← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

والضروريات: هي ما لا استغناء عنه في الدارين، وما لا بد منه في قيام مصالح المكلفين في الدنيا والدين، وحفظ الضرورات الخمس بإقامة أركانها، وتثبيت دعائمها، وبدرء الفساد الواقع والمتوقع عليها، فالحاجة في الضروريات ملجئة ولا بد (١). يقول الشيخ ابن عاشور ﵀: "ولست أعني باختلال نظام الأمة هلاكها، واضمحلالها؛ لأن هذا قد سلمت منه أعرق الأمم في الوثنية والهمجية، ولكني أعني به أن تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها، وقد يفضي بعض ذلك الاختلال إلى الاضمحلال الآجل بتفاني بعضها ببعض، أو بتسلط العدو عليها إذا كانت بمرصد الأمم المعادية لها، أو الطامعة في استيلائها عليها" (٢). وحفظ الشريعة للمصالح الضرورية يتم من جانبين: الأول: حفظها من جانب الوجود؛ بتشريع ما يقيم أركانها ويثبت بنيانها. الثاني: حفظها من جانب العدم؛ بتشريع ما يدرأ عنها الخلل. وقد حاول بعض الباحثين أن يضع تعريفًا ضابطًا للضروري، فقال: كل ما يؤدي في الدنيا إلى تلف الأصل، أو انحرافه، أو زوال منفعته، أو ما ينزل منزلة ذلك كلًّا أو جزءًا، حقيقةً أو حكمًا سواء كان واقعًا أو متوقعًا، بشكل قطعي، أو قريب من القطعي، وما يؤدي فقده في الآخرة إلى دخول النار وحصول العذاب، ولو لفترة (٣). ٢ - الحاجيات: ما دار كالسياج حول الضروريات ولم يبلغ درجتها في الافتقارِ إليها، وتَرَتُّبِ الهلاك على فقدها.

стр. 457

فتتحقق الضروريات مع فقد الحاجيات، ولكن بعسر بالغ وحرج معنت، فالحاجيات تدور على ما تدفع به المشقات من الرخص والتوسعات، وسائر التخفيفات؛ وذلك لتسهل الحياة على المكلفين وتسير بهم في رفق ويسر (١). فالحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيرًا أو تسهيلًا لأجل الحصول على المقصود، فهي دون الضرورة من هذه الجهة، وإن كان الحكم الثابت لأجلها مستمرًّا، والثابت للضرورة مؤقتًا (٢). وهي ما عبر عنه العز ابن عبد السلام ﵀ بقوله: ما توسط بين الضروريات، والتكميلات، هذا بالنسبة لمصالح الدنيا، أما بالنسبة لمصالح الآخرة، ففعل السنن المؤكدات الفاضلات (٣). وقد ضبطها الشاطبي بقوله: "إنها مفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراعَ دخل على المكلفين -على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفاسد العادي المتوقع في المصالح العامة" (٤). ٣ - التحسينيات: وهي مقتضيات المروءات، ومكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحة، والنفوس الصالحة، فتكمل بذلك وتجمل الحياة (٥). فالتحسينيات لا تتوقف عليها حياة الناس الدينية أو الدنيوية، ولا ينال الناس بفقدها

стр. 458

حرج، إلا أن الحياة بفقد التحسينيات لا تبدو مستقيمة لدى أصحاب الفطر المستقيمة والعقول السلمية (١). وقد عبر عنها الجويني ﵀ بقوله: "ما لا يتعلق بضرورة حاقة، ولا حاجة عامة، ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة، أو نفي نقيض لها" وعبر مرة أخرى، فقال: "ما لاح وصح الندب إليه تصريحًا، كالتنظف" (٢). الضوابط الفارقة بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات: تتبدى بعض الضوابط التي تفرق بين هذه المقاصد، فمن جهة المعنى اللغوي لكلٍّ يتضح أن الضروري ما لا بد منه، والحاجة فيه ملجئة، وهو أصل للحاجي وما بعده، وأما الحاجي والتحسيني فإن الحاجة فيهما غير ملجئة أصلًا، ويَنزِل التحسيني رتبة في الاحتياج إليه حيث لا تترتب مشقة بفواته، وإنما تفوت الزينة والجمال. وأما من جهة المعنى الاصطلاحي فلكلٍّ أثرُهُ الدنيوي فإن الفساد المترتب نتيجة فقد الضروري في الدنيا هو إتلاف الأصل، أو زوال منفعته كلًّا أو جزءًا حالًا أو مآلًا. وأما الحاجي ففقده لا يُرتب شيئًا مما سبق من الفساد، سواء أكانت عامة أم خاصة، وإنما تحصل مشقة وشدة، وأما التحسيني ففقده لا يرتب شيئًا مما سبق وإنما فقدان اللذات والمستحسنات. وأما من حيث الأثر الأخروي: ففقد الضروري يترتب عليه التعرض لعذاب الله، ودخول النار إما خلودًا بسبب الكفر، أو دخولًا مؤقتًا بسبب الكبائر من عصاة الموحدين. وأما الحاجي فيترتب على فقده الخوف من دخول النار، ولو دخولًا مؤقتًا، وحصول المشاق

стр. 459

في دخول الجنة، وأما التحسيني فيترتب على فقده تأخر الإنسان عن عالي رتب ودرج الجنان (١). ضوابط الضرورة الشرعية وتطبيقات في حياة الأقليات: ينشأ الاضطرار عند التعارض بين تطبيق الأحكام الشرعية والمحافظة على أحد الضرورات الخمسة من الدين، أو النفس، أو العقل، أو العرض، أو المال، فتنشأ مفسدتان متعارضتان إحداهما أكبر من الأخرى؛ فأمَّا الكبرى فحصول ضرر محقق لا يحتمل في إحد الضرورات الخمس، وأما الصغرى فهي فعل محظور شرعي، ولا مناص من ارتكاب أحد الأمرين وانتهاك إحدى الحرمتين فيترتب على تلك الحالة درء الكبرى بركوب الصغرى. إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْأَسِنَّةُ مَرْكَبٌ ... فَمَا حِيْلَةُ الْمُضْطَّرِ إِلَّا رُكُوْبُهَا وعند الاضطرار لا يرتكب إلا القدر الذي يكفي لرفع الضرر وإزالة الخطر. وغير خافٍ أن العمل بالضرورة حالة استثنائية مؤقتة، ولا بد من أن تضبط هذه الضرورة بضوابط معتبرة حتى تعتبر ضرورة شرعية تنتهك لأجلها المحرمات وترتكب معها المخالفات. وغني عن البيان أيضًا أن أكثر الساحات اكتظاظًا بالاستثناءات وتعرضًا للضرورات وتنوعًا في الحاجات هي ساحة الأقليات، تلك التي تعيش بعيدًا عن ديار الإسلام شرقاً وغربًا. وفيما يلي ضوابط الضرورة الشرعية التي تبيح -مجتمعة- ارتكاب المحظور، والجرأة على غير المشروع: الضابط الأول: رجحان وقوع الضرر الفادح حالًا أو مآلًا: فمتى قطع المكلف، أو غلب على ظنه حصول مفسدة كبرى بإحدى الضرورات

стр. 460

الخمس فقد جاز ارتكاب المحرم، فإن لم يغلب على الظن، وإنما كان احتمالًا مرجوحاً لم يجز انتهاك المحرم؛ إذ الأحكام لا تناط بالأوهام، ولا تتعلق بالاحتمالات المستبعدة (١). ويدل على هذا الضابط حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا بها مخمصة، فما يحل لنا من الميتة؟ قال: "إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلًا فشأنكم بها" (٢). ويشهد لذلك من القواعد الفقهية: "لا عبرة بالظن البين خطؤه" (٣)، و"الرخص لا تناط بالشك" (٤). وعليه: فلا بد من كون الضرورة أو الضرر حقيقيًّا حالًّا ومعتبرا، ولا يصلح أن يكون متوهمًا لا واقعًا ولا متوقعًا بظن غالب. وعلى هذا فإن العمل بالبنوك والمصارف والمؤسسات الاقتصادية الربوية بالبلاد غير المسلمة وفي ديار الأقليات لا يجوز أن يستباح، ولا عبرة بقول من يعتبر هذا من ضرورة العيش، أو الحاجة التي تُنَزَّلُ عند الفقهاء منزلةَ الضرورة، تلك التي تفرض على الشخص قبول هذا العمل كوسيلة للعيش والارتزاق (٥)، فإباحة هذا العمل على أنه ضرورة لا يسلم في بلاد الغرب فضلًا عن بلاد المسلمين. فليست الضرورة حاصلة مع وجود أعمال أخرى، ومؤسسات لا تتعامل بالربا أصلًا، والصحيح أنه لا يجوز العمل بالبنوك الربوية مطلقًا، سواء أكان يتصل بعقد الربا، أم لا يتصل به؛ لنص الحديث الوارد فيما يتصل بالربا، وأما ما لا يتصل بالربا فيقاس على

