانيَّ، أو أن المسلمَ الأفغانيَّ إذا قتل أخاه المسلمَ الأمريكيَّ أنه في النار، بل نقول: إن الظروف الصعبة جعلتهما معًا في موضع صعب، نسأل الله لهم المغفرة والرحمة (١). ولا يمكن في مثل هذه الحالات إعطاءُ فتوى عامَّةً لجميع الجنود المسلمين الأمريكان؛ سواء بتغليب الانتماء الديني؛ إذ قد يترتب على ذلك ضرر أكبر، أو بتغليب الانتماء الوطني، والذي قد يترتب عليه ضرر أكبر أيضًا، والضرران متقاربان جدًّا، وهما تعريض الإنسان المسلم لقتل أخيه المسلم، أو لقتل نفسه. إذن لا بد من البحث عن حَلٍّ ثالث بين الأمرين، وهذا الحل الثالث قد يختلف بين جنديٍّ وآخرَ، بحسب ظروفه وقوة إيمانه، والله أعلم (٢). ومثل هذه المآلات تدعو إلى مراجعة أهل الفتيا المرخِّصَةِ لمزيد من التقييد والإحكام. وأخيرًا فإن الذي يظهر بعد عرضِ أدلةِ المختلفين وردِّها إلى الكتاب والسنة والمقاصدِ المرعِيَّةِ المعتَبَرَةِ أن القول بالتفريق بين التجنس وأنواعه، والتفصيل في أحكامه هو الأرجح دليلًا، والأهدى سبيلًا في هذه النازلة. فَمَنْ تجنس رغبةً في الكفر وأهله، وتحسينًا لدينهم وملَّتِهم ورضًا بأحكامهم وشرائعهم فهو منهم، لا يختلفُ في رِدَّتِهِ عالمانِ، ولا ينتطحُ في كفره عنزانِ. وأمَّا مَنْ أقبل على مفاسدهِ وعانقَ مآثمَهُ لمجرد التوسعِ في شهواتِهِ، والرغبة في ملذاته، فهو مرتكب لكبيرة من الكبائر، وعلى خطر في دينه عظيم، ويصح فيه أنه استحب الحياة الدنيا على الآخرة، وقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ

стр. 1113

مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]. وهاتان صورتان مما يسمى بالتجنس الاختياري، وكلتاهما حرام لا يجوز لمسلم الإقدام عليهما. ولكنَّ الكلامَ في ثلاث صور استئنائية أخرى، هي: ١ - الجنسية الاضطرارية غير الاختيارية: وهي التي تمنح ابتداءً للأقليات المسلمة التي هي من سكان تلك البلاد أصلًا؛ فهذه الجنسية لا خيارَ فيها، وهؤلاء (الأقليات) تثبت لهم الجنسية بمجرد ولادتهم، ولا خيارَ لهم في ذلك؛ فهم مُكْرَهون عليها ولا إثمَ على مُكْرَهٍ، ولا تستقيم لهم حياة بدون جنسية، فهي في حقهم ضرورة، لكن مع ذلك لا بُدَّ أن يلتزموا بأحكام الإسلام جُهْدَهُمْ، وأن يُظْهِروا دينَهُمْ قدرَ طاقتهم، وإلا وجب عليهم التحولُ ولَزِمَتْهُمُ الهجرةُ، والهجرةُ لا تنقطع حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطع التوبةُ حتى تَطْلُعَ الشمس من مغربها. ومَنِ اختارَ البقاء أو ضاقت به السبل، فليعملْ على إظهار دينه ما استطاع، أو لِيَعْزِمْ على الهجرةِ لبلاد المسلمين متى أمكنه ذلك، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وبكل حال فإنه لا يمكن -لاعتباراتٍ واقعيةٍ - إلزامُ مسلمي تلك الديار بالتحوُّلِ جميعًا إلى ديار الإسلام. ٢ - من اضطر إلى التجنس بسبب اضطهاده في بلده الأصلي، وبسبب التضييق عليه في نفسه، أو عِرْضه، أو قُوتِهِ، أو كان لا يحمل جنسية أصلًا، ومُنِعَ من الإقامة إلا بالتجنس؛ فهؤلاء إن لم يمكنهم دفع ضرورتهم بالإقامة فقط، وكان لا بُدَّ من التجنس، وتَعَيَّنَ لدفع ضرورَتِهم الواقعةِ المعتَبَرَةِ؛ فلهُمُ التجنسُ من باب: "الضرورات تبيح المحظورات"، قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقد أباح الشرع النطق بكلمة الكفر حال الإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان. قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ

