١ - ينبغي استبعاد تسمية الوجود خارج العالم الإسلامي بـ"الأقليات"؛ أو "الجاليات"؛ لأن تلك التسميات مصطلحات قانونية لا تعبِّر عن حقيقة الوجود الإسلامي الذي يتصف بالشمولية والأصالة والاستقرار والتعايش مع المجتمعات الأخرى، وأن التسمية المناسبة هي مثل: (المسلمون في الغرب)، أو (المسلمون خارج العالم الإسلامي) (١).
كما أن المؤتمر الثاني لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا المنعقد بكوبنهاجن بالدانمرك قد درس في فعالياته التعبير بفقه الأقليات؛ فبيَّن القرار أن هذا التعبير إن قصد به الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية لنوازل الأقليات الإسلامية من خلال القواعد الشرعية المقررة في باب الاجتهاد، وتفعيل الأصول الاجتهادية التي تتعلق بالأحوال الاستثنائية كقاعدة: المصالح، والمآلات، والضرورات، ونحوها، واعتبار خصوصية هذه الأقليات من حيث الاغتراب والالتزام القانوني بأنظمة المجتمعات التي يعيشون فيها، والتطلع إلى تبليغ الدعوة لأهلها، فإن ذلك حق، وينبغي أن يعان عليه من دعا إليه.
أما إن قصد به تتبع الزلات، وتلمس شواذ الأقوال والتلفيق بين آراء المجتهدين، بدعوى التجديد وتحقيق المصالح، فإن هذا مسلك باطل، يفضي في نهاية المطاف إلى فصل هذه الأقليات عن جذور أمتها في الشرق، وتأسيس فقه محدث لنوازلها، وأصول بدعية للاجتهاد فيها، وينبغي التحذير منه، وبيان سوء مغبته، وبذل النصيحة اللازمة لأصحابه (٢).
وهذا القرار وغيره يؤكد من جهة على خضوع جميع المسلمين تحت قاعدة التكليف الكلية بالشريعة الإسلامية أصولًا وفروعًا، كما يؤكد على واقعية الشريعة في اعترافها بالضرورات والحاجات في حياة الناس، سواء أكانت فردية أم جماعية.
كما تظهر الموازنة بين نصوص الشرع الجزئية، ومقاصده الكلية، فلا تُعطل
стр. 317
النصوص الجزئية من الكتاب والسنة بدعوى المحافظة على روح الشريعة ومقاصدها، ولا تُترك رعاية المقاصد الكلية استمساكًا بالمسائل الجزئية، مع تأصيل مبدأ تغير الفُتْيَا بتغير الزمان والمكان والحال والأشخاص، وتُراعى أهمية الموازنة بين المحافظة على الوجود الإسلامي للمسلمين خارج البلاد الإسلامية، والدفاع عن الهوية والخصوصية الدينية والحضارية والثقافية، ومقتضيات ما يسمى بالمواطنة في بلاد غير المسلمين.
وهي من جهة أخرى تمهد للرد على من حاول إخراج الوجود الإسلامي في بلاد الأقليات عن سلطان الفقه والأصول والقواعد الشرعية، وذلك بابتداع أو إحداث أصول جديدة.
القاعدة الثانية: الاجتهاد المحقق لشروطه معتبر شرعًا:
المعنى العام للقاعدة:
حتى يكون الاجتهاد معتبرًا فله شروط تتعلق بالمجتهِد، وشروط تتعلق بالمجتهَد فيه.
وإذا صدر الاجتهاد ممن تحققت فيه شروط المجتهد الشخصية من الإسلام والتكليف والعدالة وفقه النفس، وكذا شروط المجتهد العلمية المطلوبة لدى الاجتهاد المطلق أو المقيد من معرفة كتاب الله العزيز، وآيات الأحكام فيه، وما يتعلق بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، والسنة المطهرة وأحاديث الأحكام فيها، وما يتميز به المقبول من المردود، والصحيح من السقيم، ومعرفة اللغة العربية وأساليبها وتراكيبها، وطرائق أهلها، بما يميز به صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، ومعاني الألفاظ والتراكيب، ووجوه الدلالات المختلفة، ومعرفة علم أصول الفقه وقواعد الاستدلال، وأصول الاستنباط، وطرق الترجيح، ومعرفة مسائل الإجماع ومواقعه، ومسائل الخلاف ومظانه، ومقاصد الشريعة، وما بنيت عليه من جلب المصالح ودفع المفاسد، وغير ذلك مما يطلب في شخص المجتهد وصفاته العلمية (١) -فإنه يكون عندئذٍ معتبرًا إذا كان في محلٍّ
стр. 318
يجوز فيه الاجتهاد من كل مسألة ليس عليها دليل نصيٌّ قاطع أو إجماع صحيح منعقد؛ أما ما لم يرد فيه نصٌ ولا إجماع فهو ميدان فسيح ومجال رحبٌ للاجتهاد.
فإذا كانت المسألة اجتهادية مترددة بين النفي والإثبات، ونظر فيها المجتهد المتأهل فاستفرغ وسعه وبذل جهده، وسلك الطرائق المرعية والمناهج المرضية في الاستنباط والاستدلال والترجيح عند التعارض؛ فإن هذا الاجتهاد يكون مقبولًا معتبرًا تترتب عليه آثاره الشرعية والواقعية (١).
أدلة القاعدة:
كل دليل استدل به على مشروعية الاجتهاد من القرآن والسنة والإجماع فهو دليل لهذه القاعدة، وفيما يلي بعض أنواع الأدلة عليها:
أولًا: القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩].
وجه الدلالة: دلَّ قوله تعالى: ﴿إذ يحكَمَان﴾ على أن داود وسليمان ﵇ حكما في هذه الحادثة معًا كلٌّ منهما بحكم مخالف للآخر، ولو كان وحيًا لما ساغ الخلاف، فدل على أن الحكم الصادر من كل منهما اجتهاد، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾؛ إذ خص الله سليمان ﵇ بتفهيمه الحكم الصحيح، ولو كان الحكم نصًّا لاشتركا في فهمه (٢).
стр. 319
ثانيًا: السنة المطهرة:
١ - قوله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (١).
٢ - حديث معاذ بن جبل ﵁ المشهور، وذلك أن النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن، قال له: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله؛ قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ "؛ قال: فبسنة رسول الله ﷺ ؛ قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله؟ "؛ قال:. . . فذكره. فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله" (٢).
وجه الدلالة:
دل الحديثان على مشروعية الاجتهاد ممن تأهل لرتبته، وقد حفلت السنة النبوية بكثير من الوقائع والحوادث التي اجتهد فيها النبي ﷺ وأصحابه ﵃ (٣).
ثالثًا: الإجماع:
حكى الإمام أبو بكر الجصاص ﵀ (٤) الإجماع على ذلك -قائلًا-: "وقد استقر أن إجماعهم حجة بما قدمنا على تسويغ الاجتهاد في أحكام الحوادث والرجوع إلى النظر والمقاييس" (٥).
стр. 320
وقال ابن تيمية ﵀: "والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة". فالقول بجواز الاجتهاد هو مذهب الجماهير (١)، ومنهم من ذهب إلى أنه فرض كفاية (٢).
وقد رأينا الشاطبي ﵀ يعقد في الشروط العلمية للاجتهاد قاعدة أصولية مفيدة يقول فيها: إن الاجتهاد إن تعلق بالاستنباط من النصوص اشترط له العلم بالعربية، وإن تعلق بالمعاني لزم العلم بمقاصد الشريعة (٣).
وهذا يدل على أن العلم بالعربية أداة فهم النصوص ومن ثم الاستنباط (٤)، وأن العلم بمقاصد الشريعة يعين على الترجيح بين المصالح والمفاسد.
ولقد قرر الشاطبي أن درجة الاجتهاد لا تحصل إلا لمن اتصف بوصفين:
١ - فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
٢ - التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها (٥).
ويستدل لمباشرة الاجتهاد في محالِّه المعتبرة بعد استيفاء شروطه المعتبرة بها هو معلوم من تناهي النصوص، وعدم تناهي الحوادث المستجدة.
وفي هذا المقام يقول الإمام الشاطبي ﵀: "الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة؛ ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، فلا بد من حدوث وقائع لا تكون منصوصًا على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك؛ فإما أن يترك الناس فيها مع أهوائهم، أو ينظر فيها بغير
стр. 321
اجتهاد شرعي، وهو أيضًا اتباع للهوى، وذلك كله فساد" (١).
