← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الثاني: ما ينقدح في نفس المجتهد ولا يقدر على التعبير عنه. "وبطلان هذين التعريفين ظاهر؛ لأن المجتهد ليس له الاستناد إلى مجرد عقله في تحسين شيء، وما لم يعبر عنه لا يمكن الحكم له بالقبول حتى يظهر ويعرض على الشرع" (١). وإذا كان العقل لا يستقل بالتحسين، وما ينقدح في النفس لا يكون مقياسًا؛ فإنه من المستبعد أن يقصد العلماء من الاستحسان ما يستحسنه المجتهد برأيه، أو أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسُر عبارته عنه (٢). وعليه فإن هذين الاتجاهين في فهم الاستحسان وتعريفه مرفوضان. الثالث: هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص يقتضي ذلك. وهذا هو التعريف الصحيح الذي قصده القائلون بالاستحسان. ومن التعريفات الصادرة عن هذا الفهم الصحيح: ١ - قول الكرخي الحنفي (٣): "الاستحسان هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه؛ لوجه يقتضي العدول عن الأول" (٤). ٢ - وقال عنه ابن رشد: "الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس، هو أن يكون طرد القياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم فيختص به ذلك الموضع" (٥).

стр. 422

وعليه فقد دارت تعريفات الأصوليين للاستحسان حول معنى استثناءِ جزئيةٍ ما من حكم دليل، أو قاعدة أغلبية (١)، دون تعرض في أغلب التعريفات للداعي والحامل على هذا الاستحسان، أو المعنى المشترك الذي يربط بين الأدلة التي يتحقق بها هذا الاستثناء، ولا شك أن هذا الاستثناء إنما دعا إليه وجود الحرج أو المشقة والعنت، وجدير بالذكر أن السرخسي في "المبسوط" قد تناول التعريف نقلًا عن بعض شيوخه بعبارات تدل على اعتبار المشقة أو الحرج وما يقتضيه ذلك من التخفيف، فقال: "كان شيخنا الإمام يقول: الاستحسان ترك القياس، والأخذ بما هو أوفق للناس، وقيل: الاستحسان طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى به الخاص والعام، وقيل: الأخذ بالسعة، وابتغاء الدَّعة، وقيل: الأخذ بالسماحة، وابتغاء ما فيه الراحة" (٢). وهذا القدر يكفي في بيان ارتباط الاستحسان بقاعدة: "المشقة تجلب التيسير"، بل قد صرح السرخسي بذلك حين قال: "وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر، وهو أصل في الدين، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال ﷺ : لأبي موسى ومعاذ ﵄، حينما وجههما لليمن: "يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا" (٣) (٤). وإذا كان الكرخي الحنفي عرف الاستحسان بأنه: العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى، فإن هذا الوجه هو التخفيف الذي تقتضيه

стр. 423

المشقة، أو ينشئه الحرج (١). وقد يكون الدليل الدال على استثناء الجزئية وتغير حكمها للمشقة الطارئة هو النص، أو الإجماع، أو الضرورة أو القياس الخفي، فينقسم الاستحسان إلى أنواع أربعة بناء على ذلك، كما هو مذهب الحنفية (٢). وقد يرى غيرهم أن العرف وعمل أهل المدينة، والمصلحة، ومراعاة الخلاف، ورفع المشقة أنواع أخرى للاستحسان، كما هو عند المالكية (٣). والأنواع بجملتها -كما قدمنا- تعود إلى نفي المشقة ورفع الحرج. وبتتبع الاستحسانات التي قال بها الحنفية في فقههم نخلص إلى نتيجة إجمالية، وهي: أنه ما من حكم قيل به استحسانًا إلا وهو أخف من الحكم المتروك، وفيما يأتي من أمثلة البرهنة على صحة هذه النتيجة: ١ - لو أمر حاكم بقطع يد السارق اليمنى فأخطأ المنفذ فقطع اليسرى، فإن على المنفذ الضمان في القياس الظاهر؛ لأن اليسرى معصومة، فتكون عند إتلافها مضمونة، وقد عدل عن هذا استحسانًا لقياس خفي، وهو: أنه لا شيء على المنفذ؛ لأنه أتلف وأخلف من جنسه ما هو خير منه، فلا يعد إتلافًا، وصار كما لو شهد اثنان على رجل ببيع عبد بألفين، وقيمته ألف، أو شهدا بمثل قيمته، ثم رجعا بعد القضاء لا يضمنان شيئًا (٤). ولو أن حكم القياس الظاهر جرى هنا لأدى إلى مشقة وحرج، فعدل عن حكمه إلى ما يحقق التيسير.

стр. 424

٢ - يشترط في الإجارة من بيان مدة المنفعة للعين المؤجرة، وتعيين كل ما يتعلق بالمنفعة، وقد جرى عمل الناس قديمًا على دخول الحمام من غير تعيين ذلك مع تفاوته بين الناس تفاوتًا ملحوظًا فإن ما يستهلك من الماء والصابون والوقت الذي يلبثه داخل الحمام غير محدد ولا منضبط، وهذا من شأنه أن يفسد الإجارة، إلا أنهم أجازوا ذلك للحاجة ودفعًا للمشقة (١). وهكذا نجد أحكامًا قيلت استحسانًا كان الجامع فيها هو نفي الحرج والعنت والمشقة (٢). وهو ما يبرهن على أن الاستحسان إنما هو مظهرٌ واضحٌ، وتجلٍ بينٌ لقاعدة: المشقة تجلب التيسير. وفي نوازل الأقليات وُجِدَتْ فتاوي كثيرة استندت إلى المشقة الواقعة في تخفيف كثير من الأحكام، وأبيحت تصرفات متعددة بناءً على أن ما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة. فصدرت بعض الفتاوي عن المجلس الأوروبي للإفتاء تبيح عند الاضطرار الاقتراض بالربا؛ لشراء المساكن وتملكها، وبقاء المرأة التي أسلمت تحت زوجها غير المسلم، وغير ذلك (٣). القاعدة الثالثة: الترجيح بدفع المشقة: قد تتعارض الأدلة بحسب الظاهر، وعند التعارض يطلب الترجيح، إذا لم يمكن الجمع، وقد اهتم العلماء بالمرجحات، ونظروا فيها تقديمًا وتأخيرًا، ومما عُدَّ من المرجحات دفعُ المشقة ورفع الحرج، وقد تجلَّى هذا الأمر في تقعيدات، وضوابط للترجيح متعددة، ومن ذلك ما يأتي: الأخذ بالحكم الأخف:

стр. 425

وقد قال طائفة بأنه إذا تكافأت الأقوال، ولم يترجح منها قول فإنه يترجح أيسرها؛ لأن الدين يسر، ولأنه ﷺ بُعث بالحنيفية السمحة (١)، ولأن اليسر هو الغالب في الشرع وأحكامه، وعلى هذا دلت أدلة كثيرة. ومن الأصوليين من خيَّر المكلف في أن يأخذ بأيها شاء، وهو باب من التيسير أيضًا (٢). وحكى ابن القيم في هذه المسألة سبعة أقوال حيث قال ﵀: "فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر، فهل يأخذ بأغلظ الأقوال، أو بأخفها، أو يتخير، أو يأخذ بقول الأعلم، أو الأورع، أو يعدل إلى مفتٍ آخرَ فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها، أو يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه؟ فيه سبعة مذاهب: أرجحها: السابع، فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين، أو الطبيبين، أو المشيرين، كما تقدم، وبالله التوفيق" (٣). وقال الغزالي ﵀: "إذا اختلف عليه مفتيان في حكم: فإن تساويا راجعهما مرة أخرى، وقال: تناقض فتواكما وتساويتما عندي، فما الذي يلزمني؟ فإن خيراه تخير، وإن اتفقا على الأمر بالاحتياط أو الميل إلى جانب معين فعل، وإن أصرَّا على الخلاف لم يَبْقَ إلا التخيير؛ فإنه لا سبيل إلى تعطيل الحكم، وليس أحدهما أولى من الآخر، والأئمة كالنجوم فبأيهم اقتدى اهتدى. أما إذا كان أحدهما أفضل وأعلم في اعتقاده اختار القاضي أنه يتخير أيضًا؛ لأن المفضول أيضًا من أهل الاجتهاد، ولو انفرد فكذلك إذا كان معه غيره فزيادة الفضل لا تؤثر.

