← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها (١). ٢ - وأدلة جوَّزت المسح تخفيفًا، مثل: ما رواه عمرو بن أمية الضمري ﵁ قال: "رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه" (٢). وعن بلال بن رباح ﵁ قال: "مسح رسول الله ﷺ على الخفين والخمار" (٣). ٣ - وأدلة أفادت الإبراد بصلاة الظهر عند شدة الحرِّ؛ كحديث أنس بن مالك ﵁، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا كان الحرُّ أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجَّل" (٤). وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اشتد الحرُّ فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحَرِّ من فَيح جهنم" (٥). وقد دلَّت هذه الأدلة بجملتها من الكتاب والسنة على الترخص فيما غلبت مشقته وزادت عن الحدِّ، ولا شك أن الأخذ بالترخص فيه موافقة لقصد الشارع من التيسير والإرفاق، وفي الحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" (٦).

стр. 387

وقد سمَّى النبي ﷺ القصر في الصلاة حال السفر صدقة من الله تعالى، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته" (١). ولا شك أن الإجماع منعقد في الجملة على ثبوت أصل الترخص بالرخص الشرعية الثابتة والمنصوصة. تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: لا شك في أن حياة الأقليات المسلمة في عالم اليوم محفوفة بضرورات وحاجات، وتكتنفها صعوبات ومشقات، وتَبَنِّي منهج التيسير المنضبط متفق مع روح الدين، والأخذ بالرخص من شأنه أن يفتح بابًا للالتزام بأحكام الشرع والمحافظة عليها. وقد قال سفيان الثوري ﵀: "إنما الفقه الرخصة من ثقة، فأمَّا التشديد فيحسنه كل أحد" (٢). وقد كان الفقهاء المحققون يرجحون بين الأحكام بما هو أرفق وأصلح للناس معًا؛ ذلك أن الاعتراف بحاجات الناس وتقديرها منهج شرعي دلَّ عليه ما اتفق الفقهاء عليه من رعاية الضرورات، وتنزيل الحاجة منزلة الضرورة، ومن أجل هذا أجازت الشريعة المطهرة الإجارة والسَّلَم، وهما بيعُ معدومٍ، وأباحت الجعالة مع ما فيها من جهالة، وبيع العرايا مع ما يقع فيه من ربا الفضل، واعتبرت حاجات خاصة كلبس حرير لمن به حكة جلدية، أو عند الاقتتال،

стр. 388

وأجازت التبختر بين الصفين في أثناء الجهاد، ونحو ذلك. وعليه فإذا وُجد بعض الأقليات في أماكن يقصر فيها الوقت كثيرًا، أو يطول الوقت فيها طويلًا بما يوقعهم في حرج من جهة أداء الصلاة على وقتها، أو قامت ببعضهم حاجات شديدة وأعذار غالبة تحول بينهم وبين أداء الصلاة على وقتها، لا سيما مع عدم تمكنهم في بلادهم التي يعيشون فيها كأقليات، أو كانت تطرأ لهم أعذار في أوقات معينة تغلبهم عن أدائها في أوقاتها الشرعية، فلا بأس عند ذلك من إباحة الجمع للعذر والحاجة، كان لم يكن سفر، ولا خوف، ولا مطر، وقد ثبت حديث ابن عباس ﵄ قال ﷺ : "صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر"، وفي رواية: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر"، قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يُحرج أمته، وفي رواية عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة؟ لا أمَّ لك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدَّق مقالته (١). قال ابن حجر: "وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فجوَّزوا الجَمْعَ في الحضر للحاجة مطلقًا، لكن بشرط ألا يُتخذ عادة، وممن قال

стр. 389

به: ابن سيرين (١)، وربيعة، وأشهب (٢)، وابن المنذر (٣)، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي (٤) عن جماعة من أهل الحديث" (٥). ومما قد يضرب مثلًا تطبيقيًّا ما قد يسأل عنه في صلاة الجمعة وجوازها قبل الزوال لحاجة تتعلق بضيق الوقت حيث يقصر النهار في بعض البلاد القريبة من القطب، ولا سيما في الشتاء، ومنهم من لا يجد فرصة بسبب دراسته أو عمله إلا في وقت مبكر قبل الزوال. وقد ذهب الحنابلة إلى جوازها قبيل الزوال بيسير قال الخرقي (٦): "وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة أجزأتهم".

стр. 390

قال ابن قدامة: "وفي بعض النسخ في الساعة الخامسة، والصحيح في الساعة السادسة، وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز صلاتها فيما قبل السادسة، وروي عن ابن سعد وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوها قبل الزوال" (١). وقال ابن قدامة: "ولنا على جوازها في السادسة السنة والإجماع، أما السنة فما روى جابر ابن عبد الله ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي -يعني: الجمعة- ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس (٢)، وعن سهل بن سعد ﵁ قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله ﷺ (٣) قال ابن قيتبة: "لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال" وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل فيه، وفي رواية لمسلم: "فنرجع وما نجد للحيطان فيأً نستظل به" (٤). وأما الإجماع فروى الإمام ابن أبي شيبة عن وكيع عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدنا مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره (٥)، قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد

стр. 391

ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال، وأحاديثهم تدل على أن النبي ﷺ فعلها بعد الزوال، في كثير من أوقاته لا خلاف في جوازه، وأنه الأفضل والأولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال ولا تنافي بينهما، وأما في أول النهار فالصحيح أنها لا تجوز؛ لما ذكره أكثر أهل العلم، ولأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل من نص أو ما يقوم مقامه، وما ثبت عن النبي ﷺ عن خلفائه أنهم صلوها في أول النهار، ولأن مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر وإنما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا من الدليل، وهو مختص بالساعة السادسة فلم يجز تقديمها عليها، والله أعلم" (١). وعليه: فإذا كان بعض المسلمين إمَّا أن يأتي بالجمعة فيصليها قبيل الزوال على ما ترجح جوازه في مذهب أحمد ﵀، أو أنه لن يأتي بها لصعوبة ومشقة شديدة فإن الفتيا على إباحة أدائها قبل الزوال بيسير يقيم الفريضة، ويعين المكلف على أداء الصلاة، ويحفظ عليه دينه، ويحول بينه وبين الاجتراء على محارم الله. القاعدة الثالثة: طلب التخفيف بوجه غير شرعي باطل (٢): المعنى العام للقاعدة: لقد تحقق عند الناظر في الأحكام الشرعية ومقاصدها أن المشقة غير مقصودة للشارع أصلاً (٣)، وأن المشقات الخارجة عن معتاد المشقات في الأعمال العادية مقصود الشارع فيها الرفع على الجملة (٤).

