← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد لا يأتي الخطأ من عدم استحضار النص، ولكن من سوء تأويله، وفهمه على غير وجهه، اتباعًا للشهوة، أو إرضاءً لنزوة، أو حبًّا لدنيا، أو تقليدًا أعمى للآخرين. وسوء الفهم أو سوء التأويل آفة قديمة منيت بها النصوص الدينية، والكتب المقدسة، وهو أحد الوجهين فيما وَصَم به القرآن أهل الكتاب من تحريف الكلم عن مواضعه. فليس المقصود بالتحريف تبديل لفظ مكان لفظ فحسب، بل يشمل تفسير اللفظ بغير المراد منه، فهذا هو التحريف المعنوي، والأول هو التحريف اللفظي. ومن أمثلة سوء التأويل ما قاله بعضهم حول الآيات التي وردت في سورة المائدة في شأن من لم يحكم بما أنزل الله، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. قال هذا القائل: إن هذه الآيات لم تنزل فينا -معشر المسلمين- وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة. ومقتضي هذا -في زعمه- أن من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والنصارى فهو كافر أو ظالم أو فاسق، وأما من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين فليس كافرًا ولا ظالمًا ولا فاسقًا! هذا والله مما لا ينقضي منه العجب! (١) وإذا كان الأصل إجراء النصوص الشرعية على ظواهرها، فإن ذلك لا يعني الوقوف عند هذه الظواهر دون فهم ما يتضمنه النص من معانٍ وما يشتمل عليه من أحكام، ولا يعني أيضًا عدم الأخذ بالقياس واستخراج العلل (٢).

стр. 352

والوقوف عند الجزئيات يؤدي -أحيانًا- إلى التشديد على الناس في أمور قد سهل الشرع فيها، والتضييق على الناس فيما له مخرج شرعي صحيح، وكذلك الوقوف في وجه مستحدثات العصر بالممانعة والمعارضة دون مبرر شرعي. يقول سفيان الثوري: "إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد" (١). وبالجملة فإنه يتعين عند التعامل مع الأدلة النصية أن يكون على منهج الطريقة السلفية الأثرية في تلقي النصوص والاستدلال بها، وأن تتجنب الطريقة المخالفة والزائغة عن الحق، وعن هذا عبر الشاطبي ﵀ فقال: "إن أخذ الأدلة على الأحكام يقع في الوجود على وجهين: أحدهما: (وهي طريقة السلف) أن يؤخذ الدليل مأخذ الافتقار، واقتباس ما تضمنه من الحكم، ليعرض عليه النازلة المفروضة، لتقع في الوجود على وفاق ما أعطى الدليل من الحكم: أما قبل وقوعها فبأن توقع على وفقه، وأما بعد وقوعها فليتلافى الأمر، ويستدرك الخطأ الواقع فيها، بحيث يغلب على الظن أو يقطع بأن ذلك قصد الشارع، وهذا الوجه هو شأن اقتباس السلف الصالح الأحكام من الأدلة. والثاني: (وهي طريقة الزائغين) أن يؤخذ الدليل مأخذ الاستظهار على صحة غرضه في النازلة العارضة، بأن يظهر بادي الرأي موافقة ذلك الغرض للدليل، من غير تحرٍّ لقصد الشارع، بل المقصود منه تنزيل الدليل على وفق غرضه، وهذا الوجه هو شأن اقتباس الزائغين الأحكام من الأدلة" (٢). ثانيًا: العلم بالحال الواقعي: من المقرر عند أهل العلم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإن الأحكام الصحيحة لا تكون في الغالب إلا بعد دراسة ممحصة للمسألة المعروضة لدى المفتي،

стр. 353

فينبغي عليه التريث والأناة، وألا يتسرع فيصدر الحكم في مسائل لم تكن قد اختمرت بعد في ذهنه، وهذا من المزالق الخطيرة التي تزل بسببها أقدام كثير من المفتين. فمن واجبات المفتي: أن يتعرف الواقع الذي يحيط به، والمجتمع الذي يعيش فيه، ويتعرف على الأمور المستحدثة والعادات والمعاملات المنتشرة في بلده. فالإحاطة بهذه الأمور كلها تضيء الطريق لدى المفتي فيجتهد في المسألة ليستنبط لها حكمًا شرعيًّا بعد الدراية الكاملة بملابسات الواقعة والتصور الكامل لها، فمثلًا الاجتهاد للحكم على المعاملات الربوية المستجدة يستلزم الدراسة الكاملة للمعاملات قانونيًّا واجتماعيًّا، وصفة المعاملة وكل ما يتعلق بها عَرَضًا وجوهرًا حتى يمكن استنباط الحكم الشرعي السليم لها (١). وقد تقدم أن الفُتيا تتغير بتغير الزمان والمكان إذا كان الحكم مبنيًّا على عرف البلد ثم تغير العرف إلى عرف جديد لا يخالف النصوص الشرعية، كألفاظ العقود والطلاق واليمين ونحوها. وكذلك فإن المنكر إذا ترتب على إنكاره منكر أشد حرم الإنكار، بل يترك بعض المستحبات والاختيار لمصلحة أعلى كتأليف القلوب، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وعلى هذا الأساس قَعَّدَ العلماء رَحِمَهُمَا اللهُ قاعدة "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان" (٢). قال الحصكفي (٣): "فإن قلت: قد يحكون أقوالًا بلا ترجيح وقد يختلفون في الصحيح، قلت: يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس وما هو

стр. 354

الأوفق وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه" (١). ولهذه القاعدة أمثلة متعددة في كتب الفقهاء تدل على أنهم راعوا هذا الأصل وطبقوه عمليًّا في أبحاثهم وتقريراتهم وفتاويهم (٢). قال العلامة ابن القيم ﵀ في فصل: تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: "هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى مراتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ومصالح كلها، وحكمةٌ كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن دخلت فيها بالتأويل" (٣). فعلى المفتي مراعاة هذا الأصل وضبطه فرب فتوى تصلح لعصر دون عصر، ومصر دون مصر، وشخص دون شخص، بل قد تصلح لشخص في حال ولا تصلح له في حال أخرى. وكلما كان الإنسان أعلم بالشريعة وأصولها وقواعدها، وأعظم ممارسة وأوسع اطلاعًا وأخشى لله وأعلم به كان اجتهاده أضبط ونظره أصوب، وكلما كان مقصرًا أو قاصرًا أخطأ وضل وأضل.