стр. 426

والأولى عندي أنه يلزمه اتباع الأفضل" (١). وقال القرافي ﵀: "فإن اختلف عليه العلماء في الفتوى، فقال قوم: يجب عليه الاجتهاد في أعلمهم وأورعهم؛ لتمكنه من ذلك. وقال قوم: لا يجب ذلك؛ لأن الكل طرق إلى الله تعالى، ولم ينكر أحد على العوام في عصرٍ تركَ النظر في أحوال العلماء. وإذا فرَّعنا على الأول فإن حصل ظن الاستواء مطلقًا فأمكن أن يقال: ذلك متعذر، كما قيل في الأمارات، وأمكن أن يقال: يسقط عنه التكليف، ويفعل ما يشاء. وإن حصل ظن الرجحان مطلقًا تعين العمل بالراجح. وإن حصل من وجه: فإن كان في العلم والاستواء في الدين، فمنهم من خيَّر، ومنهم من أوجب الأخذ بقول الأعلم. قال الإمام: وهو الأقرب؛ ولذلك قدم في إمامة الصلاة. وإن كان في الدين والاستواء في العلم فيتعين الأدين، فإن رجح أحدهما في دينه والآخر في علمه، فقيل: يتعين الأدين، وقيل: الأعلم، قال: وهو الأرجح كما مرَّ" (٢). وأيًّا ما كان الأرجح في هذا الأمر فإن الشاهد من إيراد هذه المسألة بتفاصيلها هو بيان أن التسهيل والتيسير والتخفيف مطلقًا كان سببًا في ذهاب بعض العلماء المعتبرين إلى الترجيح بالأخف. القاعدة الرابعة: عموم البلوى: معنى القاعدة: العموم -لغةً-: هو مصدر عمَّ يَعُمُّ، بمعنى الكثرة والشمول، ومنه سميت العامة لكثرتهم

стр. 427

وعمومهم، ولأن العامة تُعَمُّ بالشر: أي: يشملها، ويقال: عم المطر البلاد، أي: شملها، وعم الشيء بالناس، أي: بلغ المواضع كلها، كما أنها تعني العلو، وتعني كذلك السفول (١). وأما البلوى -لغةً-: فهي الاختبار، يقال: بلوت الرجل وابتليته، أي: اختبرته وامتحنته، ويكون بالخير وبالشر، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، أي: نختبركم بالشدة والرخاء، والحلال والحرام. كما تعني: البِلَى والإخلاق، يقال: بَلِيَ الميت، أي: أفنته الأرض، ويَلِيَ الثوب، أي: صار خَلِقًا (٢). وعلى هذا فيكون معنى (عموم البلوى) في اللغة من حيث التركيب الإضافي هو: شمول الاختبار. فإن أردنا أن نطبق هذا المعنى اللغوي على الحقائق الشرعية أمكن أن نقول: إن عموم البلوى يعني: "شمول التكليف بما فيه مشقة"، وذلك على أساس أن الاختبار والابتلاء يتحقق في الشرع بالتكليف الذي فيه شدة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]. أما عموم البلوى في الاصطلاح الشرعي العام فهو: شمول وقوع الحادثة مع تعلق التكليف بها، بحيث يعسر احتراز منها أو استغناء المكلف عن العمل بها إلا بمشقة زائدة تقتضي التيسير والتخفيف، أو يحتاج إلى معرفة حكمها؛ مما يقتضي كثرة السؤال عنها واشتهارها (٣).

стр. 428

هذا هو تعريف (عموم البلوى) وعليه فيمكن تعريف (ما تعم به البلوى) بأنه: الحادثة التي تقع شاملة مع تعلق التكليف بها بحيث يعسر احتراز المكلف منها أو استغناء المكلف عن العمل بها إلا بمشقة زائدة تقتضي التيسير والتخفيف، أو يحتاج إلى معرفة حكمها مما يقتضي كثرة السؤال عنها وانتشارها (١). وقد يعبر عنها بما تمس إليه الحاجة في عموم الأحوال (٢)، أو بالضرورة العامة أو حاجة الناس العامة، ونحو هذا من عبارات. ومن تأمل في التعريف السابق وفي الوقائع والحالات التي عمت فيها البلوى تبين له أن عموم البلوى يظهر في موضعين: الأول: مسيس الحاجة في عموم الأحوال، بحيث يعسر الاستغناء عنه إلا بمشقة زائدة. والثاني: شيوع الوقوع والتلبس، بحيث يعسر على المكلف الاحتراز عنه أو الانفكاك منه إلا بمشقة زائدة، ففي الموضع الأول ابتلاء بمسيس الحاجة، وفي الثاني ابتلاء بمشقة الدفع (٣). والنظر في عموم البلوى يرجع إلى ضابطين رئيسين (٤): الأول: نزارة الشيء وقلته وتفاهته. والمعنى: أن مشقة الاحتراز من الشيء، وعموم الابتلاء به قد يكون نابعًا من قِلَّته ونزارته، من أجل ذلك عفي عما ترشش من الشوارع مما لا يمكن الاحتراز عنه، وما

стр. 429

ينقله الذباب من العذرة وغير ذلك (١). الثاني: كثرة الشيء وشيوعه وانتشاره وامتداد زمنه. فإن الشيء إذا شاع وانتشر وعمَّ شقَّ الاحتراز عنه وعمَّ البلاء به، وتحققت الحاجة معه وَوُجِدَ من المشقة ما يتطلب تيسيرًا، ومن الحرج ما يرفع شرعًا. أسباب عموم البلوى، وأمثلة على كل سبب: السبب الأول: تضمن الفعل الذي ارتبط به المكلف أمرًا يشق الاحتراز عنه. ومثاله: إذا دخل إلى حلق الصائم ذباب، أو بعوض، أو غبار طريق، أو غربلة دقيق؛ فإنه لا يفطر؛ لمشقة الاحتراز عنه (٢). السبب الثاني: تعدد وقوع الشيء، وتكراره بحيث يعسر الاستغناء عنه. ومثاله: أن مس المصحف من الصبيان للتعلم والاستظهار، مما يتكرر وقوعه، ولا يمكن الاستغناء عنه، فلو كلف الأولياء أمر الصبيان بالوضوء لشقَّ ذلك عليهم، فأبيح لهم ترك الوضوء (٣). السبب الثالث: شيوع الشيء وانتشاره ووقوعه عامًّا للمكلفين، أو لكثير منهم في عموم أحوالهم، أو في حال واحدة بحيث يلزم عسر الاستغناء عن العمل به. ومثاله: أن أعمال الطاعات كتعليم القرآن والأذان والإمامة منتشرة، ومع أن الأصل فيها أن تفعل بدون أجرة إلا أن الشرع أجاز دفع الأجرة على القيام بها؛ لأنه لو كُلِّفَ الناس بها دون أجرة لشقَّ ذلك عليهم، وربما أدَّى إلى ضياع الأعمال (٤). السبب الرابع: امتداد زمن الشيء، بحيث يلزم من التكليف معه عسر احتراز عنه:

