← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لكان الفعل عامًّا في جميع الأوقات، ولا بد لما بعد الزوال من معنى لاحظه صاحب الشرع لم يكن موجودًا قبل الزوال، طردًا لقاعدة صاحب الشرع في رعاية المصالح، وهكذا كل أمر تعبدي، معناه أن فيه معنًى لم نعلمه، لا أنه ليس فيه معنى" (١). ويرد على هذا أنه لا يلزم من كل أمر أو نهي تحصيل مصلحة للعباد؛ بل قد يقصد الشارع الحكيم الزجر والعقوبة لقيام مقتضاها من جهة المكلفين، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]. فلا يمتنع أنه قد يحرِّم الرب ما لا مفسدة فيه؛ عقوبة لمخالفة أو حرمانًا للمخالفين (٢). وأخيرًا فإن المبالغة في التنقيب عن حِكَم المشروعيات بما لم تظهر دلالته من النصوص والأدلة الشرعية، لا سيما ما يظهر فيه وجه التعبد المحض، قد لا يخلو من تكلف. يقول المقَّري ﵀ (٣): "التدقيق في تحقيق حِكَم المشروعية من مُلَح العلم لا متينه عند المحققين، بخلاف استنباط علل الأحكام وضبط أماراتها، فلا ينبغي المبالغة في التنقيب عن الحِكَمِ لا سيما فيما ظاهره التعبد" (٤).

стр. 177

المطلب الثاني: الأدلة على اعتبار الثبات في الأحكام الشرعية: الثبات يرجع معناه اللغوي إلى دوام الشيء على حاله (١) والقول الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب، فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها (٢). وأما معنى مصطلح الثبات عند المتكلمين فهو: "عدم احتمال الزوال بتشكيك المشكك" (٣). ولقد تظاهرت أنواع الأدلة على تأصيل الثبات في الأحكام الشرعية، وقد مر طرف منها عند ذكر خصائص الشريعة الإسلامية، وفيما يلي بيان مختصر لهذه الأدلة: أولًا: القرآن الكريم: ١ - الأدلة الدالة على حفظ القرآن الكريم من التحريف: وذلك لتبقى أحكامه ثابتة إلى ما شاء الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، فأحكامه تعالى لا تقبل الزوال أو التبديل؛ لأنها أزلية، والأزلي لا يزول (٤). أي: صدقًا فيما أخبر؛ فما أخبر به هو الحق، وعدلًا فيما حكم، فما أمر به هو العدل، وما نهى عنه فهو الباطل، ولا معقب لحكمه في الدنيا ولا في الآخرة (٥)، ولا يملك أحد أن يغيرها ولا أن يبدلها ولا أن يَخرُج عن شيء من أحكامها، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ

стр. 178

لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، والتغيير فيما قد كمل وتم اتهام بالنقص، بل هو عين التنقص. ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، فلا سبيل لتبديل حقائقه، ولا طمس أحكامه بحمد الله تعالى. ٢ - الأدلة التي تحذر من تحريف الشرائع وتبديل الأحكام: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، وفي هذا تحذير من هذا المسلك. وقد ذكر الله طرفًا من عبث المشركين وأهل الكتاب بالأحكام، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧]. وقال في حق أهل الكتاب: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، وقد نهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك صراحةً، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]، وكان من سبب نزولها أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم

стр. 179

انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي، فحرَّمت عليَّ اللحمَ، فأنزلت الآية (١). ثانيًا: السنة المطهرة: ١ - الأحاديث الدالة على بقاء طائفة قائمة بأمر الله لا يضرها من خالفها أو خذلها إلى قيام الساعة، ومن ذلك: حديث جابر بن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لن يَبْرَحَ هذا الدين قائمًا يقاتِل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة" (٢). حديث معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" (٣). وهذا كله مصداق قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]، وهذا يدل على حفظ الدين وبقاء أحكامه، ولا سيما الجهاد إلى يوم القيامة، كما يحمل في ثناياه البشارة الصادقة بالنصر والتمكين. ٢ - الأحاديث الآمرة بالمحافظة على ثبات الأحكام الشرعية وحرمة تبديلها، ومنها: حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصنا،

стр. 180

قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة" (١). يقول ابن رجب ﵀ (٢): "ومما حدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي، ورد كثير مما وردت به السنة في ذلك لمخالفته للرأي والأقيسة العقلية" (٣). ثالثًا: الإجماع: وهو إجماع منعقد من لدن أصحاب نبينا ﷺ ، يقول الغزالي: "والسلف من الأئمة مجمعون على دوام التكليف إلى القيامة" (٤). وقد قاتل الصديق ﵁ مانعي الزكاة بعد مناقشة عمر ﵁ ثم انعقد إجماع الصحابة عليه، وذلك أن الامتناع عن دفع الزكاة بدعوى ارتباطها برسول الله ﷺ نوع تحريف وتبديل لأحكام الدين الدائمة والثابتة، فإذا كان الممتنعون أصحاب

стр. 181

شوكة ومنعة فقد وجب على الإمام قتالهم (١). وقال الصديق مقالته المشهورة: "والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدونها لرسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها" (٢). رابعًا: المعقول: ١ - قضية الثبات في الأحكام ترتبط بقضية الإيمان بأسماء الله وصفاته من العلم والحكمة وغيرها، فأحكامه تعالى صادرة عن صفاته الكاملة وأسمائه الحسنى، فهو أعلم بخلقه وما يصلحهم وما يفسدهم، وإذا كانت الفطرة البشرية ثابتة لا تتغير فما يصلحهم كذلك. ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. ٢ - القول بعدم ثبات الشريعة يفضي إلى القول بعدم صلاحيتها للزمان والمكان، ولو قيل بعدم ثبات أحكام الشرع لبطلت لوازم نبوته ﷺ في الزمان والمكان الآتي بعده، وهذا كفر، فصح أن حكمه ﷺ في زمانه حكم باقٍ في كل زمان أبدَ الأبدِ (٣). وعليه فالشريعة الإسلامية ثابتة، تستعصي على التحريف والتبديل، وتتأبى على التطويع والتعطيل، ومن رامها بشيء من ذلك رمته بالكفر والتضليل. ولقد حاول كثير من دعاة العصرانية أن ينفذوا إلى غرضهم في تبديل الشريعة وتذويب أحكامها وتطويع مبادئها للأهواء، وذلك من خلال ما اشتهر في كتب أهل العلم من تغير الأحكام بتغير الأزمان، ولا يمكنهم ذلك؛ لأن ما عناه العلماء بهذه المقولة شيء وما أرادوه شيء مختلف تمام الاختلاف، فتغير الأحكام بتغير الأزمان ليس فيه تبديل

стр. 182

للشرع المحكم، ولا تغيير للشريعة الثابتة، بل هو خاصية في الشريعة نفسها تكسبها صفة البقاء والخلود وتزيدها ثباتًا وإحكامًا بقدرتها على تلبية كل متغير في حياة الناس. فشريعة الله حاكمة لا محكومة وكل من يحاول إخضاعها ويئوِّل نصوصها ليذللها لأحكام الزمان والمكان والأقوام من غير طرائق التأويل المستقيم، إنما يجعل شرع الله هزوًا، وينزل به من عليائه، ويجعله خاضعًا لأهواء الناس، وهو بذلك يظلم نفسه، قبل أن يظلم دينه. المطلب الثالث: أنواع الأحكام الشرعية من حيث الثبات والتغير: رفض كثير من العلماء والباحثين تقسيم الأحكام الشرعية إلى ثابت ومتغير، وقالوا: إن هذا التقسيم لا وجود له، وإن صفة الثبات لازمة لكل الأحكام الشرعية، وأنكروا تغير الأحكام بتغير الأزمان، وساقوا في ذلك الأدلة التي سقناها آنفًا في ثبات الشريعة وعدم تغيرها. من هؤلاء العلماء: ابن حزم ﵀ الذي أنكر جواز الانتقال عن حكم بغير نص أوجب النقل عنه، مهما تبدل الزمان أو الحال، وقال: إن الدين "لازم لكل حيٍّ ولكل من يولد إلى يوم القيامة في الأرض، فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان ولا لتبدل المكان ولا لتغير الأحوال، وأن ما ثبت فهو ثابت أبدًا في كل مكان وفي كل زمان وعلى كل حال" (١). ومن الباحثين المعاصرين من أنكر تغير الأحكام أيضًا، وإن كان قد أقر بتغير الفتوى، وأنكر كذلك تقسيم الأحكام الشرعية إلى ثابت ومتغير (٢)، ولا منازعة فيما ذهبوا إليه، بل نوافقهم الرأي، ولكن يبدو أن ما عناه العلماء بتغير الأحكام هو ذاته ما عنوه بتغير الفُتيا، وإن كنا نميل إلى تسميتها "تغير الفُتيا"؛ إذ إن التدقيق في الاصطلاح يعد أحد أسباب

