← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ولم يكن متأهلًا لذلك، قادرًا على تحصيل آلة الاجتهاد، متمكنًا من ملكة الفقه، لم يعتبر اجتهاده ولم يُسَمَّ عملُهُ اجتهادًا أصلًا. القيد الثالث: أن يكون في الشرعيات؛ فالاجتهاد -اصطلاحًا- خاص باستنباط الأحكام الشرعية دون الأحكام اللغوية والعقلية (١). ومما يدخل في الاجتهاد -دخولَ الجزء في الكل- القياسُ، فهو جزء ونوع منه، وقد سئل الشافعي ﵀ عن الاجتهاد والقياس، فقال: إنهما اسمان لمعنى واحد (٢). أي: أن القياس جزء من الاجتهاد؛ لكونهما يفضيان إلى استنباط حكم شرعي بعد بذل الجهد، والاجتهاد أعم من القياس، ومثل هذا يقال أيضًا في العلاقة بين الاجتهاد والاستحسان أو الاستصلاح (٣)، وإن كان الشافعي ﵀ يرفض الاستحسان والاستصلاح والرأي الذي لا يسوغ شرعًا، وهو ما كان فيه حمل النظير على نظيره والرد إلى أصل من الأصول دون تتبع للآثار والأحاديث أو النصوص (٤). الفرع الثاني: حكم الاجتهاد ومجالاته: الاجتهاد مشروع إجمالًا بشروطه المعتبرة، والأصل فيه أنه واجب كفائي عند جمهور الأصوليين (٥). فإذا قام به البعض سقط التكليف عن الباقين، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ

стр. 247

لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. فجعل الله تعالى المؤمنين في هذه الآية على فرقتين: أما الأولى فتحفظ أهل الإسلام بالجهاد، وأما الثانية فتحفظ شريعة الإسلام بالاجتهاد. وفي الحديث قوله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (١). وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قوله له: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي، قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله ﷺ لما يُرضي رسولَ الله" (٢). ووقائع اجتهادات الصحابة كثيرة مشتهرة، في زمن النبي ﷺ وبعده (٣). وحكم الاجتهاد قد يدور مع الأحكام الخمسة بحسب اختلاف الأحوال، فمن ذلك (٤): الوجوب العيني: وذلك في حق الفقيه المتأهل لرتبة الاجتهاد إذا نزل به ما يستوجب الاجتهاد، كما يتعين على المتأهل إذا لم يوجد غيره، أو خِيف فواتُ الوقت. الاستحباب: وذلك إذا كانت الحاجة قائمة مع وجود غيره من المجتهدين وكان الوقت متسعًا. الكراهة: وذلك إذا كانت المسألة مستبعدة الوقوع؛ لكونه لا نفع فيه، وكذا ما لا تتعلق به مصلحة خاصة ولا عامة، ولأن الصحابة فمن بعدهم تحرَّجوا من هذا النوع

стр. 248

حتى تنزل بالناس حاجة فعليَّة، بل ونَهَوا عن تلك الأغلوطات والاستغراق في الافتراضات البعيدة. الحرمة: وذلك إذا كان في مقابلة نص قاطع أو إجماع صحيح، أو هما معًا، أو صدر من غير أهله، فيحرم الاجتهاد عندئذٍ ويحرم سؤال من لم يكن من أهله؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. الإباحة: إذا كانت الحاجة لم تقم، لكنها متوقعة، وكان الوقت متسعًا، وحيث خلا الاجتهاد عن حكم من الأربعة السابقة فهو مباح. والاجتهاد الشرعي يعمل في مجالات ويمتنع في أخرى، فيمتنع الاجتهاد عند وجود ما دلالاته قطعية من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، وكذا ما أُجمع على حكمه من المسائل، وهذا كما يشمل أصول الدين والعقيدة يتناول مسائل الفقه أيضًا، كإيجاب الفرائض وتحريم الكبائر. ويعمل الاجتهاد عمله عند عدم وجود النقل من الكتاب أو السنة الصحيحة، أو لدى وجود ما دلالاته ظنية وليست بقطعية، أما مع ورود النص القاطع فلا. ذلك أن مرتبة الاجتهاد متأخرة عن الكتاب والسنة والإجماع باتفاق أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم (١). فلا يحل لمجتهد أن يجتهد ليعارض نصًّا قطعيًا محكمًا غيرَ منسوخ، فلا اجتهاد مع النص أو لا مساغ للاجتهاد في مورد النص (٢).

стр. 249

وقد عبَّر الشاطبي ﵀ عن مجال الاجتهاد ومَحالِّه المعتبرة لجريان الاجتهاد المقبول فيها بقوله: "مجال الاجتهاد المعتبر ما تردد بين طرفي النفي والإثبات" (١). فهو يسلط الضوء على مسرح الاجتهاد المعتبر من المجتهد المتأهل لذلك بأنه ما لم يظهر فيه مقصود الشارع ظهورًا بينًا في الإثبات أو النفي؛ بل ما تردد بينهما. فأفعال المكلف -سواء أكانت قلبية أم بالجوارح، فعلًا أم كفًّا- لا تخلو من أن يَرِدَ فيها خطاب للشارع أو لا. فإن لم يَرِدْ فيها خطاب للشارع فهي إما فرض غير موجود، وإما أن تحمل على البراءة الأصلية، وهذا يرجع إلى خطاب الشارع بالعفو أو غيره، وفي الحديث: ". . . وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم" (٢). فإن كانت مما ورد فيه خطاب شرعي، وظهر فيه قصد الشارع في النفي أو الإثبات، فهذا قطعي في دلالته، وليس من مَحالِّ الاجتهاد أو مجالاته. فإن لم يظهر فيه قصد مؤكد للشارع في النفي أو الإثبات وكان مترددًا بينهما فهو ظني اجتهادي، ومراتب الظني في النفي أو الإثبات تختلف وتتفاوت شدةً وضعفًا، حتى تنتهي إما إلى العلم في طَرَفٍ، وإما إلى الشك في الطرف الآخر، فما كان من

стр. 250

النصوص قطعيًّا في ثبوته ودلالته فلا مجال للاجتهاد فيه، وعليه تتنزل القاعدة الأصولية: "اجتهاد مع النص". أما الأحكام التي تتعلق بنصوص ظنية الثبوت أو الدلالة فيجري فيها الاجتهاد، وكذا ما لم تَرِدْ بشأنه نصوص معلومةٌ للمجتهد. وكما أنه لا محل للاجتهاد في المسائل المنصوصة بنصٍّ قطعيِّ الثبوت والدلالة فلا يجوز أيضًا أن تتحول الظنيات إلى قطعيات! ولا يصلح بحال أن تتحول الاختيارات الفقهية إلى ثوابت منهجية! ومع أهمية التأني والتثبت عند مخالفة المذاهب الأربعة إلا أنه لا حرج على المتأهل أن يجتهد فيخالف؛ فإن أحدًا من علماء المذاهب الأربعة لم يقل: إن اتفاقها حجة شرعية، ولو قالوه لم يعتبر قولهم، لأنهم خالفوا فيه أئمتهم من ناحية، ولأنهم مقلِّدون من ناحية أخرى، والمقلِّد لا يقلَّد (١)، أما أئمة المذاهب أنفسهم فقد حذروا من تقليدهم، ولم يدَّعوا لأنفسهم العصمة (٢). وبناء على ما سبق فإن هذا الأصل تحته صور يسوغ للمجتهد أن ينظر فيها، وهي كما يلي: ١ - أن تكون هذه المسألة مما ليس فيها نص قاطع ولا إجماع. ٢ - أن يكون ما ورد فيها من أدلة محتملًا قابلًا للتأويل، أو النصوص فيه متعارضة في الظاهر، وتحتاج إلى جمع أو ترجيح. ٣ - أن تكون المسألة مترددة بين طرفين وضح في كل واحد منهما مقصد الشارع في

стр. 251

الإثبات، والنفي في الآخر. ٤ - ألا تكون المسألة المجتهَد فيها من مسائل أصول الاعتقاد؛ فإن الخلاف في هذه المسائل لا يسوغ، وينكر فيها على المخالف لعقيدة الصحابة والسلف. وبالجملة فإن من شروط المجتهد والاجتهاد المعتبر أن يتعلق بمَحالِّه، وهذا لا يتأتى إلا بأن يعرف المجتهد مواطن الإجماع والاختلاف. وقد قال قتادة ﵀ (١): "من لم يعرف الاختلاف لم يشمَّ أنفه الفقه" (٢). وعن هشام بن عبيد الله الرازي ﵀ (٣): "من لم يعرف اختلاف القراءة فليس بقارئ، ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه" (٤). وعن عطاء ﵀ (٥) قال: "لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالمًا باختلاف الناس؛ فإنه إن لم يكن كذلك ردَّ من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه" (٦). والأصل أن المجتهد لا ينشئ الأحكام من تلقاء نفسه، وإنما يكشف عنها، ومهمته حراسة الأحكام الشرعية من أن تضيع أو تُبدَّل أو تُحرَّف، وليس له حقُّ التشريع؛ إذ هو