стр. 461

ما يتصل به بجامع الإعانة على الربا. وأما القول بأن فقه الموازنات يقتصي العمل في هذه البنوك؛ لدفع مفسدة أعظم من مفسدة عمل غير المسلمين في هذه البنوك فلا يصح؛ لأن مفسدة الربا أعظم من مفسدة عمل غير المسلم في هذه البنوك، فلا تصح هذه الموازنة. ولو سلم جدلاً اضطرار فرد في بلاد غير المسلمين اضطرارًا حقيقيًّا لم يكن هنا سبيل لإباحة العمل بهذه البنوك مطلقًا لكل أحد؛ إذ الضرورة تقدر بقدرها (١). وهكذا لا يجوز الاقتراض من البنوك الربوية مطلقًا لبناء المساكن، أو شرائها مع وجود شركات إسلامية تبيع العقار بالتقسيط (٢). وبناء على ما سبق فما يدعيه كثيرون في هذه الأيام من ضرورة التختم بالذهب، أو ضرورة التعامل الربوي، أو الضرورة الاقتصادية التي تسمح ببيع الخمور، وفتح الملاهي للسياح. . . ونحو ذلك، كل هذا لا يعتبر من الضرورات الحقيقية، ولا يباح من أجله الحرام، سواء أكان ذلك في بلاد الإسلام، أم في غيرها. ومما ينبغي التنبه إليه أن ارتكاب المحظور عند الاضطرار إنما هو رخصة منَّ الله بها على عباده، والرخص لا تناط بالمعاصي (٣). فلو أن سائق شاحنة ببلاد غير المسلمين استؤجر لينقل خمرًا من بلد إلى بلد فسافر بشاحنته كان سفره هذا سفر معصية، وكان به عاصيًا، فلا تحل له رخص السفر في قول

стр. 462

جمهور أهل العلم (١) خلافًا للحنفية. وهكذا كل فعل محرم لا تستباح به الرخص؛ وفاقًا للجمهور وخلافًا للحنفية (٢). قال ابن العربي: "ما أظن أحدًا يقول بالإباحة، فإن قاله فهو مخطئ قطعًا" (٣). الضابط الثاني: تحقق فقد الوسائل المشروعة في دفع الضرورة: والمراد أن يتعين ارتكاب النهي الشرعي، أو مخالفة الأمر الشرعي طريقًا لدفع الضرورة ورفع الاضطرار، ومتى أمكن المكلف أن يزيل الضرر بوسيلة مباحة امتنع عليه أن يرتكب المحظور. فلو أن إنسانًا اضطر إلى المال لم يكن له أن يلجأ إلى من يقرضه بالربا من بنك أو غيره حتى يعدم كل سبيل مشروعة للقرض الحسن، أو الكسب الطيب. ولو وَجد الجائع طعامًا لدى آخر لم يجز له أن يأكل الميتة، فإن امتنع صاحب الطعام من بيعه كان له أن يأخذه؛ لسد جوعته جبرًا على صاحبه بقيمته (٤). وهذا وغيره من الأمثلة يدل على فقهها قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷺ في حديث الرجل الذي عنده ناقة لغيره، فقالت امرأته: قم

стр. 463

فانحرها فأبى، فنفقت، فقالت: اسلخها حتى نقدِّد شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فأتاه فسأله فقال ﷺ : "هل عندك غنى يغنيك؟ " قال: لا، قال: "فكلوها" (١). ويدل لهذا أيضًا عدد من القواعد الفقهية التي تقرر هذا المعنى، ومن ذلك: "الضرر يدفع بقدر الإمكان" (٢). فالأصل في الضرر أن يزال بالكلية، فإن لم تمكن إزالته بالكلية، فيزال المقدور عليه، أو يترك على حاله. كالمغصوب يُردُّ بحاله إن كان قائمًا سليمًا، أو معيبًا وأرش النقص معه، فإن كان هالكًا فيُرَدُّ مثله إن كان مثليًّا، أو قيمته إن كان قيميًّا. ومن تلك القواعد الفقهية -أيضًا-: "الميسور لا يسقط بالمعسور" (٣): فما تيسر من التكاليف لا يسقط بما تعسر أداؤه، والمشقة لا تُسقط التكليف بالأمور المستطاعة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وقد قال ﷺ لعمران بن حصين: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (٤). وبالجملة فإنه: متى أمكن لأحد وتيسر له الحصول على الحلال الطيب فإن حالته لا تعد من قبيل الضرورة، بل يتعين عليه في هذه الحالة أن يقتصر على هذا الحلال ويستغني به، ولا يجوز له ارتكاب شيء من الحرام (٥).

стр. 464

وبناءً على هذا الضابط فإنه لا يحل الاقتراض بالربا من أجل أن يبني الإنسان بيتًا متى كان قادرًا على أن يستأجر، أو كان مالكًا لبيت، ولو متواضعًا، ولا شراء سيارة بالربا؛ ليعمل عليها، ولديه عمل مباح يكفيه، ولا فتح مكتب هندسي، أو محاماة، أو عيادة طبية، أو تمويل أو توسيع محلٍّ تجاري، أو صناعي، أو زراعي. . . ونحو ذلك (١). كما أنه لا يجوز العدول إلى علاج محرم، إلا بعد أن لا يجد المسلم علاجًا مباحًا يحقق المطلوب. وكذا لا يحل له العدول إلى تأمين تجاري محرم، إلا بعد أن يفقد التأمين التعاوني التكافلي المشروع. وكذا لا يجوز له العدول إلى طعام محرم، أو دَخْل محرم، إلا بعد أن يفقد الحلال الطيب، فيستغني مثلًا عن الأطعمة التي تحتوي الجيلاتين المحرم بالجيلاتين المباح، وفي ذلك صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة، ونصه: "لا يحل لمسلم استعمال الخمائر والجيلاتين المأخوذة من الخنازير في الأغذية، وفي الخمائر والجيلاتين المتخذة من النباتات أو الحيوانات المذكاة شرعًا غُنية عن ذلك" (٢). الضابط الثالث: الاقتصار في ارتكاب المحظور على أدنى قدر لرفع الضرورة: وهذا الضابط يتعلق بمقدار ما ينتهك من المحرم المحظور، فيكون ما يباح أو ما يرخص فيه من المحظور مقيدًا بدفع الضرورة، ورفع الاضطرار من غير توسع، أو استرسال؛ وذلك لأن إباحة المحظور إنما جاز لحال الضرورة، فلا يجوز ما زاد عليها، ويبقى المحظور فيما زاد على أصله، وهو الحظر والمنع. فمن ذلك: أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما يسدُّ رمقه، ويُبقي على مهجته، ومن اضطر

стр. 465

إلى الخمر لإزالة الغصة لم يجز له التعدي عن هذا القدر، ومن استشير في شأن خاطب أو ناكح، لم يعدل إلى التصريح متى كان التعريض بقدْحِه كافيًا؛ كأن يقول: لا يصلح لك. . . ونحو ذلك (١). ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ففي التفسير: الباغي هو آكل الميتة فوق الحاجة، والعادي هو آكلها مع وجود غيرها، أو الباغي هو من أكلها شهوةً وتلذذًا، والعادي هو من أكل إلى حد الشبع (٢). ومن القواعد التي دلت على هذا الضابط قاعدة: "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" (٣). وكذا الحاجة تقدر بقدرها، فإذا كان الطبيب يجوز له أن ينظر من العورة بقدر ضرورة العلاج، فليس له أن يزيد عليها، وليس له أن يخلو بالمرأة الأجنبية عنه. وإذا أجاز بعض العلماء للمضطر من المغتربين في غير بلاد المسلمين أن يعمل بعمل محرم لسد رمقه، والإبقاء على نفسه، فليس له أن يبقى مستمرئًا للعمل المحظور، فضلًا عن أن يبقى متربحًا منه! وإنما ما جاز لعذر فإنه يبطل بزواله، كما سيأتي. الضابط الرابع: الاقتصار في ارتكاب المحظور على زمن بقاء الضرورة: وهذا الضابط يتعلق بزمن العمل بحكم الضرورة، فيتقيد زمن الإباحة للمحظور ببقاء الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلتها، فإذا زال العذر المبيح لانتهاك المحرم عاد الأمر إلى سابق عهده من التحريم والمنع، ولا يجوز حينئذٍ العمل بالخلف والبدل؛ إذ لا يجوز الجمع بين البدل والمبدل منه، فإذا زال المانع عاد الممنوع إلى حكمه الأول. وهذا معنى القاعدة الفقهية: "ما جاز لعذر بطل بزواله" (٤).