стр. 183

الوقاية من الانزلاق، وأحد سبل الحماية من تلاعب المغرضين بشريعة رب العالمين. وما استدل به على منع تغير الأحكام صحيح لا مرية فيه، ولكنه ينصرف إلى أمر آخر مغاير، حيث يستدل به على منع استبدال أحكام الشريعة بأحكام ليست منها، والتغيير في الشرع بالزيادة أو النقصان، وعلى ثبات الشريعة وعدم قبولها لرفع شيء من أحكامها أو تعطيله أو استبداله بما لم يشرعه الله ﵎ ولا رسوله ﷺ . أما تغير الأحكام الذي عناه العلماء أمثال: الشاطبي والقرافي وابن القيم وغيرهم فليس استبدالًا لأحكام الشريعة بغيرها، ولكنه استبدال الحكم الشرعي بحكم شرعي آخر، فقد يكون الحكم هو المشروعية فينتقل إلى المنع أو العكس على اختلاف درجات المشروعية والمنع لا على سبيل النسخ والرفع والإزالة، وإنما على سبيل الانتقال والتحول، وليس في جميع الأحكام، وإنما في الأحكام الدائرة على المصالح أو العوائد والأعراف أو العلل المتغيرة. وتقسيم بعض العلماء أحكام الشريعة إلى ثوابت ومتغيرات لا يعني انقسامها إلى أحكام ثابتة لا تقبل الاستبدال وأخرى متغيرة تقبل الاستبدال بأحكام ليست من دين الله ولا من شريعة الإسلام، وإنما المقصود هو أن في الشريعة الإسلامية أحكامًا ثابتة بنصوص الكتاب والسنة، لا تقبل التغير لثبات المصالح التي شرعت لتحصيلها، أو لكونها من الأسس التي لا تتبدل بتبدل الأزمان أو الأعراف أو العادات فهذه الأحكام لا يصح المساس بها مهما تغيرت الأزمان وتبدلت الأحوال. كما أن في الشريعة الإسلامية أحكامًا بنيت على المصلحة التي يمكن أن تتغير بتغير الأزمان والأحوال والأعراف، فمثل هذه الأحكام موارد اجتهاد، تختلف فيها الأنظار بحسب اجتهاد المجتهدين في التماس المصلحة، وقد يتغير النظر فيها من وقت لآخر إذا تغيرت المصالح وأعراف الناس وعاداتهم، فهي تتغير لأجل ذلك، والمقصود بتغيرها أمران:

стр. 184

الأول: اختلاف وجهات النظر فيها، ولو في الزمان الواحد؛ لاختلاف مسالك المجتهدين في التماس المصلحة، وغير ذلك. الثاني: اختلاف الفُتيا فيها من زمان لآخر، وتغير الفُتيا عند تغير المصالح والأعراف والعادات بتغير الأزمان، حيث ينتقل من حكم شرعي كان مناسبًا في وقت إلى حكم شرعي آخر؛ لكونه أكثر مناسبة فيما استجد من الزمان. فالقسم الأول من أحكام الشريعة هو الذي ينبغي أن يحمل عليه قول ابن حزم فيما سبق، وكذلك قول كل من منع تغير الأحكام بتغير الأزمان؛ إذ الراجح أن أغلبهم لم يقصد تجميد أحكام الشريعة، وإنما قصد حماية الشريعة من التبديل والتحريف؛ ولذلك رأينا فضيلةَ الشيخِ بكر أبي زيد بعد ما حمل على القائلين بتغير الأحكام قال: "والعصرانيون دخلوا من هذا التقعيد الصوري إلى أوسع الأبواب فأخضعوا النصوص ذات الدلالة القطعية كآيات الحدود في السرقة والزنا ونحوهما بإيقاف إقامة الحدود؛ لتغير الزمان، وهكذا، مما نهايته انسلاخ من الشرع تحت سرادق موهوم" (١). وعليه فينبغي الحذر من طائفتين: إحداهما: استغلت هذه المقولة لتحقيق بغيتها في نفث سمومها والسعي في إطفاء نور الله وتحريف دينه باسم "تجديد الخطاب الديني"! والثانية: وجدت في هذه المقولة وسيلة للتوفيق بين الفكر الغربي المعاصر وبين أحكام الشريعة! ولا شك أن القائلين بتغير الأحكام بتغير الأزمان، أو بعبارة أدق: تغير الفُتيا بتغير الأزمان والأحوال، لم يقصدوا ما قصده المنحرفون، بل لم يتركوا فرصة لاستغلال هؤلاء المغرضين، أو انزلاقهم إلى ما يريدون من التحريف والتزييف؛ حيث وضعوا الاحتياطات اللازمة، وبيَّنوا البيان الكافي، فمن ذلك أنهم قسموا الأحكام الشرعية إلى

стр. 185

أحكام ثابتة لا تتغير، وأحكام أخرى تتغير بتغير الأزمان. ففي القديم يقول ابن القيم ﵀: "الأحكام نوعان: نوع: لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا اجتهاد الأئمة؛ كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها؛ فإن الشارع ينوِّع فيها بحسب المصلحة" (١). وفي الحديث يقول أحد الباحثين: "لكن وصف الأحكام الشرعية بأنها تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان على عمومها غير سليم وبإطلاقها غير مستقيم، إنما الأحكام القابلة للتغيُّر، هي الأحكام التي تتغيَّر بتغيُّر العوامل، مثل: فساد الأخلاق، وهي الأحكام غير المنصوص عليها؛ لذلك لا بدَّ من التمييز في الشريعة الإسلامية ما بين القواعد العامة التي لا تقبل التغيُّر ولا التبديل، وبين التطبيقات للأحكام التفصيلية على تلك القواعد العامة؛ لأن أصول الشريعة والأحكام التعبُّدية والمقدَّرات الشرعية لا تقبل التبديل مطلقًا، كحرمة المحارم ووجوب التراضي في العقود وضمان الضرر الذي يلحقه الإنسان بغيره، وسريان إقراره على نفسه وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره، وهذا يجعل مبدأ تغير الأحكام أقرب إلى نظرية المصالح المرسلة بالمقارنة إلى نظرية العرف؛ لأن التغيرات تتحقق حسب مصالح المجتمع. والحق أن الأحكام الشرعية التي تتبدَّل بتبدُّل الزمان المبدأ الشرعي فيها واحد، وهو إحقاق الحق وجلب المصالح ودرء المفاسد وتحقيق ما فيه نفع المجتمع الإسلامي في ضوء

стр. 186

مبادئ الإسلام وقواعده العامة، وعلى هذا فإن المبدأ الشرعي باقٍ لا يتغير، وليس في النهاية تبدل الأحكام إلا بتبدل الوسائل التي يتحقق بها مراد الله في الأرض؛ وذلك لأن الأساليب لم تضبطها الشريعة ضبطَّاً كاملًا، بل بقيت مطلقة وعامة حتى يبقى للعقل البشري مجال يعمل فيه ويكون متجاوبًا مع زمانه ومع ظروفه؛ إذ ليس هو من أساسه إلا تطبيقًا لأوجه متعددة لحكم ثابت. وأيضًا يكون الثبات في الأصول والكليات، وأما التغير ففي الفروع والجزئيات، ويكون هذا في مجال الاجتهاد، وفي نطاق النصوص المحتملة، وهو ما يؤيد القول بعدم جواز تبديل الأحكام الثابتة بالنص، مثل: أحكام العبادات؛ لأنه بالتأمل فيما نقل عن الصحابة -ولا سيما في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر- والتابعين وبعض الأئمة بتجاوز بعض الأحكام كمنع عطاء المؤلفة قلوبهم، نجد أنه ليس فيه تبديل ولا خروج على تلك النصوص، لكنهم قد قاموا بما تقتضيه حال الزمان والمكان بقدر الإمكان". (١) ولأجل هذا المعنى اختلفت أجوبة النبي ﷺ على السؤال الواحد نظرًا لاختلاف السائلين، فعن عبدِ اللهِ بن عمرو بن العَاصِ قال كنَّا عند النبيِّ ﷺ فجاءَ شابٌّ فقال: يا رسولَ الله أُقَبِّلُ وأنا صَائِمٌ؟ قَالَ: "لَا"، فجاءَ شيخ، فقال: أُقَبِّلُ وأنا صائمٌ؟ قال: "نعم"، قال: فنظرَ بَعضُنا إلى بعضٍ فقال رسولُ الله ﷺ : "قد علمتُ لم نظرَ بعضُكم إلى بعضٍ إنَّ الشيخَ يملِكُ نَفسَهُ" (٢)، فاختلف جواب النبي ﷺ لاختلاف حالهما.

