الألباني إعلان استقلال كوسوفا في (٢/ ٧/ ١٩٩٠ م)، وتكوين جمهورية كوسوفا في (٧/ ٩/ ١٩٩٠ م)، عقب استفتاء شارك فيه ٩٠ % من السكان (١).
وكان رد الفعل الصربي على ذلك هو العدوان الوحشي الذي تعرضت له كوسوفا وتدخلت قوات الأطلنطي على النحو المعروف.
المسلمون في بلجيكا:
يعيش في بلجيكا حوالي ٣٥٠.٠٠٠ مسلم يمثلون ٣.٥ % (٢) من مجموع السكان البالغ عددهم ٩.٩ مليون نسمة.
وقد اعترفت الحكومة البلجيكية بالإسلام باعتباره الدين الذي يعتنقه قسم من السكان يلي في العدد المسيحيين؛ مما أعطى المسلمين حق تعليم الدين الإسلامي بالمدارس البلجيكية وإنشاء المدارس الإسلامية الخاصة للمسلمين (٣).
وأكثر من ذلك قامت الحكومة البلجيكية بتنظيم انتخابات بين الجالية الإسلامية في بلجيكا في (١٣/ ١٢/ ١٩٩٨ م) لاختيار المجلس الذي يهتم بشئونهم ويمثلهم أمام الحكومة.
المسلمون في فرنسا:
يعيش في فرنسا نحو من ٤ ملايين مسلم يمثلون من ٥ إلى ١٠ % من مجموع السكان، ويعتبر الإسلام أكبر ثاني ديانة بعد الكاثوليكية، ثم تأتي البروتستانتية بـ ٢ % ثم اليهودية ١ % والبوذية ١ %، ولم يتم بعد تنظيم المسلمين كما حدث في بلجيكا بسبب الانقسامات الداخلية بينهم (٤).
стр. 107
وأكثر المسلمين هناك من بلدان شمالي أفريقيا، والمستعمرات الفرنسية سابقًا، وفي باريس مسجد كبير شيد عام (١٩٢٦ م)، واتحاد للطلبة المسلمين، والمعهد الإسلامي الأوروبي.
المسلمون في بريطانيا:
يعيش أكثر من مليون مسلم في بريطانيا، ويمثلون ٢.٧ % من سكان البلاد حسب تقرير الـ CIA لعام ٢٠٠١ (١)، ويتمتع أبناء دول الكومنولث البريطاني بحقوق ومميزات عديدة دون بقية المهاجرين المسلمين من مناطق أخرى، وفي لندن مسجد كبير، واتحاد للطلبة المسلمين، والجمعية الطبية الإسلامية، والمركز الإسلامي، وفيها مقر للمجلس الإسلامي المؤسس عام (١٩٧٣ م) للتنسيق بين جهود المنظمات الإسلامية في أوروبا الغربية، والتي تزيد على سبعين منظمة.
وبانحياز إنجلترا إلى معسكر أمريكا في مواجهة الإسلام في أفغانستان والعراق، وقعت حوادث عنف متفرقة أدت إلى تضييق حكومي على المسلمين هناك؛ مما جعل بعض المسلمين المهاجرين يؤثرون مغادرة بريطانيا (٢).
٤ - الأقليات المسلمة في الأمريكتين:
في عام (١٩٦٠ م) كان عدد المسلمين في أمريكا الشمالية يقدر بـ ٠٠٠, ١٠٠، وقد قفز هذا العدد خلال خمس وعشرين سنة ليصل إلى أربعة ملايين مسلم، وفي عام (٢٠٠٠ م)، بلغ التعداد ما بين ستة إلى ثمانية ملايين مسلم، وتبلغ نسبة المسلمين المهاجرين ١٤ % من إجمالي المهاجرين إلى أمريكا، هذا فضلًا عن أن الداخلين في الإسلام من الأمريكيين أكثر ممن يدخلون في أي دين آخر (٣).
стр. 108
ووفقًا لأحد التقديرات، فإن الإسلام أصبح لكثير من الأمريكيين السود هو الدين المختار، ويبلغ عدد المسلمين منهم سنة (١٩٩٧ م)، مليونًا معظمهم من الرجال (١).
ويقدر مسئول إسلامي في أمريكا أن عدد المسلمين يجاوز الآن عشرة ملايين منهم ١٥.٠٠٠ في الجيش الأمريكي بكل مستوياته، وأن عدد المساجد ٢٠٠٠ مسجد، وعدد المدارس النظامية ٢٠٠ مدرسة فضلًا عن مئات المدارس التي تعمل في الإجازات في تعليم اللغة العربية (٢).
ويتركز المسلمون في أربع مناطق: نيويورك، ونيوجرسي، والشرق عمومًا -٣٢.٢ %- يليها الجنوب: فلوريدا وتكساس-٢٥.٣ %- ثم منطقة البحيرات العظمى: ميتشجان وألينوي -٢٤.٣ %- وأخيرًا الغرب: كاليفورنيا -١٨.٢ %-.
ويعاني العرب في الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (٢٠٠١ م) من قانون مكافحة الإرهاب الذي يسمح باعتقال أي شخص تنطبق عليه مواصفات عامة توحي بأنه من أصل عربي، ومن قانون آخر يخول اعتقال وسجن أي شخص دون إيضاح الأسباب مع منعه من الاتصال بمحاميه -قانون الأدلة السرية-.
ولعل أكبر المشكلات التي تواجه الأقليات المسلمة في الولايات المتحدة، مشكلة التحزب أو التشرذم بسبب الخلافات الإقليمية التي حملوها معهم من أوطانهم، بالإضافة إلى التبعثر وعدم التركز في مناطق محددة لاتساع الولايات المتحدة، والنقص الحاد في العلماء والدعاة (٣).
٥ - الأقليات المسلمة في أستراليا:
يزيد عدد المسلمين في أستراليا على ٥٠٠ ألف مسلم، وقد عرف الإسلام طريقه
стр. 109
لأستراليا في فترة استكشافها حينما استخدم الإنجليز الإبل وسيلة للتنقل في مناطق أستراليا الصحراوية، واستعانوا ببعض المسلمين من أفغانستان وباكستان لقيادة تلك الإبل، وقد أنشأ هؤلاء المسلمون المساجد؛ لذا فليس غريبًا أن يقول أحد المكتشفين الإنجليز بأن صوت الأذان دوَّى في أرجاء القارة الأسترالية قبل أن تدق أجراس الكنائس.
وتعتبر الجالية اللبنانية اليوم هي أكبر الجاليات الإسلامية هناك، ويوجد في أستراليا خمس وخمسون جمعية إسلامية، وأكثر من ٣٥ مسجدًا ومركزًا إسلاميًّا، وأستراليا من القارات التي يمكن أن تستوعب أعدادًا كبيرة من المسلمين (١).
وقد أسلم الآف الأستراليين، ويحاول المسلمون أن ينشئوا عددًا من المدارس والمراكز التي تعنى بتعليم الأمور الدينية واللغة العربية هناك.
وفي الطرف الشمالي لأستراليا تقع غينيا الجديدة، حيث يبلغ عدد سكانها ١.٨٣٢.٠٠٠ مليون نسمة، ونسبة المسلمين فيها ٩٥ %، وأما إقليم بابوا وهو القسم الثاني منها فيبلغ عدد سكانه ٦٥٠ ألف نسمة، ٩٠ % منهم مسلمون (٢).
стр. 110
المبحث الثالث
خصائص الأقليات المسلمة
إن الأقليات المسلمة هم جزء من الأمة الإسلامية، والتي تشمل كل مسلم في أنحاء العالم أيًّا كان جنسه أو لونه أو لسانه أو وطنه أو طبقته، وهم -من ناحية أخرى- جزء من مجتمعهم الذي يعيشون فيه، وينتمون إليه، فلا بد من مراعاة هذين الجانبين، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، ولا نضخم أحدهما على حساب الآخر.
ويمكن أن نستخلص الخصائص التالية للأقليات الأسلامية خارج ديارها:
١ - نشأت الأقليات المسلمة نتيجة عدة عوامل، منها: الهجرة الاختيارية بهدف العمل أو الإقامة، أو بناء على ظروف شخصية، ومن تلك العوامل: الهجرة الإجبارية، وهي تلك التي تنشأ عن أعمال عسكرية وسياسية عدوانية، وهذه تعرف اليوم باسم ظاهرة اللاجئين.
فأما الهجرة الاختيارية، فهي في كثير من الأحوال تكون طارئة في حياة المهاجر مع رغبة أكيدة في العودة إلى الوطن، غير أن تمادي أحد أسباب الهجرة، بالنسبة إلى وضعه الخاص، يحول الهجرة مع الزمن إلى استيطان دائم، خاصة إذا نشأت ظروف محلية جديدة في بلد الهجرة كالنجاح في العمل التجاري، أو طمأنينته إلى غده وتخوفه من التحول في بلده الأصلي إلى مكافح من جديد في طلب العيش أو إلى ارتباطه في المهجر بنشأة أبنائه وتقلبهم في مراحل الدراسة، مما يلزمه في كثير من الأحوال إلى تمديد حال الهجرة إلى حين تخرجهم، ثم قد تنشأ روابط الزواج من أهل تلك البلاد فتغدو العودة أكثر صعوية، فيتحول المهاجر إلى مستوطن، خاصة إذا ما اكتسب جنسية الدولة المقيم فيها، وأصبح حائزًا على حقوق المواطن الأصلي.
стр. 111
وعلاوة على ذلك، فإن المهاجر المسلم يشعر أن تبعات كثيرة تغدو ملقاة عليه، منها: العمل على المحافظة على وجوده الإسلامي ووجود أبنائه، فيعمل جاهدًا لبناء المؤسسات الإسلامية كالمساجد والمدارس والمعاهد والمراكز، وتصبح هذه بذاتها أسبابًا إضافية للاستيطان ليحافظ عليها من جهة، ولأنها هي نفسها تضمن -في نظره- حدودًا مقبولة في وجود إسلامي معقول.
وأما الثانية وهي الهجرة القسرية، والتي تسمى اليوم باللاجئين، فهي من أقسى ما مر ويمر على بعض البلدان الإسلامية، بل إن اللاجئين المسلمين الفارين من اضطهاد أو عدوان أو ظلم جماعي يفوق ٨٧ % من مجموع اللاجئين في العالم عام (١٩٨٣ م)، وهي نسبة كبيرة جدًّا تكشف مدى المخاطر التي تحيط بالمسلمين والمؤامرات الضخمة التي لا تزال تستهدفهم كأمة وشعوب.
