والمقاصد -اصطلاحًا-: لم يوجد عند العلماء الأوائل تعريف واضح ودقيق لمقاصد الشريعة، وإنما وجدت كلمات وجمل لها تعلق ببعض أنواعها وأقسامها، وببعض تعبيراتها ومرادفاتها، وبأمثلتها وتطبيقاتها، وبحجيتها وحقيقتها.
فقد ذكروا الكليات المقاصدية الخمس: "حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل أو النسب، والمال"، وذكروا المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية.
وذكروا بعض الحكم والأسرار والعلل المتصلة بأحكامها وأدلتها، وذكروا أدلة من المنقول والمعقول دالة على حقيقة المقاصد، وحجيتها، ووجوب مراعاتها، والاعتماد عليها بشروط معينة، وضوابط مقررة، وبدون الخروج عن الشرع أو معارضة أدلته ومصادمة تعاليمه وقواعده وأصوله.
كما أنهم عبروا عن المقاصد بتعبيرات كثيرة دلت في مجملها بالتصريح والتلميح على التفاوت بين هؤلاء الأعلام في مراعاة المقاصد واستحضارها عملية فهم النصوص والأحكام، والاجتهاد فيها، والترجيح بينها.
ومن تلك التعبيرات والاشتقاقات:
المصلحة، والحكمة، والعلة، والمنفعة، والمفسدة، والأغراض، والغايات، والأهداف والمرامي، والأسرار، والمعاني، والمراد، ونفي الضرر والأذى، وغير ذلك مما هو مبثوث في مصادره ومظانه (١).
ومع أن الإمام الشاطبي يعد أول من أفرد المقاصد الشرعية بالتأليف، وتوسع فيها
стр. 492
بما لم يحصل لأحد قبله، إلا أنه لم يورد اصطلاحًا خاصًّا في تعريفها وضبطها، ولعله لم يشأ التقيد بالحدود المنطقية، ويؤيد ذلك انتقاده لنظرية الحد عن المناطقة.
تعريف العلماء المعاصرين للمقاصد:
لقد حظيت مقاصد الشريعة في العصر الحديث، بعناية خاصة من قبل المعاصرين؛ وذلك لأهميتها ودورها في الاجتهاد الفقهي، وفي معالجة قضايا الحياة المعاصرة في ضوء الأدلة والنصوص، والقواعد الشرعية، وكان من ضروب هذا الاعتناء: تدوين المقاصد وتأليفها واعتبارها علمًا شرعيًّا وفنًّا أصوليًّا له كسائر العلوم والفنون تعريفاته ومصطلحاته وتقسيماته، وغير ذلك.
وقد وردت عدة تعريفات معاصرة نوردها فيما يلي:
١ - عرف الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور المقاصد بأنها:
"المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة، وغاياتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها. . . ويدخل في هذا معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها" (١).
وعرفها الشيخ علال الفاسي بقوله: "المراد بمقاصد الشريعة الإسلامية: الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها" (٢).
وعرفها فضيلة الدكتور أحمد الريسوني بقوله: "إن مقاصد الشريعة هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد" (٣).
стр. 493
وعرفها فضيلة الدكتور محمد اليوبي بقوله: "هي المعاني والحكم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عمومًا وخصوصًا من أجل تحقيق مصالح العباد" (١).
كما عرفها فضيلة الدكتور نور الدين الخادمي بأنها: "المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية، والمترتبة عليها، سواء أكانت تلك المعاني حكمًا جزئية، أم مصالح كلية، أم سمات إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد، هو: تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين" (٢).
وظاهر من التعريفات السابقة أن المقاصد تعني: الأهداف، والغايات، والحكم العليا من وضع الشريعة، وسن الأحكام في العاجل والآجل.
والوقوف على المقاصد العامة للشريعة نافع مفيد في جهات كثيرة، ومجالات عديدة، من ذلك: أن يكون قصد المكلف موافقًا لقصد التشريع، وفي ذلك تحقيق العبودية لله بما يريده الله.
والمقاصد الشرعية تنحصر في أقسام ثلاثة:
الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات.
والضروريات: هي كليات تنتظم الأحكام التي بها قوام الأديان والأبدان (٣).
أو يقال: إنها ما ينتظم المحافظة على ضرورات الحياة الخمس من جهة الوجود، ومن جهة العدم (٤).
وحفظ الشريعة للمصالح الضرورية وغيرها يتم على وجهين يكمل أحدهما الآخر، وهما:
حفظها من جانب الوجود، وذلك بشرع ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها.
стр. 494
حفظها من جانب العدم، وذلك بشرع ما يدرأ عنها الاختلال الواقع، أو المتوقع فيها (١).
والضروريات أصل للحاجيات والتحسينيات.
أما الحاجيات: فهي كليات أورث عدم اعتبارها مشقةً وحرجًا للخلق عامة، وأدَّى اعتبارها إلى يسر وسهولة (٢).
والحاجيات رتبة متأخرة عن الضروريات، فما كان من قبيل الضروريات فهو أرفع رتبة مما هو من قبيل الحاجيات تأصيلًا وتعليلًا، فالحاجيات مثلًا لا تؤثر فيما ثبت فيه النهي بأدلة قوية، كتحريم الميتة والخمر والخنزير، وإنما الذي يؤثر فيها هو الضروريات.
والحاجيات تؤثر في مرتبة المنهيات التي لا توصف بأنها في أعلى رتب المنهيات؛ إذ إن محرمات المقاصد ليست في الحرمة كمحرمات الوسائل والذرائع.
وأما التحسينيات: فهي كليات أورث عدم اعتبارها غياب المكرمات، واستقباح الحياة، وأدى اعتبارها إلى تحصيل الكمالات في الأمور الدينية والدنيوية.