стр. 187

ومثل هذا وقع حين سُئل النبي ﷺ "أيُّ الأعمالِ أفْضلُ؟ " (١). فتنوعت الإجابة لتنوع حال السائلين. كما كان من هديه ﷺ أن علَّم الصحابة أن الأحكام الشرعية تدور مع عللها، فقال ﷺ يعلل لهم نهيه عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث: "إِنَّما نهَيتُكم مِن أجْلِ الدَّافَّةِ التي دَفَّتْ فكلُوا وادَّخروا وتصدَّقوا" (٢). وكان أيضًا من هديه ﷺ النظر في مآلات الأفعال ونتائج التصرفات، وقد قال لعائشة ﵂: "ولولا أنَّ قومكِ حديثٌ عهدهم بِالجاهليةِ فأخافُ أنْ تُنكِرَ قلُوبُهم أنْ أُدخِلَ الجَدْرَ فِي البيتِ وأنْ أُلصِقَ بابهُ بِالأَرض" (٣). وقد نهى ﷺ عن قتل المنافقين خشية أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه (٤). هذا هو الاحتياط الأول الذي يغلق الباب أمام المغرضين المتربصين بشريعة الإسلام، أما الاحتياط الثاني فهو أنهم وضعوا ضوابط لتغير الفُتيا، وهو ما سيتناول في مباحث تأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 188

المطلب الرابع: تعريف تغير الفُتيا والاجتهاد والفرق بينه وبين النسخ: التغير لغة: التبدل والتحول والانتقال، نقول: تغير الشيء، أي: تحوَّل، وغَيَّره: جعله غيرَ ما كان، حوَّله وبدَّله، وغيرت الشيء: بدلته، وغيرت دابتي وثيابي، أي: جعلتها على غير ما كان، وغيرت داري: بنيتها بناء غير الذي كان (١). ومعنى (تغير الفُتيا) في الاصطلاح الشرعي لا يبعد عن المعنى اللغوي السابق، فهو: التحول والانتقال -عند الإفتاء في مسألة- من حكم سابق كان مناسبًا لها في وقت أو حال إلى حكم آخر لتبدل الوقت أو الحال. والأفضل ألا يعبر عنه بلفظ (تغيير)؛ لأن كلمة (تغيير) تستعمل كثيرًا بمعنى الإزالة والرفع، وتغير الفتيا ليس فيه إزالة ولا رفع، بل هو مجرد انتقال وتحول من حكم إلى حكم، مع بقاء الحكم ذاته. فالتعبير عن تغيُّر الفُتيا بلفظ (تغيير الفُتيا) لون من التساهل؛ لأنه قد يفيد -أو يفهم منه على الأقل- زوال الحكم، بينما الحكم لا يزول، بل يبقى ما بقيت شريعة الله تعالى. وكذلك التعبير عنه بمصطلح "تغير الأحكام" أو بقاعدة: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان" فيه -أيضًا- قدر من المسامحة؛ لأن الذي يتغير هو الفُتيا، أما الأحكام فلا تتغير ولا تتبدل، فالحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا، والقول بإمكانية تغير الحكم الشرعي مكافئ للقول بإمكانية

стр. 189

تغير خطاب الله تعالى، وقد تُوعد المبدلون لأحكام الله المغيِّرون لشرعه بالإبعاد والهلاك يوم القيامة، ففي الحديث الصحيح: "ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا" (١). وتغير الفتيا شيء مخالف تمام المخالفة للنسخ؛ لأن النسخ رفع للحكم وإلغاء ومحوٌ له، وهذا لا يملكه أحد سوى الله ، ومن ثم لا يمكن أن يحدث إلا في زمن النبوة قبل اكتمال التشريع، أما بعد اكتماله وبعد أن لَحِقَ رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى فلا يتحقق أبدًا. يقول الإمام الشاطبي ﵀: "فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخًا، ولا تخصيصًا لعمومها، ولا تقييدًا لإطلاقها، ولا رفعًا لحكم من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل ما أثبت سببًا فهو سبب أبدًا لا يرتفع، وما كان شرطًا فهو أبدًا شرط، وما كان واجبًا فهو واجب أبدًا، أو مندوبًا فمندوب، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ولا تبدل، ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك" (٢). وقد عرف الأصوليون النسخ بأنه: "رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر" (٣). ومن خلال النظر في هذا التعريف وفي تعريف (تغير الفتيا)، ومن خلال الدراسة لأحكامهما

стр. 190

وشروطهما وضوابطهما وأمثلتهما يتبين لنا أن النسخ وتغير الفتيا يلتقيان في وصفين (١): الأول: أن كلًّا منهما يراعى فيه المصلحة ومقاصد التشريع. الثاني: أن كلًّا منهما يتحقق فيه الانتقال من حكم إلى حكم، وترك الحكم الأول إلى الثاني. ولكنْ بينهما فروق جوهرية، أهمها: ١ - أن النسخ رفع للحكم ومحوٌ له، بحيث لا يمكن أن يعود مرة ثانية للتعلق بالحادثة أو الواقعة أو الشيء المحكوم عليه، أما تغير الفتيا فليس فيه رفعُ الحكم ولا محوٌ له، وإنما هو عبارة عن ترك الحكم -في مسألة أو نازلة- إلى حكم آخر انتقالًا فقط، وليس لإزالة الحكم الأول؛ بل يبقى الحكم الأول، حتى إذا ما تغير الحال وعاد واقع المسألة لما يناسب الحكم الأول عاد الحكم فتعلق بها. يقول الشاطبي ﵀: "وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها" (٢). ٢ - أن النسخ لا يملكه إلا الله ﵎ الذي قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، فما أثبته الله في الكتاب والسنة لم يجز لأحد أن يمحوه، وما نسخه الله تعالى في كتابه أو سنة رسوله لم يملك أحد أن يثبته، أما تغير الفُتيا فيملكه كل مجتهد؛ لأنه ينظر إلى الأحكام التي دورانها على المصلحة أو على العوائد، فإذا ما تغيرت المصلحة أو تبدلت العوائد نظر إلى ما يناسبها من الأحكام

стр. 191

فانتقل إليه. ٣ - أن النسخ لا يكون إلا في زمن الوحي، ولا يمكن أن يقع بعد وفاة رسول الله ﷺ وهذا بإجماع العلماء (١)، أما تغير الفُتيا فيكون في زمن الوحي كما يكون بعده في جميع الأزمان؛ لأن موضوعه هو الأحكام التي تدور مع العوائد أو المصالح، وسببه هو تغير العوائد أو تبدل المصالح، وهذا مستمر أبدًا. هذه أهم الفروق وهناك فروق أخرى وقد اكتفي بما هو أهم تجنبًا للإسهاب والإطالة.