стр. 430

ومثاله: أن المستحاضة، ومن به سلس بول، ومن لا يرقأ جرحه، وأمثالهم من أهل الأعذار قد يمتد الزمان الذي يحل به العذر، ويلزم من التكليف بالوضوء لكل صلاة مشقة، فجاز الجمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد، وكذلك بين المغرب والعشاء (١). السبب الخامس: أن يقع الشيء متَّصفًا بالقلة والتفاهة والنزارة بحيث يلزم من التكليف معه عسر ومشقة في الاحتراز. ومثاله: أنه قد يظهر شيء قليل من العورة أثناء الصلاة، ولو قيل بالبطلان لشقَّ ذلك على المكلف (٢)، ومثله: جواز الصلاة مع نجاسة معفوٍّ عنها، كدم القروح والدمامل ونحوها. السبب السادس: وقوع الفعل أو الحال مشتملًا على ضرر يلزم من التكليف معه عسر احتراز منه. ومثاله: أن البقاء على الزوجية عند التنافر فيه ضرر ديني ودنيوي على الزوجين عند التكليف بلزومه، فشرع الطلاق، وكذا الخلع؛ دفعًا للضرر عنهما. السبب السابع: وقوع الفعل أو الحال على وجه الاضطرار بحيث يعسر الاحتراز منه. ومثاله: أن الناس قد يُضطرون إلى استعمال بعض النجاسات كالروث والزبل لتسميد الأرض، ولو قيل بعدم جواز بيعه لشقَّ ذلك على الناس (٣)، وكذا جواز أكل الميتة ومال الغير مع ضمان الضرر للمضطر، وكذا بيع الرُّمان والبيض في القشر، والفجل ونحوه في باطن الأرض. صلة عموم البلوى بقاعدة المشقة تجلب التيسير:

стр. 431

لا شك أن مسألة عموم البلوى وثيقة الصلة بقاعدة المشقة تجلب التيسير؛ فإن عموم البلوى بأمر ما يقتضي مشقة وحرجًا يتطلب تخفيفًا وتيسيرًا، ومن العلماء من يرى "عموم البلوى" من القواعد المندرجة تحت قاعدة "المشقة تجلب التيسير" ومن ذلك قولهم: "ما عمت بليته خفت قضيته" (١). وكذا قولهم: إن ما عمَّ وإن خفَّ ينزل منزلة ما يثقل إذا اختصَّ (٢). وفي هذا إشارة إلى أن عموم التلبس بالمشقة وإن كانت خفيفة يعتبر بمنزلة المشقة الشديدة إذا كانت خاصة. أدلة القاعدة: الأصل أن أدلة قاعدة المشقة تجلب التيسير تصلح أدلة لقاعدة عموم البلوى. إلا أنه بالنظر في السنة المطهرة والمأثور عن الصحابة ﵃ والتابعين وفقهاء المسلمين أمكن تلمس ما اعتبر عموم البلوى به سببًا في إحراز الرخصة أو التخفيف الذي دعت إليه حاجة ملحة أو مشقة زائدة. وفيما يأتي بعض الأدلة بمثابة أمثلة على رعاية عموم البلوى: أولًا: السنة المطهرة: ١ - عن كبشة بنت كعب بن مالك ﵄ أن أبا قتاد ﵁ دخل فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها إلاناء، حتى شربت، قالت كبشة: فرآني

стр. 432

أنظر، فقال: أتعجبين با ابنة أخي، فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (١). وجه الدلالة: لقد اعتبر النبي ﷺ عموم الابتلاء بدخول الهرة في البيوت سببًا في الترخيص، مع كونها تأكل الفئران والحشرات، ثم تشرب من الإناء، فلو اعتبر ذلك الشرب منجسًا للإناء وما فيه لحصلت مشقة شديدة. ولو اعتبرت الهرة في نفسها نجسة مع كثرة ملابستها للناس لأفضى إلى مشقة أخرى (٢). ٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: "كانت الكلاب تبول، وتُقبل وتُدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يكونوا يَرُشُّون شيئًا من ذلك" (٣). وجه الدلالة: لم يأمر النبي ﷺ برش المسجد أو غسل حصبائه، وهذا تخفيف في نجاسة متفق عليها لعموم البلوى ومشقة الاحتراز (٤). ٣ - عن أم سلمة أن امرأة قالت لها: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ فقالت: قال رسول الله ﷺ : "يطهره ما بعده" (٥).

стр. 433

وجه الدلالة: اعتبر النبي ﷺ تكرر ملابسة وملامسة ذيل المرأة للمكان المتنجس أمرًا يوجب تخفيفًا، ويقتضي ترخيصًا فقال بتطهير ذلك الذيل بملابسته لأماكن أخرى طاهرة، ولو قيل بعدم تطهير ذيلها لأفضى إلى مشقة شديدة (١). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وطئ أحدكم بنعليه الأذى، فإن التراب له طهور" (٢). وجه الدلالة: ظاهر أن النبي ﷺ اعتبر عموم البلوى بوطء النجاسات على الأرض سببًا في الترخيص بتطهير النعال بمجرد دكها بالأرض أو الوطء على أرض أخرى طاهرة (٣). ثانيًا: المأثور عن الصحابة والتابعين: ١ - ما يروى أن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص ﵄ خرجا في ركب حتى وردوا حوضًا، فسأل عمرو بن العاص صاحب الحوض، وقال: يا صاحب الحوض هل ترد حوضَكَ السباعُ؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نَرِدُ على السباع وتَرِدُ علينا (٤).

стр. 434

وجه الدلالة: اعتبر عمر عموم وشيوع ملابسة السباع للحياض التي يُستَقَى منها سببًا في الترخيص، وذلك مما فهمه من النبي ﷺ وتصرفاته الشرعية في هذا الشأن. وهذا يشير إلى أن هذا من مواضع ما تعم به البلوى (١). ٢ - وعن الحسن البصري أنه قال: "ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم" (٢). وجه الدلالة: مع كون الدم نجسًا باتفاق إلا أن عسر الاحتراز منه حالَ الجهاد والجراح الكثيرة يتطلب تيسيرًا فدل هذا على اعتبار عموم البلوى مرخِّصًا (٣). وقد تواتر عن التابعين أنهم كانوا يخوضون في طريقهم إلى المساجد في طين الطرقات التي فيها ما ينجسها ولم يكونوا يغسلون ما أصاب أقدامهم منها (٤). ويقول ابن حزم -في آثار دم الذباب والبراغيث والنحل وبول الخفاش ونحو ذلك-: "إن كان لا يمكن التحفظ منه وكان في غسله حرج أو عسر لم يلزم من غسله