стр. 252

حق خالص لله تعالى، "فالحاكم هو من صدر عنه الخطاب، وهو الله تعالى، فهو الذي يشرع الحكم وينشئه، وعمل الرسول ﷺ هو تبليغ هذا الحكم إلى الناس، وعمل المجتهدين من بعده هو اقتباس هذا الحكم من الأدلة التي نصبها الشارع لمعرفته" (١). الفرع الثالث: حكم الاجتهاد في نوازل الأقليات: الأصل أنه لا تخلو نازلة عن حكم شرعي لله تعالى بالكلية على ما هو مذهب جمهور الأصوليين (٢). فإن قيل: إن النصوص الشرعية متناهية محصورة، والوقائع والنوازل ليست كذلك؛ فالجواب: أن النصوص تشتمل على أحكام الوقائع والنوازل إمَّا نصًّا أو استنباطًا، ثم إن الأحكام الشرعية تتردد بين طرفين: أحدهما: محصور، والآخر: غير محصور، فإذا كانت المسألة واقعة في القسم المنحصر فبها ونعمت، وإلا رُدَّتْ إلى ما لا ينحصر. ومن أمثلة ذلك: أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما ورد بتحريمه دليل، كما أن الأصل في الأشياء الطهارة إلا ما ورد بنجاسته دليل، فإذا وجدت عين لم يَرِدْ ما يدل على حرمة الانتفاع بها (وهي أشياء محصورة) فالأصل أنها مباحة، فإن وجد دليل يدل على نجاستها (وهي أعيان محصورة) وإلا فهي طاهرة. كما أن النوازل والمستجدات لم تزل منذ عهد الصحابة ﵃ إلى يوم الناس هذا، ودأبُ أهل العلم فيها: بيانُ أحكامها الشرعية اجتهادًا واستنباطًا من النصوص الشرعية، وفي هذا البيان أعظم برهان على اكتمال الدين وصلاحية التشريع لكل زمان ومكان.

стр. 253

ومع تقرير أن الاجتهاد مشروع بشروطه، وقد يكون فرضًا كفائيًّا أو عينيًّا، إلا أن خلافًا قد جرى بين الأئمة حول حكم الاجتهاد في النوازل المستجدة من كل وجه، والتي لم يسبق فيها قول لإمام، أو يعرف فيها قول لعالم أو حاكم. وجمهور الفقهاء والأصوليين على مشروعية الاجتهاد في هذه النوازل، وتسويد الفتاوي فيها بعد تحريرها وضبطها، وذلك استنادًا للشرع والعقل والواقع، فإن النصوص التي تفتح باب الاجتهاد وتُعَيِّنُ عليه الأجور الكثيرة لا تقيده بسبق اجتهاد فيها، كما أن العقل يقضي بأنه عند نزول النوازل المستجدة من كل وجه لا بد أن يتصدى أرباب العلم والحلم لها، وإلا انساق الناس وراء الهوى، وتعطلت منافع الشريعة الغراء وفُتِحَ باب للطعن في وفائها بحاجات البشر. قال الشاطبي: "الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة؛ ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، فلا بد من حدوث وقائع لا تكون منصوصًا على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك فإما أن يترك الناس فيها مع أهوائهم، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهو أيضًا اتباع للهوى، وذلك كله فساد" (١). والواقع يقرر وجود مسائل كثيرة غير منصوص على حكمها، ولم يسبق لأهل العلم فيها اجتهاد، ولا يُؤْثَر عنهم فيها شيء، مثل: أطفال الأنابيب، واستئجار الأرحام، والاستنساخ، وأحكام التجنس، والعمل السياسي في غير بلاد الإسلام، وكثير من صور المعاملات المالية المستحدثة ونحوها، ولكل زمان نوازله وأقضيته. فإن قيل: إن الإممام أحمد وغيره من أئمة الحديث نهوا عن القول في النوازل التي ليس للقائل

стр. 254

فيها سلف وإمام، كقول أحمد لبعض أصحابه: "إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام" (١). فالجواب: أن هذا القول محمول على طلب استفراغ الوسع في معرفة كلام الأئمة والفحص عن أقوالهم قبل الاجتهاد، مع لزوم الورع وخشية الله والتحري قبل الحكم على النازلة، ولا ينبغي أن يحمل هذا على التوقف في البحث عن حكم الله من قبل الفقهاء والمجتهدين؛ إذ الفرض على غير المجتهدين سؤال المجتهدين، والفرض على المجتهدين بذل الوسع والجهد لتحصيل ظن بحكم شرعي، وإذا ضاق الوقت واحتيج إلى العمل فلا بد من النظر والترجيح بشرط التأهل واكتمال الآلة، والإحاطة بجوانب النازلة. ومعلوم أن مجتهدي الحنابلة -فضلًا عن غيرهم- بحثوا مسائل ليس لهم فيها سلف، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رَحِمَهُمَا اللهُ، ولا مانع إذا بذل المجتهد وسعه في النازلة فلم يظهر له الحق، أو تكافأت لديه الأدلة، وعجز عن الترجيح أن يتوقف وأن يُحيل المسائل إلى من هو أعلم، ولا شك أن هذا يتأكد في النوازل؛ لعدم وجود اجتهاد من المجتهدين، وهو امتثال للنهي عن القول على الله بغير علم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]. وقد بوَّب البخاري في الصحيح باب: "ما كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْئَل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول: لا أدري، أو لم يُجب حتى يتنزل عليه الوحي" (٢). وقد سئل رسول الله ﷺ عن الروح فسكت حتى نزلت الآية (٣)، ولما استأذن مرثد

стр. 255

بن أبي مرثد النبي ﷺ لينكح امرأة بغيًّا يقال لها: "عناق". أمسك فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، حتى نزلت آية النور (١). وكان هذا شأن المجتهدين من الصحابة فمن بعدهم إذا سئلوا فلم يعلموا، سئل ابن عمر ﵄ عن مسألة، فقال: لا علم لي بها (٢)، والأدلة التي توجب على المجتهد سؤال غيره كثيرة معلومة، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ولما سأل شريح بن هانئ (٣) عائشة ﵂ عن المسح على الخفين قالت: ائتِ عليًّا فإنه كان أعلم بذلك مني -زاد في رواية: فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ - قال: فسألناه (٤). وقد ذكر ابن عبد البر عن جمهور أهل العلم أنهم كانوا يكرهون استعمال الرأي في الوقائع قبل أن تنزل، وتفريع الكلام عليها قبل أن تقع، وعدُّوا ذلك اشتغالًا بما لا ينفع (٥). ويستدل على هذا بالحديث الذي يرويه وهب بن عمرو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها فإنكم إن لا تعجلوها قبل نزولها لا ينفك المسلمون وفيهم

стр. 256

إذا هي نزلت من إذا قال وُفِّقَ وسُدِّدَ، وإنكم إن تعجلوها تختلف بكم الأهواء فتأخذوا هكذا وهكذا"، وأشار بين يديه وعلى يمينه وعن شماله (١). وهذا الحديث يدل بسياقه على شرطية نزول النازلة ووقوعها، وشرطية أهلية المجتهد لاستنباط حكمها، وهذا ما رجحه عدد من أهل العلم المعتبرين قديمًا وحديثًا (٢). وبناءً على ما سبق؛ فإن الأقليات المسلمة التي تعيش حالة اغتراب كاملة عن أوطان المسلمين، وفي أزمنة الغربة الثانية للدين، ويفشو في ديارهم الجهل ويقِلُّ العلم، وتُحْكَم بلادهم بقوانين وضعية لا ترقب فيهم إلًّا ولا ذمة، كل هذا في بحر لجيٍّ من الفتن، وتشتد عليهم المسائل النازلة، وتكثر فيهم الحوادث الواقعة، فيحيلونها إلى أهل العلم للاجتهاد، ومن ثم الإفتاء؛ فلا ينبغي التوقف عن بحث مسائلهم والاجتهاد في نوازلهم لخصوصية تلك النوازل من جهة، وخصوصية حال أصحابها من جهة أخرى، ولا يَقِلُّ حكم الاجتهاد في هذه الحالة عن فرض الكفاية، وقد يتعين هذا الفرض على المجتهدين المقيمين في تلك البلاد قبل البعيدين عنها.