стр. 192

المبحث الثالث أسباب تغير الفُتيا والأحكام الفقهية الاجتهادية تمهيد لقد سبق -بما يغني عن الإعادة- أن الشريعة الإسلامية الغراء تميزت بثبات أحكامها وديمومة بقائها، وكمال صلاحيتها عبر الزمان والمكان، فلا جرم أن احتوت على مجامع الخيرات ومفاتح الرحمات لجميع البريات. والأحكام التي جاء بها الدين الحنيف لا تقبل التغير في أصولها، إنما يقع التغير في علم الإنسان بها واستنباطه منها، وتطبيقه لها على ما يستجدُّ من الجزئيات، وبما أن الشريعة كاملة رفيعة المستوى لا يشوبها نقص ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فهي مصونة من الارتداد إلى النقص أو الارتطام في هوة الفساد، وإلا كان ذلك نقصًا من مستواها؛ كما هي غير قابلة لارتقاء إلى أعلى منها؛ لأن هذا الأعلى غير موجود؛ ذلك بأنها من كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فالأحكام التي نص عليها القرآن والسنة المطهرة واستُمِدَّ منها إجماعُ المسلمين لا يمكن أن يقع فيها تغير أو تغيير، ولن تحتاج لذلك؛ لأنها ستظل صالحة لكل زمان ومكان، وهذه الصلوحية تحتمل أن تُصوَّر بكيفيتين: الأولى: أن الشريعة قابلة بأصولها وكلياتها للتطابق مع مختلف الأحوال بحيث تساير أحكامها مختلف المستجدَّات دون حرج ولا مشقَّة ولا عسر. الثانية: أن يكون اختلاف أحوال العصور والأمم قابلًا للتشكيل والتعديل على

стр. 193

نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقةٍ ولا عسرٍ، كما أمكن للإسلام تغيير بعض أحوال الأمم التي اعتنقته. وفيما يأتي بيان لأهم أسباب تغير الفتيا والأحكام الاجتهادية في الشريعة الإسلامية: المطلب الأول: الأسباب الذاتية لتغير الفتيا والأحكام الفقهية الاجتهادية: أولًا: خصائص وقواعد الشريعة الإسلامية: لقد تميزت الشريعة الربانية بمميزات كثيرة، وانفردت بخصائص فريدة تؤهلها للبقاء والصلاحية، والديمومة والثبات من جهة، والسعة والمرونة من جهةٍ أخرى. فالقواعد ثابتة في كل زمان ومكان لا تقبل تبديلًا ولا تغييرًا، وما كان من الفتاوي والأحكام الاجتهادية مرتبطًا بالبيئات والظروف والأعراف والعادات أو المصالح ونحو ذلك فإنها تقبل التغير والاجتهاد، وهذا في ذاته من مظاهر المرونة، ومن دلائل الخصوبة. كما أن الأحكام الاجتهادية لم تسرد سردًا ولم تستوعب ذكرًا في كتاب ولا سنة، وإنما عرضت أصول الأحكام ومعاقد الحلال والحرام، ثم فُتح باب الاجتهاد لتخريج الفروع على الأصول، ورد الجزئيات إلى الكليات، وقياس غير المنصوص على المنصوص، وهذا من شأنه أن يفتح باب السعة، ومراعاة الخلاف؛ ذلك أن الخلاف الذي ينشأ لأسباب تتعلق بالنصوص وفهمها، أو منهج الاستنباط منها، أو لتعارض أدلتها، أو لغياب النصوص فيها -دليل حيوية الفقه الإسلامي وصلاحيته. ثم إن من أعظم ما يدل ويؤكد على قابلية تغير الفتيا والأحكام الاجتهادية ما تمهد من قطعيات الدين وبدهيَّاته أن هذه الرسالة هي الخاتمة، وأن محمدًا ﷺ هو النبي الخاتم، وأن هذا الكتاب الكريم والشريعة المطهرة هما الناسخان لما سبقهما من الكتب والشراح، فالعالمية إذن من خصائص هذه الشريعة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ

стр. 194

جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]؛ وعليه فإن رسالة الإسلام تتجاوز حدود المكان والأزمان وبني الإنسان، وهذه الدعوة العالمية وهذه الشريعة الإلهية الخاتمة ترعى الثوابت والمحكمات في كل ميدان، وتتعامل مع قضايا ووسائل الاجتهاد بحسب معطياتها ومقدماتها؛ فلا تقف على رأي لا يتغير في هذا الباب أو ذاك، ولا تجمد على أسلوب أو وسيلة لا ترى غيرها، كما لا تتبنى مذهبًا فقهيًّا ناسب مكانَ نشأةٍ أو ظروفَ بيئةٍ ثم ترفع اجتهاداته إلى منزلة محكمات الشريعة وقطعيات الدين، فتخلط بين الموروث الفقهي والأصول الاعتقادية، أو بين الثابت والمتغير في الشريعة الإسلامية (١). وقد حققت الشريعة هذه العالمية باستنادها إلى الفطرة والعقل، فأحكامها في العقل متسقة، ومع الفطرة ملتئمة، وهي تعتبر في الأحكام الكثير الغالب دون القليل النادر، تضع الأصول وترعى الأعراف، وتقيم المصالح (٢). ومن روافد مرونة هذه الشريعة المطهرة ما يتعلق بقواعدها الشرعية سواء منها الأصولية أو الفقهية، وفيها ما هو ثابت محكم لا يعتريه تغير أو تبديل، وفيها ما هو موضع نقاش بين العلماء، كقواعد دلالات الألفاظ وطرق دلالتها على الأحكام، والقواعد الأصولية المتعلقة بالخاص والعام والمطلق والمقيد، وقواعد الأمر والنهي عند الأصوليين. وأما القواعد الفقهية الكلية فهي من جهة أغلبية، ومن جهة أخرى تؤصِّل بعضها للتغير في الفتاوي والاجتهاديات كقولهم في القواعد الكلية الكبرى: "العادة محكمة" (٣).

стр. 195

فهي تفيد مشروعية تغير الأحكام الاجتهادية والفتاوي في المسائل المتعلقة بالأعراف والعادات، وتلتحق بها في ذات السياق من القواعد قاعدة: "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا" (١)، و"استعمال الناس حجة يجب العمل بها" (٢). ومن القواعد في هذا السياق: قول الفقهاء: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان" (٣)، وهي تدل على أن الأحكام المرتبطة بعوامل متغيرة تقبل التغير ولا تمتنع عنه. ومن القواعد أيضًا: ما يؤصل للتغير ولكن من جهات أخرى، وذلك مثل: ما يدل على تغير الأحكام بناء على ظهور العلل أو غيابها؛ فمن ذلك: "الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا" (٤)، ونحو ذلك: "الحكم إذا أثبت بعلَّة زال بزوالها" (٥). وقد يتغير الحكم بتغير النيَّات والمقاصد؛ ولذا قعَّد الفقهاء قاعدة: "الأمور بمقاصدها" (٦). وقد يحصل تغير طارئ في الأحكام نتيجة الظروف القاهرة الطارئة؛ ولذا قعَّد الفقهاء من ضمن القواعد الكلية الكبرى: "المشقة تجلب التيسير" و"الضرورات تبيح المحظورات" (٧). وأخيرًا: فإنه وعلى الرغم من كونها قواعد كلية فقد قال بعض الفقهاء من الحنفية كابن نجيم إنه "لا يحل الإفتاء من القواعد والضوابط" (٨)؛ لأنها ليست كلية؛ بل أغلبية، فلا يتأتى القول بإطلاقها؛ لوجود المستثنيات فيها من جهة، ولأن فيها ما هو مستنبط