стр. 435

إلا ما لا حرج فيه ولا عسر" (١). وقال سحنون من المالكية فيما يبتلى به المرء من السباع: إن الهر أيسر من الكلب، ,وإن الكلب أيسر حالًا من السباع، وذلك بقدر الحاجة إليه؛ لأن النبي ﷺ علل طهارتها بتطوافها علينا (٢). تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: بلاد غير المسلمين عمت بها مخالفات ومنكرات تتعلق بالحياة بأسرها، فلا يكاد يخلو مجال من مجالات الحياة إلا ودخله ما يشوبه ويعكره على أهل الإسلام، ومن ذلك: ما هو نزر يسير، ومنه: ما هو فاحش كثير، وقاعدة التخفيف بعموم البلوى وجدت تطبيقاتها في العبادات والمعاملات في السنة النبوية على حدٍّ سواء، وعليه فهي صالحة لإعمالها من قبل فقهاء الأقليات للترخيص في أعمال شابتها شوائب لا انفكاك عنها ولا بد منها في نفس الوقت، كاختلاط الرجال بالنساء في الأعمال ومرافق الحياة -مثلاً-، وشيوع منكرات اجتماعية عديدة في تلك الديار بشكل مطبق، ووجود مظلة قانونية مخالفة لشريعة الله لها أحكامها التي تنفذ جبرًا وقهرًا على كل مقيم هناك. وعليه فإن القاعدة قد تُسهم في رفع كثير من الحرج والترخيص في النزر اليسير من تلك الأمور. القاعدة الثانية: الإسلام يَجُبُّ ما قبله: المعنى العام للقاعدة: هذه القاعدة تتعلق برفع الحرج عن غير المسلم إذا دخل في الإسلام، فهي تتعلق بتوبة غير المسلم عن الكفر، وحاجته إلى الترغيب في الإسلام. وصيغة القاعدة مستفادة من قوله ﷺ : "الإسلام يهدم ما كان قبله" (٣).

стр. 436

وقد عبَّر عنها الجويني ﵀ فقال: "وزر الكفر ينحط بالإيمان" (١). وعبَّر عنها ابن العربي مستفيدًا من روايات الحديث بقوله: "الإسلام يهدم ما كان قبله" (٢). وعبَّر بعضهم بالحتِّ بدلا من الجَبِّ (٣). والجَبُّ -لغة-: بمعنى القطع، والتغلب (٤)، فالإسلام يقطع ما كان قبله عن أن يؤثر فيما بعده، ويمنع محاسبة من أسلم عما ارتكبه قبل إسلامه مما يُعتبر من المعاصي في الإسلام، فما صدر عن غير المسلم من أقوال أو أفعال أو تَركٍ حالَ كفره، إن كان يترتب عليها عقاب، لو صدرت عنه في حال الإسلام، فإن الإسلام يقطعها ويجعلها كالعدم، أي: أنه يرفع آثارها، ويمنع مِن ترتب الأحكام عليها (٥). كما اتفقت كلمة علماء أهل الإسلام قاطبةً على أن الكافر إذا أسلم لا يُكَلَّفُ بقضاء ما فاته من عبادات، سواء في ذلك الصلاة والصيام والزكاة، أو الحج إذا أعسر بعد يسر في كفره (٦). بل إنهم لم يصححوا قضاءه للعبادة إذا أراد أن يقضيها؛ لأنه ليس من أهلها، لا فرضًا ولا نفلًا، فلم يصحَّ ما فعله بعد الإسلام عما فاته في زمان الكفر، بخلاف الحائض

стр. 437

فإنها تقضي الصوم؛ لأنها من أهل العبادة في الجملة (١). وقد اسْتُدِلَّ لهذه القاعدة من القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع، والمعقول. أولًا: القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وجه الدلالة: "قل يا محمد للذين كفروا من مشركي قومك: إن ينتهوا عما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله ورسوله وقتالك، وقتال المؤمنين فينيبوا إلى الإيمان يغفر الله لهم ما قد خلا ومضى من ذنوبهم قبل إيمانهم وإنابتهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله بإيمانهم وتوبتهم" (٢). ثانيًا: السنة المطهرة: ١ - حديث: "أما علمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله" (٣). وجه الدلالة: الإسلام يهدم ما قبله من ترك الواجبات وفعل المحرمات، والتعبير بالهدم والجَبِّ والحَتِّ دليل على الاستئصال التام لما كان قبل الإسلام، والتعبير عما كان قبله يدل على الشمول أيضًا. ولم يثبت أنه ﷺ أمر أحدًا ممن أسلم بقضاء. ٢ - حديث معاذ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال له: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعْلِمْهم أن الله قد افترض عليهم

стр. 438

خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعْلِمْهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتُردُّ على فقرائهم" (١). وجه الدلالة: أن الكافر لا يخاطَبُ بفعل هذه العبادات إلا بعد أن يسلم (٢)، فلا يجب عليه القضاء؛ لعدم خطابه بفعلها حالَ كفره. ثالثًا: الإجماع: قال أبو الخطاب الكلوذاني (٣): "أجمعت الأمة الإسلامية على أنه لا يلزمه أن يفعل العبادات في حالِ كفره، ولا يجب عليه القضاء إذا أسلم" (٤)، وقال المروزي (٥): "لم يختلف المسلمون في أن النبي ﷺ لم يأمر أحدًا من الكفار أسلم بقضاء شيء من الفرائض، واتفق على القول بذلك أهلُ الفتوى من علماء أهلِ الإسلام" (٦).

стр. 439

رابعًا: المعقول: وذلك من وجوه: ١ - الكافر حالَ كفره كان منكرًا للوجوب والتحريم فكان الفعل والترك داخلاً في ضمن هذا الاعتقاد الباطل وفرعًا له، فلما تاب من هذا الاعتقاد وموجبه، غفر الله له الأصل وفروعه، فدخلت هذه الفروع فيه حالَ المغفرة، كما دخلت فيه حالَ المعصية. ٢ - لم يثبت أن النبي ﷺ أخذ أحدًا ممن أسلم بضمان دم، ولا مال، ولا بشيء من هذه الأشياء. ٣ - فيما يتعلق بالذمي أو الحربي فإنه كان يؤدي ما عليه من عبادات دينه الذي كان يعتقد صحته، وأُقِرَّ عليه باستئمان أو جزية، فلا وجه لعقوبته أو مطالبته. ٤ - يُقصد بمخاطبة الكفار بالعبادات -عند من يقول بتكليفهم بفروع الشريعة- زيادة عقوبته في الآخرة بتركها، ولا يُقصد به مطالبته بأدائها في الدنيا؛ لأن العبادات لا تصح من الكفار لافتقارها للنية، والنية لا تصح من كافر، فلما لم تجب عليه في أحكام الدنيا، لم يلزمه قضاؤها إذا أسلم (١). ٥ - الشارع الحكيم متطلع إلى الترغيب في الإسلام، وإسقاط التكاليف يناسب هذا المعنى (٢). بل "إذا فعل الكافر الأصلي قربة لا تشترط النية لصحتها، كالصدقة، والضيافة، وصلة الرحم، والإعتاق، والقرض، والعارية، والمنحة، وأشباه ذلك: فإن مات على كفره، فلا ثواب له عليها في الآخرة، لكن يطعم بها في الدنيا، ويوسع في رزقه وعيشه. وإن أسلم فالصواب المختار أنه يثاب عليها في الآخرة؛ للحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان

стр. 440

أزلفها. . . " (١)، أي: قدمها. وعن حكيم بن حزام ﵁ قال: يا رسول الله أرأيت أمورًا كنت أتحنَّثُ بها في الجاهلية من صلة وعتاقة وصدقة هل لي فيها أجر؟ قال رسول الله ﷺ : "أسلمتَ على ما سلف لك من خير" (٢). فهذان حديثان صحيحان لا يمنعهما عقل، ولم يَرِد الشرع بخلافهما، فوجب العمل بهما، وقد نقل الإجماع على ما ذكرته من إثبات ثوابه إذا أسلم. وأما قول أصحابنا وغيرهم: لا تصح من كافر عبادة، ولو أسلم لم يعتدَّ بها، فمرادهم: لا يعتدُّ بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة. فإن أَطلق مطلِقٌ أنه لا يثاب عليها في الآخرة، وصرح بذلك: فهو مجازف مغالط مخالف للسنة الصحيحة التي لا معارض لها" (٣). وحكم هذه القاعدة يتناول المرتد أيضًا عند أبي حنيفة والمالكية؛ لأن الأدلة لم تُفَرِّقْ في دخول الإسلام بين ما إذا كان بعد كفر أصلي، أو طارئ بالارتداد، بينما ذهب الشافعي إلى أنه يلزم المرتدَّ كلُّ حقٍّ لله وللآدمي (٤). ونطاق هذه القاعدة يتعلق بحقوق الله تعالى بالأصالة، فلا إثم عليه، ولا تدارك بالقضاء أو الأداء لما فات (٥). قال ابن العربي: "قال علماؤنا: هذه لطيفة من الله سبحانه منَّ بها على الخليقة؛ وذلك

стр. 441

أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم، ويرتكبون المعاصي، ويرتكبون المآثم، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذتهم لما استدركوا أبدًا توبة، ولا نالتهم مغفرة. فيسَّر الله عليهم قبولَ التوبة عند الإنابة، وبذل المغفرة بالإسلام، وهدم جميع ما تقدم؛ ليكون ذلك أقرب إلى دخولهم في الدين، وأدعى إلى قبولهم كلمة الإسلام، وتأليفًا على الملة، وترغيبًا في الشريعة، فإنهم لو علموا أنهم يؤاخذون لما أنابوا ولا أسلموا" (١). واستثنى بعضُ العلماء بعضَ الفروع، كإيجاب الغسل بعد الإسلام للأحداث التي كانت قبله، والكفارات سواء أكانت عن يمين، أو ظهار أو قتل، وذلك بناء على القول بأنها لا تسقط عند بعض الفقهاء، في فروع أخرى (٢). تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: تُعتبر هذه القاعدة ذهبية في الدعوة إلى الله، ومنحة ربانية لعباد الله ليلجوا في دين الله أفواجًا، وما أشدَّ حاجةَ الأقليات المسلمة وهي تتطلع لنشر دينها، والتمكين لنفسها في تلك الديار أن تدعو إلى الله بهذه القاعدة ترغيبًا في الإسلام، وإزالةً للحواجز التي قد تعوق الراغبين فيه وهي بهذا تَعِد الداخلين في الإسلام بولادة جديدة تهدم ما كان قبله من الذنوب، وتعدهم ثواب ما أسلفوا من خير. وهي مع القاعدة التي بعدها تمثلان منظومة متكاملة في فتح باب التوبة من الكفر والمعاصي بإطلاق. ولا شك أن الجهالة المطبقة في تلك الديار تستوجب هذا الترخيص الرباني بالتوبة لمواجهة كثير من مشقَّات المخالفات والذنوب السالفات.

стр. 442

القاعدة الثالثة: التوبة النصوح تجب ما قبلها: هذه القاعدة كالمتممة للقاعدة السابقة، فالسابقة كانت في التوبة من الكفر والشرك، فهي في توبة الكفار، وهذه القاعدة في التوبة من جميع الذنوب والمعاصي فهي في توبة المسلمين. المعنى العام للقاعدة: التوبة -لغةً-: مصدر تاب يتوب، وهي تدل على الرجوع فيقال: توبة ومتابًا، والتوب: ترك الذنب على أجمل الوجوه، والمتاب:. التوبة التامة، وهي الجمع بين ترك القبيح وتحري الجميل (١). وهي -اصطلاحًا-: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدراكه من الأعمال بالإعادة (٢). أو هي: الرجوع إلى الله بحَلِّ عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بكل حقوق الرب. أو هي: الندم على معصيته من حيث هي معصية، مع عزمٍ ألَّا يعود إليها إذا قدر عليها (٣). وأما التوبة النصوح فهي توثيق العزم على ألَّا يعود لمثله، وقيل: هي ألَّا يبقي التائب على عمله أثرًا من المعصية سرًّا وجهرًا (٤). وعلامتها أن يكره العبد المعصية ويستقبحها، فلا تخطر له على بالٍ ولا تَرِدُ في خاطره أصلاً (٥). والتوبة النصوح هي ما تضمن ثلاثة اشياء:

стр. 443

"الأول: تعميم الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبًا إلا تناولته. الثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها؛ بحيث لا يبقى عنده تردُّهٌ، ولا تَلَوُّمٌ ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته، وعزيمته مبادرًا بها. الثالث: تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته ومنصبه ورياسته، أو لحفظ قوته وماله، أو استدعاء حمد الناس، أو الهرب من ذمهم، أو لئلَّا يتسلط عليه السفهاء، أو لقضاء نهمته من الدنيا، أو لإفلاسه وعجزه، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله . فالأول يتعلق بما يتوب منه، والأوسط يتعلق بذات التائب، والثالث يتعلق بمن يتوب إليه، فنصح التوبة: الصدق فيها والإخلاص، وتعميم الذنوب بها، ولا ريب أن هذه التوبة تستلزم الاستغفار وتتضمنه وتمحو جميع الذنوب، وهي أكمل ما يكون من التوبة" (١). وشروط التوبة النصوح: أن يترك المعصية في الحال، وأن يقصد تركها في الاستقبال، وأن يندم على فعلها في الماضي (٢). فإن تعلقت المعصية بحقِّ آدميٍّ استبرأ منه، وطلب أن يحلَّه بعد أن يعيد إليه حقَّه (٣) ومن العلماء من يضيف حصولها في الوقت الذي حدده الشارع، وهو ما قبل الغرغرة (٤). ومقصود هذه القاعدة أن من تاب إلى الله توبة خالصة صحيحة فإن الله تعالى يتجاوز له عما فرط من الذنوب، ويستر عليه ما سلف من العيوب، ويبدل الله سيئاته حسنات.

стр. 444

قال ابن القيم ﵀: "التوبة هي حقيقة دين الإسلام، والدين كله داخل في مسمى التوبة وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله؛ فإن الله يحب التوابين يحب المتطهرين، وإنما يحب الله من فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه؛ فإذًا التوبة هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا، ويدخل في مسماها الإسلام والإيمان والإحسان، وتتناول جميع المقامات؛ ولهذا كانت غاية كل مؤمن وبداية الأمر وخاتمته كما تقدم، وهي الغاية التي وُجد لأجلها الخلق والأمر، والتوحيد جزء منها، بل هو جزؤها الأعظم الذي عليه بناؤها، وأكثر الناس لا يعرفون قدر التوبة ولا حقيقتها، فضلًا عن القيام بها علمًا وعملًا وحالًا، ولم يجعل الله تعالى محبته للتوابين إلا وهم خواصُّ الخلق لديه، ولولا أن التوبة اسمٌ جامعٌ لشرائع الإسلام وحقائق الإيمان، لم يكن الرب تعالى يفرح بتوبة عبده ذلك الفرحَ العظيم، فجميع ما يتكلم فيه الناس من المقامات والأحوال هو تفاصيلها وآثارها" (١). فالتوبة واجبة من جميع الذنوب وجوبًا عينيًّا وعلى الفور، سواء أكانت الذنوب من الصغائر، أم من الكبائر. قال النووي ﵀: "واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور، لا يجوز تأخيرها، سواء كانت المعصية صغيرة، أو كبيرة" (٢)، وقال ابن تيمية ﵀: "فإن التوبة واجبة على كل عبد في كل حال" (٣). وقد دل على وجوبها قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].