стр. 392

والشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل (١)، فهي بمجموعها في متناول المكلف آخذة من كل طرف بقسط لا ميل فيه، فلا ميل جهة طرف التشديد، ولا ميل جهة طرف التخفيف، وهذا هو عدل الشريعة، وهو الاقتصاد الذي عبر عنه بعض العلماء فقال: "الاقتصاد رتبة بين رتبتين، ومنزلة بين منزلتين، والمنازل ثلاثة: التقصير في جلب المصالح، والإسراف في جلبها، والاقتصاد بينهما" (٢). وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وفي الحديث: "ليُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد" (٣). وهذه القاعدة كالمقيدة للقاعدة السابقة والمخصصة لنطاقها، فإن التيسير والتخفيف والترخص ينبغي أن يكون منضبطًا بضابط المشروعية أولًا. والتخفيف الوارد في القاعدة قد يعرف بأنه ضد التثقيل سواء أكان حسيًّا أم معنويًّا (٤)، أو يقال بأنه: "تسهيل التكليف أو إزالة بعضه" (٥). والتخفيف أخص من التيسير؛ إذ هو تيسير ما كان فيه عسر في الأصل، ولا يدخل فيه ما كان في الأصل مُيَسَّرًا (٦)، ولا شك أن الشريعة مبناها على رفع الحرج، وعلى

стр. 393

التيسير والتخفيف وفق منهج صحيح. وأنواع التخفيف في الشريعة على أضرب كثيرة، وأنواع متعددة، فيشمل ما رخص الله للمكلف مما يخفف عنه، وهو أعم من الرخصة باصطلاح الأصوليين، فيشمل ما يستباح مع قيام المحرم، وما انتقل من تشديد إلى تخفيف وتيسير؛ ترفيهًا وتوسعةً على الضعفاء، فضلًا عن أصحاب الأعذار، فكل تخفيف يقابل تشديدًا فهو رخصة شرعها الله لأربابها، كما شرع العزائم لأصحابها (١). فإذا طلب المكلف تخفيفًا أو ابتغى تيسيرًا لم يشرعه الله لم يكن في هذا إلا مذمومًا؛ لتهاونه، أو تركه ما يلزمه من التقوى. فمن أصَّل حكمًا أو أفتى فتيا فطرح النصوص ليخفف! أو ترك المحكم لييسر! واتبع المتشابه أو جعل الخلاف بذاته دليلًا ليسهل! أو تَتَبَّع الحيل المحرمة ليتخلص!، أو لفَّق بين المذاهب تلفيقًا محرمًا -فقد انحرف عن جادة الحق في تشريع الأحكام، وضلَّ عن سبيل الصواب في إفتاء الأنام. أدلة القاعدة: من القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع، والمعقول. أولًا: القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢].

стр. 394

وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وجه الدلالة: دلت الآيات الكريمات على وجوب أخذ أحكام الدين بقوة، وعدم التفريط أو التهاون بشيء فيها، والاستقامة على المنهج الحق في العقيدة والشريعة. كما دلت الآية الأخيرة على أن طلب التخفيف من وجهه المشروع يُمْنٌ وبركة، وعكسه شؤم وحسرة، فمن لم يَتَّقِ الله لم يجعل الله له مخرجًا، كما يفيده الشرط. ولا شك أن طلب المخرج مما أباحه الله وعلى وجهه المشروع مضمون الفوز والفلاح، أما من طلبه من غير وجهه المباح فهو متعدٍّ لما حدَّ الله من الحدود، متعرض لعقوبة الله. ثانيًا: السنة المطهرة: ١ - قوله ﷺ للرجل المسيء صلاته ثلاث مرات: "ارجع فصلِّ فإنك لم تُصَلِّ" (١). ٢ - وقوله ﷺ : "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم. . . " (٢).

стр. 395

٣ - وقوله ﷺ : "لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" (١). وجه الدلالة: دل الحديثان: الأول والثاني على منع التهاون والتساهل في أمر الدين، فإن النبي ﷺ أمر الرجل المسيء في صلاته أن يعيدها ثلاث مرات، وشدَّذد على المتخلفين عن الجماعات ولم يفتح لهم بابًا إلى التخفيف من غير عذر ولا مرض. ولما كانت أسباب التخفيف الشرعية كثيرة فإن جلب التخفيف عن غير طريق مشروع لا يكون إلا منهيًّا عنه. وقد أفاد الحديث الثالث هذا المعنى؛ فإنَّ جَمْعَ المتفرق من المال لدى الزكاة أو تفريقه طلبًا للتخفيف أمرٌ لا يُشرع ولا يكون مباحًا. ثالثًا: الإجماع: نقل ابن القيم ﵀ إجماع الصحابة على تحريم الحيل المحرمة وإبطالها، وإجماعهم حجة قاطعة (٢). رابعًا: المعقول: إن البحث عن التخفيف وطلبه مطلقًا لتوهم المصلحة فيه أمرٌ لا يصح، ولا يصلح من جهتين؛ الأولى: أن هذه الشريعة كاملة ومحكمة فلا يوجد سبب تحقيق التخفيف والمصلحة معًا إلَّا وقد شُرع في دين الله، فما لم يثبت أنه مشروع فلا مصلحة معتبرة في تشريعه، والجهة الثانية: أن المصلحة لا يعرفها على وجهها، ولا يحيط بها حقَّ الإحاطة إلا الله تعالى، ومعرفة العبد بكل حال ناقصة، "فقد يكون ساعيًا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها، أو يوصله إليها عاجلًا، لا آجلًا، أو يوصله إليها ناقصة، لا

стр. 396

كاملة، أو يكون فيها مفسدة تُربي في الموازنة على المصلحة، فلا يقوَّم خيرها بشرها، وكم من مدبِّر أمرًا لا يتم له على كماله أصلًا، ولا يجني منه ثمرة أصلًا" (١). فالرجوع إلى ما شرعه الشارع الحكيم في هذا الباب هو تحقيق للمصلحة، وتخفيف على الوجه المشروع. صور من طلب التخفيف بوجه غير شرعي: أولًا: إتباع الحيل المحرمة: معنى الحيل: تطلق الحيلة -لغةً- على: الحذق، وجودة النظر، ودقة التصرف، وحسن تدبير الأمور، وهي مشتقة من التحول والانتقال من حالة إلى أخرى (٢). ثم غلبت بعرف الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية موصلاً إلى الغرض المطلوب، بحيث لا يتفطن له إلا بنوعٍ من الذكاء، فإن كان المقصود أمرًا حسنًا كانت حيلة حسنة، وإن كان قبيحًا كانت قبيحة (٣). وقد قال بعض العلماء: إنها صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت قُصِدَ بها التوصل إلى الغرض المنوع منه شرعًا أو عقلًا أو عادة (٤). وعرفها الشاطبي ﵀ بقوله: "تقديم عمل ظاهر الجواز؛ لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر" (٥).

стр. 397

وعرفها ابن القيم ﵀ بأنها: "إظهار أمر جائز؛ ليتوصل به إلى محرم يبطنه" (١). ومن ذلك: حيل اليهود في استباحة الحرام، كإيمانهم أول النهار وكفرهم آخره؛ ليصدوا الناس عن الإسلام، وتحريفهم التوراة، وليِّهم ألسنتهم بالكتاب، وزعمهم أن الله أنزلها. كذبًا وزورًا. وهكذا كل حيلة تضمنت إسقاط حق الله أو الآدمي فهي تندرج فيما يستحل به المحارم (٢). وهذه الحيل الممنوعة على أضرب ثلانة هي (٣): ١ - حيلة محرمة ويتوصل بها إلى محرم. ٢ - حيلة مباحة ويتوصل بها إلى محرم. ٣ - حيلة مباحة لا يتوصل بها إلى محرم، وتستعمل لتفضي إلى محرم. وقد ذهب العلماء إلى تحريم الإفتاء بهذه الأنواع جميعًا، بل لا يجوز تقليد من يفتي بها، ويجب نقض حكمه، ولا يجوز الدلالة للمقلِّد على من يفتي بها، وهذا مذهب جمهور العلماء في سائر المذاهب، ونصَّ كثير منهم على عدم قبول الفتاوي التي تتضمن هذا النوع من الحيل. فعند الحنفية: "يمنع مفتٍ ماجنٌ يعلِّم الحيل الباطلة، كتعليم الرِّدَّة؛ لتبين من زوجها، أو لتسقط عنها الزكاة" (٤). وعند الحنابلة: "ولا يجوز له -أي: المفتي- ولا لغيره تتبع الحيل المحرمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص، لمن أراد نفعه، فإنْ تَتَبَّعَ ذلك -أي: الحيل المكروهة والمحرمة والرخص-

