فانطلاقًا من هذه الأسس التي سنتوسع فيها، ومن الأدلة الإجمالية، والأدلة التفصيلية، وآراء أهل العلم؛ يكون اجتهاد العلماء ترجيحيًّا انتقائيًّا أو إبداعيًّا إنشائيًّا وإن كنت شخصيًّا أميل إلى النوع الأول، ولا أجسر على النوع الثاني إلا بشاهد -أي: بنوع من التخريج- لأن النوع الأول اختيار من أقوال العلماء لمصلحة اقتضت هذا الاختيار، أو لدرء مفسدة قد يؤدي إليها تطبيق القول المتروك، وبصفة أكثر دقة فسيكون الاجتهاد هنا على ثلاثة أضرب:
١ - اجتهاد جديد لإحداث قول في قضية جديدة قياسًا على المنصوص في الأصلين؛ الكتاب والسنة.
٢ - واجتهاد في تحقيق المناط، وهو اجتهاد لا ينقطع أبدًا، كما يقول الشاطبي؛ لأنه تطبيق للقاعدة المتفق عليها على واقع جديد تنطبق عليه هذه القاعدة، وليس كالاجتهاد الأول الذي يختص به المجتهدون، بل يستوي فيه المجتهد والمقلد.
٣ - أما النوع الثالث فهو اجتهاد ترجيحي وهو اختيار قول قد يكون مرجوحًا في وقت من الأوقات؛ إما لضعف المستند -وليس لانعدامه- فيختاره العلماء لمصلحة اقتضت ذلك، وهذا ما يسمى عند المالكية "جريان العمل"؛ فلهذا، فتسليط الأنواع الثلاثة
стр. 282
للاجتهاد يكون في ضوء العناصر الثلاثة التي تحكم الفتوى وهي: واقع الأقلية، والأدلة الإجمالية، والأدلة التفصيلية.
من كل ذلك تنشأ الفتوى في جدليَّةٍ وتداخل وتكامل وتفاعل ينتج منه توازن بين الدليل والواقع يضبط به الفقيه طبيعة الفتوى ويرى به الحكم من خلال مرتبة الحاجة، ومرتبة الدليل، ومرتبة الحكم، وكذلك من خلال التعامل بين الكلي والجزئي، وهو تعامل دقيق لا يجوز فيه إهمال أي منهما، بل يعطى كل منهما قدر ما يستحق من الحكم؛ ولهذا أصَّل المالكية لما سموه بالقاعدة البينية، وهي إعطاء قضية واحدة ذات وجهين حكمين مختلفين باعتبار وجود دليلين.
وسترى هذه الأنواع من الاجتهاد من خلال مطالعة مشهد أوضاع الأقليات فيما يتعلق بأنكحتهم ومعاملاتهم المالية وعوائدهم في الأكل واللباس، وفي التعامل مع الناس، في تهاني الأفراح والتعازي في الأحزان والأتراح، في الانخراط في الأحزاب والترشح والانتخاب. . . إلى آخر القائمة.
فالأقليات تواجه تحديات عنيدة على مستوى الفرد الذي يعيش وسط بيئة لها فلسفتها الماديَّة التي لا مجال فيها للوازع الديني، وعلى مستوى الأسرة التي تحاول التماسك في خضمِّ مجتمع تفككت فيه الروابط الأسريَّة، واستحالت فيه العلاقة الزوجية بين الزوجين، والأبوية بين الأبناء والأبوين، إلى علاقة غير قائمة على أسس من القوامة الإيجابية.
أما على مستوى المجتمع المسلم الصغير الذي يساكن هذه المجتمعات، فهو مبعثر لا ينتظمه ناظم، ولا يجمع شتاته جامع، فالتحدِّيات تطاول العقيدة التي نعني بها: أن يكون المرء مسلمًا مؤمنًا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وليس بالضرورة أشعريًّا ولا سلفيًّا ولا معتزليًّا وغير ذلك من التفسيرات التي تشوِّش على العامِّي.
ولعل العقيدة التي كتبها محمد بن أبي زيد القيرواني في صدر "الرسالة" والتي ترجع إلى نصوص الكتاب والسنة لا يختلف عليها طوائف أهل السنة، هي أفضل شيء يتعلمه المسلمون في المهاجر؛ لبساطتها وسلامتها من الجدل والتشويش.
стр. 283
كما تُطَاول ممارسة العبادة مع ما يتطلبه من تكوين الجماعة المسلمة والمؤسسات الإسلامية من مساجد ومدارس ومراكز.
كما تطاول العلاقة بالآخر، وإيجاد وسائل التعايش التي تجنِّب المسلم الذوبان الثقافي، وكذلك تحرسه من التقوقع والعزلة؛ ليصبح في النهاية عضوًا فعَّالًا في المجتمع مُمكَّنًا، أسوة بنبي الله يوسف ﵇ عندما خاطب ملك مصر بقوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].
كل ذلك يحتاج إلى فقه نفس يوازن بين الدليل وبين الواقع، مع ورع لا تشوبه وسوسة، وجسارة لا ينغِّصها تهتك ولا جرأة" (١).
وقد حاول الشيخ أن يجمع تلك الأصول نظمًا قائلًا:
عُقُوْدُ المُسْلِمِينَ بِدَارِ غَرْبٍ ... تَجَاذَبُهَا المَقَاصِدُ وَالْفُرُوعُ
وَمِيْزَانُ الْفَقِيهِ يَجُورُ طَوْرًا ... إلى طَرَفٍ فَيُفْرِطُ أَوْ يَضِيْعُ
فِفِي الْجُزْئِيِّ ضِيْقٌ وَانْحِصَارٌ ... وَفِي الكُلِّيِّ مُنفَسَحٌ وَسِيْعُ
وَنُوْرُ الْحَقِّ مَصْلَحَةٌ تُوَازَى ... بِجُزْئِيِّ النُّصُوصِ لَهُ سُطُوْعُ
مَآلَاتُ الْأُمُورِ لَهَا اعْتِبَارٌ ... وحَاجِيُّ الضَّرُوْرَةِ قَدْ يُطِيْعُ
فَزِنْ هَذَا بِذَاكَ وَذَا بِهَذَا ... يَكُنْ في الْقَيْسِ مَنْهَجُكَ الْبَدِيْعُ
فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أمْرًا فَدَعْهُ ... وَجَاوِزْهُ إِلَىَ مَا تَسْتَطِيْعُ (٢)
стр. 284
المبحث الأول
القواعد الأصولية والمقاصدية والفقهية والفرق بينهما .
غنيٌّ عن البيان أن ثمة قواعد أصولية ومقاصدية وفقهية اشتملت عليها مدونة أصول الفقه والقواعد الفقهية، وهي ذات فوائد اجتهادية كبيرة في النظر الفقهي المتعلق بأحوال الأقليات المسلمة وأوضاعها، ولكن لما كانت أحوال الأقليات المسلمة وأوضاعها لم تحظَ بالاهتمام بالنظر الفقهي الاجتهادي إلا قليلًا وذلك بالنسبة لسائر مجالات الفقه العام؛ فإن تلك القواعد الفقهية والأصولية لم يكن استخدامها في الاجتهاد الفقهي بصفة عامة، وفي الاجتهاد لتأصيل فقه الأقليات بصفة خاصة إلا استخدامًا محدودًا، "فظلت لذلك السبب قواعدَ مغمورةً ضعيفةً في أثرها الفقهي، غير نضيجة على التقرير والتحرير والترتيب، وذلك بالرغم من أنها تنطوي على طاقة منهجية اجتهادية كبيرة في مجال فقه الأقليات على وجه الخصوص" (١).
