-﵁ فقال عمر: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لمحتجرٍ حقٌ بعد ثلاث سنين" (١).
وورد عن ابن أبي زيد القيرواني ﵀ (٢)، أنه سئل: لماذا اتخذت كلبًا، حين سقط حائط دارك، مع أن مالكًا ﵀ نهى عن اتخاذ الكلاب في غير المواضع الثلاثة وهي: حفظ الماشية، أو الزرع في الصحراء، أو للصيد الضروري، لا للهو. فقال: "لو أدرك مالك زمننا لاتخذ أسدًا ضاريًا! " (٣). أي: للحراسة.
وفي تحريم عمر بن عبد العزيز ﵀ الهدية للولاة فهمٌ ظاهرٌ لهذه المسألة فقال: "كانت الهدية في زمن رسول الله ﷺ هدية واليوم رشوة" (٤). وفي الواقع كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؛ ولكنه رفضها وعدَّ أخذها مذمومًا باعتباره رشوة بعد فساد الأخلاق (٥).
النوع السادس: ترجيح واعتماد آراء بعض المذاهب:
وذلك مثل ما فعله الحنفية في تضمين المستغلين لأموال الوقف أو اليتيم، فإنهم كانوا لا يقولون بأن المنافع مال، ثم أخذوا برأي الشافعية والحنابلة (٦)؛ لأن الغاصب كان لا
стр. 212
يضمن قيمة المغصوب عن مدة الغصب؛ بل يضمن العين فقط إذا تلفت أو أصابها عيب؛ وذلك لأن المنافع -عندهم- غير متقومة في ذاتها وإنما تُقَوَّم بعقد الإجارة، بينما لا عقد في الغصب، بينما ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى اعتبار المنافع متقومة في ذاتها كالأعيان فأوجبوا تضمين الغاصب أجرة المثل من المال المغصوب مدة غصبه سواء استفاد منه أو لا، لكن المتأخرين من الحنفية لاحظوا تجرؤ الناس على الغصب والعدوان وسعيهم إلى الاستفادة من منافع الأموال المغصوبة فأفتوا بتضمين الغاصب أجرة المثل عن منافع المغصوب إذا كان مالَ وقفٍ أو ملكًا ليتيم أو معدًّا للاستغلال، وهذا رأي خالفوا فيه الأصل القياسي في المذهب زجرًا للناس عن الاعتداء (١).
ومن الأمثلة أيضًا: أن المالكية والشافعية لا يعتبرون ذوي الأرحام من الورثة، فكانت أموالهم تذهب إلى بيت المال، فلما رأى المالكية والشافعية فساد الزمان وجور السلطان وعدم انتظام بيت المال أخذوا برأي الحنابلة فورَّثوهم (٢).
ومن ذلك أيضًا: ما أفتى به متأخرو الحنفية من جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؛ نظرًا لانقطاع عطايا المعلمين التي كانت في العهد الأول؛ لأنهم لو انشغلوا بتعليم القرآن دون أخذ أجرة للزم عنه ضياعهم وضياع عيالهم، ولو انشغلوا بالتكسب للزم عنه ضياع القرآن بين الناس، ولقلَّ فيهم القرَّاء والمعلمون، وهذه الفتيا مخالفة لما أفتى به المتقدمون من أئمة المذهب؛ فقد اتفق أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ﵏ على عدم جواز أخذ الأجرة على ذلك؛ شأنه شأن بقية الطاعات من الصلاة والصوم والحج ونحوها؛ بينما علَّل المتأخرون ما ذهبوا إليه بأنه حاصل عن
стр. 213
اختلاف عصرٍ وأوان، لا اختلاف حجة وبرهان (١).
الفرع الثاني: اختلاف المكان:
لقد تجلَّى أثر المكان في الفُتيا وفي الأحكام الاجتهادية بشكل ظاهر في أنواع وأمثلة كثيرة، منها:
النوع الأول: رعاية حرمة المكان:
فالدية في أسنان الإبل تختلف باختلاف المكان عند عمر ﵁؛ إذ الجناية في الحرم غيرها في سائر الأماكن، ومقدار التغليظ ثلث الدية سواء كانت الدية إبلًا أو غيرها في بقية الأجناس، لكن الإمامين أبا حنيفة ومالكًا لا يفرقان بين القتل في الحرم وغيره من حيث الدية. أما عند الشافعي وأحمد فيجب التغليظ، وإن اختلفا في كيفية التغليظ (٢).
النوع الثاني: أثر البيئة الجغرافية في تغير الأحكام:
تبدو البيئة بجميع عناصرها -ومن أهمها: المكان- مؤثرة في الأحكام الشرعية بوجه أو بآخر، ذلك أن الناس يكتسبون بعض خصائصهم من بلادهم، وتؤثر فيهم تضاريسها ومناخها، فالمناطق المتحضرة تختلف ويختلف أهلها وفقهها عن غيرها من أماكن البادية، وكنتيجة لذلك تتغير أوقات العمل على حسب درجة البرودة والحرارة أو الاختلافات الأخرى، مثل ما هو الحال في القطبين والأماكن الأخرى؛ وهذا من أسباب تغيير الإمام الشافعي لمذهبه القديم بعد أن جاء إلى مصر (٣).
стр. 214
ولذلك أيضًا يختلف البلوغ عادة في الأقطار الحارَّة، عن الأقطار الباردة، فالصبي في سن الرابعة عشر في بلد ما يبلغ الحُلم فيتعلق به التكليف، ونظيره في بلد آخر لا يبلغ فلا يكون مكلَّفًا؛ فسقوط التكليف عن أحدهما وقيامه بالآخر ليس لاختلاف الخطاب الموجَّه إليهما، بل هو واحد، ولكن متعلِّقه وقوع التكليف على من عاش في بلد حار وظهرت عليه أمارات البلوغ، وعدم التكليف على من عاش في بلد آخر ولم تظهر عليه الأمارات نفسها (١).
وغني عن البيان أن أوقات الصلوات والصيام تتفاوت بحسب المكان تفاوتًا بينًا كما في المناطق القطبية الشمالية والجنوبية (٢).
ومن أظهر الأمثلة على أثر اختلاف الأماكن في الفتاوي: ما أفتى به علماء الأندلس في أواخر القرن التاسع الهجري في أرض الوقف حين زهد الناس في كرائها للزرع؛ نظرًا لما تحتاجه أرض الزرع من قوة الخدمة ووفرة المصاريف، كما زهدوا في كرائها للغرس والبناء لقصر المدة التي تُكتري أرض الوقف لمثلها؛ ولرفض الغارس أو الباني أن يغرس ثم يقلع أو يبني ثم يهدم؛ ناهيك عما يتطلبه ذلك من الوسائل والعتاد وغيرها في الأندلس التي تختلف في طبيعة الحياة وتكاليفها عن الجزيرة العربية التي لا يتطلب البناء فيها يومئذ أكثر من شيء يسير من الطين والجريد.
كان هذا الوضع السائد في الأندلس يومئذ حاملًا لبعض علمائها كابن السراج وابن منظور -عليهما رحمة الله- على الإفتاء بجواز كراء الأرض على التأبيد، ورأوا أن التأبيد لا غرر فيه؛ لأن الأرض باقية غير زائلة (٣).
стр. 215
ولا شك أن هذه الفتيا مراعًى فيها مآل استبقاء الحكم الأصلي المقتضي تحديد أجل المزارعة أو المغارسة في خصوص بلدهم؛ إذ ذلك يجرُّ بلا شك إلى اطِّراح العمل في هذين المجالين؛ مما يجعل أولئك المستثمرين -والأمة كذلك- في حرج كبير، أما المستثمرون فلتضررهم بفوات العمل الذي يتكسبون به لأنفسهم وعيالهم، وأما الأمة فتتضرر بانعدام الأوقات التي تشتد حاجتها إليها؛ وذلك بلا شك مخالف لمقاصد الشريعة في رعايتها لمصالح الخلق، ورفعها للحرج عنهم.
وهذه الاعتبارات هي التي بعثت أولئك الأساطين على توخي المصلحة العامة في ضوء الأصول العامة والقواعد الكلية للشريعة (١).
النوع الثالث: أثر اختلاف الديار في الأحكام:
قسم الفقهاء الأقدمون العالم إلى دار إسلام ودار كفر، ودار الكفر تنقسم إلى دار حرب ودار عهد (٢).
ويستدل لهذا التقسيم بحديث ابن عباس ﵄ أنه قال: "كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين؛ كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه. . . " (٣).
وقد ترتب على هذا التقسيم من اختلاف الأحكام المتعلقة بأهل دار الإسلام وأهل دار الكفر عند بعض الفقهاء الشيء الكثير، سواء فيما يتعلق بالمعاملات أو الأحوال الشخصية أو الجنايات، وسواء فيما يخص التعامل بين المسلم والمسلم أو بين المسلم وغير المسلم.