стр. 398

فُسِّقَ وحرم استفتاؤه" (١). وفي كتاب إبطال الحيل: "الفتوى عند أهل العلم: تعليم الحق والدلالة عليه. . . وأما من علَّم الحيلة والمماكرة في دين الله والخديعة لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور حتى يخرج الباطل في صورة الحق فلا يقال له مفتٍ" (٢). قال ابن القيم ﵀-في الواجب على المفتي-: "يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحَيُّلٌ على إسقاط واجب، أو تحليل محرم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتي فيها ويرشده إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده" (٣). فلا شك أن المفتي المتتبع للحيل متعرض للفسق والمنع من الفُتيا، بل وذهب بعض أهل العلم إلى تكفيره! فقد وقع في عهد ابن المبارك (٤) ﵀ أن امرأة أُمِرَتْ بالردة لتبين من زوجها فغضب ابن المبارك لذلك غضبًا شديدًا، ثم قال: "أحدثوا في الإسلام، ومن كان أَمَرَ بهذا فهو كافر، ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به أو هَوِيَه ولم يأمر به فهو كافر، ثم قال: ما أرى الشيطان كان يُحسن مثل هذا، حتى جاء هؤلاء فأفادها منهم، فأشاعها حينئذ، أو كان يحسنها ولم يجد من يمضيها فيهم، حتى جاء هؤلاء" (٥).

стр. 399

الحيل المشروعة: وهي ما لا خلاف في جوازه؛ كالنطق بكلمة الكفر حالةَ الإكراه، والمعاريض التي يتخلص بها الإنسان من المآثم أو المكاره، وقد ثبتت بالسنة الفعلية والقولية، فقد قال النبي ﷺ للسائل الذي سألة: ممن أنتما؟، فقال ﷺ : "نحن من ماء" (١)، يريد مخلوقين من ماء، لا أنه من بلدة ماء، "وكان ﷺ إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها" (٢)، وكان يقول: "إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب" (٣). وكان الصِّدِّيق يقول لمن سألة عن النبي ﷺ في طريق الهجرة: "من هذا الرجل الذي بين يديك"؟ فيقول: "هذا الرجل يهديني السبيل" (٤). فإذا كانت الحيل لا شبهةَ فيها، ولا يترتب عليها مفسدةٌ، وفيها مصلحةٌ، أو رفعُ حرجٍ، أو تيسيرٌ فهذا من الحيل المشروعة. يقول ابن القيم ﵀: "فأحسن المخارج ما خَلَّص من المآثم، وأقبح الحيل ما

стр. 400

أوقع في المحارم، أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم" (١). وعلى هذا فإذا احتال المفتي بشيء مشروع لا شبهةَ فيه لتخليصٍ من ورطةٍ أو تصحيحٍ لمعاملةٍ ونحو ذلك فلا حرج عليه إذا حسن قصده. يقول النووي ﵀: "وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها، لتخليصٍ من ورطةِ يمينٍ ونحوِها فذلك حسن جميل، وعليه يُحْمَلُ ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا" (٢). وقال الحجاوي ﵀ (٣): "وإن حسن قصده -أي: المفتي- في حيلة جائزة لا شبهة فيها، ولا مفسدة لِتُخَلِّصَ المستفتيَ بها من حرج جاز" (٤). ثانيًا: تَتَبُّعُ الرُّخص: المقصود بتتبع الرخص: النظر في أحكام المذاهب المختلفة؛ لتخير ما هو الأهون والأيسر فيما يقع من المسائل. والواقع أن الفقهاء يختلفون في هذه المسألة إلى ثلاث فرق: فمنهم من يمنع مطلقًا، ومنهم من يجيز بقيود وشروط، ومنهم من يجيز مطلقًا. أولًا: المانعون مطلقًا: وهم بعض الحنفية، وكثير من الشافعية، ومنهم: النووي والغزالي، والمالكية -في الأصح عندهم-، والحنابلة، وابن حزم الظاهري.

стр. 401

يقول الغزالي ﵀: "وليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده فيتوسع، بل هذا الترجيح عنده كترجيح الدليلين المتعارضين عند المفتي؛ فإنه يتبع ظنه في الترجيح، فلا يقتصر على ملاحظة التخفيف بتتبع الرخص" (١). ويقول ابن حزم ﵀: "واتفقوا أنَّ طلب رخص كل تأويل بلا كتاب ولا سنة فسقٌ لا يحل" (٢). وقال ابن عبد البر ﵀-بعد نقله قول سليمان التيمي ﵀-: "إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشرُّ كله. قال أبو عمر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا والحمد لله" (٣). ويقول الشاطبي ﵀: "تتبع الرخص ميل مع أهواء النفس، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى. . . قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] " (٤). وذكر أن اتباع الرخص فيه من المفاسد ما فيه، مثل: "الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، وكالاستهانة بالدين. . . وكإفضائه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم" (٥)، وفي شرح المحلي على جمع الجوامع: "الأصح أنه يمتنع تتبع الرخص في المذاهب" (٦)، وهذا يدل على أن هناك رأيًا بجواز تتبعها، لكن ما ذكره من المنع هو الأصح عنده. ثانيًا: المجيزون بشروط: وهم بعض الشافعية، والقرافي من المالكية. قال العز ابن عبد السلام ﵀ في فتاويه: "الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت

стр. 402

المذاهب يسألون فيما يسنح لهم العلماءَ المختلفين من غير نكير من أحد، وسواء اتبع الرخص في ذلك أو العزائم؛ لأن من جعل المصيب واحدًا لم يعيِّنه، ومن جعل كل مجتهد مصيبًا فلا إنكار على من قلد في الصواب" (١). وقيَّد القرافي ﵀ الجواز بشرط ألا يترتب على تتبع الرخص العمل بما هو باطل لدى جميع من قلدهم. ثالثًا: المجيزون مطلقًا: وهم أكثر الحنفية، وبعض المالكية، وبعض الشافعية. يقول الكمال ابن الهمام ﵀: "لا يمنع من اتباع رخص المذاهب مانع شرعي؛ إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل، وكان الرسول ﷺ يحب ما خفف على أمته" (٢) وقال: "والغالب أن هذه إلزامات من المانعين لكفِّ الناس عن تتبعها وإلا أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد قوله أخف عليه، وأنا لا أدري ما يمنع هذا من النقل أو العقل، وكون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوَّغ له الاجتهاد ما علمت من الشرع ذمه عليه" (٣). وقال ابن أمير الحاج ﵀ (٤) في الرد على المانعين ومدعي الإجماع على ذلك، بأن دعوى الإجماع غير صحيحة؛ إذ في تفسيق المتبع للرخص عن أحمد روايتان، وقد حمل

