عند الطلاق وعدم التقيد بعدد الطلقات والأصول المعروفة في ذلك شرعًا.
٤ - تقنين منع تعدد الزوجات، ولو مع الحاجة أو الضرورة الشرعية، مع إباحة الخليلات.
٥ - عدم الاعتراف بموانع الزواج إلا وفقًا للقانون المدني، وهو ما يختلف في بعض الجوانب مع الشريعة الإسلامية.
٦ - أحكام الزواج الصوري الذي يلجأ إليه راغبو الإقامة في تلك البلاد بغرض الحصول على التصريح بالإقامة أو الجنسية.
٧ - ما يترتب على إسلام الزوجة وبقاء زوجها على ديانته.
٨ - ولاية المراكز الإسلامية في عقد التزويج والتطليق، وحكم تطليق القاضي غير المسلم في غير دار الإسلام.
٩ - توزيع الإرث وفقًا للقانون المدني المخالف للشريعة الإسلامية، وحكم التوارث بين المسلمين وغير المسلمين.
وسوف يلقي البحث -بمشيئة الله في الفصول المقبلة- أضواءً على بعض هذه القضايا الشائكة.
وأخيرًا. . . فإن الإسلام دين متكامل، يشمل جميع نظم الحياة الإنسانية المختلفة، ومنها: النظام الاجتماعي، ولا شك أن النظام الاجتماعي الإسلامي يختلف عن سائر النظم الاجتماعية في العالم؛ ولذلك لا يستطيع المسلم أن يعيش وفق أحكام هذا النظام إلا في المجتمع المسلم الذي يدين بدين الإسلام، ويطبقه تطبيقًا كاملًا.
ومن هنا تواجه الأقليات الإسلامية التي تعيش في غير المجتمعات الإسلامية المشكلات الكبيرة والكثيرة المختلفة؛ لأن حياتهم الاجتماعية تختلف بكاملها عن حياة الأكثرية، إلا أن أكبر مشكلة اجتماعية تواجه الأقليات المسلمة وتهددها ليلًا ونهارًا ولا تتركها لحظة واحدة؛ هي مشكلة خطر الاندماج والذوبان في الأغلبية التي تعيش بينها،
стр. 142
وجميع المشكلات الاجتماعية التي يصنعها أعداء الإسلام تخدم هذه المشكلة مهما تنوعت وتكاثرت.
وعليه فإن التحدي الأكبر هو بقاء الأقلية المسلمة متميزة بعقيدتها وشريعتها وأخلاقها وفي الوقت نفسه تسعى لتقوية شوكتها العلمية والاقتصادية والسياسية، وهذا لا يتأتى إلا من خلال التفاعل الإيجابي الحذر مع هذه المجتمعات التي يكثر في حياتها الانحراف ويتنوع الفساد، ويجاهَر بالمنكرات.
المطلب الثالث: المشكلات اللغوية والتعليمية:
إن العربية عنوان شخصية المسلم، وبقدر ما تتعمق العربية في عقول المسلمين وألسنتهم يرتبطون بالإسلام؛ إذ إن العربية مدخل لفهم القرآن، كما أنها مدخل لإبراز معالم أساسية في شخصية المسلم.
العربية لغة القرآن، فهي اللغة الإسلامية الأم التي ينبغي على المسلمين عربًا وعجمًا تعلمها حتى يؤدوا العبادة على أكمل وجه.
واللغة العربية تعد الآن رابع لغة قومية في العالم من حيث عدد المتحدثين بها كما قرر أحد الباحثين (١)، إذ يتحدث بها نحو ١٥٠ مليون، بعد اللغة الصينية والإنجليزية والأسبانية، غير أن الإنجليزية -مثلًا- تعد لغة ثانية في كثير من البلاد مما يزيد عدد المتحدثين بها إلى نحو ٨٠٠ مليون أيضًا.
وبغض النظر عن أن أعدادًا ضخمة من المسلمين غير العرب في العالم الإسلامي لا يحسنون العربية، كما أن مدارسهم لا تعلمهم العربية، حتى كلغة ثانية بعد اللغة القومية الأولى، فإن الأقليات يشعرون بارتباك كبير في هذا الصدد، فالأقليات تعيش حالة أشبه بعزلة، فالتحديات
стр. 143
المتنوعة تحاصرها من كل جانب، وهي تجالد في مقاومة مستمرة حفاظًا على الوجود ومنعًا من ذوبان الشخصية في عالم الأكثرية الذي تعيش فيه، فكيف يتسنى للأقلية تعلم العربية وتعليمها للناشئة؟ وبعض الأقليات تفتقد العالِم أو الشيخ أو ما يعرف برجل الدين، ليلقنها مبادئ دينها؛ فكيف بالعربية؟ وعلى افتراض وجود بعض المسلمين المتحدثين بالعربية، فإن إلزام الأطفال تلقنها أمر في غاية الصعوبة.
وبعض الأقليات تعيش في جهل أو تجهيل ضمن سياسة الدولة وظروف حياتهم الزراعية والريفية، كأكثر مسلمي الكتلة الشيوعية والصين، وهم غير ملمين بلغاتهم القومية فكيف بالعربية؟ وبعض الأقليات كالجاليات الجديدة في أستراليا وأوروبا وأمريكا وبعض الدول الأفريقية، غير ممنوعين من استعمال العربية وتعلمها، إلا أن الظروف الحياتية الضاغطة وانعدام التوجيه والتخطيط العام بشأن الجاليات والأقليات في العالم يجعل من العربية لسانًا ثقيلًا على الناشئة، ففي أستراليا -مثلًا- نجد أبناء المسلمين العرب الذين وفدوا إلى أستراليا وهم أطفال أو خلقوا فيها، نجدهم يعانون صعوبات في النطق بالعربية مع محاولة خجولة من آبائهم لتعليمهم إياها ولتدريسهم لها، وبالرغم من محاولات خجولة أيضًا في إيجاد مدارس السبت والأحد الأهلية لتعليم الأطفال العربية ومبادئ الدين، فإن الأجواء العامة في البلد تشد الطفل إلى ترك العربية أو الانسلاخ عنها واللواذ بالإنجليزية؛ فمدارسهم تعلمهم الإنجليزية وكذلك المذياع، حتى الوالدان قد يتكلمان الإنجليزية الأمر الذي يؤدي وسط حركة الحياة إلى ضياع اللسان العربي في الطفولة الجديدة، فيجعل الأجيال القادمة أكثر انسلاخًا من شخصيتهما العربية والدينية، وأكثر التصاقًا بالمجتمع الجديد الذي يحملون جنسيته وهويته ويتكلمون لغته ويأكلون من خيراته.
ويشعر المسلم -مهما ضعفت ثقافته- أن عليه واجبًا أمام أطفال الجيل الجديد، كما يشعر الآباء
стр. 144
بعبء الأمانة الملقاة على كواهلهم وهم يرون أبناءهم وقد تفلتوا من العربية.
ومع المحاولات الجادة والجاهدة من قبل الأكثرية غير المسلمة في تذويب اللغة العربية وطمسها من قاموس الأقلية تبدو المشكلة متفاقمة.