والمقصود البحث والتفتيش عن تلك القواعد الفقهية والأصولية التي تتعلق بفقه ونوازل الأقليات، لتُدرس بعناية خاصة، واهتمام بحثي مستقل، وفقًا للمقاصد الشرعية لفقه الأقليات، والتي تعتمد على إقامة الدين بين الأقليات، والعمل على تبليغ رسالة الإسلام وتوطين الدعوة إلى الله، وتأصيل فقه الجماعة في حياة الأقليات المسلمة والتأسيس لفقه مستقر، كل ذلك في إطار من التيسير الشرعي المنضبط ورفع الحرج،
стр. 285
بحيث يُستثمر ذلك كله لإبراز قواعدَ شرعيةٍ متميزة يبنى عليها فقه الأقليات، بحيث تخرج في نسق مجموع يمهد لشرحها شرحًا يكشف عن مكنوناتها وتطبيقاتها المتعددة في ساحة نوازل الأقليات المسلمة، لتأتي بعد ذلك عملية استخراج ضوابط خاصة بمعالجة أحوال الأقليات المسلمة، على غرار عمل الفقهاء في صياغة ضوابط أصولية أو فقهية خاصة بباب بعينه أو مجال بخصوصه.
وبطبيعة الحال فإنه لا حرج من استعمال بعض تلك القواعد بصيغتها التي هي عليها، أو إعادة الصياغة بما يحمل معاني ومقاصد فقه الأقليات المسلمة، مع ملاحظة الفروق التي قد تَدِقُّ بين مقاصد الشارع الحكيم وبين مقاصد المكلفين، وغني عن البيان أن عملًا كهذا يحتاج إلى ذهنيةٍ علمية عميقة، وعقلية أصولية دقيقة، وسياج من تقوى الله ، واجتهاد معتبر.
وفيما يأتي محاولة لرصد بعض تلك القواعد المستمدة من منظومة أصول الأحكام والتي يمكن أن تشكل نواة لتلك القواعد الأصولية المقاصدية الفقهية التي يبنى عليها صرح فقه نوازل الأقليات المسلمة.
وجدير بالذكر أن بعض تلك القواعد التي ستَرِدُ، منها: ما هو متمحض في علم أصول الفقه، ومنها: ما يتعلق بأصول الدين والفقه معًا، وأما: ما هو مشترك بين أصول الفقه ومقاصد التشريع وقواعد الفقه، فإننا نختار ما هو الأنسب بالنسبة للأصول فنقدمه، ثم نردف بما هو الأقرب للقواعد الفقهية فيأتي تاليًا بعد القواعد الأصولية المتعلقة بنفس الموضوع.
وسوف تُصاغ هذه القواعد في مجموعات موضوعية ضبطًا لها وتسهيلًا لدراستها.
стр. 286
وفيما يلي بيان لأهم مجموعات القواعد الأصولية والمقاصدية والفقهية المتعلقة بتأصيل فقه نوازل الأقليات المسلمة:
١ - القواعد المتعلقة بالاجتهاد.
٢ - القواعد المتعلقة بالرخص والمشقات.
٣ - القواعد المتعلقة بالضرورات والحاجات.
٤ - القواعد المتعلقة بالمقاصد.
٥ - القواعد المتعلقة بالتعارض والترجيح بين المصالح والمفاسد.
٦ - القواعد المتعلقة بالمآلات.
٧ - القواعد المتعلقة بالعرف.
٨ - القواعد المتعلقة بالولاية والسياسة.
وفي هذا الفصل محاولة لتأصيل هذا الفقه بردِّهِ إلى قواعد علم الأصول والمقاصد الشرعية، وعلم قواعد الفقه بحيث تنتظم جملة وافرة من هذه الأصول الحاكمة والقواعد الضابطة لفقه نوازل الأقليات المسلمة؛ لتجتمع تلك الأصول والقواعد والضوابط في إحكام منهج سديد للتعامل مع النوازل المعاصرة في حياة الأقليات الإسلامية.
المطلب الأول: تعريف القواعد الأصولية وبيان أهميتها:
تعريف القواعد لغة واصطلاحًا:
القاعدة لغةً: تطلق على معانٍ متعددة ترجع إلى معنى الاستقرار والثبات، ومن تلك المعاني: الأساس: فقواعد البيت أسسه التي يقوم عليها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ
стр. 287
الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] (١)، وقد تطلق القواعد على أساطين البناء، قال الزجاج: "القواعد أساطين البناء التي تعمده" (٢).
قال تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦].
أصول السحاب: قال أبو عبيد (٣): قواعد السحاب: أصولها المعترضة في آفاق السماء، شبهت بقواعد البناء (٤).
وبالجملة فإن أهم معاني القاعدة هو الأساس والأصل، وسواء أكان ذلك حسيًّا كقواعد البيت، أم معنويًّا كقواعد الدين، وقواعد العلوم (٥).
القاعدة اصطلاحًا:
بدأ ظهور معنى القاعدة اصطلاحًا في القرن الثامن الهجري، وقد وُجِدَ اتجاهان في تعريف القاعدة اصطلاحًا، وذلك بناءً على اختلافهم هل هي كلية، أم أغلبية؟
стр. 288
فممن عرفها بأنها كلية: الجرجاني (١) والتفتازاني (٢) والمقري والسبكي (٣) وغيرهم (٤).
ومن تعبيراتهم: قول الجرجاني: "قضية كلية منطبقة على جميع جزيئاتها" (٥).
وقول الكفوي (٦): "القاعدة اصطلاحًا: قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها" (٧).
وقول التاج السبكي: "القاعدة: الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزيئات كثيرة تفهم أحكامها منها" (٨).
فالفاعل مرفوع في النحو، والأمر للوجوب في الأصول، ولكن لما وقع قليل نادر من الاستثناء عرفها بعضهم بأنها أكثرية، وممن عرفها بأنها حكم أكثري أو
стр. 289
قضية أغلبية: الشهاب الحموي (١)(٢).
تعريف الأصول لغة واصطلاحًا:
الأصول لغة: جمع أصل، والأصل ما يبنى عليه غيره، وأصل كل شيء ما يستند وجود ذلك الشيء إليه (٣).
والأصل اصطلاحًا يطلق على معانٍ، أهمها (٤):
١ - المقيس عليه: فالخمر أصل النبيذ.
٢ - الراجح: كقولهم: "الأصل في الكلام الحقيقة".
٣ - الدليل: كقولهم: "أصل المسألة الكتاب والسنة"، أي: دليلها.
٤ - القاعدة المستمرة: كقولهم: "تباح الميتة للمضطر على خلاف الأصل".
٥ - المستصحب: كقولهم: "الأصل بقاء ما كان على ما كان".
٦ - المخرج: كقول الفرضيين: "أصل المسألة كذا".
٧ - الغالب في الشرع: كقولهم: "الأصل في لفظ الصلاة شرعًا أنها تطلق على العبادة المخصوصة".
معنى القاعدة الأصولية:
القاعدة الأصولية هي حكم كلي تنبني عليه الفروع الفقهية (٥)، فهي بمثابة الأسس والخطط
стр. 290
والمناهج التي يضعها المجتهد نصب عينيه عند البدء والشروع في الاستنباط (١).
أي هي: القواعد التي يُتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة (٢).
وقد توصف بأنها في الأصل قواعد لغوية تتعلق بألفاظ الكتاب والسنة ودلالاتها، مستفادة من أساليب لغة العرب، تساعد المجتهد على التوصل إلى الأحكام الشرعية (٣).
وربما كان من أدق هذه التعاريف أنها: قضايا كلية يُتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة (٤).
وتتميز القاعدة الأصولية بأنها مصوغة صيغة عامة، نحو: العام يجري على عمومه، ما لم يَرِدُ دليل يخصصه، ونحو: كل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جائز فيه.
كما تتميز القاعدة الأصولية بأنها مجردة عن ظروفها وملابساتها، وأسباب الورود، ونحو ذلك، حتى تكون منطبقة تمامًا على كل مثيلاتها المعلولة بعلتها؛ لأنها إذا كانت مرتبطة بسبب خاص ونحو ذلك لم تكن قاعدة.
أهمية القواعد الأصولية:
تبين أن القاعدة الأصولية منهاج يسلكه المجتهد أثناء استنباط الأحكام الشرعية بغيةَ عدمِ الخطأ؛ فهي قواعد مؤسَّسَة على الدليل، مرتبة بأدلة علمية (٥) من المنقول والمعقول؛ لذا فهي بمثابة ميزان عدل توزن بها الأمور العلمية، ويُتوصل من خلالها إلى معرفة الأحكام الشرعية التي هي مناط السعادة الدنيوية والأخروية (٦).