فقد بلغ عدد اللاجئين المسلمين عام (١٩٨٣ م) ٩.٣٢٩.٠٠٠ لاجئ من أصل ١٠.٦٦٦.٢٠٠ لاجئ في العالم، وقد أكدت إحصاءات لجنة الولايات المتحدة للاجئين: أن معظم هؤلاء قد فروا من الاضطهاد الذي يتعلق أحيانًا بعوامل عرقية، ولكنها دينية في الأصل. علمًا أن الرقم المبين آنفًا لا يشمل اللاجئين المسلمين في أفريقيا واللاجئين من الحرب بين العراق وإيران، ولا أولئك الذين هُجِّروا من ديارهم ونقلوا إلى نواحٍ مختلفة في الاتحاد السوفيتي أو الصين.
ويلاحظ من هذا التقرير أن نسبة إسهام الدول الإسلامية في حصيلة التبرعات لعام (١٩٨٣ م) لم تتجاوز ٢.٣ % وهو أمر ملفت للنظر حقًّا، غير أنه لا بد من القول بأن بعض البلدان الإسلامية تقوم بالإغاثة أو الدعم بصورة مباشرة خاصة لأولئك الذين يقيمون على أراضيها، فباكستان مثلًا تدفع ٥٠ % من جملة نفقات اللاجئين عندها (١).
стр. 112
٢ - بصورة عامة فإن المهاجرين كجاليات، أو المستوطنين المسلمين كأقليات لا ترابط بينهم من جهة، ولا علاقة منظمة بينهم وبين دولهم الأم أو دول العالم الإسلامي أو منظماته الدولية؛ مما جعلهم معزولين إلى حد ما عن العالم الإسلامي ورقمًا مهملًا في حساب العالم الإسلامي وسياسته الخارجية.
وقد يكون من أبرز أسباب عدم الترابط فيما بينهم -خاصة في المراحل الأولى للهجرة والاستيطان- الرغبة في تحقيق المكاسب المادية، فيحملهم هذا على الاندماج في المجتمع الجديد والتفاني في العمل التجاري أو المهني، كما أن من الأسباب: صراع دول العالم الإسلامي فيما بينها، وانعدام أي سياسة توجيهية، غير أن الغربة مع ما تفرضه من تحديات تجعل التجمع واجبًا، بيد أن هذا التجمع كثيرًا ما أخذ المنحى القومي والإقليمي، حتى في بعض المناطق أخذ أسلوب تجمُّع المهاجرين من مدينة واحدة أو قرية واحدة أو حي واحد، ثم تختفي الصلات بين هذه التجمعات لتترابط من جديد تحت الضرورة وضمن قواسم إسلامية مشتركة في اتحاد واحد أو في جمعيات مشتركة.
وقد يكون المسلمون في دولة من الدول موزعين على جنسيات عديدة ويشعرون بضرورة إقامة مركز إسلامي، فيه المسجد والمدرسة ومكان التجمع، فيتعاونون فيما بينهم لإقامة هذا الصرح؛ وهنا تنشأ بالضرورة علاقة مع العالم الإسلامي، فتتشكل الوفود لزيارة دولة من دول العالم الإسلامي وبالذات الخليجية، طلبًا للمساعدة في إنشاء مثل هذه المراكز، وبسبب زيارات يقوم بها مسئولون في منظمات إسلامية شعبية أو رسمية للجاليات الإسلامية في العالم، وبسبب تكشف أحوال الجاليات والأقليات الإسلامية، وبسبب تنامي الصحوة الإسلامية؛ بدأت علاقات المسلمين المهاجرين تزداد شيئًا فشيئًا مع العالم الإسلامي، خاصة بعد أن تحسست بعض الدول الإسلامية والمنظمات العالمية الإسلامية أهمية الوجود الإسلامي في دول العالم الأخرى (١).
стр. 113
وفي الربع الأخير من القرن العشرين ظهرت ملامح عديدة لتنظيم هذه العلاقات وتقوية ذلك الوجود وتنميته، ومده بالقدرات والطاقات في محاولات جادة ومتميزة، ومن بواكيرها الأولى: المؤتمر العالمي الذي عقد في الرياض عام (١٩٨٦ م)، بدعوة من الندوة العالمية للشباب الإسلامي، والذي خُصص لبحث مشاكل الأقليات المسلمة في العالم، وما تزال مختلف الدول والهيئات والجهات الخيرية تُعنَى بهذا الشأن، علاوة على ما توليه الجهات العلمية والأكاديمية من دراسة لتلك المشاكل ومحاولة لوضع الحلول العلمية السليمة، ووضع البدائل المناسبة في مختلف المجالات.
٣ - الأقليات الإسلامية سواء أكانت قوية قادرة أم ضعيفة مقهورة، تتأثر بشكل أو بآخر بما يجري في العالم الإسلامي من أحداث، وتتفاعل بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع قضاياه، وسواء أكانت تلك الأحداث سلبية أم إيجابية، وكثيرًا ما تتأثر هذه الأقليات بالخلافات التي تنشأ في دول العالم الإسلامي، سواء أكانت الخلافات سياسية أم مذهبية.
٤ - إن استقراء واقع الأقليات المسلمة الذين يتجاوزون في عددهم أربعمائة مليون مسلم يؤكد على أن هذه الأقليات أقليات محتاجة للدعم التربوي والعلمي والاجتماعي والديني والسياسي، بل وحتى الدعم اللغوي الذي يُمَكِّن من التواصل مع لغة القرآن الكريم.
ومع الإقرار بالحاجة على كل مستوياتها إلا أنها تتفاوت وتتباين باختلاف المجتمعات التي تعيش فيها الأقليات المسلمة؛ وعليه فإن من المفيد إدراك هذه الحاجات تبعًا لاختلاف ظروف تلك الأقليات في مجتمعاتها.
стр. 114
المبحث الرابع
مشكلات الأقليات المسلمة
إن تصفح أحوال الأقليات والجاليات الإسلامية يُشعر بعظم المسئولية إزاء هذه الأمم من المسلمين في المشارق والمغارب، لا سيما وهم يعانون الصعوبات والمشكلات، والتي تبدأ من التضييق والتذويب، وتنتهي بالقتل والتدمير.
وقبل أن نستعرض طرفًا من مشكلات الأقليات يجدر أن ننوه ببعض مشكلات الأغلبية المسلمة المستضعفة.
فإن مأساة مسلمي الحبشة وألبانيا وفلسطين، لا ينبغي أن تغيب ونحن نبحث مشاكل الأقليات، ولعل طرح هذه المأساة يفيد في إيقاظ ضمير المسلمين تجاه إخوة لهم في الدين، وفيما يلي بيان مختصر حول هذه المشكلات:
مأساة الحبشة:
يشكل المسلمون بالحبشة نسبة ٧٥ % من مجموع السكان، بينما النصارى الحاكمون يمثلون ٢٠ % من السكان (١).
لقد واجه الإسلام والمسلمون الحروب في الحبشة على مدى خمسة قرون، منذ عصور الاستعمار الصليبي المتمثل في البرتغال، ثم فرنسا، ثم إيطاليا، ثم إنجلترا، مرورًا بعهد القيصر هيلاسلاسي (١٩٣٠ م - ١٩٧٤ م) المسيحي اليهودي.
فكان أن مكن لليهود للسيطرة على شئون البلاد العسكرية والاقتصادية
стр. 115
والتعليمية، فضلًا عن معاونته للصهيونية، كما فعل على أثر العدوان الثلاثي إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على مصر عام (١٩٥٦ م)، حيث أرسل معونات مادية.
وعندما زار هيلاسلاسي أمريكا عام (١٩٦٠ م)؛ لحضور جلسات هيئة الأمم المتحدة، سأله الصحفيون عن وضع المسلمين في أثيوبيا، فرد قائلًا: "إن المسلمين في أثيوبيا قلة دخلت الإسلام عن طريق التجار العرب، وقريبًا سيعودون إلى دين آبائهم وأجدادهم، ونحن لن نسمح بأن يكون في أثيوبيا دينان" (١).
وكانت خطته لإبادة المسلمين والقضاء على وجود الإسلام هناك تتركز على (٢): حرمان المسلمين من التعليم وتلقي الثقافة الإسلامية، ومصادرة أملاكهم بهدف إفقارهم، وتنصير أبناء المسلمين بالقوة، والفتك بالمسلمين وقتلهم بحجة العصيان ضد الدولة، وابتلاع معاقل الإسلام المحيطة بالحبشة لسد الطريق أمام أية عملية لإنقاذ مسلمي الحبشة، وحرمان المسلمين من الاتصال الخارجي، وحرمانهم من وظائف الدولة، وفرض الضرائب الباهظة عليهم، والتي يطلق عليها ضريبة الكنائس.
ثم تولى الحكم منجستو هيلا مريام عام (١٩٧٤ م)، ولم يختلف كثيرًا عن سابقه في المبدأ والهدف من سياسته إزاء المواطنين المسلمين، والفرق هو: أن هيلاسلاسي كان يعمل من منطلق العقيدة الصليبية مع ميوله اليهودية، أما منجستو فيعمل من منطلق المصالح الحيوية، وهي الاستقرار من ناحية، والمفهوم أن وجود الإسلام يهدد الاستقرار، ومن ناحية أخرى إرضاء روسيا وأمريكا معًا، علمًا بأن منجستو ذو ميول شيوعية.
ولقد أفرخت محنة الأكثرية في الحبشة مأساتين مؤلمتين هما: مأساة أرتريا -أرض
стр. 116
الهجرة الأولى-، ومأساة أوجادين الصومالية الإسلامية، ولم يكتف حكام الحبشة بهاتين المأساتين، بل مضوا في إحداث المشاكل مع الدولة المسلمة المجاورة عن طريق المتمردين كما حدث للسودان الجنوبية.
مأساة ألبانيا:
يمثل المسلمون في ألبانيا أكثر من ٧٠ % من مجموع السكان، في حين أن الأقلية الحاكمة لا تزيد عن ٢٠ % من السكان.