وقد يرتقي حكم الجواز هنا إلى الوجوب في حق المجتهدين في حالة حاجة الناس الشديدة لمعرفة حكم تلك النازلة مع ضيق وقت النظر والاجتهاد، فحينئذ يتعين على القادر من أهل الاجتهاد التصدي لهذه النازلة وأداء هذه المهمة (٢).
تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات:
وهذه القاعدة بمنطوقها تقيد الناظر في مسائل ونوازل الأقليات المسلمة بشروط الاجتهاد المعتبرة في شخص المجتهد، وهي تؤكد على هذا المعنى من جهة أن كثيرًا من تلك النوازل الفقهية إنما هي وقاع مستجدة، ربما لا تسعف الفقيه فيها نصوص حاضرة، فهي إلى عمل المجتهد المطلق أقرب منها إلى عمل المجتهد المقيد، وهي إلى ما يسمى "بالاجتهاد الإنشائي" أو "الإبداعي" أقرب منها إلى ما يسمى "بالاجتهاد الانتقائي" (٣).
كما تؤكد هذه القاعدة على اتباع المنهج المعتبر في الاجتهاد والاستنباط والذي يقوم على قاعدة النصوص التفصيلية أولًا ثم ينظر في المصالح والمقاصد ثانيًا، وُيعنَى بفقه الواقع وما تتميز به الأقليات المسلمة في بلاد غير المسلمين من خصائص وظروف دقيقة ثالثًا، وما ينبغي أن يحصل مراعاةً لفقه الأولويات وتحقيقًا لقاعدة الموازنات بين المصالح والمفاسد والإيجابيات والسلبيات والمنافع والمضار أخيرًا.
يقول الشاطبي ﵀: "المنافع والمضار عامتها أن تكون إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية أنها منافع ومضار في حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون
стр. 322
شخص أو وقت دون وقت. . . فكثير من المنافع تكون ضررًا على قوم لا منافع، أو تكون ضررًا في وقت أو حال، ولا تكون ضررًا في آخر" (١).
وهذه القاعدة على هذا النحو تؤصل لفقه نوازل الأقليات المسلمة في غير بلاد المسلمين انطلاقًا من النصوص التفصيلية الجزئية، ومن قواعد الاستنباط الأصولية، وفي محالِّ الاجتهاد المعتبرة مع رعاية الضرورات والحاجات وخصوصيات الأقليات.
وهذا المنحى يمثل جماهير علماء المسلمين في مجامعهم الفقهية وهيئاتهم العلمية الموجودة في الغرب، كالمجلس الأوروبي للإفتاء، ومجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، وسائر المجامع الفقهية في بلاد المسلمين.
كما أن القاعدة ترد بمفهومها على منحى آخر يخالف هذا المنحى قد بدا وظهر ليقدم حلولًا عملية لمشكلات واقعية لا يعتني بالاجتهاد الأصولي المعتبر، ولا يطلب تحقيق شروطه، وإنما هو يستأنس بروح الشرع وعمومياته، ولا يستنبط الأحكام وفق علم أصول الفقه وآلياته، ولا ينظر كثيرًا إلى الأدلة التفصيلية ولا يُعَوِّلُ عليها!!
وعند الخوض في فقه الأقليات يعتبر أن هذا الفقه ليس فقهًا فروعيًّا وإنما هو فقه أصولي كلي يشتمل على عقائد وأخلاق ومبادئ وقيم لا مجرد أحكام!
وهو اتجاه يستفز إلى تجديد لا في الفقه فحسب! بل في أصول الفقه أيضًا!!
ويبرز في التنظير لهذا الاتجاه، د. طه جابر العلواني وهو رئيس المجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، ورئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا بأمريكا، ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي بفرجينيا أيضًا، حيث يقول: "لا يمكن إدراج "فقه الأقليات" في مدلول "الفقه" كما هو شائع الآن -أي: فقه الفروع- بل الأولى
стр. 323
إدراجه ضمن "الفقه" بالمعنى العام الذي يشمل كل جوانب الشرع اعتقادًا وعملًا، بالمعنى الذي قصده النبي ﷺ في قوله: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (١).
أو الفقه الاكبر كما دعاه الإمام أبو حنيفة ﵀، وأطلقه على الكتاب المنسوب إليه؛ لذلك رأينا ضرورة ربطه بالفقه الأكبر وضعًا للجزء في إطار الكل، وتجاوزًا للفراغ التشريعي أو الفقهي" (٢).
وبدرجة ما ينضم د. جمال الدين عطية إلى هذا الاتجاه (٣)، ود. جمال الدين كان مستشارًا أكاديميًّا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ومديرًا لمكتبه بالقاهرة في الفترة من ١٩٨٧ م - ١٩٩٢ م، وأمينًا عامًّا للموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف الكويتية في الفترة من ١٩٦٩ م - ١٩٧١ م، وهو الآن مدير لمشروع معلمة القواعد الفقهية التابع للمجمع الفقهي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي.
ويبدو هذا المنحى مباينًا ومزايلًا لمنحى الجماهير سلفًا وخلفًا، فما رأينا منذ محمد بن الحسن الشيباني في كتابيه السير الكبير والصغير من دعا إلى هذا، وإن "الاجتهاد الانتقائي" الذي يتحدث عنه، فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي بقوله: "ينتقي من القديم في ضوء الأصول والاعتبارات الشرعية"، و"الاجتهاد الإبداعي"، والذي يواجه ما امتلأت به الحياة المعاصرة من ألوف المسائل الجديدة التي لا يمكن أن تجد لها جوابًا مباشرًا في تراثنا الفقهي العظيم، هذا الاجتهاد الإبداعي وسابقه الانتقائي يراعيان الاستناد إلى القواعد الفقهية الأصولية التي أصَّلها العلماء وحررها الفقهاء، وهي كثيرة وفيرة، وقد ذكر منها الدكتور القرضاوي نفسه نحو أربعين قاعدة (٤).
стр. 324
ويؤكد على هذا المعنى، فضيلة الدكتور عبد المجيد النجار الأمين العام المساعد للمجلس الأوروبي للإفتاء وهو يتحدث عن تأسيس قواعد تأصيلية لفقه الأقليات المسلمة فيقول: "لا يقصد منه تأسيس اختراعي لقواعد جديدة تستحدث به استحداثًا بعد أن لم تكن موجودة في المدونة التراثية لعلم أصول الفقه بفروعه المختلفة، بقدر ما يقصد منه تأسيس يستثمر فيه ما جاء في تلك المدونة من ثراء في قواعدها وضوابطها، لتستخلص جملة منها تؤلف في بناء جديد، وتوجه توجيهًا جديدًا، بحيث يتكون منها منهج أصولي متكامل يؤصل لفقه الأقليات" (١).
ومن قراءة ما يقدمه د. النجار يتضح أنه لا يدخل في قواعد فهم النص واستنباط فقه جديد بقدر ما يدخل في قواعد تطبيق النص والإفتاء به، فهي قواعد حركية لحل إشكالات أكثر منها قواعد نظرية، وهي قواعد إفتاء أكثر منها قواعد استنباط أحكام (٢).
إن ما يقدمه د. طه العلواني تحت عنوان: (نحو بناء أصول لفقه الأقليات)، يعد ثورة وانقلابًا في علم الأصول والقواعد الفقهية! فبالرغم من استدراك فضيلته المبدئي بعدم تجاهل أدلة الفقه ولا شروط الاستنباط منها. . . إلا أنه يعود في صفحات عدة ليطرح منهجًا جديدًا تمام الجِدَّة على الفقه الموروث في أصول الاجتهاد وبناء الأحكام التكليفية وتفريعها، لتقويم الفعل الإنساني وإعطائه الوصف اللائم له من كونه "ينبغي أن يفعل" أو "لا ينبغي أن يفعل" ونحو ذلك.