стр. 1114

بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال سبحانه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. ولكن لا بُدَّ أن تُقَدَّرَ الضرورة بقدرها بعد تَحَقُّقِ كونِهَا ضرورةً ملجِئَةً وتَعَيَّنَ التجنسُ مزيلًا لها، بشرط أن لا تذوبَ شخصيته في شخصية الكفار، وأن يأمنَ على نفسه وأهله وأولاده الفتنةَ، وأن يستشعرَ انتماءَهُ للإسلام وأهلِهِ، وينويَ الرجوع إلى بلاد المسلمين متى زالَ عذره، وأن ينكر المنكرات بقلبه، إن لم يمكنه ذلك بيده ولسانه، وأن يتخيرَ البلد الذي يستطيع فيه إظهارَ دينه بلا غضاضة عليه، وأن لا تكون بلاد الإسلام بحاجة إليه. ٣ - أن يتجنس المسلم لتحقيقِ مصالحَ كليَّةٍ كبرى للإسلام وأهله، كالدعوة إلى الله، وتحصيل علوم ضرورية يحتاجها المسلمون، ولا يمكن تحصيلها بدون ذلك، مع أمنِهِ على نفسه ودينه وأهله وولده، وانتفاء المفاسد التي ذكرناها آنفًا في حقِّهِ، أو في حقِّ أهله؛ فهذا باب يَسُوغُ فيه النظرُ والاجتهاد والموازنة بين المصالح والمفاسد ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، والله عند قلب المرء ولسانه، ولا يخفى عليه شيء من أمره. والله تعالى أعلم. وهذه الصورة من التجنس قد تلحق بالتجنس الاختياري ظاهرًا، ولكنها من الاضطراري حقيقةً وحكمًا، في حين أن الصورتين الأُولَيَينِ من التجنس الاضطراري من غير خلاف والله أعلم!

стр. 1115

المبحث الثاني حكم المشاركة السياسية في الدول غير المسلمة المطلب الأول: تعريف السياسة لغة واصطلاحًا: السياسة لغة: مصدر ساس يسوس سياسة، وهي فعل السائس، وهي القيام على الرعية بما يصلحها (١)، وفي الحديث: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء" (٢). فهي دائرة على تدبير الأمور في الاصطلاح اللغوي. وأما اصطلاحًا: فهي تدبير شئون الجماعة من الناس بما يحقق مصلحتهم. وقد عرَّفها المقريزي بأنها: "القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال" (٣). وعرَّفها ابن عقيل الحنبلي بقوله: "ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ﷺ " (٤). أو هي: "فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يَرِدْ بذلك الفعل دليل جزئي (٥). وقد أطلق عليها مصطلح الأحكام السلطانية (٦)، أو السياسة الشرعية (٧). ومصطلح السياسة الشرعية هو الأكثر شيوعًا اليوم، وباسمه كتب كثيرًا في القديم والحديث.

стр. 1116

وفي العصر الحديث عرَّفها الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الأزهر بقوله: "هي الأحكام التي تنظم مرافق الدولة، وتُدَبَّرُ بها شئون الأمة، المتفقة مع روح الشريعة، النازلة على أصولها الكلية، المحققة لمقاصدها، ولو لم يرد عليها شيء من النصوص التفصيلية الجزئية الواردة في الكتاب والسنة" (١). والسياسة الشرعية هي سياسة باعتبار القائمين عليها، وتدبير أمور الناس بما يصلحهم، وهي شرعية باعتبارها تطبيقات لأحكام الشرع فيما ورد فيه نصٌّ، أو هي تطبيق لأحكام شرعية مبناها الاجتهاد، وهي المستندة إلى عمومات النصوص، وقواعد الشرع ومبادئه العامة. فالكتاب والسنة هما المرجعان الأساسيان للسياسة، سواء بنصوصهما الدالة على أحكام تفصيلية، أو بما اشتملا عليه من قواعد عامة، وأحكام كلية، أو بما رسما من مناهج وخطط للاجتهاد. وأساس السياسة الشرعية وغايتها: هو تحصيل المصلحة المعتبرة شرعًا، ولا تكون كذلك إلا إذا حافظت على مقصود الشارع في تشريع الأحكام، وإذا كانت المصلحة أمرًا عتباريًّا يختلف باختلاف مشارب الناس، وعاداتهم وأعرافهم، فإن المعتبر من ذلك كله ما ورد الشرع برعايته والاعتداد به. على أن الأحكام السياسية على ضربين؛ يسمي ابن القيم ﵀ النوع الأول: بالشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، بينما يسمي الثاني: بالسياسات الجزئية بحسب المصلحة وتختلف باختلاف الأزمنة، فهي إذن تتقيد بها زمانًا ومكانًا وظرفًا (٢)، ومسائل هذا النوع كثيرة، منها: إيقاف عمر ﵁ حد السرقة عامَ الرمادة،