وكثيرًا ما حاولت الأكثريات إلغاء اللغات القومية بحجة تطويرها، فتمنع كتابتها بالأحرف العربية مثلًا، وتفرض كتابتها بأحرف اللغة المركزية أو الأحرف اللاتينية، وذلك في محاولة أولى منها لقطع حاضر الأقليات بماضيها الثقافي والديني.
وهكذا وجدنا روسيا تمنع مسلمي جمهورية الشيشان وأنجوشيا المتحدة مع روسيا -٧٤ % من الجمهورية مسلمون- من كتابة لغتهم بالأحرف العربية، وتفرض روسيا ذلك على سائر القوميات، كما وجدنا الصين تمنع أبناء القومية الإيغور -التركستان، ٨ مليون نسمة- من كتابة لغتهم بالأحرف العربية وألزمت المسلمين جميعًا باللغة الصينية، وفي الهند -أيضًا- يُطلب من المسلمين كتابة اللغة العربية -وهي لغة المسلمين الأولى- بالأحرف اللاتينية وتمنع تدريسها في معظم المدارس، حيث تولي الحكومة المركزية اهتمامها بتدريس الهندية والإنجليزية، وتعتبر اللغة الهندوكية لغة الوظيفة الرسمية، وكذلك الأمر في تايلاند، حيث أصرت الحكومة على السيطرة على التعليم في فطاني وعلى نشر اللغة السيامية بدلًا عن اللغة الماوية لغة أهل فطاني، وكانوا يكتبونها بالأحرف العربية، واشترطت الإلمام باللغة التايلاندية للحصول على الوظائف الحكومية.
غير أن رفض المسلمين -عمومًا- ترك لغاتهم القومية والإصرار على التمسك بها وتداولها واعتبارها رسمية في مقاطعات الحكم الذاتي، ساعد كثيرًا على حفظ وجودهم وعدم الذوبان في المجتمع الأكثري المفروض، ولو أنهم أتقنوا اللغة المركزية؛ مما أربك السلطات المركزية التي لا تزال تصر على الاستيعاب العام ضمن فرض اللغة الواحدة.
ولا شك أن وجود مدارس يمكن أن تعلِّم العربية منهاجًا متكاملًا ولو كلغةٍ ثانية بين الأقليات؛ أمر يساعد على معالجة المشكلة؛ ذلك أن وجود مثل هذه المدارس
стр. 145
سيفرض هجرة بعض المثقفين العرب أو أساتذة التعليم، وهؤلاء سيشكلون بذاتهم تطورًا في توعية أبناء الجالية، فإذا ما رافقهم توجيه مدروس ومخطط له، أمكن تجاوز بعض المخاطر والعقبات.
كما تجدر الإشارة إلى أسلوب اعتنت به الأقليات المسلمة في السنوات الأخيرة، حيث عمدت الجاليات المسلمة إلى إرسال أبنائها وبناتها ليدرسوا اللغة العربية في بلادها، وبين الناطقين بها، ففي مصر نشطت مراكز تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، حيث افتتح في العشر سنوات الأخيرة نحو من ثلاثين مركزًا أهليًّا ليسد حاجة طلاب العربية من غير أهلها، والذين يفدون من دول الجمهوريات الإسلامية المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي سابقًا، ومن أفريقيا وجنوب شرق آسيا، إضافة إلى دول أوروبا بأسرها وأمريكا.
وكذا الحال في سوريا والأردن والسودان، وأما في المملكة العربية السعودية فقد تأسس عدد من الجمعيات الخيرية التي جابت العالم بأسره تدعم الأقليات وترعى قضاياها، وذلك كالندوة العالمية للشباب، ومؤسسة الوقف الإسلامي، التي وضعت نصب عينيها رعاية الأقليات الإسلامية في الدول الإسلامية المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي، ودول أوروبا الشرقية إضافة إلى دول البلقان، فهي تمنح الطلبة منحًا دراسية للدراسة بمعاهد اللغة العربية في بلاد العرب، وتعين على مواصلة الدراسة الجامعية في الكليات الشرعية واللغوية بالجامعة الأزهرية وغيرها من الجامعات الشرعية واللغوية بالمملكة العربية السعودية.
المطلب الرابع: المشكلات السياسية:
إن قضايا ومشكلات الأقليات عامة، وقضايا ومشكلات الأقليات الدينية خاصة من الدراسات التي يعتبرها الباحثون في مجال العلوم السياسية من الموضوعات القديمة
стр. 146
الجديدة في نفس الوقت، فهي قديمة قدم التميز بين مفهوم الـ (نحن) والـ (غير)، وهي كذلك جديدة نظرًا لإلحاحها الشديد، بل والمستمر على آليات الصراع السياسي، وخاصة في آخر حقب القرن العشرين، وفي أعقاب القرن الحادي والعشرين، حيث غدا الانتساب إلى الإسلام جريمة يجب أن يعاقب عليها، بحيث أصبح من غير المتصور أن توجد أقليات إسلامية ذات كيان سياسي؛ بل غدت كثير من الأكثريات الإسلامية محرومة من حقوقها السياسية!!
ومن الملحوظ أنه بعد الحرب الباردة انفجرت صراعات ونزاعات دينية وعرقية في مناطق كثيرة، فهذه البوسنة والهرسك، ومن قبلها كشمير، ومن بعد بورما والفلبين وكوسوفو والشيشان، وغيرها من البلدان التي وجهت فيها اتهامات كثيرة لعدد من الدول والمنظمات والجماعات بممارسة ما يسمى بالتطهير العرقي ضد الأقليات المسلمة.
ومع أن الصراعات الطائفية ليست جديدة كظاهرة ضمن التفاعلات السياسية في العالم، إلا أن مظاهر العنف التي برزت في العشرين سنة الأخيرة أصبحت لافتة للنظر والاهتمام، الأمر الذي يفضي إلى تدخلات أجنبية ويفتح الباب أمام ثغرات التدخل الأجنبي بالجملة.
والأقليات الإسلامية التي تعيش في مجتمعات لا تدين بالإسلام تتفاوت حجم مشكلاتها السياسية، بدءًا من عدم الاعتراف بوجودهم وحقوقهم السياسية، وتمثيلهم في الوظائف العامة بما يتناسب وتعدادهم وإمكاناتهم وانتهاءً بعدم الاعتراف بالدين الذي ينتمون إليه.
وإذا تأملنا في حال الأقلية المسلمة في أفريقيا؛ فإن سياسة الإبعاد والعزل الإجباري عن المشاركة في صنع القرار داخل الدولة -هي التي تعمل، حتى إن دول الأغلبيات المسلمة، والتي قد تصل نسبة المسلمين بها إلى ٨٠ % تعامل معاملة الأقلية، بيمنا الأقلية المسيحية من حيث الوزن العددي هي الأكثر تأثيرًا والأقوى سلطانًا؛ بل وتتحكم في الشعب المسلم، وبلد كنجيريا يمثل
стр. 147
نموذجًا لهذا التسلط؛ حيث تعداد المسلمين بها ٨٠ مليونًا من أصل مائة مليون، ولكن اللافت للنظر أن جميع السلطات مخولة للأقلية المسيحية، بل ويتولى الرئاسة أحيانًا بعض القساوسة كالقس "إزيكو" عام (١٩٦٠ م)، ويعقوب حون عام (١٩٦٧ م).