ويمكن أن نختصر أصول العلواني الفقهية الجديدة في الجمع بين القراءتين، ثم حاكمية القرآن على السنة، والطبيعة المبينة فقط (غير الإنشائية للحكم) بالنسبة للسنة
стр. 325
النبوية، وتراجع معنى الحجية في الإجماع والقياس إلى مستوى الوسائل المنهجية أو دوائر الفهم، والفهم بالعموميات من المبادئ الأساسية والقيم الحاكمة والمقاصد العليا والقواعد الكلية لا بالنصوص الجزئية، والمنطق القرآني الكامن في القرآن الذي يقدر الإنسان على كشفه ليشكل قوانين تعصم "العقل الموضوعي" من الشذوذ والخطأ، ويمكن أن توجد قاعدة مشتركة للتفكير بين البشر (هكذا كل البشر!)، ثم اعتبار عالمية الخطاب القرآني، التي يواجه بها الحالة العالمية الراهنة بوصفه كتابًا يقوم على "قواعد إنسانية وقيم مشتركة".
(هذا الاتجاه) لا يمثل تجديدًا عاديًّا، بل تجديدًا جذريًّا، يوشك أن يكون تدميريًّا؛ أهم مآلاته:
١ - أنه لا ينبغي الرجوع إلى أعيان الأدلة التفصيلية (الآيات القرآنية والأحاديث النبوية) بقدر ضرورة العودة إلى أجناسها بفهم عام غير تفصيلي!
٢ - إحلال القيم والمقاصد والمبادئ والقواعد العامة محل الدلالات الخاصة للأدلة التفصيلية؛ بدلًا من أن تأتي الأولى في مقام المعضدات والضوابط للثانية!
٣ - إنشاء قواعد جديدة للترجيح بين الدلالات وفقًا لرؤى جديدة!
٤ - إلقاء غشاوة ثقيلة على الحديث وعلومه، وعلى الفقه وأصوله بذريعة النسبية في مقابل الإطلاق القرآني وحده، بل إن السنة نفسها بجملتها أدرجت في عالم النسبي "الزمكاني" باعتبارها كما يقول فضيلة الدكتور العلواني بيانًا للقرآن وتنزيلاً لقيمه في واقع نسبي محدد.
٥ - فتح المجال أمام أهل الرأي والفكر المجرد من السند الشرعي التفصيلي؛ لكي يتكلموا بكلام الفقهاء في أفعال المكلفين بما ينبغي فعله وما لا ينبغي، على حد تعبير الدكتور العلواني!
стр. 326
وثمة إشكال تأصيلي آخر يظهر في النموذج الأخير -وهو الدكتور جمال الدين عطية-، فبالإضافة إلى اعتماد أفكار المدرسة الإنسانية في النظرة إلى ما يسمى اليوم بـ "الآخَر" من "وحدة الأصل الإنساني" و"كرامة الإنسان، مطلق الإنسان" و"وحدة الدين"؛ أي: العقيدة، "وسنة التنوع"، ورفض الإسلام لكل أنواع التمييز حتى التمييز بسبب الدين! ومفاهيم المواطنة والولاء الاجتماعي. . . إلخ، ثم اعتماد أفكار نفس المدرسة في "العلاقة مع الآخر" لا سيما المساواة والحريات، والموضوعية وعدم التحيز، إلا أننا لا نركز في مسألة التأصيل إلا على القضية الأخطر، وهي قضية المرجعية فإذا كان بحث الدكتور العلواني يخلي الطريق في التعامل مع النص من زخم القواعد اللغوية وقواعد علوم الدلالة وما إلى ذلك، ليحلِّيها بقواعد فكرية استنبطها فضيلته من قراءته الخاصة للدين ومصادره لا سيما القرآن الكريم؛ فإن الدكتور جمال الدين عطية بعد أن يستعرض تعريفًا وصورًا لواقع الأقليات، ينتقل مباشرة إلى ما سماه المرجعية الدولية التي يجعلها مع المرجعية الشرعية في حزمة المرجعية المطلقة! ورغم أنها أعراف ومنتجات بشرية إلا أنه يجعلها في نفس رتبة الكتابات الفقهية الشرعية، فيقول: "وبالذات الكتابات الفقهية ما هي إلا اجتهادات بشرية ليس لها إلزام شرعي، فضلًا عن أن هذه الاجتهادات كانت استجابة لظروف زمانية ومكانية مختلفة عن ظروفنا الحالية، وإننا بحاجة إلى اجتهادات جديدة تراعي ظروفنا وتعالج مستجدات الأمور" (١).
واستدراك الدكتور جمال على ذلك، ورغم عرضه لما سماه "المرجعية الشرعية" بصورة اجتهاد منه في تأصيل النظرة، ثم العلاقة مع الآخر، إلا أنه يخلص في مبحثه الأخير (الثامن) إلى أنه قد اتضح من الدراسة الحالية أنه: لا تعارض بين الاتجاه الدولي
стр. 327
والرؤية الإسلامية، بل إنهما يتكاملان؛ إذ تقدم الرؤية الإسلامية الأساس النظري والمبادئ العملية التي تشكل المادة التي تترجمها المواثيق الدولية إلى التزامات قانونية، وتنشئ لمراقبة تطبيقها الآليات الضرورية.
هكذا صارت الرؤية الإسلامية "المادة"، بينما المترجم عنها هو القانون الدولي "المرجعية الدولية" ومن ثم ما الداعي للتحدث بالمترجم طالما سهل التحدث بالمترجم عنه؟! (١)
إن هذا المنحى في التأصيل لفقه ونوازل الأقليات يطلق الاجتهاد من ثوابته وضوابطه المعتبرة، فلا يعتبر عندئذٍ اجتهادًا، أو لا يكون معتبرًا! ومن عجب أن الغرب لم يقبل مثل هذا الطرح المنفلت ولا أصحابه، فلفظهم فيمن لفظ بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (٢٠٠١ م)!
وعليه فإنه لا مناص عند تأصيل فقه الأقليات من الاحتكام إلى الأصول القطعيات والنظر بعين الاعتبار إلى الموروث من الفقهيات، بعد التقيد بالنصوص في الشرعيات، واستصحاب مقاصد فقه الأقليات.
القاعدة الثالثة: ليس على المجتهد التقيد بالمذاهب الفقهية الأربعة أو قول الجمهور:
المعنى العام للقاعدة:
إذا كان المجتهد مستقلًّا عن الانتساب لمذهب متبوع فلا إشكال في كونه لا يتقيد بمذهب بعينه، بل ما أداه إليه اجتهاده هو الذي يصير إليه سواء خالف أم وافق إمامًا بعينه، فأما إن كان المجتهد منتسبًا لمذهب إمام بعينه وهو مقيد بالْفُتْيَا على مذهبه فعليه أن يفتي مستندًا إلى الأدلة النقلية، أو مستنبطًا منها بالاجتهاد، ومتى بان له الحق في خلاف مذهبه فانتقل عنه إلى غيره لم يكن عليه من حرج.
стр. 328
دليل القاعدة:
الإجماع المستند إلى الأدلة النقلية الكثيرة، وعلى هذا اتفقت كلمة الأئمة في كل زمان ومكان، يقول الشافعي ﵀: "على أن ليس لأحد أبدًا أن يقول في شيء حلَّ أو حَرُمَ إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر في الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس" (١).
ويقول ابن حزم ﵀: "كل قول بمجرد الدعوى بلا برهان فهو مطروح ساقط" (٢).
ويقول ابن تيمية ﵀: "فليس لأحد من خلق الله كائنًا من كان أن يبطل قولًا، أو يحرم فعلًا إلا بسلطان الحجة" (٣).
والأدلة على وجوب اتباع الدليل أظهر وأشهر من أن يشار إليها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤].
والاستدلال هو منهج السلف الذي لم يحيدوا عنه، فلقد: "كان أئمة المسلمين لا يتكلمون في الدين بأن هذا واجب، أو مستحب، أو حرام، أو مباح إلا بدليل شرعي من الكتاب أو السنة وما دلَّا عليه" (٤).
ومن هنا كان الفقه عند المحققين من العلماء وأئمة السلف مبناه على الاستدلال؛ ولذا ذكر ابن تيمية أن "الفقه لا يكون إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية من الكتاب والسنة والإجماع نصًّا واستنباطًا"، وقال عن الذين لم يحققوا الفهم للأدلة السمعية الثبوتية نصًّا واستنباطًا: "ليسوا في الحقيقة فقهاء في الدين؛ بل هم نقلة لكلام
стр. 329
بعض العلماء ومذهبه" (١).