стр. 196

من أحكام فرعية وليس من نصوص شرعية، إلا أنه ينبغي للمفتي أن يكون ملمًّا بها مطلعًا عليها، حتى يتأتى له ضبط المسائل وتتبع جزئيات الأحكام وجمعها في نسق واحد. ثانيًا: مقاصد الشريعة: للشريعة المطهرة غايات عُليا تأتي بعد مرتبة النصوص، وهي أنواع خمسة ثبتت بالاستقراء للنصوص والأحكام والأدلة والتصرفات الشرعية؛ بحيث صارت معلومة من الدين بالضرورة؛ إذ الشريعة موضوعة لحفظ أديان الناس في عقائدهم وشرائعهم، وإقامة أبدانهم وصيانتها والإبقاء على مهجهم، وحفظ عقولهم، ونماء أموالهم، وصون أعراضهم ونسلهم. وهذه المقاصد على ثلاث مراتب: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات، وقد جاءت الشريعة الغراء بحفظ كل من هذه المقاصد في مراتبها الثلاث، وتقديم الضروري منها على غيره، وتقديم الحاجيِّ منها على التحسيني. وقد جاءت الشريعة بتشريع ما يقيم الدين ويحفظ على الناس أصوله وفروعه، فعنيت بأحكام العقائد وبيان أحكام أركان الإسلام والإيمان، وشرعت الطهارة وبينت أحكامها، ورغبت في النوافل والاستكثار منها، كما شرعت الحدود لحفظ المحارم وصيانة الأديان، كما جاءت الشريعة بحفظ الأنفس بإقرار حرمتها وتكريمها وتحريم إلحاق الأذى بها، وشرع القصاص لاستدامة الحياة، وأُبيحت الطيبات وسُنَّت آداب الأكل والشرب، والترفه بالمباحات في غير إسراف (١). كما شرعت الأحكام التي من شأنها حفظ العقل، ورعاية مصالحه الضرورية والحاجية والتحسينية، وذلك بالدعوة للتفكير والتدبر في آيات الله المتلوة وآياته تعالى المجلوَّة، والنظر والتدبر في صفحة الكتاب المسطور، والكون المنظور، وبالدعوة للتعلم والتعقل، كما حُفظ العقل بتحريم تغييبه بمسكر أو مخدر، وتشريع العقوبات اللازمة لحمايته.

стр. 197

وحفظت العرض والنسل بتشريع الزواج وتحريم الزنا، وتيسير مقدمات الزواج ومؤنته، وتحريم مقدمات الزنا ووسائله، وضبط ما يتعلق بالعلاقة بين الزوجين والحقوق المستحقة بناءً على هذه العلاقة، وما يتعلق بحقوق الأبناء على الآباء ونحو ذلك. وسنت الشريعة الأحكام التي تحفظ المال وتُنمِّيه وتُثمره، ووضعت الحدود التي تردع عن سرقته أو خيانته، ورغَّبت في العمل والاكتساب، وحذَّرت من التواكل والإعراض عن الأسباب، وجُلِّيت أحكام المعاملات باختلاف أنواعها، وعُدَّت آدابها وحُدَّت ضوابطها، وحَذَّرت من إضاعة المال ومَنَعَتْ من احتكاره. كما كفلت الشريعة عدم الإكراه على الدين، وحق التفكير والتعبير والمناصحة والتذكير والدعوة إلى الخير (١). واعتبار المقاصد له أهميته في تغير الأحكام، كما تجدر الإشارة إلى أهمية التوازن بين النظر إلى الألفاظ ورعاية المقاصد؛ ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا عبرة بصورة الأسباب الشرعية الخالية من المعاني التي تضمنتها، كما أنه إذا تغير مدلول اللفظ وأصبح خلوًا من معناه الذي شرع الحكم لأجله؛ فإن الحكم يتغير بتغيره، كما أنه لا اختلاف بين الفقهاء على أن تغيير الأسماء والألفاظ الدالة على معانٍ أو أعمالٍ أو ذواتٍ معينةٍ لا يغير أحكام تلك الأشياء. يدل على ذلك حديث: "ليشربنَّ ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" (٢)، وقد قعَّد الفقهاء

стр. 198

قاعدة: "الأمور بمقاصدها" وقاعدة: "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني" (١). ولقد تألَّف النبي ﷺ قومًا على الإسلام يوم كان المسلمون بحاجة إلى دعم الوجهاء والكبراء في القبائل والعشائر؛ فأعطى كلًّا من أبي سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، مائةً من الإبل تأليفًا لقلوبهم على الإسلام (٢)، حتى قال صفوان: "والله لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ" (٣). وكذلك أعطى أبو بكر ﵁ عدي بن حاتم ﵁، والزبرقان بن بدر ﵁ لمكانتهما في قومهما، وكانا مسلمين. فلما كان عهد عمر وظهر الإسلام وقوي، وصار للمسلمين شوكة ومنعة، رأى عمر ألَّا يعطي المؤلفة قلوبهم شيئًا على الإسلام (٤)؛ لأن رسول الله ﷺ تألفهم على الدخول في الإسلام والثبات عليه، فلا يكون ذلك سنة دائمة، فأوقف عمر ﵁ سهم المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة، لما رأى من تبدل الأحوال واستغناء الإسلام عنهم. وليس ذلك نسخًا لهذا الحكم، وإنما هو تصرف من عمر ﵁ في تنزيل الحكم

стр. 199

حسبما آل إليه الحال في زمنه، والحكم باقٍ ببقاء علته، ولا سبيل إلى القول بنسخه؛ لأنه لا يتصور النسخ في غير زمن النبي ﷺ ، ولو كان منسوخًا لما عمل به أبو بكر في إعطاء المؤلفة قلوبهم (١). وعلى هذا المعنى جرى الأئمة في آرائهم الفقهية فهذا مالك (٢) ﵀ لم يقل بخيار المجلس الثابت بخبر الواحد؛ لمخالفته عمل أهل المدينة، وللغاية من العقد (٣). وذلك يدل بجلاء على أن الفتاوي والأحكام الاجتهادية قد يطرأ عليها ما يفضي إلى تغييرها بالنظر إلى مقاصد الشريعة وخصائصها وقواعدها. المطلب الثاني: الأسباب الخارجية لتغير الفتيا والأحكام الاجتهادية في الشريعة الإسلامية: يقصد بالأسباب الخارجية ما لا تعلُّق له بنصوص الشريعة وقواعدها ومقاصدها وروحها، فهي عوامل تتعلق باختلاف الأزمان، والأماكن، والبيئات، والأحوال، والعوائد، والأعراف، والمصالح، والعلوم، والمعارف، والمكلفين، وغير ذلك. ولا شك أن عماد هذه الأسباب كلها هو تغير المصلحة؛ لأن هذه الأسباب لا تؤثر بذاتها، بل تدور مع المصلحة التي هي المدرك الكلي للمناطات والعلل القريبة. "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل

стр. 200

إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل" (١). ومعلوم أن الأحكام الشرعية مغياة بمصالح جليلة هي المقاصد العُليا للتشريع، ويحُكْم أن هذه المصالح هي من الأمور الوجودية؛ فإنه يعرض لمحالِّها من عوارض التبدل والإخلاف ما يوجب تجديد التكيف مع تلك المحالِّ حسب ما يقتضيه مناط الحكم الأصلي، مما يعني بوضوح أن الحكم المعلل يدور مع علته في سائر محالِّها وتشخُّصاتها. وفيما يلي بيان لأهم الأسباب الخارجية لتغير الفُتيا والأحكام الاجتهادية في الشريعة الإسلامية: الفرع الأول: فساد الزمان وتغيره: والمقصود على وجه الدقة فساد أهل الزمان أو صلاحهم؛ ذلك أن الزمن ليس بذاته مؤثرًا في تغير الأحكام؛ لأنه محلٌّ تتحقق فيه تلك التغيرات. وقد كتب ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين" فصلًا ماتعًا في تغير الفتيا واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد. ويدقق بعض الفقهاء والأصوليين فيقول: "لا نقول: إن الأحكام تتغير بتغير الزمان، بل باختلاف الصورة الحادثة" (٢). وهو ما عناه العز ابن عبد السلام ﵀ بقوله: "يحدث للناس في كل زمان من الأحكام ما يناسبهم" (٣)، وإن كان مقصود من قال بتغير الأحكام تبعًا لتغير الزمان، هو الأحكام المبنية على عرف أو عادة فتُغَيَّر تبعًا لتغيرها، وإلا فالأحكام في الأصل تتغير بحسب وجود عللها أو غيابها.