ورتبة التحسينيات دون رتبة الحاجيات؛ لأنه بفوات التحسينيات لا يترتب حرج، أو إعنات، وإنما تصبح الحياة مستقبحة في نظر العقول الراجحة، والنفوس الكريمة، فهي بمثابة المكمل للحاجيات، والحاجيات بمثابة المكمل للضروريات.
وبمعرفة هذه المقاصد يتبين للمسلم مقدار ما حققه منها، فيزداد إيمانًا وتمسكًا بشريعته، وفي حال نقصه يعمل على استدراك ما فرَّط فيه، وتحقيق هذه المقاصد التي جُعلت سببًا للفوز في الدارين.
تعريف المصالح -لغة-: المصالح: جمع مصلحة، وهي مصدر ميمي من صلُح يصلُح،
стр. 495
وهي ضد المفسدة، والصلاح ضد الفساد، ويقال: المصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنًى (١).
تعريف المصلحة -اصطلاحًا-: المصالح هي: اللذات وأسبابها، والمفاسد: الآلام وأسبابها، أو الأضرار وأسبابها (٢)، فتكون المصلحة متمثلة في جلب المنافع وما يوصل إليها، وتكون المفسدة متمثلة في درء الآلام والأضرار وما يوصل إليها (٣).
ويقول الرازي (٤): "المصلحة لا معنى لها إلا اللذة، أو ما يكون وسيلة إليها، والمفسدة لا معنى لها إلا الألم، أو ما يكون وسيلة إليه" (٥).
وهذه المنفعة لا تقتصر على كونها مادية، بل قد تكون معنوية كذلك، وهو ما ينبه عليه الشاطبي بقوله: "أعني بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه، ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق، حتى يكون منعمًا على الإطلاق" (٦).
فقوله: ما تقتضيه أوصافه الشهوانية إشارة إلى الجانب المادي للمصلحة.
وقوله: والعقلية، تنبيه إلى الجانب المعنوي للمصلحة أيضًا.
وقال الشوكاني: "قال الخوارزمي والمراد بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق" (٧).
стр. 496
وقال ابن قدامة: والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها (١).
والمصالح الشرعية هي المستندة إلى الشرع وهي التي لا تعارض نصًّا ولا إجماعًا، وهي ما يشمل الدنيا والآخرة معًا، ومصلحة الدنيا في إقامة الحياة على منهج الله تعالى بإقامة الدين وبحفظ النفس والنسل والعقل والمال، ومصلحة الآخرة فبإدراك نعيم الجنة، ومرضاة الله تعالى والنجاة من النار.
والمصلحة الشرعية لا تتوقف عند حدود الزمان وإنما تشمل كل زمان، وذلك "بخلاف المصلحة لدى أرباب النظم الوضعية؛ إذ يقيسون المصالح والمفاسد بمعايير ضيقة محدودة بعمر الدنيا وحدودها" (٢).
وتبين مما سبق أن المصالح الشرعية هي مقاصد الشارع ومراده، أي: أن الشارع قد قصد تلك المصالح وأراد تحصيلها بالنسبة للمكلف من خلال القيام بالأحكام الشرعية، فالقيام بالفرائض والتعاليم الدينية يؤدي إلى تحقيق مصالح عبادة الله وجلب مرضاته والفوز بجناته وإراحة وطمأنة نفس المكلف.
وهذه المصالح أرادها الشارع بتشريعه الأحكام فهي مقصوده ومراده، غير أن هذه المصالح التي قصدها الشارع تعود على المكلف وتؤول إليه، وليس تؤول إلى الله. . . وعليه فإن المقاصد هي نفسها المصالح الشرعية (٣).
وهذه القاعدة التي تؤكد على ابتناء الشريعة على رعاية المقاصد والمصالح معًا، قد توافق على القول بمضمونها الأصوليون قاطبة فيما يعتبر إجماعًا فهذا العز ابن عبد السلام ﵀، يقول:
стр. 497
"التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم" (١).
وابن تيمية ﵀ يقرر هذه القاعدة بقوله: "الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها" (٢).
وعلى نفس المنوال نسج القرافي ﵀ فقال: "فإن أوامر الشرع تتبع المصالح الخالصة أو الراجحة، ونواهيه تتبع المفاسد الخالصة أو الراجحة" (٣).
وقال الرازي ﵀: "إنا لما تأملنا الشرائع وجدنا الأحكام والمصالح متقارنين لا ينفك أحدهما عن الآخر، وذلك معلوم بعد استقرار أوضاع الشرائع، وإذا كان كذلك كان العلم بحصول هذا مقتضيًا ظنَّ حصولِ الآخر وبالعكس من غير أن يكون أحدهما مؤثرًا في الآخر وداعيًا إليه" (٤).
وينقل الآمدي ﵀ إجماع الأئمة على تعليل الشريعة بجلب المصالح ودفع المفاسد فيقول: "وأما الإجماع فهو: أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله لا تخلو من حكمة مقصودة، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب كما قالت المعتزلة، أو بحكم الاتفاق والوقوع من غير وجوب كقول أصحابنا" (٥).
ونقل الطوفي هذا الإجماعَ، فقال: "وأما الإجماع فقد أجمع إلا من لا يعتد به من جامدي الظاهرية، على تعليل الأحكام، بالمصالح ودرء المفاسد" (٦).
وبناءً على ما سبق فإن الظاهرية هم نفاة التعليل في الأحكام الشرعية إلا ما نص فيه على
стр. 498
علته، وذلك الموقف اعتقادي لا يقبله عامة أهل السنة حيث يرى ابن حزم أن القول بتعليل الأحكام يلزم عنه اعتقاد أن الله شرع الشرائع لعلل أوجبت عليه أن يشرعها (١).
ثم يعود ابن حزم ﵀ فيقرر أن الحكم قد يشرع لسبب، ويكون عندئذٍ سببًا بشرط أن يرد نص يفيد سببية حيث قال: "ولسنا ننكر أن يكون الله تعالى جعل بعض الأشياء سببًا لبعض ما شرع من الشرائع، بل نقر ذلك ونثبته حيث جاء به النص" (٢).