انتهى نفوذ الخلافة العثمانية في ألبانيا سنة (١٣٢٧ هـ - ١٩١٧ م)، وانتخب أحمد زوغو رئيسًا لها وقد أعلن عن نفسه ملكًا لألبانيا عام (١٣٤٧ هـ)، وكان ملكًا سيئًا حاول مسايرة الدول الأوروبية وطمس التقاليد الإسلامية، وفي الحرب العالمية الثانية سقط هذا الملك واحتلت إيطاليا ألبانيا، وبعد انتهاء الحرب أجريت الانتخابات المزيفة لاختيار حاكم البلاد، وفيها فاز الشيوعيون الذين تمكنوا من السيطرة على مقاليد البلاد منذ عام (١٩٤٤ م) (١).
في البداية -كما هو المعتاد- لم يظهر الشيوعيون نواياهم الخبيثة ضد المواطنين من أتباع الأديان، وهم المسلمون والمسيحيون، ولكن سرعان ما بدءوا التخطيط المنظم والضغط التدريجي، فأغلقوا المدارس الإسلامية بالتدريج، وحوَّلوا المساجد إلى مناطق سياحية ومنعوا المسلمين من دخولها لإقامة الشعائر بها، كذلك الأمر بالنسبة للكنائس.
وحاصرت الحكومة علماء الدين، وراح المدرسون الحكوميون يهاجمون فكرة الدين وينفثون في نفوس الأطفال روح الإلحاد والشيوعية، ويضطهدون أي طالب يصلي أو يصوم، كما جرت تصفيات واسعة النطاق للمسلمين في الوظائف العامة والجيش.
وبعد إصدار الحكومة الشيوعية قرارها عام (١٩٦٧ م) باعتبار ألبانيا دولة لا دينية
стр. 117
تَغَير كل شيء، أصبحت الدعوة إلى الله جريمة يعاقب عليها القانون، وحاربت الحكومة حتى مظاهر الدين الشكلية، كالعمامة واللحية وما إليها، وصدر قانون لتغيير الأسماء يقضي بمنع اتخاذ أي اسم فيه رائحة عربية أو إسلامية، وتحولت البلاد إلى سجن كبير، واستشهد مئات العلماء وآلاف الأبرياء في المذابح الجماعية المتتالية.
يقول طالب مسلم ألباني فرَّ بدينه إلى عدة دول في العالم حتى وصل إلى مصر: "وشاهدت بعيني وسمعت بأذني عن المذابح التي راح ضحيتها الكثير من الأبرياء إرواءً لظمأ الشيوعيين المتعطشين للدماء، وعشنا في جوٍّ يشبه عصر محاكم التفتيش التي أقامتها الصليبية الحاقدة للمسلمين بعد سقوط الأندلس" (١).
وإلى يوم الناس هذا ما يزال الألبان يعانون من تغييب الإسلام عن حياتهم، وإن كانت قد تحسنت بعض الشيء.
مأساة فلسطين:
في عام ١٩٢٢ م كان عدد سكان فلسطين ٧٥٢.٠٤٨ نسمة، وكان عدد اليهود منهم ٨٣,٧٩٠، ولم يأت عام (١٩٣٦ م) حتى وصل عددهم إلى ٣٧٠,٤٨٣ يهودي من مجموع سكان فلسطين البالغ عددهم ١.٣٣٦.٥١٨ نسمة.
وكانت بولندا والاتحاد السوفيتي وألمانيا ورومانيا وليتوانيا على رأس القائمة بالنسبة للبلاد التي خرج منها هؤلاء اليهود؛ ذلك لأن ثلثي يهود العالم كانوا يقيمون في أوروبا الشرقية.
ومع أنه يعيش على أرض فلسطين مسيحيون، بل وشيوعيون أيضًا، إلا أن المحن كانت منصبة على المسلمين وحدهم باعتبارهم أصحابَ القضية الحقيقيين، لقد مارس اليهود كل أنواع العنف بشاعةً، من ضرب وشج وكسر الأطراف أو قطعها، وإجهاض
стр. 118
الحوامل، وتقتيل الأبرياء دون أن يفرقوا بين شيخ أو طفل، ولا بين رجل أو امرأة، كما انتهكوا حرمات الأماكن المقدسة، وعلى رأسها الأقصى الشريف.
وتساقط المسلمون في كل ساعة -بل ربما في كل دقيقة- بين قتلى وجرحى، ولقي عشرات الآلاف مصرعهم على يد اليهود منذ بدء الاحتلال، ولا يعلم عدد الضحايا -على وجه التحديد- إلا الله.
لم تقتصر حوادث العنف والاضطهاد الصهيوني على فلسطين المحتلة، بل يلاحق اليهود كل تواجد إسلامي فلسطيني لسحقه من الوجود، فكانت مذابح صبرا وشاتيلا المؤلمة التي راح ضحيتها أكثر من عشرة آلاف من المسلمين حتى سجِّلت كيوم من أيام الجهاد الفلسطيني، وتتجدد المذابح في المخيمات من وقت لآخر، وفي عام ٢٠٠٩ م وقعت أحداث غزة الأبية، والتي قضى فيها بضعة آلاف من المسلمين، ما بين قتيل وجريح.
كل ما سبق لمحة عن محنة الأغلبية المسلمة المستضعفة من الأقلية المُمَكَّنة في مناطق متنوعة من العالم اليوم.
وقبل الخوض في مشكلات الأقليات المسلمة، فإنه يجدر الإشارة إلى أن التحديات المرفوعة في وجه الأقليات المسلمة تختلف من مجتمع لآخر تبعًا لظروف كل دولة.
فقد تكون الأقليات والجاليات في البلدان الأكثر ديموقراطية تتمتع بنصيب من الحرية وتتاح لهم فرص لتحسين أوضاعهم، فبإمكان هؤلاء فيما لو انتظمت أحوالهم وتجمعاتهم ووجدوا من الدعم والتأييد ووفرت لهم طاقات علمية وتنظيمية واقتصادية ودعوية أن يتجاوزوا معظم التحديات ويطوعوها لمصالح الأقلية الإسلامية، ثم ينطلقوا منها إلى درجات أعلى في اختراق الأكثرية بالدعوة إلى الله، ودفع المجتمع إلى احترام التوجهات الإسلامية.
стр. 119
أما الجاليات والأقليات في بلدان الحكم الاستبدادي، كبعض البلدان الأفريقية، أو بلدان أوروبا الشرقية، والصين ونحوها، فهؤلاء تتميز أحوالهم عن أقليات ما يسمى بالعالم الحر أو الديموقراطي.
غير أن قواسم مشتركة تجمع بين الفريقين، فالتحديات قائمة، وهي تلك التي تهدد ما يُسمَّى بالأمن الاغترابي للأقليات والجاليات، وهو ما يرتبط أو يتعلق بالعوامل التي تحفظ على المسلم شخصيته، وعلى الوجود الإسلامي تميزه وقدرته على النماء.
وإذا أردنا أن نذكر مشكلات الجاليات والأقليات التي تشكل القاسم المشترك بين من يعيش في ظل العالم الحر، أو من يعيش في منطقة الحكم الاستبدادي والفكري الموجه والضاغط؛ يمكن أن نستقرئ المشكلات التالية:
- المشكلات الدينية.
- المشكلات الاجتماعية ومسائل الأحوال الشخصية.
- المشكلات التربوية والأخلاقية.
- المشكلات اللغوية والتعليمية.
- المشكلات السياسية.
- المشكلات الاقتصادية والمالية.
وفيما يأتي من المطالب تفصيل وبيان:
المطلب الأول: المشكلات الدينية:
إذا كانت الأغلبية المسلمة -المغلوبة على أمرها تحت حكم الكفار- من أي طائفة كانوا، لم يجدوا مجالًا للحديث عن مجرد حق الحياة، فالأمر بالنسبة للأقليات المسلمة
стр. 120
أشد وأنكى، وبخصوص الأقليات المسلمة فقد كان نصيبهم في غالب الأحيان هو البطش والاضطهاد، وفي بعض الأحوال إجبارهم على الرحيل.
وفيما يلي بعض نماذج من معاناة الأقليات المسلمة تحت حكم الأكثرية غير المسلمة، سواء الأكثرية المسيحية أو الوثنية أو الشيوعية.
الفرع الأول: الأقليات المسلمة تحت حكم صليبي:
من الدول التي تحكمها الأغلبية المسيحية في آسيا: الفلبين، وفي أوروبا: قبرص، وفي أفريقيا: أوغندا، وكينيا، وموزمبيق، وملاوي، والكونغو، وبورندي، ورواندا، وغانا، وليبيريا، وزامبيا، وروديسيا، واتحاد جنوب أفريقيا، وبتسوانا، وأنجولا، وزائير، ومعظم دول القارات لثلاث الأخرى، تتفاوت درجة المأساة التي أصابت الأقليات المسلمة تحت حكم صليبي بتفاوت مدى الحقد الدفين في قلوب الحكام المسيحيين والمصلحة التي يمكن أن يكتسبوها من وراء ذلك.
ولا شك أن الاستعمار الأوروبي لأفريقيا مهد للإرساليات التبشيرية لكل الطوائف المسيحية من جانب، كما مهد للاستيلاء على المواد الخام التي تزخر بها القارة من جانب آخر، ومما تجدر ملاحظته أيضًا أن انتشار الإسلام في إفريقيا ودخول قرى ومدن بأسرها في الإسلام؛ كان سببًا مباشرًا في تزايد الحملات التنصيرية على القارة السمراء، وتبع ذلك محاربة الحكم النصراني في تلك البلاد للمدارس الإسلامية وإغلاقها بالقوة، وقصر التعليم والوظائف على الطوائف المسيحية (١).
وتزامن مع هذا: التوسع في بناء الكنائس وتدعيمها بالمال، فالكنيسة اللوثرية في تنزانيا -على سبيل المثال-: بلغت ميزانيتها السنوية، قبل عام (٢٠٠١ م) ١١ مليون دولار توظف غالبيتها في أعمال التنصير، مع تراجع واضح في عدد المساجد والمراكز الإسلامية (٢).
стр. 121
وأما في دولة سبق أن حظيت بحكم المسلمين حقبة من الزمان، مثل: الأندلس أو أسبانيا حاليًا، كان نصيب المسلمين بعد انهزام قواتهم هو التقتيل والإبادة، ولم يَنْجُ من الموت إلا من تمكن من الفرار إلى بلاد أخرى (١).