стр. 403

القاضي أبو يعلى (١) الرواية المفسِّقة على غير تأويل ولا مقلد، على أن بعض الحنابلة ذكروا أنه لا يفسق، ولعل من يمنع إنما يقصد ما يوصل إلى صورةٍ لا يكون حكمها صحيحًا عند أحد، أما اتباع الرخص للتسهيل على المكلف كيفما كان فليس بضارًّ (٢). ويقول أبو إسحاق المروزي الشافعي (٣)، وإبراهيم الشبراخيتي المالكي (٤) بالجواز، فقد نقل الدسوقي (٥) عنه أنه قال: "الذي سمعناه من شيخنا نقلًا عن شيخه أن الصحيح جواز تتبع الرخص، بمعنى تتبع كل سهل لرفع المشقة" (٦). الترجيح: نوقش مذهب المجوزين مطلقًا بأمور، منها: أن ما نقل من عدم فسقه عن الإمام أحمد وغيره لا يلزم منه حل تتبع الرخص، وذلك أنه إذا كان عاميًّا مقلدًا لمفتيه في ذلك لم يفسق، أما إن كان عاميًّا فأقدم على الترخص من غير تقليد فهذا يفسَّق؛ لإخلاله بفرضه وهو

стр. 404

التقليد، وكذا إن كان مجتهدًا لم يؤده اجتهاده إلى الرخص. على أن التفسيق منقول عن غير أحمد ﵀ كيحيى القطان ﵀ (١) حيث قال: "لو أن رجلًا عمل بكل رخصة: يقول أهل المدينة في السماع -يعني: في الغناء- وبقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في المتعة لكان فاسقًا" (٢). وأما الاحتجاج بقول متأخري الحنفية فلا شك أنهم محجوجون بالإجماع الذي حكاه ابن عبد البر وابن حزم (٣). وعليه: فإن الراجح المنع، إلا أن يؤدي إلى ذلك اجتهاد معتبر أو تقليد سائغ. قال الشاطبي ﵀: "ومتى خيرنا المقلِّدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم، لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة" (٤). تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: يحتاج المفتون خارج ديار الإسلام إلى فقه قاعدة الترخيص، وتشتد حاجتهم إلى استعمالها فيما يعود على أهل الإسلام من الأقليات بحسن العاقبة في الدنيا والآخرة. ذلك أن التخفيف من أجل الترغيب في الإسلام والدخول فيه مقصد شرعي في ديار الإسلام وفي غيرها، وقد سبق أن النبي ﷺ قَبِل إسلام وفد ثقيف على شرط فاسد، وفي هذا إظهار وإبراز سماحة الإسلام ويسره وسعته، وحسن عاقبة السياسة النبوية التي ترعى المصالح الشرعية، فإن ثقيفًا حسن إسلامها وفاءت إلى الإسلام

стр. 405

ودخلت في شرائعه كافة لما خالط الإيمان القلوب، وتمكنت بشاشته من النفوس. وقد نعى الشيخ محمد سعيد الحسيني (١) على أحد المفتين في قازان وقد أفتى لبعض أمراء روسيا الوثنيين أنه لا يصح إسلامه على شرط شرب الخمر وأكل الخنزير، فقال: "إن هذا المتفقه لو كان من أهل البصيرة في الدين، والفقه في شريعة خاتم المرسلين، والوقوف على تصرفاته ﷺ لما اقترف هذا الخطأ المشين، ولعرف أنهم بعد إسلامهم يقلعون عن تعاطي شرب الخمر، وأكل لم الخنزير، متى تمكنت بشاشة الإيمان من قلوبهم؛ لأن أمة الإجابة لا يتفق جمهورها على الضلالة، لكن الذي أفضي بالأمة الإسلامية إلى ما وصلت إليه هو الجمود والوقوف عند ظواهر نصوص الفقهاء، وتعطيل قوى المدارك والمواهب، وإغلاق باب الاجتهاد بدون قيد" (٢). فلا شك أن التخفيف في زمن نفور الخلق، ووهن العزائم، ورقة الدين، أمر مطلوب ومرغوب، ومع هذا كله فلا بد من التحرك وفقًا لثوابت شرعية وأصول مرعية، وإلا ترتب على هذا التيسير تغييرٌ للأحكام بغير برهان، وتقوُّلٌ على الله بغير علم، وتعريض الشريعة للتبديل باسم التيسير! والأصل أن التساهل في الفتيا مذموم وممنوع، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٥٩].

стр. 406

وقال النووي: "يحرم التساهل في الفتوى، ومن عرف به حرم استفتاؤه" (١)، وقال ابن مفلح (٢): "يحرم تساهل المفتي، وتقليد معروف به" (٣)، وقال القرافي: "أما الحكم أو الفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع" (٤). وكما ظهر من يتشدد في غير موضع للتشديد، فقد ظهر جليًّا أن طائفة أخرى تبحث تحت ستار التخفيف عن التفلت من الأحكام الشرعية المستقرة، سواء أكانت في القضايا الكبرى والمهمات، أم كانت في القضايا الشخصية والجزئيات. فقضية ربا البنوك والمصارف -مثلًا- قضية محسومة في دار الإفتاء المصرية من لدن أول من ولي منصب الإفتاء في الديار المصرية الشيخ محمد عبده ﵀ (٥) (٦) وعلى حرمته انعقد اتفاق المجامع الفقهية المعاصرة (٧). وسواء أكان هذا في ديار الإسلام، أم

стр. 407

كان خارج دياره. ثم إنه ظهر من يقول بحل هذه الفوائد الربوية، وامتد الأمر إلى توبيخ من يبحث الآن في: هل فوائد البنوك حلال أم حرام؟! بينما يتابع الأمريكيون رحلات الفضاء الهائلة التي تجاوزت كوكب نبتون!! (١). وهذا أحد المعاصرين يقول: "ألا يمكن تحت شعار الفقه المعتدل والمرن أن يقال: إن فتاوي د. سيد طنطاوي في إباحة الربا أوفق من فتاوي المانعين، وأن يقول المبيحون لذلك: إن علينا مواجهة مشكلات العصر بفقه جديد للتكيف مع تطورات العصر" (٢). ومن قبلُ قال آخر: "إن الربا بفائدة ليس من أنواع الربا المحرم، وإن سبب تخلف مصر هو عدم فتح بنوك على الطريقة الغربية" (٣). ولا شك أن اتساع دائرة التغريب والعولمة الثقافية، والفكرية والاقتصادية له أثره البالغ على ما تعانيه الأمة اليوم عند معالجة نوازل الأقليات المسلمة في بلاد الغرب، لقد وُجد اتجاه يُعْنَى بتسويغ التبعية الفكرية والثقافية والاقتصادية للغرب. ومن قبلُ وُجد في هذه الأمة من يقول: "إننا عزمنا أن نأخذ كلَّ ما عند الغربيين؛ حتى الالتهابات التي في رئتيهم، والنجاسات التي في أمعائهم" (٤). وآخر يقول: "إن الأمم الإسلامية لفي حاجة إلى تقليد الغربيين في كلِّ شيء حتى

стр. 408

في ملاهيهم ومراقصهم وإلحادهم، إن أرادت أن تبلغ شأوهم في حلبة الحياة" (١). لقد صار هَمُّ هؤلاء: "أخذ مسلَّمات الفكر الغربي، ثم محاولة تبريرها إسلاميًّا، وتمريرها لدى الأمة، بالبحث عن فتاوي لتسويقها شرعًا" (٢). فخرجت الفتاوي التي تفصِّل -مثلًا- في موضوع الربا، وأن ما يحرم ما كان ربا استهلاك أخذًا من النظام الرأسمالي الغربي، أو أن ما يحرم هو الربا المضاعف فحسب! "ومما يمزق الضمائر الحية، أن يجد عبيد الفكر الغربي من المتصدين للفتوى، والمتَّسمين بسمة أهل العلم الديني من يُزَوِّرُ لهم أقوالًا يتكئون عليها؛ لِيُنَفِّذوا مآربهم من تغيير صفة الأمة المسلمة، وتغيير وجهتها وقبلتها من حيث يشعرون أو لا يشعرون! " (٣). ولست بحاجة إلى أن أبين خطأ هذا الاتجاه، بل انحرافه، وأنه خيانة للشريعة؛ لأننا لسنا ملزمين أن نفتي بإباحة الفوائد الربوية -ولو للأقليات الإسلامية- أو جواز شرب الخمر، أو لعب الميسر، أو منع الطلاق، أو التسوية بين الذكر والأنثى في الميراث، أو جواز نكاح الكتابي للمسلمة، أو إمامة المرأةِ الرجالَ في الصلاة؛ لأن هذا لا يتوافق مع تشريعات الغرب وتقنيناته.