стр. 466

فالمتيمم الذي أبيح له -إذا فقد الماء أو عجز عن استعماله- أن يلجأ إلى التراب في الطهارة، فإذا وجد الماء، أو قدر على استعماله بعد التيمم فإن تيممه يبطل بزوال عذره المبيح، فإذا وُجد الماء بطل التيمم (١). وكل ما تجاوز عن حده انعكس إلى ضده (٢). وإذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع الأمر ضاق (٣). والمسلم على كل حال وفي كل زمان ومكان، سواء أكان ببلاد المسلمين أم بغيرها مأمور بأن يسعى لدفع غربته، ورفع ضرورته، ومدافعة الاضطرار بعد وقوعه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، بل هو فرض من فروض الكفاية على الأمة، وفرض متعين على كل قادر مطيق. قال ابن عبد البر: "وجملة القول في ذلك: أن المسلم إذا تعين عليه ردُّ رمق مهجة المسلم وتوجَّه الفرض في ذلك بألَّا يكون هناك غيره قضي عليه بترميق تلك المهجة الآدمية" (٤). ومن التطبيقات ذات الصلة بحياة الأقليات: قضية ابتعاث طلبة الدراسات العليا إلى الغرب في التخصصات العلمية المتنوعة، والأصل في هذا الأمر أن الإقامة بتلك البلاد غير المسلمة جازت للضرورة، أو الحاجة التي تنزل منزلتها. فإذا احتاج أهل الإسلام لابتعاث أبناء المسلمين في تخصصات دقيقة يحتاج إليها المسلمون، وكان هذا موضع ضرورة، فلتقدر بقدرها وزمانها، فليمنع الابتعاث في غير العلوم الفنية والدقيقة فلا حاجة لابتعاث في علوم لغوية، أو أدبية، أو تاريخية، وإنما ليقتصر على العلوم التجريبية والتطبيقية، والتي لا تتأتى في ديار الإسلام (٥).

стр. 467

على أنه تجدر العناية باختيار أهل الاستقامة والتدين من أولئك المبتعثين مع تحصينهم بما يحتاجون إليه، وتوعيتهم بما سيواجهون من إشكالات وتحديات، وإذا قضوا مدة من السنوات هناك فَلْتُقْضَ في كنف المراكز الإسلامية، حتى إذا انتهت أغراضهم العلمية، وقضوا مهمتهم عجَّلوا بعودتهم إلى بلادهم، من غير أن يطيلوا البقاء من غير حاجة معتبرة. الضابط الخامس: ألا يترتب على ارتكاب المحظور وقوع مثله أو أكبر: فينبغي أن يكون الضرر في المحظور الذي يحل الإقدام عليه أقلَّ من حالة الضرورة؛ إذ الضرر لا يزال بضرر مماثل له، ولا بضرر أكبر منه، وإنما يزال بضرر أدنى منه، وفي هذا نظر واعتبار للمآلات. وهذا الضابط يتعلق بتعارض المفاسد، فبقاء المفسدة حال الاضطرار يعارض ارتكاب المحظور، فأيهما كان أكبر دُفع بالأصغر، وأيهما كان أعم دفع بالأخص، وأيهما كان أعلى دفع بالأدون. وهذه كلية الشريعة العظمى وقاعدتها الكبرى، وعليها تدور السياسة الشرعية. قال ابن رجب ﵀: "إذا اجتمع للمضطر محرَّمان كل منهما لا يباح بدون الضرورة وجب تقديم أخفهما مفسدة، وأقلهما ضررًا؛ لأن الزيادة لا ضرورة إليها فلا تباح" (١). وبناءً على ما تقدم فإن قاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات" قد قيدت بقيدٍ مهم، وهو: "بشرط عدم نقصانها عنها" (٢).

стр. 468

فالحاصل أن هذه القاعدة مقيدة بقيدين: أولهما: الإباحة المذكورة بمعنى رفع الإثم والحرج، لا بمعنى التخيير بين الفعل والترك. ثانيهما: الضرورات لا تبيح جميع المحظورات، بل هناك محظورات لا تبيحها الضرورات البتة. ويمكننا بعد مراعاة هذين القيدين صياغة معنى هذه القاعدة على هذا النحو: "الضرورات ترفع الإثم والحرج عند ارتكاب المحظورات التي دونها في المفسدة" (١). ومما يؤكد هذا التقييد من القواعد الفقهية: "الضرر لا يزال بمثله" (٢). "يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" (٣). "يُرتكب أخف الضرر لن لدفع أعظمهما" (٤). ومن القواعد الفقهية المتعلقة بالتدافع بين المصالح والمفاسد وغيرها مما يتصل بهذا الضابط: أن يحفظ المضطر أصول الشريعة وثوابتها، فلا تلجئه ضرورة مهما بلغت لأن يكفر بالله -مثلًا- ولا تحمله نازلة لأن يطمئن قلبه بالكفر -عياذًا بالله-؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. فلا يتصور الإكراه على شيء من أعمال القلوب (٥). قال العز ابن عبد السلام ﵀: "ولا يتصور الإكراه بالجنان، ولا على جحد ما يجب

стр. 469

الإيمان به؛ إذ لا اطلاع للمكرِه على ما يشتمل عليه الجنان من كفر وإيمان، وجحد وعرفان" (١). كما لا يتصور اضطرار إلى قتل نفس معصومة؛ لأن النفوس من حيث هي نفوس في مرتبة واحدة في نظر الشرع (٢). قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]. وكذا لا يتصور اضطرار إلى الزنا واللواط والفواحش الظاهرة والباطنة، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ولو كان يفعل هذا بغير المسلم، وبغير ديار الإسلام. ومما له تعلق بحياة الأقليات من التطبيقات: حرمة تولي الكفار واتخاذهم أولياء من دون المؤمنين، وإن أقام المسلم -لحاجته- بينهم، ولا يجري في ذلك اضطرار؛ لأن عقيدة الولاء والبراء موضعها القلب الذي لا سلطان لأحدٍ عليه، وليس لأحد أن يحتج على محبته القلبية لأعداء الله بما بينه وبينهم من تعامل ظاهر، وليس لأحد أن يدعي اضطرارًا في هذا الأمر، بل لا ينعقد الإيمان إلا ببغض أولياء الشيطان، وما هم عليه من باطل الأديان، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]. كما أنه ليس لأهل فلسطين -وإن بلغ العنت منهم مبلغًا- أن يصالحوا أعداء الدين على التنازل عنها نهائيًّا ولا بيعها للكافرين، ولا عقد صلح دائمٍ ومطلق، فإن وقع شيء