стр. 216
وفيما يلي بعض الأمثلة:
١ - لو دخل مسلم دار الحرب بأمان فتعامل مع حربي بالربا أو غيره من العقود الفاسدة جاز عند أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، ولم يجز عند أبي يوسف وجمهور الفقهاء، وقد استدل أبو حنيفة ومحمد بأن المسلم يحل له أخذ مال الحربي من غير خيانة ولا غدر؛ لأن العصمة منتفية عن ماله، فإتلافه مباح، وفي عقد الربا، المتعاقدان راضيان فلا غدر فيه، فالربا كإتلاف المال، قال محمد: وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فلا بأس بأن يأخذ منهم أموالهم بطيب أنفسهم بأي وجه كان؛ لأنه إنما أخذ المباح على وجه عرا عن الغدر، واستدل أبو يوسف والجمهور بأن حرمة الربا ثابته في حق المسلم والحربي، أما بالنسبة للمسلم فظاهر، وأما بالنسبة للحربي فلأنه مخاطب بالمحرمات، وقال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] (١).
٢ - إذا ارتكب المسلم ما يوجب العقوبة في دار الحرب كالزنا والسرقة وشرب الخمر، أو قَذَفَ مسلمًا أو قَتَلَهُ، فإنه لا يكون مستوجبًا للعقوبة عند الحنفية خلافًا للجهور حتى ولو رجع إلى دار الإسلام؛ لأنه لم يقع الفعل موجبًا للعقاب أصلًا؛ لعدم ولاية إمام المسلمين على دار الحرب، وليس لأمير السريَّة إقامة الحد في دار الحرب، وكذلك إذا وقعت الجريمة في دار الإسلام، ثم هرب الشخص إلى دار الحرب فلا تسقط عنه إقامة الحد لوقوع الفعل موجبًا للعقاب فلا يسقط بالهرب (٢). أما إذا وقع من المسلم في دار الحرب ما يوجب تعزيرًا لا حدًّا أي: مما
стр. 217
ليس له عقوبة مقدرة في الشريعة لجرائم الحرب (الجرائم التي تضر المصلحة العامة) فإن الحنفية نصُّوا على أنه لا يؤدبه الأمير لأول وهلة، ولكن ينصحه حتى لا يعود إلى مثل ذلك أملًا للعذر، فإن عصاه بعد ذلك أدَّبه إلا أن يبين في ذلك عذرًا، فحينئذ يخلِّي سبيله بعد أن يحلف اليمين على قوله (١).
وبقطع النظر عن أن الراجح في المسألتين المعروضتين للتمثيل هو مذهب الجماهير سلفًا وخلفًا، فإن المقصود بيان أثر اختلاف الديار والأماكن والبلدان في نظرة بعض الفقهاء لاستنباط وإجراء الأحكام.
الفرع الثالث: اختلاف أحوال المكلفين ومقاصدهم:
والأصل في مراعاة هذا الجانب عمل النبي ﷺ وفتاويه، فمن ذلك:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كنَّا عند النبي ﷺ ، فجاء شاب فقال يا رسول الله ﷺ ، أُقَبِّلُ وأنا صائم؟ قال: "لا"، فجاء شيخ، فقال: يا رسول الله أُقَبِّلُ وأنا صائم؟ قال: "نعم"، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله ﷺ : "علمت نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه" (٢).
وللحديث شاهد آخر من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم، فرخَّص له وأتاه آخر فسأله، فنهاه فإذا الذي رَخَّصَ له شيخ وإذا الذي نهاه شابٌّ (٣).
فهذا من باب تغير الفتوى بتغير القرائن والأحوال، فإن ما يباح للشيخ المالك
стр. 218
لإربه في مثل هذا الشأن لا يباح للشاب الذي يُخشى عليه الجرأة على محارم الله، فينبغي أن يقيد الحكم الفقهي بمخرجه، فرُبَّ غافل عن مقصد الحديث ومخرجه يذهل عن هذا المعنى ويفتي بالجواز مطلقًا بدعوى التأسي برسول الله ﷺ ، وأنه كان يقبل وهو صائم، وأن عمر ﵁ فعل ذلك وقال: هششت فقبَّلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله إني صنعت اليوم أمرًا عظيمًا: قَبَّلْتُ وأنا صائم؟! قال: "أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ " (١).
فقد راعى رسول الله ﷺ في هذه الأحكام القرائن والأحوال المحيطة بالسائلين فلا ينبغي أن تعمم الفتيا لسائر المكلفين مطلقًا.
وعليه فقد ذهب طائفة من السلف إلى كراهة القُبلة للصائم، فنهى عنها ابن عمر ﵄ وابن مسعود ﵁ وابن المسيب ﵀ (٢) وقال ابن عباس: "يكره ذلك للشاب ويرخص فيه للشيخ"، وهو مذهب مالك.
وقال الشافعي: لا بأس بها إذا لم يحرك منه شهوة، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال الثوري (٣): لا تفطره والتنزه أحبُّ إليَّ (٤).
стр. 219
وعلى ذلك يتنزل حديث عائشة: "كان النبي ﷺ يُقَبِّلُ ويباشر وهو صائم، وكان أملكَكُم لإربه" (١).
ومن ذلك: أن النبي ﷺ كان يجيب عن السؤال الواحد بأجوبة مختلفة؛ وذلك لاختلاف أحوال السائلين.
فهو يجيب كل واحد بما يناسب حاله، ويعالج قصوره أو تقصيره، فقد وجدنا من يسأله عن وصية جامعة، فيقول له: "لا تغضب" (٢)، وآخر يقول له: "قل: آمنت بالله، ثم استقم" (٣)، وآخر يقول له: "أمسك عليك لسانك. . . " (٤).
وعن سفيان بن عينية (٥) قال: كان أهل العلم إذا سئلوا (أي: عن القاتل) قالوا: لا توبة له، فإذا ابتُلِيَ رجل (أي: قتل بالفعل) قالوا له: تُبْ (٦).
وبناءً على ما سبق فإذا تبين للمفتي أن للشخص حالًا تُباين أحوال غيره من جهة
стр. 220
معينة أو مورد معين من موارد التكليف فإنه ينظر فيما يصلحه فيصفه له.
وقد قال الشاطبي إنه ينبغي على المجتهد: "النظر فيما يصلح لكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص؛ إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد" (١).
وهكذا يُعْطِي كلَّ إنسان من الدواء ما يرى أنه أشفى لمرضه، وأصلح لأمره، فهذا -وما سبق- أصل في تغير الجواب؛ وأن الفتيا تتغير بتغير أحوال السائلين.
ولهذا يجب أن يلاحظ المفتي في فتواه الظروف الشخصية للمستفتي -نفسية واجتماعية- والظروف العامة للعصر والبيئة.
ومما يلتحق باختلاف الفُتيا لاختلاف حال المكلَّفين، الاختلاف في النيات، فقد جاءت النصوص متكاثرة تفيد أن الثواب والعقاب بحسب النيات، وأن الأمور بحسب مقاصدها، وهذا الأمر معتبر في عامة الأحوال والأفعال.
لذلك لا يجوز هدم قاعدة الشريعة التي تفيد أن "المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات، كما هي معتبرة في التقرُّبات والعبادات" (٢). والقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالًا أو حرامًا وصحيحًا أو فاسدًا، وطاعة أو معصية، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة أو صحيحة أو فاسدة، فإن الرجل إذا اشترى أو استأجر أو اقترض أو نكح ونوى أن ذلك لموكِّله أو لمولِّيه كان له، وإن لم يتكلم به في العقد ولم ينوِهِ له وقع الملك للعاقد، وكذلك لو تملك المباحات في الصيد والحشيش وغيرها ونواه لموكِّله وقع الملك له عند جمهور الفقهاء.
стр. 221
الفرع الرابع: العلوم والتقنية المعاصرة:
لا شك أن ثمة ارتباطًا وثيقًا بين الظروف الاجتماعية والثقافية والعادات والعلوم والمعارف التقنية من جهة، وبين ما يقبل التغير من الأحكام الفقهية الاجتهادية، والفتيا في النوازل من جهة أخرى.
ولا يخفى أن أحكامًا اجتهادية متعددة قد بُنيت على معارف العصور المتقدمة، وهي قابلة للتغير بناء على تغير تلك المعارف وتطور تلك العلوم، وكما أن هذه المعارف قد تُغير بعض الأحكام التي بنيت عليها؛ فإنها قد تضيِّق هُوَّة الخلاف الفقهي الذي نشأ عند الأقدمين، ومن أمثلة ذلك: المدة القصوى للحمل، وقد اختلف فيها الفقهاء إلى خمسة أقوال (١).