стр. 355

وكذلك كلما كان النظر جماعيًّا وتمهل الإنسان وتأنى وتثبت واستشار أهل الخبرة والاختصاص والنظر الصحيح؛ كان أوفق للحق، فإن يد الله مع الجماعة وما كان أكثر فهو أحب إلى الله ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] (١). بل إن أهل الفُتيا المحققين ليعلمون أنه قد لا يصلح الناس إلا الإفتاء بالقول المرجوح، فهو وإن كان مرجوحًا لكنه رجحان نسبي، فقد يختاره المفتي الرباني ويرجحه لمدرك من المدارك، وهذا لا يصلح أن يخضع للهوى والتشهي، بل يخضع لشرع الله ومراعاة المصالح العامة وجمع كلمة الناس، ونحو ذلك، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، والحاصل: أن من مارس الفُتيا ونوَّر الله بصيرته وتضلع من النصوص وكلام الأئمة وكان ناصحًا للناس خائفًا من ربه تعالى وُفق لمراعاة هذا الضابط على الوجه الصحيح؛ إذ المعروف أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله (٢). فلكل زمان حكم والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم (٣). غير أنه لا يصح أن يطلق العنان في ذلك للمفسدين والمبطلين ومتبعي الهوى ليخالفوا النصوص والقواعد بحجة مراعاة العرف والزمان والمكان، أو ليتأولوا تأويلًا باطلًا متعسفًا، أو ليطوعوا الشريعة لواقع غير إسلامي بدعوى فهم الواقع ومراعاة العرف وتغير الزمان والمكان، بل لا يقوم بهذا إلا العالم الرباني الذي امتلأ قلبه بخشية الله، واتبع رسول

стр. 356

الله ﷺ ، وتضلع من علوم الشريعة، واستعان بالله تعالى وتوكل عليه. وكذلك من أسباب الخطأ الذي يقع فيه كثير من المجتهدين: مجاراة الظروف الواقعة صحيحها وفاسدها وقبولها والإفتاء بصحتها وشرعيتها، وإن خالفت في معظم الأحوال الحكم الشرعي تأثرًا بشدة سطوة الواقع، ويأسًا من محاولة تغييره لصعوبته، وأن ينسى المفتي وظيفة الشرع الحكيم الذي جاء لإصلاح ما فسد من الأحوال والعادات، وأن الواجب تطويع الواقع للنصوص، لا تطويع النصوص للواقع؛ لأن النصوص هي الميزان المعصوم الذي يجب أن يحتكم إليه ويعتمد عليه، أما الواقع فإنه يتغير من حسن إلى سيء ومن سيء إلى أسوأ، أو بالعكس، فلا ثبات له ولا عصمة؛ ولهذا يجب أن يرد المتغير إلى الثابت، ويرد غير المعصوم إلى المعصوم، ويرد الموزون إلى الميزان. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (١). وقريب من هذا المعنى تقليد غير المسلمين، وهذا من آثار الهزيمة النفسية التي يعاني منها بعض المتصدرين للفتوى والمفتونين بزخرف الحضارة الغربية والذين يريدون أن تذوب الشخصية الإسلامية في هذه الحضارة المادية. يقول فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي: "إن نفرًا من قومنا يعانون ما يسمونه (عقدة النقص) تجاه الغرب وحضارته وفكره، ويعتبرون الغرب إمامًا يجب أن يتبع ومثالًا يجب أن يحتذى، وما كان من أفكارنا وقيمنا وتقاليدنا ونظمنا مخالفًا للغرب اعتبروا ذلك عيبًا في حضارتنا، ونقصًا في شريعتنا، ما عليه الغرب إذًا هو الصواب، وما يخالفه هو الخطأ! " (٢).

стр. 357

تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: تعتبر هذه القاعدة من أهم القواعد الأصولية لفقه نوازل الأقليات المسلمة، فإن هذا الفقه لا يتأتى له أن يؤدي مهمته، ويحقق غايته، ويؤتي ثمرته إلا باجتماع فقه النصوص الشرعية، وفقه الواقع المعيش. وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم: "لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده، واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا. فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان ﷺ بقوله: ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما إلى معرفة عين الأم" (١). والفقيه الحق -كما قال ابن القيم في مقام آخر- هو الذي يزاوج بين الواجب والواقع، فلا يعيش فيما يجب أن يكون فقط، بل فيما هو كائن؛ ولهذا يعرف ما يفرضه الواقع من أحكام، فكثير ما ينزل من المثل الأعلى إلى الواقع الأدنى. وهذا ما جعل ابن القيم يقرر وجوب تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والحال. "إن واجب الفقيه أن يدرس الواقع دراسة علمية موضوعية، بكل أبعاده وعناصره ومؤثراته، بإيجابياته وسلبياته، ما له وما عليه. ونريد بدارسة الواقع: أن يدرس على الطبيعة لا على الورق، بلا تهويل، ولا

стр. 358

تهوين، فأعظم ما يؤثر في سلامة النظرة العلمية هو اللجوء إلى أسلوب المبالغة والتضخيم، الذي يجعل من الحبة قبة، أو من القط جملًا، كما يقول المثل، أو إلى الأسلوب المقابل، وهو التصغير والتهوين، ومحاولة التقليل من أهمية الأمر رغم خطورته، كما نشاهده في موقفنا من دولة العدو الصهيوني -إسرائيل- وكما نشاهده في موقفنا من الحضارة الغربية. إننا أحيانًا نبني حكمنا الفقهي على معرفتنا بالواقع؛ فإذا أراد الفقيه أن يفتي في مسألة كالتدخين، فإنه يبني فتواه على رأي الطبيب، وتقرير المحلل، فإذا قال الطبيب: إن التدخين ضار بالصحة، خطرٌ عليها، فلا يسع الفقيه إلا أن يقول: هو حرام؛ لأنه لا يجوز للمسلم أن يضر نفسه باختياره، فلا ضرر ولا ضرار، ومناط الضرر قد تحقق برأي الطبيب، فوجب الإفتاء بالتحريم" (١). ومن واجب هذا الفقه الواقعي، أو هذا الاجتهاد المعاصر: أن يعرف حقيقة الأقلية المسلمة التي يفتي لها، فلا شك أن الأقليات تتفاوت فيما بينها تفاوتًا بعيدًا. فالأقلية التي يكون معظمها من الوافدين المهاجرين، غير الأقلية التي يكون معظمها من المواطنين الأصليين. والأقلية المستضعفة غير الأقلية المتمكنة ذات المال والجاه والنفوذ. والأقلية المحدودة العدد، غير الأقلية الكبيرة. والأقلية الحديثة الوجود غير الأقلية العريقة التي لها مئات السنين. والأقلية في البلاد الليبرالية التي تنعم بالحريات وحقوق الإنسان، غير الأقلية في البلاد الدكتاتورية التي لا تعترف للإنسان بحق ولا حرية، ولا ترقب في مؤمن إلًّا ولا ذمة.

стр. 359

والأقلية المبعثرة المنقسمة على نفسها، المختلفة فيما بينها، باختلاف عروقها واتجاهاتها الدينية والفكرية، غير الأقلية المتماسكة المنظمة، التي أمست لها قياداتها ومؤسساتها الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية. ويلزم الفقيه الذي يعالج الواقع في ضوء الشريعة أن يراعي هذا الواقع المتغير، فإن لكل واقع حكمه (١). فلا بد في فقه الأقليات ولدى دراسة نوازلها من عملية تأهيل بفقه النص وتدريب على فقه الواقع لتحصل المزاوجة المنتجة، ولتخرج الفتاوي التي تعالج آلام الواقع الحقيقية، ولا تنقل همومًا بعيدة زمانًا أو مكانًا إلى مواقع مثقلة بإشكالات أخرى. "وبحق يجب أن نأخذ بنصيحة د. المقري الإدريسي المغربي: لا يجوز نقل الفتوى في الفروع إلا بعد إعادة الاجتهاد فيها إذا عليها خمسون عامًا، أو تغير المكان ألف ميل، وهي إشارة جلية إلى أن كل عرف له أحكامه في الفروع، لا الثوابت والأصول، والقضية قطعية لا تحتاج إلى مزيد أدلة لكنها تحتاج إلى جهد جهيد لتحقيق مناطها في واقع المجالس الفقهية وتدريب الأئمة والقيادات الإسلامية حتى تصدر الفتوى من امتزاج فقه النصوص ومقاصدها الشرعية مع واقع المشكلات الحقيقية" (٢). وبالجملة فإن اختلاف الدار من دار الإسلام إلى غيرها أعمق أثرًا وأبعد مدى من التغير من صحراء إلى مدينة، ومن بدو إلى حاضرة، فإذا كان الفقهاء قد درجوا على رعاية التغير في الأحكام في مثل هذا، فلا شك أن رعاية هذا أولى في غير دار الإسلام. وما أصَّله فقهاؤنا من تغير واختلاف في الأحكام لتغير معطيات الواقع، وما عبروا