أدلة القاعدة:
ولعله من المناسب أن يكون الرد على ابن حزم من خلال إقامة الأدلة على هذه القاعدة من الكتاب، والسنة، علاوة على ما سبق ذكره وتقريره من أقوال علماء الشريعة، وما نقل من الإجماع عليها.
أولًا: القرآن الكريم:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
قال الشوكاني: "أي: ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة، فإن ما بعثتَ به سبب لسعادة الدارين" (٣).
والرحمة التي جعلت علة لرسالة النبي ﷺ لا يمكن أن تقوم أو تتحقق إلا إذا كانت الشريعة نفسها مقيمة لما يحقق مصلحة المكلفين على الجملة، ومانعة لما يلحق الفساد بهم؛ إذ لا تتصور الرحمة بحال إذا لم تكفل الشريعة إقامة المصالح ومنع المفاسد (٤).
стр. 499
٢ - قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤، ٢٠٥].
وجه الدلالة:
نعيه سبحانه على المفسدين في الأرض يدل على أنه يطلب من الإنسان أن يكون تصرفه في هذا العالم موافقًا لصلاح ما تقتضيه الحكمة من خلقه.
كما بين سبحانه في ختام الآية أنه لا يحب الفساد، ومفهومها أنه يحب الصلاح؛ ولذا أقام التشريع محققًا للصلاح، ومانعًا من الفساد.
٣ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
وجه الدلالة:
إكرام بني آدم يقتضي تشريع ما فيه صلاح الإنسان، وتحصيل سعادته في الدارين.
٤ - الأدلة التي فيها تعليل الأحكام بتحصيل المنافع الدينية في الدنيا والآخرة:
قال تعالى في ختام آية تشريع الوضوء: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وعقب تشريع الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وعقب تشريع الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وتعليل العبادة بغاية التقوى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١].
٥ - النص على علل الأحكام الجزئية، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ
стр. 500
رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢].
وقال تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].
وجه الدلالة:
هذه النصوص تدل على العلية بشكل ظاهر.
ثانيًا: السنة المطهرة:
• ما ورد مما يدل على أن الشريعة سمحة سهلة ميسرة:
١ - قوله ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة" (١).
٢ - قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢).
٣ - قوله ﷺ : "إن الدين يسرٌ ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه" (٣).
وجه الدلالة:
هذه الأحاديث تدل على قصد الشارع مصلحةَ العباد، ولو لم يُرِدْ ذلك لما يسر عليهم، ولما رفع الحرج عنهم، ولما نفى العنت والمشقة في الدين.
• النص على كثير من المقاصد والحكم للتشريعات النبوية:
١ - قوله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" (٤).
стр. 501
٢ - قوله ﷺ : "إِنَّما نهَيتُكم مِن أجْلِ الدَّافَّةِ التي دَفَّتْ فكلُوا وادَّخروا وتصدَّقوا" (١).
وجه الدلالة:
تضمنت الأحاديث تنصيصًا على العلية؛ وذلك لتحقيق مصالح حفظ العورات وصيانة الحرمات، وحياطة الأعراض في الحديث الأول، وتحقيق التكافل الاجتماعي، والتواصل بين الأغنياء والفقراء في الحديث الثاني.
ثالثًا: الإجماع:
تقدم ما نقله الآمدي والطوفي من حصول الإجماع على تعليل الأحكام بالمصالح، واتفاق أهل السنة والسلف على ذلك، وليس بطريق الوجوب كما تقوله المعتزلة، وإنما تفضلًا منه تعالى وإحسانًا (٢).
رابعًا: الاستقراء:
الناظر في الأحكام الجزئية المتعلقة برخص الصلاة والصوم والسفر والمرض والمطر يمكنه تقريرُ أمرٍ جامعٍ لتلك الأحكام وغيرها، وهذا الأمر هو التخفيف عن المكلف ورفع الحرج عنه، ومن تتبع أحكام البيع كمنعِ بيعِ السمك في الماء، والطير في الهواء، والعبد الآبق، والجمل الشارد، وما في بطون الأمهات، وما في أعماق البحار، وبطون الأرض من كنوز ومعادن يتوصل إلى تقرير أمرٍ كليٍّ متعلق بمنع بيع المعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وعلة ذلك وحكمته إبطال الغرر والضرر والجهالة المفضية إلى أكل أموال الناس بالباطل، والمؤدية إلى حصول التنازع والخصومة (٣).
стр. 502
خامسًا: شواهد العقل والحس:
إن برهان صلاحية الشريعة قائم في الواقع فإن بقاءَها صالحةً لكل زمان ومكان وإنسان، وتطبيقها في كافة الأمصار أمرٌ يدل على انطوائها على مصالح العباد واستجابتها لحاجاتهم، وموافقتها لفطرهم السليمة، وعقولهم المستقيمة.
صيغ مشابهة للقاعدة:
عبَّر الشاطبي عن هذه القاعدة بتعبيرات عدة تتفق في جوهرها مع قاعدة ابتناء الشريعة على المصالح، فمن ذلك:
"التكليف كله إمَّا لدرء المفاسد، وإما لجلب المصالح، أو لهما معًا، فالداخل تحته مقتضٍ لما وضعت له" (١).
"الأعمال الشرعية غير مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخرى هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها" (٢).
"الأسباب الممنوعة أسباب للمفاسد لا للمصالح، كما أن الأسباب المشروعة أسباب للمصالح لا للمفاسد" (٣).
فكل فعل طاعة أَمَرَ به الشارع فهو سبب لتحقيق مصلحة؛ ولذلك أمر به، وكل فعل معصية نهى عنها فهو سبب لتحقيق مفسدة؛ ولذلك نهى عنه.
"المفهوم من وضع الشارع أن الطاعة والمعصية تعظم بحسب عظم المصلحة أو المفسدة الناشئة عنها" (٤).