ولا يختلف الحال في السنغال التي تتمتع بأغلبية مسلمة (٩٤ %) وتولى حكمها كاثوليكي هو "سينجور" ليحكمها من (١٩٦٠ م - ١٩٨٠ م) (١).
وأما في البلاد الآسيوية، فإن قضية مسلمي كشمير تتصدر المشكلات السياسية الأكثر سخونة، وما تزال رحى الحرب دائرة لتحرير كشمير من دولة الهندوس، ومع أن قرارات الأمم المتحدة نصت في مجملها منذ عام (١٩٤٨ م) وحتى الآن على وجوب انسحاب القوات الهندية من كشمير وتحررها، واستقلالها سياسيًّا إلا أن شيئًا من هذا لم يكن، بل وتحرص الهند على علاقات حسنة اقتصادية وسياسية مع دولة اليهود لتنال دعمًا في قضية كشمير بوجه من الوجوه (٢).
ولقد عاشت الجمهوريات الإسلامية في كيان ما يسمى بالاتحاد السوفيتي تطالب بالانفصال لعشرات السنين؛ لتحقق هويتها، وتقرر مصيرها، ومن أجل ذلك ثار المسلمون مرات عديدة إلى أن تحررت عدة دول فعليًّا، منها: كازاخستان، وأوزبكستان، وقرغيزستان وطاجيكستان، وتركمانستان، وأذربيجان.
وتبقى أقليات مسلمة لا تزال تحت الوصاية الروسية، كما في بلغاريا، وقرتشاي، وأوسيتيا الشمالية، وأنجوشيا (٣).
وتبقى المأساة السياسية للشعب الشيشاني المسلم قائمة ظاهرة للعيان، حيث إنها
стр. 148
إحدى الجمهوريات ذات الحكم الذاتي التابعة لروسيا الاتحادية، والتي يفرض الدستور الروسي حظرًا عليها في إعلان استقلالها دون موافقة روسيا.
ولقد خاض الشيشانيون حروبًا منذ إعلانهم الاستقلال في (١/ ١١/ ١٩٩١ م) وإلى وقت كتابة هذا البحث، ولا يزال الروس يصرون على عنادهم برغم خسائر هائلة تكبدوها منذ اجتياح "جروزني" العاصمة (١).
وفي بلاد الديمقراطية العلمانية نجد مسلمي شرق أوروبا يعانون في البوسنة، والهرسك، وكوسوفو، وسائر دول البلقان من التطهير العرقي الذي أعاد إلى الأذهان مجددًا محاكم التفتيش وفكرة الحرب المقدسة عند الصلبيين (٢).
أما مسلمو غرب أوروبا فلا شك أنهم وإلى أحداث سبتمبر (٢٠٠١ م) لم يعانوا كما عانى غيرهم، إلا أن الحال تبدل في السنوات الخمس الأخيرة حيث كيلت التهم جزافًا للمسلمين في بريطانيا وعلى لسان رئيس الوزراء الحالي (توني بلير) (٣)، بل واتهام الإسلام نفسه بأنه دين يحمل مشاعر الكره والبغضاء للآخرين.
ومع سماح بريطانيا للمسلمين بالمشاركة في مجلس العموم، وكذلك في بلجيكا؛ إلا أن المسلمين ما يزالون الأقلية الأقل حقوقًا في أوروبا الغربية (٤).
وفي بلاد الديمقراطية يعاني المسلمون المقيمون بأمريكا من التمييز ضدهم وخاصة في المؤسسات الحكومية (٥).
стр. 149
ولقد تنامت حدة المواجهات للمد الإسلامي بسبب انتشاره بشكل ملحوظ حتى غدا المسلمون الأقلية (١) الأكبر عددًا وقبل اليهود، حيث يبلغ عددهم -في بعض التقديرات- حوالي عشرة ملايين مسلم كما استغل اللوبي اليهودي أحداث سبتمبر (٢٠٠١ م) ليشنوا حملة ضارية ضد المسلمين.
ولا شك أن إقامة المسلمين في البلاد غير الإسلامية تكتنفها إشكالات كثيرة، وتتعلق بالهجرة إلى تلك البلاد واللجوء السياسي إليها أحكام متعددة، كما تثور تساؤلات كثيرة حول تجنس المسلم بجنسية الدول غير المسلمة وتولي الوظائف العامة في تلك الدول، وإقامة الأحزاب السياسية، ودخول المجالس النيابية، وما يحيط بذلك كله من أحكام.
المطلب الخامس: المشكلات الاقتصادية والمالية:
في قارة كإفريقيا يبدو البعد الاقتصادي مؤثرًا بشكل واضح وفعال، وإذا كانت عامة الدول الإفريقية تعاني فقرًا وضعفًا ناشئًا عن الجهل تارة وعن الاستعمار تارة أخرى؛ فإن الأقلية المسلمة هي الأشد بؤسًا في هذا المجال في أغلب المناطق والبلدان، وقد استهدفت تلك الأقليات المسلمة من حركات التنصير الناشطة في طول أفريقيا وعرضها؛ فهي تقدم الصليب مع الغذاء والدواء والكساء لتلك الأقليات المطحونة.
وحتى في القارة الغنية أمريكا؛ فإن الأقلية المسلمة تعاني من تمييز في الأجور والوظائف بين المسلمين وغيرهم؛ حيث يبلغ متوسط دخل الفرد المسلم في كندا عام (١٩٨٠ م) ٢٠.٢٢٠ دولار كندي ليقل عن نظيره غير المسلم بما يصل أحيانًا إلى ٢٢ % (٢)
стр. 150
ولا شك أن لهذا التفاوت أسبابه السياسية والقانونية والاجتماعية، إلا أن المحصلة تصب في ضعف القوى الاقتصادية للمسلمين.
وفي بلد كاليونان يُحرم المسلمون في تراقيا الغربية من إنشاء وتعمير المباني الخاصة بهم كما يُحرمون من استخراج تصاريح قيادة السيارات، كما منعت الحكومة اليونانية بيع المسلم أملاكه إلى مسلم آخر! وفي حالة قبول البيع فلا بد أن يكون إلى الروم المسيحيين فقط، وفي الأشهر الأخيرة من (١٩٩٤ م) فرضت على أرباب المهن من المسلمين غرامات كبيرة بدون أي سبب يذكر (١).
وما حدث في اليونان حدث مثله في روسيا والفلبين وتايلاند والبوسنة وغيرها، حيث صودرت آلاف الأفدنة من أراضي الأوقاف الإسلامية، ووزِّعت على غير المسلمين.
ولقد كان لهذا أكبر الأثر في إضعاف الدعوة والدعاة في تلك البلاد.
ثم يبقى المال عصب الحياة وأساس التغيير، وكل تحسن لأوضاع الأقليات المسلمة يرتبط بالإمكانات المادية بوجه من الوجوه، فإنشاء مدرسة أو مسجد أو مركز إسلامي يرتبط رأسًا بالحالة الاقتصادية للأقلية المسلمة.