стр. 445

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. وقوله ﷺ : "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا" (١). وقوله ﷺ : "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائةَ مرة" (٢). ونقل الجويني الإجماع على وجوب ترك الزلات والندم على ما تقدم منها (٣). والعقل يؤيد ما جاء به النقل، وانعقد عليه الإجماع. أدلة القاعدة: دل على هذه القاعدة القرآن الكريم، والسنة المطهرة . أولًا: القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]. وجه الدلالة: دلت الآية الأولى على أن من تاب توبة نصوحًا فقد كفَّر الله عنه سيئاته، وقوله تعالى في هذا الموضع: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يفيد تحقق الأمر الموعود به.

стр. 446

ودلت الآية الثانية على تحقق المغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحًا، وزادت الثالثة لمن كملت توبته وصحت رجعته أن الله تعالى يبدل سيئاته حسنات (١). ثانيًا: السنة المطهرة: ١ - قوله ﷺ : "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" (٢). ٢ - وقوله ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (٣). ٣ - وقوله ﷺ : "وأتبع السيئة الحسنة تمحها" (٤). ٤ - وقوله ﷺ -وقد سئل أحدنا يذنب، فقال-: "يكتب عليه"، قيل: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: "يغفر له ويتاب عليه". قيل: فيعود فيذنب، قال: "فيكتب عليه". قال: ثم يستغفر منه ويتوب. قال: "يغفر له ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا" (٥).

стр. 447

وجه الدلالة: الأحاديث مصرحة بقبول توبة التائب والتجاوز عن ذنب المستغفر، وأن من تاب غفرت له سيئاته، وعفي له عن خطيئاته، والله تعالى حليم تواب، رحيم ودود، يقبل توبة عبده ما لم يغرغر (١). وهذا كله يتعلق بذنوب العباد فيما بينهم، وبين ربهم ﵎، وأما فيما يتعلق بذنوب العباد فيما بينهم فما لم يحصل فيه التغافر والتسامح في الدنيا كان فيه القصاص في الآخرة ولا بد، وذلك مقتضى أن ربنا تعالى هو العدل الحكيم. وما عدا ذنوب العباد فيما بينهم فإنه مرجوُّ العفو والمغفرة بالتوبة والإنابة باستثناء الموت على الشرك، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. قال ابن تيمية ﵀: "ليس في شريعتنا ذنب إذا فعله الإنسان لم يكن له مخرج منه بالتوبة إلا بضرر عظيم، فإن الله لم يحمل علينا إصرًا كما حمله على الذين من قبلنا" (٢). وقال ابن القيم ﵀: "فليس في شرع الله ولا قدره عقوبة تائب البتة" (٣). ولا شك أن من تاب من الشرك الأكبر والكفر الأكبر قبل موته فإن الله يتوب عليه، ولا عقوبة عليه بالإجماع، كما شهدت به القاعدة السابقة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا

стр. 448

بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. تطبيقات في حياة الأقليات: كثيرًا ما يرتكب أهل تلك الأقليات من المخالفات والموبقات ما يعود سبب إلى جهل بالدين، وغلبة للشهوات، وشيوع للمنكرات، فتفشو المنكرات والحرمات، ويقع التقصير في كثير من الواجبات، وهذا يعرفه كل من عايش تلك الجاليات، ونظر في أحوالها، وخالط مسائلها حيث يقع التقصير كثيرًا في الفرائض والعبادات، ويستهان بمحرمات مالية في وجوه الكسب والإنفاق، وبسبب من غياب مظلة الشريعة الإسلامية وأحكامها الشرعية، وخفوت نور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تلك المجتمعات -تقع مفاسد كثيرة في الجوابن الأسرية والاجتماعية، ويجترأ على كبائر ومحرمات، ثم تنشأ مشاكل معقدة فيما يتعلق بالأنباء، والازواج والزوجات وغير ذلك، وفتح باب التوبة على مصراعية يفتح طاقة الأمل واستعادة الرشد، وفعالية الهوي والشيطان.

стр. 449

المبحث الرابع القواعد المتعلقة بالضرورات والحاجات المطلب الأول: القواعد الأصولية والمقاصدية المتعلقة بالضرورات والحاجات: القاعدة الأولى: الشريعة مبنية على المحافظة على الضرورات الخمس (١). المعنى العام للقاعدة: الضرورة -في اللغة-: اسم المصدر من الاضطرار، والاضطرار: الاحتياج إلى الشيء، يقال: اضْطرَّه إليه وضَرَّه إليه، بمعنى: ألجاه، وأحوجه إليه (٢). و"اضْطُرَّ" افتعل من الضرر، أي: أدركه ضرر، وَوُجِدَ به. وأصل مادة: "ضَّر" تأتي بمعنى خلاف النفع. والضرورة تأتي بمعنى المشقة والحاجة، كما تأتي بمعنى الشدة التي لا مدفع لها (٣). والمضطر يَرِدُ على معنيين؛ أحدهما: مكتسب الضرر، والثاني: مكتسب دفعه. فالسلطان يضطره، أي: يُلجئه للضرر، والمضطر يبيع منزله، أي: يدفع الضرر الذي يلحقه بامتناعه من بيع ماله (٤). والضرورة -في اصطلاح علماء الشريعة- تَرِدُ ويقصد بها أحد معنيين: معنى عام،

стр. 450

ومعنى خاص. أما المعنى العام للضرورة فهو: ما لا بد منه في قيام مصالح الدنيا والدين. والمعنى العام للقاعدة يدور على أن مقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو: أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم (١). وهذه الضرورات الخمس أول من عُني بِعَدِّها على هذا النحو -فيما وصل إلينا- هو أبو المعالي الجويني حيث قال: "فالشريعة متضمنها: مأمور به، ومنهي عنه، ومباح، فأمَّا المأمور به فمعظمه العبادات. . .، وأما المنهيات فأثبت الشرع في الموبقات منها زواجر. . .، وبالجملة: الدم معصوم بالقصاص. . .، والفروج معصومة بالحدود. . .، والأموال معصومة عن السراق بالقطع. . ." (٢). وتحديد هذه الضرورات وعدُّها في خمس إنما عُلِمَ بالاستقراء التام الحاصل بتتبع نصوص الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، بحيث ثبتت مراعاة الشَّارع لها والتفاته إليها في جميع أحكامه، بل يستحيل أن يُفَوِّتَها في شيء من أحكامه، بل جميع التكاليف الشرعية تدور حولها بالحفظ والصيانة (٣). وذهب الآمدي إلى أن هذه الضرورات الخمس المحصورة لم تخلُ من رعايتها ملة من الملل فقال: "المقاصد الخمسة التي لم تخلُ من رعايتها ملة من الملل، ولا شريعة من الشرائع، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال،. . . والحصر في هذه الخمسة الأنواع، إنما كان نظرًا إلى الواقع، والعلم، ولانتفاء مقصد ضروري خارج عنها في العادة" (٤).