والأدلة الشرعية بالجملة تنقسم إلى قسمين: نقلية وعقلية؛ فأما النقلية: فالكتاب، والسنة، والإجماع، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، وأما العقلية: فالقياس، والمصلحة المرسلة، والعرف، والاستصحاب.
كما أن الأدلة النقلية تحتوي الأدلة العقلية، وكذا الأدلة العقلية تستند إلى الأدلة النقلية؛ إذ العقل لا يستقل بإثبات الأحكام، ومرجع ذلك إلى الوحي المعصوم كتابًا وسنة، والسنة وحي بدلالة القرآن، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، وقد أمر الله في القرآن باتباع السنة وهدي الرسول ﷺ ، فأعاد أمر السنة إلى القرآن.
وأما الإجماع فلا يتصور إلا بدليل يشهد له من القرآن أو السنة، وكذلك القياس لا يتم إلا بدليل من جهتهما.
وعلى ما سبق فإن مرجع الأدلة إلى القرآن، أو السنة، والسنة ترجع إلى القرآن، وعليه فإنه يصح القول بأن مرجع جميع أدلة الأحكام إلى القرآن.
وأما ما نقل فيه الحكم عن الجمهور أو أكثر أهل العلم أو الأئمة الأربعة وما أشبه؛ فهذا كله لا يُعَدُّ حجةً بذاته عند الأصوليين؛ إذ إن الكثرة لا تعتبر دليلًا؛ إذ ربما كان الحق بجانب الواحد مجانبًا للأكثر (٢).
وقد رأى أبو بكر ﵁ قتال مانعي الزكاة، ورفضه أكثر الصحابة، فلما ثبت على رأيه وأيده بأدلته رجعوا إلى قوله.
стр. 330
وكم من قول انفرد به مجتهد، فَرُفض رأيه وعُودي من أجله، ورُمي بالعظائم، ثم تبين للناس بعد ذلك أنه الحق؛ فالترجيح بالمعنى والأدلة، لا بالكثرة، ولا أثر للمخالفة والموافقة في ذلك، وإنما ينبغي أن تذكر الموافقة والمخالفة لمجرد الاستئناس، لا للاحتجاج، ولا للترجيح.
ومثل ذلك أيضًا: ما لو اتفق الأئمة الأربعة على قول اجتهادي في المسألة، فلا يمنع ذلك أن يفتي المجتهد بخلافه مما يتبين له أنه الحق بالدليل؛ إذ لا دليل يدل على انحصار الحق في قولهم؛ لأن إجماعهم ليس بحجة، بل الحجة في إجماع الأمة، وقد قال ابن تيمية ﵀: "ولو قضى أو أفتى يقول سائغ يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة في مسائل الأيمان والطلاق وغيرهما، مما ثبت فيه النزاع بين علماء المسلمين، ولم يخالف كتابًا ولا سنة ولا معنى ذلك؛ بل كان القاضي به والمفتي به يستدل عليه بالأدلة الشرعية، كالاستدلال بالكتاب والسنة؛ فإن هذا يسوغ له أن يحكم به ويفتي به، ولا يجوز باتفاق الأئمة الأربعة نقض حكمه إذا حكم به، ولا منعه من الحكم به ولا من الفُتيا به، ولا منع أحد من تقليده" (١).
وإن كان ما سبق نقله لا يمنع من أن يقال: إن ترجيح مذهب الجمهور (٢) واعتماده يعني في الأغلب موافقة الأكثر من المجتهدين من لدن الصحابة والتابعين، وهو يحمل في طياته موافقة الوحي والخبر عن رسول الله ﷺ والتابعين، سواء في النقل أو الاستدلال.
والأصل هو كثرة الحقِّ والصواب في مسائل الجمهور من غير قطع بذلك في جميع المسائل.
وقد مال عدد من أهل العلم إلى جعل مذهب الجمهور أحد المرجحات عند الخلاف.
ومن هذا القبيل ترجيح المزني (٣) قول الشافعي ﵀ في القديم من مذهبه بجواز
стр. 331
المسح على الجرموق خلافًا لقوله الجديد بالمنع من ذلك، تحرزًا من انفراد الشافعي عن سائر العلماء الذين وافقوه في مذهبه القديم. قال المزني ﵀: "قال الشافعي: ولا يمسح على جرموقين. قال (يعني الشافعي) في القديم يمسح عليهما.
قال المزني: قلت أنا: ولا أعلم بين العلماء في ذلك اختلافًا، وقوله (يعني قول الشافعي) معهم (يعني مع العلماء) أولى به من انفراده عنهم" (١).
ومن هذا القبيل: ترجيح الموفق ابن قدامة إحدى الروايتين عن أحمد ﵀ باعتبارات عدة، منها: أنه قول أكثر أهل العلم، ومن أمثلة ذلك: اختلاف الروايتين عن أحمد في من جنى على سن فسودها هل فيها حكومة، أم ثلث الدية؟ (٢)، ومن أمثلته: ما قاله الموفق في مسألة الموضحة في الوجه والرأس وأنها فيهما سواء، وقد روى عن أحمد ما يخالف ويوافق هذا، قال الموفق: "وحمل كلام أحمد على هذا (يعني التسوية فيهما) أولى من حمله على ما يخالف الخبر والأثر وقول أكثر أهل العلم" (٣).
ومن هذا القبيل: ترجيح الإمام ابن بطال المالكي لإحدى الروايتين عن مالك -رحمه الله تعالى- في مسألة التكبير بعد الفراغ من التشهد الأول من حين بدء قيامه إلى الركعة الثالثة أو بعد انتصابه قائمًا، "قال ابن بطال: وهذا الذي يوافق الجمهور أولى (يعني الرواية الأولى)، قال: وهو الذي تشهد له الآثار". نقله عنه النووي ﵀ (٤).
قال الحافظ ابن الصلاح -ذاكرًا بعض ما يترجح به أحد القولين للشافعي أو الوجهين
стр. 332
للأصحاب (يعني أصحاب الشافعي في المذهب) -: "ويترجح ما وافق منهما أكثر أئمة المذاهب المتبوعة أو أكثر العلماء" (١)، قال النووي: "وهذا الذي قاله فيه ظهور واحتمال" (٢).
وبالجملة فإذا كان المجتهد مستقلًّا لم يجز له أن يفتي بمذهب أحدٍ من المجتهدين، بل يجب عليه أن يفتي بما هو حكم الله في نظره هو، ولا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين إلا عند الضرورة؛ لأن هذا النوع من المفتين هو الذي يستقل بالأدلة بغير تقليد وتقيُّد بمذهب أحد (٣).
فأما إن كان المفتي منتسبًا إلى مذهب إمام بعينه؛ فإن كان سالكًا سبيل ذلك الإمام في الاجتهاد ومتابعة الدليل -وهذا هو المتبع للإمام حقيقة- فله أن يفتي بما ترجح عنده من قول إمام آخر إن اجتهد فأداه اجتهاده إلى ذلك (٤).
ولا يجوز له أن يفتي بما يعتقده مرجوحًا، للإجماع على ذلك؛ فإن أفتى به أثم؛ لأنه اتباع للهوى، وهو حرام؛ فإن تعارضت الأدلة عنده وعجز عن الترجيح، فيرى الإمام الشافعي أن له الحكم بأيهما شاء لتساويهما عنده، ولمقلده الحكم بأحد القولين إجماعًا (٥).
ويرى الشاطبي أنه يجب عليه التوقف؛ وذلك لأن الجمع بين الدليلين في العمل جمع بين متنافيين، ورجوع إلى إثبات الاختلاف في الشريعة، وهو باطل (٦).
قال ابن دقيق العيد: "هذه المسألة من مشكلات الأصول، والمختار عند المتأخرين الوقف" (٧).
مما تقدم نجد أن أكثر فقهاء الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة أكدوا على أن
стр. 333
المجتهد يجب عليه أن يتحرى أرجح الأقوال ويفتي بها، ولا يفتي بالمرجوح.
الترجيح:
الذي يظهر أن المجتهد عليه أن يبحث ويتحرى أرجح الأقوال فيفتي به، وذلك: لأن المفتي واجب عليه الإفتاء بما يعتقد أنه راجح عنده، حتى ولو كان ذلك الراجح مخالفًا لمذهب إمامه، والإجابة بالمرجوح ميل عن الدليل، والتمسك به تعصب لا داعي له، بل إن المفتي واجب عليه أن يتنزه منه؛ ولذلك قال الإمام أحمد ﵀: "إذا جاءت المسألة ليس فيها أثر فأفتِ فيها يقول الشافعي" (١). ويقول ابن القيم ﵀: "ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلًا" (٢).