стр. 291
كما أن الأصولي يتمكن بواسطتها من الردِّ على المخالفين، وأن يقيم منهاج الاستدلال وإقامة الحجة على المعاندين.
وهذه القواعد تمس إليها حاجة المفسِّر لكتاب الله، والشارح لحديث رسول الله ﷺ ، كما يعتني بها الباحث في أصول العقيدة والدين؛ لكونها تنمي ملكة الفهم الصحيح، وتولِّد الرشاد في التفكير والاستنباط.
وهي تعين على المقارنة يين المذاهب، وتمد الباحث بمعين لا ينضب في أصول الترجيح ولا بد.
ولا شك أن علم أصول الفقه واستنباط الأحكام هو من أجلِّ علوم أئمة المسلمين، وهو كما قال أبو حامد الغزالي ﵀ العلم الذي: "ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع. . . فإنه يأخذ من صفو الرأي والشرع سواء السبيل" (١).
المطلب الثاني: تعريف القواعد المقاصدية, وبيان أهميتها وصلتها بالقواعد الأصولية:
الفرع الأول: تعريف القواعد المقاصدية:
المقاصد لغةً:
المقاصد: جمع مقصَد -بفتح ما قبل الآخر- إذا أريد المصدر بمعنى القصد.
أما إذا أريد المكان بمعنى جهة القصد، فيكسر ما قبل الآخر، مقصِد.
وقصد لها عدة معانٍ فهي تدل على استقامة الطريق، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل:٩].
أي: بيان الطريق المستقيم.
كما تدل على العدل والتوسط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩].
стр. 292
وهناك معانٍ أخرى (١).
والأقرب للمراد أن القصد بمعنى: الأَمِّ والتوجه وإتيان الشيء والعزم والنهود والنهوض.
قال صاحب القاموس المحيط (٢): القصدُ: الأَمُّ (٣).
وقال ابن جني (٤) في سر الصناعة: "أصل (ق ص د) ومواقعها في كلام العرب: الاعتزام والتوجه والنهود والنهوض نحو الشيء على اعتدال كان ذلك أو جور" (٥).
تعريف المقاصد اصطلاحًا:
المراد بمقاصد الشريعة: الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها (٦).
ومقاصد الشريعة هي ما يقصد الشارع بشرع الحكم، أو هي مراد الحق من الخلق.
وهو الذي تجليه العقول من نصوص الشرع، فيتداخل مع العلل والأسباب والحكم، مع اختلاف في بعض الشيات، وبخاصة عند من يرى -كالرازي- العللَ مجردَ أمارات وعلامات، وليست حِكَمًا وغاياتٍ (٧).
стр. 293
أو هي: المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاصٍّ من أحكام الشريعة (١).
وقد يعبر بالمقاصد عن نفس الحكم المنصب على المصلحة جلبًا والمفسدة درءًا.
يقول القرافي: "الأحكام على قسمين: مقاصد: وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها" (٢).
وقد تُستعمل المقاصد باصطلاح شرعي آخر يتعلق بنوايا المكلفين وغاياتهم من أفعالهم، ومن ذلك: القاعدة الفقهية الكلية "الأمور بمقاصدها" وهي إحدى القواعد الخمس الفقهية الكبرى التي بني عليها الفقه الإسلامي.
فالمقاصد بالاصطلاح الأول هي: حِكم وغايات.
وبالاصطلاح الثاني هي: أحكام تحقق تلك الحكم.
وبالاصطلاح الثالث هي: نوايا المكلفين وإراداتهم.
والذي نهتم به في هذا السياق هو المعنى الأول.
وقد عرف بعض المعاصرين القاعدة المقاصدية فقال:
"قضية كلية تعبر عن إرادة الشارع من تشريع الأحكام، وتستفاد عن طريق الاستقراء للأحكام الشرعية" (٣).
الفرع الثاني: أهمية القواعد المقاصدية:
إن المقاصد هي روح الشريعة وحِكمها وغاياتها، ومراميها ومغازيها ومعانيها.
ولا يتأتى اجتهاد صحيح من غير دراية بقواعد المقاصد.
وقد قال الشاطبي في سياق ما يبنى عليه الاجتهاد: "أولًا: معرفة اللغة العربية فيما
стр. 294
يتعلق بدلالات الألفاظ ومقتضيات النصوص.
ثانيًا: معرفة مقاصد الشريعة جملة وتفصيلًا إذا تعلق الاجتهاد بالمعاني من المصالح والمفاسد" (١)، وقال في المسألة الثانية من مسائل الاجتهاد: "إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها" (٢).
والمقاصد تعين المجتهد على الترجيح لدى التعارض بين الأدلة فما كان أقرب إلى تحقيقها فهو أولى بالصواب.
وربما أفاد المجتهد من المقاصد بيان وفهم بعض الأحكام الشرعية، وإدراك مرامي بعض النصوص الجزئية وتوجيهها وجهتها الصحيحة.
ولا غنى بالمفتي أن ينظر في المقاصد الشرعية قبل فتياه ليعطي المستفتيَ الحكمَ الذي يناسب مقصود الشارع من تشريع الأحكام.
والمجتهد يحكِّم المقاصد عند الاعتبار بأقوال الصحابة والسلف فيأخذ ما كان أقرب لتحقيق المقاصد والعمل بالمطلوب.
والمقاصد ترشد المجتهد لاستنباط أحكام الوقائع المستجدة مما لم يدل عليه دليل، ولا وجد له نظير يقاس عليه (٣).
وغير ذلك من الفوائد والفرائد التي يجنيها الفقيه والأصولي والمجتهد من درس هذه القواعد وإدراك تلك المقاصد (٤).
الفرع الثالث: صلة القواعد المقاصدية يالقواعد الأصولية:
المقاصد من الأصول ولا بد، بل إن المقاصد هي أصول الفقه بعينها (٥).
стр. 295
وقد ذكر الشيخ ابن بيه ثلاثين منحى من مناحي العلاقة القوية بين الأصول والمقاصد ومثَّل لها بأمثلة بها تدرك الصلات القريبة والوشائج الحميمة بين المقاصد والأصول.
وأطال النفس في بيان أمثلة ومجالات تستثمر فيها تلك المقاصد في علم الأصول، وتتداخل معه تأصيلًا وتفريعًا (١).
على أن المتقرر لدى أهل العلم أن العلاقة بين علمي الأصول والمقاصد هي علاقة العام بالخاص، والجزء بالكل؛ إذ المقاصد إحدى الموضوعات الخاضعة لاختصاص بحث التقعيد الأصولي.
ولأهمية القواعد المقاصدية وعناية المتأخرين بها أوشكت أن تنفصل علمًا مستقلًّا عن علم الأصول (٢).
ويمكن فيما يلي إلقاء بعض الأضواء على الفروقات بين القاعدة الأصولية والمقاصدية وذلك من جهتين:
أولًا: من حيث العموم والخصوص:
القاعدة الأصولية أعم من المقاصدية؛ ذلك أن قواعد المقاصد تتعلق غالبًا ببيان الحِكَم والغايات المتوخاة في التشريع، وأما قواعد الأصول فمنها ما يتعلق بالأدلة التبعية كالمصالح وسدِّ الذرائع، ومنها ما ليس كذلك كالقواعد الأصولية اللغوية مثلًا.
ثانيًا: من حيث مصدرها ودليلها:
قواعد المقاصد إنما تُستنبط باستقراء نصوص الشارع الحكيم، أو من خلال النظر في الفروع الفقهية، فالعمدة في معرفة المقاصد هي المنقولات، في حين أن القاعدة الأصولية قد تستند إلى المعقولات أو اللغويات.
стр. 296
فمن الأولى: قاعدة "الأقوى يقدم على الأضعف".
ومن الثانية: قاعدة "العام ظني الدلالة" (١).