стр. 470

يتضمن إقرار غير المسلمين على ديار الإسلام ومقدساته، أو كان هذا الصلح دائمًا ومطلقًا فقد صار فاسداً وباطلًا. جاء في قرار لمجمع الفقه الإسلامي بالسودان: "إن المسجد الأقصى وما بارك الله حوله من فلسطين أرض إسلامية، لا يجوز التفريط في شبر منها، وإنه ليس لليهود أي حق تاريخي يبيح لهم الاستيطان فيها" (١). وبشكل عام فإن العمل بحكم الضرورة إنما هو حالة مؤقتة، ومسألة استثنائية، والواجب حيالها على أنواع ثلاثة: ١ - ما يجب قبل العمل بحكم الضرورة: وهو الأخذ بالبدائل المباحة والمتاحة. ٢ - ما يجب أثناء الضرورة: وهو الاقتصار على القدر والوقت الذي به يرتفع الضرر فحسب. ٣ - ما يجب بعد نزولها: وهو السعي إلى رفعها، وبذل الجهد في التخلص منها، وهو واجب مفروض. القاعدة الثانية: الإباحة المنسوبة للضرورة، الأصل في معناها: رفع الحرج، لا التخيير: المعنى العام للقاعدة: لا يصح اعتبار الإباحة المنسوبة إلى الضرورة بمعنى التخيير بين الفعل والترك مطلقًا؛ وذلك لأن ظاهر النصوص الشرعية يفيد رفع الحرج والجناح والإثم في الفعل فحسب، وذلك دون التخيير بين الفعل وتركه، وهو أحد فردي المباح (٢). ذلك أن المباح عند الأصوليين يطلق بإطلاقين:

стр. 471

أولهما: ما استوى طرفاه، وهو ما خير فيه بين الفعل والترك، وهذا الإطلاق هو الأصل، والمباح بهذا الإطلاق قسيم للواجب، والمندوب، والمكروه، والحرام. والإطلاق الثاني: ما رفع فيه الحرج، وهو بهذا الإطلاق يعم الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح، ويسمى بالحلال، فهو قسيم للحرام، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩] (١). فحكم العمل بالضرورة التي تبيح المحظور هو الإباحة على معنى رفع الحرج والإثم، فلا إثم على مضطر باتفاق إذا اتقى الله تعالى في تقدير الضرورة بقدرها وزمنها. وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وإذا كان الأمر كذلك فإن الإباحة بمعنى رفع الحرج قد يكون معها من الضرورات ما يقتضي إيجاب الفعل أو إيجاب الترك أو الإباحة على معنى رفع الإثم مع بقاء المحظور المرتَكَبِ على حكمه الأصلي، وهو الحرمة المؤبدة. فمثال الضرورة التي يجب فعلها: أكل الميتة لمن أشرف على الموت، ولا يجد ما يدفع به عن نفسه. فهو رخصة من جهة رفع الحرج، عزيمة من جهة الإبقاء على حياته التي أُمر بحفظها وعدم إتلافها. قال ابن قدامة: "يسمى رخصة من حيث إن فيه سعة؛ إذ لم يكلفه الله تعالى إهلاك نفسه، ولكون سبب التحريم موجودًا، وهو خبث المحل ونجاسته، ويجوز أن يسمى عزيمة من حيث وجوب العقاب بتركه، فهو من قبيل الجهتين" (٢). فلو امتنع عن الأخذ بحكم الضرورة كان آثمًا.

стр. 472

والحكم بالوجوب تدل عليه قاعدة: "الواجب لا يترك إلا لواجب" (١). أو "ما كان ممنوعًا إذا جاز وجب" (٢)، كما تدل عليه قاعدة: "للوسائل حكم المقاصد" (٣)، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (٤). وذلك لأن أكل الميتة قد تعين وسيلة لحفظ النفس المأمور بحفظها (٥). ومثال الثاني -وهو الضرورة التي يجب تركها ويحرم فعلها-: قتل المسلم بغير حق، وفي هذه الحالة يترتب على ارتكاب هذا المحرم ارتكاب مثله أو أشد، وهو ما يتعارض مع ما سبق تقريره في الضابط الخامس من ضوابط الضرورة، وعلى الراجح فلا يدخل هذا تحت حقيقة الضرورة الشرعية التي تبيح ارتكاب النهي، بل يصير من قبيل جلب المفاسد لا درئها (٦). قال ابن القيم ﵀: "كل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث- فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل" (٧). وعليه: فإن هذا النوع من الضرورات لا تبيح المحظورات، بل هناك محظورات لا تباح البتة، وإنما تبيح الضرورات من المحظورات ما كانت رتبته وخطورته دون رتبة الضرورة، وهذا معنى قولهم -في تتمة هذه القاعدة-: بشرط عدم نقصانها عنها (٨). وعليه فلا يكون العمل بالضرورة محرمًا بحال؛ حيث إن الضرورة الشرعية

стр. 473

مشروطة بألَّا يعارضها مفسدة مساوية لها، أو راجحة عليها. ومثال الضرورة التي يباح فعلها على معنى رفع الإثم والمؤاخذة: إجراء كلمة الكفر على اللسان عند الإكراه، فالعمل به عند الاضطرار جائز، ويبقى المحظور على ما هو عليه من الحرمة والحظر، ولا يصير جائزًا؛ لأن حرمته مؤبدة. فالمرفوع هو إثم المؤاخذة الأخروية من غير تخيير بين الفعل والترك، بل إن هذا المكرَه لو صبر حتى قتل لكان شهيدًا (١). وذلك لأن الأفضل "الامتناع مصابرةً على الدين، واقتداءً بالسلف، وقيل: إن كان ممن يتوقع منه النكاية في العدو، والقيام بأحكام الشرع، فالأفضل التلفظ لمصلحة بقائه، وإلَّا فالأفضل الامتناع" (٢). أدلة القاعدة: من القرآن الكريم، والمعقول. أولًا: القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وجه الدلالة: لم يَذكر الله في الآية تخييرًا، ولا أن له الفعل أو الترك، وإنما ذكر أن التناول حال الاضطرار يرفع الإثم. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. ولم يقل: فله الفطر، أو لا يفطر، أولا يجوز له، بل ذكر نفس العذر، وأشار إلى أنه إذا اضطر فعدة من أيام أخر.

стр. 474

قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. على القول بأن المراد القصر من عدد الركعات، ولم يقل: فلكم أن تقصروا، أو: فإن شئتم فاقصروا. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، فالتقدير: أن من أُكْرِهَ فلا غضبَ عليه، ولا عذاب يلحقه إن تكلم بكلمة الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، ولم يقل: فله أن ينطق، أو إن شاء فلينطق. وهذا بخلاف الإباحة على معنى التخيير، كما في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، يريد كيف شئتم، مقبلة ومدبرة، وعلى جنب، فهذا تخيير واضح (١). ثانيًا: المعقول: لا تدخل الإباحة هنا في معنى التخيير، وإنما تُقصد على معنى رفع الحرج. لأن لفظ التخيير مفهوم من مقصد الشارع إلى تقرير الإذن في طرفي الفعل والترك، وأنهما على سواء في قصده، ورفع الحرج سكوت عنه، فليس فيه معنى التخيير (٢). والجميع يقولون: من لم يتكلم بكلمة الكفر مع الإكراه مأجور في أعلى الدرجات، والتخيير ينافي ترجيح أحد الطرفين على الآخر، وكذلك غيره من المواضع المذكورة سواه. تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: لا يصلح باطِّراد أن تقوم حياة الأقليات، أو أن يَعتمد فقه الأقليات على جملة استثناءات، أو على فقه الظروف الطارئة، وحالات الضرورة وما ينزل منزلتها، وإن كان

стр. 475

لا غنى عن مقاصد مستصحبة لحفظ الحياة الدينية للأقليات المسلمة خارج بلادها، مع مراعاة خصوصيات أوضاع الأقليات كلٌّ بحسبه، مع التطلع إلى تبليغ الرسالة ونشر الدعوة، كل ذلك من خلال مراعاة الأولويات في حدود الإمكانات الداخلية للأقليات، والظروف الخارجية المحيطة بها من مختلف الجهات. فإذا أُعملت قاعدة الضرورات، فأبيح -مثلًا- عند بعض الفقهاء، وبعض مجامع فقه الأقليات شراء مساكن عن طريق التمويل الربوي خارج ديار الإسلام، فإن هذه الإباحة لا تعني بالنسبة للأقليات سوى نفي الحرج والجناح لمن اضطر، وليس الأمر على التخيير بين الفعل والترك، بل الأصل الترك، والاقتراض الربوي حرام فوق كل أرض، وتحت كل سماء. وحري بكل مسلم أن يبحث عن مخرج شرعي له من ورطات الربا، وأن يبادر إلى التخلص من هذا الإثم والحرام، وأن يشفع ذلك بكثير من الاستغفار، فإن الحرمة باقية، وما رفع هو الإثم أو الإصر، أو المؤاخذة الأخروية. وبطبيعة الحال؛ فإن هذا الحكم المذكور يجد مشروعيته فيما لو خلت تلك الديار من مؤسسات مالية تمويلية إسلامية، يمكنها تقديم البدائل الإسلامية لقاطني هذه الديار؛ مما يعني أنه إذا كانت ثمة مؤسسات مالية إسلامية تُعنى بتقديم البدائل لهذا التمويل، فإنه يحرم على كل الأفراد التلبس بهذه الطريقة لشراء المساكن، ولا تعد مشاقهم -والحال كذلك- من المشاق التي تجلب التيسير في الحس الإسلامي، بل لا بد من الابتعاد عن هذا الكابوس الشرس الذي يقوم على امتصاص أتعاب الفقراء، والإمعان في إفقارهم، وتضييق الخناق عليهم من كل حدب وصوب. بل إن الإعراض عن شراء المساكن عبر المؤسسات المالية الإسلامية المتوافرة يعد مخالفة صارخة لتعاليم الدين الحنيف، كما يعد تعمدًا مقصودًا لارتكاب ما نهى الله عنه ورسوله في صريح الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكريمة، فضلًا عن أن ذلك يعد إضعافًا مقصودًا