وقال ابن القيم: "والصواب أنه إذا ترجح عنده قول غير إمامه بدليل راجح، فلا بد أن يخرج على أصول إمامه وقواعده؛ فإن الأئمة متفقة على أصول الأحكام، ومتى قال بعضهم قولًا مرجوحًا، فأصوله ترده وتقتضي القول الراجح، فكل قول صحيح فهو يُخَرَّجُ على قواعد الأئمة بلا ريب، فإذا تبين لهذا المجتهد المقيد رجحان هذا القول وصحة مأخذه خرج على قواعد إمامه، فله أن يفتي به، وبالله التوفيق.
وقد قال القفال (٣): لو أدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة، قلت: مذهب الشافعي كذا، لكني أقول بمذهب أبي حنيفة؛ لأن السائل إنما يسألني عن مذهب الشافعي،
стр. 334
فلا بد أن أعرِّفه أن الذي أفتيته به غير مذهبه.
فسألت -أي: ابن القيم- شيخنا؟ -يعني: ابن تيمية- قدَّس الله روحه عن ذلك، فقال: أكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معين عند الواقعة التي سأل عنها، وإنما سؤاله عن حكمها، وما يعمل به فيها، فلا يسع المفتي أن يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه" (١).
تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات:
تقرر بوضوح مما سبق عرضه أنه إذا كان المجتهد مستقلًّا أو غير مستقل بالنظر في المسائل والأحكام الفقهية فإنه مطالب بأن ينتهي إلى ترجيح ما غلب على ظنه أنه الصواب سواء أكان مقيدًا بمذهب من المذاهب الأربعة المتبوعة أم لا.
ولا شك أن المجتهد والمفتي في نوازل الأقليات المسلمة يحتاج إلى هذه السعة في مجال البحث والموازنة والترجيح، فله أن يأخذ بمذهب فقهي يخالف مذهبه، وله أن يميل إلى آراء بعض المجتهدين الذين تحرروا من ربقة التقليد، وله أن يأخذ بمذاهب الصحابة المنقولة نقلًا صحيحًا، وقد ذهب ابن السبكي من الشافعية إلى جواز تقليد الصحابة ﵁ خلافًا للمعتمد في المذهب، وقال: "وهو الصحيح عندي" (٢).
وانتصر ابن القيم لهذا المنهج فقال: "لا يسع المفتي أو الحاكم عند الله أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الأئمة ويأخذ برأيه وترجيحه، ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري وإسحاق بن راهويه (٣)، وعلي بن المديني (٤)، بل
стр. 335
يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلده على فتوى أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود ﵃. فلا يُدرى ما عذره غدًا عند الله إذا سوَّى بين أقوال أولئك وفتاويهم، فكيف إذا رجحها عليها؟! فكيف إذا عيَّن الأخذ بها حكمًا وإفتاءً، ومنع الأخذ بأقوال الصحابة؟!! " (١).
ولأهمية هذا المسلك يخاطب ابن القيم المفتين بقوله: "أيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر إذا أفتى بفتوى وأفتى من قلدتموه بغيرها؟ ولا سيما من قال من زعمائكم: إنه يجب تقليد من قلدناه ديننا، ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق ﵁، اللهم إنا نشهدك أن أنفسنا لا تطيب بذلك، ونعوذ بك أن نطيب به نفسًا" (٢).
وهو في هذا المسلك يتبع شيخه ابن تيمية ﵀، الذي قال: "وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها، واعتبر هذا بمسائل الأيمان والنذر والعتق والطلاق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط ونحو ذلك.
وقد بينت فيما كتبته أن المنقول فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال قضاءً وقياسًا، وعليه يدل الكتاب والسنة، وعليه يدل القياس الجلي، وكل قول سوى ذلك تناقض في القياس مخالف للنصوص، وكذلك في مسائل غير هذه مثل: مسألة ابن الملاعنة، ومسألة ميراث المرتد، وما شاء الله من المسائل لم أجد أجود الأقوال فيها إلا الأقوال المنقولة عن الصحابة، وإلى ساعتي هذه ما علمت قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا
стр. 336
وكان القياس معه" (١).
وقد تقرر أن للمجتهد غير المستقل أن ينتقل عن مذهبه إلى غيره إذا لحق الناس بسببه عنت وشدة، أو كان مأخذه ضعيفًا ودليله غير ناهض.
ولقد خالف أبا حنيفة ﵀ صاحباه وتلاميذُه النجباء، ورأينا هذا في بقية تلاميذ الأئمة الثلاثة.
وفي حق السائل قال النووي ﵀: "الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزم المقلد التمذهب، بل يستفتي من شاء أو من اتفق" (٢)، وقال ابن حجر ﵀: "وظاهره جواز الانتقال وجواز تقليد إمام في مسألة، وآخر في أخرى وهكذا من غير التزام مذهب معين، أفتى به العز ابن عبد السلام" (٣).
وقد مال التقنين في بلاد كثيرة إلى الأخذ بمذاهب غير الأئمة الأربعة، كاعتبار أغلب الدول بترجيح اعتبار الطلاق الثلاث دفعة في مجلس واحد طلقة واحدة.
إننا قد نرى بعض المذاهب تشدد في مسألة، على حين يخفف فيها مذهب آخر أو مذاهب أخرى، وبعضها يضيق في قضية غاية التضييق، وغيره يوسع فيها غاية التوسعة، وهذا يعطينا فرصة للموازنة والترجيح، واختيار ما هو أهدى سبيلًا، وأرجح دليلًا، ومن هذه الأدلة المعتبرة: أن يكون الرأي أو المذهب أدنى إلى تحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الخلق، فما قامت الشريعة إلا لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد (٤).
ولذا لا يصح الإنكار على المجلس الأوروبي للإفتاء في فتياه بجواز ميراث المسلم
стр. 337
من غير المسلم، مع موافقة ذلك لرأي معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃، ومحمد بن الحسن، وسعيد بن المسيب، ومسروق (١) ويحيى بن نعيم (٢)، وإسحاق بن راهويه وابن تيمية وابن القيم، وإن كان مخالفًا لما استقرَّ في مذاهب الأئمة الأربعة (٣).
ومن التطبيقات المتعلقة بهذه القاعدة في مجتمع الأقليات المسلمة وفقهها أهمية دور وأعمال المجامع الفقهية المعاصرة وهيئات الفُتْيَا العامة، ولا شك أن هذا من حسنات هذه الأمة المحمدية المرحومة في هذا الزمان؛ فإن هذه الفتاوي تشبه إلى حد بعيد ما كان يقع في الصدر الأول حين تنزل نازلة فيجمع لها الصِّدِّيق رءوس الناس وخيارهم فيستشيرهم ويأخذ برأيهم إذا اجتمع، وكذا كان الفاروق يفعل (٤)، وهذا ما يمكن تسميته بالإفتاء الجماعي، أو الاجتهاد الجماعي.
وكثيرًا ما تصدر الفتوى بالأغلبية داخل هذه المواقع، وهذا يدل بدوره أيضًا على أنها لا تمثل في أقصى تقدير إلا موقف الجمهور من النوازل المعاصرة.
وقد قال الشاعر:
لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَاسَرَاةَ لَهُمْ ... وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
وما من شك في أهمية هذه المجامع لا سيما في الاجتهاد في حكم تلك المسائل التي يتغير الحكم فيها تبعًا للمصلحة، كما فعل عمر ﵁ بإيقاف سهم المؤلفة قلوبهم من
стр. 338
الزكاة؛ لعدم توافر سببه، فلو عاد دور المؤلفة قلوبهم في إعزاز الدين فإنه ينبغي أن يعود لهم سهمهم، غير أن الأحكام التي تتغير لتغير مصلحتها لا يجوز أن يقوم بالنظر والاجتهاد فيها إلا من بلغ درجة الاجتهاد. . . وضمانة لعدم استغلال هذه القاعدة في تعطيل شرع الله بذريعة تغير المصلحة، يجب أن يكون الاجتهاد في هذا النوع من الأحكام اجتهاداً جماعيًّا؛ لكونه أكثر ضمانة في التحري عن المصلحة وتغيرها، وأكثر دقة في الابتعاد عن الهوى، وأكثر إصابة للحق وعدم الأخذ بمجرد توهم التغير، بينما في الاجتهاد الفردي قد يستغله من يريد تعطيل شرع الله، أو من يسيطر عليه هواه في التخلص والتمرد على أحكام الشريعة بذريعة تغيرها لتغير المصلحة التي جاءت لعلاجها (١).