ونظرًا لقرب المقاصد من الأصول وانبثاقها عنها فإن قواعدها ستكون مضمنة مع قواعد الأصول في هذا الفصل وملحقة بها جريًا على منهج أبي إسحاق الشاطبي ﵀ في تصانيفه.
المطلب الثالث: تعريف القواعد الفقهية وبيان أهميتها:
تقدم تعريف القاعدة لغة واصطلاحًا، ومن أحسن تعريفات القواعد الفقهية اصطلاحًا أنها:
حكم كلي فقهي ينطبق على فروع كثيرة من أكثر من باب (٢).
فقولنا: "حكم" هو: التعبير السليم في وصف القاعدة من حيث إنه أهم ما في القضية؛ لأنه مناط الفائدة والتصديق والتكذيب.
وقولنا: "كلي" أي: أن القاعدة شاملة لجميع أفرادها، ولا يُخِلُّ بكلِّيتها خروج بعض أفرادها لمعارض.
وقولنا: "فقهي" قيد لإخراج القواعد في الفنون الأخرى.
وقولنا: "ينطبق على فروع كثيرة" فالقاعدة تجمع كثيرًا من الفروع والجزئيات المندرجة تحت معناها وحكمها العام.
وقولنا: "من أكثر من باب" قيد لإخراج الضابط؛ إذ هو الشامل لجزئيات من باب واحد فقط، فقاعدة: "الأمور بمقاصدها" تدخل في عامة أبواب الفقه، كما قال
стр. 297
الشافعي ﵀: إنها تدخل في سبعين بابًا (١)، أما الضابط فهو يجمعها من باب واحد، مثل: "كل ما أوجب غسلًا أوجب وضوءًا إلا الموت" (٢)، ومثل: "البدن في الغسل كالعضو الواحد" (٣). فهذه الضوابط تجمع فروعًا، ولكن من باب واحد.
وقد نبه على هذا الفرق بين القاعدة والضابط بعض الفقهاء والأصوليين، منهم: التاج السبكي والبناني (٤) في حاشيته على شرح المحلي (٥) والفتوحي (٦) والسيوطي (٧) وابن نجيم رَحِمَهُمَا اللهُ (٨) وقد استقر على هذا الفرق عامة المتأخرين.
ومن الفروق التي ذكرها بعض المعاصرين: أن القاعدة في الغالب متفق على مضمونها
стр. 298
بين المذاهب أو أكثرها، أما الضابط فيختص بمذهب معين، بل قد يخالف فيه فقهاء من نفس الذهب (١).
أهمية القواعد الفقهية:
يعتبر علم القواعد الفقهية من أهم العلوم للفقيه والمفتي والقاضي والحاكم والمجتهد؛ إذ به تتدرب العقول في مآخذ ومدارك الأحكام، ومن استوعب القواعد وأحاط بها فقد استوعب الفقه كله، وانفتح له باب للتعرف على أحكام النوازل والمستجدات من خلال معرفة نظائر الفروع وأشباهها وضمِّ المفردات إلى أخواتها وأشكالها.
ومن فوائد هذا العلم:
١ - أنه يضبط الأمور المنتشرة المتعددة، وينظمها في سلك واحد مما يُمَكِّنُ من إدراك الروابط بين الجزئيات المتفرقة ويزوِّد الطلعَ عليها بتصور سليم يدرك به الصفات الجامعة بين هذه الجزئيات؛ ولهذا قال الحافظ ابن رجب ﵀ عن القواعد الفقهية: "تنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد" (٢).
٢ - الضبط بالقواعد يسهل حفظ الفروع، ويغني العالم بالقواعد عن حفظ كثير من الجزئيات والأفراد؛ إذ المسائل الفقهية تعد بمئات الألوف؛ ولا تتسع حافظة أحد للإحاطة بها، فلا بد أن يفوته منها شيء كثير، ولو أدرك أكثرها بمعزل عن القواعد، فقد لا يعرف الرابط بينها ووجه الجمع والفرق، أما حفظ القواعد فهو يكفل له هذا كله بحول الله تعالى وقوته.
ولهذا قال القرافي ﵀: "ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات" (٣).
стр. 299
٣ - فهم هذه القواعد وحفظها يساعد الفقيه على فهم مناهج الفتيا ويُطلعه على حقائق الفقه ومآخذه، ويُمَكِّنه من تخريج الفروع بطريقة سليمة واستنباط الحلول للوقائع المستجدة، قال السيوطي ﵀: "اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم؛ به يطلع على حقائق الفقه ومداركه ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مر الزمان" (١).
وبذلك تصبح القواعد مَعِينًا ثَرًّا للفقهاء ومبعثَ حركةٍ دائمة ونشاط متجدد يُبعد الفقه عن أن تتحجر مسائله، وتتجمد قضاياه.
٤ - أن تخريج الفروع استنادًا إلى القواعد الكلية يجنب الفقيه التناقض الذي قد يترتب على التخريج من المناسبات الجزئية، قال التقي السبكي (٢) كما نقله عنه ولده التاج السبكي ﵀: "وكم من آخر مستكثر في الفروع ومداركها، قد أفرغ جمام ذهنه فيها غفل عن قاعدة كلية؛ فتخبطت عليه تلك المدارك وصار حيرانَ، ومن وفقه الله بمزيد من العناية جمع له بين الأمرين فيرى الأمر رأي العين" (٣).
٥ - ومن فوائد هذا العلم ما أشار إليه القرافي ﵀ وصرح به ابن عاشور ﵀، وهو أنها -وبخاصة الكبرى منها- تساعد على إدراك مقاصد الشريعة؛ لأن القواعد الأصولية تركز على جانب الاستنباط، وتلاحظ جوانب التعارض والترجيح وما شابه ذلك من الأمور التي ليس فيها ملاحظة لمقاصد الشارع، أما القواعد الفقهية فهي مشتقة من الفروع والجزئيات المتعددة بمعرفة الرابط بينها،
стр. 300
ومعرفة مقاصد الشارع التي دعت إليها (١).
المطلب الرابع: بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية:
تقدم أن القاعدة الفقهية في تعريفها المختار هي: حكم كلي فقهي ينطبق على فروع كثيرة من أكثر من باب (٢).
وهناك ارتباط وثيق بين علم الفقه وعلم الأصول، وهو ناتج من كون أحدهما أصلًا والآخر فرعًا، كأصل الشجرة وفروعها.
ومع ذلك فهما مختلفان في الحدود والموضوع والثمرة، وغير ذلك من الأمور، وبالتالي فإن قواعد كل علم منهما تتمايز عن قواعد الآخر، ولعل أول من أشار إلى الفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية العلامة القرافي ﵀ في الفروق حيث قال في مقدمته:
"فإن الشريعة المعظمة المحمدية -زاد الله تعالى منارها شرفًا وعلوًّا- اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:
القسم الأول: المسمى بأصول الفقه وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، ونحو: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم، ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة، وخبر الواحد، وصفات المجتهدين.
القسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحِكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقي تفصيله لم يتحصل" (٣).
стр. 301
ولا شك أن ثمة ارتباطًا بين القاعدتين، واشتباهًا وتداخلًا بسبب وحدة انتسابهما إلى الفقه، وتقارب ثمرتهما من حيث الوصول والتوصل إلى أحكام الشرع، وتواردهما على مقصود واحد وهو الفروع الفقهية، ومتعلقاتها من أحكام وحوادث.
وإذا تأملنا الفروق بين القاعدتين تبين أنها كما يلي:
١ - من جهة الحد:
القواعد الفقهية: مجموعة القواعد التي يجتمع تحتها كثير من الفروع الفقهية لعلاقة بينهما، أما القواعد الأصولية فيمكن أن تُحدَّ بأنها مجموعة القواعد التي توضح للفقيه طرق استخراج الأحكام من الأدلة الشرعية، فقواعد الفقه تركز على الأحكام، وقواعد الأصول تركز على الأدلة.