стр. 409

المطلب الثاني: القواعد الفقهية: القاعدة الأولى: المشقة تجلب التيسير المعنى العام للقاعدة: المشقة في أصلها اللغوي تدور حول الجهد والعناء والشدة والتعب (١)، وفي القرآن الكريم: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]. وفي الحديث: "لولا أن أشق على أمتي -أو: على الناس- لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" (٢)، يعني: لولا أن أثقل على أمتي من المشقة وهي الشدة (٣). والتيسير يقصد به التسهيل بما لا يجهد النفس أو يثقل الجسم (٤) واليسر يقابل العسر. والمقصود بجلب المشقة للتيسير أنها تصير سببًا فيه (٥). ويكون معنى القاعدة، أن الصعوبة والعناء التي يجدها المكلف في تنفيذ الحكم الشرعي تصير سببًّا شرعيًّا صحيحًا للتسهيل والتخفيف عنه بوجه ما (٦). فكل مشقة خارجة عن معتاد المشقات فإنها تجلب التيسير ويشترط في المشقة التي تجلب التيسير أن تكون منفكة عن العبادة؛ لأن ما لا ينفك عن العبادة من المشقات لا

стр. 410

أثر له في جلب التخفيف أو التيسير، ومن ذلك مشقة الصيام في الحر أو الوضوء في البرد، أو مشقة السعي إلى المسجد في الليل أو مشقة القتل في الجهاد. قال المقَّري: قاعدة: الحرج اللازم للفعل لا يسقطه كالتعرض إلى القتل في الجهاد؛ لأنه قدر معه (١). كما يطلب في المشقة أن تكون حقيقية واقعة فعلًا لا متوهمة ولا مظنونة، وذلك بأن تستند إلى ما رخص الشارع لأجله من أسباب كالسفر والمرض والجنون والصغر وغير ذلك. ويشترط في المشقة أن تكون خارجة عن معتاد المشقات في التكاليف العادية، وأن يكون لها شاهد من جنسها في أحكام الشارع؛ فالمستحاضة أبيح لها الصلاة بشرط الوضوء عند كل صلاة، فكذا من به سلس بول لا ينقطع أو جرح لا يرقأ فإنه يأخذ حكم الرخصة التي للمستحاضة من حيث كون الحدث لا ينقطع (٢). كما يشترط ألا يؤدي بناء الحكم عليها إلى تفويت مصلحة أرجى وأرجح، وإلا لأدى ذلك إلى تفويت مصالح أكثر أو أكبر. والمشقة التي ورد فيها دليل من الشارع يتبع فيها دليله، سواء كان ذلك بتعيين سببها (كالسفر)، أو بضبط السبب الذي تتحقق به المشقة نفسه (كمسافة القصر)، وما لم يرد بشأنه دليل أو ضابط من الشرع فهي إما أن تكون في العبادات أو في المعاملات، فإن كانت في العبادات مرتبطة بها فلا أثر لها في التخفيف، وما كان منفكًّا عنها أو متعلقًا بالمعاملات، فالمتبَع في ضبطها عرف الناس وعادتهم الجارية ما لم تخرج عن إطار الشرع. فإن لم يكن هنا عرف محدد اعتبرت بأقرب المشاق إليها؛ لأن: "ما لا يحد ضابطه لا

стр. 411

يجوز تعطيله ويجب تقريبه" (١). فلا بد للمشقة المعتبرة من كونها مماثلة لمشقة معتبرة للشارع في تلك العبادة. فإذا اعتبر الشارع التأذي بالقمل مبيحًا للحلق، فعلى هذا يكون المرض مبيحًا للحلق، إن كانت مشقته مماثلة لمشقة القمل، وكذلك سائر المشاق المبيحة للبس والطيب والدهن، وغيرها من محظورات الإحرام (٢). الأدلة على القاعدة: من الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع، والمعقول. أولاً: القرآن الكريم: من ذلك الآيات النافية للحرج: ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. فالحرج والضيق منفي في دين الله تعالى إما ابتداء بتكليف ما لا عسر فيه ولا مشقة، وإما انتهاء بالتخفيف والتيسير عند حصول عذر طارئ أو مشقة غير عادية. ومن ذلك أيضًا: الآيات النافية للتكليف بما ليس في الوسع، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فلا تكليف بما لا يطاق ولا يحتمل (٣): فالوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه.

стр. 412

ومن ذلك: الآيات الدالة على إرادة التيسير والتخفيف: قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]. فالتيسير والتخفيف كلاهما عام في أحكام الشرع. ثانيًا: السنة المطهرة: حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بعثت بالحنيفية السمحة" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ الأديان إلى الله الحنيفية السمحة" (٢). فلو ثبت في الشرع وجود المشقة البالغة لم تكن الشريعة حنيفية سمحة، بل كانت حرجية عسرة، وهذا باطل؛ لمخالفته لقول رسول الله ﷺ فبطل ما أدى إليه، وثبت أن لا حرج ولا مشقة في الشرع (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" (٤). الإجماع: وقع الإجماع مستندًا إلى الأدلة الكثيرة التظاهرة على نفي الحرج والعنت والضيق،

стр. 413

بل وقع الإجماع على الإنكار على من يتشدد أو يضيق في العبادات أو الأحكام والتشريعات، والأخبار المنقولة عن النبي ﷺ وأصحابه الطيبين وسلف الأمة الصالحين تؤكد هذا المعنى بحمد الله. الأدلة العقلية: كل ما ثبت دليلاً عقليًّا على نفي الحرج، فهو دليل على قاعدة المشقة تجلب التيسير، وقد سبقت تلك الأدلة قريبًا. ضوابط التيسير: موقف العلماء من دعوى التيسير طرفان ووسط، ففريق منهم سلك بالناس مسلك التشديد، فألزمهم ما لا يطيقون، ورجَّح الأخذ بالأحوط دائمًا، ورفض مبدأ التيسير في الفُتيا، مع أن الدين يسر، وأسلوبهم هذا يؤدي في كثير من الأحيان إلى التنفير من الالتزام بتعاليم الإسلام. وعلى الجانب الآخر يقف الفريق الذي أفرط في التيسير فتساهل حتى جعل الدين مسرحًا للتلاعب، وراح يتتبع رخص المذاهب، وُيلفِّق بينها ويلتمس الحيل والشُّبه، ويهرب من الأدلة الواضحة. وربما تذرعوا بالمصلحة تارة، وبالعرف تارة أخرى، وكثيرًا ما يتخذون اختلاف العلماء مدخلاً للترخص، واختيار الأسهل، وإن كان مرجوحًا! وبين ذينك الفريقين فريق وسط -وخير الأمور أوسطها- لم يشددوا مثلما شدد المتنطعون، ولم يتساهلوا مثلما تساهل المتميعون، وإنما توسطوا فسلكوا مسلك التيسير المنضبط بضوابطه، المحكوم بشروطه وقواعده، التيسير الجاري على أصول الشريعة، المضبوط بالدليل الذي لا يصادم نصًّا صريحًا، ولا إجماعًا صحيحًا، ولا قاعدة كلية، ولا أصلًا عامًّا، ولا مقصدًا من مقاصد الشرع الحنيف، فهؤلاء أهدى سبيلاً، وأقوم قيلًا. وعليه: فلا بد من توافر جملة من الضوابط والشروط التي تضبط الفُتيا في النوازل من الانحراف عن تطبيق مبدأ التيسير، وبيانها كالتالي:

стр. 414

الضابط الأول (١): وجود ما يدعو إلى التيسير: فلا بد أن يوجد ما يدعو إلى التيسير من ضرورة، أو حاجة تتنزل منزلة الضرورة، أو مشقة تستوجب التيسير، والتحقق من حصول المشقة التي يستدعي نوعها التيسير؛ فإن التيسير ينبغي ألا يكون مُتَّخَذًا للعبث في الدين، أو مجاراة للأهواء، أو للتشهي وموافقة أغراض الناس، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]، وليس كل مشقة تعرض للإنسان تستدعي التيسير، فإنَّ المشقة لا ينفك عنها عمل من الأعمال غالبًا حتى طلب الرزق، وقد بيَّن العز ابن عبد السلام في قواعد الأحكام أنواع المشقات وما يستدعي منها التيسير، وما لا يستحقه، فقال: "المشاق ضربان: أحدهما: مشقة لا تنفك عنها العبادة كمشقة الوضوء والغسل في شدة السبرات، وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد، ولا سيما صلاة الفجر، وكمشقة الصيام في شدة الحر وطول النهار، وكمشقة الحج. . . فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات ولا في تخفيفها. . . الضرب الثاني: مشقة تنفك عنها العبادات غالبًا، وهي أنواع: النوع الأول: مشقة عظيمة فادحة كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأطراف، فهذه مشقة موجبة للتخفيف والترخيص. . . النوع الثاني: مشقة خفيفة كأدنى وجع في إصبع أو أدنى صداع، أو سوء مزاج خفيف، فهذا لا لفتة إليه ولا تعريج عليه. . . النوع الثالث: مشاق واقعة بين هاتين المشقتين مختلفة في الخفة والشدة، فما دنا منها من

стр. 415

المشقة العليا أوجب التخفيف، وما دنا منها من المشقة الدنيا لم يوجب التخفيف" (١). فإذا وُجدت مشقة حقيقية غير معتادة، أو ضرورة يترتب على مخالفتها خطر، أو حاجة تنزل منزلة الضرورة -عامة أو خاصة- ويترتب على مخالفتها عسر وصعوبة وعنت، فعندئذٍ يتوجه الأخذ بالأيسر، ويصح للمفتي أن يعمل بمبدأ التيسير؛ لأن القاعدة أن: "الضرورات تبيح المحظورات" وأن "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة أو خاصة" وأنه: "لا واجب مع العجز، ولا حرام مع الضرورة"، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. أما إذا لم يوجد ما يدعو إلى التيسير؛ فإن التيسير عندئذٍ يكون اتباعًا للهوى، وتحكيمًا للشهوة، وهو حرام إجماعًا، قال الإمام ابن القيم ﵀: "لا يجوز للمفتي تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإنْ تَتَبَّعَ ذلك فسقَ، وحَرُمَ استفتاؤه" (٢). وقد نبه الشاطبي ﵀ إلى أمر مهم، وهو أن الحرج إذا كان عامًّا اعتُبِر، وإذا كان خاصًّا لم يعتبر، ونقل عن ابن العربي (٣) أنه قال: "إذا كان الحرج في نازلةٍ عامة في الناس فإنه يسقط، وإذا كان خاصًّا لم يعتبر عندنا، وفي بعض أصول الشافعي اعتباره" (٤) الضابط الثاني (٥): أن يغلب على الظن حصول المقصود من التيسير: فإذا كان الإفتاء بالأيسر لن يرفع الحرج، ولن يزيل المشقة، ولن يحقق المقصود منه

стр. 416

في حصول التيسير على المستفتي -فليس له فائدة، ويكون العمل به عبثًا، وشرع الله تعالى منزه عن العبث واللغو. فعلى سبيل المثال: لو غلب على الظن أن الحجيج إن قيل لهم بصحة الرمي قبل الزوال سيزدحمون قبل الزوال كازدحامهم بعد الزوال؛ فعندئذٍ لا يصح ولا يجوز إفتاؤهم بالأيسر، ولا العمل بمبدأ التيسير؛ لأنه لا فائدة فيه، ولا ثمرة منه. الضابط الثالث (١): ألَّا يترتب على الأخذ بالأيسر مصادمة الشريعة: فيشترط للتيسير عليه ألَّا يترتب عليه معارضة مصادر الشريعة القطعية أو أصولها ومبادئها العامة، كأن يكون الأخذ بالأيسر مخالفًا للإجماع، أو مصادمًا لنص صريح، أو لقواعد مقررة ثابتة بنصوص الكتاب والسنة، فإنَّ القول -مثلاً- بجواز الربا القليل على جهة التيسير مصادمة لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. يقول القرافي ﵀: "كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح- لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس، ولا يفتي به في دين الله تعالى؛ فإنَّ هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه، وما لا نقره شرعًا بعد تقرره بحكم الحاكم أولى ألا نقره شرعًا إذا لم يتأكد، وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعًا، والفُتيا بغير شرع حرام، والفُتيا بهذا الحكم حرام" (٢). الضابط الرابع: استناد التيسير إلى دليل: فالقول بالتيسير لا بد له من دليل شرعي يسنده ويؤيده، أما أن يفتي المفتي بالتيسير دون ضابط من دليل كتاب، أو سنة، أو اجتهاد فهذا ما لا يقره الشرع؛ فعلى

стр. 417

سبيل المثال: يمكن الإفتاء بوقوع طلاق الثلاث طلقة واحدة تيسيرًا على المستفتي؛ لأنَّ له سندًا من السنة، ففي حديث ابن عباس ﵁: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. . ." (١) الحديث، وقد أفتى به طائفة من أهل العلم الثقات، وإن خالفوا الجمهور. الضابط الخامس: ترك تتبع الرخص والزلات: فعلى المفتي إذا أراد التيسير أن يطلبه من الوجه الصحيح الذي وصفه الشارع؛ لأنَّ في ذلك حصول المصلحة والتخفيف على وجه الكمال، وهذا يتطلب من المفتي أن يكون عالمًا بأوجه ومجالات التيسير في الشريعة ليتحرَّاها، ولا يصح أن يسلك الطرق غير الصحيحة كتتبع الرخص، والبحث عن شواذِّ الأقوال، والحيل الفاسدة، وغيرها مما ليس مشروعًا؛ إذ الغاية لا تبرر الوسيلة، فليس للمفتي تتبع رخص المذاهب، بأن يبحث في كل ما يُستفتى فيه عن الأسهل من القولين أو الوجهين ويفتي به؛ ذلك أن الراجح في نظر المفتي هو في ظنه حكم الله تعالى، فتركُه والأخذ بغيره لمجرد اليسر والسهولة لا يصح؛ ولأن المفتي لو أفتى الناس بالرخص في كل شيء وفي كل حال ولكل شخص، لَذَابَ الدين بين الناس، وأصبح الأصل هو الترخص لا العزيمة" (٢). الضابط السادس: عدم ترتب مفسدة على التيسير عاجلاً أو آجلاً: يجب على المفتي أن يراعي في التيسير قاعدة المآل وقاعدة سد الذرائع، وأن يلاحظ ما يترتب على فتواه، ولا يسوغ له أبدًا أن يفتي -ولو على سبيل التيسير- بما يكون سببًا لنشر فتنة أو وقوع ضرر عام، ولو كان رأيه رأيًا شرعيًّا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "على المفتي أن يمتنع عن الفتوى فيما يضر