وقد أمكن اليوم تصوير الجنين في الأرحام، وتسجيل لحظاته، ومعرفة تطوراته، وقياس ما يتعلق بحياته.
ومن ذلك أيضًا: ما جرى عليه عمل الفقهاء من الاحتياط لميراث الحمل في ستة تقديرات معروفة ومحتملة للحمل (٢) وأما اليوم ومع وجود الأشعة التليفزيونية وتصوير الأجنة بشكل دقيق، فإنه بالإمكان تحديد عدد الأجنة ومعرفة جنسها بحيث تتقلص تلك الاحتمالات المفروضة، في تقدير ميراث الحمل.
ومن ذلك أيضًا: ما يتعلق بميراث الخنثى المشكل؛ حيث إن الفقهاء ﵏ قديمًا كانوا يقسمون التركة على تقدير بين تقدير الذكورة، وتقدير الأنوثة، ثم يُعطى الخنثى جزءًا من
стр. 222
نصيبه على خلاف بينهم في مقدار ذلك النصيب، ويوقف الباقي حتى تتبين حاله (١).
ولقد بينت التقنية الطبية الحديثة جنس الخنثى حديث الولادة من خلال عمل بعض الفحوصات المخبرية التي يحتكم إليها في تبيين جنسه بيقين.
ومن ذلك: ما منعه الفقهاء قديمًا من إجراء القصاص في العظام خوف التلف أو خشية السراية وعدم تحقق المساواة والمماثلة (٢)، وفي العصر الحديث فإن التقنية الحديثة تؤكد إمكان المماثلة في غير العظام المخوفة كعظام الرقبة أو الرأس أو الظهر، وسواء كان القطع من مفصل أو لم يكن من مفصل.
الفرع الخامس: تغير الأعيان واستحالتها:
إذا ارتبط الحكم الشرعي بعين ما فإنه يتغير إذا لم تعد العين قائمة أو تحولت من عين إلى أخرى، وهذا مألوف في الفقه ومعروف، فإن الطعام الطاهر يأكله الإنسان، ثم يستحيل في بطنه إلى فضلات تخرج نجسة، والخمر نجسة محرم شربها، فإذا تخللت بنفسها أو خُلِّلت صارت طاهرة في الحالة الأولى باتفاق، وفي الحالة الثانية عند بعض الفقهاء (٣).
والاستحالة بمعناها السابق تختلف عن تغير الوصف الذي لا يترتب عليه ذلك الحكم كصيرورة اللبن جبنًا، والبرُّ طحينًا، والطحين خبزًا، ونحو ذلك.
وباصطلاح علماء العصر الحديث فإن الاستحالة وانقلاب العين هو ما يطلق عليه
стр. 223
اسم التفاعل الكيميائي، الذي يحوِّل المواد ويغيِّر من صفاتها الطبيعية والكيميائية، وكذا يعرَّفه العلماء المتخصصون بقولهم: "كل تفاعل كيميائي يحول المادة إلى مركب آخر، كتحويل الزيوت والشحوم على اختلاف مصادرها إلى صابون" (١).
وقد تناول ابن حزم هذا الموضوع باسم: "تبدل الأحكام بتبدل الأسماء" وقال: "وأما إذا تبدل الاسم فقد تبدل الحكم بلا شك، كالخمر يتخلل أو يُخلل؛ لأنه إنما حرمت الخمر، والخل ليس خمرًا. وكالعذرة تصير ترابًا فقد سقط حكمها، وكلبن الخنزيرة والحمر والميتات يأكلها الدجاج ويرتضعه الجدي، فقد بطل التحريم؛ إذ انتقل اسم الميتة واللبن والخمر" (٢) وكذلك إذا دخل الخمر في مواد وطبخت هذه المواد خرجت عن كونها خمرًا مسكرة وطهرت على القول بأنها كانت نجسة (٣).
وأرجح القولين أن نجس العين يطهر بالاستحالة، وهو قول الطرفين من الحنفية وإليه ذهب جمهورهم، وعليه الفتوى في المذهب؛ لعموم البلوى به (٤)، وهو مذهب جمهور المالكية (٥)، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وقولٌ مخُرَّج في مذهب أحمد، قياسًا على الخمر إذا انقلبت، وجلود الميتة إذا دُبغت، والجلَّالة إذا حُبست (٧)، وهو كما تقدم
стр. 224
مذهب الظاهرية (١).
وقد صدرت توصية عن الندوة الفقهية الطبية الثامنة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية المنعقدة بالكويت في الفترة من (٢٢ - ٢٤/ ٥/ ١٩٩٥ م)، تفيد أن "الاستحالة التي تعني انقلاب العين إلى عين أخرى تغايرها في صفاتها تحول المواد النجسة أو المتنجسة إلى مواد طاهرة، وتحول المواد المحرمة إلى مواد مباحة شرعًا".
стр. 225
الفَصلُ الثَانِي
أهمية التأصيل لفقه النوازل للأقليات وخصائصه ومقاصده
المبحث الأول: أهمية التأصيل لفقه نوازل الأقليات وحكمه.
المبحث الثاني: أسباب وخصائص نوازل الأقليات المسلمة.
المبحث الثالث: المقاصد الشرعية لفقه نوازل الأقليات المسلمة.
стр. 226
المبحث الأول
أهمية التأصيل لفقه نوازل الأقليات وحكمه
المطلب الأول: أهمية التأصيل لفقه نوازل الأقليات المسلمة:
المتأمل في قواعد الشريعة ونصوصها الإجمالية ومقاصدها العامة ومبانيها الكلية، يلمس بجلاء أنها عُنيت ببناء المجتمع الإنساني وتدبير شئونه؛ الجليل منها والدقيق، بل ويلحظ أيضًا أن كل ترتيب أو تدبير أو تشريع يتعلق بالفرد أو الفئة قليلة الأفراد يُرَاعى فيه المجتمع أو المجموع، فليست حكمة التشريع قاصرة على مراعاة مصلحة الفرد دون المجتمع أو العكس، وهذا معنى ملموس في شعائر التعبد، كما هو ملحوظ في سائر الأحكام الشرعية التي تحقق رسالة الإنسان على هذه الأرض، وتمكنه من القيام بواجب الخلافة؛ إذ "القصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض واستنباطٍ لخيراتها وتدبيرٍ لمنافع الجميع" (١).
وبناء على هذا المقصد القائم على المفهوم الجماعي للتدين جاءت تعاليم الشريعة بصفة عامة، وما يتعلق منها بوجوه التعامل بين الناس بصفة خاصة، متجهة ببيانها التفصيلي إلى مقتضى وجود جماعي للأمة المسلمة تدير فيه شئون الحياة وفقًا لمنهج الله.
وذلك سواء فيما يشجر بينهم من الخلافات والعلاقات، أو فيما يشجر بينهم وبين
стр. 227
غيرهم ممن لا يدين بالإسلام من الناس، وقام ذلك كله على أساس أن سلطان الشريعة هو السلطان القيِّم الذي تنفذه ضمائر الأفراد فيما هو من خصائص الضمائر، والهيئة الجماعية متمثلة في الدولة فيما هو من خصائصها.
والأقليات المسلمة قد تتمكن من إقامة الإسلام فيما بينها إلا أنها في علاقاتها مع المجتمع بعد ذلك تكون خاضعة لغير سلطان الشريعة من أنظمة اجتماعية أو قانونية أو ثقافية ينخرطون فيها -اضطرارًا- ويكون السلطان فيها لدين غير دينها، ويلي أمورها ويحكمها من لا يؤمنون بالإسلام ولا يطبِّقون شريعته بين الناس.
وقد كان حظ هذه الحال من أحوال الوجود الإسلامي من التفصيل في نصوص الوحي أقل من حظ تلك الحال التي يكون فيها ذلك الوجود جاريًا على سلطان الشريعة في شئون الجماعة كلها؛ إذ كان ما يتعلق به راجعًا إلى تصرف الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة في ذلك الوضع -مع المجتمع الذي انخرطوا فيه والسلطان الذي انضووا تحته- على قدر من الكلية والإجمال والهدي العام، ولعل من حكمة الله تعالى في ذلك أن الوضع الذي يكون فيه للدين سلطان على الجماعة هو وضع منضبط ثابت مستقر، فناسبه البيان التفصيلي، وأما الوضع الذي يكون فيه الوجود الإسلامي خاضعًا لسلطان غير سلطان الدين فإنه وضعٌ استثنائي، متنوعةٌ أحواله، مستجدةٌ فصوله على غير انضباط، فناسبه إذن الهدي العام دون تفصيل؛ ليكون للاجتهاد المنضبط مجاله في الوصول إلى مراد الله تعالى على ضوء ذلك الهدي العام وقواعد استنباط الأحكام، وهو الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى تأصيلٍ مفصَّلٍ لأحكام تلك الأحوال الطارئة، وفيما يلي تركيز لنقاط تمثل أهمية هذا التأصيل، وتؤكد مسيس الحاجة إليه:
أولًا: حفظ كيان الأقليات المسلمة:
لا شك أن الأقليات المسلمة في عدد من البلدان اليوم تسعى إلى الحفاظ على هويتها
стр. 228
وعقيدتها، وتستفيد من معطيات زمانها ومكانها لترسيخ أقدامها وتقوية شوكتها، الأمر الذي يحتم -في ظل وجود تعقيدات كثيرة- أن يتشكل ما يمكن أن يسمى "بفقه الأقليات".