стр. 476

وتوهينًا عميقًا للمؤسسات المالية الإسلامية التي تحتاج إلى مزيد من تكاتف المسلمين ودعمهم إياها؛ لتنهض بالمهمة التي تنهض بها المؤسسات المالية التقليدية (١). يقول د. صلاح سلطان: "هذه أمثلة لا تفيد الحصر، ولا تعني أن يكون البديل هو الأخذ بالرخصة، أو ارتكاب المحرم للضرورة التي تقدر بقدرها، فبعض من أرادوا شراء بيوت وهم في موضع ثقة طلبت منهم أن يذهبوا إلى بعض الموسرين، ويشتركوا في شراء منزل ويستأجر حصتهم، ثم يكون في العقد حق شراء حصة واحد وراء الآخر بسعر يوم الشراء، وتم ذلك والحمد لله" (٢). وإذا كانت الاعتداءات على مؤسسات وبيوت المسلمين بالهند لا تتوقف، فلا حرج فيما انتهى إليه المجمع الفقهي بالهند إلى جواز التأمين على هذه المؤسسات والبيوت، مع إقرارهم بما فيه من ربا وقمار وغرر. . . حتى يستطيع المسلمون مواصلة الحياة، وإلا شُرِّدوا (٣). فإذا أفتى العلماء بانتفاء الحرج عن هذه المعاملة فلا غنى بالسلمين عن السعي للدفاع عن بيوتهم ومؤسساتهم بالسبل الشرعية الممكنة، فإذا زالت تلك الضرورة التي رفعت عنهم الحرج والإثم في التعامل بالتأمين التجاري المحرم؛ فإن عليهم ترك تلك المعاملات التي أُبيحت استثناءً ولظرف طارئ خاص، ولا يتقعد من ذلك حكم بالإباحة، بمعنى: التخيير واستواء الطرفين. وهكذا ينسحب الكلام على كل ما أبيح للضرورة الملجئة من مسائل الأقليات ومشكلاتها المعاصرة، وهذه القاعدة لها أهميتها في دفع تلك الضرورات، ورفع تلك الإشكالات، في مختلف المجالات المالية والاجتماعية والسياسية على حدٍّ سواء.

стр. 477

المطلب الثاني: القواعد الفقهية المتعلقة بالضرورة والحاجة: قاعدة: الحاجة تنزل منزل الضرورة: المعنى العام للقاعدة: سبق أن الشريعة ترعى الضرورات؛ لتستبقي الحياة، كما ترعى الحاجات؛ لتنفي المشقات، والتحسينيات؛ لتحقق الجمال والراحات. والضروري يقدم على ما عداه، والحاجي يقدم على التحسيني. وهذه القاعدة تتناول أثر الحاجة في الترخيص ونفي الحرج، كما تتناول العلاقة بينها وبين الضرورة. وفيما يلي شرح لكلا الجانبين: تعريف الحاجة -لغةً-: يقول ابن فارس: "إن الحاء والواو والجيم أصل واحد وهو الاضطرار إلى الشيء" (١). كما تأتي الحاجة بمعنى: الفقر، ومنه قولهم: الحُوج: الفقر، والمحوج: المعدِم (٢). كما تأتي بمعنى: المأربة، أو البغية، أو الأمنيَّة، قال تعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: ٨٠]. وفي حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا: "إن لله عبادًا خلقهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم! أولئك الآمنون يوم القيامة" (٣).

стр. 478

وأصلها حائجة، وجمعها: حاج، وحوج، وحاجات. وتجمع على حوائج، كما سبق في الحديث (١). والحاجة -اصطلاحًا-: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الحاجة لفظة مبهمة لا يضبط فيها قول (٢). وعرفها الشاطبي بأنها ما يفتقر إليه من أجل التوسعة، ورفع الحرج (٣). وتنقسم الحاجة إلى قسمين: عامة، وخاصة. أولًا: حاجة عامة: بحيث يكون الاحتياج شاملًا جميعَ الأمة بمعنى: أن الناس جميعًا يحتاجون إليها فيما يمس مصالحهم العامة من زراعة، أو صناعة، أو تجارة، أو سياسة عادلة وحكم صالح (٤). وتسمى الحاجة العامة بالحاجة الأصولية، وربما سميت بالضرورة العامة، فهي لا تختص بفرد بعينه، ولا بفئة بخصوصها، ولا ببلد بحدوده، وعنها قال إمام الحرمين: "ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حدِّ الضرورة، وهذا مثل: تصحيح الإجارة، فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وضِنَّةِ مُلَّاكِها بها على سبيل العارية، فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ الضرورة المفروضة في البيع وغيره، ولكن حاجة الجنس قد تبلغ مبلغ ضرورة الشخص الواحد؛ من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة فيه للجنس لنال آحاد الجنس ضرار لا محالة تبلغ مبلغ الضرورة في حق الواحد، وقد يزيد أثر

стр. 479

ذلك في الضرر الراجع إلى الجنس على ما ينال الآحاد بالنسبة إلى الجنس" (١). وأكد هذا المعنى الغزالي بعبارة أخرى، فقال: "والحاجة العامة في حق كافة الخلق تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق الشخص الواحد" (٢). وقال ابن العربي: "القاعدة السابعة: اعتبار الحاجة في تجويز الممنوع كاعتبار الضرورة في تحليل المحرم" (٣). ومن الأمثلة على الحاجة العامة: "مشروعية الإجارة، والجعالة، والحوالة، ونحوها، جُوِّزت على خلاف القياس؛ لما في الأولى من ورود العقد على منافعَ معدومةٍ، وفي الثانية من الجهالة، وفي الثالثة من بيع الدين بالدين، لعموم الحاجة إلى ذلك، والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة" (٤). ثانيًا: حاجة خاصة: وهي ما قابلت الحاجة العامة، أي: ما كانت مختصة بفرد معين، أو طائفة محصورة، أو بلد معين، أو زمن معين، وأما الشخص المحتاج إلى أمر معين في جميع الظروف والأحوال والأزمنة والأمكنة فيمكن أن تُعَدَّ حاجته حاجةً عامةً لا خاصةً (٥)، وحكمها مؤقت، وتعتبر توسيعًا لمعنى الضرورة (٦). ومن أمثلتها: تضبيب الإناء بالفضة؛ لإصلاح موضع الكسر، ولبس الحرير لحاجة الجرب والحكة ودفع القمل، والأكل من الغنيمة في دار الحرب، ولا يشترط للآكل أن يكون معه غيره (٧). والمقصود بالقاعدة أن الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة في كونها تبيح المحظور.