стр. 257

المبحث الثاني أسباب وخصائص نوازل الأقليات المسلمة لا شك أن هناك أسبابًا عامة للنوازل في المجتمعات بعامة، كما أن هناك خصوصية للأقليات المسلمة تؤدي إلى وقوع نوازل بسبب وضع تلك الأقليات وظروفها. وفيما يلي بيان لأهم تلك الأسباب: أولًا: الإقامة في غير ديار الإسلام: تقرر عند الفقهاء أن الدار التي لا تعلوها أحكام المسلمين، ولا يحكمها مسلمون لا تكون دار إسلام (١)، ووجود المسلم بدار لا تحتكم إلى الإسلام ولا تقيم لشريعته وزنًا يترتب عليه نوازل كثيرة جدًّا، تتعلق بأبواب من الفقه والعقيدة على حدًّ سواء، وتبدأ هذه النوازل من حكم الإقامة المستمرة أو الطارئة، وتمرُّ بمسألة حكم الهجرة والتجنس بجنسية تلك الدول، أو الحصول على حق اللجوء السياسي، وما يترتب على ذلك من خضوع المسلم للحكم بغير شريعة الله، والتحاكم إلى غير ما أنزل الله، وما يترتب على ذلك من تولي الوظائف العامة في تلك الدول، والدخول في طاعة حكامها، ثم ما يترتب على مخالطة غير المسلمين من مسائل تتعلق بالولاء والبراء، وما يرتبط بذلك من أحكام مشاركتهم في احتفالاتهم الدينية، أو التشبه بهم في عاداتهم الدنيوية، وغير ذلك. كما تظهر نوازل فقهية كثيرة تتعلق بأبواب الفقه عامة، مثل: ما يتعلق بالطهارة

стр. 258

وأحكامها، والصلاة ومواقيتها في البلاد التي يقل فيها النهار أو الليل بشكل ملحوظ، وحكم أدائها في الطائرات والمركبات الفضائية، وحكم دفن المسلم في غير مقابر المسلمين، وعلى طريقة غير المسلمين، وحكم صيام أهل القطبين، ومن يطول نهارهم أو يقصر جدًّا، وحكم دفع الزكاة لإنشاء الأعمال الإسلامية كالمراكز والجمعيات الخيرية، وحكم دفعها لغير المسلمين، ونحو ذلك، كما يشيع في تلك البلاد التعامل بالربا حتى لا يكاد يُعرف سواه، ويُلزم المقيمون بالتأمين والضرائب الباهظة، وتشيع أنواع من البيوع الفاسدة، والإجارات المحرمة شرعًا المباحة قانونًا، فماذا يفعل المسلم المقيم حيال ذلك كله؟ وإذا احتاج المسلم إلى الزواج من غير مسلمة في تلك الدول فما حكم ذلك؟ وما حكم النكاح المؤقت هناك بغية الحصول على إقامة؟ أو ما حكم إجراء زواج صوري بقصد الحصول على جنسية؟ وهل يشرع أن يُحْتَكَمَ إلى قاضٍ غير مسلم إذا نشب نزاع بين زوجين مسلمين، وهل ينفذ قضاؤه بالتفريق؟ وما مدى ولاية المراكز الإسلامية في ديار غير المسلمين على المسلمين هناك في مسائل الطلاق والتفريق بين الأزواج؟ وكيف تعمل امرأة أسلمت وزوجها على دينه، وإذا لم يوجد مسلم من ذويها فمن يزوجها إذا أرادت الزواج؟ وما حكم التعدد في بلاد يمنع قانونها التعدد؟ وهل يجري التوارث بين مسلم وغيره؟ وماذا يفعل المسلم في أطعمة لا يدري حِلَّها من حرمتها حيث يشيع في طعامهم المحرمات والنجاسات، كما أنهم لا يتقيدون بالشروط الشرعية في الذكاة، إلى آخر هذه النوازل المترتبة على إقامة المسلم في بلاد لا تحكِّم الإسلام، ولا تحتكم إليه؟ ومما يلحق بذلك ويدخل فيه دخولًا أوليًّا: ما وقع في بلادهم -وبلادنا أيضًا- من التوسع في الملذات، من المطاعم والمساكن، والمراكب، والملابس، والانشغال بالملاهي، والاستكثار من ذلك كله، وما يترتب عليه من المخالفات والمعاصي والسيئات، والتي قد يجمعها اسم الفجور، كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀: تحدث للناس أقضية

стр. 259

بقدر ما أحدثوا من الفجور (١). ثانيًا: التقدم العلمي والتقني: لقد شهد هذا العصر الحديث الثورة الصناعية والتقنية والمعلوماتية الهائلة، والتي ترتب عليها من نوازل الفقه الشيء الكثير، بحيث استفاد الناس في حياتهم من هذه المعطيات فائدة ضخمة، وقد ترتب على ذلك بعض المفاسد والمخالفات، ووقعت مستجدات تنتظر مواكبة الفقه لها وملاحقته إياها بالأحكام الصحيحة والدقيقة، والباحث في المستجدات في العبادات والمعاملات والمسائل الطبية والأسرية والسياسية يجد هذه النوازل بالمئات، ولا شك أن حظ تلك البلاد المتقدمة صناعيًّا من تلك المسائل والنوازل أكبر من غيرها. كما أن وطأة هذه المستجدات أشدُّ على الأقلية المسلمة التي تُشد إلى دينها برباط وثيق تنتظر أحكام الفقهاء في هذه المسائل لتعايش عصرها ولتتقي ربَّها. ثالثًا: الحرب الفكرية والثقافية والعسكرية ضد الإسلام وأهله: لا شك أن الخلفية الفكرية والثقافية لدى مجتمعات الأكثرية عن الإسلام وأهله قد ولَّدت حروبًا ضارية على المستويين الفكري والعسكري، وليس هذا في العصر الحديث فحسب، بل جذوره تمتد إلى الحروب الصليبية قبل نحو ألف عام، كما يقول الأب أربان الثاني مفجر الحروب الصليبية: "أيها الجنود المسيحيُّون. . . اذهبوا وخلِّصوا البلاد المقدسة، من أيدي الأشرار، واذهبوا واغسلوا أيديكم بدماء أولئك المسلمين الكفار" (٢). ومع أن البون الزمني شاسع بين أربان الثاني، وبنديكت السادس عشر إلا أن المنطق واحد يكاد يتطابق، قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾

стр. 260

[آل عمران: ١١٨]. إن هذه الحرب الثقافية الفكرية، قد ألقت كثيرًا من الشبهات تتعلق بأصل الدين عند أبناء الأقليات المسلمة، لا سيما أولئك الذين ولدوا في تلك الديار، ولم يروا بلاد المسلمين، ولم يعيشوا فيها وفي ظل الحروب الدمويَّة المعاصرة، والتي تجري رحاها على أرض العراق وأفغانستان والسودان والبوسنة وكوسوفا وغيرها -يأتي السؤال من أبناء تلك الأقليات المسلمة عن حكم الانخراط في المؤسسات العسكرية في ديار المخالفين، وحكم التجنيد الإجباري لديهم وما علاقة ذلك بموالاة الكافرين، ونحو ذلك من نوازل مستجدة. رابعًا: ضعف أوضاع الأقليات المسلمة: إن الإسلام في خارج دياره يكاد يحكم على أهله بأنهم أقلية مستضعفة مطلقًا، فمع أن تعداد المسلمين في الهند يبلغ (٢٠٠) مليون مسلم إلا أنهم يُعَدُّون أقلية وسط الأغلبية غير المسلمة، فهم أقلية مستضعفة، ومن عجب أيضًا أن المسلمين في جمهورية البوسنة والهرسك يمثلون أكثرية حيث يبلغ تعدادهم خمسة ملايين نسمة، إلا أنهم أقلية من حيث الاستضعاف وحكمهم بأقلية صربية وكرواتية حاكمة لا تدين بالإسلام (١). بما يعني وقوع استضعاف حقيقي للمسلمين أكثرية أحيانًا وأقلية في أغلب الأحايين، وهذا الاستضعاف كما يعبر عنه بشكل ما بصورة عددية -وإن كانت غير معبرة- فإنه يعبر عنه بصورة سياسية، بحيث يظهر بجلاء في أحايين كثيرة عزل الأقلية المسلمة -سواء أكانت أقل أم أكثر عددًا- عن حقوقها كما هو الحال في بلادٍ إفريقية كثيرة (مثل: أريتريا وأثيوبيا) حيث تقوم الطوائف المسيحية التي تمثل أقلية عددية بالسيطرة السياسية والاقتصادية