стр. 360

به من قولهم في هذا الاختلاف: إنه اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان -كل ذلك ليؤكد على أهمية هذه القاعدة الأصولية المعتبرة لدى التأصيل والتنظير لفقه نوازل الأقليات المسلمة. وعليه فإذا كانت العادة والعرف لهما اعتبار في الشرع مع كثرة ما يطرأ عليهما من تغيير وتبديل بحسب الأزمنة والأمكنة وتطور أحوال الناس، فإن على العلماء مراعاة ذلك التغير، وخصوصًا حال الفُتْيَا في النوازل والوقائع المستجدة. ولنختم بنقول مضيئة للعلامة القرافي المالكي ﵀ حيث قال: "إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة" (١). وقال أيضًا: "ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفتٍ لا يعلم أنه من أهل البلد الذي منه المفتي وموضع الفُتيا ألا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسأله عن بلده، وهل حدث لهم عرف في ذلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا؟ وإن كان اللفظ عرفيًّا، فهل عُرْف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفه أم لا؟ وهذا أمر متعين واجب لا يختلف فيه العلماء، وأن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواء أن حكمهما ليس سواء" (٢). وقد قرر ﵀ هذا المعنى في "الفروق" أيضًا، فقال: "وعلى هذا القانون تراعى الفتاوي على طول الأيام، فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك. . . والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل

стр. 361

بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين" (١). المطلب الثالث: القواعد الفقهية المتعلقة بالاجتهاد: إن علم القواعد الفقهية يمثل معلمًا عظيمًا من معالم خلود هذه الشريعة الغراء، وبقاء أحكامها، ودوام نفعها، وتجديد الفقه المنتسب إليها، فهو علم يبرهن عمليًّا على صلاحية الشريعة لأن تحكم في كل زمان ومكان، بل وإصلاحها لكل زمان ومكان. ومن نفيس ما قاله الإمام القرافي في أهمية هذا العلم في صدر كتابه الفذ "الفروق": "وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، حاز قصب السبق من فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقصد نفسه من طلب مناها، ومَن ضَبَطَ الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات؛ لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب، وأجاب الشارع البعيد وتقارب، وحَصَّل طِلبته في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان" (٢). وعليه فإن القواعد الفقهية تعد مصدرًا مهمًّا في التأصيل الفقهي للنوازل بعامة، ويستفاد منها في تأصيل نوازل الأقليات، بما يتمم ويسدد المنظومة الأصولية التي تُعنى بتقعيد مسالك الاستدلال، وفيما يلي أهم القواعد الفقهية التي ترتبط بموضوع الاجتهاد وقواعده الأصولية.

стр. 362

قاعدة: لا مساغ للاجتهاد فى موارد النص (١): المعنى العام للقاعدة: لا يتأتى اجتهاد معتبر باستعمال الرأي، أو القياس للوصول إلى حكم في مسألة ورد فيها نص شرعي صريح في دلالته من كتاب، أو سنة، أو إجماع صحيح منعقد. فكل اجتهاد صادم نصًّا ثابتًا واضح الدلالة لا يقبل تأويلاً فهو اجتهاد ممنوع ومردود على صاحبه. وقولهم: "لا مساغ": أي: لا منفذ ولا طريق، والمراد بالاجتهاد الممنوع هنا هو الاجتهاد بالنظر وإعمال الرأي أو القياس حال وجود النص، ولا يمنع اجتهاد في فهم النصوص؛ ليتأتى الانتفاع بها، وإدراك الأحكام منها. والنص -اصطلاحًا- هو: خطاب الشارع، وهو الكتاب العزيز، والأحاديث النبوية الصحيحة الثابتة، والإجماع الثابت بالنقل الصحيح (٢). وعليه فإن مورد الاجتهاد فيما لم يكن قطعيًّا من كتاب، أو سنة، أو إجماع، والمجتهد فيه عَبَّر عنه الرازي بقوله: "وهو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع" (٣). وعَبَّر بعض العلماء عن هذه القاعدة بتعبيرات أخرى كقول الشاطبي ﵀: "مجال الاجتهاد المعتبر ما تردد بين طرفي النفي والإثبات" (٤). وقال التفتازاني: "لا يجري الاجتهاد في القطعيات، وفيما يجب فيه الاعتقاد الجازم من أصول الدين" (٥).

стр. 363

وقد يعبر عنها بأن الاجتهاد لا يكون إلا في الظنيات (١)، وإنما يعمل بالاجتهاد عند عدم النص (٢). أدلة القاعدة: من القرآن الكريم والسنة المطهرة والإجماع والمعقول: أولًا: القرآن الكريم: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]. وجه الدلالة: جعل الله الحجة في النصوص التي أنزلها في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ . قال الشافعي ﵀: ". . . لأن الله جل ثناؤه أقام على خلقه الحجة من وجهين، أصلهما في الكتاب: كتابه، ثم سنة نبيه" (٣). وقال ابن عبد البر ﵀: "وقد أمر الله بطاعته واتباعه أمرًا مطلقًا مجملًا لم يقيد بشيء، ولم يقل: ما وافق كتاب الله، كما قال بعض أهل الزيغ" (٤). وقال ابن حزم ﵀: "لا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ " (٥). ٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].

стр. 364

وجه الدلالة: لا يجوز أن يقال برأي أو بقياس أو باجتهاد مع وجود النص؛ لأنه يكون تقديمًا بين يدي الله ورسوله، وهو محرم. قال الشافعي ﵀: "يسقط كل شيء خالف أمر النبي ﷺ ، ولا يقوم معه رأي ولا قياس" (١). قال ابن عبد البر ﵀: "واعلم يا أخي أن السنة والقرآن هما أصل الرأي والعيار عليه، وليس الرأي بالعيار على السنة، بل السنة عيار عليه" (٢). ثانيًا: السنة المطهرة: ١ - قوله ﷺ : ". . . ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله" (٣). ٢ - وحديث معاذ حين أرسله النبي ﷺ إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا فقال له: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء"؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال معاذ: فضرب رسول الله ﷺ صدري بيده، ثم قال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله ﷺ " (٤). وجه الدلالة: ظاهر من الحديثين تقديم الكتاب والسنة على الاجتهاد والقياس.