وكانت محاكم التفتيش التي أقامها المسيحيون بعد سقوط الأندلس المسلمة في أيديهم أبشع الاضطهادات التي مارسها المسيحيون لأتباع الأديان الأخرى في التاريخ كله، كان الموت ومصادرة الممتلكات هو الحكم الذي أصدره الإمبراطور شارل الخامس في أسبانيا سنة (١٥٢١ م) ضد جميع الهراطقة -المسلمون واليهود في مقدمتهم-، وكانت قرارات حرق الناس وشنقهم وتمزيق جثثهم، ولَوْي ألسنتهم هي العقوبات الشائعة لمن يرفض قبول الاعتراف بصحة العشاء الرباني على الطريقة التي يقول بها شارل، فما بال عدم الاعتراف بالمسيحية جملة (٢).
أما حربهم على الإسلام بتشويه صورته وصورة نبيه ﷺ ، فلم تنخفض شراستها إلا في أوائل هذا القرن، عندما بدءوا منذ السبعينات ينظرون إلى ضرورة إيجاد نوع من الصلة والتفاهم بين المسيحيين والمسلمين عن طريق الحوار.
واعترف بهذا باحث مسيحي وهو الدكتور إيبالسا قائلًا: "إن شخصية النبي محمد ﷺ مقدمة إلى العالم المسيحي بصورة مشوهة إلى حد كبير، حولها نسجت العديد من الافتراءات والأكاذيب والخرافات التي نشأت كلها من الفكر المتعصب الذي ساد الغرب منذ بدأ الإسلام يدخل أوروبا، مثل هذه الافتراءات إحدى وسائل تعبئة
стр. 122
الجماهير ضد المد الإسلامي" (١).
وفي دولة سبق أن تعاون فيها الصليبيون المستعمرون مع الصليبيين الوطنيين، مثل: الفلبين، حيث تسلم المسيحيون المواطنون الحكم بعد رحيل المستعمرين، تسلموا كذلك المهام للقضاء على الإسلام وتحجيم وجود المسلمين، علمًا بأن دور المسلمين في الحرب التحريرية من قبضة الاستعمار الأسباني والأمريكي والياباني كان دورًا رائدًا (٢).
ومن أساليب القمع والتصفية التي مارسها المسيحيون ضد المواطنين المسلمين كما جاء في عريضة منظمة تحرير شعب المورو المرفوعة إلى لجنة حقوق الإنسان بمنظمة المؤتمر الإسلامي، بدأ التحدي الصليبي بشن هجمات إبادة جماعية على المسلمين الفلبينيين، بقتل وجرح ما لا يقل عن مائة ألف مسلم وتشريد نصف مليون، واغتصاب مليون هكتار من أرض المسلمين، وإحراق البيوت والمساجد والمدارس (٣).
وجاء في الكتاب الأبيض الذي قدمه المسلمون إلى حكومة الفلبين في سنة (١٣٧٥ هـ) أن عدد المذابح والحوادث الدامية التي ارتكبت ضد المسلمين في جنوب الفلبين بلغ ٤١٧ حادثة في ثلاث سنوات فقط (٤).
فالمواطنون المسلمون محاربون في مسقط رأسهم من قِبَل بني جنسهم؛ الأمر الذي جعلهم في موقف الدفاع دائمًا عن الأرواح والعقيدة (٥).
стр. 123
إذا كان تصرف المستعمرين المسيحيين -كإنجلترا وأمريكا- في البلاد المستعمرة شديد الحيف على المسلمين، بالتعاون مع المواطنين غير المسلمين قديمًا، وبدعم حركات التنصير العالمية حديثًا، فإن سياستهم داخل بلادهم تميل إلى نوع من إعطاء حرية المعتقدات والعبادات للمواطنين، حرصًا على لافتتها الديموقراطية، ولكن التفرقة بين المواطنين ما زالت موجودة في كثير من الأمور.
إن غلبة الإحساس بالتفوق والتمييز لدى الإنجليز، إذا ما نظروا إلى الشعوب التي كانوا يحكمونها، يجعل التعامل معهم بعقلية الغالب والمغلوب، فقانون الجنسية هناك مثلًا يقوم على أساس النفعية البحتة، فعلى حسب إفادة الناس ونفعهم للدولة يكون وضعهم فيها؛ ولذلك تقرر التمييز في المواطنة بين: رعية Subject، مواطن Citizen، وطني Nationalist، تضم الأولى الذين درجتهم أدنى في الجنسية وبالتالي في الوضع والحقوق، تليهم الثانية، ثم الثالثة أعلاهم درجة (١).
وإن كانت الدولة تترك المسلمين يمارسون شعائرهم الدينية بالحرية، إلا أن بعض المواطنين المسيحيين قد يتخذون موقفًا معاديًا، ففي بريطانيا طردت مديرة إحدى المدارس طالبين مسلمين بعد أن ضبطا وهما يصليان في موقف سيارات المدرسة، وقالت المديرة: "إن الإسلام دين الشيطان، وأنها لا تعتبر نفسها مسيحية إذا لم تؤمن بذلك" (٢)، ولم يذكر أن فعلت الحكومة شيئًا لإنصاف المعتدى عليهما.
وهذا التصرف انعكاس من الصورة الحقيقية لشعور المسيحيين بالغرب عمومًا إزاء الإسلام، جاء على لسان المنصر الإنجليزي Canon David Maclnnes قوله: "من
стр. 124
أضخم التحديات التي تواجهنا في بريطانيا -في اعتقادنا- هو وجود مليون مسلم في هذه البلاد؛ ولذا يجب على المسيحيين مواجهة تواجدهم بكل جد" (١).
ولا يختلف الأمر في الولايات المتحدة، فالتفرقة التي يعاني منها المواطنون السود مرجعها إلى جانب اللون الدين كذلك، حيث يُمَثَّل الإسلام في المسلمين السود، حيث اتخذت التفرقة سبيلها في العرف والقانون معًا، فللسود مدارس خاصة ومستشفيات خاصة، ومن صور التفرقة بسبب الدين أيضًا تمتع المواطنين اليهود بوضع جيد مؤثر في سياسة الدولة دون غيرهم من الأقليات.
ولا تزال المراكز الإسلامية في دول العالم المتحضر كأمريكا تعاني معاناة كبيرة تارة من الأفراد بالتخريب والسرقة والبلاغات الكاذبة، وتارة من وسائل الإعلام التي تشن حملاتها الإعلامية المضللة، والتي يُتَّهم فيها المسلمون بالإرهاب والتدمير واتخاذ المساجد معاقل للتدريب وتخزين الأسلحة، ومن الحكومات بمنع وتعويق صدور تراخيص البناء للمساجد والمراكز في بعض المناطق (٢).
وأخيرًا:
فلا شك أن المجتمعات الأمريكية والأوروبية تمتعت فيها الأقليات المسلمة بهامش لا بأس به من الحرية، إذا ما قورن ذلك بمجتمعات ودول أخرى، إلا أنه لا بد أن يذكر أن هذا الهامش قد تقلص في السنوات الأخيرة بشكل بالغ -ولا سيما بعد سبتمبر ٢٠٠١ م- حيث فرضت القوانين الخاصة التي يراد منها في الحقيقة مواجهة الإسلام وأهله في تلك البلاد، ولا تخفى هذه الحرب الصليبية التي تشنها أمريكا وحلفاؤها من
стр. 125
البريطانيين وغيرهم على الإسلام وأهله في أفغانستان والعراق وما يترتب عليها من آثار داخل المجتمع الغربي نفسه، وما ينجم عن هذا من سلبيات تجاه مجتمع الأقليات.
الفرع الثاني: الأقليات المسلمة تحت حكم الوثنيين:
الدول التي بها أقليات مسلمة يحكمها الوثنيون منها: الهند، وسيلان، وبورما، وتايلاند، ونيبال، وبوتان، وسنغافورة، واليابان، وكمبوديا، وكوريا الجنوبية، ولاوس.
هناك فارق ملحوظ بين دولة مستقلة متحضرة، وأخرى لم تكن متقدمة وسبق لها أن تعاونت مع الاستعمار الصليبي على المسلمين، فاليابان رغم أن دينها الرسمي وثني فبموقفها الاستقلالي وتقدمها في المدنية تعطي للمواطنين الحرية الكافية لاختيار معتقد أو دين معين، دونما تدخل من جانب الدولة بموجب الدستور، فالبوذيون لهم نشاط ذو شأن هناك، وكذلك المسلمون.
ولقد انتشر الإسلام في اليابان بسرعة فائقة، فعلى سبيل المثال كان عدد المسلمين قبل سنة (١٣٩٤ هـ) حوالي ١٤ ألف مسلم، ووصل عددهم بعد سنتين إلى ٢٨ ألفًا (١).
ومما كان يساعد هذا الانتشار تأثر اليابانيين بالإسلام من خلال اتصالهم بالدول المسلمة، خصوصًا بعد سياسة امتناع الدول العربية المصدرة للنفط من بيع نفطها في السوق العالمية انتصارًا لحرب (١٩٧٣ م) ضد إسرائيل، حيث اشتدت حاجات اليابان إلى البترول، كذلك من خلال اتصالهم بالمسلمين الأجانب داخل اليابان، وقبل ذلك بدخول عدد من اليابانيين الإسلام عند عودتهم من المستعمرات بآسيا.
امتلك المسلمون باليابان ١٥ مؤسسة إسلامية نشطة وفي تزايد مستمر- كما يوجد الدعاة اليابانيون المثقفون والمتفانون، مثل: الطبيب سوقي فتاقي، الذي أسس مستشفى إسلاميًّا شاملًا كمركز للدعوة إلى الله، وقد أسلم بجهوده بحمد الله عشرات
стр. 126
الآلاف من اليابانيين (١).
أما الدول الأخرى التي تدين بالوثنية، مثل: الهند التي تدين بالهندوسية، أو التي تدين بالبوذية، مثل: تايلاند وبورما، نتيجة لوضعها غير المتقدم مدنيًّا، وسبق تعاونها مع المستعمر الغربي على المسلمين، فإن الأقليات المسلمة فيها تعاني من سياسة التفرقة والإضعاف المتمثلة في أساليب متنوعة مثل: التصفية الجسدية التي وصلت كثيرًا إلى درجة الإبادة، ففي عام (١٣٩٩ هـ) أباد الهندوس المسلمين في ثلاثة أيام متتالية، قتل فيها أكثر من ألف شخص وجرح أكثر من ١٥٠٠ مسلم، مما دفع رابطة العالم الإسلامي إلى تقديم احتجاج (٢).