стр. 451

وأما المعنى الخاص للضرورة، فقد نقل فيه عن الفقهاء والأصوليين القدامى والمحدثين عدة تعاريف، منها: تعريف الدردير المالكي (١) لها بقوله: "الخوف على النفس من الهلاك علمًا أو ظنًّا" (٢). تعريف الجصاص الحنفي لها بقوله: "خوف الضرر بترك الأكل، إما على نفسه أو على عضو من أعضائه" (٣). وقد عرفها د. وهبة الزحيلي بقوله: "هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة؛ بحيث يخاف حدوث ضرر، أو أذى بالنفس، أو بالعضو، أو بالعرض، أو بالعقل، أو بالمال، وتوابعها، ويتعين أو يباح عندئذٍ ارتكاب الحرام، أو ترك الواجب، أو تأخيره عن وقته، دفعًا لضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع" (٤). وهو تعريف مبني على الضرورات الخمس، وعلى ما استُفِيد من قاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات" (٥)، وقاعدة: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٦). وهي بالجملة: الحالة الملجئة لارتكاب محظور شرعي. وهذا يدل على أن الضرورة حالة لا مدفعَ لها، كما يدل على أن الضرورة عذر معتبرٌ في ارتكاب المحرمات، وأما سقوط الواجبات فإنه لا يدخل تحت مفهوم الضرورة اصطلاحًا؛ وذلك لأن الوجوب تشترط فيه القدرة والاستطاعة، فعند العجز تسقط الواجبات.

стр. 452

وربما أُطلق مصطلح الضرورة على الحاجة، قال ابن العربي: "ولكنَّ المُلْجَأَ مضطرٌ حقيقةً، والمحتاجَ مضطرٌ مجازًا" (١). والضرورة التي تُستباح معها المحرمات قد يُلجئ إليها حالةُ التداوي، أو دفعُ الصائل، أو نشوبُ الحريق، أو حوادثُ السير، وبالجملة فإن السبب الجامع لها هو: المحافظة على الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال، ومن هذه الجهة تنقسم الضرورة بالنظر إلى محافظتها على الضرورات الخمس إلى أقسام خمسة: ١ - ضرورة سببها حفظ الدين، مثل: قتل الشيوخ، والنساء، والأطفال في الجهاد، إذا تحصن بهم العدو فامتنع الجهاد إلا بقتلهم. ٢، ٣ - ضرورة سببها حفظ النفس، والعقل، مثل: تناولِ المُحَرَّمِ في المخمصة، أو المرض إذا أُلجئ إليه. ٤ - ضرورة سببها حفظ النسل، مثل: دفع المال للمعتدي حفظًا لعرض امرأة مسلمة. ٥ - ضرورة سببها حفظ المال، مثل: إفساد قليل المال حفظاً لأكثره (٢). أدلة القاعدة: لقد قامت الأدلة متضافرة على رعاية الشريعة لحالة الضرورة والاضطرار، فمن ذلك: أولًا: القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وجه الدلالة: دلت الآيات بجملتها على حِلِّ المحرمات حالَ الاضطرار، حيث ذكر

стр. 453

الاضطرار بعد ذكر تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ لغير الله به (١). ثم إن جميع أدلة نفي الحرج والتيسير ورفع المشقات دالة على المراد، وقد تقدمت. ثانيًا: السنة المطهرة: ١ - قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢). ٢ - وقوله ﷺ : "وأعوذ بك من ضراءَ مضرةٍ، وفتنةٍ مضلةٍ" (٣). ٣ - وقوله ﷺ كما في حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قلت: يا نبي الله؛ إنَّا بأرض قومٍ أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم، وبأرض صيد: أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلَّم وبكلبي المعلَّم؛ فما يصلح لي؟ قال: "أما ما ذكرت من أهل الكتاب: فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها. وما صدتَ بقوسك فذكرتَ اسم الله فكُلْ، وما صدتَ بكلبك المعلَّم فذكرتَ اسم الله فكُلْ، وما صدتَ بكلبك غير معلَّم فأدركتَ ذكاته فكُلْ" (٤). وجه الدالة: دلت هذه الأحاديث بجملتها على نفي الضرر والاضطرار في دين الله تعالى، وأفاد

стр. 454

الحديث الثالث حلَّ ما كان مكروهًا، أو ممنوعًا منه؛ للحاجة إليه. ٤ - وعن جابر بن سمرة ﵁ أن أهل بيت كانوا بالحرة محتاجين فماتت عندهم ناقة لهم، أو بعيرهم، فرخَّص لهم النبي ﷺ في أكلها، فعصمتهم بقية شتائهم أو سنتهم. وفي رواية: أن رسول الله قال لصاحبها: "أما لك ما يغنيك عنها؟ " قال: لا، قال: "اذهب فكُلْها" (١). وجه الدلالة: دلّ الحديث على أنه يجوز للمضطر أن يأكل من الميتة ما يكفيه ما دامت المجاعة باقية، والمخمصة قائمة (٢). ٥ - وعن أبي واقد الليثي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها مخمصة، فما يحل لنا من الميتة؟ فقال: "إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بقلًا، فشأنكم بها" (٣). وجه الدلالة: أفاد الحديث أنهم إذا لم يجدوا لبنًا يصطبحون به أول النهار، أو يغتبقون به آخر النهار، ولم يكن لديهم تمر يأكلونه، فقد حلت لهم الميتة (٤). وقد وردت أحاديث في إباحة مال الغير عند الاضطرار، وأخرى في الدفع عن النفس والعرض والمال، ومن ذلك: ٦ - عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قُتل دون ماله فهو شهيد،

стр. 455

ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد" (١). ٧ - وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه"، قال: فإن قاتلني، قال: "فاقتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "فهو في النار" (٢). وجه الدلالة: دل الحديثان على تعظيم ضرورات النفس، والعرض، والمال، ودفع الصائل عليها؛ لحفظها ورعايتها، وأنه عند الاضطرار تهدر دماء كانت معصومة قبل التعدي والصّيال. ثالثاً: الإجماع: انعقد الإجماع على إباحة الأكل من الميتة في حالة الاضطرار؛ للنص عليه في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وقيست عليها سائر المحرمات (٣). وقد استقرت قواعد الشريعة على نفي الحرج والمشقات البالغة، وإزالة الضرر، وتفويت أعلى المفسدتين بارتكاب أدناهما. والمقاصد الخمسة أو الضرورات الخمس لا بد من حمايتها وحفظها، وقد قسَّم العلماء وسائل حفظ هذه المقاصد إلى ثلاثة أقسام رئيسة، هي: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات (٤).

стр. 456

والضروريات: هي ما لا استغناء عنه في الدارين، وما لا بد منه في قيام مصالح المكلفين في الدنيا والدين، وحفظ الضرورات الخمس بإقامة أركانها، وتثبيت دعائمها، وبدرء الفساد الواقع والمتوقع عليها، فالحاجة في الضروريات ملجئة ولا بد (١). يقول الشيخ ابن عاشور ﵀: "ولست أعني باختلال نظام الأمة هلاكها، واضمحلالها؛ لأن هذا قد سلمت منه أعرق الأمم في الوثنية والهمجية، ولكني أعني به أن تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها، وقد يفضي بعض ذلك الاختلال إلى الاضمحلال الآجل بتفاني بعضها ببعض، أو بتسلط العدو عليها إذا كانت بمرصد الأمم المعادية لها، أو الطامعة في استيلائها عليها" (٢). وحفظ الشريعة للمصالح الضرورية يتم من جانبين: الأول: حفظها من جانب الوجود؛ بتشريع ما يقيم أركانها ويثبت بنيانها. الثاني: حفظها من جانب العدم؛ بتشريع ما يدرأ عنها الخلل. وقد حاول بعض الباحثين أن يضع تعريفًا ضابطًا للضروري، فقال: كل ما يؤدي في الدنيا إلى تلف الأصل، أو انحرافه، أو زوال منفعته، أو ما ينزل منزلة ذلك كلًّا أو جزءًا، حقيقةً أو حكمًا سواء كان واقعًا أو متوقعًا، بشكل قطعي، أو قريب من القطعي، وما يؤدي فقده في الآخرة إلى دخول النار وحصول العذاب، ولو لفترة (٣). ٢ - الحاجيات: ما دار كالسياج حول الضروريات ولم يبلغ درجتها في الافتقارِ إليها، وتَرَتُّبِ الهلاك على فقدها.