стр. 365

ثالثًا: أقوال الصحابة: قال عمر ﵁ لشريح حين بعثه قاضيًا: "ما استبان لك في كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم يستبن في كتاب الله فمن السنة، فإن لم تجده في السنة، فاجتهد رأيك" (١). وقال عمر ﵁ لأبي موسى ﵁ في كتابه الذي أرسله إليه: ". . . ثم الفهمَ الفهمَ فيما أدلي إليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قَايِسِ الأمورَ عند ذلك، واعرفِ الأمثال والأشباه، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى وأشبهها بالحق. . . " (٢). وجه الدلالة: أنه جعل الاجتهاد رتبة متأخرة، بحيث صار بمنزلة الضرورة عند فقد النص اضطرارًا. رابعًا: الإجماع: قال الشافعي ﵀: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس" (٣). خامسًا: المعقول: ١ - إذا كان الحكم حاصلًا بالنص عليه، فلا حاجة لبذل الوسع بالاجتهاد في تحصيله؛

стр. 366

لأنه حاصل، وتحصيل الحاصل محال. ٢ - الحكم الحاصل بالنص القطعي يقيني، والحاصل بالاجتهاد ظني، ولا يقدم الظني على اليقيني (١). تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: تفتح هذه القاعدة باباً للاجتهاد عند عدم وجود النص القطعي الدلالة من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع الصحيح، ولا شك أن بناء فقه الأقليات المسلمة يحتاج إلى مثل هذا التقعيد، ولا سيما أن غايات هذا الفقه ومقاصده لا تتأتى إلا باجتهاد منضبط يصدر من أهله ويكون في محلِّه. ومن عجب أن تروج مقالة "غلق باب الاجتهاد" في عصر كثرت نوازله، وتعددت مسائله ومشاكله، ولما تصدى الشيخ العلامة أحمد الزرقا ﵀ لشرح قواعد مجلة الأحكام العدلية، قال: "قولهم: لا مساغ للاجتهاد في مورد النص". لا فائدة لوضعه هنا فيما يتبادر؛ لأن باب الاجتهاد مسدود الآن في وجه من يتصدى لدخوله مطلقًا، سواء كان في مورد نص لا يسوغ الاجتهاد فيه أو لا" (٢)! ثم إنه احتمل ﵀ أن الفقهاء أوردوها إيماءً للمفتين والقضاة بأن يقفوا عند حَدِّهم، فلا تتطلع أنظارهم أو تمتد أعناقهم لمجاوزة ما فُوِّض إليهم من الاجتهاد في ترجيح إحدى الروايتين أو القولين المتساويين بحسب الحوادث والأشخاص إلى ما لم يُفَوَّض إليهم! ثم إنه صحيح أخيرًا أن المراد بالنص في هذه القاعدة إنما هو المنقول في كتب المذهب فحسب، لا ما سبق تقرُّرُه من نصوص الكتاب والسنة والإجماع!!

стр. 367

وظاهر أن هذا المنحى فرع عن القول بغلق باب الاجتهاد، وهو قول شاع في القرن السابع الهجري -وإن كان قد ظهر في القرن الرابع الهجري- فنقل عن طائفة من الأصوليين كالزركشي (١)، والآمدي (٢)، وقد قال الزركشي: "ولم يختلف اثنان أن ابن عبد السلام بلغ مرتبة الاجتهاد، وكذلك ابن دقيق العيد" (٣). ويبدو أن الاختلاف والنزاع في المجتهد المطلق دون مجتهد المذهب والمجتهد المقيد؛ ولذا جاء في "مسلم الثبوت وشرحه" ما حاصله أن النزاع في المجتهد المطلق؛ لأن اللازم من دلائل الفريقين ذلك، ثم إن من حكم بوجوب الخلو من بعد العلَّامة النسفي ﵀ فقيه مصر الحنفي (٤) المتوفى (٧١٠ هـ) واختتموا الاجتهاد به عنوا الاجتهاد في المذهب، وأما الاجتهاد المطلق فقالوا: اختتم بالأئمة الأربعة،. . . ثم قال: وهذا كله هوس لا يعبأ به؛ لأن من قال به فقد أفتى من غير علم فضلَّ وأضل (٥)، وأجاد ابن القيم في رده (٦)، وأطال الشوكاني النفس في الرد على هذه الدعوى (٧)، وحرر قبله السيوطي: "الرد على

стр. 368

من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض". وعلى منواله نسج الشيخ المراغي (١)، وأكد عليه د. محمد سلام مدكور (٢) وجمع كبير من العلماء المعاصرين. وتجدر ملاحظة مهمة وهي أن الذين قالوا بجواز خلو العصر عن مجتهد لم يكتفوا به في عصرهم، وإنما تعدَّوه إلى كل عصر بعد عصرهم، ثم زادوا فقالوا بوجوب تقليد المذاهب المتبوعة، وبانحصار الحق فيها وحدها؛ لأنها مضبوطة، فأفضى هذا مع بعض المتعصبة إلى أن صار التقليد واجبًا وليس جائزًا، والاجتهاد ممنوعًا أو مستنكرًا. وإذا كان السيوطي قد أطلق دعوى الاجتهاد المطلق لنفسه، وعدَّ نفسه مجدد القرن التاسع الهجري فإن طائفة من العلماء في قرنه وما جاء بعده من قرون قد برزوا وفاقوا، وتفوقوا وألفوا وصنفوا، وادعي لهم الاجتهاد، كان لم يدعوه لأنفسهم. قال الشيخ الفاضل ابن عاشور ﵀: "ولكن اثنين ارتفعا ارتفاعًا فائقًا إلى مقام الاجتهاد: أولهما من الهند وهو ولي الله الدهلوي (ت: ١١٧٦ هـ)، وثانيهما من اليمن وهو الإمام محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، فهذان هما اللذان استقلَّا بالنظر في المسائل استقلالًا تامًّا شاملًا، وجدَّدا معاني الأصول، ومعاني الأحكام، لا سيما ثانيهما الذي توفي في أوائل القرن الماضي، فلقد ترك من بين كتبه المهمة شاهدين زكيين في كتاب نيل

стр. 369

الأوطار، وكتاب إرشاد الفحول، على أنه قد ارتقى إلى مقام النظر في الأدلة، والاستنباط منها، وأنه لم يَقُل في مسألة من الفقه إلا بما أداه إليه الدليل، وأن له في الأدلة ومناهجها أنظارًا تساوي الأنظار الاجتهادية الأصلية التي بنيت عليها كتب أصول الفقه" (١). وعليه فإن باب الاجتهاد مفتوح لكل من كان له متأهلاً، وهم بحمد الله موجودون في كل عصر؛ إذ لا يخلو عصر من مجتهد قائم لله بالحجة، ولا يزال الله تعالى -بكرمه ومنِّه- يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته (٢)، ويأبى الله تعالى إلا أن يتم نوره، وتجديدُ الله تعالى دين هذه الأمة متحقق ببعث المجددين على رأس كل مائة سنة (٣). وإذا كانت هممٌ في هذا الزمان قد تقاصرت، فإن سبلًا لتحصيل العلم قد تيسرت، وإذا كان الحصول على نسخة من كتاب في الزمان الأول ربما تعذَّر أو تعسَّر؛ فإن كنوز السنة وذخائر الفقه والأصول في هذا الزمان قد توفرت، ولا يخفى على مُطَّلع أن زمان الحواسيب الآلية اليوم مَكَّنَ -بفضل الله- من الاستفادة من تراث العلماء، وذخائر التراث بشكل لا مثيل له، ولم يخطر لأحدٍ على بالٍ، فصار جواز الاجتهاد شرعًا متحققًا وواقعًا ممكنًا، فلم يبق إلا أن يشمر لهذا الفضل أهله، وأن يتصدى لهذا الخير طلابه، وفي الحديث: "يحمل -وفي رواية: يرث- هذا العلم من كل خلف عدوله. . . " (٤).