стр. 261

على الاكثرية المسلمة. ويلاحظ أيضًا أن هذا الاستضعاف يتمثل في حرمان الأقلية المسلمة في أحايين كثيرة من التكتُّل جغرافيًّا؛ لما قد يترتب عليه من الاستقواء السياسي، كما وقع في جنوب الفلبين في جبهة تحرير مورو، وتركز أكثر من عشرة ملايين مسلم جنوب تايلاند في "فطاني". ومع هذا الضعف السياسي تنشأ مظاهر أسوأ من الضعف حين يجبر المسلم هناك أن يساهم في ميزانية الكنائس بإعطائها نسبة معينة من ماله، وإجبار أولاده على تعلم غير دينه واحترام غير عقيدته وذلك في المدارس الرسمية العامة (١). ومثل هذا الضعف السياسي يفتح بابًا لنوازل كثيرة، مثل: حكم الاشتراك في الأحزاب السياسية في ديار المخالفين، وحكم التحالف مع تلك الأحزاب، وحكم الترشيح والمشاركة في الانتخابات، وما هي المخارج السياسية في تلك البلاد؟ ومع ضعف الأحوال الاقتصادية للمسلمين في تلك الديار تأتي نوازل تتعلق بالاقتراض بالربا لشراء المساكن، وأحكام التأمين، وأنواع من المعاملات المستحدثة، ومن أحكام أخرى تتعلق بالإرث والوصيَّة والوقف بين المسلمين وغيرهم. ومع ضعف العناية بالعلم الشرعي المؤصل من جهة، وضعف التواصل مع ديار الإسلام من جهة أخرى، تتداعى النوازل وتكثر من كل حدب وصوب!

стр. 262

المبحث الثالث المقاصد الشرعية لفقه نوازل الأقليات المسلمة لا شك أن الشريعة جاءت لحِكَم وأسرار، وارتبطت أحكامها بعلل تحقق مصالح العباد في العاجل والآجل، علم ذلك من علمه وجهله من جهله، وقد هدى الله بنور الإيمان والتوفيق إلى ذلك طائفةً من علماء الأمة بحثوا في ذلك وقرروه وأصَّلوه، وبرهنوا عليه باستقراء النصوص والأحكام، وفي مقدمة هؤلاء: الإمام الشاطبي الذي اهتم بإثبات مقاصدها وإظهارها بالبرهان القاطع، واهتم آخرون بتعريفها من أمثال: محمد الطاهر ابن عاشور، وعلال الفاسي، فيقول الأخير معرِّفًا المقاصدَ تعريفًا موجزًا: "المراد بمقاصد الشريعة: الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها" (١). ويقول أيضًا في موضع آخر: "المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعيش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها، وتدبير لمنافع الجميع" (٢). وأما الدكتور الريسوني فيعرفها بأنها: "الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد" (٣).

стр. 263

ويتوقف نيلُ المرء درجةَ الاجتهاد عند الإمام الشاطبي على ضرورة فهم مقاصد الشريعة على كمالها، وفي ذلك يقول: "إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها" (١). وإنما كان فهم المقاصد ضروريًّا لممارسة الاجتهاد؛ ذلك لأن معظم الزلات والانحرافات التي عرفها تاريخنا الإسلامي كانت ناتجة عن ابتعاد الناس عن ربط الأحكام بمقاصدها، وضعف إدراكهم الأسرار الإلهية لمختلف الأحكام الشرعية، مما أورث فهمًا معوجًّا لمعاني نصوص الكتاب والسنة، وتنزيلًا كليلًا في الواقعات المختلفة. "وإذا كان من المتفق عليه عند أهل العلم بالأصول والفقه أن كل حكم شرعي ينتظم أمورًا ثلاثة؛ هي: الوصف الظاهر المنضبط (العلة) (٢)، وما في الفعل من نفع أو ضرر (المصلحة)، وما يترتب على الفعل من جلب منفعة أو درء مفسدة (المقاصد)؛ فإن مقتضى هذا الخلوصُ إلى تقرير القول بأن المقاصد تمثل الغاية من التشريع، ويتوقف على حسن إدراكها الاعتداد بمدى مشروعية حكمٍ من عدمه، بل إن هذا يؤكد أن مشروعية التصرفات امتثالًا وامتناعًا تُستمد من مدى ما تتضمنه من جلبٍ للمنفعة أو درء للمفسدة، وبتعبير آخر: يعدُّ التصرف مشروعًا إذا تضمَّن جلبًا للمنفعة أو درءًا للمفسدة، ولا يكون مشروعًا إذا لم يتضمن أحد هذين الأمرين" (٣). وقد انتهى علماء المقاصد والأصول إلى أن المصالح الشرعية التي يسعى الشارع إلى إيجادها هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، كما سبقت الإشارة إليها.

стр. 264

وفيما يلي بيان لأهم المقاصد التي يُبنَى عليها فقه النوازل للأقليات المسلمة: أولًا: إقامة الدين بين الأقليات المسلمة: وهذا هو المقصد الأعظم لهذا الفقه، ألا وهو المحافظة على الحياة الدينية للأقليات المسلمة على مستوى الفرد والجماعة (١). قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. فلا بد من إقامة الدين، وترك التفرُّق فيه، وإقامة الدين تتضمَّن إقامةَ الضرورات والحاجات ورعاية التحسينيات. فلا مناص من تمكين هذه الأقليات من إقامة شعائر دينها والحفاظ على أصول عقيدتها، وجوهر شخصيتها المسلمة، سواء في ذلك الأفراد أو الجماعات، الرجال أو النساء، وسواء في ذلك الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. والأمر بإقامة الدين كما هو للأقليات فهو للأكثريات، لكن ربما كانت مقتضيات الإقامة والحفظ غير المقتضيات، وهو ما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار في هذا الأصل الموجه لمقاصد فقه الأقليات (٢). ولا شك أن منهج إقامة الدين في حياة الأقليات يجب أن يخضع لعلم واسع بالشرعيات وفقه مدقق في حال وواقع الأقليات، حتى تمارس الأقليات حقوقها الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية دون ضغط أو تنازلات.

стр. 265

ثانيًا: تبليغ رسالة الإسلام والدعوة إلى الله: من مقاصد هذا الدين في كل زمان ومكان دعوة الخلق إلى دين الحق، كما قال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [الحج: ٦٧]. وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٤]. والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به (١). والمسلم الذي يقيم بين ظهراني غير المسلمين عليه أن يتحمل تبعة هذه الإقامة، وينهض بمسئولياتها، وإذا كانت تلك الديار قد مهَّدت سبيل الإقامة فيها والتحرك داخلها للدعاة؛ لم يعد هناك عذر للتقاعد عن هذا الواجب العظيم، وهو من أعظم أنواع الجهاد. "ولما تعطل الجهاد بالسيف، ونشر كلمة التوحيد بالقوة وَجَبَ ألا يتعطل الجهاد باللسان، والتبليغ بالبيان والتعليم، وذلك لا يكون ولا يمكن إلا بالإقامة بينهم،. . . وهذا وحده كافٍ للمسلم في الترغيب في الإقامة في أوربا وأمريكا وغيرهما من بلاد الكفر، وهي أفضل له من الإقامة ببلاد المسلمين، كما قال الماوردي ﵀ (٢): وهذا معلوم في شريعتنا وديننا لا يحتاج إلى تقرير، بل ما بعث رسول الله ﷺ إلا ليدعو إلى دين الله تعالى وطاعته، وأمر أمته بذلك أيضًا، وقد أخبر ﷺ أن هذا الدين سيظهر ولا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا دخله.