"وفقه الأقليات" فقه يتعامل مع حالةٍ تتفاوت تفاوتًا بينًا من استضعاف مطلق يفتح بابًا للترخص والتعامل مع الحالات الاستثنائية، إلى تأسيس لوضع مستقرٍّ وفاعل في الحياة بشكل عام، وهو فقه لا يمكن أن يغفل طبيعة الأرض التي تعيش عليها الأقلية المسلمة، ولا التحديات التي تواجهها، فهو فقه صحيح الاستمداد من الشريعة، وثيق الارتباط بأصولها ونصوصها، ومشدود العُرى بروحها، يراعي الظروف الطارئة والأحوال الاستثنائية، ويعتبر تلك الخصوصية للأقلية، بما يحقق المصالح ويكثِّرها، ويدفع المفاسد ويقللها، دون أن يكون من مقصوده تتبع الزلات، أو العمل بالهفوات.
"لقد كان دأب النظار من الفقهاء المجتهدين في كل زمان أن يعالجوا الأحوال الطارئة في حياة المسلمين بالحلول الشرعية، وأن يوسعوا الاستنباط الفقهي بالنسبة لتلك الأحوال التي لا يكون فيها من نصوص الوحي تفصيل، مثل حال الأقليات المسلمة التي أشرنا إليها، بل كان من دأبهم أن ينتقلوا بالنظر الفقهي من تشريع الأحكام التفصيلية في معالجة تلك الأحوال إلى تأسيس القواعد والأصول المنهجية التي توجِّه ذلك النظر وتكوِّن له ميزانًا هاديًا يتحرى به ما يريده الله تعالى من أحكام في ترشيد الحياة، وتلك مهمة أدَّى فيها الاجتهاد الفقهي في شأن أوضاع الأقليات المسلمة التي أفرزتها التطورات الماضية للتاريخ ما تيسر له أن يؤدِّي، وهي اليوم في شأن الأقليات المسلمة ملقاة على عاتق النظار من الفقهاء والمجتهدين المعاصرين بأشد وأثقل مما كانت ملقاة على عاتق السابقين؛ وذلك لما حصل في هذا الشأن من تطور لم يكن له في السابق مثيل" (١).
стр. 229
وإذا كان الفقهاء القدامى كمحمد بن الحسن الشيباني ﵀ في كتابيه "السير الصغير" و"الكبير" قد عرض لأحوال المسلمين وأحكامهم في دار الحرب أو الهدنة والصلح بما يكفي ويشفي، وبما يحقق حيوية الفقه في زمنه، ويؤكد على مواكبة الاجتهاد لحياة الناس، وملاحقة التطور الاجتماعي والتحولات في أنماط الحياة البشرية، ويحقق مصالحها من خلال نصوص وقواعد هذه الشريعة المطهرة، فإن فقهاء أهل هذا الزمان يُدْعون لمواصلة البناء الفقهي الاجتهادي لما يمكن تسميته بفقه الأقليات، وتوجيه العناية بعدئذٍ إلى نوازل تلك الأقليات وأقضيتهم.
ومن هذه النقطة يبدأ تقرير أهمية التأصيل لهذا الفقه؛ حيث إن الحاجة تمس إلى امتلاك أهل الإسلام لمدونة فقهية معاصرة لنوازل الأقليات المسلمة على اختلاف أحوالهم وتنوع مشكلاتهم، ودقة ظروفهم؛ لتشمل ما به حفظ عقائدهم وهوياتهم الفكرية، وضبط علاقاتهم الاجتماعية، وتصرفاتهم الاقتصادية، وسائر شئونهم فيما له صلة بالمجتمع غير المسلم الذي يعيشون فيه، ويتعاملون معه، ويخضعون لسلطانه.
وهذا التأصيل الذي مست الحاجة إليه في هذا الزمان لا يعني ابتداعًا لقواعد أصولية تفضي إلى تحريمِ ما أحلَّ الله أو إباحةِ ما حرَّم الله؛ إذ الأمر كما يقول الإمام الشافعي ﵀: "الحلال في دار الإسلام حلال في بلاد الكفر، والحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر" (١).
وإن كان قد وقع اختلاف في الأحكام نتيجةً لعوارض وقعت، ومستجدات ظهرت، فليس لمنازعة في الأصل الذي قرره الشافعي ﵀ بدلالة آيات الكتاب العزيز وأحاديث السنة المطهرة.
стр. 230
وعلى سبيل المثال: فحين اختلف الفقهاء في إقامة الحدود في بلاد الكفر، كان سببه عند المانعين -وهم الحنفية- أن إقامة الحدود مرهونة بوجود سلطان المسلمين، فَبِه تُستوفى الحدود وبعدمه لا يمكن استيفاء الحدود (١).
وحيث خلت بلاد الكفر عن المنعة والسلطان سقطت فيها الحدود، وهذا الحكم ليس مختصًّا ببلاد الكفار الأصليين، فحتى بلاد الإسلام إذا انحسرت عنها سيادة الشريعة وحلَّت محلَّها الشرائع الغربية تسقط فيها الحدود؛ لخلوها من المنعة والسلطان، إلا أن يقوم بها أهل الحل والعقد حال تمكنهم بعد اجتماعهم.
وحين ذهب الفقهاء من الحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) إلى كراهية تزوج المسلم من كتابيةٍ في دار الكفر؛ بل حتى من مسلمة (٦) -عند بعضهم-؛ لم يكن ذلك لمنازعتهم في الأصل الذي ذكرناه؛ وإنما لعوارض أخرى، وهي ما يسببه هذا الزواج من محذورات شرعية، كأن يدفعه الزواج إلى استيطان بلاد الكفر، والرغبة عن بلاد الإسلام، وتكثير سواد المشركين، أو مخافة أن يبقى له نسل في بلاد الكفر فيفتن عن دينه.
стр. 231
فإذا قُدِّر لهذه العوارض أن تزول رجع الحكم إلى أصله الأول وزالت الكراهية، وكذا إذا قُوبلت هذه العوارض بأسباب أقوى منها زالت الكراهية، كأن يتحقق المسلم في بلاد الكفر من وقوعه في الزنا إن لم يتزوج، فيصبح الزواج في حقِّه أوجب؛ لأن درء مفسدة كبيرة محققة مقدم على درء مفسدة متوهمة، أو تحصيل مصلحة هينة.
إن مثل هذه الأمثلة في حياة الأقليات قديمًا تحمل فقهاءَنا المعاصرين على مواصلة العمل والبناء على ما سلف، وصرف العناية الأصولية والفقهية لاستخراج ضوابط فقهية، وقواعد منهجية لفقه الأقليات، ثم العمل على إحكامها من خلال المحاولات التطبيقية في آحاد المسائل التفصيلية التي تندرج تحت هذا النطاق، وبهذا يتحقق تأسيسٌ يستثمر ما سلف تدوينه من قواعد فقهية وقواعد أصولية، لإنشاء ضوابط فقهية في أبواب متعددة، بحيث يتكون من مجموع ذلك منهج فقهي أصولي متكامل يؤصل لفقه الأقليات، ويوجهه ليثمر ثماره في حياة تلك الأقليات بما يحقق مصالحها ومقاصدها الشرعية.
كل هذا مع التأكيد على أن فكرة التأصيل لهذه النوازل لا يمكن أن يتصدى لها إلا الفقهاء المتمهرون، والمجتهدون المتأهلون، فلا مجال لأن يتجاسر الجهال من العوام وأشباههم فيمتطون صهوة هذه الفكرة بما يُفضي إلى تكثير المفاسد والتحلل من رِيْقة التكاليف الشرعية، وتوهين عرى الدين، والانهزام أمام المادية الغربية أو الإلحادية العاتية.