стр. 370

وقد قيل: كم ترك الأول للآخر! وأخيرًا فإن الاجتهاد يتجزأ، فلا مانع أن يقع اجتهاد في باب دون باب، وأن يتخصص على هذا النحو في الأقليات ومسائلهم فقهاء، وأن يُعنى بتدبير شأنهم في الفُتْيَا والنوازل خاصة علماء فضلاء، فيفيدوا من تراث الأئمة الفقهاء ويزيدوا تفريعًا وتخريجًا تارة، وإنشاءً وابتداءً تارة؛ بل وتارات! كما يتجه الاجتهاد المعاصر في هذا الشأن أيضًا إلى تقديم البحوث والدراسات المتخصصة والمتعمقة، التي تجمع بين رعاية الكليات والجزئيات في سياق واحد، فلا بد من اعتبار خصوص الجزيئات بنصوصها التفصيلية مع اعتبار كلياتها، وبالعكس، وهو منتهى نظر المجتهدين بإطلاق، وإليه ينتهي طلقهم في مرامي الاجتهاد (١). ومراعاة النصوص التفصيلية في خصوص المسائل الجزئية مع اعتبار المقاصد التشريعية هو ما يحقق تمام الانسجام بين الأحكام في وحدة متكاملة مترابطة الأجزاء، متصلة الحلقات، في توازن حكيم، لا يميل جهة المقاصد والكليات، ويطرح النصوص الجزئية ويهدر الاحتكام إلى الآية والحديث، ولا يتخذ من نص جزئي قاعدة مستقلة ولو عارضت كلية من كليات الشريعة تضافر على إقامتها ما لا يحصى عدًّا من الأدلة الجزئية. وتفريعًا على ما تقرر من أنه لا مساغ للاجتهاد في موارد النصوص القاطعة، فلا وجه للقول بجواز نكاح الكتابي للمسلمة في بلاد غير المسلمين، أو التسوية بين الذكر والأنثى في الميراث ببلاد الأقليات، أو أن تستباح المحرمات وترتكب المنهيات خارج

стр. 371

ديار الإسلام بادعاءات تسويغية، أو مماحكات تبريرية، تهدر النصوص الشرعية ولا يتحقق معها شيء معتبر من المصالح المرعية؛ إذ ليس من معنى الاجتهاد -في قليل أو كثير- أن تلبس الأوضاع الجاهلية لبوس الإسلام، أو أن يرقع الواقع الذي نشأ بعيدًا عن دين الله تعالى بنظريات أو فتاوي تضفي الشرعية على وجوده أو تعطي المصداقية لتناقضاته. وخير للأقليات المسلمة -في عاجل أمرها وآجله- أن تسعى لتحقيق هويتها وتأكيد خيريتها بانتسابها إلى الدين الحق، وما خرج عن هذا السياق فإنه لا يعدو أن يكون استثناء يؤكد هذا المعنى ويستبقيه ولا يدحضه أو يلغيه. وبالجملة فإن الاجتهاد في نوازل الأقليات المسلمة أمر لا بد منه ولا غنى عنه، وكلما كان جماعيًّا أو مجمعيًّا كان أقرب للصواب غالبًا، وأدنى للنفع، وأقدر على تحقيق مقاصد الشرع.

стр. 372

المبحث الثالث القواعد المتعلقة بالرخص والمشقات تَمْهيد في كثير من الأحيان تكتنف حياة الأقليات المسلمة مصاعب ومشقَّات تعنتهم وتلحق بهم الحرج، والمتصدون للإفتاء لا ينبغي أن يغيب عنهم ما تقرر وتكرر في هذه الشريعة السمحة من رفع الحرج ونفي العنت والترخيص عند المشقات البالغة، وذلك من غير إفراط أو تفريط، ومن غير تتبع للرخص أو اتباع للحيل. وفيما يأتي بيان لتلك القواعد الأصولية المقاصدية المرتبطة بهذا الشأن، ثم القاعدة الفقهية الكبرى: المشقة تجلب التيسير، وما يليها من قواعد. المطلب الأول: القواعد الأصولية والمقاصدية: القاعدة الأولى: الشريعة مبناها على رفع الحرج: المعنى العام للقاعدة: كل ما ترتب عليه مشقة زائدة، وغير معتادة يفضي إلى ضيق وعسر، سواء أكان ذلك في الأبدان من الآلام أو الأمراض الحسية، أم كان في النفس من الآلام النفسية أو المعنوية، أم كان في المال مما يؤدي إلى إتلافه أو ضياعه، أو كان الغبن فيه غبنًا فاحشًا، فإن الشريعة السمحة ترفعه أو تخففه، إما بالكفِّ عن الفعل الموقع في الحرج، وإما بإباحة الفعل عند الحاجة إليه، ويتناول رفع الحرج الآخرة كما يتناول الدنيا. ويتوجه الرفع والإزالة إلى حقوق الله تعالى فحسب؛ لأنها مبنية على المسامحة، ويكون هذا إما بارتفاع الإثم عند الفعل، وإما بارتفاع الطلب للفعل.

стр. 373

كما يشمل الرفع: الإزالة بعد الوقوع، والمنع قبل الحصول (١). والتعبير عن رفع المشقات، ودفع الضرورات برفع الحرج جارٍ على ألسنة الأصوليين، كقولهم: (دفع الحرج)، و (رفع الحرج)، و (نفي الحرج) (٢). أدلة القاعدة: من القرآن الكريم والسنة المطهرة، والإجماع، والمعقول. أولًا: القرآن الكريم: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ٢ - قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]. وجه الدلالة: نفى الله تعالى الحرج والإثم الأخروي والضيق الدنيوي على الأمة في دينها، وقد جاء لفظ الحرج نكرة منفية؛ ليدل على عموم نفيه، وحتى لا يقال: إنه خاص بأمر دون غيره، والعبرة بعموم لفظ القرآن لا بخصوص سببه (٣). ٣ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. ٤ - وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].