стр. 266

وقد بدأ يظهر الآن مصداق هذا الحديث بسبب العمل الذي يقوم به المسلمون المقيمون في أوربا وأمريكا من الدعوة إلى دين الله تعالى، وتعريف الكفار بكلمة التوحيد الواجب على العبيد" (١). والمؤمن حين يقيم داعيًا إلى الله تعالى يعلم أنه مأمور بذلك ومكلف به من الله؛ فليس له أن يتخلَّف عن هذا الواجب، وليس له أن يقرَّ باطلًا أو يقرن الإسلام بغيره، أو أن يحاول التوفيق بين الإسلام والمناهج الباطلة، وليذكر دائما قول الله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]. "ويمكن توظيف هذا المقصد في حسم الخلاف في جواز إقامة مثل هذه الأقليات ببلاد الكفر، ومن ثم توظيفه في التماس الرخص والسهولة واللين لهذه الأقليات، ما دامت تضطلع بهذه المهمة النبيلة وتخدم هذا المقصد الشرعي" (٢). كما يتعين أن تتضمن دعوة الناس إلى الإسلام ترغيبًا يؤكد بمؤكدات عملية متعددة، منها: ١ - إن الإسلام يقيم علاقاته بالناس على أساس من الدعوة والتبشير بالحق، وليست هذه خصوصية عداء لشرق أو غرب، ولا موالاة لشرق دون غرب، وإنما ذلك يرد إلى الإيمان بالله ورسله؛ فالمؤمنون على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم أولياء بعض. ٢ - الفتح الإسلامي لا يصح ولا يصلح إلا بعد أن تقام الدعوة على وجهها، ولن تنسى ذاكرة التاريخ ما وقع في فتح سمرقند حين دخل القائد البلد فتحًا بغير دعوة

стр. 267

فاستعدى أهلُها عمرَ بن عبد العزيز، فأمر قاضيَهُ أن ينصفهم فحكم ببطلان الفتح، وأمر بإخراج الجيوش الفاتحة خارج سمرقند، حتى يُدْعَى أهلُها إلى الإسلام أولًا، وبالفعل خرجت الجيوش، وكان هذا سببًا في إسلام أهلها. ٣ - ومن المرغِّبات: موعدة الكافر بمغفرة ذنوبه إذا أسلم؛ لأن "الإسلام يهدم ما كان قبله" (١)، وعلى هذا فقد اتفق العلماء على قبول توبة الكافر. ٤ - ومنها أيضًا: إقراره على نكاحه إذا أسلم، من غير نظر في صحة عقوده السابقة، وإقراره على ما بيده من أموال وإن كان قد حصل عليها من طريق محرمة؛ لأن "الإسلام يهدم ما كان قبله". ٥ - إخباره بأن في الإسلام سهمًا مِن الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وإن كانوا أغنياء. ٦ - إقراره على الدخول في الإسلام ولو على شرط فاسد يشترطه، "وقال الإمام أحمد: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم يُلْزَمُ بشرائع الإسلام كلها، ومما استدل به على ذلك حديث: حكيم بن حزام في المسند: "بايعت رسول الله ﷺ على أن لا أخِرَّ إلا قائمًا" (٢)، قال أحمد: معناه أن يسجد من غير ركوع" (٣)، ونحو هذا مما يرغب في الدخول في الإسلام ويمهد السبيل لذلك.

стр. 268

وهذا على كل حال لا يتضمن إقرارًا لهم على باطل، وحسبنا أن يقال لهم: قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (١). كما لا يتضمن القيام بواجب الدعوة عدوانًا على أحد، أو اعتداءً على حرمة، بل البر والقسط هو أساس العلاقة بين المسلم والمسالم من غير المسلمين، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. ثالثًا: التيسير ورفع الحرج: التيسير ورفع الحرج مقصد أساس من مقاصد الشريعة الإسلامية، ذلك أن الشريعة المطهرة نفت عن المكلَّف العسر والمشقة بنصوصها وقواعدها ومقاصدها. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. بل إن ابن القيم يسجل ملحوظة دقيقة حين ينبه إلى أن الله تعالى ما سمى شريعته تكليفًا إلا في سياق نفي المشقة عن العباد، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. وفي الحديث: "إن الدين يسر. . . " (٢)، وقال ﷺ : "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا

стр. 269

تنفروا" (١). ومن مقاصد هذا الفقه الخاص بالأقليات: تيسير حياتها بإسلامها، ونفي الحرج عنها، ووضع الحلول العملية لمشكلاتها. مظاهر التيسير ومجالاته: لقد تعددت مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية، وتنوعت مجالاته، حتى صارت قاعدة: "المشقة تجلب التيسير" (٢) من القواعد التي تدخل كل أبواب الدين، وهذا بيان موجز لمظاهر التيسير ومجالاته: ١ - الرخص التي وضعها الله تعالى لأهل الأعذار: فبرغم أن الفرائض والواجبات جاءت من عند الله سهلة هينة، لا شدة فيها ولا آصار، إلا أن الحق تعالى -برحمته- جعل لأهل الأعذار رخصًا ترفع عنهم الحرج، وتميط عنهم العنت، فالمريض الذي لا يقدر على الصوم له أن يفطر ويقضي، وللمسافر أيضًا أن يقصر الصلاة الرباعية، وأن يجمع بين الصلاتين تقديمًا أو تأخيرًا، ومن لم يستطع أن يصلي قائمًا صلى قاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه ووجهه للقبلة، أو مستلقيًا على ظهره ورجلاه للقبلة، ومن افتقد الماء أو لم يقدر على استعماله فله أن يتيمم ويجزئه ذلك عن الوضوء وعن الغسل أيضًا؛ فيستبيح به الصلاة حتى يجد الماء أو يقدر على استعماله، والأعمى والأعرج والمريض لا حرج عليهم في التخلف عن الجهاد بنص القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].

стр. 270

٢ - إباحة المحظور عند الاضطرار: يقول الله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]، ويقول سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فقد دلت هاتان الآيتان على القاعدة التي قررها العلماء، وهي قاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات" (١). وهي قاعدة مجالاتها ممتدة لتشمل التكاليف كافة، وكذلك قاعدة: "لا واجب مع العجز، ولا حرام مع الضرورة" (٢). ٣ - أن الله تعالى رفع عن المكلفين الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه: قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقال رسول الله ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٣). ٤ - العذر بالجهل في كل ما ليس معلومًا من الدين بالضرورة: فكل من جهل حكمًا ليس معلومًا من دين الله بالضرورة يعذر بجهله لهذا الحكم؛ وذلك لأنَّ الله تعالى لا يجازي أحدًا حتى يقيم عليه الحجة الرسالية، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].

стр. 271

أما مجالات التيسير فهي كل ما خرج عن دائرة الثوابت القطعيات والمحكمات، فأغلب مسائل الاعتقاد، وأصول الفرائض، وأصول المحرمات، وأصول الفضائل والأخلاق، وغير ذلك -يعد من الثوابت المجمع عليها، والتي لا يصح أن يطرأ عليها التغيير؛ لذلك لا يعتريها التيسير، إنما التيسير يكون في موارد الاجتهاد، وما يمكن أن يطلق عليه مصطلح "المتغيرات". ومجال المتغيرات: الأمور الاجتهادية والأحكام التي ارتبط مناط الحكم فيها بالزمان والمكان والأحوال والعوائد، بما يحقق المصلحة الشرعية، والحِكَم المرعية، وكذا حال المستفتي قوةً وضعفًا، والقرائن المصاحبة للواقعة، قال ابن القيم: "الأحكام نوعان؛ نوع: لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة والأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المُقَدَّرة على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه، والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها؛ فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة" (١). فما كان من الأحكام من النوع الأول -الذي لا يتغير- فهو خارج عن مجال التيسير قطعًا، وما كان من الأحكام من النوع الثاني -المتغير- فهو من مجالات التيسير إذا توافر الدليل. رابعًا: التأصيل لفقه الجماعة في حياة الأقلية: إن من أهم مقاصد فقه نوازل الأقليات المسلمة هو أنه يسعى لترسيخ معنى الجماعة في حياة الأقلية، سواء في ذلك ما يتعلق بعباداتهم أو معاملاتهم أو علاقاتهم الداخلية أو الخارجية مع مجتمع الاكثرية، فالقضية لا تقف عند حدِّ الإجابة على سؤال أو أسئلة لدى