ثانيًا: إقامة الدين بين الأقليات المسلمة:
إن الحفاظ على عقيدة مسلمي الأقليات وتطبيق شريعة الإسلام فيهم هو من أعظم أسباب إقامة الدين وحفظه بينهم؛ ومن هنا تبرز أهمية أن يجد هؤلاء المسلمون حلولًا لمشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية والفقهية داخل مجتمع المسلمين وفي دائرة دينهم، حتى يتمكنوا من صبغ حياتهم الخاصة بصبغة إسلامية في ظروف من التحدي والقهر المادي والمعنوي لتذويب الشخصية المسلمة بثوابتها العقدية والاجتماعية
стр. 232
والثقافية، بل وإن من حفظ أديان هؤلاء الأقليات: التأصيل والتنظير لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وإبراز محاسنه، فهذه الأصول والقواعد الحاكمة لفقه الأقليات يمكن استثمارها لهداية مجتمعات الأكثرية، بما يقوي شوكة أهل الإسلام ويحمي ظهور أبنائه.
وتجدر الإشادة بما حصل في مجتمع كمجتمع ماليزيا اليوم حيث ظهر المسلمون على أهل الملل الأخرى واكتسبت الدعوة إلى الإسلام أنصارًا في كل ميدان، فاندفعت غُربة الإسلام وعَزَّ أهله فسادوا وقادوا.
وبناء على ما سبق: فإن التأصيل لنوازل وفقه الأقليات لا يعني بناءً أصوليًّا علميًّا مجرَّدًا لاستنباط الأحكام الفقهية؛ وإنما يجمع إلى ذلك أصولًا وأبعادًا دعوية تقوم على أساس من تبليغ دعوة الإسلام ورسالته، وتحتل فيه مقاصد الدين الكلية ومراميه العامة الموقع المرموق.
ومرة أخرى فإن هذا التأصيل يخدم التطبيق العملي الذي يترجم عن صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان.
ولا ينبغي أن يصرف عن هذه المحاولة المهمة علاقة هذا الموضوع بالقانون الدولي في الإسلام، واتصاله بجانب من جوانب الفقه السياسي، والذي تعترضه عقبات عملية كثيرة بسبب غياب سلطان الإسلام السياسي أو تغييبه بتعبير أدق؛ لأن للفقه السياسي في الإسلام متطلباته الخاصة، وبيئته المناسبة، وضوابطه المحددة، وكل فقه ينشأ في غير بيئته المناسبة، أو لا تتوفر له متطلباته الخاصة، أو يصدر عن غير أهله -يبدو غريبًا ومضطربًا أحيانًا، أو مائلًا منحرفًا أحيانًا أخرى.
ومع التسليم بذلك كله وغيره من العقبات والصعوبات كغلبة التقليد وكثرة الجمود، وضعف الاجتهاد، وندرة المتأهلين لمرتبته؛ فإن نصوص الشريعة قائمة بين أيدينا وصلاحيتها للتطبيق تحت كل الظروف عقيدة قائمة في قلوبنا، فلم يبقَ إلا
стр. 233
التشمير عن ساعد الجد والتطلع نحو ذرى التفقه في دين الله ، والتأهل لرتب الاجتهاد، مع الحذر من التصدر قبل التأهل لهذا الباب.
ثالثًا: وقوع الاضطراب في كثير من المواقف والأحكام المتعلقة بالأقليات:
إن تصدر غير المتأهلين لنوازل الأقليات المسلمة، أو غياب منهج النظر الصحيح في استنباط تلك الأحكام، مع ضعف الإحاطة بواقع تلك البلاد وظروف أهلها، وملابسات أحوالهم؛ يُنتِج -ولابد- اضطرابًا شديدًا، وتخبطًا واضحًا في قضايا الأقليات ونوازلها.
وقد ينشأ الخلل من تطبيق بعض المتأهلين اليوم لأحكام سابقة صدرت عن فقهاء مسلمين في عهود سياسية مستقرة، وفي حال من التمكين والقوة، دون تنبه لمدى مطابقتها للواقع اليوم، سواء من حيث تطابق معاني المصطلحات، أو توافق الأحكام واتساقها وانسجامها، فنشأ عن الغفلة عن تحرير المصطلحات، والتأكد من تحقق تلك المطابقات، وتحرير المناطات كثيرٌ من الخلط والاضطراب (١).
ولا شك أن الفتاوي والأحكام الاجتهادية قد يقع فيها تمييز بين حال وحال، وزمان وزمان، ومكان ومكان؛ لذا قعَّد الفقهاء أنه لا يُنُكَرُ تغيُّرُ الأحكام الاجتهادية والفتاوي بتغير الأزمان والأحوال.
قال ابن عابدين: "فكثيرٌ من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عُرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولًا للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير، ودفع الضرر والفساد؛ لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام" (٢).
стр. 234
ولا شك أن تعامل المسلمين مع غيرهم يختلف تبعًا لاختلاف الأحوال من حرب إلى عهد، فالكفار في دار العهد مصانة أموالهم ودماؤهم وأعراضهم، فلا يجوز هتكها أو استباحتها، بخلافهم في دار الحرب؛ إذ تستباح دماؤهم وأموالهم بما شنُّوه على الإسلام وأهله من الحرب.
وللتمثيل على وقوع الاضطراب في أمور مهمة في هذا الشأن: فقد تخبط الناس اليوم في كيفية تعامل المسلمين المقيمين في بلاد الكفر مع أهل هذه البلاد، فمن مستحلٍّ لدمائهم وأموالهم وأعراضهم بحجة أنهم محاربون للإسلام وأهله، ومن واقع في ولاءٍ كاملٍ لهم يبذل لهم ما يبذله لدولة الإسلام ومجتمعه من حقوق بلا قيد أو تحفظ.
وهذا التخبط يرجع إلى عدم فهم الواقع من جهة، وإلى جهلٍ بالأحكام الشرعية من جهة أخرى، وإلى تحقيق المناطات في الواقع من جهة ثالثة!
والحكم الشرعي في هذه المسألة ينبني على أمرين مهمين:
الأمر الأول: أن عَقْدَ العهد مع دولة كافرة أو إعلان الحرب عليها، إنما ينشئه الخليفة أو الإمام العام الذي يمثل كلمة المسلمين فيحارب أو يعاهد بالنيابة عنهم، وليس لأحد من المسلمين أن ينفرد بعقد عهد أو إعلان حرب بدون إذن الخليفة أو موافقته، ففي هذا افتئات على الإمام وتعدٍّ على سلطانه واستهانة بتمثيله للمسلمين كلهم.
ومع غياب الخليفة وسقوط الخلافة الإسلامية، ونشوء دول إسلامية لا تُحكِّم الشريعة في أكثر مناحي حياتها، فُقد الإمام الشرعي الذي يمثل الجماعة المسلمة بأسرها، والذي له الحق أن يتكلم باسمها، فيحارب أو يعاهد، لا سيما إذا علمنا أن هذه الدول مختلفة فيما بينها ومتباينة في ولائها وبرائها، فعدوُّ هذه الدولة المسلمة هو صديق دولة مسلمة أخرى، فليس يجمعها عدوٌّ مشترك أو صديق مشترك! حتى لم تعد هناك دولة واحدة من دول الكفر هي عدو لكل الدول المسلمة!!
ففي ظل هذه الحال البائسة يجب التحري في الاستدلال بأقوال الفقهاء الواردة في الحرب أو
стр. 235
العهد؛ لأنها وردت في ظل خلافة إسلامية كانت قائمة، فلا يمكن -بسهولة- تنزيلها على واقعنا من كل وجه؛ بل يجب التدقيق في مدى مطابقة الحالة التي تكلموا فيها على الحالة التي نعيشها اليوم، فحيث تشابهت الحالة بنينا على أقوالهم وخرَّجنا واستدللنا بها، وحيث اختلفت الأحوال وجب الاجتهاد لمعرفة حكم النوازل المستجدات.
والأمر الثاني: أن غاية الحرب في الإسلام هي إزالة الفتنة، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣].
والفتنة التي يراد إزالتها هي الصد عن سبيل الله، وليس وجود الكفر، فأيما رجل بلغَتْهُ دعوة الإسلام ولم يقنع بها فهو وشأنه؛ إذ لا إكراه في الدين، ولكن إذا حالت أنظمة طاغية ظالمة دون وصول الدعوة إلى الناس حتى يتفكروا فيها، فهذا صدٌّ عن سبيل الله، وهذه فتنة يجب إزالتها، وهذه هي غاية القتال في الإسلام؛ ولذلك كانت الحرب في الإسلام خاضعة لمبادئ سامية لا يجوز تعديها أو التهاون بها، منها: أن يُبلَّغ الكفار دعوة الإسلام قبل أن يُقاتَلُوا؛ لأن الغاية هي تبليغ الدين لهم، وإسلامهم أحب إلى الله ورسوله من أي شيء سواه.