٢ - من جهة الموضوع:
موضوع القاعدة الفقهية أفعال المكلفين، بينما موضوع القاعدة الأصولية الأدلة الشرعية، وما يرتبط بها؛ فالقاعدة الأصولية: "النهي يقتضي الفساد" موضوعها كل دليل من الشريعة ورد فيه نهي، بينما القاعدة الفقهية: "المشقة تجلب التيسير" فموضوعها كل فعل من أفعال المكلَّف يَجِد فيه مشقة معتبرة شرعًا.
٣ - من جهة الثمرة:
ثمرة القواعد الأصولية: التمكن من استنباط الحكم الشرعي الفرعي، بينما ثمرة القواعد الفقهية: جمع الفروع التشابهة في الحكم تحت رباط قياسي واحد، وقد يقال: إن القواعد الأصولية موصلة للقواعد الفقهية من غير عكس.
٤ - من جهة المستفيد منها:
القاعدة الفقهية يمكن أن يستفيد منها الفقيه والمتعلم؛ حيث إن كل قاعدة تشتمل على حكم كلي لعدد من المسائل، فالرجوع إليها أيسر من الرجوع إلى حكم كل مسألة على حدة.
بينما المستفيد من القواعد الأصولية: هو المجتهد خاصة، حيث يستعملها عند استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها.
стр. 302
٥ - من جهة الاستمداد:
القاعدة الفقهية مستمدة من الدليل الشرعي، أو المسائل الفرعية المشابهة في الحكم، بينما القواعد الأصولية مستمدة من الأدلة الإجمالية مما يستمد منه علم الأصول، كالعربية، وأصول الدين، وتصور الأحكام.
٦ - من جهة الوجود في الواقع:
القواعد الفقهية متأخرة في الوجود الواقعي والذهني أيضًا عن القواعد الأصولية؛ لأنها جمع للفروع المتشابهة في رباط مشترك، وهذا لا يكون إلا بعد وجود الفروع التي يسبق وجودها وجود القواعد الأصولية، والفقيه يأخذ قواعد الأصول ويطبقها على جزيئات الدليل الكلي بغية التوصل إلى الحكم الشرعي العملي التفصيلي.
٧ - من جهة المسائل:
مسائل علم القواعد الفقهية: القواعد الفقهية من حيث التطبيق على الفروع، أما مسائل علم أصول الفقه: فهي عائدة إلى أربعة أركان: الحكم، والدليل، وطرق الاستنباط، وشروط المستنبط، وهذا الفرق أخص من الفرق الثاني المتعلق بالاختلاف من جهة الموضوع.
هذه بعض الفروق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، وقد يظهر من خلالها وجود علاقة بين هذين النوعين من القواعد هي: العموم والخصوص الوجهي، حيث يجتمعان في وجه، هو: أن كلًّا من قواعد العلمين يندرج تحته فروع، ويختلفان فيما عدا ذلك من نوع هذه الفروع المندرجة، وكيفية اندراجها، كما بينَّا سابقًا (١).
стр. 303
المبحث الثاني
القواعد المتعلقة بالاجتهاد
لما كان أمر النظر في النوازل الفقهية للأقليات الإسلامية مبنيًّا على الاجتهاد الشرعي بشروطه، فقد ناسب البدء بذكر مجموعة القواعد المتعلقة بالاجتهاد أولًا، ثم ما ينضم إليها من مجموعات القواعد الأصولية والفقهية.
المطلب الأول: تعريف الاجتهاد وبيان صلته بالإفتاء:
الفرع الأول: معنى الاجتهاد لغة واصطلاحًا:
الاجتهاد لغة: افتعال من الجهد، وهي صفة تدل على المبالغة في الفعل، واختلف في ضم الجيم أو فتحها، وقد سبق ابن منظور (١) إلى اعتبار الجَهد والجُهد: الطاقة، والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع والمجهود (٢)، وفي بعض المعاجم الحديثة (٣) تفريق بين الكلمتين، فالجَهْدُ: المشقة والنهاية والغاية، والجُهد: الوسع والطاقة، وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].
وعليه فإن الاجتهاد لغةً يطلق على: بذل كل طاقة واستنفاد كل وسع في تحصيل أمر من الأمور التي تستلزم كلفة ومشقة فحسب، ولا يطلق على ما لا مشقة فيه.
стр. 304
الاجتهاد اصطلاحًا: جرى ذكر تعريف الاجتهاد نقلًا عن الغزالي وابن الهمام (١)، وقال الآمدي ﵀ (٢) هو: "استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية، على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه" (٣).
ونقل الشوكاني ﵀ (٤) أنه: "بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط" (٥).
وتعددت تعريفات الأصوليين للاجتهاد وتنوعت عباراتهم، بل وتباينت أحيانًا، وهذا بالجملة يكشف عن مسلكين اثنين في تعريف الاجتهاد، وفيما يلي بعض الأضواء على هذين المسلكين (٦):
المسلك الأول: من حيث تكييف الاجتهاد، وهذا يتفرع إلى منحيين:
الأول: اعتبار الاجتهاد فعل المجتهد.
والثاني: اعتبار الاجتهاد صفة المجتهد (٧).
المنحى الأول: اعتبار الاجتهاد فعل المجتهد:
стр. 305
حاول أصحاب هذا الاتجاه التعبير عن الاجتهاد بفعل المجتهد فصدروا تعريفهم ببذل الطاقة أو استفراغ الجهد أو غيرهما من كلمات تدل على الجهد الذي يبذله المجتهد.
وقد ذهب بعض المعاصرين (١) إلى أن الغزالي اختار كلمة "بذل" عند تعريفه للاجتهاد بقوله: "والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب" (٢).
إلا أنه بالرجوع إلى تعريف الغزالي الأول عند قوله: "الركن الأول في نفس الاجتهاد وهو عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال" (٣)، نجد أنه قد جمع بين الكلمتين فاستخدم بذل واستفراغ في التعبير عن فعل المجتهد.
وممن اختار كلمة استفراغ: الآمدي بقوله: "استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه" (٤)
وتابعه ابن الحاجب (٥) والبيضاوي (٦) وغيرهما.
ومن الأصوليين من جمع بين الكلمتين كالغزالي، ومن قبله الشيرازي بقوله: "الاجتهاد في عرف الفقهاء استفراغ الوسع ويذل المجهود في طلب الحكم الشرعي" (٧).
المنحى الثاني: اعتبار الاجتهاد صفة للمجتهد:
стр. 306
وقد صدَّر أصحاب هذا الاتجاه تعريفهم بكلمة "مَلَكَة" على معنى الصفة المكتسبة بالممارسة كالعلم، واستخدام الأصوليين لها من هذا الباب.
والقاسم المشترك بين الاتجاه الأول (فعل المجتهد) بفرعيه: (بذل) و (استفراغ)، والاتجاه الثاني (صفة المجتهد)، هو أن الاجتهاد لا يتأتى إلا ببذل الجهد، سواء من البداية (الاتجاه الأول)، أو بعد عدة محاولات وممارسات لهذا البذل والجهد لتصبح صفة ملازمة للمجتهد (الاتجاه الثاني).
وذلك لأن الاجتهاد باعتباره صفة لفعل المجتهد لا يتحقق ولا يوجد إلا بالملكة المشار إليها في الاعتبار الثاني، وإذا كان لا بد من حمله على أحد الاعتبارين فحمل الاجتهاد على فعل المجتهد هو الأولى؛ لأن الاجتهاد بهذا المعنى هو الفعل الذي تتطلبه الأمة لاستنباط الأحكام الشرعية، أما وصف الاجتهاد باعتباره (ملكة محضة) فلن ينتقل إلى حيز الفعلية في استنباط الأحكام الشرعية، وسيكون مجرد وصف للقابلية الذهنية المجردة، وليس لها أي آثار شرعية تتجاوز صاحبها.