стр. 272

المسلم المغترب أو المقيم في بلاد غير المسلمين حولَ عبادة أو معاملة، وإنما هي محاولة لمعاونة هذه الأقلية على التحرك كمجموعة منظمة، تتسم بالمرونة والانفتاح المنضبط، دون عائق داخلي؛ وذلك ليتحقق حضورها وشهودها في الواقع الخارجي، وتعاملها مع الآخر بشكل إيجابي، يعطي إيجابية المحافظة وإيجابية الانفتاح بلا سلبيات، ويُحقق المعادلة الصعبة التي تقوم على الحفاظ على الهوية المسلمة للفرد والجماعة، مع الحرص على التواصل مع المجتمع والتأثير الإيجابي فيه. ومما تجدر ملاحظته أنه قد تقع للجماعة المسلمة حاجات وضرورات كما تقع للأفراد. "وأعتقد أن من المهم واللازم للفقيه لتكون فتواه عن بينة أن يهتم بالجماعة وضروراتها وحاجاتها المادية والمعنوية، الآنية والمستقبلية، وألا يغفل تأثير هذه الضرورات والحاجات في سير الجماعة وقوتها الاقتصادية، وتماسكها الاجتماعي، وسلوكها الأخلاقي، وتقدمها العلمي والثقافي، وقبل ذلك: هويتها الإيمانية" (١). ولا شك أن الجماعة في تلك المجتمعات هي الرحمة لهذه الأقليات في هجير الحياة التي لا تحكم بالإسلام، فهي تحيط بأفرادها؛ تعين ضعيفهم، وتشد من أزرهم، وتحقق معاني التكافل والكفاية. كما أن تقوية شأن الجماعة وتقوية شوكتها في بلاد الأقليات يعين على إبراز وإفراز أهل الحل والعقد لمجتمع الأقلية؛ وهم الذين تناط بهم واجبات الإمام عند فقده أو غيابه، ولا شك أن في نصوص الشرع المطهر ومقاصده ما يدل على أهمية هذا الفقه الجماعي بدءًا من الصلاة والصيام والحج، وانتهاءً بالجهاد، وإقامة الحدود وغير ذلك. والعناية بهذا الفقه الجماعي يثمر قواعد ينشأ عنها فلاح الجماعة الإسلامية في واقع

стр. 273

اغترابها خارج الوطن الإسلامي. (١). خامسًا: تجاوز فقه الترخيص إلى فقه العزائم: الأصل في الوجود الإسلامي خارج دياره أنه طارئ مؤقت بحاجات لا تلبث أن تزول، فيعود الأمر إلى نصابه، ويرجع المغترب إلى بلاده، كما كان الأصل السابق أن الإفتاء لأولئك المغتربين إنما هو فتيا لأفراد قليلين مبعثرين ومستضعفين. وما فتئ الزمان يدور حتى تغير الحال، فزالت تلك الحاجات وبقيت الأقليات في تلك البلاد لم تبرحها، ووجد من أهلها الأصليين من دخل في دين المسلمين، ولم يرغب عن بلاده وموطنه، وتكاثر الناس في جماعات وطوائف، وانتقل وجودهم من عارض طارئ وفردي إلى ثابت مستقرٍّ وجماعي. ولم يكن بدٌّ من تغير الفتيا بتغير الظروف والأحوال، واستقواء المستضعفين بأنواع منوعة من أسباب القوة المادية والمعنوية، فبدأ الفقه يتجاوز مرحلة الظروف الطارئة والاستثنائية في حياة الأقليات الإسلامية، وينتقل عبر مرحلة انتقالية إلى فقه يقوم على القواعد والأصول الأساسية، وينشئ بها فقهًا تأسيسيًّا على المستقر الثابت من الأحكام، ولتبقى دائرة الأحكام والفتيا في الأمور الطارئة والاستثنائية في تقلُّص دائم، وتراجع مستمر. وإذا كان المفتون في مرحلة سابقة أفرادًا مشتتين فقد غَدَوا منتظمين في مجامع فقهية، ومجالس علمية، تعنى بالشأن الفقهي الخاص بالأقليات ولا سيما في بلاد الغرب أوروبا وأمريكا. وإذا كانت السمة الغالبة على فقه المرحلة السابقة هو فقه الرخصة المبيحة، وفقه الضرورة الملجئة، والحاجة التي تنزل منزلة الضرورة؛ فإن فقه العزائم ينبغي أن يحلَّ في محله وأن يأخذ مكانه باستحداث أوضاع قارَّة، وأحوال تتمكن فيها الأقليات من ممارسة إسلامها ومتابعة أحكامها بشكل صحيح ومستقرٍّ.

стр. 274

"فإذا أفتى -مثلًا- على سبيل الترخيص بجواز القرض بالفائض من أجل شراء البيوت فإن ذلك يجب أن يكون استثناءً مقترنًا بوجوب أن يسعى المسلمون سعيًا حثيثًا إلى استحداث المؤسسات التي تُقرض على أساس غير ربوي" (١). ولا شك أن النظر في مآلات استمرار الفتيا على نحو من هذا الترخيص سيفضي إلى مآلات لا تحمد عقباها. وإذا كانت الجاليات غير المسلمة التي تعيش في تلك البلاد قد فرضت احترامًا لعقائدها ومقدساتها وأحكامها فإن على الطائفة المسلمة في تلك الديار أن تحقق مكتسباتها وأن تحرز انتصاراتها، ولا يسوغ أبدًا أن تستنيم لفقه ترخيصي أو تسويغي شدت إليه حاجة ملحة أو ضرورة ملجئة. ولا شك أنه مما يعين على تحقيق هذا المقصد المهم في حياة الأقليات: السعي إلى تكوين المؤسسات وتدشين الجهات والهيئات التي ترعى الأقليات في تلك البلاد وفي بلاد الإسلام على حد سواء. ووضع تصور واضح المعالم لمستقبل تلك الأقليات المسلمة في ديار غربتها؛ ليفضي بها إلى دفع غربتها في دينها وفي مجتمعاتها. وهذا إنما يمكن رسم معالمه وإنضاج شكله المستقبلي من خلال بحوث علمية ومداخلات فقهية استشرافية، وتأصيل منهجي، ومشاركة حضارية يثبت للمسلمين حقهم في الريادة والقيادة، واستحقاقهم للمشاركة في تنمية وهداية تلك المجتمعات.

стр. 275

الفَصل الثَالِثُ الأصول والقواعد الحاكمة لفقه نوازل الأقليات المبحث الأول: القواعد الأصولية والمقاصدية والفقهية والفرق بينها. المبحث الثاني: القواعد المتعلقة بالاجتهاد. المبحث الثالث: القواعد المتعلقة بالرخص والمشقات. المبحث الرابع: القواعد المتعلقة بالضرورات والحاجات. المبحث الخامس: القواعد المتعلقة بالمقاصد. المبحث السادس: القواعد المتعلقة بالتعارض والترجيح بين المصالح والمفاسد. المبحث السابع: القواعد المتعلقة بالمآلات. المبحث الثامن: القواعد المتعلقة بالعرف. المبحث التاسع: القواعد المتعلقة بالولاية والسياسة الشرعية.

стр. 276

تَمْهيد لا اختلاف على أنه من النوازل المعاصرة وجود أقليات مسلمة تقيم بصفة دائمة ومستمرة في بلاد لا تدين بالإسلام، ولا تعترف بسلطانه، وهذه حالة لم تكن معروفة من قبل، وما عرف منها في النادر الشاذ لم يكن بهذا الحجم ولا بهذا الشكل، وقد أصبحت هذه الأقليات تمثِّل وجودًا مهمًّا للإسلام في غير بلاده ودياره؛ إذ بممارستها لشعائر الإسلام تنتشر الدعوة الإسلامية، ويزداد دخول الناس في دين الله، وتتضح الصورة الحقيقيَّة للإسلام بما فيه من عدالة ورحمة وسعة، بل وأصبح يراود المسلمين في السنوات الأخيرة شعورٌ بالأمل في أن يكون لهذه الأقليات حضور فاعل أكبر وتأثير أكبر على مستوى القرارات العالمية؛ لينعكس ذلك إيجابيًّا على الإسلام وأهله. وغير خافٍ أن هذه الكيانات المسلمة تُعاني مشاكل كثيرة، تطرح بسببها أسئلة فقهيَّة كبيرة نابعة من واقعها الحضاري المعقد، ووضعها الاستثنائي في إطار مجتمع له تشريعاته وقوانينه التي لا تمتُّ إلى الإسلام بصلة، وهذه الأسئلة كثيرة ومتنوعة؛ بعضها يتعلق بالمعاملات المالية حيث يسود التعامل بالربا ويشرع، ويؤاجِر المسلم نفسه للكافر فيعمل معه في محلات تقدَّم فيها الأطعمة والأشربة المحرمة، وبعضها يتعلق بالأحوال الشخصية حيث قد يسلم أحد الزوجين وييقى الآخر كافرًا، إلى غير ذلك، وبعضها يتعلق بالمرجعية عند التنازع والخصام حيث تنفرد القوانين والمحاكم الوضعية بالمرجعية، فماذا يفعل هؤلاء المسلمون المستضعفون؟ "لو أن هذا الوضع حدث في طور ازدهار الاجتهاد الفقهي وتعدد المجتهدين وقدرتهم على الاستنباط من الكتاب والسنة وتأصيل الأحكام وتعليلها، لوجد الحلول المناسبة والإجابات الشافية، لكن مع الأسف حدث هذا الوضع في عصر الجمود والتقليد وضعف الاجتهاد وقلة أهله، فأصبح عبئًا ثقيلًا على الفقه الإسلامي؛ إذ لا تمكن معالجته من خلال تراثنا الفقهي، وإنما تمكن معالجته من أصول هذا الفقه وقواعده