стр. 1117

وإيقاف سهم المؤلفة قلوبهم، وأمر عثمان ﵁ إمساك ضوال الإبل، وغير ذلك. أما النوع الثاني من المسائل التي لم تأتِ بشأنها نصوص شرعية، فإن الفقه فيها يكون عن طريق الاجتهاد بشروطه، وضوابطه ومرتكزاته، وإن كان الاجتهاد في كلا النوعين مطلوبًا أن يراعي تحقيق المصالح ودرء المفاسد. المقصود بالمشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية: يقصد بالمشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية تلك الأعمال والأنشطة التي تتعلق بالسياسة المعاصرة في بلد الأقليات، والتي يشارك فيها المسلمون بدءًا من تكوين الأحزاب السياسية، والالتحاق بها، مرورًا بالترشح والترشيح في الانتخابات البرلمانية، وانتهاء بالتحالفات، وإقامة التكتلات، وعمل المناورات السياسية (١). وذلك كله بغيةَ تقويةِ الوجود الإسلامي وحمايته في بلاد الأقليات وتوطين الأمة المهاجرة، أو المقيمة هناك، والمحافظة على مكتسباتها، ومساعدتها على حَلِّ مشكلاتها، وتحقيق مقاصد الوجود الإسلامي فوقَ كلِّ أرض وتحتَ كلِّ سماء (٢). ولا شك أن العمل السياسي في أصله مشروع؛ فلقد تحدث القرآن الكريم كثيرًا عن تدبير شأن الناس، وأنزلت فيه أحكام كثيرة تتعلق بالحكم ونظامه، والعلاقات الدولية وغير ذلك، كما أن السنة المطهرة ملأى باحاديث تناولت المعاهداتِ الدوليةَ والعلاقاتِ الخارجيةَ ونظمَ الحكمِ الداخلية، وكثيرًا من التفصيلات الدقيقة. ولذا فإن الدين يحكم على السياسة ويضبطها بضوابط المشروعية والأخلاقية،

стр. 1118

ويحقق مقاصدها النبيلة بالوسائل المشروعة والصحيحة. ولذا وُجِدَ من علماء الإسلام من يُعَرِّفُ السياسة الشرعية بأنها: "تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار؛ بما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية" (١). ويُعَرَّفُ علمُ السياسة الشرعية بأنه: علمٌ يُبْحَثُ فيه عمَّا تُدَبَّرُ به شئون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصولَ الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليلٌ خاصٌّ (٢). وللسياسة عدةُ تعريفاتٍ في القواميس والكتابات الغربية؛ لكنَّ الاتجاهات الحديثة أو الجديدة تتجه نحو التركيز على اعتبارِ علمِ السياسة علمَ السلطةِ؛ حيث يُعَرَّفُ على أنه: "علم الدولة، أو هو فرع من تلك العلوم الاجتماعية التي تعالج نظرية وتنظيم وحكم الدول، وكذا الممارسات العملية اللازمة لتحقيق ذلك" (٣). ويشهد علم السياسة في الغرب تطورًا كبيرًا، كما يشمل اختصاصات دقيقة تتعلق بنظام الحكم الداخلي بمختلف تفاصيله، والسياسة الخارجية، وكل ما يتعلق بها، كما يرتبط علم السياسة ارتباطًا وثيقًا بجملة من العلوم الأخرى؛ حيث ظهر ما يسمى بعلم الاجتماع السياسي، والاقتصاد السياسي، والجغرافيا السياسية، وغيرها (٤). ورغم تشابه أبواب ومجالات البحث في السياسة الوضعية والسياسة الشرعية، إلا أنهما من حيث المقاصد والأصول مختلفان؛ فالأولى اجتهاداتٌ بشرية صرفة، تخضع