стр. 374

وجه الدلالة: هاتان الآيتان تضمنتا نفي الحرج ورفعه بإسقاط التكليف عن العجزة المذكورين في الآيتين، سواء في الجهة المالية أم البدنية. فالله تعالى وضع عن الأعمى التكليف الذي يشترط له البصر، وعن الأعرج ما يشترط له المشي، وعن المريض ما يؤثر المرض في استطاعته، وهكذا (١). كما يُستدل على نفي الحرج في كتاب الله تعالى بكل آية نفت التكليف بما لا يستطاع، وبما لا يدخل تحت الوسع، وبكل آية أَثبتت التيسير والتخفيف في التشريع، وبكل آية نفت العسر عن الشريعة، والضرر والمشقة عن المكلفين، وهي آيات كثيرة معلومة. ثانيًا: السنة المطهرة: ١ - حديث أبي ﵁، أن النبي ﷺ قال: "بعثت بالحنيفية السمحة" (٢). وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أَحَبُّ الأديان إلى الله الحنيفيةُ السمحة" (٣). وجه الدلالة: الحنيفية السمحة هي المائلة عن الباطل إلى الحق في سهولة ويسر (٤)، فلو ثبت

стр. 375

وجود الحرج في الشرع لم تكن الشريعة سمحة، بل كانت ضيقة حرجة، وهو باطل؛ لمنافاته لحديث المصطفى ﷺ ، فبطل ما أدَّى إليه. ٢ - حديث أسامة بن شريك ﵁ قال: شهدتُ الأعراب يسألون النبي ﷺ أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال: "عباد الله، وضع الله الحرج إلا من اقترض من عرض أخيه شيئًا فذلك الذي حرج" (١). وفي حديث عروة الفقيمي مرفوعًا: أعلينا من حرج في كذا؟ فقال ﷺ : "لا، أيها الناس: إن دين الله في يسر، إن دين الله في يسر، إن دين الله في يسر" (٢). وقد سئل ﷺ في أعمال الحج كثيرًا فقال كثيرًا: "افعل ولا حرج" (٣). وجه الدلالة: هذه الأحاديث نصوص بينة في ثبوت رفع الحرج ونفيه في الشريعة السمحة، ثم إن كل حديث من السنة المطهرة دل على التيسير في التشريع، والتخفيف في التكليف، وتشريع الرخص عند المشقات، يدل على نفي الحرج عن الشريعة المعظمة. ثالثًا: الإجماع: لقد استقر من لدن الصحابة ﵃ وفي فتاويهم وأحكامهم وإلى يوم الناس هذا أنه

стр. 376

لا حرج في الشرع وأحكامه، ولا نعلم في ذلك مخالفًا، فكان إجماعًا منهم عليه (١). قال في مسلَّم الثبوت وشرحه: " (ولا حرج) في الشرع (عقلًا) كما عند المعتزلة، (أو شرعًا)، كما عندنا" (٢). ولهذا رد الفقهاء قواعد الفقه إلى خمسة كبرى، منها: المشقة تجلب التيسير، وعليها اتفق الفقهاء والعلماء قاطبة (٣). رابعًا: المعقول: ١ - لو لم يكن الحرج منفيًّا لكان ثابتًا، لكن التالي باطل، فبطل ما أدى إليه، وصدق نقيضه، وهو أن الحرج منفي عن الشرع، وذلك باستقراء أحكام الشريعة استقراءً تامًّا، وإجماع العلماء على أن ليس في أحكام الشريعة ما فيه حرج، إلا ما كان مرفوعًا به حرج أعظم، وهو على التحقيق ليس حرجًا (٤). ٢ - لو كان دفع المشقة والحرج غير مقصود للشارع لما كان في الشرع ترخيص، فلا تخفيف للأعذار ونحوها، والتالي باطل لثبوت الرخص الشرعية للعذر في كثير من الأحكام، ولو لم يكن دفع الحرج والمشقة مقصودًا للشارع للزم التناقض في أحكام الشارع عند إثبات الرخص والتخفيفات، وهو ما يستحيل عقلًا (٥). شروط القاعدة: لقد سرت تطبيقات هذه القاعدة إلى عموم الأحكام، وتناولت شروط التكليف،

стр. 377

وعليها بُنيت قواعد أصولية أخرى، وأُسست قواعد فقهية كبرى. فأما سريانها إلى الأحكام الشرعية بعامة فيتجلى في ثلاثة مظاهر: المظهر الأول: الأحكام المخففة ابتداءً، وهذا جارٍ في جميع الأحكام المتعلقة بالعبادات وغيرها. المظهر الثاني: الأحكام المشروعة للأعذار، وقد شرعت ترخيصًا وتيسيرًا لأجل ما يطرأ على المكلف من عجز أو حرج. المظهر الثالث: ما سقط عن الأمة مما كُلِّفت به بعض الأمم السابقة في شرائعها (١). وأمثلة كل مظهر كثيرة شهيرة يطول المقام بذكرها، وأما شروط التكليف المبنية على رفع الحرج فالمقصود بها أمران: ١ - التكليف بفعل مقدور للمكلف: فلا تكليف شرعًا بما لا يطاق، وهو مذهب جمهور العلماء (٢). وينبني على هذا أن يكون الفعل المكلَّف به ومصدره معلومين للمكلف، فلا يصح التكليف بالمجهول، ويما لا يعقل، وإلا للزم التكليف بما لا يطاق، وهو من أعظم الحرج (٣). كما أنه لا تكليف إلا بفعل الإنسان، وما يدخل تحت قدرته، فلا يكلف بفعل غيره (٤)، ولا بما لا يقدر عليه، فلا تكليف بالمستحيل. قال الشاطبي ﵀: "فالأوصاف التي طبع عليها الإنسان، كالشهوة إلى الطعام والشراب لا يطلب برفعها ولا بإزالة ما غرز في الجبلة منها؛ فإنه من تكليف ما لا

стр. 378

يطاق، كما لا يطالب بتحسين ما قبح من خلقة جسمه، ولا تكميل ما نقص منها؛ فإن ذلك غير مقدور للإنسان، ومثل هذا لا يقصد الشارع طلبًا ولا نهيًا عنه" (١). وبناءً على ذلك فإنه لا يجوز التكليف بما لا يطاق، ويجوز التكليف بالمشاق، وإن كانت غير مقصودة أصلاً للشارع (٢). ٢ - أهلية المكلف للتكليف: كان الشرط السابق متعلقًا بالفعل المكلف به، أما هذا الشرط فيتعلق بقدرة المكلف على فهم الخطاب وتنفيذه، وهو ما يعبَّر عنه بمصطلح الأهلية، وهي على نوعين: ١ - أهلية وجوب بمعنى: صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، أو صلاحيته للإلزام والالتزام (٣). ٢ - وأهلية الأداء وهي: صلاحيته لصدور الفعل عنه على وجه يعتدُّ به شرعًا (٤). ولتحقق الأهلية الكاملة تُشترط قدرتان: الأولى: قدرة على فهم الخطاب الشرعي، وهي تتحقق بالعقل، ولما كان العقل متفاوتًا اعتُبِرَ عقل البالغ مناطًا لاعتبار العقل. والثانية: قدرة العمل وتنفيذ ما جاء في الخطاب وهي تتحقق بسلامة البدن وصحته، ولما كان هذا متفاوتًا أيضًا اعتُبِرَت قوة البدن لدى تكامل القوى في سن البلوغ. ولهذا ارتفع التكليف عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن

стр. 379

الصغير حتى يكبر، وجاء الحديث واضحًا في هذا المعنى (١). كما جاء التخفيف بوضع التكليف عن المخطئ والناسي والمكره، وجاء الحديث مؤكدًا هذا المعنى. ولا شك أن تكليف من ليس أهلًا أَدْخَلُ في الحرج من التكليف بما لا يطاق، وهو ممتنع، فتكليف من ليس أهلًا أولى بالمنع. ولا شك أن التكليف بالمحال (كالأمر بالمستحيل)، وكذا التكليف المحال (كتكليف الصبي غير المميز)، يلزم عنهما الحرج البالغ والمشقة العظيمة؛ لذا انتفيا شرعًا في دين الله تعالى. تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: في مجال فقه الأقليات ونوازلها المستجدة يبرز بوضوح أثر عوارض الأهلية في التكليف من مثل الجهل الذي يعذر معه المكلف، والخطأ، والإكراه ونحو ذلك من العوارض المؤثرة في إجراء الأحكام على المكلفين، ولا سيما من نشأ بحاضرة بعيدة عن الإسلام وأهله، أو كان حديث عهد بإسلام، كما قد يظهر في كثير من أسئلة واستفتاءات ونوازل الأقليات المسلمة، وما قد تتعرض له من حالات إكراه ماديٍّ أو معنويٍّ.