كذلك حادث آسام عام (١٩٨١ م) لقي فيه أكثر من ٥٠٠ مسلم مصرعهم، وفي بورما تعاون البوذيون مع الشيوعيين في بعض الأحيان لارتكاب المذابح ضد المسلمين (٣).
ولا تزال أحداث قتل المسلمين في المساجد في السنوات الأخيرة بالهند وحرقهم ماثلة أمام العيان، ومن المعلوم أن الحكومة الهندية تشجع المنظمات المتطرفة بغض الطرف عن أعمالها ضد المسلمين ومن المعلوم أنه ما تزال أحداث المسجد البابري، وهدمه عام (١٩٩٢ م) شاخصة في ذاكرة التاريخ، حيث أقاموا تمثالًا لبوذا داخل المسجد، وأغلق المسجد من يومها وبداخله التمثال (٤).
وفي فبراير (٢٠٠٢ م) وقعت "أحداث جوجارات" التي مثلت قمة الانتهاكات ضد الأقلية المسلمة؛ حيث قُتل فيها أكثر من ألفي مسلم، وشُرِّد عشرات الآلاف من منازلهم ودفن العشرات أحياء في قبور جماعية وهم موثقو الأيدي، وأدانت منظمات
стр. 127
حقوق الإنسان ما جرى لأهل الإسلام في تلك البلاد (١).
وما تزال دعاوى الهندوس ومنظماتهم الدينية تطالب بتحويل ١٧٠ مليون مسلم إلى الديانة الهندوسية (٢).
وفي تايلاند كثيرًا ما تتهم الحكومة المسلمين بأنهم شيوعيون؛ لتبرير القبض عليهم أو قتلهم، كما تفرض الدولة على المسلمين هناك الثقافة البوذية، ولقد قام البوذيون هناك بتزييف طبعات محرفة للقرآن الكريم، ومن العجب أن تسمح تلك الدولة بالإرساليات النصرانية في بلادها في أوساط المسلمين (٣).
الفرع الثالث: الأقليات المسلمة تحت الحكم الشيوعي:
لا يتوقع من حكومة بَنَتْ إيديولوجيتها على الإلحاد ومحاربة الدين أن تعامل أهل الأديان السماوية عامة، وأهل الإسلام على وجه أخص؛ إلا بالظلم والحيف!
والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى؛ فقد فرض الشيوعيون على جميع المواطنين الولاء للمذهب الماركسي اللينيني؛ ففي الاتحاد السوفيتي السابق نصَّت المادة ١٣٠ من الدستور: "على كل مواطن في الاتحاد السوفيتي أن يأخذ بيد جميع المواطنين طوعًا أو كرهًا ليبلغوا درجة الإيمان بالمذهب الماركسي اللينيني!! وكل مواطن في الاتحاد السوفيتي يلتزم بأن يراعي الدستور، ويطبق أحكامه، ويحافظ على نظام العمل، ويؤدي أمانة واجبه الاجتماعي، ويحترم الأسس التي يقوم عليها المجتمع الاشتراكي".
ويقسم المواطنون حسب ولائهم للمذهب إلى ثلاثة أصناف (٤):
стр. 128
١ - من يؤمن بالمذهب الماركسي والنظام اللينيني، وهم الطبقة الأولى التي تحمل جنسية الاتحاد السوفيتي، بصرف النظر عن مكان ولادتهم وأصل نسلهم.
٢ - من يؤمنون بالمذهب الماركسي دون النظام اللينيني، وهذا الصنف ينظر إليهم نظرة أدنى، وبالتالي يكون مركزهم في الجنسية أضعف.
٣ - من لا يؤمنون بهذا ولا ذاك، وهذا الصنف لا يستحق على الإطلاق أن يحمل الجنسية السوفيتية، بل لا يستحق أن يبقى على قيد الحياة.
والأقليات المسلمة في مثل هذه الدول من الصعب أن تجد انفراجًا لمجرد المحافظة على دينهما وممارسة شعائرهما إلا في الخفاء والحدود الضيقة، ففي كل من الاتحاد السوفيتي السابق والصين الشعبية اتخذت الحكومة الشيوعية عدة أساليب للتعامل مع المواطنين المسلمين منها (١):
إغلاق المدارس الإسلامية، والمساجد وهدمها وتحويلها إلى أماكن سياحية، بل وإلى مزابل، ومصادرة الكتب الإسلامية وإحراقها، ومنع الصلاة والصوم والحج وذبح الأضاحي بحجة الإضرار باقتصاد البلاد، وأمام هذا التضييق اضطر بعض علماء السلطان في روسيا إلى إصدار الفتوى التي أباحت جمع الصلاة مرة واحدة في اليوم، وأداء الصوم يومًا واحدًا في شهر رمضان انسجامًا مع أهداف السوفيت، ومورست سياسة التهجير الإجباري لتفريق تجمع المسلمين واستيطان غير المسلمين في مناطق المسلمين.
وفي سبيل محاربة الدين الإسلامي عمدت الحكومة إلى تعبئة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والتعاليم المدرسية لتشويه صورة الدين والمتدينين والسخرية منهم، وذلك إلى جانب أسلوب القبض على زعماء المسلمين وقتل الكثير منهم بحجة عدم الولاء
стр. 129
للنظام، وإبادة المسنين من المسلمين في المزارع الجماعية لاستغناء الدولة عنهم.
ولا شك أنه بعد سقوط الدب الروسي وتفكك إمبراطورية الإلحاد العالمية، وتحرر كثير من الجمهوريات الإسلامية، قد تغيرت أحوال المسلمين إلى الأفضل، وإن بقيت مشكلات بشكل أو بآخر في الجانب الديني.
فأحيانًا تكمن المشكلة أو لعلها تبدأ بعدم وجود مسجد أو مصلى، وفي حال وجوده تظهر مشكلة توافر العالِمِ أو الموجه، وفي حال توفر الشيخ قد لا يكون على المستوى المطلوب.
وسواء وجد المسجد أو المصلى أو العالِم أو الشيخ أو فُقِدَ هؤلاء؛ فإن طبيعة الأنظمة العامة في دوام العمل الوظيفي أو المهني قد تَحُول دون تمكين المسلمين من تأدية الصلوات في وقتها أو قد تضطرهم إلى التغيب عن الجمعة والجماعة.
وبقدر إحساس الأقليات أو الجاليات بأهمية المسجد وتأثيره على حياتهم ومسارها الإسلامي يرفعون عن أنفسهم الإثم فيعملون لإنشاء المسجد الذي غدا في أكثر الدول مركزًا إسلاميًّا تلحق به قاعة للمحاضرات وبيت للإمام ومكتبة.
ولا ريب أن مثل هذه المراكز مكلفة أرضًا وبناءً، خاصة إذا ما كان المكان في وسطٍ سكانيٍّ، ويعجز عن تلك التكلفة -بوجه عام- مسلمو تلك البلدان؛ وهنا تنشأ المشكلة، فتتراوح بين الإصرار على الإنشاء والاتصال بالعالم الإسلامي لتغطية معظم التكاليف، وبين الإبقاء على وضع متردٍ لا يليق بجالية أو أقلية (١).
ولا تفوت الإشارة إلى مأساة تركستان الشرقية الخاضعة لحكم الصين الشيوعية منذ عام (١٩٤٩ م)، وتركستان الغربية الخاضعة لحكم روسيا الشيوعية منذ عام (١٩٢٣ م)،
стр. 130
حيث أباد قطبا الشيوعية أكثر من خمسة ملايين مسلم، في حين اضطر نحو أربعة ملايين آخرين إلى الهجرة والنزول إلى البلاد الإسلامية والأوروبية إبقاءً على مُهَجِهم.
وقد ألغى الصينيون الملكية الفردية واعتبروا الإسلام خروجًا عن القانون، وأنه دين أجنبي لا صلة له بأصول وجذور الصين، فألغوا المؤسسات الدينية، وأغلقوا المساجد الرئيسة وحولوها إلى محلات ونوادٍ ومقاهٍ للخمور والفجور، وحين حاول المسلمون تأدية صلاة عيد الأضحى في تلك المساجد وقعت مصادمات عنيفة أسفرت عن مقتل وإصابة حوالي خمسة وسبعين ألفًا من أهالي تركستان وحدها، وذلك عام (١٩٦٦ م) (١).
كما أوقفت بعثات الحج الرسمية بعد عام (١٩٦٤ م)، وتم إغلاق المعهد الديني الوحيد في البلاد، ليحاول المسلمون المحافظة على عقيدتهم بالتدريس في البيوت، ولم يطرأ تحسن على هذه الأوضاع إلا بعد هلاك "ماوتسي" (١٩٧٦ م)، إلا أن الأمر لم يدم طويلًا حيث ألقت القوات الصينية القبض على زعماء الحزب الإسلامي في رمضان من عام (١٩٩٠ م) وأعدمتهم جميعًا، ومنعت من إقامة المساجد ومدارس تعليم القرآن الكريم، وتجدد الأمر في عام (١٩٩٦ م)، حيث اصطدمت الأقلية المسلمة بجحافل الإلحاد؛ الأمر الذي ترتب عليه مأساة إعدام ١٠٠٠ طفل تركستاني شرقي مسلم، واعتقال ١٨.٠٠٠ مسلم، وإعدام ٤٣ شخصية دينية، وتسريح ٥ آلاف موظف حكومي من عمله (٢).
وبعد هذا كله يصرح وزير خارجية الصين فيقول: "إننا نأمل أن تكون معركتنا ضد قوات تركستان الشرقية جزءًا من الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب في العالم"!! (٣)
стр. 131
وفي عام ٢٠٠٩ م تجددت محنة مسلمي تركستان الشرقية، حيث تصدت لهم القوات الصينية بوحشية بالغة، فَأَرْدَتْ منهم قرابة ألف شخص بين قتيل وجريح في بضعة أيام (١).
المطلب الثاني: المشكلات الاجتماعية ومسائل الأحوال الشخصية:
يقصد بتعبير المشكلات الاجتماعية مجموعة المشكلات المعيشية التي تواجه المسلم حين يعيش في مجتمع غير مسلم، بخلاف المشكلات الدينية أو العقدية؛ حيث لا يعاني بالضرورة في جانب إظهار شعائر دينه وممارسة أنشطته الإسلامية.
الفرع الأول: المشكلات الاجتماعية:
١ - حجاب المرأة:
حجاب المرأة هو عنوان عفتها وطهارتها، فهو جزء من دينها وحيائها، فرضه الله على نساء الأمة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وعليه: فليست المرأة المسلمة مخيرة في لبس الحجاب الشرعي أو عدم لبسه، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١].