стр. 1119

للمصالح والأهواء التي لا يضبطها أيُّ ضابط، ولا تحتكم إلى دين، ولا إلى أخلاق، بينما تستنير السياسة الشرعية بالشرع الإلهي، "فهي شرعية المنطلقات، شرعية الغايات، شرعية المناهج" (١). المطلب الثاني: حكم المشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية: تصوير وتكييف النازلة: تعتبر الأقليات المسلمة في بعض بلدان أوروبا وأمريكا أقليةً ذات حضور فاعل ومكثَّف، وقد زادت أحداث عالمية كثيرة من الاهتمام بهذه الأقليات، ومع كون تلك الأقليات تعيش في بلدان علمانية ديموقراطية إلا أن كثيرًا من حقوقها مهضومة، وامتيازاتها مسلوبة، ومع تزايد أعداد المسلمين سواء بالدخول في الإسلام من أهل تلك البلاد، أو من ناحية الهجرة والتوطن والإقامة الطويلة، فقد غدت الحاجة ملحة بأن يوجد من المسلمين من يتكلم باسمهم، وينادي بحقوقهم ويقف خلف مطالبهم. وإذا كان المسلمون هنالك يكتوون بنار المخالفات الصارخة للإسلام في تلك المجتمعات، فهل من حرج عليهم في أن يستفيدوا من بعض ما تكفله تلك الدولُ لرعاياها ومواطنيها من حقوق وامتيازات، لا تتأتى إلا بالمشاركة الفاعلة في إدارة شئون تلك البلاد؟ فما حكم التسجيل للانتخابات، والتصويت فيها، والمشاركة في الأحزاب، والانخراط في أنشطتها؟ وهل يسوغ أن يكون من المسلمين من يشارك في مؤسسات الرئاسة في تلك البلاد؟ وما ضوابط ذلك؟

стр. 1120

وهل يدخل تدبير شئون الأقليات المسلمة في تلك البلاد خاصة، وتمكينها من صيانة حقوقها ورعاية مؤسساتها ورفع الظلم أو تخفيفه عنها -في مفهوم السياسة الشرعية؟ مع العلم أن المشاركة السياسية في تلك البلاد لن تخلوَ من مخالفات ضرورةَ أن المظلة التي تظلل تلك البلاد في جملتها أحكامُ غيرِ المسلمين يَحْكُمُ بها غيرُ مسلمين، وأن جمهور تلك البلاد وسوادَهَا الأعظم من غير المسلمين أيضًا، حتى لو قُدِّرَ أن عدد المسلمين في الهند أو الصين يُعَدُّ بعشرات الملايين فهم أقلية وسط مئات الملايين من غير المسلمين. وإذا جاز للأقليات المسلمة أن تشارك في الأنظمة السياسية، فما هو الموقف من تلك المخالفات السياسية، بل والعقدية التي قد تقع في هذا المجال، وما هي الضوابط الحاكمة لهذه الممارسة؟ ومن المسلَّم به أن هذه القضية من قضايا السياسة الشرعية، والتي تدور حول تقدير الموازنة بين المصالح والمنافع من جهة، والمفاسد والمضار من جهة أخرى. وهو باب يتعلق بالولايات الشرعية، وبقواعد التزاحم والتدافع بين المصالح والمفاسد، ويدور في فلك اختيار خير الخيرين، ودفع شر الشرَّين. كما يتناوله فقهُ الاستحسان الأصولي، وقواعد الحاجة والضرورة، والمصالح المرسلة؛ كل ذلك في تداخل وتمازج يتطلب فصلًا بين الأحكام وتقريرًا لها، كما ينظر للمآلات رعايةً لها. ولا شك أن هذه النازلة على جِدَّتها لها أصولٌ وسوابقٌ يمكن الردُّ إليها والتخريجُ عليها بعد استثارة السوابق الفقهية والفتاوي النوازلية عبر تراثنا الفقهي التليد. ولا يخفى على مطلع أن فقهاءنا الأقدمين قد بحثوا مسائل في الولاء والبراء، ومسائل في الاستعانة بغير المسلم، والتعامل معه، وتوليته، والتولي له، وانقسم العلماء الأقدمون إلى فريقين: مبيح وحاظر.