стр. 201

وقد نظر الفاروق ﵁ إلى قدسية الزمان فرأى أن الدية في أسنان الإبل تختلف باختلاف الزمان؛ ذلك أن الجناية في الشهر الحرام لا تكون كالجناية في سائر الأزمان (١). ومن أمثلة الأحكام التي غيرها الأئمة الفقهاء معلِّلين الداعي إلى هذا بفساد الزمان: الأنواع التالية: النوع الأول: ما يتعلق بالولاية العامة من أحكام: وهذا كما يشمل توسيع نطاق مسئولية الولاية العامة وتطورها، يشمل -أيضًا- تضييقها وتقليصها، فمن أمثلة الجانب الأول: ١ - تكوين المؤسسات الجديدة وتطوير القديمة؛ فمثلاً قد أسس ديوان خاص للإفتاء مع الرقابة عليه، وأسس أيضًا ديوان المظالم للتمييز، وافترقت الحسبة عن القضاء، وبدأت كتابة السجلات وترقيمها، وتحكيم الحكام نيابة عن حاكم واحد، ومنع شهادة الأقارب في المحكمة، ومنع القاضي من الحكم بعلمه، بل لا بد من الاستناد إلى البيِّنات الثابتة في القضاء (٢). ٢ - أفتى أبو يوسف ومحمد بضرورة تزكية الشهود؛ نظرًا لتغير أحوال الناس وتفشي الكذب وضعف الديانة والضمير، مع أن الإمام أبا حنيفة كان يرى الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، وكان هذا الحكم مناسبًا لزمانه؛ لأن ذاك الزمان كان من خير القرون (٣)، ومن ذلك: ما روي أن عمر بن عبد العزيز كان يقضي -وهو قاضٍ في المدينة- بشاهد واحد ويمين، فلما كان بالشام لم يقبل إلا شاهدين لما تغير الناس

стр. 202

هناك عما عرفه من أهل المدينة (١). وكان الاكتفاء بالعدالة الظاهرة في غير الحدود الشرعية، وكان سبب ذلك صلاح الناس في زمانه، لكن ضرورة تزكية الشهود جاءت بعد مدة بسبب فساد الأخلاق، ومن أجل ذلك كتب عمر ﵁ إلى أبي موسي الأشعري ﵁ بأن لا يُسمَع مُجَرَّبٌ عليه شهادة زور أو مجلود في حد أو ظنين في ولاء (٢) أو قرابة؛ لأن القرآن لم يمنع من شهادة الأقارب في الأصل (٣). ٣ - تدخل الإمام في التسعير للحاجة عند فساد الزمان، وقد نهى النبي ﷺ عن التسعير، وقال: "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق" (٤). وحين جوَّز ذلك العلماءُ بينوا أن تحريم التسعير كان لعدم الحاجة إليه، أو وجود ما يقتضيه، فلما قامت الحاجة الداعية إليه جاز (٥). ٤ - جعل الوصية بقرار من الحاكم أو السلطان؛ ذلك أن سوء استعمال الحقوق قد كثر بكثرة الفساد (٦).

стр. 203

٥ - وكذا تحديد ساعات العمل والإجازة الخاصة من قبل الحاكم بسبب فساد الأخلاق وحيل الناس إلى التعدي والاستغلال (١). ومن أمثلة الجانب الثاني: مسألة القول بترتيب بيت مال المسلمين ضمن عصبة الميت. فقد كان هذا رأي طائفة من الصحابة والتابعين وقول المالكية وبعض الشافعية (٢)، ومفاد المسألة أن من هلك وليس له وارث من ذوي الفروض أو العصبات فإن ما تركه يصير إلى بيت مال المسلمين، وقد شرط ابن قاسم من المالكية لذلك كون بيت مال المسلمين منتظمًا، حين قال: إذا كان الخليفة مثل عمر بن عبد العزيز صار ما تركه الهالك إلى بيت المال. ثم لما فسد بيت مال المسلمين، ووسد الأمر إلى غير أهله في زمن بعض الخلفاء العباسيين، وظهر العبث بأموال المسلمين وصرفها في وجوه اللهو والمجون، غَيَّر الفقهاء الفتيا في هذه المسألة، فذهبوا إلى أن من مات وليس له وارث يتصدق بماله على الفقراء ولا يحوزه بيت المال. وهذا هو الفقه الحي الذي يدخل إلى القلوب بغير استئذان فإن أحكام الله لا يمكن أن تكون أداة أو وسيلة لتزكية مفاسد الأزمان والمجتمعات، والشريعة هي عدل الله في الأرض (٣). ومثل هذا تقييد سلطة ولي الأمر في فرض الضرائب بشروط وضوابط كثيرة فإن

стр. 204

تحققت وإلا لم يجز. النوع الثاني: تحديد الحريات للمصلحة: مثل الحجر على المدين، حيث كان له أولًا حقُّ التصرف المطلق في أمواله، سواء كانت هبة أو وقفًا أو تبرعًا، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها باعتبار أن الديون تتعلق بذمته وتبقى أعيان أمواله حرة، وهذا بمقتضى القواعد القياسية التي جرى بها العمل في الزمن الأول، ثم لما فسدت ذمم الناس وكثرت حيلهم وبدأ كثير من المدينين يعمدون إلى تهريب أموالهم عن دائنيهم بوقفها أو إعطائها لمن يثقون بهم على أساس الهبة، لأجل ذلك أفتى المتأخرون من الفقهاء بعدم نفاذ تلك التصرفات من قبل المدين إلا فيما يزيد عن مقدار الدين؛ لأنه ليس من حقه أن يضر غيره (١). ومثله أيضًا منع النساء من المساجد، حيث كان الأصل في ذهابهن الإباحة، ولما نظر المجتهدون إلى حديث النبي ﷺ رأوا أن العلة هي المحافظة على مصلحة المرأة في سعيها إلى المسجد وحضورها صلاة الجماعة وانتفاعها بما تسمع من قرآن أو خطبة، ولم يكن في خروجها في عهده ﷺ مفسدة تستدعي المنع، فلما جاء عهد كثر فيه تعرض السفلة من الرجال للنساء، وحدثت وقائع تدل على أن سلطان الدين أصبح ضعيف الأثر في نفوس هؤلاء وأولئك، فقد أخذت واقعة خروج المرأة إلى المسجد حالًا غير الحال التي كانت عليها في زمن النبوة، وانضم إلى مصلحة خروجها مفسدة، وللمجتهد أن ينظر في هذه المفسدة ويقيسها بالمصلحة ليعلم أيهما أرجح وزنًا، ثم يرجع بالواقعة إلى أصول الشريعة ويستنبط لها حكمًا يراعي فيه حالتها الطارئة، ويصل إلى قول أم

стр. 205

المؤمنين عائشة ﵂: "لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما مُنعت نساء بني إسرائيل" (١)؛ لأن هذا سيكون سببًا لمفاسد تزيد على مصالح النساء في المساجد، مثل: استفادتهن من القراءة أو أخذ العلم (٢). لكن قد يقال: إن هذا ليس من الاستصلاح في شيء؛ لأن النبي ﷺ أذن للنساء في الذهاب إلى المساجد، ومنعهن في نفس الوقت من التبرج والزينة وإثارة الفتنة، فإذا تعلق بصورة واحدة كل من مناطي الإذن والمنع، قدم المنع عملًا بالقاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"؛ فالإذن للنساء بالخروج إنما هو بناء على النص الدالِّ على ذلك، ومنعهن مِن الخروج هو أيضًا بناء على النص الدال على ذلك (٣). ولا يمنعنا ما قرره فقهاء المذاهب في هذه المسألة أن نقول: إذا زال المحظور الذي وجد في الزمن الأول، أو لم يعد يوجد ما يبرره اليوم، أو كانت المصلحة أرجح فلتعد الفتيا إلى سابق العهد، ولا سيما وقد خرجت المرأة من بيتها للعمل والدراسة في الجامعات وفي كل المجتمعات، فلا يصح أن يبقى المسجد هو المكان الذي يحظر عليها ارتياده، مع ما تحقق بالتجربة من استفادة المرأة المسلمة من ذهابها إلى المسجد للجمعة أو الجماعات أو الدروس ونحو ذلك. النوع الثالث: قبول شهادة الأمثل فالأمثل: لا يخفى أن العدالة مشترطة في الشاهد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. ومع تقدم الزمان وسوء الأحوال وضعف وازع الإيمان، فإن القاضي إذا طلب تحقيق