ومن أغرب المشكلات التي ظهرت في بلاد الحرية المزعومة كفرنسا: منع الطالبات المسلمات من ارتداء غطاء الرأس في مقاعد الدراسة؛ حيث قامت إحدى المدارس بطرد ثلاث طالبات من المدرسة؛ لأن هذا الزي مخالف لمبدأ "العلمانية" المعمول به في فرنسا (٢)!!.
وقد تكرر هذا الأمر من قبل عدد من الجامعات في فرنسا؛ الأمر الذي حمل
стр. 132
المسلمين إلى اللجوء إلى القضاء، حيث أصدرت أعلى هيئة قضائية في فرنسا بأن من حق الفتاة أن ترتدي الحجاب في أي مكان تشاء، فهو أمر متعلق بصاحبه، وهو أمر يدخل في إطار الطاعة الدينية، ولا يتعارض مع علمانية المجتمع (١).
وليس هذا التضييق خاصًّا بمسلمي فرنسا فحسب، بل في بريطانيا قامت مديرة إحدى المدارس الثانوية بالقرب من مانشستر بطرد طالبتين مسلمتين لارتدائهما الحجاب (٢).
وأخيرًا فقد امتدت يد الإجرام في يوليو ٢٠٠٩ م وفي ألمانيا النازية! لتخلع حجاب امرأة من على رأسها، فلما قدم المجرم الأثيم إلى المحكمة تقدم إلى الضحية المسلمة ليقتلها بمرآى الجميع وفي ساحة القضاء (٣)!
وكانت قاصمة الظهر أن تسارع فرنسا وتتبعها دول أخرى مؤخرًا إلى استصدار قانون يجرم نقاب المرأة المسلمة ويعاقبها بالغرامة المالية في لبسه في الطريق العام!! (٤).
هذه النماذج من دول الديموقراطية المتحضرة! فكيف ستكون النماذج الأخرى للبلاد الإسلامية التي رزحت تحت نير الاستعمار الروسي الملحد! الذي سعى لطمس الهوية الإسلامية بكل معالمها وفي جميع صورها.
كانت تلك الضغوط ضغوطًا حكومية رسمية، ثم تبقى الضغوط المجتمعية الهائلة عبر وسائل الإعلام، وبرامج التعليم، وعجلة الحياة الجامحة عن منهج الله تعالى.
ولم يكن البوذيون في تايلاند أحسن موقفًا من غيرهم، حيث قام البوذيون في كلية
стр. 133
للبنات بتايلاند بطرد اثنتي عشرة طالبة لارتدائهن الحجاب (١).
وأخيرًا: فإن العجب لا ينقضي من تمسك هؤلاء المسلمات المغتربات عن أوطانهن أو المغتربات في أوطانهن بدينهن وأخلاقهن، ثم تبقى طائفة من المسلمات في ديار الإسلام ينزعن حجابهن طواعيةً واختيارًا، بل ويدعين غيرهن إلى هذه الشناعات بدعوى اللحاق بركب الدول المتقدمة، ولو كانت غير مسلمة!!
٢ - الاختلاط:
إن كل اختلاط بين الرجال والنساء لغير ضرورة أو حاجة، وبدون أخذ التدابير الاحترازية في اللباس والهيئة، أو الكلام والأسلوب، أو المجالس والتخاطب أمر يمنعه الشرع المطهر؛ ذلك لأنها وسائل تفضي إلى الحرام، وللوسائل أحكام المقاصد كما تقرر في الشريعة الغراء.
وهذا الموقف الشرعي قد تأصل في المجتمع المسلم حتى صار عنوانًا له وسمة مميزة له عن غيره من المجتمعات، وكان هذا السياج الإسلامي المحافظ يحيط بالمجتمع المسلم فيحمي رجاله ونساءه من الشرور والآثام.
ولا شك أن الأقليات المسلمة التي تعيش في مجتمعات متسيبة أخلاقيًّا وسلوكيًّا تعاني مشكلات ضخمة في التعليم بدرجاته المتعددة، وفي العمل بمختلف الوظائف والمهن.
وهذا أدى في كثير من الأحيان إلى تذويب الهوية المسلمة شيئًا فشيئًا من كثرة المخالطة والاعتياد، ولا يستطيع القلم أن يصف مظاهر الفساد التي تنشأ من جراء الاختلاط بين الرجال والنساء في مجتمع أخلاط من كفرة أهل الكتاب وملاحدتهم، وأقلية فقيرة مسلمة مستضعفة فيها الفتيان والفتيات، والجميع يعيش في بوتقة ملتهبة من جحيم الحياة المادية وسعار الشهوات، وبمنأى عن ديار الإسلام وقيمها الطاهرة.
стр. 134
ولذا فإن الحديث عن الزنا وممارسة الشذوذ، وزواج الكافر من المسلمة، وغير ذلك يبدو حديثًا عاديًّا في تلك البلاد، وبين أجيال أبناء المسلمين الذين هاجروا إلى تلك البلاد، فطحنتهم طاحونة الأكثرية غير المسلمة، وغلبتهم على تعاليم دينهم، وأصول أخلاقهم.
ولا شك أن الأكثرية غير المسلمة، قد وجَّهت كيدًا منظمًا بطرائق متعددة؛ مما يؤثر على الحياة الاجتماعية لمجتمع الأقلية المسلمة، ففي جمهورية البوسنة والهرسك مثلًا وقبل انفصالها عن الاتحاد اليوغسلافي سُنَّت القوانين المبيحة لزواج المسلمة من غير المسلم؛ الأمر الذي أخرج أطفالًا ممسوخي الهوية، وعديمي الثقافة الإسلامية (١).
٣ - طمس الهوية الإسلامية:
إن محاربة المسلمين والمسلمات في شأن الحجاب ما هو إلا مظهر من مظاهر طمس الهوية الإسلامية لمجتمع الأقلية المسلمة، وهنا عدة مظاهر يحسن التعريج عليها، ومنها ما يلي:
أ- تغيير الأسماء الإسلامية:
وذلك قطعًا للصلة بين الإسلام وبنيه، كان هذا بالترهيب والتعذيب والحرمان من الحقوق الأساسية للمواطن الذي يحتفظ باسمه الإسلامي ويسمي أبناءه بأسماء إسلامية، كما حصل هذا لمسلمي الجمهوريات الإسلامية إِبَّان ما يسمى بالاتحاد السوفيتي، وكذا الدول الشيوعية ذات الأقلية المسلمة كبلغاريا، حيث أرغمت السلطات على ذلك عام (١٩٦١ م)، ولا تقبل مراسلة باسم مسلم أصلًا (٢)، وفي الهند
стр. 135
الهندوسية يفرضون تغيير أسماء الأطفال إلى أسماء هندية غير إسلامية ويعتبرون ذلك شرطًا لتسجيلهم في الدوائر الرسمية (١).
كما وقع هذا التغيير بالترغيب والإيحاء في الدول الغربية حتى لا يظهر المسلمون بصورة متخلفة أو رجعية، أو متميزة عن المجتمع بشكل منفر، حتى صار من المسلمين في أوروبا من يفضل الاندماج في المجتمع الغربي، والقبول بحسناته وسيئاته (٢)!
وكانت مثل هذه الدعوة تلقى آذانًا مصغية لا سيما من المهاجرين المنهزمين حضاريًّا (٣)، كما يقول ابن خلدون: "المغلوب مولع دائمًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده" (٤).
ب- الزي واللباس:
لا تأمر الشريعة الإسلامية بلباس بع ي نه، وإنما تضع شروطًا للباس الشرعي، ثم
تدع كل إنسان لبيئته وثقافته، إلا أن الزي واللباس أصبح بفعل تباين الثقافات وتعدد
المجتمعات والحضارات أحد المظاهر الحضارية لكل شعب من الشعوب، ومن ثم
تمايزت الألبسة بتمايز الشعوب وتنوع الثقافات.
ولما دخل الإسلام إلى البلاد المفتوحة لم يفرض زيًّا ولم يطلب لبسة بعينها؛ بل أعان الناس على الدخول إلى الإسلام؛ لأنه لا يفرض على أحد هيئةً وهندامًا معينًا، في حين أن الاستعمار الأوروبي حين دخل بلاد المسلمين فرض لباسه وحمل عليه، وألزم به، وحاول فرض القبعة الأوروبية كما وقع في عدد من البلاد، فباءت محاولاتهم بالفشل.
стр. 136
وفي بعض البلاد كالصين الشيوعية مُنع المسلمون من ارتداء ثيابهم القومية، فلبسوها ثم جعلوا فوقها شيئًا مما ألزموا به (١).
وأما ما يتعلق بلباس المرأة المسلمة فقد تقدم الحديث عنه عند الكلام على الحجاب، وكثير من النساء المسلمات في الغرب يحافظن على ما هو أقرب إلى الإسلام من الثياب، ومما تجدر الإشارة إليه أن الغربيات اللائي يسلمن يرتدين الحجاب ويلتزمن به (٢).
جـ - التهجير الإجباري للسكان والتطهير العرقي:
لا ينسى المسلمون في الجمهوريات الإسلامية خطاب القادة البلاشفة الموجه إليهم في (٧/ ١٢/ ١٩١٧ م)، والذي كان من بين من وقعه "لينين" و"ستالين"، والذي جاء فيه: "أيها المسلمون في روسيا، أيها التتر على شواطئ الفولجا وفي القرم، أيها الكرغيز، والسارتيون في سيبريا والتركستان، أيها التتر والأتراك في القوقاز، أيها الشيشيين، أيها الجبليون في أنحاء القوقاز. . . أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم وقبوركم، واعتدي على عقائدكم وعاداتكم، وداس القياصرة والطغاة الروس على مقدساتكم؛ ستكون حرية عقائدكم مكفولة، ومنظماتكم الثقافية مكفولة لكم منذ اليوم، لا يطغى عليها طاغٍ، ولا يعتدي عليها معتدٍ. . . هُبُّوا إذن فابنوا حياتكم القومية كيف شئتم فأنتم أحرار، لا يحول بينكم وبين ما تشتهون حائل، إن ذلك من حقكم إن كنتم فاعلين، واعلموا أن حقوقكم شأنها شأن حقوق سائر أفراد الشعب الروسي؛ تحميها الثورة بكل ما أُوتِيَتْ من عزم وقوة، وبكل ما يتوفر لها من وسائل؛ جنود أشداء، ومجالس للعمال، ومندوبين عن الفلاحين، وإذن فشدوا أزر هذه الثورة وخذوا بساعد حكومتها الشرعية" (٣).