كذا يطلب الاجتهاد الجماعي فيما يتغير الحكم فيه لتغير حال محكومه زمانًا أو مكانًا.
فالأحكام الشرعية جاءت لمعالجة أوضاع الأمة بما يحقق مصالحها الدنيوية والأخروية، وهذه الأحكام تنزل على محلاتها طالما توفر في ذلك المحل أركانه وشرائطه وأسبابه؛ فإن تغير شيء منها نتيجة تغيرات زمنية أو مكانية، توقف إجراء ذلك الحكم لتغير محله، فإذا ما عاد لذلك المحل كامل صفاته الموجبة لإنزال الحكم عاد الحكم وأنزل على محله (٢).
والتغير هنا ليس تغيرًا في الحكم، وإنما هو تغير في مناط الحكم، ومثل هذا لا يعد تغييرًا ولا تبديلًا إذا ما روعي في كل حادثة الظروف والملابسات التي لها صلة بالحكم، فإذا تغيرت الظروف والملابسات المحيطة بالواقعة تغيرت بذلك المسألة وتبدل وجهها، وكانت مسألة أخرى اقتضت حكمًا آخر لها (٣).
وقد رأينا النبي ﷺ ينهى عن قطع الأيدي في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو
стр. 339
أشد من تعطيل الحد أو تأخيره، وهو ردة بعض المسلمين؛ لذا ذهب كثير من العلماء إلى أن الحدود لا تقام في أرض العدو.
وغني عن التنبيه أن أعمال مجامع الإفتاء والمجامع الفقهية المتعددة لا تقضي على اجتهاد الأفراد ولا تغني عنه؛ لأنه حق لا مصادرة عليه، إذا كان من أهله وفي محله، وسواء أصاب المجتهد أم أخطأ فإن هذا الحق لا يسقط ولا يسلب ممن تأهل لرتبة الاجتهاد والإفتاء.
وفي أعمال المجامع الفقهية الناظرة في نوازل الأقليات تطبيقات كثيرة سيأتي بيانها ومناقشة بعضها في الباب الثالث بإذن الله تعالى.
القاعدة الرابعة: على المجتهد الجمع بيّن فقه النص والواقع:
المعنى العام للقاعدة وأدلتها:
إن المجتهد لا يتمكن من أداء ما أنيط به من واجب استنباط الأحكام إلا بنوعين من العلم؛ علم بالنص الشرعي، وعلم بالحال الواقعي.
وفيما يلي تفصيل عن كلا النوعين.
أولًا: العلم بالنص الشرعي:
الأدلة المنصوصة في الكتاب والسنة هي عمدة استدلال الفقيه والمفتي المجتهد، وهذا أمر كالمجمع عليه.
يقول الشافعي ﵀: ". . . وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وأن ما سواهما تبع لهما" (١).
قال ابن تيمية ﵀: ". . . وكذلك إذا قلنا: الكتاب والسنة والإجماع، فمدلول الثلاثة واحد؛ فإن كل ما في الكتاب فالرسول موافق له، والأمة مجمعة عليه من حيث
стр. 340
الجملة، فليس في المؤمنين إلا من يوجب اتباع الكتاب، وكذلك كل ما سنَّه الرسول ﷺ ، فالقرآن يأمر باتباعه فيه، والمؤمنون مجمعون على ذلك، وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه لا يكون إلا حقًّا موافقًا لما في الكتاب والسنة" (١).
ومما مضى يتبين أن الكتاب والسنة هما أصل الأدلة الأربعة المتفق عليها، وهذا الأصل قد يسمى بالنقل أو الوحي أو السمع أو الشرع أو النص أو الخبر أو الأثر، ويقابله العقل أو الرأي أو النظر أو الاجتهاد أو الاستنباط.
خصائص النصوص:
ولعله يحسن أن نعرِّج على خصائص النصوص من الكتاب والسنة؛ حيث إن معرفة ما للنصوص من مميزات وخصائص تبين السبب في التعويل عليها والصدور عنها:
١ - النصوص وحي الله تعالى:
سواء أكانت من القرآن الكريم أم السنة الصحيحة المطهرة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وكلاهما بلغنا عن نبينا ﷺ ، فالكتاب سمع منه تبليغًا عن ربه تعالى، والسنة صدرت عنه تبيينًا (٢).
قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
٢ - النصوص محفوظة بحفظ الله:
كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، قال ابن القيم ﵀: "والله تعالى قد ضمن حفظ ما أوحاه إليه ﷺ وأنزل عليه، ليقيم به حجته على العباد إلى آخر الدهر" (٣).
стр. 341
٣ - النصوص حجة الله على خلقه:
قال الشافعي ﵀: ". . . لأن الله جل ثناؤه أقام على خلقه الحجة من وجهين، أصلهما في الكتاب: كتابه ثم سنة نبيه" (١).
وقد شاع في كتاب المحلَّى لابن حزم عبارته المشهورة: "لا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ " (٢).
وقال ابن القيم ﵀: "إن الله سبحانه قد أقام الحجة على خلقه بكتابه ورسله، فقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة الله به" (٣).
٤ - النصوص طريق العلم ومعرفة الحكم:
قال ابن عبد البر ﵀: "وأما أصول العلم فالكتاب والسنة، ويوضحه أن هذا الأصل هو طرق التحليل والتحريم ومعرفة أحكام الله وشرعه" (٤).
وقال ابن تيمية ﵀: "وأوجب عليهم الإيمان به، وبما جاء به وطاعته، وأن يحللوا ما حلل الله ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله. . . " (٥).
٥ - النصوص واجبة الاتباع:
قال ابن عبد البر ﵀: ". . . وقد أمر الله بطاعته ﷺ واتباعه أمرًا مطلقًا مجملًا، لم
стр. 342
يقيد بشيء -كما أمرنا باتباع كتاب الله- ولم يقل: ما وافق كتاب الله، كما قال بعض أهل الزيغ" (١).
وقال ابن تيمية ﵀: ". . . فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع للكتاب والسنة والإجماع، فإن هذا حق لا باطل فيه، واجب الاتباع لا يجوز تركه بحال، عام الوجوب لا يجوز ترك شيء مما دلت عليه هذه الأصول، وليس لأحد الخروج عن شيء مما دلت عليه، وهي مبنية على أصلين: أحدهما: أن هذا جاء به الرسول ﷺ ، والثاني: أن ما جاء به الرسول ﷺ وجب اتباعه، وهذه الثانية إيمانية، ضدها الكفر أو النفاق" (٢).
٦ - النصوص واجبة التسليم:
قال تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وفي الحديث: "إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" (٣).
وقد خصص الخطيب البغدادي في كتابه "الفقيه والمتفقه" بابًا عنون له بـ"تعظيم السنن
стр. 343
والحث على التمسك بها، والتسليم لها، والانقياد لها، وترك الاعتراض عليها" (١).
ومن قبل قال مالك وشيخه ربيعة بن عبد الرحمن (٢) -رحمهما الله- حين جاء السؤال كيف استوى؟! قالا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" (٣).
٧ - النصوص تقدم على الرأي وكل فتيا مخالفة:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠].
فلا مناص من أن يؤخذ الدليل النصي مأخذ الافتقار، وأن يكون العمدة عند الاستدلال وقال الشافعي ﵀: "يسقط كل شيء خالف أمر النبي ﷺ ، ولا يقوم معه رأي ولا قياس" (٤).
وقال ابن عبد البر ﵀: "واعلم يا أخي أن السنة والقرآن هما أصل الرأي والعيار عليه، وليس الرأي بالعيار على السنة، بل السنة عيار عليه" (٥).
وقال ابن القيم ﵀:"وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرجال، ولا يقرون المعارض على ذلك" (٦).