стр. 1121

وعليه فلا غرو أن يختلف المعاصرون -أيضًا- في هذه المسائل المطروحة ونحوها إلى فريقين: مجيز ومانع. تحرير محل النزاع: • وإذا كان مفهوم العمل السياسي في الشرق يكاد يقتصر على السعي لنصرة الدين من خلال المشاركة في مؤسسات صناعة القرار السياسي -كالأحزاب السياسية، والمجالس النيابية، ونحوها- فإن مفهومه في الغرب يتسع لكل سعي في نصرة الدين من خلال القنوات الرسمية بصفة عامة؛ فيتسع بذلك لكثير من الأنشطة الدعوية التي اتفق الناس كافة على مشروعيتها؛ فلم يُخْتَلَفْ فيها، ولم يُخْتَلَفْ عليها. • فالعمل السياسي في الغرب منه ما هو متفق عليه، ومنه ما هو مختلف فيه؛ فما كان من جنس أعمال الاحتساب العام كالإنكار على ما يقع من الظلم والعسف، وتعمد الإساءة إلى الإسلام والمسلمين، وإعلان هذا النكير بمختلف وسائل التعبير المتاحة في هذه المجتمعات- فإن مثل هذا ينبغي أن يكون في أصله من المحكم الذي لا يُخْتَلَفُ فيه ولا يُختَلَفُ عليه، ولا يدخل ابتداءً في محل النزاع، أمَّا مَا كان من جنس العمل السياسي بمفهومه الخاص (المشاركة في مؤسسات صنع القرار السياسي كالأحزاب النيابية ونحوه) فهذا هو موضع النظر؛ لاختلاط المصالح بالمفاسد في مثل هذه الأعمال. وقد تقدَّمَ أن المقصود بالعمل السياسي في هذا المقام هو المشاركة في صنع القرار السياسي من خلال الأحزاب السياسية والمجالس النيابية، وغيرها من المؤسسات السياسية والدستورية للدولة، مع ما يستتبعه ذلك من التحالفات المؤقتة مع بعض القوى السياسية الأخرى، أو استعمال بعض الآليات الديموقراطية المتاحة، كالتظاهر، والعصيان المدني، وتكوين جماعات الضغط ونحوه؛ وذلك بغيةَ تحصيل بعض المصالح الشرعية للأقليات الإسلامية، كحماية حقوقها السياسية والمدنية، ونحوه، وتعطيل أو

стр. 1122

تقليل بعض المظالم الواقعة عليها، ونصرة قضايا الأمة العادلة، وكسب التأييد الدولي لها. ومما يخرج عن اعتباره من محل النزاع قولٌ لا يُلْتَفَتُ إليه يتضمن إطلاق القول بتكفير مَنْ دخل في هذا العمل إيًّا كان مقصوده ونيته، وهو من الإطلاقات الفاحشة التي ترد على أصحابها؛ فإن البرلمانيين في ظل العلمانية أنواع: • فمنهم من بقي على أصل إيمانه بالله ورسوله، محبًّا للشريعة ومنحازًا لفسطاطها، وكان له نوع تأوُّلٍ في دخوله إلى هذه المواقع، أو بقائه فيها كتحصيل بعض المصالح، أو دفع بعض المفاسد، فهذا له حكم أمثاله من أهل الإسلام، وأمرُهُ إلى الله. • ومنهم من انحاز إلى العلمانية، وأعلن انتماءه لها، وتبنيه لمقرراتها، فهذا له حكم أمثاله من العلمانيين العقديين. • ومنهم المغيبون عن حقيقة ما يجري في العالم من الصراعات الفكرية والسياسية من العامة وأشباه العامة، ولا أربَ لهم في سعيهِمْ إلى هذه المواقع، إلا ما يكون لطلاب الدنيا عادةً عند تطلعهم إلى المناصب والألقاب، مع بقاء انتسابهم إلى الإسلام في الجملة، وإقرارهم بشرائعه على الجملة، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من جهلاء أهل الإسلام، ممن خلطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا، وهم في خطر المشيئة يوم القيامة، إلا إذا أُقيمت عليهم الحجة الرسالية التي يَكْفُرُ معاندُهَا (١). وغني عن البيان أن العمل السياسي لا يُحِلُّ حرامًا ولا يُحَرِّمُ حلالًا؛ فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، وجميع الأعمال في ذلك سواء، وعلى هذا فالأصل العام أن يتقيد العمل السياسي بمرجعية الشريعة، وأن ينضبط بضوابط المصلحة الشرعية، وأن يراقبَ مشروعيتَهُ ثلةٌ من الفقهاء والخبراء، ممن يُحْسِنونَ الفهم