стр. 137
ولما كان المسلمون في ظل عهد القياصرة ذاقوا ألوانًا من الظلم والاستعباد، فقد تاقت نفوسهم وانعقدت آمالهم على إقامة دولة إسلامية ذات استقلال ذاتي في ظل الحكم الجديد، ودغدغ البلاشفة عواطفهم ليصلوا إلى مآربهم، وما أن استقرت الثورة وهدأت الأمور حتى أصدر لينين في إبريل (١٩١٨ م) أمره بالزحف على البلاد الإسلامية دون سابق إنذار، وجعلت الطائرات تقصف، والدبابات تحصد البلاد وتبيد العباد، ولم يكن بيد المسلمين من الأسلحة المتقدمة ما يعين على التصدي أمام الغزو الروسي الملحد، وكان أول ما بدءوا به قتل القيادات الإسلامية وتصفيتها، وإبادة الزعامات الوطنية بوصفهم جميعًا أعداء الثورة وجواسيس لليابان أو لألمانيا الهتلرية (١).
وكانت الخطوة التالية بفرض الهجرة الإجبارية على المسلمين إلى مجاهل سيبيريا، ونقل الروس إلى أراضيهم حتى يقللوا نسبة المسلمين في مناطقهم، ولا سيما إذا كانت مناطقهم غنية، ذات أهمية سياسية أو استراتيجية (٢).
وفي بلغاريا قامت عمليات التهجير الإجباري جنبًا إلى جنب مع التطهير العرقي والتصفية الجسدية؛ الأمر الذي ذكَّر بإجرام الأسبان في حق المسلمين، والأثيوبيين في أريتريا، وأوجادين وشعب بورما في أراكان، وفعل مجرمي الحرب في البوسنة وبلاد البلقان، وما يفعله الصهاينة المعتدون على أرض فلسطين (٣).
وإذا نسينا فلا ننسى هذه الهجرة الإجبارية التي فرضت على مسلمي فلسطين، والتي نسج خيوطها "تيودور هيرتزل" حين كتب: "سيكون علينا أن ندفع السكان المفلسين عبر الحدود؛ بتوفير العمالة لهم في البلاد المجاورة مع حرمانهم من أي عمل في
стр. 138
بلادنا، ولكن يجب أن تتم عملية إخراج هؤلاء الفقراء بحيطة وحذر" (١)، ومن صور الإجبار على الهجرة: تحويل الديار العامرة إلى صحراء لا زرع بها ولا ماء!
ثم صرح "إسرائيل شاهاك" بأن ما يقرب من أربعمائة قرية تم تدميرها تدميرًا كاملًا بديارها وبساتينها وحتى مدافنها، بحيث أصبح عاليها سافلها، ويقال للسياح الذين يمرون بها: إنها كانت صحراء، وقد اتبعت سياسة التدمير هذه بعد احتلال الضفة الغربية والقدس وغزة في (١٩٦٧ م) (٢).
وعليه فلقد نتج عن إقامة الكيان اليهودي الغاشم على أرضنا في فلسطين خروج أكثر من مليوني لاجئ إضافة إلى ١.٧ مليون داخل الأرض المحتلة -من بينهم نصف مليون كانوا موجودين قبل عام (١٩٦٧ م) - ولا تزال حملات مصادرة الأراضي وهدم المنازل والملاحقات الأمنية والضرب بالرصاص الحي تجري على أشدها في بلاد الأقصى اليوم.
د - القضاء على القيادات في مجتمع الأقليات:
بطرد زعماء الأقليات الإسلامية ومثقفيهم، ونفيهم خارج البلاد، أو حبسهم ووضع أناس في مناصب الزعامة من الذين باعوا أنفسهم لأعداء هذه الأقلية بدراهم معدودة، وهذا يسهِّل اندماج الأقلية المسلمة في الأكثرية؛ لأن الأقلية عندما تصبح بغير مثقفيها وعلمائها تكون مجموعة مشتتة عديمة النفوذ، يسهل على الأكثرية امتصاصها والقضاء عليها إذا لم تساند من طرف الأمة الإسلامية (٣).
فمثلًا في يوغسلافيا سابقًا وفي الاتحاد السوفيتي منذ تولى الشيوعيون الحكم قتلوا وسجنوا وطردوا مئاتٍ، بل آلافًا من علماء المسلمين، وبقي الشعب المسلم بغير أناس واعين
стр. 139
متعلمين يعرفون ماذا ينتظر شعبهم في المستقبل من الخطر الشيوعي ليعدوا لمواجهته.
هـ - إسقاط قوامة الزوج، وإضعاف سلطة الوالد:
وهذا الأمر من أكبر أبواب الفساد الاجتماعي، حيث تعطي قوانين وأعراف تلك البلاد الزوجة حقوقًا تستغني بها عن زوجها وأولادها وأسرتها، وكذا الأولاد يملكون أن يغادروا الأسرة وأن ينشئوا بعيدًا عنها، وأن يجلب الابن الشرطة لأبيه لأنه ضربه على ذنب اقترفه، أو هدده فقط بالضرب، وبمجرد أن يطالب الابن بحقه فإن الشرطة تتدخل لتستدعي الأب المذنب، وربما أودعته السجن لقيامة بواجب تأديب ولده!!
فالأولاد إذا ما كبروا وبلغوا فلا سلطان لأحد عليهم في الإقامة والمبيت والدراسة والعمل، فهم أحرار في تصرفاتهم، ولا سلطان للأب عليهم، ولا واجبات عليهم تجاهه.
ولقد خسر كثير من أولئك المهاجرين أبناءهم وأنكروا فضلهم، ومن قبل انسخلوا من دينهم.
ومن جهة أخرى فإن المرأة -إذ تتمتع بحرية كبيرة- تجعل الزوج مكبل اليدين أيضًا إزاء تصرفات زوجته: مما يضطره إلى أحد الاحتمالين: طلب الطلاق مع ما يستتبع ذلك من آثار قانونية واقتصادية فادحة، أو السكوت عن تصرفات الزوجة وانحرافاتها الشرعية، تلك التصرفات أو الانحرافات التي لا تعتبر في نظر القانون إلا تعبيرًا عن حرية مباحة لا يملك الزوج لها رفضًا، والمشكلة هنا أن يتأقلم الزوج أو الزوجة في أجواء البيئة القانونية مما يجعل حياة الأسرة المسلمة في خطر كبير (١).
ذلك أن المرأة مثل الرجل، تؤمِّن الدولة لها مأكلها ومشربها وملبسها ومسكنها، سواء كانت عزباء أو متزوجة، تعمل أو لا تعمل، وكذا الرعاية الصحية مكفولة للجميع بلا استثناء.
стр. 140
وحق الضمان الاجتماعي والصحي هو لكل مقيم في البلد سواء نال جنسية البلد أو لم ينلها.
ونظام الضمان هذا وإن كان يسهِّل على الناس عيشهم، إلا أنه يفتح بابًا واسعًا للزوجة لتمرق من طاعة زوجها لأدنى سبب؛ إذ إنها ليست بحاجة إلى إنفاقه عليها ولا رعايتها ما دامت الدولة تتكفل بهذا، فالعقدة الزوجية عرضة للانفصام عند أول سوء تفاهم، والمرأة إن لم تكن ذات دين يحثها على رعاية زوجها وأولادها وأسرتها، فإنها تقضي على كل هذه القيم عند أول مشكلة دون خوف فقر أو عتاب مجتمع.
فلا يبقى إلا عنصر الأخلاق القويمة وحسن التنشئة، والولاء الطوعي للإسلام وقيمه هو الضابط الوحيد الذي يمكن أن يضبط الأسرة ويوجهها، وهو عنصر يتطلب زرعه وتأصيله مجهودات ضخمة ضمن أجواء عائلية مريحة، وقد يوفق رب العائلة في تحقيقه وقد يفشل!
الفرع الثاني: مشكلات الأحوال الشخصية:
في أثناء الحديث عن المشكلات الاجتماعية ذُكر طرفٌ من المشكلات ذات الصلة بالأحوال الشخصية، وسوف تأتي معالجة فقهية لبعض نوازل هذه الأقليات في جانب الأحوال الشخصية، لكن لعله يكفي في هذا المقام التذكير بعدد من القضايا والمسائل المشكلة التي تواجه الأقليات المسلمة في بلاد الغرب، ومن ذلك:
١ - أحكام الزواج من غير المسلمات سواء كن كتابيات أو ملحدات أو وثنيات، وما يترتب على هذا الزواج من إشكالات وآثار وخيمة على الأسرة المسلمة.
٢ - إسقاط المانع الديني من زواج المسلمة من غير المسلم، وجعل إجراءات الزواج ذات طابع مدني وليس دينيًّا، وإسقاط اعتبار الزواج الشرعي عند تسجيله في الأوراق الرسمية، وما يستتبع ذلك من إشكالات.
٣ - قدرة المرأة على تطليق نفسها من زوجها بدون إرادته، وعدم قدرة الزوج على ذلك إلا من خلال المحكمة، مع ما يتبعه من آثار في مال الزوجين والمشاركة والمقاسمة
стр. 141
عند الطلاق وعدم التقيد بعدد الطلقات والأصول المعروفة في ذلك شرعًا.
٤ - تقنين منع تعدد الزوجات، ولو مع الحاجة أو الضرورة الشرعية، مع إباحة الخليلات.
٥ - عدم الاعتراف بموانع الزواج إلا وفقًا للقانون المدني، وهو ما يختلف في بعض الجوانب مع الشريعة الإسلامية.
٦ - أحكام الزواج الصوري الذي يلجأ إليه راغبو الإقامة في تلك البلاد بغرض الحصول على التصريح بالإقامة أو الجنسية.
٧ - ما يترتب على إسلام الزوجة وبقاء زوجها على ديانته.
٨ - ولاية المراكز الإسلامية في عقد التزويج والتطليق، وحكم تطليق القاضي غير المسلم في غير دار الإسلام.
٩ - توزيع الإرث وفقًا للقانون المدني المخالف للشريعة الإسلامية، وحكم التوارث بين المسلمين وغير المسلمين.