المسلك الثاني: وفيه بني التعريف على قيود مذكورة:
القيد الأول: كون الذي يقوم بالاجتهاد مجتهدًا أم فقيهًا:
الغزالي يقيد الاجتهاد بصدوره من المجتهد، أما ابن الحاجب وابن الهمام فيقيدانه بالفقيه، ومن الأصوليين من لا يقيده لا بالمجتهد ولا بالفقيه كالشافعي ﵀، والبيضاوي ﵀؛ إذ يعرف الاجتهاد بقوله: "استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية" (١)، وكذلك الآمدي (٢)، واعتبر هؤلاء قيد المجتهد أو الفقيه لا قيمة له؛ إذ لا يمكن لمن ليس بمدرك لعلوم الشريعة أن يجتهد، سواء أسُمي فقيهًا أم لم يسمَّ.
стр. 307
القيد الثاني: الحكم الشرعي، وهو القيد المذكور في جُلِّ تعريفات الأصوليين للاجتهاد، فالاجتهاد بمعناه الاصطلاحي لا يكون إلا لتحصيل الحكم الشرعي، وهذا القيد ليس محل خلف عند الأصوليين القدماء لإدراكهم حقيقة الاجتهاد الذي يقصدون، أما عند المحدثين ففيه خلط منشؤه عدم قصر الاجتهاد على إدراك أو استنباط الأحكام الشرعية.
القيد الثالث: القطع أو الظن: أي: هل الحكم الثابت بالاجتهاد قطعي أم ظني؟
فقد اختلف العلماء في هذا، وجاء تبعًا لذلك اختلافهم في تعريف الاجتهاد.
ويمكن تقسيمهم فيما اختلفوا فيه إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: عرَّفت الاجتهاد وقيدته بما يفيد العلم بمعناه العام، والذي هو: مطلق الإدراك الشامل للقطع والظن؛ باعتبار أن الأحكام الثابتة بالاجتهاد منها: ما هو قطعي، ومنها: ما هو ظني، ومن هذه التعريفات: تعريف الغزالي؛ حيث يقول: "بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة" (١). وعرفه ابن قدامة بأنه: "بذل الجهد في العلم بأحكام الشرع" (٢).
المجموعة الثانية: لم تقيد الاجتهاد بأي من القطع أو الظن، وجاءت تعريفاتها خالية من هذا القيد. ومن ذلك: تعريف البيضاوي، حيث يقول: "هو استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية" (٣). وتعريف الرازي، حيث يقول: "استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم مع استفراغ الوسع فيه" (٤).
المجموعة الثالثة: قيدت تعريفها للاجتهاد بما يفيد الظن، حيث تكون الأحكام
стр. 308
الثابتة بالاجتهاد ظنية غالبًا، ومن ذلك: تعريف ابن الحاجب؛ حيث يقول: "استفراغ الوسع لتحصيل ظنٍّ بحكمٍ شرعي" (١).
وتعريف التفتازاني؛ حيث يقول: "استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم" (٢).
وتعريفات المجموعة الأولى والمجموعة الثانية تلتقي في كون تعريفها للاجتهاد يشمل القطعي والظني؛ حيث إن المجموعة الأولى قد قيدت الاجتهاد بها يفيد ذلك، أما المجموعة الثانية فلم تقيده، ولكن جاءت بصفة التعميم، مما يجعله يشمل القطع والظن.
وكثير من العلماء لا يرتضون التعريفات التي تفيد شمول الاجتهاد للقطعي والظني، ويعتبرون أن الاجتهاد الفقهي محله الأدلة الظنية لا القطعية؛ ولذلك ارتضوا تعريفات المجموعة الثالثة باعتبارها قيدت الاجتهاد بالظن.
ويلاحظ أيضًا أن بعض الأصوليين عرف الاجتهاد بذكر أنواعه دون بيان لحقيقته، كما فعل الشاطبي (٣) ﵀، وهو مسلك يتحاشى الدخول في إشكالات مصطلحية كثيرة، وهو جدير بالاعتبار.
ومن المعاصرين كذلك من ذهب إلى عدم اعتبار تعريفات الأصوليين للاجتهاد تعريفات محددة بقدر تسميتها بمفهوم الاجتهاد، إدراكًا منه بأن تلك المحاولات نابعة عن مفاهيم معينة تكونت لدى واضعيها حول العملية الاجتهادية (٤)، وقد ناقش هذه المفاهيم التي قسَّمها إلى ثلاث مراحل بدءًا بالشافعي، ثم مفهوم الاجتهاد بعد الشافعي
стр. 309
إلى نهاية القرن السادس الهجري، ثم مفهوم الاجتهاد من نهاية القرن السادس الهجري إلى يومنا، والمنطلق الذي انطلق منه هو أنَّ وضع تعريف للاجتهاد أمرٌ متعذر؛ إذ يسبقه ممارسة الاجتهاد، وكيف يمارس الشيء قبل معرفة حقيقته؟ (١).
وايًّا ما كان الراجح من تعريفاتهم للاجتهاد فالحاصل أنهم تارة يطلقون الاجتهاد على المطلق في فروع الشريعة، وتارة على المقيد بالمذهب الفروعي، وتارة على تحقيق المناط، والله تعالى أعلم.
القيد الرابع: لا يعتبر الاجتهاد إلا ببذل كامل الوسع واستفراغ جميع الجهد في درك الحكم الشرعي الظني، وإلا لم يكن مجتهدًا، وهو معنى دلَّت عليه اللغة.
الفرع الثاني: العلاقة بين الفُتيا والاجتهاد:
ذهب عدد من الأصوليين والفقهاء إلى أنه لا فرق بين المفتي والمجتهد، فلم ينصُّوا على فروق بينهما، واهتمامهم ينصَبُّ على شروط المفتي ولوازمه أكثر من تعريفه.
وهذا لا يمنع من وجود قواسم مشتركة كثيرة بين المفتي والمجتهد، إلا أن الفروق بينهما يمكن إجمالها فيما يلي:
١ - من جهة مجالات الاجتهاد والإفتاء:
فالاجتهاد لا يكون إلا في الأحكام الشرعية الظنية، أما القطعية فلا مجال للاجتهاد فيها؛ إذ هي لا تقبل الاحتمال، ولا يجوز فيها الاختلاف، وخلافًا لذلك فالراجح أن الإفتاء لا يختص بالأحكام الظنية، بل يشمل الأمور القطعية أيضًا؛ لأنه إخبار وتبليغ وتطبيق لأحكام الشريعة.
ومن صرح من الأصوليين بالاجتهاد في الأحكام القطعية كان مقصوده الاجتهاد
стр. 310
في كشف القطعية، لا الاجتهاد في القطعية ذاتها (١).
٢ - من جهة رعاية الواقع:
فعمل الفقيه والمجتهد في استنباط الأحكام إنما هو عمل متجرد عن الوقائع والنظر فيها، أما المفتي فيجب عليه أن يراعي حين إصداره للفتوى تلك الخصوصية المسئول عنها، والقرائن المحيطة بها، كما ينظر في حال المستفتي وظروفه (٢).
والفتوى الصحيحة تتطلب -مع توافر شروط الاجتهاد في المجتهد- شروطًا أخرى، وهي: معرفة واقعة الاستفتاء، ودراسة نفسية المستفتي، والجماعة التي يعيش فيها، وظروف البيئة أو البلد التي حدثت فيها النازلة أو الواقعة أو العمل، ليعرف مدى أثر الفتوى سلبًا وإيجابًا (٣).
ولا بد من أن يتصف المفتي بما له تعلق بالممارسة العملية وقبول الناس لفتواه، وهي: العقل، والبلوغ، والحرية بالاتفاق، والحياة، والأعلمية، والعدالة، على اختلاف فيها.
والعدالة شرعًا: يراد بها أهلية قبول الشهادة والرواية عن النبي ﷺ ، وعرفها الغزالي بقوله: "العدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين، حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس، تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه (٤)، وذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر، وبعض الصغائر، وبعض المباحات المشبوهة.
فلا يُستفتى مجهول العدالة حتى تعلم عدالته بقول عدل أو عدلين أو بالاستفاضة والشهرة؛ لأن العدل يكون غالبًا موفقًا إلى اختيار الصواب، وليطمئن الناس إلى كلامه،
стр. 311
بخلاف الفاسق فإنه مذموم، ويحيط الشك كثيرًا بأقواله (١).