وتبقى لدى هذه الأقليات مسائلها ومشكلاتها الاقتصادية المتعلقة بتمييز ما يحل ويحرم من معاملات مالية، أو تعاملات مصرفية، أو أعمال ضمن مؤسسات يكثر فيها الحرام، أو يختلط فيها الحلال بالحرام، أو مستجدات ونوازل ترتبط بواقع تلك البلاد، الأمر الذي يستوجب نظرًا فقهيًّا يعالج هذه المسائل بتؤدة وحكمة.
стр. 151
البَابُ الثَانِي
التأصيل الفقهي لنوازل الأقليات المسلمة
الفصل الأول: الأحكام الشرعية بين الثبات والتغير.
الفصل الثاني: أهمية التأصيل لفقه النوازل وخصائصه ومقاصده.
الفصل الثالث: الأصول والقواعد الحاكمة لفقه نوازل الأقليات.
الفصل الرابع: مناهج وطرق استنباط الأحكام الفقهية لنوازل الأقليات وضوابطها.
стр. 152
الفْصَل الْأَوَّلُ
الأحكام الشرعية
بين الثبات والتغير
المبحث الأول: خصائص الشريعة الإسلامية.
المبحث الثاني: الثبات والتغير في الأحكام الشرعية.
المبحث الثالث: موجبات تغير الفتيا والأحكام الفقهية الاجتهادية.
стр. 153
المبحث الأول
خصائص الشريعة الإسلامية
تَمهيد
للشريعة المطهرة خصائص مباركة، وسمات جليلة، حققت خلودها، وبرهنت صلاحيتها، وردت على خصومها في كل عصر ومصر، وقبل بيان خصائص الشريعة تفصيلًا تجدر الإشارة ويحسن التمهيد بتعريفها لغةً واصطلاحًا بشكل إجمالي.
الشريعة لغةً:
الشريعة اسم مصدر، وتطلق على مورد الشاربة، والطريق إليها يسمى "الشرع" وهو مصدر، ثم جعل اسمًا للطريق على النهج الواضح، ثم استعير ذلك للطريقة الإلهية من الدين.
ومعنى شرَع، أي: سنَّ، وأوضح وبيَّن المسالك، وهذا فيه معنى الابتداء، فمن ابتدأ في سَنِّ أمرٍ وأوضحه وبيَّنه وجعله منهاجًا؛ فقد شرعه (١).
الشريعة اصطلاحًا:
استعمل العلماء مصطلح الشريعة باصطلاحات متعددة بحسب المقام، ومن ذلك ما يلي:
أولًا: إطلاق مصطلح الشريعة على التوحيد:
وذلك أخذًا من قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا
стр. 154
تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]، وقد وضع الآجُرِّيُّ ﵀ كتابه في التوحيد باسم "الشريعة"، وكذا أطلق ابن بطة الحنبلي ﵀ اسم: "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة" على كتابه في التوحيد والعقيدة.
ثانيًا: إطلاق مصطلح الشريعة على الأحكام العملية:
وفيما اختلفت فيه الرسالات الإلهية؛ وذلك أخذًا من قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوةٌ لِعَلَّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (١).
قال الإمام الطبري ﵀: "الدين واحد والشريعة مختلفة" (٢).
ثالثًا: إطلاق مصطلح الشريعة على التوحيد وسائر الأحكام:
وذلك أخذًا من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨].
قال القرطبي ﵀ (٣): "فالشريعة ما شرع الله لعباده من الدين" (٤).
стр. 155
وقال ابن تيمية ﵀: "والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله" (١).
والاستعمال الثالث يكثر عند الإطلاق والاستعمال العام، وهو يرادف الوحي كتابًا وسنة، والشريعة بهذا الاعتبار معصومة ومحفوظة، ربانية المصدر، واقعية عالمية.
وفيما يلي بيان خصائص الشريعة بإطلاقها العام:
المطلب الأول: الربانية:
الربانية خصيصة الشريعة الكبرى، فهي من عند الله تعالى وحده أولًا، فلا نقص ولا عيب؛ لأنها ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] فهي مجمع المصالح والمنافع والخيرات؛ لأن مشرعها عليم حكيم، ويجمع فيها ولها كل خير، فتشتمل على كل مصلحة للخلق، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، أنزلها سبحانه بعلمه، وليس له في وضعها من شريك ولا ظهير، ولأجل هذه الخصيصة فإن للشريعة المنزلة الكبرى في عقيدة ووجدان كل مسلم؛ ذلك أنها من عند الله لفظًا ومعنى، أو معنى فحسب؛ وقبولها ومحبتها والرضى بها والامتثال لها هو مقتضى عقد الإيمان والإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
والتشريع حق خالص لصاحب الشريعة وحده، وهو الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، والرسول إنما هو مبلغ عن الله، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]، والبلاع للبشارة أو النذارة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا
стр. 156
وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥].
والشريعة تربط الناس بالله؛ وذلك أن "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد لله اضطرارًا" (١).
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]، والرسول ﷺ وسائر المؤمنين منقادون لها مذعنون لأوامرها، قال تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥].
"فالشريعة هي الحاكمة على الإطلاق والعموم عليه -أي: على الرسول ﷺ وعلى جميع المكلَّفين، وهي الطريق الموصل والهادي الأعظم، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فهو ﵊ أول من هداه الله بالكتاب والإيمان، ثم من اتبعه فيه" (٢).
"فالحكم لله وحده، ورسله يبلغون عنه، فحكمهم حكمه، وأمرهم أمره، وطاعتهم طاعته" (٣).
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].
وأخيرًا فلا يملك أحد كائنًا من كان أن ينازع الله في سلطانه أو أن يشرِّع لعباده، كما لا يستطيع أحد أن يخلق ذبابًا ولو ظَاهَرَه على ذلك كلُّ إنس وجان.
وصفة الربانية في الشريعة الإلهية تعرى عنها كل الشرائع الوضعية والقوانين البشرية، والتي تصدر عن قوة زمنية، وتبنى أحكامها على مراعاة الدنيا والظواهر فحسب، لا مجال فيها للجزاء الأخروي، ولا للتعبد الديني.
стр. 157
أما الشريعة الربانية فتمتد من الدنيا إلى الآخرة، وتجمع بين الجزاء الدنيوي والأخروي.
وبالجملة فهذه الشريعة ربانية في غايتها، إلهية في مقصدها؛ إذ غايتها من الإلزام والالتزام: التعبد لله وطلب رضاه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].
وهي ربانية في أصولها واستمدادها ومنهجها وطريقتها.
المطلب الثاني: الثبات والديمومة مع المرونة:
ثبات الشريعة مستمد من كونها حقًّا لا يتغير، وصدقًا لا يتبدل، وختامًا لشرائع الله تعالى فلا تنسخ، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، فلا معقب لحكمه في الدنيا ولا في الآخرة (١)، فالعصمة ثابتة لها في حفظها وفي بيانها، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢].
ومنعُ القرآن من الخلل والفساد، وحفظه وإتقانه، كل ذلك من معاني الإحكام الواردة في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، "وهو كله من جملة الحفظ، والحفظ دائم إلى أن تقوم الساعة، فهذه الجملة تدلك على حفظ الشريعة وعصمتها عن التغيير والتبديل" (٢).