стр. 503
وهذه القاعدة الأخيرة تشير إلى أن الشارع الحكيم لم يكتفِ بأن يعلم المكلف بأن في فعله للمأمور مصلحة له وفي اقترافه للمنهيات مفسدة تلحقه، وإنما ربط المصلحة بالطاعة؛ لتكون الطاعة حافزة على القيام بالفعل الصالح، وربط المفسدة بالمعصية؛ لتكون رادعة للمكلف عن اقتراف ذلك الفعل (١).
وقد قال العز ابن عبد السلام ﵀: "على رتب المصالح تترتب الفضائل في الدنيا والأجور في العقبى، وعلى رتب المفاسد تترتب الصغائر والكبائر وعقوبات الدنيا والآخرة" (٢).
كما تشير هذه القاعدة إلى أن المصلحة والمفسدة يرجع تقديرها والحكم عليها إلى الشارع الحكيم سبحانه، وليس إلى محض العقول أو مجرد الأهواء.
فالمراد بالمصلحة ما يعتد بها شرعًا ويرتب عليها مقتضياتها (٣) وعليه فقد ساق الشاطبي قاعدة بمثابة القيد للقاعدة التي معنا، وهي: "وضع الشريعة إذا سلم أنها لمصالح العباد، فهي عائدة عليهم بحسب أمر الشارع، وعلى الحد الذي حدَّه، لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم" (٤).
وليس في تقرير المصالح بالمنقول إزراء بالمعقول، فالعقل يدرك المصلحة والمفسدة، ولكنه ليس بشارع ولا حاكم، فهو مدرك للأحكام، وليس منشئًا لها، و"إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل " (٥).
وعليه فإن إدراك العقل للمصالح معتبر على أنه تابع لا متَّبَع، وانفلات العقل من
стр. 504
ضوابط الشرع يصيره هوى محضًا، وباطلًا صرفًا.
"والمصالح المجتلبة شرعًا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية" (١).
إن قاعدة وضع الشريعة لحفظ مقاصدها في الخلق بإقامة مصالح العباد في العاجل والآجل تدل بجلاء على أن الشريعة ما وضعت إلا لسعادة المكلف في الدنيا والآخرة.
والتكاليف الشرعية وإن وجد فيها ما لا ينفك عنها غالبًا من المشقات إلا أنها مشقات محمودة العاقبة في الأولى والآخرة.
والله ﵎ خلق العبد ليعبده، وبالألوهية يُفرده، دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فكانت العبادة غاية وعلة لوجود الخلق.
ثم إنه -تعالى شأنه- جعل العبادة لحكمة جليلة ومقصد سامٍ، ألا وهو تحصيل التقوى، وإنما تراد الأعمال لما يقوم بالقلب من أحوال، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقال جل وعلا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
ثم إن التقوى تعود عائدتها، وترجع فائدتها إلى المكلف وحده، فيسعد في الدنيا ولا يشقى، ويهنأ في الآخرة ويرضى.
فحصول البركة، وتيسير المعاش، وتتابع الخيرات، وتفريج الكربات، وانتظام
стр. 505
الحياة -كل ذلك من ثمرات التقوى التي بها يسعد الإنسان في الدنيا، وحصول النجاة، ودخول الجنات، ومجاورة الأنبياء، ورؤية وجه رب الأرض والسموات- كل ذلك من ثمرات التقوى التي بها يسعد الإنسان في الآخرة.
تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات:
كما تقدم فإن تطبيق هذه القاعدة في حياة الناس كافة، سواء أكانوا في ديار الإسلام أم خارجها -من شأنه أن يقيم الحياة ويحفظها، ويرعى ضروراتها، ويضبط مسيرتها.
وانطلاقًا مما تشهده تلك الديار من تطور مذهل وتقدم هائل في كافة المجالات، بل اعتدادًا بما يغشى عالم السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية في تلك الديار من تغيرات حثيثة، وتنظيمات متلاحقة، وتطورات متعاقبة؛ لذلك فإن توجيه مسائل الأقليات وتسديدها بتعاليم الدين ينبغي أن يقوم على اعتصام رشيد بالأصول الكلية، والقواعد العامة، والمقاصد الشرعية (١).
وإذا تحقق أن الشريعة تحفظ مقاصدها في الخلق بإقامة المصالح، ودفع المفاسد في كل زمان ومكان، فلا بد إذن من إعمال هذه القاعدة في حياة الأقليات، وهذا الإعمال يحتاج إلى استيعاب ما كتبه الأقدمون في المقاصد والمصالح، وتفهُّم ما قيده المعاصرون، ورتبوه وطبقوه على قواعد الأقدمين.
وفي أمثال ما كتبه القفال الكبير في محاسن الشريعة، والباقلاني في الأحكام والعلل، وما كتبه الجويني في البرهان، والغياثي، والغزالي في شفاء العليل، والعز ابن عبد السلام في قواعد الأحكام، والقرافي في الفروق، وابن تيمية في كثير من مصنفاته، وابن القيم في إعلام الموقعين، والطرق الحكمية، وبدائع الفوائد، والشاطبي في الموافقات،
стр. 506
والاعتصام، وابن عاشور في مقاصد الشريعة، وعلال الفاسي في المقاصد الشرعية، ويوسف حامد العالم، ومحمد البلتاجي وغيرهم من المعاصرين -في ذلك كله ثروة فقهية أصولية عظمى لمن كملت آلته واستعدت قريحته للتصدي لحفظ حياة الأقليات، ورعاية المقاصد الشرعية في ظروفهم العادية والاستثنائية، على حدٍّ سواء، وبما لا يفضي إلى تعطيل النصوص الشرعية الجزئية، أو إهمالها، مع ما قد يقع من تجاذب، أو تنازع بين المصالح والمقاصد والنصوص.