стр. 480

وعن هذا المعنى عبَّر الزركشي تفصيلًا، فقال: "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الناس" (١)، وهذه هي الحاجة الأصولية. ثم قال: "الحاجة الخاصة تبيح المحظور" (٢). وهذه هي الحاجة الفقهية التي تلحق في المعنى بالضرورة؛ وجمعًا بين الحاجة العامة والخاصة قيل في نص القاعدة: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٣). بين الحاجة الأصولية والضرورة: والمقصود بالحاجة هنا الحاجة الأصولية، بدليل بقاء حكمها واستمراره بدون احتياج لتحققها في آحاد أفرادها. وهي الحاجيات عند الأصوليين على ما قرره الشاطبي بقوله: "ما يفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، وإذا لم تُرَاعَ دخل على المكلفين -على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة، وهي جارية في العبادات، والعادات، والمعاملات، والجنايات" (٤). وهل الحاجة تنزل منزله الضرورة بإطلاق؟ هذا يحتاج إلى معرفة الفرق بين الحاجة والضرورة، ومدى اعتبار أن الحاجة قائمة مقام الضرورة بصفة مطلقة. ومن المتفق عليه أن الحاجة والضرورة قد يطلقان لغةً بمعنى واحد، وهو

стр. 481

الاضطرار، والافتقار، ونحوهما. ومن الجهة الاصطلاحية فكلا المصطلحين يتعلقان بمعنى واحد، وهو المشقة، وكل منهما يستدعي التيسير والتخفيف. ولأجل هذا بُنيت قواعد فقهية متعددة، ومتفرعة على القاعدة الكلية الكبرى: "المشقة تجلب التيسير" ومن ذلك: - الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها. - الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة. وإذا كانا على هذا النحو من التقارب اللغوي، فهل هذا يصل إلى حدِّ التطابق الاصطلاحي؟ لو كان الأمر كذلك ما جاز التفريق بينهما بذكر قاعدتين منفصلتين، ولكان الأصوب أن يقال: الضرورات والحاجات تبيح المحظورات. لكن الصواب أن الحاجة لا يمكن اعتبارها قائمةً مقامَ الضرورة اصطلاحًا، ومطابقةً لمعناها ومؤديةً لمقتضاها تمامَ المطابقة والاقتضاء. والأصل أن الضرورات وحدها هي التي تبيح المحظورات، وأن هذا الحكم لا ينسحب على الحاجات، وقد قال الشافعي ﵀: "وليس يحل بالحاجة محرم إلَّا في الضرورات" (١). وقال أيضًا: "الحاجة لا تحق لأحد أن يأخذ مال غيره" (٢). وإذا كان الأمر كذلك فإن المصالح الحاجية لا تبيح ما تبيحه المصالح الضرورية، وذلك مبني على أن المشقة الحاصلة في الثانية أفدح منها في الأولى، حتى يطلق على المصالح الضرورية أنها من باب درء المفاسد، كما يطلق على المصالح الحاجية أنها من باب جلب المصالح (٣).

стр. 482

وأكثر العلماء رأوا أن المصالح الحاجية لا يترتب عليها حكم (١). قال الطوفي (٢): "لا يجوز للمجتهد أنه كلما لاح له مصلحة تحسينية أو حاجية اعتبرها ورتب عليها الأحكام حتى يجد لاعتبارها شاهدًا من جنسها" (٣). وقال ابن قدامة: "فهذان الضربان (يعني: ما يقع في الحاجيات والتحسينيات) لا نعلم خلافًا في أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل، فإنه لو جاز ذلك كان وضعًا للشرع بالرأي، ولما احتجنا إلى بعثة الرسل" (٤). وذلك "لأن الحنيفية السمحة إنما أتى فيها السماح مقيدًا بما هو جارٍ على أصولها، وليس تتبع الرخص، ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها" (٥). فالترخص بارتكاب الحرام القطعي وإباحته لا بد فيه من أعلى الرتب التي تبيح المخالفة للنص، وتحقق الاستثناء منه. قال القرافي: "الفرق الحادي والثلاثون والمائة: بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة، ويشترط فيها أعلى الرتب، وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة يكفي لها أيسر الأسباب" (٦). فالحاجة ليست من أعلى الرتب، بخلاف الضرورة التي تبيح ارتكاب النهي الذي

стр. 483

يدل على الحرمة غالبًا، والتحريم على رتب أيضًا، فمنه ما يحرم تحريم المقاصد، ومنه ما يكون تحريم وسائل وذرائع، والأول أشدُّ من الثاني. يقول القرافي: "موارد الأحكام على قسمين؛ مقاصد: وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد" (١). وعليه: فإن النص الدال على التحريم لا يُعارَض إلَّا بالضرورة، ولا تقوى الحاجة -في الأصل- على معارضته، بل الحاجة لا تؤثِّر حيث يوجد نص بخلافها، ولا تعتبر عندئذٍ. يقول ابن نجيم: "المشقة والحرج إنما يعتبران في موضعٍ لا نص فيه، وأما مع النص بخلافه فلا؛ ولذا قال أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله- بحرمة رعي حشيش الحرم المكي وقطعه إلَّا الإذخر" (٢). وعليه: فيمكن أن نرصد بين الضرورة والحاجة التي تنزل منزلة الضرورة الفروق التالية: ١ - الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة ليس فيها مخالفة لنص معين غالبًا. أما الضرورة فإنها من قبيل الأحكام الاستثنائية التي وردت على خلاف النص. ولذلك فالحاجة -غالبًا- إنما تعتبر في موضع لا نص فيه بخلاف الضرورة، فإنها تعتبر ولا بد في موضع النص. فالضرورة تُعْرَفُ بمعارضتها للنص ومخالفتها له، والحاجة تجري على وفق النص ولا تقوى على معارضته. ٢ - وقد انبنى على هذا الفرق أثر كبير؛ حيث إن الترخص لأجل الضرورة مشروط ومقيد بزمن محدد، وحالٍ معينة، وهي حال قيام العذر، كأكل الميتة لمن أشرف على الهلكة.

стр. 484

أما الترخص لأجل الحاجة فإنه يأخذ صفة الدوام والاستمرار -غالبًا-، ويكون لكل أحد، وينتفع به المحتاج وغيره. ٣ - النصوص التي شرعت ما يتعلق بالضرورة من استثناء، ويرتبط بها من أحكام، نصوص واضحة محددة، تتعلق برفع حرج وشدة من نوع خاص، كآيات إباحة الميتة للمضطر، والنطق بكلمة الكفر للمكرَه، في حين أن النصوص التي شرعت ما يتعلق بالحاجة من أحكام تتعلق برفع الحرج بصفة عامة، فهي أعمُّ من نصوص الضرورة، وأقلُّ تحديدًا، كنصوص إباحة السَّلَم والإجارة ونحوها. ٤ - الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة في المعنى الفقهي تختص بارتكاب منهي ضعف دليله، وتدنَّت مرتبته في سُلَّم المنهيات، وهو ما يعرف بالمحرم لغيره، وما كان تحريمه من باب تحريم الوسائل لا المقاصد، وهو ما يعبر عنه بقولهم: ما فهي عنه سدًّا للذريعة. بخلاف الضرورة فإنها تبيح ارتكاب المحرم لغيره، وتبيح ارتكاب المحرم لذاته، وهو ما نهي عنه وحرم تحريم المقاصد، ومن القواعد: ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة (١). ومعلوم أن ما حرم سدًّا للذريعة أخفُّ مما حرم تحريم المقاصد (٢). قال ابن القيم: "وما حرم سدًّا للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة، كما أُبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أُبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أُبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم.

стр. 485

وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسدِّ ذريعة التشبه بالنساء الملعون فاعله، وأُبيح منه ما تدعو إليه الحاجة" (١). وعليه: فإن أهم الفروق الجوهرية بين الضرورة والحاجة تتبدى في جهات ثلاث، هي: ١ - مرتبة المشقة: فهي في أعلى الرتب في حال الضرورة، ودون ذلك في حال الحاجة. ٢ - مرتبة النهي: فالنهي المرتَكَبُ في حال الضرورة هو ما كان من قبيل المقاصد والوسائل، وأمَّا في حال الحاجة فيقتصر على ما هو من قبيل الوسائل، أو ما نهي عنه سدًّا للذريعة. ٣ - مرتبة الدليل: فما ارتبط بالضرورة من أدلة كانت واضحة ومحددة، تتعلق برفع حرج من نوع خاص، وما ارتبط بالحاجة فكانت الأدلة أعم منها في حال الضرورة، وتعلقت برفع الحرج إجمالًا. وبناءً على هذا فإن الحاجات لا تبيح ما كان النهي فيه قويًّا، أو من باب المقاصد، وهذا لا يجعل قولهم: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة" مطَّردًا. وعلاوةً على ذلك فإن الحاجة لا ترفع النص، ولا تُوقف العملَ به، كما في الضرورة، وغاية مجالها هو: تخصيص العموم عند من يراها، وبخاصة ما كان تناوله بالعموم ضعيفًا، وقد تُخالف قياسًا، أو تَستثني من قاعدة فقهية. والحق أنها تخصص استنادًا للاستصلاح أو الاستحسان الذي يعتمد على الحاجة (٢). وبالجملة فإن ما ذكر من الحاجة التي تبيح المحرم إنما هي في حقيقتها توسع في معنى الضرورة وزيادة في نطاقها لا غير، حيث يشترط في تلك الحاجة المبيحة أن تكون موصوفة بقدر من المشقة الزائدة والشدة الظاهرة.