стр. 380

القاعدة الثانية: الرخصُ فيما لا يُصْبَرُ عليه من المشاق مطلوبة، وفي المقدور عليه عزيمة أو مباح (١). المعنى العام للقاعدة: تطلق الرخصة في اللغة على معنى التيسير والتسهيل، وخلاف الشدة (٢). قال في معجم مقاييس اللغة: "الراء والخاء والصاد: أصلٌ يدلُّ على لينٍ وخلاف شدة" (٣). والرخصة في الاصطلاح الشرعي لها معانٍ، منها: تخفيفُ الأحكامِ المغلظة التي كانت على الأمم السابقة؛ كاشتراط قتل النفس في صحة التوبة، وعدم جواز الصلاة إلا في مكان العبادة، وعدم حل الغنائم، ونحو ذلك (٤). كما تطلق الرخصة -أيضًا- على ما استُثني من أصل كليٍّ يقتضي المنع مطلقًا من غير اعتبار بكونه لعذر شاق، فيدخل فيها القرض والمساقاة والسَّلَم (٥). كما تطلق باصطلاحٍ ثالث على ما كان من المشروعات توسعة للعباد مطلقًا مما هو راجعٌ إلى نيلِ حظِّهم وقضاء أوطارهم، وذلك بناءً على أن العزيمة أو الأصل أن ينصرف الخلق إلى عبادة الله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فإذا وهب الله لهم حظًّا ينالونه فذلك كالرخصة لهم؛ لأنه توجُّهٌ إلى غير المعبود، واعتناءٌ بغير ما اقتضته العبودية؛ فالعزائم حق الله على العباد، والرخص حظُّ العباد من لطف الله. وبناءً على هذا الإطلاق تدخل المباحات في الرخص، ومن حيث هي توسعة على

стр. 381

العبد، ورفع حرج عنه، وإثبات لحظه (١). والمعاني الثلاثة السابقة تعتبر من الإطلاقات المجازية على الرخصة (٢)، في مقابل المعنى الحقيقي لها في اصطلاح علماء الأصول. أما الرخصة بالمعنى الحقيقي عند الأصوليين فهي: "الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر" (٣). أو: ما تغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي (٤). والرخصة بناءً على هذا: عبارة عن حكم جديد رُوعي فيه التيسير والتسهيل؛ وذلك لعذر طارئ بعد قيام سبب الحكم الأصلي. والرخصة قد تطلق في مقابل العزيمة: والعزيمة لغة هي: القصد المؤكد، قال ابن فارس: إن العين والزاي والميم: أصل واحد صحيح يدل على الصريمة والقطع (٥). وقد سُمِّي بعض الرسل بأولي العزم؛ لتأكيد قصدهم في طلب الحق، ولأنهم قطعوا العلائق مع من لم يؤمنوا بما أُرسلوا به (٦). واصطلاحًا: الحكم الثابت بدليل شرعي خالٍ عن معارض راجح (٧). أو: هي ما شرع من الأحكام الكلية ابتداءً (٨).

стр. 382

أو: هي الحكم الثابت لا على خلاف الدليل، أو على خلف الدليل، لكن لا لعذر (١). وبالجملة فإن حاصل هذه العبارات يرجع إلى أمرين: أحدهما: أن العزيمة هي الحكم المتغير عنه، فلا تكون عزيمة حتى يكون في مقابلها رخصة. الثاني: ما لم يتغير من العسر إلى اليسر، بل شُرِعَ ابتداءً، من غير نظر إلى الأعذار. وهذه القاعدة تُقسم الترخص المشروع من حيث الصبر على المشاق إلى قسمين: ما يكون في مقابل مشقة لا صبر عليها؛ كمرض يُعجِزُ عن استيفاء الصلاة، أو الصيام، أو جوع شديد، أو عطش شديد قد يُفضي إلى إتلاف النفوس، أو الأعضاء؛ مما يؤدي إلى تفويت العبادة، أو تفويت المهج. فحكم هذا النوع من الرخص التي توجب تخفيفًا في شأن أداء الصلاة، أو تأخير الصيام، أو إباحة الميتة، أو الخمر حال المهلكة -أنها تجري مجرى العزائم، ولا يخرجها ذلك عن كونها رخصة، وإن كانت مطلوبة طلب العزيمة. ولذا قال من قال من الفقهاء بوجوبها استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (٢)، وهذا الترخيص راجع لحق الله تعالى. وأما ما يكون في مقابل مشقة بالمكلف قدرة على الصبر عليها فإن الترخيص فيه راجع إلى حظوظ العباد؛ لينالوا الرفق والسعة من الله. وهذا القسم على ضربين: الأول: أن يكون الطلب فيه من لدن الشارع الحكيم حتى لا يبقى فيه اعتبار لحال المشقة وعدمها؛ كالجمع بعرفة ومزدلفة، فحكمه أنه لاحق بالعزيمة فطلبه على

стр. 383

الإطلاق صار سنة لا رخصة مباحة. الثاني: رخص لم تختص بالطلب من لدن الشارع الحكيم، فتبقى على أصلها من الإباحة، فللمكلف أن يأخذ بالعزيمة وإن تحمل المشقة، وله أن يأخذ بالرخصة (١). والأصل أن الرخصة حكمها الإباحة، من حيث هي رخصة، وقد ينظر إلى الرخصة من جهة أنها إحياء للنفس فتكون عزيمة واجبة. وبناءً على ما سبق فإن الترخص في مقابل مشقة لا صبر عليها مطلوب، وهو من حقوق الله تعالى، كالإبقاء على النفس، وحفظها من الهلكة. والترخص في مقابل مشقة بالمكلف قدرة على الصبر عليها هو من حقوق العباد وحظوظهم، فما طلبه الشارع بقطع النظر عن المشقة أو الحاجة فهو ملحق بالعزيمة، وما لم يطلبه الشارع فحكمه على الأصل، وهو الإباحة. على أنه تجدر العناية بملاحظة أسباب الرخصة؛ فإن كان سبب الرخصة معصية فإن "الرخص لا تناط بالمعاصي" (٢). وذلك لأن فعل الرخصة متى توقف على وجود شيء، نظر في ذلك الشيء، فإن كان تعاطيه في نفسه حرامًا، امتنع معه فعل الرخصة وإلا فلا (٣). ومثال ما توقفت عليه الرخصة وكان في نفسه حرامًا: سفر العبد الآبق والمرأة الناشز، فالسفر في نفسه معصية، والرخصة منوطة به مع دوامه، ومعلقة ومرتبة عليه ترتب المسبب على السبب فلا تباح الرخصة معه، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، والمالكية (٤).