يقول العلامة ابن بيه:
عُقُودُ الْمُسْلِمِيْنَ بِدَارِ غَربٍ ... تَجَاذَبُهَا الْمَقَاصِدُ وَالْفُرُوْعُ
وَمِيْزانُ الْفَقِيْهِ يَجُوْرُ طَوْرًا ... إِلَى طَرَفٍ فَيُفْرِطُ أَوْ يَضِيْعُ
فَفِي الْجُزْئِيِّ ضِيْقٌ وَانْحِسَارٌ ... وَفِي الْكُلِّيِّ مُنْفَسَحٌ وَسِيْعٌ
وَنُوْرُ الْحَقِّ مَصْلَحَةٌ تُوَازَى ... بِجُزْئِيِّ النُّصُوْصِ لَهُ سُطُوْعُ
والمتصدرون لمثل هذه المسائل الشائكة في بلاد الأقليات المسلمة حين يعملون هذه القاعدة وغيرها قد يخرجون بأحكام أو بفتاوي قد تستنكر في بادي الرأي، لكنها قد تثبت عند المناقشة والموازنة والترجيح، كما انتهى إليه نظر عمر ﵁ في إيقاف سهم المؤلفة قلوبهم، وقطع يد السارق، ومنع الزواج بالكتابية، والإلزام بالطلقات الثلاث، والزيادة في حد الشرب إلى ثمانين. . . وغير ذلك من التصرفات العمرية التي تعتبر اجتهادًا مقاصديًّا مع أنه ﵁ هو الذي أعمل النص الجزئي عند تقبيل الحجر الأسود، والاضطباع، والرَّمَل. . . وغير ذلك.
ومن قبل اجتهد مقاصديًّا بعض الصحابة فراعوا المقاصد فصلوا العصر في الطريق إلى بني قريظة، واجتهد غيرهم فلم يصلها إلا بعد العشاء في بني قريظة، فكان الأولون
стр. 507
مع المقصد والمعنى، وكان الآخرون مع النص والمبنى، ولم يكن أحد الفريقين ينقصه
الهدى أو التقى، ولكنه الاجتهاد البشري الذي قد يراعي جانبًا أكثر من جانب،
والشاهد أن النبي ﷺ ما خطَّأ أحد الفريقين، ولا ثرَّب على أحد من المجتهدين.
وينبغي لمن يتصدى لبحث مسائل الأقليات أن ينظر إلى اجتهادات النبي ﷺ المكية
زمن القلة والضعف، كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال: ٢٦]، وكيف اعتمد ﷺ سياسة الصبر والكف، ولم
يستجب لاستفزاز أو استعداء خارجي، كما قال له -تعالى شأنه-: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]؛ وذلك لحفظ شأن هذه الأقلية، ورعاية أمر هذه الدعوة الإسلامية، فلما قويت الشوكة وبُنيت الدولة كانت الاجتهادات على وفق ذلك، فلئن صبر النبي ﷺ وكفَّ هو وأصحابه أيديهم لما قُتلت سمية وياسر ﵄ في مكة تحت التعذيب، فإنه لم يصبر على مجرَّد كشف عورة مسلمة في سوق بني قينقاع، فجرَّد لذلك الأمرِ حربًا على يهود، حتى أجلى بني قينقاع عن المدينة.
وهو أمرٌ يؤكد على رعاية الأولويات في فقه الأقليات، والنظر إلى المقاصد والمصالح والمآلات (١).
وإعمال تلك القواعد والأصول الحاكمة يكون باعتمادها إطارًا لمعالجة الوقائع والنوازل التي يحتاج في معالجتها إلى ورع دقيق، وفقه عميق، وفطنة وملكة صحيحة.
ونوازل الأقليات المسلمة وما تواجَهُ به من تأصيل لأحكامها وتقعيد لمسائلها ينبغي أن يُراعَى فيه الفروق بين الضرورة الفردية، والضرورة الجماعية العامة، فالأولى مؤقتة، والثانية دائمة.
والأولى قد تَتحقق بسهولة، ويُتَعَرَّفُ على وجودها بيسر، والثانية لا تتحقق إلا بعد
стр. 508
طول نظر، وفحص وبحث.
ولهذا رأينا الشارع الحكيم يراعي ضرورة المضطر إلى الميتة فيبيح له الأكل منها، ثم يراعي الحاجة العامة فيبيح -مثلًا- بيعَ السَّلَم والعرايا. . . ونحو ذلك، والأكل من الميتة أمرٌ شخصي مؤقت، والتعامل في السَّلَم أمرٌ عام في المجتمع ودائم.
فالشارع الحكيم له قصد في أن تتعدى إباحة الفعل إلى غير محتاج إليه؛ لما له من الأثر النافع للعموم، كما هو في سائر الرخص في المعاملات؛ لما يترتب عليه من رواج الأسواق وتحصيل الأقوات، وتوفير الأعمال والأشغال.
ومن الخطأ البين: الخلطُ بين الحاجات، والضرورات لدى الأفراد والمجتمعات، ومن المعلوم أن الحاجة في حق الكافة تنزل منزلة الضرورة في حق الفرد، يقول الجويني -وهو يتناول موضوع الكسب الحرام فيما لو عمَّ الزمانَ وأهلَه، فلم يوجد إلى طلب الحلال سبيل-:
"فلهم أن يأخذوا منه -أي: الحرام- قدر الحاجة، ولا يشترط الضرورة التي ترعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس، بل الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر، فإن الواحد المضطر لو صَابَرَ ضرورتَهُ ولم يتعاطَ الميتة لهلك، ولو صابر الناس حاجاتهم وتعدوها إلى الضرورة لهلك الناس قاطبةً، ففي تعدي الكافة الحاجة من خوف الهلاك ما في تعدي الضرورة في حق الآحاد" (١)؛ إذ لا يراعى فيما يعمُّ الكافة الضرورة، بل يُكْتَفَى بحاجة ظاهرة.
كما تنبغي مراعاة الفروق بين أحكام يعود تفويتها بالضرر على المجتمع في مجمله، وبين الأحكام التي يعود تفويتها بالضرر على شخص المسلم في خاصة نفسه، ودينه
стр. 509
ومروءته؛ فإنه يُسْتَخَفُّ في الأولى، ما لا يُسْتَخَفُّ في الثانية.