стр. 206

شرائط العدالة كاملة في الشهود على ما قرره العلماء لضاعت الحقوق لفقدان عدالة الشهود، فصار النزول إلى العدالة النسبية، وقبول شهادة الأمثل فالأمثل هو الممكن المتعين (١). وأفتى كذلك متأخرو الحنفية في إثبات الأهلة لصيام رمضان وللعيدين بقبول رؤية شخصين، ولم تكن في السماء علة تمنع الرؤية من غيم أو ضباب أو غبار، بعد أن كان في أصل المذهب الحنفي لا يثبت إهلال الهلال عند صفاء السماء إلا برؤية جمع عظيم؛ لأن معظم الناس يلتمسون الرؤية، فانفراد اثنين بادِّعاء الرؤية مظنة الغلط أو الشبهة، وقد علل المتأخرون قبول رؤية الاثنين بقعود الناس عن التماس رؤية الهلال، فلم تبقَ رؤية اثنين معه مظنة الغلط إذا لم تكن في شهادتهما شبهة أو تهمة تدعو إلى الشك والريبة (٢). النوع الرابع: تكثير العقوبات وتغليظها أو تخفيفها: لم يكن في حد الخمر تقدير معلوم في زمن النبي ﷺ ، قال الزهري (٣): "لم يكن رسول الله ﷺ فرض فيها حدًّا، كان يأمر من حضره يضربون بأيديهم ونعالهم حتى يقول رسول الله ﷺ : ارفعوا" (٤). ثم لما كان زمن أبي بكر ﵁ تغير الحال وكثر الشُرَّاب، فجعل حد الخمر أربعين؛ فقد روى ابن عباس ﵄: "أن الشُّرَّاب كانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد النبي ﷺ فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم هذا، فتوخَّى لهم نحوًا مما كانوا يُضربون في عهد

стр. 207

النبي ﷺ . فكان أبو بكر ﵁ يجلدهم أربعين حتى توفي" (١). فلما كان عهد عمر تتابع الناس في الشراب واستخَفُّوا العقوبة، فشاور كبار الصحابة في جلد شارب الخمر، وقال: "إن الناس قد شربوها واجترؤوا عليها" (٢)، فقال عبد الرحمن بن عوف: "أخف الحدود ثمانون"؛ (٤) فأمر به عمر (٣). وعن السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فَجَلَدَ أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جَلَدَ ثمانين" (٤). ولما رأى أن شربه لم ينقطع زاد عليه حلق الرأس والنفي، وكان كل هذا على أساس المصلحة وسدًّا للذريعة (٥) كما أنه أمر بهدم الحانات (٦). كما وأمر بتسخيم وجه شاهد الزور مع التشهير (٧). وهذا لم يمنع عمر ﵁ أن يخفف في ملحقات الحدود من العقوبات الأخرى، حيث ترك نفي الزاني؛ لما وقع أن ربيعة بن أمية بن خلف التحق بهرقل بعد نفيه بسبب

стр. 208

الخمر (١)، كما أن عقوبة التغريب أو النفي لم تكن حدًّا (٢). فقد نظر الصحابة إلى المقصد من الحد والتعزير، وهو زجر الناس عن محارم الله، فداروا مع ما يحقق مقصد الحكم مع تغير الزمان والأحوال، ولم يجمدوا على ما كان الناس عليه في زمن رسول الله ﷺ ؛ إذ كان مجرد الإتيان بشارب الخمر وإحضاره أمام ملأ الصحابة كافيًا في ردعه وزجره، لكن لما استهان الناس بالعقوبة تغير الحكم تحقيقًا للمقصد منه. النوع الخامس: تبدل الفتيا وتغيرها تغليظًا وتخفيفًا: فقد ينقلب المباح مكروهًا أو الحرام مباحًا، أو الحلال مكروهًا، وهكذا بحسب أحوال المكلفين وما يحتفُّ بهم من ظروف وأحوال وقرائن وملابسات، ومن هذا ما روى أنس بن مالك ﵁ قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي ﷺ ، فخلا بها، فقال: "والله إنكم لأحبُّ الناس إليَّ" (٣). فقد يتوهم بعض المسلمين أن هذا الحكم عام في سائر المكلفين، فيجوز لكل أحد أن يخلو بالمرأة عند الناس لمسارَّتها بما يشاء وإن طال الوقت، بدعوى أن امرأة أقبلت على النبي ﷺ فكلَّمها في منأى عن الصحابة بحيث لم يسمع أحد منهم كلامهما، وأن الحديث مخرج عند البخاري (٤)، وأنه ترجم له بقوله: "باب ما يجوز أن يخلو الرجل

стр. 209

بالمرأة عند الناس" (١). ويذهل عن المخرج وقرائن الأحوال في الزمان والمكان، وقد يسوِّغ هذا لنفسه ويفتن الناس به فتقع الكوارث والطامَّات. فإنه في زمان أصحاب رسول الله ﷺ كان وجود الناس وحضور رقابة المجتمع مانعة حقيقة من حصول الخلوة أو حدوث ما حرَّم الله؛ لأنهم كانوا حقًّا في مجتمع الطهارة الذي تعد فيه النظرة النشاز والكلام الزائد عن الحاجة قادحًا في المروءة والدين، أما في مجتمعات المسلمين اليوم والتي أصبح وجود الناس فيها وحضور رقابتهم وعدمها سواء فإن الفتيا والعمل بمثل هذا جرأة لا تحمد، مع الاختلاف الظاهر في الزمان والقرائن والأحوال. وقد علَّق الحافظ ابن حجر على الحديث بقوله: "قال المهلِّب: لم يُرد أنس أنه خلا بها بحيث غاب عن أبصار من كان معه، وإنما خلا بها بحيث لا يسمع من حضر شكواها، ولا ما دار بينهما من الكلام؛ ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله، ولم ينقل ما دار بينهما. . . وفيه أن مفاوضة المرأة الأجنبية سرًّا لا يقدح في الدين عند أمْنِ الفتنة، ولكن الأمر كما قالت عائشة: وأيكم يملك إربه كما كان ﷺ يملك إربه" (٢). فهذا مما تتغير فيه الفتيا حسب القرائن والأحوال، فيقيد بشرط أمْنِ الفتنة فإن تحقق المناط فبها، وإلا فلا. ومن أمثلة ذلك أيضًا: أن النبي ﷺ نهى عن التقاط ضالة الإبل بقوله: "وما لك

стр. 210

ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، تَرِدُ الماء وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربُّها" (١). وظل هذا الحكم مستقرًّا إلى آخر عهد عمر بن الخطاب ﵁، ولما جاء عهد عثمان بن عفان ﵁ أمر بالتقاط ضوال الإبل وبيعها على خلاف ما كان معمولًا به فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها، ومَرَدُّ هذا إلى فسادِ الذممِ ونقصِ الأمانةِ اللَّذَيْنِ دبَّا بين الناس (٢). وعليه فقد صان هذا الحكمُ الأموالَ وحفظها من أيدي العابثين، ولو بقي هذا الحكم على ظاهر قول النبي ﷺ لَلَحِقَ الضررُ بالمجتمع (٣). وفي إحياء الأرض الموات قال ﷺ : "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" (٤)، وكان ذلك من النبي ﷺ تحفيزًا للمسلمين على إحياء الأراضي الموات واستغلالها واستثمارها، وذلك أيام كان المسلمون يعون مقاصد الأحكام ويلتزمونها، فلم يكن من غرضهم حوزُ الأراضي أو السطوُ عليها ثم إماتتها بعد ذلك كما آل إليه حال من جاء بعدهم. فلما تغير الحال وظهر الجشع والطمع، فصار بعض المسلمين يحوزون من الأرض ما لا يطيقون استغلالَهُ وإحياءَهُ وإنما لضمان ملكيته وحوزته، تغيرت الفتيا زمنَ عمرَ