стр. 418

بالمسلمين، ويثير الفتن بينهم، وله أن يمتنع عن الفُتيا إن كان قصد المستفتي -كائنًا من كان- نصرة هواه بالفتوى، وليس قصده معرفة الحق واتباعه" (١). الضابط السابع: مراعاة حال المستفتي: فالمفتي يجب أن يكون على إدراك بأحوال المستفتي ليعطيه ما يناسبه من الأحكام، وليضع الرخصة موضعها، ويجب أيضًا أن يكون عالمًا بمسالك المستفتين ومآربهم، فمن الناس من يتخذ التيسير وسيلةً إلى الإقدام على المحرمات، ولا يزيده الإفتاء بالأيسر إلا إصرارًا على المعصية واغترارًا بحاله. والناس متفاوتون في درجة تمسكهم بدينهم واستقامتهم عليه، فمنهم: الحريص على أحكام الدين الذي يحمل نفسه على العزيمة وعلى مقتضى الورع، ومنهم: المتساهل الباحث عن المخارج، اللاهث وراء الحيل، المائل إلى التفلت من الأحكام. هذا وقد سبق النقل عن غير واحد من العلماء تحريم التساهل في الفُتيا، وعدم جواز استفتاء المتساهل الذي عرف بالتساهل وعدم التحري، منهم: النووي، وابن الصلاح، وابن مفلح، وغيرهم (٢). القواعد الأصولية المرتبطة بقاعدة المشقة تجلب التيسير: علاوة على ما ذكر من قواعد أصولية تتعلق بالحاجة والمشقة فإنه ترتبط جملة من القواعد الأصولية بالقاعدة الفقهية "المشقة تجلب التيسير"، ومن ذلك: المصلحة المرسلة، والاستحسان، والترجيح بدفع المشقة، وفيما يلي بيان وجه الارتباط.

стр. 419

القاعدة الأولى: المصلحة المرسلة: المصلحة المرسلة هي: كل منفعة ملائمة لتصرفات الشارع من غير أن يشهد لها بالاعتبار أو الإلغاء أصل معين، والاستصلاح: عمل المجتهد وبناؤه الأحكام على المناسب الذي لم تعتبره أو ترده شواهد الشرع، مما يحقق مصلحة أو يدفع مفسدة، وقد قال بها المالكية والحنابلة وبعض الشافعية (١)، وقيدوا الأخذ بها بقيود وشروط سيأتي ذكرها (٢): وقد جرى عمل المجتهدين من الصحابة فمن بعدهم على العمل بها ورعايتها في أحكامهم؛ إذ هي ضرب من الاجتهاد (٣). قال صاحب مراقي السعود -مبينًا نماذج من أخذ الصحابة بها-: وَالْوَصفُ حَيْثُ الِاعْتِبَارُ يُجْهلُ ... فَهُوَ الِاسْتِصْلَاحُ قُلْ وَالْمُرْسَلُ نَقْبَلُهُ لِعَمَلِ الصَّحَابَهْ ... كَالنَّقْطِ لِلْمصْحَفِ وَالْكِتَابَهْ تَوْليَةُ الصِّدّيْقِ لِلْفَارُوْقِ ... وَهَدْمُ جَارِ مَسْجِدٍ لِلضِّيْقِ وَعَمَلُ السَّكَّةِ تَجْدِيْدُ النِّدَا ... وَالسِّجْنُ تَدْوِيْنُ الدَّوَاوِيْنِ بَدَا (٤) ومما ذكروه من ذلك -أيضًا-: تضمين الصناع، وفرض ضرائب إضافية إن لم تَفِ واردات الدولة بمتطلباتها (٥). ومراعاة المصلحة المرسلة فيه تيسير وتخفيف ودفع للمشقة التي تترتب على عدم

стр. 420

اعتبارها طريقًا لبيان أحكام ما يَجِدُّ من النوازل، وذلك وفقًا لما تقتضيه المصالح التي لم يرد بشأنها نص خاص، وكانت داخلة في إطار المصالح المشروعة المستفادة من اعتبار أجناس أعلى منها، فهي من الأدلة الحيوية التي يتحقق بها إثراء الفقه الإسلامي، وتجديد خصوبته (١). وفي المجال التطبيقي المعاصر ذهبت طائفة من الباحثين المعاصرين إلى أن مما يدخل في مجالها: تحديد أجور العمال، أو تحديد ملكية الأراضي الزراعية، أو تحديد أجور المساكن، أو إرسال بعثات دراسية إلى بلاد غير المسلمين، ومكافأة المجدين، وتشريع بعض اللوائح والنظم كاشتراط إثبات عقد الزواج بورقة رسمية لسماع دعوى الإنكار لقيام الزوجية، واشتراط تسجيل البيع في الدوائر المختصة لنقل الملكية، وتحريم ذبح إناث الحيوانات الصغيرة محافظة على الثروة الحيوانية، والإلزام بحمل البطاقة الشخصية أو العائلية، والإلزام بقواعد خاصة لاستخراج جواز السفر والخروج من البلاد، ووضع قواعد المرور في الطرقات العامة. ومما يدخل في ذلك: إنشاء دوائر خاصة للمحافظة على الحقوق، كدوائر التسجيل العقاري، والجوازات والبلديات وغيرها (٢). القاعدة الثانية: الاستحسان: الاستحسان -لغةً-: مصدر استحسن، أي: عَدَّ الشيء حسنًا أو طلب الأحسن (٣). واصطلاحًا له عند الأصوليين ثلاثة معانٍ: الأول: ما يستحسنه المجتهد بعقله ويرجحه بمحض رأيه.

стр. 421

الثاني: ما ينقدح في نفس المجتهد ولا يقدر على التعبير عنه. "وبطلان هذين التعريفين ظاهر؛ لأن المجتهد ليس له الاستناد إلى مجرد عقله في تحسين شيء، وما لم يعبر عنه لا يمكن الحكم له بالقبول حتى يظهر ويعرض على الشرع" (١). وإذا كان العقل لا يستقل بالتحسين، وما ينقدح في النفس لا يكون مقياسًا؛ فإنه من المستبعد أن يقصد العلماء من الاستحسان ما يستحسنه المجتهد برأيه، أو أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسُر عبارته عنه (٢). وعليه فإن هذين الاتجاهين في فهم الاستحسان وتعريفه مرفوضان. الثالث: هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص يقتضي ذلك. وهذا هو التعريف الصحيح الذي قصده القائلون بالاستحسان. ومن التعريفات الصادرة عن هذا الفهم الصحيح: ١ - قول الكرخي الحنفي (٣): "الاستحسان هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه؛ لوجه يقتضي العدول عن الأول" (٤). ٢ - وقال عنه ابن رشد: "الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس، هو أن يكون طرد القياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم فيختص به ذلك الموضع" (٥).