وقد بوَّب الدارمي ﵀ في سننه فقال: "باب الرجل يفتي بشيء، ثم يبلغه عن
стр. 344
النبي ﷺ ، فيرجع إلى قول النبي ﷺ " (١).
كما بوَّب الخطيب البغدادي ﵀ في "الفقيه والمتفقه" فقال: "ذكر ما روي من رجوع الصحابة عن آرائهم التي رأوها إلى أحاديث النبي ﷺ إذا سمعوها ووعوها" (٢).
قال ابن تيمية ﵀: "فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم" (٣).
وقال الإمام مالك ﵀: "أو كلما جاء رجل أجدل من الآخر، رد ما أنزل جبريل على محمد ﷺ " (٤).
٨ - النصوص وافية وشاملة لجميع الدين أصوله وفروعه:
قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦].
لما سئل سلمان الفارسي ﵁: "قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؛ فقال: أجل. . . " الحديث (٥).
قال الشافعي ﵀: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب
стр. 345
الله الدليل على سبيل الهدى فيها" (١).
٩ - النصوص واضحة المعاني ظاهرة المراد:
قال ابن القيم ﵀: "وكذلك عامة ألفاظ القرآن نعلم قطعًا مراد الله ورسوله منها، كما نعلم قطعًا أن الرسول ﷺ بلغها عن الله تعالى، فغالب معاني القرآن معلوم أنها مراد الله، خبرًا كانت أو طلبًا، بل العلم بمراد الله من كلامه أوضح وأظهر من العلم بمراد كل متكلم من كلامه؛ لكمال علم المتكلم وكمال بيانه، وكمال هداه وإرشاده، وكمال تيسيره للقرآن، حفظًا وفهمًا، عملًا وتلاوة.
فكما بلَّغ الرسول ألفاظ القرآن للأمة بلَّغهم معانيه، بل كانت عنايته بتبليغ معانيه أعظم من مجرد تبليغ ألفاظه" (٢).
ومما يشهد للصحابة في فهمهم مراد الله ومراد نبيه ﷺ ، والأخذ بظواهر النصوص، وتفسيرها بما يظهر منها: قول ابن مسعود ﵁: "والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه" (٣).
وقال مسروق ﵀: "كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامَّة النهار" (٤).
стр. 346
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "نعم ترجمان القرآن ابن عباس" (١).
وقال مجاهد ﵀: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها" (٢).
وقال ابن تيمية ﵀: "لم يكن في الصحابة من تأوَّل شيئًا من نصوصه -أي: نصوص الوحي- على خلاف ما دل عليه، لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت. . . " (٣).
١٠ - النصوص إذا وجدت سقط الاجتهاد:
فلا يصار إلى الاجتهاد إلا إذا عدم النص؛ ذلك أن المصير إلى الاجتهاد إنما يكون عند وجود ضرورة ملجئة؛ فالنصوص هي المرجع الأول والحجة القاطعة، ولا ينعقد إجماع على خلافها أبدًا.
قال الشافعي ﵀: ". . أو إجماع علماء المسلمين، الذي لا يمكن أن يجمعوا على خلاف سنَّةٍ له" (٤).
والقياس الصحيح موافق للنصوص فلا يختلفان، وصريح العقل لا يعارض صحيح النقل.
وبالجملة فالنصوص حق لا باطل فيه، ولا يمكن الاستدلال بها على إقامة باطل أبدًا.
قال ابن تيمية ﵀: ". . . وذلك أن الحق الذي لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل عن الله، وذلك في حقنا، ويعرف بالكتاب والسنة والإجماع" (٥).
فالحاصل: "أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح
стр. 347
المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه" (١).
وبعد بيان خصائص النصوص يظهر جليًّا أن المجتهد ملزم باتباعها وعدم الحزوج عنها ولو أداه ذلك لمخالفة مذهبه أو رأيه، وقد ذكر ابن القيم الكثير من الأمثلة على ذلك؛ منها: عدم الالتفات إلى قول عمر ﵁ في المبتوتة نظرًا لصحة حديث فاطمة بنت قيس ﵁، ولا الأخذ بخلافه في مسألة التيمم للجنب؛ وذلك لصحة حديث عمار بن ياسر ﵁، وغيرها من الأمثلة كثير (٢).
وقد ردَّد ابن القيم في كتبه كثيرًا القول بأنه لا يجوز للمجتهد أن يُقدِّم على الأحاديث الصحيحة عملًا (٣)، ولا رأيًا ولا قياسًا ولا قول صحابي، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعًا (٤).
وقد اتفق الأئمة على تقديم النصوص على الآراء، قال النووي ﵀: "صح عن
стр. 348
الشافعي ﵀ أنه قال: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا قولي" (١).
وروي عنه: "إذا صح الحديث خلاف قولي فاعملوا بالحديث واتركوا قولي"، أو قال: "فهو مذهبي". وروي عنه هذا المعنى بألفاظ مختلفة.
وقد عمل بهذا أصحابنا في مسألة التثويب، واشتراط التحلل من الإحرام بعذر المرض، وغيرها مما هو معروف في كتب المذهب.
وقد حكى المصنف -أي: أبو إسحاق الشيرازي- ذلك عن الأصحاب فيهما وممن حكى أنه أفتى بالحديث من أصحابنا أبو يعقوب البُوَيْطي (٢) وأبو القاسم الداركي (٣)، وممن نص عليه أبو الحسن الكيا الطبري (٤) في كتابه في أصول الفقه، وممن استعمله من أصحابنا المحدثين الإمام أبو بكر البيهقي (٥) وآخرون.
стр. 349
وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه، عملوا بالحديث وأفتوا به قائلين: "مذهب الشافعي ما وافق الحديث" (١).
وفي شرح الهداية لابن الشِّحنة (٢) -من كبار الحنفية-: "إذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه ولا يخرج مقلده عن كونه حنفيًّا بالعمل به، فقد صح عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقد حكى ذلك ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة" (٣).
وقال الإمام السندي ﵀ (٤) -من كبار الحنفية- في حواشيه على "فتح القدير": "الحديث حجة في نفسه، واحتمال النسخ لا يضر، فإن من سمع الحديث الصحيح فعمل به وهو منسوخ، فهو معذور إلى أن يبلغه الناسخ، ولا يقال لمن سمع الحديث الصحيح لا يعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وفلان، فإنما يُقال له: انظر هل هو منسوخ أم لا؟ أما إذا كان الحديث قد اختلف في نسخه فالعامل به في غاية العذر، فإن تَطرُّقَ الاحتمال إلى خطأ المفتي أقوى من الاحتمال إلى نسخ ما سمعه من الحديث.
وقال ابن عبد البر ﵀: "يجب على كل من بلغه شيء أن يستعمله على عمومه حتى
стр. 350
يثبت عنده ما يخصه أو ينسخه" (١)، وأيضًا فإن المنسوخ من السنة في غاية القلَّة حتى عدَّه بعضهم واحدًا وعشرين حديثًا، وإذا كان العامي يسوغ له الأخذ بقول المفتي؛ بل يجب عليه مع احتمال خطأ المفتي، كيف لا يسوغ له الأخذ بالحديث إذا فهم معناه وإن احتمل النسخ؟ ولو كانت سنة رسول الله ﷺ لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان وفلان لكان قولهم شرطًا في العلم بها، وهذا من أبطل الباطل، وقد أقام الله تعالى الحجة برسوله ﷺ دون آحاد الأمة، ولا يعرض احتمال الخطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به بعد فهمه إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يُعلم خطؤه من صوابه، ويجري عليه التناقض والإخلال، ويقول القول ويرجع عنه، ويُحكى عنه في المسألة عدة أقوال، وهذا كله فيما له نوع أهلية أما إذا لم يكن له أهلية ففرضه ما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه له المفتي من كلامه أو كلام شيخه وإن علا، فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله ﷺ أولى بالجواز، ولو قدر أنه لم يفهم الحديث فكما لو لم يفهم فتوى المفتي يسأل من يعرفها فكذلك الحديث". انتهى كلام السندي ملخصًا، وقد أطال من هذا النفس العالي ﵀ ورضي عنه" (٢).
ولا شك أن الغفلة عن النصوص والجهل بها عند التصدي للإفتاء لا سيما في النوازل من أخطر الآفات التي تعرض للفتيا، حيث قد يقع اجتهاد في غير محلِّه بسبب الجهل بالنصوص، وقد نصت القاعدة الفقهية على أنه: لا اجتهاد مع النص، ولا شك أن خفاء نصوص السنة هو الأكثر والأشهر.