стр. 486

وذلك بأن يعم البلاء بهذه الحاجة ويكثر، أو يجري عليها تعامل، أو يكون لها نظير في الشرع يمكن إلحاقها به، واشترط أيضًا أن تكون الحاجة مؤقتة غير دائمة؛ ذلك أن الحاجة منها ما يلتحق بالضرورة في كونها تقدر بقدرها، مثل: خروج المعتكف من المسجد لحاجته، ونظر الطبيب إلى عورة المريض إذا دعت حاجة إلى ذلك (١). ولأجل هذا المعنى قسَّم بعضُ العلماء الحاجةَ إلى عادية: لا تبيح ارتكاب المحظور الشرعي، وضرورية وهي التي تنزل منزلة الضرورة في إباحة ارتكاب النهي (٢). ومن ثَمَّ قُسِّمت الحاجة الضرورية إلى نوعين: مؤقتة، ودائمة. فالدائمة هي الحاجة العامة للمحتاج وغيره، مثل: إباحة السَّلَم، والإجارة، فهذا النوع لا يُقدَّر بقدره، وهذا ما قد يسميه بعض العلماء بالمعدول به عن القياس، أو المخالف للقياس، وليس ثمة إباحةٌ لمنهيٍّ أو ارتكابٌ للنهي. وأما الحاجة المؤقتة فهي المقيدة بسبب خاص، وتعلقت بمحتاج دون غيره، كاطلاع الطبيب على عورة مريض، أو مداواة الرجل للنساء والعكس، وخروج المعتكف لحاجة، فهذا النوع ينزل منزلة الضرورة، وعليه فلا تزيد هذه الحاجة عن أن تكون توسيعًا لمعنى الضرورة الفقهية المبيحة للمحظور. وتلخيصاً لما تقدم يمكن أن يقال: إن الضرورة والحاجة لها معنيان: أصولي، وفقهي، على النحو التالي: فالضرورة في معناها الأصولي: كلي ينتظم الأحكام التي بها قوام الأديان والأبدان. والضرورة في معناها الفقهي: شدة وضيق في المرتبة القصوى تبيح المحرم. والحاجة في معناها الأصولي: كلي أَورث عدمُ اعتباره مشقةً وحرجًا للعامة، وأدَّى

стр. 487

اعتباره إلى سهولة ويسر، فكان أصلًا لعقود منصوصة حادت عن قياس، أو خرجت عن قاعدة كلية، أو أدى إليها اجتهاد مجتهد استصلاحًا أو استحسانًا. والحاجة في معناها الفقهي: تلحق بالضرورة في معناها الفقهي في إباحة منهي ضعف دليله، وتدنت مرتبته في سُلَّمِ المنهيات (١). ويُمَثَّلُ للحاجة في المعنى الأصولي: ببيع العرايا والسَّلَمِ، والجمع بين المغرب والعشاء للمطر، وجمع المسافر، وصلاة الخوف، وتضمين الأجير المشترك، وجواز تلاوة الحائض للقرآن إذا خشيت النسيان (٢). ويُمَثَّلُ للحاجة في المعنى الفقهي: بصحة بيع الثمر قبل بدو صلاحه بشرط قطعه، فهذه حاجة فقهية، والأصل عدم الجواز قبل بدو الصلاح، فلما احتيج وشرط القطع جاز، وهذا بخلاف السَّلَمِ فإنه جائز مطلقًا ولكل أحد، أما بيع الثمر قبل بدو الصلاح فأمر خاص بمن احتاج إليه، وهو توسع في معنى الضرورة الفقهية (٣). تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: جمهور الفقهاء يرون أن يهجر المسلم دار الكفر، وألَّا يقيم إقامة دائمة إلا بين المسلمين الذين يتحاكمون إلى الإِسلام ويحكمون به؛ وذلك لأن الإقامة بغير دار المسلمين تنشأ عنها نوازل متعددة، منها: ما يمس المعاملات، ومنها: ما يمس المناكحات، ومنها: ما يمس الولايات، وهكذا الأمر حين يغيب سلطان الشريعة عن البلاد والعباد.

стр. 488

وإذا كان من الفقهاء من أباح الإقامة بدار كفر إذا قدر المسلم على إظهار دينه (١)، مستدلين ببقاء النجاشي المسلم في قومه (٢)، وبأدلة أخرى سوف تأتي في موضعها بمشيئة الله، إلَّا أن هذا الخلاف إنما يتأتى إذا كان قادرًا على إظهار دينه وممارسة عبادته، أمَّا إذا كان مدعوًّا للانسلاخ من دينه بالكلية والفتنة في عقيدته، والصد عن عبادته، فتحرم عندئذٍ الإقامة، وتجب الهجرة إلى مكان خير من مكانه. ويتأكد طلب الخروج من ديار الكفار إذا كان المسلم المقيم لا يستطيع تربية أبنائه تربية إسلامية، أو كان بيته مهددًا بالتحلل الخلقي، ووجد سبيلًا إلى الإقامة في بلد إسلامي فيه بقية من أخلاقه؛ فالعبرة في الموازنة بين البلدان من حيث الصلاح والفساد (٣). وقد توجد حاجات شديدة تدعو إلى الإقامة في بلاد القوم، لمن لم يجد سبيلًا إلى الإقامة في بلد إسلامي فيه بقية من أخلاق أو أمان بالنسبة له. أو تلجئ حاجة طبية أو غيرها إلى إقامة ولو مؤقتة، فتباح عندئذٍ الإقامة، وربما جازت الجنسية في أحوال معينة أخرى، بناءً على تنزيل الحاجة الشديدة والمشقة الكبيرة منزله الضرورة. ولتحقيق هذا القدر من إقامة الدين والأمن على الأنفس والأموال في غير بلاد المسلمين تمس حاجة إلى مشاركة سياسية، وأخرى اجتماعية، وثالثة اقتصادية. ومن أجل رفع تلك المشقات، وتلبية تلك الاحتياجات وُجِدَ من يبيح تلك المشاركات السياسية بضوابط شرعية وواقعية (٤).

стр. 489

كما وُجِدَ من يتعامل مع مبدأ المواطنة؛ ليقرر أن الولاء للوطن ليس منافيًا للولاء للدين في حدود الضوابط الشرعية الممكنة (١). كما وُجدت فتاوي تعطي المراكز الإسلامية في غير بلاد المسلمين ولاية شرعية جزئية في قضايا الأقليات، بناءً على القول بقيام جماعة المسلمين مقام القاضي، وهي قاعدة معروفة عند المالكية (٢). وهي تقابل نظرية ولاية أهل الحل والعقد عند علماء السياسة الشرعية. كما أبيحت أنواع من الأعمال في قطاعات متعددة؛ كالقطاع التجاري الخاص، أو القطاعات الرسمية الحكومية، وذلك كله بالنظر إلى قاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة، ورعاية هذه المشقات الكبيرة التي يتعرض لها أهلُ الإسلامِ المقيمون في غير بلاده.

стр. 490

المبحث الخامس القواعد المتعلقة بالمقاصد ويُعْنَى بالمقاصد: المقاصد الشرعية ومقاصد المكلفين في الأفعال. المطلب الأولى: القواعد الأصولية والمقاصدية المتعلقة بالمقاصد: القاعدة الأولى: وضع الشريعة إنما هو لحفظ مقاصدها بإقامة مصالح العباد في العاجل والآجل (١): المعنى العام للقاعدة: يحسن قبل عرض معنى القاعدة التعرف على معنى مقاصد الشريعة، وبعد ذلك التعرض لمعنى المصالح بشيء من التفصيل. المقاصد -لغة-: جمع مقصد، والمقصد: مصدر ميمي مشتق من الفعل قصد، فيقال: قصد يقصد قصدًا، ومقصدًا، وعليه: فإن المقصد له معانٍ لغويةٌ كثيرةٌ، منها: الأمُّ، الاعتماد، والتوجه، واستقامة الطريق، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩]. ومنها: التوسط وعدم الإفراط والتفريط، قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] (٢). وفي الحديث قوله ﷺ : "القصدَ القصدَ تبلغوا" (٣).