стр. 277

ومقاصد الشريعة وأدلتها العامة، إذا وجد من يصلح لأن ينظر في ذلك ويستثمره" (١). ولا يخفى أن "أوضاع الأقلية المسلمة في ديار غير المسلمين يمكن أن توصف بأنها أوضاعُ ضرورةٍ بالمعنى العام للضرورة، الذي يشمل الحاجة والضرورة بالمعنى الخاص" (٢). ومما ينبغي التنبه له: أنه قد ذهب بعض المعاصرين إلى القول بأن هذا الفقه هو فقه جديد في مأخذه وتأصيله حيثما يقول أحد الباحثين: "وعلى كل حال فإن واقع هذه الأقليات الإسلامية -التي نرجو لها أن تكون أكثريات في القريب العاجل- لا بد أن ينظر بعين الاعتبار؛ إذ لا يمكن أن تعامل بما تعامل به المجتمعات التي تعيش في ظل دول إسلامية، وفي وطن إسلامي، مما يستدعي منَّا أن ننتج فقهًا جديدًا يُدعَى (فقه الأقليات الإسلامية) " (٣). ويقول باحث آخر: "والحق أن مشكلات الأقليات المسلمة لا يمكن أن تواجه إلا باجتهاد جديد، ينطلق من كليات القرآن الكريم، وغاياته، وقيمه العُليا، ومقاصد شريعته، ومنهاجه القويم، ويستنير بما صحَّ من سنة وسيرة الرسول ﷺ في تطبيقاته للقرآن وتنزيله لقِيَمِه وكلياته في واقع عصر النبوة؛ وذلك لبلورة منهجية التأسي بالنبي الخاتم ﷺ ، وجَعْلِ سنته محجةً بيضاءَ يستطيع المتقون التأسي بها واتباع منهجها في كل عصرٍ ومصر" (٤). ويزيد الأمر وضوحًا فيقول: "أما الفقه الموروث في مجال التنظير لعلاقة المسلمين بغيرهم فهو -على ثرائه وتنوعه وغناه وتشعبه- قد ارتبط أغلبه بالواقع التاريخي الذي أُنتج فيه، وصار جزءًا من ذلك الواقع بحيث يتعذر تطبيق جزئياته على أي واقع آخر

стр. 278

مغاير لذلك الواقع التاريخي نوعيًّا؛ ولذلك فلا بد من اعتباره سوابق فقهية يتم النظر فيها واستيعابها والعمل على تجاوزها بعد أخذ الدرس منها، والبناء على الأصول التي ساعدت فقهاء الأمة في الماضي على إنتاج ما أنتجوا. . . " (١). وبكل وضوح فإن هذا الاتجاه لا يخلو من مخاطرة أو مجازفة؛ ولهذا يرد فضيلة الدكتور عبد الله بن بيَّه على هذا الاتجاه فيقول: "ولا يعني ذلك إحداث فقه جديد خارج إطار الفقه الإسلامي ومرجعيته الكتاب والسنة، وما ينبني عليهما من الأدلة؛ كالإجماع، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، والعرف، والاستصحاب، إلى آخر قائمة الأدلة التي اعتمدها الأئمة في أقوالهم وآرائهم العديدة والمتنوعة والتي تمثل ثراءً وسعةً، فقضايا الأقليات قديمة بالجنس حديثة بالنوع" (٢). ويشير فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي إلى هذه المسألة بقوله: "إن (فقه الأقليات) المنشود لا يخرج عن كونه جزءًا من الفقه العام، ولكنه فقه له خصوصيته، وموضوعه، ومشكلاته المتميزة، وإن لم يعرفه فقهاؤنا السابقون بعنوان يميزه" (٣). ثم يقول: "فلماذا لا يكون عندنا (فقه الأقليات) كي يهتم بعلاج مشكلاتهم، والإجابة عن تساؤلاتهم، وإن كانت كل هذه الأنواع من الفقه لها جذور في فقهنا الإسلامي، ولكنها غير منظَّمة، وهي مجملة غير مفصَّلة، ناقصة غير مكتملة، مناسبة لعصرها وبيئتها؛ لأن هذه طبيعة الفقه، ولا يتصور من فقه عصر مضى أن يعالج قضايا عصر لم تنشأ عنده، ولم يخطر ببال أهله حدوثها" (٤). وهذا كله يؤكد بجلاء على أهمية العناية بالتأصيل والتنظير لهذا الفقه ووضع

стр. 279

قواعده وتأسيس بنيانه، مع رعاية الأصول الشرعية الحاكمة، والقواعد الضابطة لاستنباط الأحكام بشكل عام. وفي محاولة لتأصيل فقه النوازل للأقليات المسلمة يقول فضيلة الدكتور ابن بيَّه: "فقه الأقليات كسائر فروع الفقه، يرجع إلى مصدري الشريعة: الكتاب والسنة، إلا أنه عند التفصيل يرجع: أولًا: إلى كلِّيات الشريعة القاضية برفع الحرج، وتنزيل أحكام الحاجات على أحكام الضرورات، واعتبار عموم البلوى في العبادات والمعاملات، وتنزيل حكم تغير المكان على حكم تغير الزمان، ودرء المفاسد، وارتكاب أخف الضرين وأضعف الشَّرَّين، مما يسميه البعض فقه الموازنات والمصالح المعتبرة والمرسلة دون الملغاة. فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، كما يقول ابن القيم في إعلام الموقعين (١). وهي كليات شهدت الشريعة باعتبار جنسها فيما لا يحصر ولا يحصى من النصوص. ثانيًا: يرجع فقه الأقليات إلى نصوص جزئية تنطبق على قضايا وموضوعات ماثلة في ديار الأقليات، وتشاركهم في حكمها الأكثريات المسلمة. ثالثًا: يرجع فقه الأقليات إلى أصل خاص ببعض العلماء يعتبر حالة المسلمين في أرض غير المسلمين سببًا لسقوط بعض الأحكام الشرعية مما عرف بمسألة الدار التي نعبر عنها بحكم المكان، وهو منقول عن عمرو بن العاص من الصحابة، وعن أئمةٍ؛

стр. 280

كالنخعي (١)، والثوري (٢)، وأبي حنيفة، ومحمد، ورواية عن أحمد، وعبد الملك بن حبيب من المالكية (٣). وهو مؤصَّل من أحاديث؛ كالنهي عن إقامة الحدود في أرض العدو: أصله حديث أبي داود والترمذي وأحمد بإسناد قوي: "لا تقطع الأيدي في السفر" (٤)، ومرسل مكحول (٥): "لا ربا بين مسلم وحربي" (٦).

стр. 281

فانطلاقًا من هذه الأسس التي سنتوسع فيها، ومن الأدلة الإجمالية، والأدلة التفصيلية، وآراء أهل العلم؛ يكون اجتهاد العلماء ترجيحيًّا انتقائيًّا أو إبداعيًّا إنشائيًّا وإن كنت شخصيًّا أميل إلى النوع الأول، ولا أجسر على النوع الثاني إلا بشاهد -أي: بنوع من التخريج- لأن النوع الأول اختيار من أقوال العلماء لمصلحة اقتضت هذا الاختيار، أو لدرء مفسدة قد يؤدي إليها تطبيق القول المتروك، وبصفة أكثر دقة فسيكون الاجتهاد هنا على ثلاثة أضرب: ١ - اجتهاد جديد لإحداث قول في قضية جديدة قياسًا على المنصوص في الأصلين؛ الكتاب والسنة. ٢ - واجتهاد في تحقيق المناط، وهو اجتهاد لا ينقطع أبدًا، كما يقول الشاطبي؛ لأنه تطبيق للقاعدة المتفق عليها على واقع جديد تنطبق عليه هذه القاعدة، وليس كالاجتهاد الأول الذي يختص به المجتهدون، بل يستوي فيه المجتهد والمقلد. ٣ - أما النوع الثالث فهو اجتهاد ترجيحي وهو اختيار قول قد يكون مرجوحًا في وقت من الأوقات؛ إما لضعف المستند -وليس لانعدامه- فيختاره العلماء لمصلحة اقتضت ذلك، وهذا ما يسمى عند المالكية "جريان العمل"؛ فلهذا، فتسليط الأنواع الثلاثة