والنوع الأول هو لحفظ مصالحَ جماعيةٍ تتحقق بامتثال الأمة في مجملها، والثاني لحفظ مصالحَ تتعلق بامتثال آحاد الناس.
ومثال الأول: النهي عن بيع الطعام قبل قبضه على تعليل الرهون لذلك برواج السلع في الأسواق.
ومثال الثاني: وجوب الصلاة، والزكاة، والصوم، وسائر العبادات، والنهي عن السرقة، والغش، وسائر المحرمات، التي تناقض ما يلزم للنفس من التزكية، والاستقامة.
وكلا النوعين مطلوب امتثالًا؛ لكن النظام العام للمجتمعات الأوروبية رُسمت قوانينه على نظر آخر للصلاح والفساد؛ ولذلك فتفويت المسلم للنوع الأول في هذه المجتمعات، هو أقلُّ ضررًا من تفويت النوع الثاني؛ ولذلك ينبغي أن تكون درجات المصالح بإزاء الترخص متفاوتة (١).
"ومما يُسهم في ترشيد فقه الأقليات: التركيزُ على الأقلية باعتبارهم جماعةً متميزةً، لها هويتها وأهدافها ومشخصاتها، ولا يمكنها أن يُتغافل عنها، وينبغي لأهل الفقه أن ينظروا إلى هذا الكيان الجماعي، وما يتطلبه من مقومات، وما له من ضرورات وحاجات، وكيف تستطيع الجماعة أن تعيش بإسلامها في مجتمع غير مسلم، قويةً متماسكةً، مؤمنةً بالتنوع في إطار الوحدة.
وقد لاحظتُ أن أهل الفقه -عادةً- حينما يتحدثون عن الضرورات التي تبيح المحظورات، وعن الحاجة التي قد تُنَزَّل منزلةَ الضرورة، إنما يُركزون على ضرورة الفرد المسلم وحاجته، غيرَ معنيين كثيرًا بضرورات الجماعة المسلمة وحاجاتها.
وأعتقد أن من المهم واللازم للفقيه -لتكون فتواه عن بينة- أن يهتم بالجماعة وضروراتها وحاجاتها المادية والمعنوية، الآنية والمستقبلة، وألا يُغْفِلَ تأثيرَ هذه
стр. 510
الضرورات والحاجات في سَيْرِ الجماعة وقوتها الاقتصادية، وتماسكها الاجتماعي، وسلوكها الأخلاقي، وتقدمها العلمي والثقافي، وقبل ذلك: هويتها الإيمانية.
لقد عُني القرآن والسنة بالجماعة؛ ولهذا كان الخطاب القرآني بأحكام الله تعالى خطابًا للجماعة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، سواء تعلَّق التكليف بالتعبد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أم تعلَّق بالمعاملات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أم تعلَّق بشئون الأسرة: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، أم تعلَّق بالعقوبات والتشريع الجنائي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
بل يخاطب القرآن الجماعة أو الأمة كلها بما ينفذه الولاة والأمراء، مثل: إبرام المعاهدات مع الأعداء، ومثل: إقامة الحدود على الجناة، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤].
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨].
وهذه النصوص وغيرها تؤكد أهمية الجماعة، ومسئوليتها التضامنية في إقامة شرع الله، وتطبيق أحكامه في الأرض.
والأحاديث النبوية تؤيد هذا الاتجاه وتقويه، كقوله ﷺ : "يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار" (١).
стр. 511
والفقه الإسلامي يبارك هذه النزعة الجماعية بأحكام كثيرة، بعضها يتعلق بالجانب الاجتماعي، وبعضها يتعلق بالجانب الاقتصادي، وبعضها بالجانب السياسي.
وحسبنا أنه يُقدم حق الجماعة على حقوق الأفراد الخاصة، فعندما يغزو العدو أرضًا، تنفر الجماعة كلها للمقاومة، فيخرج الابن بغير إذن أبويه، وتخرج المرأة بغير إذن زوجها، والمرءوس بغير إذن رئيسه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا حق لفرد أمام حرمات الأمة.
ويذكر الإمام الغزالي هنا مسألة (التترس) وهو أن يَتَّخِذَ العدوُّ المحاربُ بعضَ المسلمين تروسًا بشرية يَحتمي بهم، ويضعهم في مواجهة الخطر، ويجيز الإمام الغزالي وغيرُهُ من الفقهاء التضحيةَ بهؤلاء المُتَتَرَّسِ بهم، إذا كان في الإبقاء عليهم خطرٌ على الجماعة كلِّها؛ لأنَّ الإبقاء على الكل أهم من الإبقاء على الجزء.
ومن ثَمَّ كان لا بد للفقه المطلوب هنا: أن يراعي مصالح الجماعة المسلمة، ولا يجعل كلَّ همه الاقتصارَ على حفظ مصالح الأفراد، فالفرد قليل بنفسه كثير بجماعته.
ومن حقِّ الجماعة المسلمة في ديار الغرب ونحوها: أن تكون جماعة قوية متعلمة متماسكة قادرة على أن تؤدي دورها، وتتمسك بدينها، وتحافظ على هويتها، وتُنَشِّئَ أبناءَها وبناتها تنشئةً إسلامية حقَّةً، وتبلغ رسالتها من حولها بلسان عصرها" (١).
ومما يلتحق برعاية الضرورات والحاجات في بلاد الأقليات المسلمة: الاعترافُ بحالات استثنائية، وظروف طارئة وبلوى عامة، والتعامل مع كلٍّ بما يناسبه، فيحقق المصلحة ويدرأ المفسدة.
فإذا خلت تلك الديار عن ولاية شرعية تُرَدُّ إليها المنازعاتُ، وتفصل في الخصومات، ولم يوجد من تتحقق أهليته الشرعية لذلك، فلا حرج أن يُعتبر الأمثل
стр. 512
فالأمثل من أهل تلك الديار، أو المقيمين بها.