فإذا أسلموا ملكوا بلادهم وأموالهم وأعراضهم، فالإسلام لا يريد التسلط على الناس ولا استغلال خيراتهم؛ وإنما يريد نفعهم في الدنيا والآخرة.
فإن أبوا الإسلام، أُمِروا بتمكين المسلمين من تبليغ دين الله إلى سائر رعاياهم وشعوبهم؛ لأن الإسلام لا يُكرههم على ترك دينهم، وإنما هدفه تبليغ دين الله الحق لجميع الناس.
فإن رضوا بذلك، تُركوا ولم يُتَعرض لهم، وهذا أهم معاني عقد الذمة الذي يعقدونه مع المسلمين.
فإن أبوا تمكين المسلمين من تبليغ دين الله فيُؤذنوا عندها بالحرب، وهم يعلمون لماذا يُحَارَبون، وما هي الغاية التي تنتهي إليها حربهم، قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ
стр. 236
عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
ولا بد من إيذانهم بالحرب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].
فإذا تبين هذا الأصل بشقيه استبان خطأ الذين يستحلون دماء الكفار وأعراضهم بحجة أنهم محاربون؛ لأنه إذا كان يُقصد بكونهم محاربين أنهم يحاربون الدولة المسلمة، فليس هناك دولة كافرة واحدة تحارب جميع الدول المسلمة، وإن وجدت دولة كافرة تحارب بعض الدول المسلمة؛ فإنها تصادق وتعاهد دولًا مسلمة أخرى.
وإن كان يُقْصَدُ أنهم محاربون للإسلام بتشويه صورته، وصد الناس عنه، والتربص بالمسلمين الصادقين لإيذائهم أو قتلهم، والضغط على الدول المسلمة لمنعها من تحكيم الشريعة في بقاعها، فهذا حق، ولكن لا بد لمواجهة هذه الحرب من وجود جماعة من المسلمين لها نفوذ وشوكة، تنادي برفع هذا الظلم، وتعلن الحرب على هذه الدول إذا لم تكفَّ عدوانها، حتى تعرف شعوب هذه الدول لماذا تُحَارَبُ ومتى تُحَارَبُ، وحتى إذا فكروا يومًا ما بالعدول عن ظلمهم للمسلمين عرفوا على الأقل مع من سيتكلمون، وما هي مطالبهم.
وبقاؤهم على الكفر بعد ذلك لا يبيح بمجرده دماءهم أو أموالهم أو أعراضهم؛ لأن هذه لا تستباح بمجرد الكفر، ولكن تستباح حين يَجمعون مع الكفر محاربة الإسلام والكيد لأهله.
وهذه الحرب لا يُنشئها فرد من الأفراد وإنما تُنشئها جماعة أهل الحَلِّ والعقد من المسلمين والتي لها علماؤها وشبابها ونفوذها وتمثيلها الواسع في العالم الإسلامي، بحيث يصح أن يقال عنها بأنها تتكلم باسم المسلمين، أو باسم شريحة كبيرة منهم، وتُعَبِّرُ عن آمالهم وآلامهم، وذلك كله بعد التشاور مع المسلمين المقيمين في بلاد الغربة
стр. 237
والتنسيق معهم حتى لا يتضرروا بهذه الحرب ويصبحوا أسرى لدى الكافرين (١).
وعلى كُلٍّ فهذا ليس موضع بحث هذه المسألة؛ وإنما قاد الحديثَ إليها أهميةُ ضرب المثال ليتضح المقال.
وليست المسألة قاصرة على التخبط في موقف المسلمين من غيرهم في تلك البلاد؛ بل فيما يتعلق بالمعاملات والأحوال الشخصية وغيرها من النوازل والأقضية، وتتكرر وتتعدد نفس الملاحظات؛ مما يقيم البرهان على أهمية وشدة الحاجة إلى هذا التأصيل.
رابعًا: تجديد الدين بعامة:
لا يبعد أن يكون في الاشتغال بنوازل الأقليات المسلمة -تأصيلًا وتطبيقًا- تجديدٌ حقيقيٌّ لهذا الدين، ويمكن تجلية هذا المعنى من خلال النقاط التالية:
١ - دعوة العلماء المقتصدين، وطلبة العلم النابهين للاجتهاد وتحصيل رتبته، والترقي في مدارجه؛ وذلك باستفراغ كلِّ وسمع، وبذل كل جهد لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الإجمالية والتفصيلية، وهذا من شأنه تحصيلُ آلة علمية خاصة تُعْنَى بأدلة الأحكام ومواضع الإجماع ومواقع الخلاف، وتحصيل ملكة الاستنباط، ومعرفة لسان العرب، والناسخ والمنسوخ وغير ذلك (٢)؛ مما يكون له الأثر البالغ في تأهيل النابهين وترقية النابغين، والذي ينعكس بدوره على تجديد هذا الدين ببيان أحكامه في المستجدات والنوازل بعامة، ولا شك أن هناك عددًا من النوازل في بلاد المسلمين وبين ظهرانيهم لا تزال بحاجة إلى معالجة علمية دقيقة، واجتهاد معتبر.
стр. 238
وإذا كان اكتمال تلك الآلة في حق آحاد المتأخرين كالأمر المتعذر؛ فإنه يكفي على الصحيح من أقوال الأصوليين أن يكون هذا الناظر مجتهدًا على الأقل في المسألة التي ينظر فيها وما يتصل بها، وإن كان جاهلًا بما عداها من المسائل؛ ذلك أن وجود المجتهد المطلق أمر عزيز (١).
والاجتهاد يقبل التجزؤ، فلا مانع أن يتحقق وجود مجتهد في باب، ويكون مقلدًا في غيره.
قال ابن القيم ﵀: "الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم مقلدًا في غيره، أو في باب من أبوابه، كما لو استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره" (٢).
ومن نافلة القول التأكيد على أهمية الاجتهاد الجماعي وأثره العظيم في هذا الصدد، ونتيجته المحمودة أيضًا على أعضاء تلك المجامع الفقهية والمؤتمرات العلمية، وقيمته في تسديد تلك الاجتهادات والفتاوي الصادرة عن مثل مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر بمصر، أو المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، أو مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، أو هيئات كبار العلماء ودور الإفتاء في مختلف الدول الإسلامية.
كما أن الهيئات التي تشكلت حديثًا للنظر في مسائل الأقليات بشكل خاص تمثل نوعًا من الاجتهاد الجماعي، مثل: المجلس الأوروبي للإفتاء، أو مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، وغيرهما.
стр. 239
وبناء على ما سلف فلا مانع من وجود المجتهد المتخصص في فقه ونوازل الأقليات، وآخرين في أبواب أخرى بحيث تقوم الجماعة مقام المجتهد المطلق.
على أنه تجدر الإشارة في هذا المقام إلى التفريق بين الإجماع الأصولي المعتبر بشروطه وبين القرارات التي تصدر عن بعض هذه المجامع؛ إذ إنها لو صدرت بإجماع أعضاء المجمع المعين مثلًا لم تصل إلى مرتبة الإجماع الأصولي في الحجية؛ إذ لا يخفى أن أعضاء مجمع معين ليسوا كل فقهاء الأمة ومجتهديها، بل هم فئة منهم، على أن الفتاوي الجماعية ربما تكون في ظروف خاصة واقعة تحت ضغوط معينة، وكلما كانت تلك المجامع بعيدة عن سلطان الحكومات، متحررة من ضغوط السياسات كان أنفع، وكان نظرها في النوازل التي تتولى دراستها أنجع (١).
وفي جميع ما ذُكِرَ إنهاضٌ للفقه الإسلامي وتجديدٌ له وإثراء وإحياء لمواكبته حركةَ الحياة والأحياء.
٢ - إن إعطاء هذه النوازل أحكامَها الشرعية المناسبة لها هو دعوة صريحة معلنة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية في جميع جوانب الحياة، وهو بيان عملي تطبيقي يبرهن -مجددًا- على صلاحية هذه الشريعة المطهرة لكل زمان ومكان، وهو إقامة للحجة على أعدائها، وتأكيد لما تقرر من رعايتها للمصالح الضرورية والتي جاءت الشريعة بحمايتها وحفظها؛ لتقوم حياة الإنسان في معاشه ومعاده، وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال.
وكذلك رفع الحرج عن الإنسان ودفع المشقة الشديدة بتشريع الرخص والتخفيفات، ورعاية محاسن العادات، والأخذ بمكارم الشمائل ومحمود الصفات، ورعاية أحسن
стр. 240
المناهج في العادات والمعاملات (١).
يقول العز ابن عبد السلام ﵀: "التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم والله غني عن عبادة الكل، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين" (٢).
وقال الشاطبي -حمه الله-: "وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا" (٣).