стр. 457

فتتحقق الضروريات مع فقد الحاجيات، ولكن بعسر بالغ وحرج معنت، فالحاجيات تدور على ما تدفع به المشقات من الرخص والتوسعات، وسائر التخفيفات؛ وذلك لتسهل الحياة على المكلفين وتسير بهم في رفق ويسر (١). فالحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيرًا أو تسهيلًا لأجل الحصول على المقصود، فهي دون الضرورة من هذه الجهة، وإن كان الحكم الثابت لأجلها مستمرًّا، والثابت للضرورة مؤقتًا (٢). وهي ما عبر عنه العز ابن عبد السلام ﵀ بقوله: ما توسط بين الضروريات، والتكميلات، هذا بالنسبة لمصالح الدنيا، أما بالنسبة لمصالح الآخرة، ففعل السنن المؤكدات الفاضلات (٣). وقد ضبطها الشاطبي بقوله: "إنها مفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراعَ دخل على المكلفين -على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفاسد العادي المتوقع في المصالح العامة" (٤). ٣ - التحسينيات: وهي مقتضيات المروءات، ومكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحة، والنفوس الصالحة، فتكمل بذلك وتجمل الحياة (٥). فالتحسينيات لا تتوقف عليها حياة الناس الدينية أو الدنيوية، ولا ينال الناس بفقدها

стр. 458

حرج، إلا أن الحياة بفقد التحسينيات لا تبدو مستقيمة لدى أصحاب الفطر المستقيمة والعقول السلمية (١). وقد عبر عنها الجويني ﵀ بقوله: "ما لا يتعلق بضرورة حاقة، ولا حاجة عامة، ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة، أو نفي نقيض لها" وعبر مرة أخرى، فقال: "ما لاح وصح الندب إليه تصريحًا، كالتنظف" (٢). الضوابط الفارقة بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات: تتبدى بعض الضوابط التي تفرق بين هذه المقاصد، فمن جهة المعنى اللغوي لكلٍّ يتضح أن الضروري ما لا بد منه، والحاجة فيه ملجئة، وهو أصل للحاجي وما بعده، وأما الحاجي والتحسيني فإن الحاجة فيهما غير ملجئة أصلًا، ويَنزِل التحسيني رتبة في الاحتياج إليه حيث لا تترتب مشقة بفواته، وإنما تفوت الزينة والجمال. وأما من جهة المعنى الاصطلاحي فلكلٍّ أثرُهُ الدنيوي فإن الفساد المترتب نتيجة فقد الضروري في الدنيا هو إتلاف الأصل، أو زوال منفعته كلًّا أو جزءًا حالًا أو مآلًا. وأما الحاجي ففقده لا يُرتب شيئًا مما سبق من الفساد، سواء أكانت عامة أم خاصة، وإنما تحصل مشقة وشدة، وأما التحسيني ففقده لا يرتب شيئًا مما سبق وإنما فقدان اللذات والمستحسنات. وأما من حيث الأثر الأخروي: ففقد الضروري يترتب عليه التعرض لعذاب الله، ودخول النار إما خلودًا بسبب الكفر، أو دخولًا مؤقتًا بسبب الكبائر من عصاة الموحدين. وأما الحاجي فيترتب على فقده الخوف من دخول النار، ولو دخولًا مؤقتًا، وحصول المشاق

стр. 459

في دخول الجنة، وأما التحسيني فيترتب على فقده تأخر الإنسان عن عالي رتب ودرج الجنان (١). ضوابط الضرورة الشرعية وتطبيقات في حياة الأقليات: ينشأ الاضطرار عند التعارض بين تطبيق الأحكام الشرعية والمحافظة على أحد الضرورات الخمسة من الدين، أو النفس، أو العقل، أو العرض، أو المال، فتنشأ مفسدتان متعارضتان إحداهما أكبر من الأخرى؛ فأمَّا الكبرى فحصول ضرر محقق لا يحتمل في إحد الضرورات الخمس، وأما الصغرى فهي فعل محظور شرعي، ولا مناص من ارتكاب أحد الأمرين وانتهاك إحدى الحرمتين فيترتب على تلك الحالة درء الكبرى بركوب الصغرى. إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْأَسِنَّةُ مَرْكَبٌ ... فَمَا حِيْلَةُ الْمُضْطَّرِ إِلَّا رُكُوْبُهَا وعند الاضطرار لا يرتكب إلا القدر الذي يكفي لرفع الضرر وإزالة الخطر. وغير خافٍ أن العمل بالضرورة حالة استثنائية مؤقتة، ولا بد من أن تضبط هذه الضرورة بضوابط معتبرة حتى تعتبر ضرورة شرعية تنتهك لأجلها المحرمات وترتكب معها المخالفات. وغني عن البيان أيضًا أن أكثر الساحات اكتظاظًا بالاستثناءات وتعرضًا للضرورات وتنوعًا في الحاجات هي ساحة الأقليات، تلك التي تعيش بعيدًا عن ديار الإسلام شرقاً وغربًا. وفيما يلي ضوابط الضرورة الشرعية التي تبيح -مجتمعة- ارتكاب المحظور، والجرأة على غير المشروع: الضابط الأول: رجحان وقوع الضرر الفادح حالًا أو مآلًا: فمتى قطع المكلف، أو غلب على ظنه حصول مفسدة كبرى بإحدى الضرورات

стр. 460

الخمس فقد جاز ارتكاب المحرم، فإن لم يغلب على الظن، وإنما كان احتمالًا مرجوحاً لم يجز انتهاك المحرم؛ إذ الأحكام لا تناط بالأوهام، ولا تتعلق بالاحتمالات المستبعدة (١). ويدل على هذا الضابط حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا بها مخمصة، فما يحل لنا من الميتة؟ قال: "إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلًا فشأنكم بها" (٢). ويشهد لذلك من القواعد الفقهية: "لا عبرة بالظن البين خطؤه" (٣)، و"الرخص لا تناط بالشك" (٤). وعليه: فلا بد من كون الضرورة أو الضرر حقيقيًّا حالًّا ومعتبرا، ولا يصلح أن يكون متوهمًا لا واقعًا ولا متوقعًا بظن غالب. وعلى هذا فإن العمل بالبنوك والمصارف والمؤسسات الاقتصادية الربوية بالبلاد غير المسلمة وفي ديار الأقليات لا يجوز أن يستباح، ولا عبرة بقول من يعتبر هذا من ضرورة العيش، أو الحاجة التي تُنَزَّلُ عند الفقهاء منزلةَ الضرورة، تلك التي تفرض على الشخص قبول هذا العمل كوسيلة للعيش والارتزاق (٥)، فإباحة هذا العمل على أنه ضرورة لا يسلم في بلاد الغرب فضلًا عن بلاد المسلمين. فليست الضرورة حاصلة مع وجود أعمال أخرى، ومؤسسات لا تتعامل بالربا أصلًا، والصحيح أنه لا يجوز العمل بالبنوك الربوية مطلقًا، سواء أكان يتصل بعقد الربا، أم لا يتصل به؛ لنص الحديث الوارد فيما يتصل بالربا، وأما ما لا يتصل بالربا فيقاس على
следующие страницы →