وإذا كان التكليف إلى يوم القيامة فإنه لا يتحقق إلا بثباتها ودوامها وسلامتها من التغيير والتبديل، قال الغزالي ﵀ (٣): "السلف من الأئمة مجمعون على دوام
стр. 158
التكليف إلى يوم القيامة" (١).
وقد حرص الصحابة والتابعون لهم بإحسان على العمل على ثبات أحكام الشريعة الإسلامية، فلا ترقى المستحبات إلى مرتبة الواجبات، ولا تنزل المحرمات إلى رتبة المكروهات؛ لأن هذا يعدُّ تغييرًا في الشريعة وتبديلًا لأحكامها.
قال عمر بن عبد العزيز ﵀ (٢): "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننًا؛ الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا" (٣)(٤).
وفي تأكيد ثبوتها يقول الشاطبي ﵀ في كلام محكم: "فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخًا، ولا تخصيصًا لعمومها، ولا تقييدًا لإطلاقها، ولا رفعًا لحكم من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل ما أثبت سببًا فهو سبب أبدًا لا يرتفع، وما كان شرطًا فهو أبدًا شرط، وما كان واجبًا فهو واجب أبدًا، أو مندوبًا فمندوب،
стр. 159
وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ولا تبدل، ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك" (١).
ومع ذلك كله فإن بالشريعة سعة ومرونة ومنطقة من العفو تركت قصدًا للناس من غير نسيان، ففي الحديث: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فأقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا"، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] (٢)، ثم فتح الباب للاجتهاد في هذه المنطقة، ولإلحاق النظير بنظيره.
كما يلحظ بجلاء أن نصوص الشريعة عنيت بالأحكام الكلية في بعض القضايا أكثر من عنايتها بالجزئيات التفصيلية؛ فإن كثيرًا من قضايا السياسة الشرعية في الإسلام جاءت النصوص فيها عامةً تضع الأطر وتترك التفاصيل، وهذا ملحوظ في نظام القضاء وتطوره، ونظام الحسبة والمظالم، وطرائق الشورى، وغير ذلك، والحكمة في هذا متجلية في تحقيق مرونة التطبيق بعد ثبات التوثيق.
ومن أسباب ثباتها -مع السعة في أحكامها، والمرونة في تطبيقها على اختلاف العصور وتغير البيئات-: ابتناؤها على جلب الصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، فهي شريعة
стр. 160
الرحمة بالعباد والتيسير عليهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وفي تشريع الرخص عند وجود المشقات برهان ناطق على بيان رعاية مصالح العباد كل العباد، حتى إن أشد الحدود وهو القصاص معلل تشريعه بالمصلحة الراجعة لأولي الألباب.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩].
والأمر بالقتال وإعداد العدة -وهو شديد على النفس أيضًا- معلل بالمصلحة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وإرهاب العدو مصلحة؛ لأنه ينكفُّ عن عدوانه على المسلمين إذا رأى قوتهم (١).
وقد تحققت مرونتها بمراعاتها للظروف القاهرة، والأعذار الطارئة، وتغير الفتوى فيما بني على الأعراف بتغير جهاتها من الزمان والمكان والأحوال.
المطلب الثالث: شمولها لجميع شئون الحياة:
فكل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته قد تكفلت به شريعة الرحمن، فهي أعم من أن تكون أصولًا اعتقادية أو أحكامًا فقهية فروعية أو آدابًا أخلاقية واجتماعية، أو تنظيمات سياسية دولية أو داخلية.
ومن شمولها: أنه لا تخلو حادثة عن حكم للشريعة وتوجيه في جميع الأقطار وعلى مر الأعصار، وإذا كانت نصوصها متناهية فإن معانيها وما يستنبط منها ليس بمتناهٍ مطلقًا.
قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
стр. 161
قال الإمام الشافعي ﵀-تعليقًا على هذه الآية-: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" (١).
والدلالة هنا إما نصًّا أو جملة (٢)، وبيَّن ذلك القرطبي ﵀ فقال: "إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول ﷺ ، أو من الإجماع أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب" (٣).
والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]،، ومنها: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ودلالة هذه الآيات قطعية؛ ولذلك سمي هذا القرآن "فرقانًا، وهدًى وبرهانًا، وبيانًا وتبيانًا لكل شيء، وهو حجة الله على الخلق على الجملة والتفصيل والإطلاق والعموم" (٤).
ثم السنة بعد ذلك مفصلة لما أجمل، وشارحة ومبينة لما أبهم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤].
فقد جمع القرآن الكليات، ونص على بعض التفصيلات، وتولت السنة بعد ذلك الإكمال، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقد شمل بيان السنة للقرآن ما يتعلق بمعاملة العبد لربه، ومعاملة العبد لنفسه، ومعاملة العبد لغيره، فعلوم التوحيد والعقيدة والأخلاق والسلوك والعبادات والمعاملات
стр. 162
والأحوال وتنظيم العلاقات الدولية كل ذلك قد تناولته هذه الشريعة المعصومة على نحو لا نظير له في شريعة سبقتها، أو قانون وضعي جاء قبلها أو بعدها.
وأخيرًا فإن مما يؤكد على شمولية هذه الشريعة ما تقرر من عدم خلو الوقائع عن حكم للشريعة؛ لتستخرج المكلف من داعية الهوى إلى طاعة المولى جل وعلا (١).
المطلب الرابع: اتزانها من كل وجه:
إن الشريعة الإلهية مستقيمة، فلا اضطراب فيها ولا عوج بحال، ولا ميل فيها عن الحق والعدل، ليست لها غاية في تحقيق مصلحة طبقة من العباد دون أخرى، ولا شعب دون شعب، ولا تميل لتحقيق مصلحة مادية على حساب مصلحة أخرى أخلاقية، ولا تؤثر الحياة الدنيا على الحياة الآخرة، ولا عكس، وتجعل العمل والجزاء له أثره الدنيوي والأخروي معًا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
وهي توازِنُ بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة دون إخلال، فتبيح الملكية الفردية وتطلقها لينتفع الفرد، ثم هي تعمل على نفع المجتمع وتضع قيودًا على التملك وطرائقه، تمنع فيها الظلم والعدوان والاحتقار والغش والخداع، وتضع قيودًا على الاستثمار وتنمية المال، وأخرى على التسويق والتوزيع، والإنفاق والاستهلاك، وبعض هذه القيود أخلاقية يقوم عليها الإيمان، وأخرى قانونية يقوم عليها السلطان، موازنة بين حقوق الأفراد والمجتمعات، وإقامة للقسط وإشاعة للعدل (٢).
وفي تشريعاتها توازِن بين الفردية والجماعية، فمن العبادات ما يتحتم أداؤه جماعة، في
стр. 163
توقيتات محددة، كالصيام، والحج، والصلاة المفروضة، وفيها ما يرغب أداؤه على انفراد كالسنن الرواتب.
وهي بالجملة توازِن بين الثابت والتغير من الأهداف والغايات، والوسائل والأساليب، وبين القيم الدينية والأخلاقية، والشئون الدنيوية والعلمية، وبين مختلف الحاجات والغرائز البشرية، والنزعات الإنسانية.