стр. 491

والمقاصد -اصطلاحًا-: لم يوجد عند العلماء الأوائل تعريف واضح ودقيق لمقاصد الشريعة، وإنما وجدت كلمات وجمل لها تعلق ببعض أنواعها وأقسامها، وببعض تعبيراتها ومرادفاتها، وبأمثلتها وتطبيقاتها، وبحجيتها وحقيقتها. فقد ذكروا الكليات المقاصدية الخمس: "حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل أو النسب، والمال"، وذكروا المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية. وذكروا بعض الحكم والأسرار والعلل المتصلة بأحكامها وأدلتها، وذكروا أدلة من المنقول والمعقول دالة على حقيقة المقاصد، وحجيتها، ووجوب مراعاتها، والاعتماد عليها بشروط معينة، وضوابط مقررة، وبدون الخروج عن الشرع أو معارضة أدلته ومصادمة تعاليمه وقواعده وأصوله. كما أنهم عبروا عن المقاصد بتعبيرات كثيرة دلت في مجملها بالتصريح والتلميح على التفاوت بين هؤلاء الأعلام في مراعاة المقاصد واستحضارها عملية فهم النصوص والأحكام، والاجتهاد فيها، والترجيح بينها. ومن تلك التعبيرات والاشتقاقات: المصلحة، والحكمة، والعلة، والمنفعة، والمفسدة، والأغراض، والغايات، والأهداف والمرامي، والأسرار، والمعاني، والمراد، ونفي الضرر والأذى، وغير ذلك مما هو مبثوث في مصادره ومظانه (١). ومع أن الإمام الشاطبي يعد أول من أفرد المقاصد الشرعية بالتأليف، وتوسع فيها

стр. 492

بما لم يحصل لأحد قبله، إلا أنه لم يورد اصطلاحًا خاصًّا في تعريفها وضبطها، ولعله لم يشأ التقيد بالحدود المنطقية، ويؤيد ذلك انتقاده لنظرية الحد عن المناطقة. تعريف العلماء المعاصرين للمقاصد: لقد حظيت مقاصد الشريعة في العصر الحديث، بعناية خاصة من قبل المعاصرين؛ وذلك لأهميتها ودورها في الاجتهاد الفقهي، وفي معالجة قضايا الحياة المعاصرة في ضوء الأدلة والنصوص، والقواعد الشرعية، وكان من ضروب هذا الاعتناء: تدوين المقاصد وتأليفها واعتبارها علمًا شرعيًّا وفنًّا أصوليًّا له كسائر العلوم والفنون تعريفاته ومصطلحاته وتقسيماته، وغير ذلك. وقد وردت عدة تعريفات معاصرة نوردها فيما يلي: ١ - عرف الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور المقاصد بأنها: "المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة، وغاياتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها. . . ويدخل في هذا معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها" (١). وعرفها الشيخ علال الفاسي بقوله: "المراد بمقاصد الشريعة الإسلامية: الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها" (٢). وعرفها فضيلة الدكتور أحمد الريسوني بقوله: "إن مقاصد الشريعة هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد" (٣).

стр. 493

وعرفها فضيلة الدكتور محمد اليوبي بقوله: "هي المعاني والحكم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عمومًا وخصوصًا من أجل تحقيق مصالح العباد" (١). كما عرفها فضيلة الدكتور نور الدين الخادمي بأنها: "المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية، والمترتبة عليها، سواء أكانت تلك المعاني حكمًا جزئية، أم مصالح كلية، أم سمات إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد، هو: تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين" (٢). وظاهر من التعريفات السابقة أن المقاصد تعني: الأهداف، والغايات، والحكم العليا من وضع الشريعة، وسن الأحكام في العاجل والآجل. والوقوف على المقاصد العامة للشريعة نافع مفيد في جهات كثيرة، ومجالات عديدة، من ذلك: أن يكون قصد المكلف موافقًا لقصد التشريع، وفي ذلك تحقيق العبودية لله بما يريده الله. والمقاصد الشرعية تنحصر في أقسام ثلاثة: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. والضروريات: هي كليات تنتظم الأحكام التي بها قوام الأديان والأبدان (٣). أو يقال: إنها ما ينتظم المحافظة على ضرورات الحياة الخمس من جهة الوجود، ومن جهة العدم (٤). وحفظ الشريعة للمصالح الضرورية وغيرها يتم على وجهين يكمل أحدهما الآخر، وهما: حفظها من جانب الوجود، وذلك بشرع ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها.

стр. 494

حفظها من جانب العدم، وذلك بشرع ما يدرأ عنها الاختلال الواقع، أو المتوقع فيها (١). والضروريات أصل للحاجيات والتحسينيات. أما الحاجيات: فهي كليات أورث عدم اعتبارها مشقةً وحرجًا للخلق عامة، وأدَّى اعتبارها إلى يسر وسهولة (٢). والحاجيات رتبة متأخرة عن الضروريات، فما كان من قبيل الضروريات فهو أرفع رتبة مما هو من قبيل الحاجيات تأصيلًا وتعليلًا، فالحاجيات مثلًا لا تؤثر فيما ثبت فيه النهي بأدلة قوية، كتحريم الميتة والخمر والخنزير، وإنما الذي يؤثر فيها هو الضروريات. والحاجيات تؤثر في مرتبة المنهيات التي لا توصف بأنها في أعلى رتب المنهيات؛ إذ إن محرمات المقاصد ليست في الحرمة كمحرمات الوسائل والذرائع. وأما التحسينيات: فهي كليات أورث عدم اعتبارها غياب المكرمات، واستقباح الحياة، وأدى اعتبارها إلى تحصيل الكمالات في الأمور الدينية والدنيوية. ورتبة التحسينيات دون رتبة الحاجيات؛ لأنه بفوات التحسينيات لا يترتب حرج، أو إعنات، وإنما تصبح الحياة مستقبحة في نظر العقول الراجحة، والنفوس الكريمة، فهي بمثابة المكمل للحاجيات، والحاجيات بمثابة المكمل للضروريات. وبمعرفة هذه المقاصد يتبين للمسلم مقدار ما حققه منها، فيزداد إيمانًا وتمسكًا بشريعته، وفي حال نقصه يعمل على استدراك ما فرَّط فيه، وتحقيق هذه المقاصد التي جُعلت سببًا للفوز في الدارين. تعريف المصالح -لغة-: المصالح: جمع مصلحة، وهي مصدر ميمي من صلُح يصلُح،

стр. 495

وهي ضد المفسدة، والصلاح ضد الفساد، ويقال: المصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنًى (١). تعريف المصلحة -اصطلاحًا-: المصالح هي: اللذات وأسبابها، والمفاسد: الآلام وأسبابها، أو الأضرار وأسبابها (٢)، فتكون المصلحة متمثلة في جلب المنافع وما يوصل إليها، وتكون المفسدة متمثلة في درء الآلام والأضرار وما يوصل إليها (٣). ويقول الرازي (٤): "المصلحة لا معنى لها إلا اللذة، أو ما يكون وسيلة إليها، والمفسدة لا معنى لها إلا الألم، أو ما يكون وسيلة إليه" (٥). وهذه المنفعة لا تقتصر على كونها مادية، بل قد تكون معنوية كذلك، وهو ما ينبه عليه الشاطبي بقوله: "أعني بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه، ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق، حتى يكون منعمًا على الإطلاق" (٦). فقوله: ما تقتضيه أوصافه الشهوانية إشارة إلى الجانب المادي للمصلحة. وقوله: والعقلية، تنبيه إلى الجانب المعنوي للمصلحة أيضًا. وقال الشوكاني: "قال الخوارزمي والمراد بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق" (٧).
следующие страницы →