وقد قال ابن القيم ﵀: "إذا لم يجد السلطان من يوليه إلَّا قاضيًا عاريًا عن شروط القضاء، لم يعطل البلد عن قاضٍ، وولَّى الأمثلَ فالأمثلَ.
ونظيرها لو غلب الحرامُ المحض أو الشبهة حتى لم يجد الحلالَ المحض فإنه يتناول الأمثلَ فالأمثلَ.
ونظيرُ هذا لو كان الفسق هو الغالب على أهل تلك البلد، وإن لم تقبل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له لتعطلت الحقوق وضاعت، قُبِلَ شهادةُ الأمثلِ فالأمثلِ.
ونظيرُ هذا لو شهد بعض النساء على بعض بحق في بدن أو عرض، أو مال، وهن منفردات، بحيث لا رجلَ معهن، كالحمَّامات، والأعراس، قبلت شهادةُ الأمثلِ منهن" (١).
"ولا يضع الله ورسوله حقَّ المظلوم، ويعطل إقامة دينه في مثل هذه الصور أبدًا، بل نبه الله على قبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورة نزلت ولم ينسخها شيء ألبتة، ولا نسخ هذا الحكم كتاب ولا سنة، ولا اجتمعت الأمة على خلافه، ولا يليق بالشريعة سواه، فإن الشريعة شُرِعَتْ لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان، وأي مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذا لم يحضر أثناء تلك العقود شاهدان حُرَّان ذكران عدلان؟ بل إذا قلتم: نقبل شهادة النساء حيث لا رجلَ، وينفذ حكم الفاسق إذا خلا الزمان عن قاضٍ عادل عالم، فكيف لا تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعضهم إذا خلا جمعهم عن مسلم" (٢).
стр. 513
وأخيرًا فإن التأكيد على رعاية هذه المصالح يجب أن يكون بميزان الحق، لا الهوى، والعدل، لا الجور، فمن المصالح ما هو غير معتبر، فلا يصلح إذن أن يُنادَى في غرب ولا شرق ولا في أقلية ولا أكثرية بمساواة الأنثى للذكر مثلًا في الإرث؛ نظرًا لتساويهم في الأخوة؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
كما لا يصلح لمسلمة أن تنزع حجابها في دار غير المسلمين؛ لتعمل في وظيفة، أو تتلقى تعليمًا، فضلًا عن أن تفعل هذا مسايرةً أو تقليدًا، والله تعالى يقول: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١].
ولا يحلُّ لمسلم أن يُنشئ مصنعًا لبيع الخمور، أو أن يفتح محلًّا للتجارة فيها، لا في ديار المسلمين؛ بحجة تشجيع السياحة، وتنمية الاقتصاد، وزيادة الدخل القومي، ولا في ديار غير المسلمين؛ بحجة الحاجة، أو ضيق ذات اليد، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠].
ولا يحلُّ لمسلم أن يعمل ببلاد الغرب، أو الشرق في بيع أوراق اليانصيب (القمار)، ولا الخنزير، ولو تَوَهَّمَ أن في ذلك مصلحةً.
إن المصلحة راجعة إلى خطاب الشارع الحكيم، والفرق واضح بين المصلحة القائمة على أوامر الشرع المطهر، والمتوهمة الراجعة إلى داعية الهوى والتشهي، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
стр. 514
القاعدة الثانية: المقصدُ الشرعي من وضع الشريعة إخراجُ المكلف عن داعية هواه (١):
المعنى العام للقاعدة:
سبق في القاعدة الأولى أن الشارع الحكيم من مقاصده في وضع الشريعة: إقامة المصالح الدنيوية والأخروية على وجه كلي بما يكفل سعادة المكلف في الدارين، وفي هذه القاعدة يتقرر أن الشارع الحكيم يطلب من المكلف أن يدخل تحت سلطان الشريعة، منقادًا لهلالا لهواه، مُؤْثِرًا أحكامها على ما يميل إليه بطبعه أو يتمناه، وبذلك يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد لله اضطرارًا، فالمقصود من وضع الشريعة: إخراجُ المكلف عن داعية هواه إلى طاعة ربه ومولاه.
وهذا المقصد يتناول كلَّ المكلفين في جميع الأزمان والبلدان، وعلى كلِّ أحوال الطوائف والتجمعات من أقلية أو أكثرية على حدٍّ سواء.
أدلة القاعدة:
أولًا: القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا﴾ [النحل: ٣٦].
وجه الدلالة:
أفادت الآيات الكريمات وجوبَ عبادة الله تعالى وحده، بامتثال أمره، واجتناب نهيه، والانقياد لحكمه، وهذا هو التعبد الذي خلق الله الخلق لأجله.
стр. 515
وقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١].
وجه الدلالة:
اتباع الهوى وترك الانقياد لأمر الله تعالى مضاد لعبادة الله التي أَمَرَ الله بها، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
فقد حصر الأمر في شيئين: الوحي وهو الشريعة، والهوى، فلا ثالث لهما، وإذا كان كذلك فهما متضادان؛ لذا كان قصد الشَّارع الخروج عن اتباع الهوى، والدخول تحت التعبد للمولى (١).
ثانيًا: السنة المطهرة:
١ - قوله ﷺ : "حقُّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا" (٢).
وجه الدلالة: دلَّ الحديث على ثبوت أن العباد مخلوقون لعبادة الله تعالى، والامتثال لأحكامه أمرًا ونهيًا بما يؤكد دلالة المجموعة الأولى من الآيات.
٢ - قوله ﷺ : "ثلاث مهلكات: شحٌّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه" (٣).
стр. 516
وجه الدلالة: دلَّ الحديث على ذمِّ الهوى وحرمة اتباعه، بما يؤكد دلالة المجموعة الثانية من الآيات.