المطلب الخامس: حفظها بحفظ الله:
لما كانت الشريعة ربانية فقد تولى الله حفظ أصولها من التحريف والتبديل، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أي: "وإنا للقرآن الكريم لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه" (١).
وقال : ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، قال الزجاج: "معناه: أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه" (٢).
وما يسري على القرآن الكريم يسري على السنة؛ لأنها بيان للقرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فحفظ القرآن الكريم يستلزم حفظ السنة، بل حفظ اللسان العربي أيضًا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، وهذا البيان إنما هو بسنة النبي العدنان بعد بيان القرآن بالقرآن.
стр. 164
يقول المعلِّمي اليماني (١) ﵀: "فأما السنة فقد تكفل الله بحفظها أيضًا؛ لأن تكفله بحفظ القرآن يستلزم تكفله بحفظ بيانه، وهو السنة، وحفظ لسانه، وهو العربية؛ إذ المقصود بقاء الحجة قائمة والهداية باقية، بحيث ينالها من يطلبها؛ لأن محمدًا خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع، بل دل على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، فحفظ الله السنة في صدور الصحابة والتابعين حتى كُتبت ودُوِّنت" (٢)، والتاريخ شاهد بما قيض الله لهذه السنة المطهرة من الجهابذة الأعلام الذين حفظوها ودونوها ونخلوا صحيحها من سقيمها، ومقبولها من مردودها.
المطلب السادس: صلاحيتها لكل زمان ومكان:
لم يبعث الله ﵎ نبيه محمدًا ﷺ ليكون نذيرًا لطائفة من الناس دون غيرهم، ولا ليكون رسولًا لأمة من البشر دون سائر الأمم، وإنما بعثه ليكون للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، بعثه بشريعة الإسلام الخالدة إلى جميع الخلق إنسهم وجنهم، قاصيهم ودانيهم، أحمرهم وأسودهم، عربيهم وأعجميهم، شرقيهم وغربيهم، فهي بذلك عالمية.
وهذه الحقيقة معلومة من دين الإسلام بالضرورة؛ لأن القرآن الكريم صرَّح بها
стр. 165
تصريحًا مستفيضًا لا يقبل التأويل، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ففي هذه الآية الكريمة بيان "عموم رسالته ﷺ ، وهي عامة للثقلين كما نطقت به النصوص، حتى صرحوا بكفر منكره" (١)، وبرغم أن الآية الكريمة خاطبت الناس جميعًا برسالته ﷺ إلا أنها أكدت ضمير المخاطبين بوصف: "جميعًا" الدال نصًّا على العموم؛ لرفع احتمال التخصيص (٢).
ويقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، أي: "وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصة، ولكنَّا أرسلناك كافة للناس أجمعين العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيرًا من أطاعك ونذيرًا من كذبك" (٣).
وقال : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، أي: "لأنذركم بالقرآن أيها المشركون، وأنذر من بلغه القرآن من الناس كلهم" (٤). وقال عن القرآن الكريم نفسه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، وقال: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢]، أي: "وما محمد إلا ذِكْر ذكَّر الله به العالمين؛ الثقلين الجن والإنس" (٥). أو: وما القرآن الكريم إلا ذكر للعالمين. ومعناه: شرف، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] (٦).
стр. 166
وهذه الحقيقة القرآنية أكدتها السنة النبوية، فعن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأحلت لي الغنائم ولم تحلَّ لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا دخل النار" (٢).
والمراد بالأمة في هذا الحديث عموم الخلق سواء من دخل فيهم في أمة نبينا محمد ﷺ بالمعنى الخاص فصار مسلمًا، أو من بقي منهم على كفره فكان من أمته بالمعنى العام، أي: من عموم من بعث إليهم وأمر بدعوتهم، وهم الناس جميعًا بعد بعثته ﷺ ، وذلك بدليل ذكره لليهود والنصارى.
وإلى جانب هذه الحقيقة الراسخة عقيدة أخرى لا تقل عنها رسوخًا، وهي أن رسول الله محمدًا ﷺ هو خاتم النبيين والمرسلين، فلا نبي بعده ولا رسول، فرسالته الخاتمة هي الخالدة الباقية إلى يوم الدين، فلا نسخ لها ولا زوال.
فهذه عقيدة معلومة من دين الله بالضرورة، لا ينكرها إلا من كفر بالرحمن وكُتب عليه الخذلان، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، "وخاتم النبيين الذي: ختم النبوة فطبع عليها، فلا تفتح لأحد بعده إلى قيام الساعة" (٣)، فهذه الآية الكريمة "نص في أنه لا نبي بعده، وإذا
стр. 167
كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ " (١).
ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة"، قال: "فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (٢).
هاتان الحقيقتان الراسيتان الراسختان مقدمتان لحقيقة كبرى وهي: صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان؛ لأننا لو لم نقل بذلك -مع كون رسالة الإسلام رسالة عالمية خاتمة للرسالات- للزم منه أن يكون الله قد أجاز للبشر أن يشرِّعوا لأنفسهم في كل زمان ما يصلح لهم، وهذا أبطل الباطل، وبطلانه معلوم من دين الله بالضرورة، كما أن حاكمية الله وانفراده بالسلطان على عباده وتفرده بحق التشريع معلوم من دين الله بالضرورة، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فالذي له الخلق هو وحده الذي يملك الأمر والنهي والتحليل والتحريم والتشريع والحكم، فما من شيء في حياة البشر مهما كان صغيرًا إلا ولله فيه
стр. 168
حكم، فيجب عليهم أن يردوا كل أمر يختلفون فيه إلى حكم الله وحده، وهذا أمر لا يخالف فيه مسلم موحد.
بل إن تعبير "صلاحية الشريعة" ليقصر عن استيعاب الدور المستغرق الدائم العام الباقي للشريعة الإسلامية؛ لأنها لا تتصف بالصلاحية فحسب، وإنما تتصف بالصلاحية والإصلاح، فهي صالحة لكل زمان ومكان، ومصلحة لكل زمان ومكان، بل لا يكفي أن نقول هذا حتى نرفع احتمال المشاركة فنقول: إنها هي وحدها الصالحة والمصلحة لأهل كل زمان ومكان.
стр. 169
المبحث الثاني
الثبات والتغير في الأحكام الشرعية
من بين ما وجهه أعداء الشريعة في العصر الحديث إليها من تهم باطلة أنها جامدة غير متطورة، وهذا الافتراء إنما هو ترديد جاهل لما كتبه غربيون مغرضون، أو تأثر ظاهر بنمط الحياة العلمانية الغربية، التي تفصل بين الدين والدنيا (١).