стр. 422

وعليه فقد دارت تعريفات الأصوليين للاستحسان حول معنى استثناءِ جزئيةٍ ما من حكم دليل، أو قاعدة أغلبية (١)، دون تعرض في أغلب التعريفات للداعي والحامل على هذا الاستحسان، أو المعنى المشترك الذي يربط بين الأدلة التي يتحقق بها هذا الاستثناء، ولا شك أن هذا الاستثناء إنما دعا إليه وجود الحرج أو المشقة والعنت، وجدير بالذكر أن السرخسي في "المبسوط" قد تناول التعريف نقلًا عن بعض شيوخه بعبارات تدل على اعتبار المشقة أو الحرج وما يقتضيه ذلك من التخفيف، فقال: "كان شيخنا الإمام يقول: الاستحسان ترك القياس، والأخذ بما هو أوفق للناس، وقيل: الاستحسان طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى به الخاص والعام، وقيل: الأخذ بالسعة، وابتغاء الدَّعة، وقيل: الأخذ بالسماحة، وابتغاء ما فيه الراحة" (٢). وهذا القدر يكفي في بيان ارتباط الاستحسان بقاعدة: "المشقة تجلب التيسير"، بل قد صرح السرخسي بذلك حين قال: "وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر، وهو أصل في الدين، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال ﷺ : لأبي موسى ومعاذ ﵄، حينما وجههما لليمن: "يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا" (٣) (٤). وإذا كان الكرخي الحنفي عرف الاستحسان بأنه: العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى، فإن هذا الوجه هو التخفيف الذي تقتضيه

стр. 423

المشقة، أو ينشئه الحرج (١). وقد يكون الدليل الدال على استثناء الجزئية وتغير حكمها للمشقة الطارئة هو النص، أو الإجماع، أو الضرورة أو القياس الخفي، فينقسم الاستحسان إلى أنواع أربعة بناء على ذلك، كما هو مذهب الحنفية (٢). وقد يرى غيرهم أن العرف وعمل أهل المدينة، والمصلحة، ومراعاة الخلاف، ورفع المشقة أنواع أخرى للاستحسان، كما هو عند المالكية (٣). والأنواع بجملتها -كما قدمنا- تعود إلى نفي المشقة ورفع الحرج. وبتتبع الاستحسانات التي قال بها الحنفية في فقههم نخلص إلى نتيجة إجمالية، وهي: أنه ما من حكم قيل به استحسانًا إلا وهو أخف من الحكم المتروك، وفيما يأتي من أمثلة البرهنة على صحة هذه النتيجة: ١ - لو أمر حاكم بقطع يد السارق اليمنى فأخطأ المنفذ فقطع اليسرى، فإن على المنفذ الضمان في القياس الظاهر؛ لأن اليسرى معصومة، فتكون عند إتلافها مضمونة، وقد عدل عن هذا استحسانًا لقياس خفي، وهو: أنه لا شيء على المنفذ؛ لأنه أتلف وأخلف من جنسه ما هو خير منه، فلا يعد إتلافًا، وصار كما لو شهد اثنان على رجل ببيع عبد بألفين، وقيمته ألف، أو شهدا بمثل قيمته، ثم رجعا بعد القضاء لا يضمنان شيئًا (٤). ولو أن حكم القياس الظاهر جرى هنا لأدى إلى مشقة وحرج، فعدل عن حكمه إلى ما يحقق التيسير.

стр. 424

٢ - يشترط في الإجارة من بيان مدة المنفعة للعين المؤجرة، وتعيين كل ما يتعلق بالمنفعة، وقد جرى عمل الناس قديمًا على دخول الحمام من غير تعيين ذلك مع تفاوته بين الناس تفاوتًا ملحوظًا فإن ما يستهلك من الماء والصابون والوقت الذي يلبثه داخل الحمام غير محدد ولا منضبط، وهذا من شأنه أن يفسد الإجارة، إلا أنهم أجازوا ذلك للحاجة ودفعًا للمشقة (١). وهكذا نجد أحكامًا قيلت استحسانًا كان الجامع فيها هو نفي الحرج والعنت والمشقة (٢). وهو ما يبرهن على أن الاستحسان إنما هو مظهرٌ واضحٌ، وتجلٍ بينٌ لقاعدة: المشقة تجلب التيسير. وفي نوازل الأقليات وُجِدَتْ فتاوي كثيرة استندت إلى المشقة الواقعة في تخفيف كثير من الأحكام، وأبيحت تصرفات متعددة بناءً على أن ما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة. فصدرت بعض الفتاوي عن المجلس الأوروبي للإفتاء تبيح عند الاضطرار الاقتراض بالربا؛ لشراء المساكن وتملكها، وبقاء المرأة التي أسلمت تحت زوجها غير المسلم، وغير ذلك (٣). القاعدة الثالثة: الترجيح بدفع المشقة: قد تتعارض الأدلة بحسب الظاهر، وعند التعارض يطلب الترجيح، إذا لم يمكن الجمع، وقد اهتم العلماء بالمرجحات، ونظروا فيها تقديمًا وتأخيرًا، ومما عُدَّ من المرجحات دفعُ المشقة ورفع الحرج، وقد تجلَّى هذا الأمر في تقعيدات، وضوابط للترجيح متعددة، ومن ذلك ما يأتي: الأخذ بالحكم الأخف:

стр. 425

وقد قال طائفة بأنه إذا تكافأت الأقوال، ولم يترجح منها قول فإنه يترجح أيسرها؛ لأن الدين يسر، ولأنه ﷺ بُعث بالحنيفية السمحة (١)، ولأن اليسر هو الغالب في الشرع وأحكامه، وعلى هذا دلت أدلة كثيرة. ومن الأصوليين من خيَّر المكلف في أن يأخذ بأيها شاء، وهو باب من التيسير أيضًا (٢). وحكى ابن القيم في هذه المسألة سبعة أقوال حيث قال ﵀: "فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر، فهل يأخذ بأغلظ الأقوال، أو بأخفها، أو يتخير، أو يأخذ بقول الأعلم، أو الأورع، أو يعدل إلى مفتٍ آخرَ فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها، أو يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه؟ فيه سبعة مذاهب: أرجحها: السابع، فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين، أو الطبيبين، أو المشيرين، كما تقدم، وبالله التوفيق" (٣). وقال الغزالي ﵀: "إذا اختلف عليه مفتيان في حكم: فإن تساويا راجعهما مرة أخرى، وقال: تناقض فتواكما وتساويتما عندي، فما الذي يلزمني؟ فإن خيراه تخير، وإن اتفقا على الأمر بالاحتياط أو الميل إلى جانب معين فعل، وإن أصرَّا على الخلاف لم يَبْقَ إلا التخيير؛ فإنه لا سبيل إلى تعطيل الحكم، وليس أحدهما أولى من الآخر، والأئمة كالنجوم فبأيهم اقتدى اهتدى. أما إذا كان أحدهما أفضل وأعلم في اعتقاده اختار القاضي أنه يتخير أيضًا؛ لأن المفضول أيضًا من أهل الاجتهاد، ولو انفرد فكذلك إذا كان معه غيره فزيادة الفضل لا تؤثر.
следующие страницы →