стр. 211

-﵁ فقال عمر: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لمحتجرٍ حقٌ بعد ثلاث سنين" (١). وورد عن ابن أبي زيد القيرواني ﵀ (٢)، أنه سئل: لماذا اتخذت كلبًا، حين سقط حائط دارك، مع أن مالكًا ﵀ نهى عن اتخاذ الكلاب في غير المواضع الثلاثة وهي: حفظ الماشية، أو الزرع في الصحراء، أو للصيد الضروري، لا للهو. فقال: "لو أدرك مالك زمننا لاتخذ أسدًا ضاريًا! " (٣). أي: للحراسة. وفي تحريم عمر بن عبد العزيز ﵀ الهدية للولاة فهمٌ ظاهرٌ لهذه المسألة فقال: "كانت الهدية في زمن رسول الله ﷺ هدية واليوم رشوة" (٤). وفي الواقع كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؛ ولكنه رفضها وعدَّ أخذها مذمومًا باعتباره رشوة بعد فساد الأخلاق (٥). النوع السادس: ترجيح واعتماد آراء بعض المذاهب: وذلك مثل ما فعله الحنفية في تضمين المستغلين لأموال الوقف أو اليتيم، فإنهم كانوا لا يقولون بأن المنافع مال، ثم أخذوا برأي الشافعية والحنابلة (٦)؛ لأن الغاصب كان لا

стр. 212

يضمن قيمة المغصوب عن مدة الغصب؛ بل يضمن العين فقط إذا تلفت أو أصابها عيب؛ وذلك لأن المنافع -عندهم- غير متقومة في ذاتها وإنما تُقَوَّم بعقد الإجارة، بينما لا عقد في الغصب، بينما ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى اعتبار المنافع متقومة في ذاتها كالأعيان فأوجبوا تضمين الغاصب أجرة المثل من المال المغصوب مدة غصبه سواء استفاد منه أو لا، لكن المتأخرين من الحنفية لاحظوا تجرؤ الناس على الغصب والعدوان وسعيهم إلى الاستفادة من منافع الأموال المغصوبة فأفتوا بتضمين الغاصب أجرة المثل عن منافع المغصوب إذا كان مالَ وقفٍ أو ملكًا ليتيم أو معدًّا للاستغلال، وهذا رأي خالفوا فيه الأصل القياسي في المذهب زجرًا للناس عن الاعتداء (١). ومن الأمثلة أيضًا: أن المالكية والشافعية لا يعتبرون ذوي الأرحام من الورثة، فكانت أموالهم تذهب إلى بيت المال، فلما رأى المالكية والشافعية فساد الزمان وجور السلطان وعدم انتظام بيت المال أخذوا برأي الحنابلة فورَّثوهم (٢). ومن ذلك أيضًا: ما أفتى به متأخرو الحنفية من جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؛ نظرًا لانقطاع عطايا المعلمين التي كانت في العهد الأول؛ لأنهم لو انشغلوا بتعليم القرآن دون أخذ أجرة للزم عنه ضياعهم وضياع عيالهم، ولو انشغلوا بالتكسب للزم عنه ضياع القرآن بين الناس، ولقلَّ فيهم القرَّاء والمعلمون، وهذه الفتيا مخالفة لما أفتى به المتقدمون من أئمة المذهب؛ فقد اتفق أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ﵏ على عدم جواز أخذ الأجرة على ذلك؛ شأنه شأن بقية الطاعات من الصلاة والصوم والحج ونحوها؛ بينما علَّل المتأخرون ما ذهبوا إليه بأنه حاصل عن

стр. 213

اختلاف عصرٍ وأوان، لا اختلاف حجة وبرهان (١). الفرع الثاني: اختلاف المكان: لقد تجلَّى أثر المكان في الفُتيا وفي الأحكام الاجتهادية بشكل ظاهر في أنواع وأمثلة كثيرة، منها: النوع الأول: رعاية حرمة المكان: فالدية في أسنان الإبل تختلف باختلاف المكان عند عمر ﵁؛ إذ الجناية في الحرم غيرها في سائر الأماكن، ومقدار التغليظ ثلث الدية سواء كانت الدية إبلًا أو غيرها في بقية الأجناس، لكن الإمامين أبا حنيفة ومالكًا لا يفرقان بين القتل في الحرم وغيره من حيث الدية. أما عند الشافعي وأحمد فيجب التغليظ، وإن اختلفا في كيفية التغليظ (٢). النوع الثاني: أثر البيئة الجغرافية في تغير الأحكام: تبدو البيئة بجميع عناصرها -ومن أهمها: المكان- مؤثرة في الأحكام الشرعية بوجه أو بآخر، ذلك أن الناس يكتسبون بعض خصائصهم من بلادهم، وتؤثر فيهم تضاريسها ومناخها، فالمناطق المتحضرة تختلف ويختلف أهلها وفقهها عن غيرها من أماكن البادية، وكنتيجة لذلك تتغير أوقات العمل على حسب درجة البرودة والحرارة أو الاختلافات الأخرى، مثل ما هو الحال في القطبين والأماكن الأخرى؛ وهذا من أسباب تغيير الإمام الشافعي لمذهبه القديم بعد أن جاء إلى مصر (٣).

стр. 214

ولذلك أيضًا يختلف البلوغ عادة في الأقطار الحارَّة، عن الأقطار الباردة، فالصبي في سن الرابعة عشر في بلد ما يبلغ الحُلم فيتعلق به التكليف، ونظيره في بلد آخر لا يبلغ فلا يكون مكلَّفًا؛ فسقوط التكليف عن أحدهما وقيامه بالآخر ليس لاختلاف الخطاب الموجَّه إليهما، بل هو واحد، ولكن متعلِّقه وقوع التكليف على من عاش في بلد حار وظهرت عليه أمارات البلوغ، وعدم التكليف على من عاش في بلد آخر ولم تظهر عليه الأمارات نفسها (١). وغني عن البيان أن أوقات الصلوات والصيام تتفاوت بحسب المكان تفاوتًا بينًا كما في المناطق القطبية الشمالية والجنوبية (٢). ومن أظهر الأمثلة على أثر اختلاف الأماكن في الفتاوي: ما أفتى به علماء الأندلس في أواخر القرن التاسع الهجري في أرض الوقف حين زهد الناس في كرائها للزرع؛ نظرًا لما تحتاجه أرض الزرع من قوة الخدمة ووفرة المصاريف، كما زهدوا في كرائها للغرس والبناء لقصر المدة التي تُكتري أرض الوقف لمثلها؛ ولرفض الغارس أو الباني أن يغرس ثم يقلع أو يبني ثم يهدم؛ ناهيك عما يتطلبه ذلك من الوسائل والعتاد وغيرها في الأندلس التي تختلف في طبيعة الحياة وتكاليفها عن الجزيرة العربية التي لا يتطلب البناء فيها يومئذ أكثر من شيء يسير من الطين والجريد. كان هذا الوضع السائد في الأندلس يومئذ حاملًا لبعض علمائها كابن السراج وابن منظور -عليهما رحمة الله- على الإفتاء بجواز كراء الأرض على التأبيد، ورأوا أن التأبيد لا غرر فيه؛ لأن الأرض باقية غير زائلة (٣).

стр. 215

ولا شك أن هذه الفتيا مراعًى فيها مآل استبقاء الحكم الأصلي المقتضي تحديد أجل المزارعة أو المغارسة في خصوص بلدهم؛ إذ ذلك يجرُّ بلا شك إلى اطِّراح العمل في هذين المجالين؛ مما يجعل أولئك المستثمرين -والأمة كذلك- في حرج كبير، أما المستثمرون فلتضررهم بفوات العمل الذي يتكسبون به لأنفسهم وعيالهم، وأما الأمة فتتضرر بانعدام الأوقات التي تشتد حاجتها إليها؛ وذلك بلا شك مخالف لمقاصد الشريعة في رعايتها لمصالح الخلق، ورفعها للحرج عنهم. وهذه الاعتبارات هي التي بعثت أولئك الأساطين على توخي المصلحة العامة في ضوء الأصول العامة والقواعد الكلية للشريعة (١). النوع الثالث: أثر اختلاف الديار في الأحكام: قسم الفقهاء الأقدمون العالم إلى دار إسلام ودار كفر، ودار الكفر تنقسم إلى دار حرب ودار عهد (٢). ويستدل لهذا التقسيم بحديث ابن عباس ﵄ أنه قال: "كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين؛ كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه. . . " (٣). وقد ترتب على هذا التقسيم من اختلاف الأحكام المتعلقة بأهل دار الإسلام وأهل دار الكفر عند بعض الفقهاء الشيء الكثير، سواء فيما يتعلق بالمعاملات أو الأحوال الشخصية أو الجنايات، وسواء فيما يخص التعامل بين المسلم والمسلم أو بين المسلم وغير المسلم.
следующие страницы →