стр. 282

للاجتهاد يكون في ضوء العناصر الثلاثة التي تحكم الفتوى وهي: واقع الأقلية، والأدلة الإجمالية، والأدلة التفصيلية. من كل ذلك تنشأ الفتوى في جدليَّةٍ وتداخل وتكامل وتفاعل ينتج منه توازن بين الدليل والواقع يضبط به الفقيه طبيعة الفتوى ويرى به الحكم من خلال مرتبة الحاجة، ومرتبة الدليل، ومرتبة الحكم، وكذلك من خلال التعامل بين الكلي والجزئي، وهو تعامل دقيق لا يجوز فيه إهمال أي منهما، بل يعطى كل منهما قدر ما يستحق من الحكم؛ ولهذا أصَّل المالكية لما سموه بالقاعدة البينية، وهي إعطاء قضية واحدة ذات وجهين حكمين مختلفين باعتبار وجود دليلين. وسترى هذه الأنواع من الاجتهاد من خلال مطالعة مشهد أوضاع الأقليات فيما يتعلق بأنكحتهم ومعاملاتهم المالية وعوائدهم في الأكل واللباس، وفي التعامل مع الناس، في تهاني الأفراح والتعازي في الأحزان والأتراح، في الانخراط في الأحزاب والترشح والانتخاب. . . إلى آخر القائمة. فالأقليات تواجه تحديات عنيدة على مستوى الفرد الذي يعيش وسط بيئة لها فلسفتها الماديَّة التي لا مجال فيها للوازع الديني، وعلى مستوى الأسرة التي تحاول التماسك في خضمِّ مجتمع تفككت فيه الروابط الأسريَّة، واستحالت فيه العلاقة الزوجية بين الزوجين، والأبوية بين الأبناء والأبوين، إلى علاقة غير قائمة على أسس من القوامة الإيجابية. أما على مستوى المجتمع المسلم الصغير الذي يساكن هذه المجتمعات، فهو مبعثر لا ينتظمه ناظم، ولا يجمع شتاته جامع، فالتحدِّيات تطاول العقيدة التي نعني بها: أن يكون المرء مسلمًا مؤمنًا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وليس بالضرورة أشعريًّا ولا سلفيًّا ولا معتزليًّا وغير ذلك من التفسيرات التي تشوِّش على العامِّي. ولعل العقيدة التي كتبها محمد بن أبي زيد القيرواني في صدر "الرسالة" والتي ترجع إلى نصوص الكتاب والسنة لا يختلف عليها طوائف أهل السنة، هي أفضل شيء يتعلمه المسلمون في المهاجر؛ لبساطتها وسلامتها من الجدل والتشويش.

стр. 283

كما تُطَاول ممارسة العبادة مع ما يتطلبه من تكوين الجماعة المسلمة والمؤسسات الإسلامية من مساجد ومدارس ومراكز. كما تطاول العلاقة بالآخر، وإيجاد وسائل التعايش التي تجنِّب المسلم الذوبان الثقافي، وكذلك تحرسه من التقوقع والعزلة؛ ليصبح في النهاية عضوًا فعَّالًا في المجتمع مُمكَّنًا، أسوة بنبي الله يوسف ﵇ عندما خاطب ملك مصر بقوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. كل ذلك يحتاج إلى فقه نفس يوازن بين الدليل وبين الواقع، مع ورع لا تشوبه وسوسة، وجسارة لا ينغِّصها تهتك ولا جرأة" (١). وقد حاول الشيخ أن يجمع تلك الأصول نظمًا قائلًا: عُقُوْدُ المُسْلِمِينَ بِدَارِ غَرْبٍ ... تَجَاذَبُهَا المَقَاصِدُ وَالْفُرُوعُ وَمِيْزَانُ الْفَقِيهِ يَجُورُ طَوْرًا ... إلى طَرَفٍ فَيُفْرِطُ أَوْ يَضِيْعُ فِفِي الْجُزْئِيِّ ضِيْقٌ وَانْحِصَارٌ ... وَفِي الكُلِّيِّ مُنفَسَحٌ وَسِيْعُ وَنُوْرُ الْحَقِّ مَصْلَحَةٌ تُوَازَى ... بِجُزْئِيِّ النُّصُوصِ لَهُ سُطُوْعُ مَآلَاتُ الْأُمُورِ لَهَا اعْتِبَارٌ ... وحَاجِيُّ الضَّرُوْرَةِ قَدْ يُطِيْعُ فَزِنْ هَذَا بِذَاكَ وَذَا بِهَذَا ... يَكُنْ في الْقَيْسِ مَنْهَجُكَ الْبَدِيْعُ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أمْرًا فَدَعْهُ ... وَجَاوِزْهُ إِلَىَ مَا تَسْتَطِيْعُ (٢)

стр. 284

المبحث الأول القواعد الأصولية والمقاصدية والفقهية والفرق بينهما . غنيٌّ عن البيان أن ثمة قواعد أصولية ومقاصدية وفقهية اشتملت عليها مدونة أصول الفقه والقواعد الفقهية، وهي ذات فوائد اجتهادية كبيرة في النظر الفقهي المتعلق بأحوال الأقليات المسلمة وأوضاعها، ولكن لما كانت أحوال الأقليات المسلمة وأوضاعها لم تحظَ بالاهتمام بالنظر الفقهي الاجتهادي إلا قليلًا وذلك بالنسبة لسائر مجالات الفقه العام؛ فإن تلك القواعد الفقهية والأصولية لم يكن استخدامها في الاجتهاد الفقهي بصفة عامة، وفي الاجتهاد لتأصيل فقه الأقليات بصفة خاصة إلا استخدامًا محدودًا، "فظلت لذلك السبب قواعدَ مغمورةً ضعيفةً في أثرها الفقهي، غير نضيجة على التقرير والتحرير والترتيب، وذلك بالرغم من أنها تنطوي على طاقة منهجية اجتهادية كبيرة في مجال فقه الأقليات على وجه الخصوص" (١). والمقصود البحث والتفتيش عن تلك القواعد الفقهية والأصولية التي تتعلق بفقه ونوازل الأقليات، لتُدرس بعناية خاصة، واهتمام بحثي مستقل، وفقًا للمقاصد الشرعية لفقه الأقليات، والتي تعتمد على إقامة الدين بين الأقليات، والعمل على تبليغ رسالة الإسلام وتوطين الدعوة إلى الله، وتأصيل فقه الجماعة في حياة الأقليات المسلمة والتأسيس لفقه مستقر، كل ذلك في إطار من التيسير الشرعي المنضبط ورفع الحرج،

стр. 285

بحيث يُستثمر ذلك كله لإبراز قواعدَ شرعيةٍ متميزة يبنى عليها فقه الأقليات، بحيث تخرج في نسق مجموع يمهد لشرحها شرحًا يكشف عن مكنوناتها وتطبيقاتها المتعددة في ساحة نوازل الأقليات المسلمة، لتأتي بعد ذلك عملية استخراج ضوابط خاصة بمعالجة أحوال الأقليات المسلمة، على غرار عمل الفقهاء في صياغة ضوابط أصولية أو فقهية خاصة بباب بعينه أو مجال بخصوصه. وبطبيعة الحال فإنه لا حرج من استعمال بعض تلك القواعد بصيغتها التي هي عليها، أو إعادة الصياغة بما يحمل معاني ومقاصد فقه الأقليات المسلمة، مع ملاحظة الفروق التي قد تَدِقُّ بين مقاصد الشارع الحكيم وبين مقاصد المكلفين، وغني عن البيان أن عملًا كهذا يحتاج إلى ذهنيةٍ علمية عميقة، وعقلية أصولية دقيقة، وسياج من تقوى الله ، واجتهاد معتبر. وفيما يأتي محاولة لرصد بعض تلك القواعد المستمدة من منظومة أصول الأحكام والتي يمكن أن تشكل نواة لتلك القواعد الأصولية المقاصدية الفقهية التي يبنى عليها صرح فقه نوازل الأقليات المسلمة. وجدير بالذكر أن بعض تلك القواعد التي ستَرِدُ، منها: ما هو متمحض في علم أصول الفقه، ومنها: ما يتعلق بأصول الدين والفقه معًا، وأما: ما هو مشترك بين أصول الفقه ومقاصد التشريع وقواعد الفقه، فإننا نختار ما هو الأنسب بالنسبة للأصول فنقدمه، ثم نردف بما هو الأقرب للقواعد الفقهية فيأتي تاليًا بعد القواعد الأصولية المتعلقة بنفس الموضوع. وسوف تُصاغ هذه القواعد في مجموعات موضوعية ضبطًا لها وتسهيلًا لدراستها.
следующие страницы →