وبغض النظر عن تلك الافتراءات فإن قضية ثبات أو تغير الأحكام الشرعية تعد واحدة من أخطر القضايا الأصولية وأشدها التباسًا، فتارة يكون الخلاف فيها خلافًا معنويًا ذا دلالات خطيرة، وتطبيقات تنحرف عن الجادة، وتارة يكون الخلاف لفظيًّا لا تترتب عليه ثمرة عملية، وإنما هو خلاف عبارات لاختلاف الاعتبارات؛ الأمر الذي يتأكد معه تحرير النزاع، وفيما يأتي بيان يُعْنَى بدفع الالتباس قبل الترجيح، كما يظهر من المطالب التالية:
المطلب الأول: علاقة الحكم الشرعي بمحالِّ ثبوته:
يتعلق الحكم الشرعي بأفعال وتصرفات العباد وما يرتبط بها كما هو ظاهر من تعريفاته المختلفة، مثل قول بعض الأصوليين هو: "خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين" (٢) أو
стр. 170
هو: "خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث هو مكلف" (١)، أو هو: "خطاب الله المتعلق بفعل المكلفين بالاقتضاء أو التخيير" (٢)، وقد زاد ابن الحاجب (٣)، "أو الوضع" ليدخل الأحكام الوضعية مع التكليفية (٤).
فإذا وصف فعل معين أو عين معينة بحِلٍّ أو حرمةٍ فهل هذا الوصف الشرعي (الحكم) كان لخصائص ذاتية من النفع أو الضر ومن المصلحة أو المفسدة، اقتضت هذا التوصيف الشرعي، فيكون الحكم الشرعي عندئذٍ وصفًا ذاتيًّا بالنسبة لمحالِّ ثبوته، أم إنه لا صلة بين التوصيف الشرعي (الحكم) ومحل ثبوته إلا ما يجعله الشرع بينهما من صلة؟
وقد اختلف الأصوليون في هذه المسألة النظرية على قولين يتخرجان على الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح العقليين (٥)، وقد وقف كلٌّ من الأشاعرة والمعتزلة على طرفي نقيض، وهدَى الله تعالى من شاء إلى الوسط الذي لا غلو فيه ولا تفريط، وفيما يلي بيان المذهبين والترجيح:
стр. 171
المذهب الأول:
التحليل والتحريم صفات عَرَضِيَّة تعرض لمتعلَّقاتها من الأعيان، أو الأفعال بدلالة خطاب الشرع فحسب، ولا ارتباط بين الحكم والصفات الذاتية في متعلَّقه الذي يقوم به، إلا أن الخطاب الشرعي ربط بينهما ابتداءً لغير معنى يعقل، فلا يعتبر في تحريم الخمر ما يتعلق بذاتها من صفة الخمرية وإحداث السكر؛ إذ الحكم لا يتعلق بالأعيان لخصائصها الذاتية أو الملازمة، بل معنى هذا التحريم نسبة الخمر إلى اجتناب الشرب وعدم التناول فحسب.
ويعتبرون أن قولنا: الخمر محرمة تجوُّز؛ لأنها جماد لا يتعلق بها خطاب، وإنما المحرم تناولها، أو المقول فيه: لا تفعلوا، كما أن الواجب المقول فيه: لا تتركوا (١).
وهذا مذهب جمهور المتكلمين من الأصوليين (٢) وبعض أصوليي الحنفية (٣).
المذهب الثاني:
التحليل والتحريم قد يتعلقان بالأفعال والأعيان لخصائص ذاتية، أو ملازمة تناسب الحكم وتصلح له، فإن كانت الأعيان والتصرفات بها من الفساد أو الضرر اقتضت حكمته تعالى ورحمته بعباده التحريم، وإن كانت تتضمن خصائص النفع والصلاح اقتضت رحمته تعالى الإباحة، ولا يمنع أن تكون صفات عرضية إضافية تقتضي الأحكام الشرعية، ولا سبيل لإدراكها من غير طريق النصوص الشرعية، بل ولا يثبت الحكم الشرعي في هذه الأعيان أو
стр. 172
الذوات إلا من جهة النصوص.
وهذا مذهب أكثر أصوليي الحنفية وبعض الحنابلة (١).
ويلاحظ أن المعتزلة بالغوا في وظيفة العقل حتى جعلوه مصدرًا للتشريع، متقدمًا على النقل، وقد جانبوا الصواب حين قصروا الأوصاف المقتضية للأحكام على الأوصاف الذاتية فقط (٢).
وأما الأشاعرة فكان مذهبهم بمثابة رد فعلٍ لمذهب المعتزلة، وذلك حين نفوا العلاقة بين الحكم الشرعي والخصائص الذاتية والملازمة.
ثم إنهم عادوا فتناقضوا حين قالوا: إن الأحكام الشرعية معلَّلة، وذكروا الحِكَم المرتبطة بها عند الدخول في مسائل الفقه (٣).
وقد وقع هذا الاضطراب عند الرازي (٤)، والعز ابن عبد السلام وغيرهما.
يقول العز ابن عبد السلام ﵀-معتمدًا مذهب جمهور الأصوليين-: "وليس
стр. 173
وصف الأفعال بالتحليل والتحريم والكراهة والندب والإيجاب وصفًا حقيقيًّا قائمًا بالأفعال؛ إذ لا يقوم عَرَض بعَرَض، ولا يقع التكليف إلا بالأعراض، وإنما هو عبارة عن تعلق خطاب الشرع بالأفعال" (١)، ثم يعود فيقرر مذهب الحنفية الأصولي فيقول: "أسباب التحريم والتحليل ضربان: أحدهما: قائم بالمحل الذي يتعلق به فعل المكلف، والثاني: خارج عن المحل، فأما القائم بالمحل من أسباب التحريم فهو كل صفة قائمة في المحل موجبة للتحريم، كصفة الخمر فإنها محرمة لما قام بشربها من الشدة المطربة المفسدة للعقول، وكالميتة حرمت لا قام بها من الاستقذار" (٢).
الترجيح:
إن كان من ترجيح بين هذين المذهبين اللذين توسع الأصوليون في عرضهما وبيان أدلتهما والإيرادات وما تندفع به ونحو ذلك، فإنه يترجح مذهب القائلين بتعلق الحكم الشرعي بالأعيان والتصرفات لخصائص ذاتية أو ملازمة، تناسب الحكم وتصلح له؛ ذلك أن الأدلَّة مصرحة بهذا أتم تصريح، ومبينة له أوضح بيان، فإن الله تعالى ما حرم الزنا لحسنه، ولا لانعدام صفة القبح فيه، بل رتب الله تحريمه على تحقق معنى الفاحشة فيه، وسوء سبيله وسبيل من سلكه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
والله تعالى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيأمر بالعدل والإحسان، ولا يأمر بالفحشاء، والعدل والإحسان والفحشاء خصائص ذاتية في الأفعال تقتضي أمرًا بها أو نهيًا عنها، فلا يجوز أن يأمر تعالى بالفحشاء، أو أن ينهى عن العدل والإحسان، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].
стр. 174
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
سئل أعرابي دخل في الإسلام فقيل له: عن أي شيء أسلمت؟ وما رأيت منه -أي النبي ﷺ - مما دلَّك على أنه رسول الله ﷺ ؟ قال: ما أمر بشيء، فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء، فقال العقل: ليته أمر به، ولا أحلَّ شيئًا، فقال العقل: ليته حرمه، ولا حرَّم شيئًا، فقال العقل: ليته أباحه (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن أنكر أن يكون للفعل صفات ذاتية لم يُحسِّن إلا لتعلق الأمر به (٢) وأن الأحكام بمجرد الخطاب إلى الفعل فقط، فقد أنكر ما جاءت به الشريعة من المصالح والمفاسد والمعروف والمنكر، وما في الشريعة من المناسبات بين الأحكام وعللها، وأنكر خاصة الفقه في الدين الذي هو معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها" (٣).