ولا تُقبل دعوى أن الفقه يمر بأعصُر جمود وتقليد وانحطاط -كما يحلو لبعض الناس أن يُعبر- فلا يصلح الاعتماد إذن على هذه الشريعة، وهذه الدعوى لا تخلو من مغالطة وسوء فهم؛ فأما المغالطة فهي في التسوية بين الفقه والشريعة؛ إذ الفقه هو "العلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفروعية بالنظر والاستدلال" (٤)، وهذا التعريف وغيره من التعاريف يجعل الفقه ملكة وصِفة علمية للإنسان.
وعند التعبير عن الفقه بأنه: "مجموعة الأحكام العملية الشرعية المكتسبة من الأدلة التفصيلية" (٥) يلحظ أن من الأحكام ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مستنبط اجتهادًا، وفي كل عصر من لدن الصحابة يبذل الفقهاء المجتهدون وسعهم ويستفرغون جهدهم في النظر في النصوص لاستنباط أحكام الوقائع ليواكب الفقه حركة الحياة.
فالفقه إذن جهدُ بشرٍ يخطئ ويصيب، وقد يشبَّه بالإنسان في مراحله المختلفة، وهو
стр. 241
عندئذٍ ليس بمعصوم إلا فيما أُجمع عليه من الأحكام.
أما الشريعة فلها شأن آخر؛ إذ هي جملة نصوص الكتاب والسنة الصحيحة غير المنسوخة، وهي بهذا الاعتبار مباركة معصومة.
يقول الشاطبي: "إن هذه الشريعة المباركة معصومة، كما أن صاحبها ﷺ معصوم، وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة" (١).
وهي عامة لكل الخلق في كل زمان ومكان، حاكمة لا محكومة، ومطلقة لا مقيدة، ثابتة لا تزول، لها السيادة العليا والحكم الأعلى: "لا عمل يُفرض، ولا حركة ولا سكون يُدَّعى؛ إلا والشريعة عليه حاكمة" (٢)، فإذا اعترى الفقهَ -الذي هو عمل المجتهدين- نوعُ قصورٍ أو خلل أو ضعف فلا سبيل لشيء من ذلك إلى الشريعة؛ إذ هي تنزيل من حكيم حميد، فلا يجوز نسبة شيء من النقص إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
على أن الفقه -أيضًا- لا تسلم في حقه تلك الدعاوى؛ فلقد عرف فقهاؤنا التطور وصاحبوه مصاحبة عميقة في تاريخهم الحي والعملي بأسره، يقول عمر بن عبد العزيز: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" (٣).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "تحدثون ويحدث لكم" (٤).
ومما يشهد لذلك ويدل عليه قول معاذ ﵁: "أجتهد رأيي ولا آلو" (٥).
стр. 242
وقوله ﵁ أيضًا: "يا أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هنا وهنا، فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم ينفكَّ المسلمون أن يكون فيهم من إذا سُئِل سُدِّد وإذا قال وُفِّق" (١).
ومما يبرهن على صلاحية الفقه وسلامته: تعدد المناهج الاجتهادية وتنوع المدارس الفقهية والأصولية، فلم يرجع الفقهاء عند عدم وجدان النص إلى حَدْسٍ أو تخمين، وإنما رجعوا إلى النصوص من طريق آخر ضبطته القواعد والأصول ومناهج القياس وأصول الإلحاق والتفريع، ثم ضبطوا جهدهم بقاعدة نيِّرة تقول: "كل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة" (٢).
وفي أسبوع الفقه الإسلامي الذي عُقد في باريس عام (١٩٥١ م)، وقف نقيب المحامين الفرنسيين ليقول: "لست أدري كيف أُوفِّق بين ما كان يُحكى لنا عن جمود الفقه الإسلامي وعدم صلاحيته أساسًا تشريعيًّا يفي بحاجات المجتمع العصري المتطور، وبين ما نسمع الآن، فقد ثبت بجلاء أن الفقه الإسلامي يقوم على مبادئ ذات
стр. 243
سمة أكيدة لا مرية في نفعها، وأن اختلاف المذاهب الفقهية على مجموعة من الأصول الفنية البديعة تتيح لهذا الفقه أن يستجيب بمرونته لجميع مطالب الحياة الحديثة" (١).
ويقول د. هوكنج أستاذ الفلسفة بجامعة هارفارد الأمريكية: "إن سبيل تقدم الدول الإسلامية ليس في اتخاذ الأساليب المفترضة التي تدعي أن الدين ليس له أن يقول شيئًا عن حياة الفرد اليومية، أو عن القانون والنظم السياسية، وإنما يجب أن يجد المرء في الدين مصدرًا للنمو والتقدم، ثم قال: وأحيانًا يتساءل البعض عما إذا كان نظام الإسلام يستطيع توليد أفكار جديدة وإصدار أحكام مستقلة تتفق وما تتطلبه الحياة العصرية؟
والجواب على هذه المسألة: هو أن في نظام الإسلام كل استعداد داخلي للنمو، وأما من حيث قابليته للتطور فهو يفضل كثيرًا على النظم والشرائع المماثلة، والصعوبة لا تنشأ من انعدام وسائل النمو والنهضة في الشرع الإسلامي، وإنما انعدام الميل إلى استخدامه، ويقول: وإني أشعر أنني على حق حين أقرر أن الشريعة الإسلامية تحتوي بوفرة على المبادئ اللازمة للنهوض" (٢).
وأخيرًا: فلو كان ثمة نقدٌ يمكن التسليم به فهو النقد الموجه إلى بعض الفقهاء في بعض الأزمان في بعض الاجتهادات، ضرورة كونهم بشرًا يحسنون ويسيئون ويصيبون ويخطئون، أما الشريعة فمعصومة، وأما الفقه فمتجدد يواكب التطور ويلاحق التغير (٣).
وما أجدر الفقه في ميراثه الإسلامي القديم والمعاصر بقول حافظ إبراهيم ﵀:
стр. 244
أَنَا الْبَحْرُ في أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كَامِنٌ ... فَهَلْ سَاءَلُوا الْغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي
ولا شك أن كثرة الاشتغال بأحكام النوازل بعامة يجدد وجه الفقه، ويعيد إليه نضارته.
ولا شك أن هذه الهيئات المجمعية والجهود الموسوعية إذا تضافرت على إيجاد معلمة فقهية متكاملة تستوعب قضايا العصر المستجدة، ووقائعه المستحدثة، بحيث تستكتب فرقًا من الباحثين المتميزين، وتخضع أعمالهم إلى جهد جماعي في المراجعة والتمحيص، لا شك أنها بهذا تجدد في الفقه الإسلامي المعاصر تجديدًا يخدم الدين ويصلح الدنيا بأسرها.
٣ - إن قوة الأمم وازدهارها وتقدمها ونموها يقاس بقوة ما لديها من قوة علمية وقدرة على الفكر والنظر والاجتهاد؛ بل إن أمة الإسلام ما ازدهرت حضارتها ولا ارتفع سؤددها بين الأمم إلا وصاحَبَ ذلك وجود حركةٍ علمية ونشاطٍ فقهي قوي، كما أن أزمنة الضعف والانكسار العسكري والسياسي توافق وتصاحب حالة من الضعف والركود العلمي غالبًا.
يقول الشَّهْرستاني (١): "ولن تنضبط قطُّ شريعة من الشرائع إلا باقتران الاجتهاد بها؛ لأن من ضرورة الانتشار في العالم الحكم بأن الاجتهاد معتبر" (٢).
وبمفهوم المخالفة؛ فإن دعوى إغلاق باب الاجتهاد يصاحبها -ولابد- حالة من الانحسار والانكماش بعد القرون المفضلة والتي كان الاجتهاد شعار علمائها سواء أصحاب المذاهب الأربعة المتبوعة، أو الذين لم تستمر مدارسهم الفقهية بعد موتهم.
стр. 245
ومن ثم لا تعرف الأمة في ظل الاجتهاد الفقهي ضعفًا أيًّا كان لونه، وتظل في منزلة الخيرية التي بوأها الله إياها، والتي ينبغي عليها أن تجاهد دونها وتحافظ عليها (١).
المطلب الثاني: حكم الاشتغال بنوازل الأقليات المسلمة:
إن الاشتغال بنوازل الأقليات هو اشتغال بالاجتهاد الفقهي في باب خاص من أبواب الفقه يندر الاهتمام به وتقل العناية ببحثه لأسباب متعددة، وإدراك حكم الاشتغال به يترتب على معرفة حكم الاجتهاد بإطلاق، ثم بقيد نوازل الأقليات، وذلك على النحو التالي:
الفرع الأول: معنى الاجتهاد:
لا تخرج عبارات الفقهاء والأصوليين -وإن تنوعت أو ضاقت أو اتسعت- عن أن الاجتهاد هو استفراغ الوسع وبذل الجهد من الفقيه المتأهل لتحصيل ظن بحكم شرعي.