قال ابن فرحون (٢): "إن المكلفين قسمان: مجتهد وغير مجتهد، وغير المجتهد أوجب الشرع عليه الرجوع إلى قول المجتهدين العدول، فنزَّل الشرع ظن المجتهد في حقه كظنه لو كان مجتهدًا لضرورة العمل، وهذا أمر مجمع عليه" (٣).
٣ - من حيث حصول الواقعة موضع الفتيا:
الإفتاء يختلف عن غيره من حيث حدوث الواقعة المسئول عنها، فلا بد للإفتاء من أمرين: أولهما: السؤال من قبل المستفتي، وثانيهما: وقوع تلك المسألة المسئول عنها، أما في الاجتهاد فلا يشترط هذا.
وعليه فالاجتهاد أعمُّ من الإفتاء بهذا الاعتبار (٤).
ويقول الدكتور وهبة الزحيلي: "الأصل في المفتي: أن يكون هو المجتهد أو الفقيه، ثم صار لفظ المفتي في عصرنا يطلق على متفقهة المذاهب، الذين يقتصر جهدهم على تطبيق نصوص الفقه المذهبي على الوقائق، وذلك الإطلاق من قبيل المجاز، أو الحقيقة العرفية بحسب اصطلاحات الحكومة المعاصرة، والفارق بين الاجتهاد والإفتاء: هو أن الإفتاء أخص من الاجتهاد، فإن الاجتهاد هو استنباط الأحكام، سواء أكان هناك سؤال في موضوعها أم لم يكن، أما الإفتاء فإنه لا يكون إلا إذا كانت واقعة وقعت، ويتعرف الفقيه حكمها" (٥).
стр. 312
المطلب الثاني: القواعد الأصولية والمقاصدية المتعلقة بالاجتهاد:
بعد البحث واستقراء القواعد الأصولية والمقاصدية المتعلقة بالاجتهاد، والتي يمكن الإفادة منها في تأصيل فقه النوازل للأقليات المسلمة، فقد أمكن انتقاء وترتيب القواعد الأصولية والمقاصدية الآتية:
القاعدة الأولى: الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة .
القاعدة الثانية: الاجتهاد المحقق لشروطه معتبر شرعًا.
القاعدة الثالثة: ليس على المجتهد التقيُّد بالمذاهب الفقهية.
القاعدة الرابعة: على المجتهد الجمع بين فقه النص والواقع.
وتفصيل هذه القواعد على النحو الآتي:
القاعدة الأولى: الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة (١):
هذه القاعدة قاعدة مقاصدية تتعلق بعموم التكليف بالشريعة.
المعنى العام للقاعدة:
أفادت هذه القاعدة أنه لا يخرج أحد من الخلق كائنًا من كان عن أن يكون مخاطبًا بجميع أحكام الشريعة، فتثبت أحكامها الغراء لكل مكلف، وهي صالحة للخلق كافة على اختلاف أجناسهم وأمصارهم وأعصارهم؛ فلا يحاشى أحد من الدخول تحت أحكامها، ولا تحاشى نازلة من النوازل أن تدل الشريعة على حكمها بالنص عليها أو بالاستنباط منها.
فالناس كبيرهم وصغيرهم، قويهم وضعيفهم، غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وأنثاهم، مخاطبون بأحكامها ومكلفون بأعمالها والوقاع المعهودة والغريبة، الصغيرة والكبيرة، المستجدة
стр. 313
والقديمة، الواقعة في غير بلاد الإسلام، والكائنة في بلاد الإسلام -لا تخرج في أحكامها عن سلطان الشريعة، فلا توجد واقعة ولا مكلف مسلم في أي زمان أو مكان يسعه الخروج عن أحكام الشرعية الغراء، وهذه القاعدة تعد فاتحة قواعد التأصيل لهذا الفقه، لأهمتيها البالغة ولابتناء ما يأتي عليها من قواعد حاكمة وأصول ضابطة.
أدلة القاعدة:
دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة والمعقول والإجماع، وذلك على التفصيل التالي:
أولًا: القرآن الكريم: وقد دلت آيات كثيرة على هذا المعنى، منها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
وجه الدلالة:
الآيات الثلاث السابقة تدل بجملتها على عموم رسالته ﷺ ، وعموم تكليف الناس بها، وعموم أمره ﷺ بتبليغ جميع الدين.
قال ابن كثير (١): "وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة، أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم" (٢).
ثانيًا: السنة المطهرة:
قوله ﷺ : "كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود" (٣).
стр. 314
وقوله ﷺ : "والذي نفسي بيده؛ لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار" (١).
وجه الدلالة:
المراد بالأمة في الحديث الثاني: أمة الدعوة؛ أي: كل من دعاه إلى الإيمان؛ لأن قوله ﷺ : "يهودي ولا نصراني": بدل من قوله: "من هذه الأمة"؛ أي: بدل من (الأمة)، بدل بعض من كل (٢).
والحديثان يدلان على عموم الشريعة لكل الأمة في كل زمان ومكان؛ فكل من
تبلغه دعوة الإسلام، ويسمع بالرسول ﷺ على الوصف الحقيقي، خاليًا من التشويه والتحريف، ومات ولم يؤمن بالذي أرسل به ﷺ ؛ فإنه من أصحاب النار.
الإجماع:
أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على عموم رسالته ﷺ ؛ ولذا صيَّروا أفعال النبي ﷺ حجة للجميع في أمثالها، وحاولوا فيما وقع من الأحكام على قضايا معينة وليس لها صيغ عامة أن تجري على العموم إما بالقياس، أو بالرد إلى الصيغة أن تجري على العموم المعنوي، أو غير ذلك من المحاولات (٣).
المعقول:
أنه لو جاز خطاب البعض ببعض الأحكام، حتى يخص بالخروج عنه بعض الناس، لجاز
стр. 315
مثل ذلك في قواعد الإسلام أن لا يخاطب بها بعض من كملت فيه شروط التكليف بها، وكذلك في الإيمان الذي هو رأس الأمر، وهذا باطل بإجماع، فما لزم عنه مثله.
وعليه فكل مكلف داخل تحت أحكام الشريعة المبثوثة في الخلق (١).
وقد عدَّ الشاطبي من فوائد هذه القاعدة الأصولية: إثبات القياس على منكريه من جهة أن الخطاب كان يرد خاصًّا ببعض الناس، ولم يرد في كل قضية لفظ يستند إليه في إلحاق غير المذكور بالمذكور، فأرشد ذلك إلى أنه لا بد في كل واقعة وقعت إذ ذاك أن يلحق بها ما في معناها، وهو معنى القياس.
كما أنها أفادت أيضًا أن الصوفية داخلون تحت أحكام الشريعة، وأن ما يذكره الزنادقة من أن التكليف خاص بالعوام ساقط عن الخواص باطل تهدمه هذه القاعدة الأصولية (٢).
تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات:
هذه القاعدة تتعلق بالأقليات المسلمة من حيث هي تؤصل لدخول جميع المكلفين في الخطاب بالشريعة، سواء أكانوا من المسلمين المقيمين في غير بلاد المسلمين، أم كانوا في بلاد المسلمين، أم كانوا من غير المسلمين.
وقد تقدم أنه قد تحفظت بعض المجامع الفقهية المعاصرة على مصطلح "الأقليات" و"الجاليات"؛ لما قد تحمله من دلالات سلبية وغير معبرة.
وقد جاء في القرار رقم (١٥١) الصادر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته السادسة عشرة بدبي (بدولة الإمارات العربية المتحدة)، ما يلي:
стр. 316
١ - ينبغي استبعاد تسمية الوجود خارج العالم الإسلامي بـ"الأقليات"؛ أو "الجاليات"؛ لأن تلك التسميات مصطلحات قانونية لا تعبِّر عن حقيقة الوجود الإسلامي الذي يتصف بالشمولية والأصالة والاستقرار والتعايش مع المجتمعات الأخرى، وأن التسمية المناسبة هي مثل: (المسلمون في الغرب)، أو (المسلمون خارج العالم الإسلامي) (١).