ومن غير شك فإن المتتبع لأحكام الشريعة ليقوم في نفسه العرفان بأنها ما شرعت إلا تحصيلًا لمعانٍ وحكم متغياة من قبل الشارع؛ لذا كان إغفال المقاصد في فهم الأوامر والنواهي بعيدًا عن مقصود الشارع (٤).
يقول الدهلوي ﵀ (٥): "قد يظن أن الأحكام الشرعية غير متضمنة لشيء من
стр. 175
المصالح، وأنه ليس بين الأعمال وبين ما جعل الله جزاء لها مناسبة، وهذا ظن فاسد تكذبه السنة وإجماع القرون المشهود لها بالخير" (١).
ولا يمنع هذا من أن الله تعالى قد يأمر بفعل أو ينهى عنه لغاية متعلقة بذات الأمر أو النهي لا لخصيصة قائمة في المأمور به أو المنهي عنه، كأن يتعبد عباده بالامتثال ويقيم عليهم الحجة بالاختيار، وإلا لِمَ أمر الله الخليل بأن يذبح ولده إسماعيل؟!
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٦].
وقد يأمر الشارع الحكيم وينهى لإظهار عبوديته في الخلق وطلب تعظيمه بالاستجابة والطاعة، وإفراده بالتأليه، كما يكون في العبادات المقدَّرة والمؤقتة، والتي لا سبيل لأن يدرك العقل فيها علة لخصوص التقدير أو التأقيت، غير القيام بواجب العبودية لله تعالى، ومن ذلك: تحديد أوقات وعدد ركعات الصلوات ومقادير الزكوات، وأوقات الصيام، ونحو ذلك.
ويذهب القرافي ﵀ (٢) إلى أن مثل هذه العبادات المحضة تعلل أيضًا بمصالح العباد، فيقول: "تخصيص صاحب الشرع بعض الأوقات بأفعال معينة دون بقية الأوقات يقتضي اختصاص ذلك الوقت المعين بمصلحة لا توجد في غير ذلك الوقت، ولولا ذلك
стр. 176
لكان الفعل عامًّا في جميع الأوقات، ولا بد لما بعد الزوال من معنى لاحظه صاحب الشرع لم يكن موجودًا قبل الزوال، طردًا لقاعدة صاحب الشرع في رعاية المصالح، وهكذا كل أمر تعبدي، معناه أن فيه معنًى لم نعلمه، لا أنه ليس فيه معنى" (١).
ويرد على هذا أنه لا يلزم من كل أمر أو نهي تحصيل مصلحة للعباد؛ بل قد يقصد الشارع الحكيم الزجر والعقوبة لقيام مقتضاها من جهة المكلفين، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
فلا يمتنع أنه قد يحرِّم الرب ما لا مفسدة فيه؛ عقوبة لمخالفة أو حرمانًا للمخالفين (٢).
وأخيرًا فإن المبالغة في التنقيب عن حِكَم المشروعيات بما لم تظهر دلالته من النصوص والأدلة الشرعية، لا سيما ما يظهر فيه وجه التعبد المحض، قد لا يخلو من تكلف.
يقول المقَّري ﵀ (٣): "التدقيق في تحقيق حِكَم المشروعية من مُلَح العلم لا متينه عند المحققين، بخلاف استنباط علل الأحكام وضبط أماراتها، فلا ينبغي المبالغة في التنقيب عن الحِكَمِ لا سيما فيما ظاهره التعبد" (٤).
стр. 177
المطلب الثاني: الأدلة على اعتبار الثبات في الأحكام الشرعية:
الثبات يرجع معناه اللغوي إلى دوام الشيء على حاله (١) والقول الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب، فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها (٢).
وأما معنى مصطلح الثبات عند المتكلمين فهو: "عدم احتمال الزوال بتشكيك المشكك" (٣).
ولقد تظاهرت أنواع الأدلة على تأصيل الثبات في الأحكام الشرعية، وقد مر طرف منها عند ذكر خصائص الشريعة الإسلامية، وفيما يلي بيان مختصر لهذه الأدلة:
أولًا: القرآن الكريم:
١ - الأدلة الدالة على حفظ القرآن الكريم من التحريف:
وذلك لتبقى أحكامه ثابتة إلى ما شاء الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، فأحكامه تعالى لا تقبل الزوال أو التبديل؛ لأنها أزلية، والأزلي لا يزول (٤).
أي: صدقًا فيما أخبر؛ فما أخبر به هو الحق، وعدلًا فيما حكم، فما أمر به هو العدل، وما نهى عنه فهو الباطل، ولا معقب لحكمه في الدنيا ولا في الآخرة (٥)، ولا يملك أحد أن يغيرها ولا أن يبدلها ولا أن يَخرُج عن شيء من أحكامها، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
стр. 178
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، والتغيير فيما قد كمل وتم اتهام بالنقص، بل هو عين التنقص.
﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، فلا سبيل لتبديل حقائقه، ولا طمس أحكامه بحمد الله تعالى.
٢ - الأدلة التي تحذر من تحريف الشرائع وتبديل الأحكام:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، وفي هذا تحذير من هذا المسلك.
وقد ذكر الله طرفًا من عبث المشركين وأهل الكتاب بالأحكام، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧].
وقال في حق أهل الكتاب: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، وقد نهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك صراحةً، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]، وكان من سبب نزولها أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم
стр. 179
انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي، فحرَّمت عليَّ اللحمَ، فأنزلت الآية (١).
ثانيًا: السنة المطهرة:
١ - الأحاديث الدالة على بقاء طائفة قائمة بأمر الله لا يضرها من خالفها أو خذلها إلى قيام الساعة، ومن ذلك: حديث جابر بن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لن يَبْرَحَ هذا الدين قائمًا يقاتِل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة" (٢).
حديث معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" (٣).
وهذا كله مصداق قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]، وهذا يدل على حفظ الدين وبقاء أحكامه، ولا سيما الجهاد إلى يوم القيامة، كما يحمل في ثناياه البشارة الصادقة بالنصر والتمكين.
٢ - الأحاديث الآمرة بالمحافظة على ثبات الأحكام الشرعية وحرمة تبديلها، ومنها:
حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصنا،
стр. 180
قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة" (١).
يقول ابن رجب ﵀ (٢): "ومما حدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي، ورد كثير مما وردت به السنة في ذلك لمخالفته للرأي والأقيسة العقلية" (٣).
ثالثًا: الإجماع:
وهو إجماع منعقد من لدن أصحاب نبينا ﷺ ، يقول الغزالي: "والسلف من الأئمة مجمعون على دوام التكليف إلى القيامة" (٤).
وقد قاتل الصديق ﵁ مانعي الزكاة بعد مناقشة عمر ﵁ ثم انعقد إجماع الصحابة عليه، وذلك أن الامتناع عن دفع الزكاة بدعوى ارتباطها برسول الله ﷺ نوع تحريف وتبديل لأحكام الدين الدائمة والثابتة، فإذا كان الممتنعون أصحاب