стр. 351
وقد لا يأتي الخطأ من عدم استحضار النص، ولكن من سوء تأويله، وفهمه على غير وجهه، اتباعًا للشهوة، أو إرضاءً لنزوة، أو حبًّا لدنيا، أو تقليدًا أعمى للآخرين.
وسوء الفهم أو سوء التأويل آفة قديمة منيت بها النصوص الدينية، والكتب المقدسة، وهو أحد الوجهين فيما وَصَم به القرآن أهل الكتاب من تحريف الكلم عن مواضعه.
فليس المقصود بالتحريف تبديل لفظ مكان لفظ فحسب، بل يشمل تفسير اللفظ بغير المراد منه، فهذا هو التحريف المعنوي، والأول هو التحريف اللفظي.
ومن أمثلة سوء التأويل ما قاله بعضهم حول الآيات التي وردت في سورة المائدة في شأن من لم يحكم بما أنزل الله، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].
قال هذا القائل: إن هذه الآيات لم تنزل فينا -معشر المسلمين- وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة.
ومقتضي هذا -في زعمه- أن من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والنصارى فهو كافر أو ظالم أو فاسق، وأما من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين فليس كافرًا ولا ظالمًا ولا فاسقًا! هذا والله مما لا ينقضي منه العجب! (١)
وإذا كان الأصل إجراء النصوص الشرعية على ظواهرها، فإن ذلك لا يعني الوقوف عند هذه الظواهر دون فهم ما يتضمنه النص من معانٍ وما يشتمل عليه من أحكام، ولا يعني أيضًا عدم الأخذ بالقياس واستخراج العلل (٢).
стр. 352
والوقوف عند الجزئيات يؤدي -أحيانًا- إلى التشديد على الناس في أمور قد سهل الشرع فيها، والتضييق على الناس فيما له مخرج شرعي صحيح، وكذلك الوقوف في وجه مستحدثات العصر بالممانعة والمعارضة دون مبرر شرعي.
يقول سفيان الثوري: "إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد" (١).
وبالجملة فإنه يتعين عند التعامل مع الأدلة النصية أن يكون على منهج الطريقة السلفية الأثرية في تلقي النصوص والاستدلال بها، وأن تتجنب الطريقة المخالفة والزائغة عن الحق، وعن هذا عبر الشاطبي ﵀ فقال: "إن أخذ الأدلة على الأحكام يقع في الوجود على وجهين: أحدهما: (وهي طريقة السلف) أن يؤخذ الدليل مأخذ الافتقار، واقتباس ما تضمنه من الحكم، ليعرض عليه النازلة المفروضة، لتقع في الوجود على وفاق ما أعطى الدليل من الحكم: أما قبل وقوعها فبأن توقع على وفقه، وأما بعد وقوعها فليتلافى الأمر، ويستدرك الخطأ الواقع فيها، بحيث يغلب على الظن أو يقطع بأن ذلك قصد الشارع، وهذا الوجه هو شأن اقتباس السلف الصالح الأحكام من الأدلة.
والثاني: (وهي طريقة الزائغين) أن يؤخذ الدليل مأخذ الاستظهار على صحة غرضه في النازلة العارضة، بأن يظهر بادي الرأي موافقة ذلك الغرض للدليل، من غير تحرٍّ لقصد الشارع، بل المقصود منه تنزيل الدليل على وفق غرضه، وهذا الوجه هو شأن اقتباس الزائغين الأحكام من الأدلة" (٢).
ثانيًا: العلم بالحال الواقعي:
من المقرر عند أهل العلم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإن الأحكام الصحيحة لا تكون في الغالب إلا بعد دراسة ممحصة للمسألة المعروضة لدى المفتي،
стр. 353
فينبغي عليه التريث والأناة، وألا يتسرع فيصدر الحكم في مسائل لم تكن قد اختمرت بعد في ذهنه، وهذا من المزالق الخطيرة التي تزل بسببها أقدام كثير من المفتين.
فمن واجبات المفتي: أن يتعرف الواقع الذي يحيط به، والمجتمع الذي يعيش فيه، ويتعرف على الأمور المستحدثة والعادات والمعاملات المنتشرة في بلده.
فالإحاطة بهذه الأمور كلها تضيء الطريق لدى المفتي فيجتهد في المسألة ليستنبط لها حكمًا شرعيًّا بعد الدراية الكاملة بملابسات الواقعة والتصور الكامل لها، فمثلًا الاجتهاد للحكم على المعاملات الربوية المستجدة يستلزم الدراسة الكاملة للمعاملات قانونيًّا واجتماعيًّا، وصفة المعاملة وكل ما يتعلق بها عَرَضًا وجوهرًا حتى يمكن استنباط الحكم الشرعي السليم لها (١).
وقد تقدم أن الفُتيا تتغير بتغير الزمان والمكان إذا كان الحكم مبنيًّا على عرف البلد ثم تغير العرف إلى عرف جديد لا يخالف النصوص الشرعية، كألفاظ العقود والطلاق واليمين ونحوها.
وكذلك فإن المنكر إذا ترتب على إنكاره منكر أشد حرم الإنكار، بل يترك بعض المستحبات والاختيار لمصلحة أعلى كتأليف القلوب، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وعلى هذا الأساس قَعَّدَ العلماء رَحِمَهُمَا اللهُ قاعدة "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان" (٢).
قال الحصكفي (٣): "فإن قلت: قد يحكون أقوالًا بلا ترجيح وقد يختلفون في الصحيح، قلت: يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس وما هو
стр. 354
الأوفق وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه" (١).
ولهذه القاعدة أمثلة متعددة في كتب الفقهاء تدل على أنهم راعوا هذا الأصل وطبقوه عمليًّا في أبحاثهم وتقريراتهم وفتاويهم (٢).
قال العلامة ابن القيم ﵀ في فصل: تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد:
"هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى مراتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ومصالح كلها، وحكمةٌ كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن دخلت فيها بالتأويل" (٣).
فعلى المفتي مراعاة هذا الأصل وضبطه فرب فتوى تصلح لعصر دون عصر، ومصر دون مصر، وشخص دون شخص، بل قد تصلح لشخص في حال ولا تصلح له في حال أخرى.
وكلما كان الإنسان أعلم بالشريعة وأصولها وقواعدها، وأعظم ممارسة وأوسع اطلاعًا وأخشى لله وأعلم به كان اجتهاده أضبط ونظره أصوب، وكلما كان مقصرًا أو قاصرًا أخطأ وضل وأضل.
стр. 355
وكذلك كلما كان النظر جماعيًّا وتمهل الإنسان وتأنى وتثبت واستشار أهل الخبرة والاختصاص والنظر الصحيح؛ كان أوفق للحق، فإن يد الله مع الجماعة وما كان أكثر فهو أحب إلى الله ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] (١).
بل إن أهل الفُتيا المحققين ليعلمون أنه قد لا يصلح الناس إلا الإفتاء بالقول المرجوح، فهو وإن كان مرجوحًا لكنه رجحان نسبي، فقد يختاره المفتي الرباني ويرجحه لمدرك من المدارك، وهذا لا يصلح أن يخضع للهوى والتشهي، بل يخضع لشرع الله ومراعاة المصالح العامة وجمع كلمة الناس، ونحو ذلك، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، والحاصل: أن من مارس الفُتيا ونوَّر الله بصيرته وتضلع من النصوص وكلام الأئمة وكان ناصحًا للناس خائفًا من ربه تعالى وُفق لمراعاة هذا الضابط على الوجه الصحيح؛ إذ المعروف أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله (٢).
فلكل زمان حكم والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم (٣).
غير أنه لا يصح أن يطلق العنان في ذلك للمفسدين والمبطلين ومتبعي الهوى ليخالفوا النصوص والقواعد بحجة مراعاة العرف والزمان والمكان، أو ليتأولوا تأويلًا باطلًا متعسفًا، أو ليطوعوا الشريعة لواقع غير إسلامي بدعوى فهم الواقع ومراعاة العرف وتغير الزمان والمكان، بل لا يقوم بهذا إلا العالم الرباني الذي امتلأ قلبه بخشية الله، واتبع رسول