وسوف يلقي البحث -بمشيئة الله في الفصول المقبلة- أضواءً على بعض هذه القضايا الشائكة.
وأخيرًا. . . فإن الإسلام دين متكامل، يشمل جميع نظم الحياة الإنسانية المختلفة، ومنها: النظام الاجتماعي، ولا شك أن النظام الاجتماعي الإسلامي يختلف عن سائر النظم الاجتماعية في العالم؛ ولذلك لا يستطيع المسلم أن يعيش وفق أحكام هذا النظام إلا في المجتمع المسلم الذي يدين بدين الإسلام، ويطبقه تطبيقًا كاملًا.
ومن هنا تواجه الأقليات الإسلامية التي تعيش في غير المجتمعات الإسلامية المشكلات الكبيرة والكثيرة المختلفة؛ لأن حياتهم الاجتماعية تختلف بكاملها عن حياة الأكثرية، إلا أن أكبر مشكلة اجتماعية تواجه الأقليات المسلمة وتهددها ليلًا ونهارًا ولا تتركها لحظة واحدة؛ هي مشكلة خطر الاندماج والذوبان في الأغلبية التي تعيش بينها،
стр. 142
وجميع المشكلات الاجتماعية التي يصنعها أعداء الإسلام تخدم هذه المشكلة مهما تنوعت وتكاثرت.
وعليه فإن التحدي الأكبر هو بقاء الأقلية المسلمة متميزة بعقيدتها وشريعتها وأخلاقها وفي الوقت نفسه تسعى لتقوية شوكتها العلمية والاقتصادية والسياسية، وهذا لا يتأتى إلا من خلال التفاعل الإيجابي الحذر مع هذه المجتمعات التي يكثر في حياتها الانحراف ويتنوع الفساد، ويجاهَر بالمنكرات.
المطلب الثالث: المشكلات اللغوية والتعليمية:
إن العربية عنوان شخصية المسلم، وبقدر ما تتعمق العربية في عقول المسلمين وألسنتهم يرتبطون بالإسلام؛ إذ إن العربية مدخل لفهم القرآن، كما أنها مدخل لإبراز معالم أساسية في شخصية المسلم.
العربية لغة القرآن، فهي اللغة الإسلامية الأم التي ينبغي على المسلمين عربًا وعجمًا تعلمها حتى يؤدوا العبادة على أكمل وجه.
واللغة العربية تعد الآن رابع لغة قومية في العالم من حيث عدد المتحدثين بها كما قرر أحد الباحثين (١)، إذ يتحدث بها نحو ١٥٠ مليون، بعد اللغة الصينية والإنجليزية والأسبانية، غير أن الإنجليزية -مثلًا- تعد لغة ثانية في كثير من البلاد مما يزيد عدد المتحدثين بها إلى نحو ٨٠٠ مليون أيضًا.
وبغض النظر عن أن أعدادًا ضخمة من المسلمين غير العرب في العالم الإسلامي لا يحسنون العربية، كما أن مدارسهم لا تعلمهم العربية، حتى كلغة ثانية بعد اللغة القومية الأولى، فإن الأقليات يشعرون بارتباك كبير في هذا الصدد، فالأقليات تعيش حالة أشبه بعزلة، فالتحديات
стр. 143
المتنوعة تحاصرها من كل جانب، وهي تجالد في مقاومة مستمرة حفاظًا على الوجود ومنعًا من ذوبان الشخصية في عالم الأكثرية الذي تعيش فيه، فكيف يتسنى للأقلية تعلم العربية وتعليمها للناشئة؟ وبعض الأقليات تفتقد العالِم أو الشيخ أو ما يعرف برجل الدين، ليلقنها مبادئ دينها؛ فكيف بالعربية؟ وعلى افتراض وجود بعض المسلمين المتحدثين بالعربية، فإن إلزام الأطفال تلقنها أمر في غاية الصعوبة.
وبعض الأقليات تعيش في جهل أو تجهيل ضمن سياسة الدولة وظروف حياتهم الزراعية والريفية، كأكثر مسلمي الكتلة الشيوعية والصين، وهم غير ملمين بلغاتهم القومية فكيف بالعربية؟ وبعض الأقليات كالجاليات الجديدة في أستراليا وأوروبا وأمريكا وبعض الدول الأفريقية، غير ممنوعين من استعمال العربية وتعلمها، إلا أن الظروف الحياتية الضاغطة وانعدام التوجيه والتخطيط العام بشأن الجاليات والأقليات في العالم يجعل من العربية لسانًا ثقيلًا على الناشئة، ففي أستراليا -مثلًا- نجد أبناء المسلمين العرب الذين وفدوا إلى أستراليا وهم أطفال أو خلقوا فيها، نجدهم يعانون صعوبات في النطق بالعربية مع محاولة خجولة من آبائهم لتعليمهم إياها ولتدريسهم لها، وبالرغم من محاولات خجولة أيضًا في إيجاد مدارس السبت والأحد الأهلية لتعليم الأطفال العربية ومبادئ الدين، فإن الأجواء العامة في البلد تشد الطفل إلى ترك العربية أو الانسلاخ عنها واللواذ بالإنجليزية؛ فمدارسهم تعلمهم الإنجليزية وكذلك المذياع، حتى الوالدان قد يتكلمان الإنجليزية الأمر الذي يؤدي وسط حركة الحياة إلى ضياع اللسان العربي في الطفولة الجديدة، فيجعل الأجيال القادمة أكثر انسلاخًا من شخصيتهما العربية والدينية، وأكثر التصاقًا بالمجتمع الجديد الذي يحملون جنسيته وهويته ويتكلمون لغته ويأكلون من خيراته.
ويشعر المسلم -مهما ضعفت ثقافته- أن عليه واجبًا أمام أطفال الجيل الجديد، كما يشعر الآباء
стр. 144
بعبء الأمانة الملقاة على كواهلهم وهم يرون أبناءهم وقد تفلتوا من العربية.
ومع المحاولات الجادة والجاهدة من قبل الأكثرية غير المسلمة في تذويب اللغة العربية وطمسها من قاموس الأقلية تبدو المشكلة متفاقمة.
وكثيرًا ما حاولت الأكثريات إلغاء اللغات القومية بحجة تطويرها، فتمنع كتابتها بالأحرف العربية مثلًا، وتفرض كتابتها بأحرف اللغة المركزية أو الأحرف اللاتينية، وذلك في محاولة أولى منها لقطع حاضر الأقليات بماضيها الثقافي والديني.
وهكذا وجدنا روسيا تمنع مسلمي جمهورية الشيشان وأنجوشيا المتحدة مع روسيا -٧٤ % من الجمهورية مسلمون- من كتابة لغتهم بالأحرف العربية، وتفرض روسيا ذلك على سائر القوميات، كما وجدنا الصين تمنع أبناء القومية الإيغور -التركستان، ٨ مليون نسمة- من كتابة لغتهم بالأحرف العربية وألزمت المسلمين جميعًا باللغة الصينية، وفي الهند -أيضًا- يُطلب من المسلمين كتابة اللغة العربية -وهي لغة المسلمين الأولى- بالأحرف اللاتينية وتمنع تدريسها في معظم المدارس، حيث تولي الحكومة المركزية اهتمامها بتدريس الهندية والإنجليزية، وتعتبر اللغة الهندوكية لغة الوظيفة الرسمية، وكذلك الأمر في تايلاند، حيث أصرت الحكومة على السيطرة على التعليم في فطاني وعلى نشر اللغة السيامية بدلًا عن اللغة الماوية لغة أهل فطاني، وكانوا يكتبونها بالأحرف العربية، واشترطت الإلمام باللغة التايلاندية للحصول على الوظائف الحكومية.
غير أن رفض المسلمين -عمومًا- ترك لغاتهم القومية والإصرار على التمسك بها وتداولها واعتبارها رسمية في مقاطعات الحكم الذاتي، ساعد كثيرًا على حفظ وجودهم وعدم الذوبان في المجتمع الأكثري المفروض، ولو أنهم أتقنوا اللغة المركزية؛ مما أربك السلطات المركزية التي لا تزال تصر على الاستيعاب العام ضمن فرض اللغة الواحدة.
ولا شك أن وجود مدارس يمكن أن تعلِّم العربية منهاجًا متكاملًا ولو كلغةٍ ثانية بين الأقليات؛ أمر يساعد على معالجة المشكلة؛ ذلك أن وجود مثل هذه المدارس
стр. 145
سيفرض هجرة بعض المثقفين العرب أو أساتذة التعليم، وهؤلاء سيشكلون بذاتهم تطورًا في توعية أبناء الجالية، فإذا ما رافقهم توجيه مدروس ومخطط له، أمكن تجاوز بعض المخاطر والعقبات.
كما تجدر الإشارة إلى أسلوب اعتنت به الأقليات المسلمة في السنوات الأخيرة، حيث عمدت الجاليات المسلمة إلى إرسال أبنائها وبناتها ليدرسوا اللغة العربية في بلادها، وبين الناطقين بها، ففي مصر نشطت مراكز تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، حيث افتتح في العشر سنوات الأخيرة نحو من ثلاثين مركزًا أهليًّا ليسد حاجة طلاب العربية من غير أهلها، والذين يفدون من دول الجمهوريات الإسلامية المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي سابقًا، ومن أفريقيا وجنوب شرق آسيا، إضافة إلى دول أوروبا بأسرها وأمريكا.
وكذا الحال في سوريا والأردن والسودان، وأما في المملكة العربية السعودية فقد تأسس عدد من الجمعيات الخيرية التي جابت العالم بأسره تدعم الأقليات وترعى قضاياها، وذلك كالندوة العالمية للشباب، ومؤسسة الوقف الإسلامي، التي وضعت نصب عينيها رعاية الأقليات الإسلامية في الدول الإسلامية المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي، ودول أوروبا الشرقية إضافة إلى دول البلقان، فهي تمنح الطلبة منحًا دراسية للدراسة بمعاهد اللغة العربية في بلاد العرب، وتعين على مواصلة الدراسة الجامعية في الكليات الشرعية واللغوية بالجامعة الأزهرية وغيرها من الجامعات الشرعية واللغوية بالمملكة العربية السعودية.
المطلب الرابع: المشكلات السياسية:
إن قضايا ومشكلات الأقليات عامة، وقضايا ومشكلات الأقليات الدينية خاصة من الدراسات التي يعتبرها الباحثون في مجال العلوم السياسية من الموضوعات القديمة