стр. 1123

عن الله ورسوله، ويضعون الأمور في نصابها، فلا يغلقون باب الاستصلاح بالكلية، فيفوِّتون كثيرًا من المصالح الشرعية، ولا يفتحونه على مصراعيه بغير ضابط فَيُدْخِلونَ في دين الله ما ليس منه، وإذا كانت الأمة قد اصطلحت على هيئات رقابة شرعية داخل المصارف الإسلامية؛ لمراقبة مشروعية عقودها، فإن العمل السياسي أحوجُ منها لمثل هذه الرقابة، وينبغي أن يسلم القائمون عليها قيادَهُمْ لها، وأن يجعلوها حجة بينهم وبين الله ، وجُنَّةً يتقون بها سخطَهُ وعذابَهُ! ومن الضوابط المتَّفَقِ عليها في هذا المقام: • دراسة الجدوى، والتحرير الدقيق لما يتضمنه هذا العملُ من المصالح أو المفاسد، والتأكدُ من غلبة المصلحة، ومراجعةُ هذه الموازنات بصورة دورية ومتجددة، فإن المصالح والمفاسد في مثل هذه المسائل في حركة دائبة ومستمرة. • أن لا يقتضي هذا العملُ مظاهرةً على المؤمنين، أو اتخاذَ عَدُوِّهِمْ بطانةً من دونهم. • أن لا يُفضي إلى تشرذمِ فصائل العمل الإسلامي، بما يجرُّهُ الخلاف حولَهُ من تهارج وتفرُّقٍ مذموم. • التوازن بين الاشتغال بهذا العلم، والاشتغال بسائر الأعمال الدعوية الأخرى، فالعمل السياسي ليس بديلًا عن الأعمال الدعوية أو التربوية، فلا ينبغي أن يكون الاشتغال به على حساب تراجع أو تهميش هذه الأعمال (١). الأقوالُ وقائِلُوها: القول الأول: الجواز، سواءً أكان الأصل هو الجواز، أم كان الأصل الحرمة، وقيل بالجواز استثناءً، أو للمصلحة، أو لغير ذلك من الأدلة:

стр. 1124

وهم جمهور علماء العصر، ومنهم: - فضيلة شيخ الأزهر الأسبق جاد الحق علي جاد الحق ﵀ (١). - فضيلة مفتي الديار المصرية الأسبق الشيخ الدكتور نصر فريد واصل (٢). - فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان (٣). - فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي (٤). - فضيلة الدكتور صلاح الصاوي (٥). - فضيلة الدكتور صلاح سلطان (٦). - فضيلة الدكتور علي الصوا (٧). - فضيلة الدكتور محمد الشحات الجندي (٨). - فضيلة الشيخ فيصل مولوي (٩).

стр. 1125

وبهذا صدر قرار المجلس الأوروبي للإفتاء، رقم (٥/ ١٦) في الدورة السادسة عشرة للمجلس باستنبول بتركيا، عام ١٤٢٧ هـ ٢٠٠٦ م (١). وبه أيضًا صدرت نتائج وتوصيات دورة المشاركة السياسية، المنعقدة في ٢٠٠٦ م بمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا (٢). القولُ الثاني: المنعُ من هذه المشاركةِ، وتحريمُها من الأصل مطلقًا: وممن قال بهذا الرأي: الباحث عبد المنعم عبد الغفور في رسالته للدكتوراه بجامعة أم القرى، والتي بعنوان: المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية (٣). والأستاذ محمد قطب (٤)، وهو قول حزب التحرير (٥). في آخرين ممن منعوا من أصل الإقامة بدار الكفر ابتداءً، ومنعوا من التجنس بجنسيتها مطلقا (٦). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: من القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والقواعد الفقهية والمقاصدية: أولًا: القرآن الكريم: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
следующие страницы →