стр. 384

وقال الحنفية: إن المعصية لا تمنع من الرخصة مستدلين بإطلاق نصوص الرخص عن التقييد، والمطلق يجري على إطلاقه إلا لضرورة، فيشمل ذلك سفر المعصية والطاعة. وذهب الجمهور إلى أن الترخيص مقيد في بعض النصوص، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فجعلها رخصة حالَ كون المضطر غيرَ باغٍ بخروجه على إمامه، ولا عادٍ بظلمه للمسلمين بقطع الطريق، ونحو ذلك. كما استدلوا بأن الرخصة نعمة، وهي لا تنال "بالمعصية"، كما أن في ترتيب الترخيص على السبب المعصية تكثيرًا للمعاصي وإعانةً عليها. وعليه فإن الراجح ما نحاه الجمهور. إلا أنه ينبغي الالتفات إلى التفريق بين السبب "المعصية"، والسبب المقارن للمعصية، وهو أمر مهم جدًّا، قال عنه القرافي: "هو جليل حسن في الفقه" (١). فمن سافر سفرًا مباحًا استباح به الرخص، كان ارتكب فيه معصية، أو قارنته معصية، فمن سافر مثلًا لأمر مباح كتجارة ونحوها، ثم ارتكب فيه معصية فليس هنا ما يمنع من ترخصه بالجمع أو الفطر مثلًا؛ لأن سفره في نفسه ليس بمعصية تمنع. أدلة القاعدة: من القرآن والسنة والإجماع: أولًا: القرآن الكريم: وهي أنواع كثيرة منها أدلة دلت على التيسير والتخفيف، كما سبق بيانه في ابتناء الشريعة على رفع الحرج.

стр. 385

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وآيات دلت على نفي الحرج في الدين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وآيات دلت على رفع الجناح، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. وآيات دلت على نفي الإثم، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وآيات دلت على نفي المؤاخذة، كقوله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. وآيات دلت على الاستثناء، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. وهذه الأدلة بجملتها تأمر بالترخص أو تبيحه عند وجود المشقة الكبيرة والحاجة العظيمة. ثانيًا: السنة المطهرة: وهي أنواع كثيرة، منها: ١ - أدلة رخصت في النطق بما لا يحل عند الضرورة والحاجة الشديدة، كقوله ﷺ : "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول خيرًا، وينمي خيرًا". قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرَخَّصُ في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث:

стр. 386

الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها (١). ٢ - وأدلة جوَّزت المسح تخفيفًا، مثل: ما رواه عمرو بن أمية الضمري ﵁ قال: "رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه" (٢). وعن بلال بن رباح ﵁ قال: "مسح رسول الله ﷺ على الخفين والخمار" (٣). ٣ - وأدلة أفادت الإبراد بصلاة الظهر عند شدة الحرِّ؛ كحديث أنس بن مالك ﵁، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا كان الحرُّ أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجَّل" (٤). وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اشتد الحرُّ فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحَرِّ من فَيح جهنم" (٥). وقد دلَّت هذه الأدلة بجملتها من الكتاب والسنة على الترخص فيما غلبت مشقته وزادت عن الحدِّ، ولا شك أن الأخذ بالترخص فيه موافقة لقصد الشارع من التيسير والإرفاق، وفي الحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" (٦).

стр. 387

وقد سمَّى النبي ﷺ القصر في الصلاة حال السفر صدقة من الله تعالى، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته" (١). ولا شك أن الإجماع منعقد في الجملة على ثبوت أصل الترخص بالرخص الشرعية الثابتة والمنصوصة. تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: لا شك في أن حياة الأقليات المسلمة في عالم اليوم محفوفة بضرورات وحاجات، وتكتنفها صعوبات ومشقات، وتَبَنِّي منهج التيسير المنضبط متفق مع روح الدين، والأخذ بالرخص من شأنه أن يفتح بابًا للالتزام بأحكام الشرع والمحافظة عليها. وقد قال سفيان الثوري ﵀: "إنما الفقه الرخصة من ثقة، فأمَّا التشديد فيحسنه كل أحد" (٢). وقد كان الفقهاء المحققون يرجحون بين الأحكام بما هو أرفق وأصلح للناس معًا؛ ذلك أن الاعتراف بحاجات الناس وتقديرها منهج شرعي دلَّ عليه ما اتفق الفقهاء عليه من رعاية الضرورات، وتنزيل الحاجة منزلة الضرورة، ومن أجل هذا أجازت الشريعة المطهرة الإجارة والسَّلَم، وهما بيعُ معدومٍ، وأباحت الجعالة مع ما فيها من جهالة، وبيع العرايا مع ما يقع فيه من ربا الفضل، واعتبرت حاجات خاصة كلبس حرير لمن به حكة جلدية، أو عند الاقتتال،

стр. 388

وأجازت التبختر بين الصفين في أثناء الجهاد، ونحو ذلك. وعليه فإذا وُجد بعض الأقليات في أماكن يقصر فيها الوقت كثيرًا، أو يطول الوقت فيها طويلًا بما يوقعهم في حرج من جهة أداء الصلاة على وقتها، أو قامت ببعضهم حاجات شديدة وأعذار غالبة تحول بينهم وبين أداء الصلاة على وقتها، لا سيما مع عدم تمكنهم في بلادهم التي يعيشون فيها كأقليات، أو كانت تطرأ لهم أعذار في أوقات معينة تغلبهم عن أدائها في أوقاتها الشرعية، فلا بأس عند ذلك من إباحة الجمع للعذر والحاجة، كان لم يكن سفر، ولا خوف، ولا مطر، وقد ثبت حديث ابن عباس ﵄ قال ﷺ : "صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر"، وفي رواية: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر"، قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يُحرج أمته، وفي رواية عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟ لا أمَّ لك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدَّق مقالته (١). قال ابن حجر: "وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فجوَّزوا الجَمْعَ في الحضر للحاجة مطلقًا، لكن بشرط ألا يُتخذ عادة، وممن قال

стр. 389

به: ابن سيرين (١)، وربيعة، وأشهب (٢)، وابن المنذر (٣)، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي (٤) عن جماعة من أهل الحديث" (٥). ومما قد يضرب مثلًا تطبيقيًّا ما قد يسأل عنه في صلاة الجمعة وجوازها قبل الزوال لحاجة تتعلق بضيق الوقت حيث يقصر النهار في بعض البلاد القريبة من القطب، ولا سيما في الشتاء، ومنهم من لا يجد فرصة بسبب دراسته أو عمله إلا في وقت مبكر قبل الزوال. وقد ذهب الحنابلة إلى جوازها قبيل الزوال بيسير قال الخرقي (٦): "وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة أجزأتهم".

стр. 390

قال ابن قدامة: "وفي بعض النسخ في الساعة الخامسة، والصحيح في الساعة السادسة، وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز صلاتها فيما قبل السادسة، وروي عن ابن سعد وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوها قبل الزوال" (١). وقال ابن قدامة: "ولنا على جوازها في السادسة السنة والإجماع، أما السنة فما روى جابر ابن عبد الله ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي -يعني: الجمعة- ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس (٢)، وعن سهل بن سعد ﵁ قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله ﷺ (٣) قال ابن قيتبة: "لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال" وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل فيه، وفي رواية لمسلم: "فنرجع وما نجد للحيطان فيأً نستظل به" (٤). وأما الإجماع فروى الإمام ابن أبي شيبة عن وكيع عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدنا مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره (٥)، قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد
следующие страницы →