كما أن المؤتمر الثاني لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا المنعقد بكوبنهاجن بالدانمرك قد درس في فعالياته التعبير بفقه الأقليات؛ فبيَّن القرار أن هذا التعبير إن قصد به الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية لنوازل الأقليات الإسلامية من خلال القواعد الشرعية المقررة في باب الاجتهاد، وتفعيل الأصول الاجتهادية التي تتعلق بالأحوال الاستثنائية كقاعدة: المصالح، والمآلات، والضرورات، ونحوها، واعتبار خصوصية هذه الأقليات من حيث الاغتراب والالتزام القانوني بأنظمة المجتمعات التي يعيشون فيها، والتطلع إلى تبليغ الدعوة لأهلها، فإن ذلك حق، وينبغي أن يعان عليه من دعا إليه.
أما إن قصد به تتبع الزلات، وتلمس شواذ الأقوال والتلفيق بين آراء المجتهدين، بدعوى التجديد وتحقيق المصالح، فإن هذا مسلك باطل، يفضي في نهاية المطاف إلى فصل هذه الأقليات عن جذور أمتها في الشرق، وتأسيس فقه محدث لنوازلها، وأصول بدعية للاجتهاد فيها، وينبغي التحذير منه، وبيان سوء مغبته، وبذل النصيحة اللازمة لأصحابه (٢).
وهذا القرار وغيره يؤكد من جهة على خضوع جميع المسلمين تحت قاعدة التكليف الكلية بالشريعة الإسلامية أصولًا وفروعًا، كما يؤكد على واقعية الشريعة في اعترافها بالضرورات والحاجات في حياة الناس، سواء أكانت فردية أم جماعية.
كما تظهر الموازنة بين نصوص الشرع الجزئية، ومقاصده الكلية، فلا تُعطل
стр. 317
النصوص الجزئية من الكتاب والسنة بدعوى المحافظة على روح الشريعة ومقاصدها، ولا تُترك رعاية المقاصد الكلية استمساكًا بالمسائل الجزئية، مع تأصيل مبدأ تغير الفُتْيَا بتغير الزمان والمكان والحال والأشخاص، وتُراعى أهمية الموازنة بين المحافظة على الوجود الإسلامي للمسلمين خارج البلاد الإسلامية، والدفاع عن الهوية والخصوصية الدينية والحضارية والثقافية، ومقتضيات ما يسمى بالمواطنة في بلاد غير المسلمين.
وهي من جهة أخرى تمهد للرد على من حاول إخراج الوجود الإسلامي في بلاد الأقليات عن سلطان الفقه والأصول والقواعد الشرعية، وذلك بابتداع أو إحداث أصول جديدة.
القاعدة الثانية: الاجتهاد المحقق لشروطه معتبر شرعًا:
المعنى العام للقاعدة:
حتى يكون الاجتهاد معتبرًا فله شروط تتعلق بالمجتهِد، وشروط تتعلق بالمجتهَد فيه.
وإذا صدر الاجتهاد ممن تحققت فيه شروط المجتهد الشخصية من الإسلام والتكليف والعدالة وفقه النفس، وكذا شروط المجتهد العلمية المطلوبة لدى الاجتهاد المطلق أو المقيد من معرفة كتاب الله العزيز، وآيات الأحكام فيه، وما يتعلق بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، والسنة المطهرة وأحاديث الأحكام فيها، وما يتميز به المقبول من المردود، والصحيح من السقيم، ومعرفة اللغة العربية وأساليبها وتراكيبها، وطرائق أهلها، بما يميز به صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، ومعاني الألفاظ والتراكيب، ووجوه الدلالات المختلفة، ومعرفة علم أصول الفقه وقواعد الاستدلال، وأصول الاستنباط، وطرق الترجيح، ومعرفة مسائل الإجماع ومواقعه، ومسائل الخلاف ومظانه، ومقاصد الشريعة، وما بنيت عليه من جلب المصالح ودفع المفاسد، وغير ذلك مما يطلب في شخص المجتهد وصفاته العلمية (١) -فإنه يكون عندئذٍ معتبرًا إذا كان في محلٍّ
стр. 318
يجوز فيه الاجتهاد من كل مسألة ليس عليها دليل نصيٌّ قاطع أو إجماع صحيح منعقد؛ أما ما لم يرد فيه نصٌ ولا إجماع فهو ميدان فسيح ومجال رحبٌ للاجتهاد.
فإذا كانت المسألة اجتهادية مترددة بين النفي والإثبات، ونظر فيها المجتهد المتأهل فاستفرغ وسعه وبذل جهده، وسلك الطرائق المرعية والمناهج المرضية في الاستنباط والاستدلال والترجيح عند التعارض؛ فإن هذا الاجتهاد يكون مقبولًا معتبرًا تترتب عليه آثاره الشرعية والواقعية (١).
أدلة القاعدة:
كل دليل استدل به على مشروعية الاجتهاد من القرآن والسنة والإجماع فهو دليل لهذه القاعدة، وفيما يلي بعض أنواع الأدلة عليها:
أولًا: القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩].
وجه الدلالة: دلَّ قوله تعالى: ﴿إذ يحكَمَان﴾ على أن داود وسليمان ﵇ حكما في هذه الحادثة معًا كلٌّ منهما بحكم مخالف للآخر، ولو كان وحيًا لما ساغ الخلاف، فدل على أن الحكم الصادر من كل منهما اجتهاد، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾؛ إذ خص الله سليمان ﵇ بتفهيمه الحكم الصحيح، ولو كان الحكم نصًّا لاشتركا في فهمه (٢).
стр. 319
ثانيًا: السنة المطهرة:
١ - قوله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (١).
٢ - حديث معاذ بن جبل ﵁ المشهور، وذلك أن النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن، قال له: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله؛ قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ "؛ قال: فبسنة رسول الله ﷺ ؛ قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله؟ "؛ قال:. . . فذكره. فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله" (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديثان على مشروعية الاجتهاد ممن تأهل لرتبته، وقد حفلت السنة النبوية بكثير من الوقائع والحوادث التي اجتهد فيها النبي ﷺ وأصحابه ﵃ (٣).
ثالثًا: الإجماع:
حكى الإمام أبو بكر الجصاص ﵀ (٤) الإجماع على ذلك -قائلًا-: "وقد استقر أن إجماعهم حجة بما قدمنا على تسويغ الاجتهاد في أحكام الحوادث والرجوع إلى النظر والمقاييس" (٥).
стр. 320
وقال ابن تيمية ﵀: "والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة". فالقول بجواز الاجتهاد هو مذهب الجماهير (١)، ومنهم من ذهب إلى أنه فرض كفاية (٢).
وقد رأينا الشاطبي ﵀ يعقد في الشروط العلمية للاجتهاد قاعدة أصولية مفيدة يقول فيها: إن الاجتهاد إن تعلق بالاستنباط من النصوص اشترط له العلم بالعربية، وإن تعلق بالمعاني لزم العلم بمقاصد الشريعة (٣).
وهذا يدل على أن العلم بالعربية أداة فهم النصوص ومن ثم الاستنباط (٤)، وأن العلم بمقاصد الشريعة يعين على الترجيح بين المصالح والمفاسد.
ولقد قرر الشاطبي أن درجة الاجتهاد لا تحصل إلا لمن اتصف بوصفين:
١ - فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
٢ - التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها (٥).
ويستدل لمباشرة الاجتهاد في محالِّه المعتبرة بعد استيفاء شروطه المعتبرة بها هو معلوم من تناهي النصوص، وعدم تناهي الحوادث المستجدة.
وفي هذا المقام يقول الإمام الشاطبي ﵀: "الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة؛ ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، فلا بد من حدوث وقائع لا تكون منصوصًا على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك؛ فإما أن يترك الناس فيها مع أهوائهم، أو ينظر فيها بغير