فيعرِّفه الغزالي بقوله: "هو عبارة عن بذل المجهود، واستفراغ الوسع في طلب العلم بأحكام الشريعة، بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب" (٢).
وعرَّفه الكمال ابن الهمام بأنه: "بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني" (٣)، وقد تضمن التعريف القيود التالية:
القيد الأول: بذل الوسع والطاقة، فمن لم يبذل جهده ويستفرغ وسعه، حتى يُحِسَّ من نفسه العجز عن مزيد بحث، لا يقال له اجتهد، وهذا المعنى دلت عليه اللغة.
القيد الثاني: أن يكون صادرًا من أهله، فمن بذل جهده في تحصيل الحكم الشرعي
стр. 246
ولم يكن متأهلًا لذلك، قادرًا على تحصيل آلة الاجتهاد، متمكنًا من ملكة الفقه، لم يعتبر اجتهاده ولم يُسَمَّ عملُهُ اجتهادًا أصلًا.
القيد الثالث: أن يكون في الشرعيات؛ فالاجتهاد -اصطلاحًا- خاص باستنباط الأحكام الشرعية دون الأحكام اللغوية والعقلية (١).
ومما يدخل في الاجتهاد -دخولَ الجزء في الكل- القياسُ، فهو جزء ونوع منه، وقد سئل الشافعي ﵀ عن الاجتهاد والقياس، فقال: إنهما اسمان لمعنى واحد (٢).
أي: أن القياس جزء من الاجتهاد؛ لكونهما يفضيان إلى استنباط حكم شرعي بعد بذل الجهد، والاجتهاد أعم من القياس، ومثل هذا يقال أيضًا في العلاقة بين الاجتهاد والاستحسان أو الاستصلاح (٣)، وإن كان الشافعي ﵀ يرفض الاستحسان والاستصلاح والرأي الذي لا يسوغ شرعًا، وهو ما كان فيه حمل النظير على نظيره والرد إلى أصل من الأصول دون تتبع للآثار والأحاديث أو النصوص (٤).
الفرع الثاني: حكم الاجتهاد ومجالاته:
الاجتهاد مشروع إجمالًا بشروطه المعتبرة، والأصل فيه أنه واجب كفائي عند جمهور الأصوليين (٥).
فإذا قام به البعض سقط التكليف عن الباقين، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
стр. 247
لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
فجعل الله تعالى المؤمنين في هذه الآية على فرقتين: أما الأولى فتحفظ أهل الإسلام بالجهاد، وأما الثانية فتحفظ شريعة الإسلام بالاجتهاد.
وفي الحديث قوله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (١).
وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قوله له: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي، قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله ﷺ لما يُرضي رسولَ الله" (٢).
ووقائع اجتهادات الصحابة كثيرة مشتهرة، في زمن النبي ﷺ وبعده (٣).
وحكم الاجتهاد قد يدور مع الأحكام الخمسة بحسب اختلاف الأحوال، فمن ذلك (٤):
الوجوب العيني: وذلك في حق الفقيه المتأهل لرتبة الاجتهاد إذا نزل به ما يستوجب الاجتهاد، كما يتعين على المتأهل إذا لم يوجد غيره، أو خِيف فواتُ الوقت.
الاستحباب: وذلك إذا كانت الحاجة قائمة مع وجود غيره من المجتهدين وكان الوقت متسعًا.
الكراهة: وذلك إذا كانت المسألة مستبعدة الوقوع؛ لكونه لا نفع فيه، وكذا ما لا تتعلق به مصلحة خاصة ولا عامة، ولأن الصحابة فمن بعدهم تحرَّجوا من هذا النوع
стр. 248
حتى تنزل بالناس حاجة فعليَّة، بل ونَهَوا عن تلك الأغلوطات والاستغراق في الافتراضات البعيدة.
الحرمة: وذلك إذا كان في مقابلة نص قاطع أو إجماع صحيح، أو هما معًا، أو صدر من غير أهله، فيحرم الاجتهاد عندئذٍ ويحرم سؤال من لم يكن من أهله؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
الإباحة: إذا كانت الحاجة لم تقم، لكنها متوقعة، وكان الوقت متسعًا، وحيث خلا الاجتهاد عن حكم من الأربعة السابقة فهو مباح.
والاجتهاد الشرعي يعمل في مجالات ويمتنع في أخرى، فيمتنع الاجتهاد عند وجود ما دلالاته قطعية من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، وكذا ما أُجمع على حكمه من المسائل، وهذا كما يشمل أصول الدين والعقيدة يتناول مسائل الفقه أيضًا، كإيجاب الفرائض وتحريم الكبائر.
ويعمل الاجتهاد عمله عند عدم وجود النقل من الكتاب أو السنة الصحيحة، أو لدى وجود ما دلالاته ظنية وليست بقطعية، أما مع ورود النص القاطع فلا.
ذلك أن مرتبة الاجتهاد متأخرة عن الكتاب والسنة والإجماع باتفاق أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم (١).
فلا يحل لمجتهد أن يجتهد ليعارض نصًّا قطعيًا محكمًا غيرَ منسوخ، فلا اجتهاد مع النص أو لا مساغ للاجتهاد في مورد النص (٢).
стр. 249
وقد عبَّر الشاطبي ﵀ عن مجال الاجتهاد ومَحالِّه المعتبرة لجريان الاجتهاد المقبول فيها بقوله: "مجال الاجتهاد المعتبر ما تردد بين طرفي النفي والإثبات" (١).
فهو يسلط الضوء على مسرح الاجتهاد المعتبر من المجتهد المتأهل لذلك بأنه ما لم يظهر فيه مقصود الشارع ظهورًا بينًا في الإثبات أو النفي؛ بل ما تردد بينهما.
فأفعال المكلف -سواء أكانت قلبية أم بالجوارح، فعلًا أم كفًّا- لا تخلو من أن يَرِدَ فيها خطاب للشارع أو لا.
فإن لم يَرِدْ فيها خطاب للشارع فهي إما فرض غير موجود، وإما أن تحمل على البراءة الأصلية، وهذا يرجع إلى خطاب الشارع بالعفو أو غيره، وفي الحديث: ". . . وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم" (٢).
فإن كانت مما ورد فيه خطاب شرعي، وظهر فيه قصد الشارع في النفي أو الإثبات، فهذا قطعي في دلالته، وليس من مَحالِّ الاجتهاد أو مجالاته.
فإن لم يظهر فيه قصد مؤكد للشارع في النفي أو الإثبات وكان مترددًا بينهما فهو ظني اجتهادي، ومراتب الظني في النفي أو الإثبات تختلف وتتفاوت شدةً وضعفًا، حتى تنتهي إما إلى العلم في طَرَفٍ، وإما إلى الشك في الطرف الآخر، فما كان من
стр. 250
النصوص قطعيًّا في ثبوته ودلالته فلا مجال للاجتهاد فيه، وعليه تتنزل القاعدة الأصولية: "اجتهاد مع النص".
أما الأحكام التي تتعلق بنصوص ظنية الثبوت أو الدلالة فيجري فيها الاجتهاد، وكذا ما لم تَرِدْ بشأنه نصوص معلومةٌ للمجتهد.
وكما أنه لا محل للاجتهاد في المسائل المنصوصة بنصٍّ قطعيِّ الثبوت والدلالة فلا يجوز أيضًا أن تتحول الظنيات إلى قطعيات! ولا يصلح بحال أن تتحول الاختيارات الفقهية إلى ثوابت منهجية!
ومع أهمية التأني والتثبت عند مخالفة المذاهب الأربعة إلا أنه لا حرج على المتأهل أن يجتهد فيخالف؛ فإن أحدًا من علماء المذاهب الأربعة لم يقل: إن اتفاقها حجة شرعية، ولو قالوه لم يعتبر قولهم، لأنهم خالفوا فيه أئمتهم من ناحية، ولأنهم مقلِّدون من ناحية أخرى، والمقلِّد لا يقلَّد (١)، أما أئمة المذاهب أنفسهم فقد حذروا من تقليدهم، ولم يدَّعوا لأنفسهم العصمة (٢).
وبناء على ما سبق فإن هذا الأصل تحته صور يسوغ للمجتهد أن ينظر فيها، وهي كما يلي:
١ - أن تكون هذه المسألة مما ليس فيها نص قاطع ولا إجماع.
٢ - أن يكون ما ورد فيها من أدلة محتملًا قابلًا للتأويل، أو النصوص فيه متعارضة في الظاهر، وتحتاج إلى جمع أو ترجيح.
٣ - أن تكون المسألة مترددة بين طرفين وضح في كل واحد منهما مقصد الشارع في