ثالثًا: المعقول:
من الأدلة والبراهين على أن العباد خلقوا لعبادة الله، وإخراجهم من هوى نفوسهم: جملةُ الأحكام الشرعية، وسائرُ الأوامر والنواهي الداعية إلى الامتثال والخضوع والعبادة، والساعية إلى تنظيم المعاملات الإنسانية على وفق الهدى والتعاليم الإلهية، وليس بمقتضى ما تمليه مختلف الشهوات والنزوات والأهواء التي كثيرًا ما تتناقض وتتعارض وتتزاحم.
والأوامر والنواهي الشرعية تشمل: التوحيد والعقيدة، وتشمل: العبادات، والمعاملات والأحوال الشخصية، والجنايات.
وهذه الأحكام الشرعية لا تخلو من الأحكام الخمسة المعلومة: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة.
فأما الوجوب، والتحريم فظاهر مصادمتهما لمقتضى الاسترسال الداخل تحت الاختيار، وأما الندب، والكراهة، والإباحة، وإن كان ظاهرها الدخول تحت خيرة المكلف واختياره، فإنما دخلت بإدخال الشارع لها تحت اختياره، فهي راجعة إلى إخراجه عن اختياره أيضًا.
стр. 517
وفي كل الأحوال تكون الأحكام الشرعية الخمسة قد أَخرجت المكلَّفَ من دائرة هواه وشهواته ونزواته.
وإدراك هذه القاعدة وامتثالها ينبه إلى أمور ووسائل مهمة، منها:
١ - كل عمل كان المتَّبَع فيه الهوى بإطلاق من غير التفات إلى الأمر أو النهي أو التخيير فهو باطل بإطلاق.
٢ - اتباع الهوى طريق إلى المذموم، وإن جاء في ضمن المحمود؛ لأنه إذا تبين أنه مضاد بوضعه لوضع الشريعة، فحيثما زاحم مقتضاها في العمل كان مخوفًا.
٣ - اتباع الهوى في الأحكام الشرعية مظنة لأن يحتال بها على أغراضه، فتصير كالآلة المعَدَّة لاقتناص أغراضه، كالمرائي يتخذ الأعمال الصالحة سُلَّمًا لما في أيدي الناس (١).
تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات:
من المعلوم أن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين لا يفرق بين مسلمٍ يعيش في الشرق وآخرَ في الغرب، ومعلوم أيضًا أن خصوصية المجتمع الذي تعيش فيه الأقلية المسلمة بعيدًا عن ديار الإسلام لا يصلح أن يحمل المسلمين في تلك الديار إلى حالةِ تَلَمُّسٍ للرخص وتفتيش عن الضرورات، وانتقاء للحاجيات؛ لئلَّا يتحول هذا إلى نوع من الترخيص السلبي الذي لا ينسجم مع كليات الشرع، وخصائص الأمة والرسالة.
وفي نفس الوقت تنبغي المحافظة على حياة هذه الأقليات المسلمة، ورعاية هويتها الإسلامية، وتعهد الأجيال المتعاقبة حتى لا تتعرض لحملات التذويب، وطمس الهوية، وتغييب الثقافة الإسلامية.
стр. 518
والجمع بين المتطلبين السابقين يستلزم فقيهًا يوصف بفقه النفس، وبعد النظر، وسعة الصدر ورجاحة الفكر، وصدق الإيمان، ورسوخ التقوى.
وكل من الفقيه المفتي، والسائل المستفتي عليه أن يحسن قصده، ويضبط قوله بضوابط الشرع المطهر.
أما المفتي فيعلم أنه يمارس صفة مركبة تبدأ بالتشخيص والتكييف الفقهي للمسألة، وتمرُّ بتَلَمُّسِ الدليلِ، وعلاقاته بالواقع، ومن ثم تصدر الفتيا، ولا يتم إلا بعلم وعمل ودرية وتجربة ومشورة.
وليحذر المفتي والمستفتي من الوقوع تحت ضغط الواقع والمجتمع، أو التقديم بين يدي الله ورسوله بقول، أو رأي، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩].
والأصل هو وجوب التحاكم إلى الشرع المطهر داخل ديار الإسلام وخارجها، فإن الأحكام الشرعية تخاطب المسلم حيثما كان، وتحكيم الشريعة عند القدرة على ذلك أحد معاقد التفرقة بين الإيمان والنفاق (١).
وعليه، فلا يحل لمسلم أن يتحاكم إلى غير كتاب ربه، فإن فعل اختيارًا لم يكن من أهل الإسلام.
قال ابن حزم ﵀: "لا خلاف بين اثنين من المسلمين أن من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأتِ بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام" (٢).
وقال ابن تيمية ﵀: "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدَّل الشرع المجمع عليه كان كافرًا باتفاق الفقهاء" (٣).
ويرخص في اللجوء إلى القضاء الوضعي عندما يتعين سبيلًا لاستخلاص حقٍّ أو دفع مظلمة في بلد لا تحكمه الشريعة؛ لانعدام البديل الشرعي القادر على ذلك، سواء
стр. 519
أكان ذلك داخل بلاد الإسلام، أم كان خارجها، ويقيد ذلك بما يلي:
- تعذر استخلاص الحقوق، أو دفع المظالم عن طريق القضاء، أو التحكيم الشرعي لغيابه، أو العجز عن تنفيذ أحكامه.
- اللجوء إلى بعض حملة الشريعة لتحديد الحكم الشرعي الواجب التطبيق في موضوع النازلة، والاقتصار على المطالبة به، والسعي في تنفيذه؛ لأن ما زاد على ذلك ابتداءً أو انتهاءً خروجٌ على الحق، وحكمٌ بغير ما أنزل الله.
- كراهية القلب للتحاكم إلى القضاء الوضعي، وبقاء هذا الترخص في دائرة الضرورة والاستثناء.
دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]، كما يستفاد ذلك من القاعدة الفقهية: "الضرورات تبيح المحظورات"، ودلائلها المعروفة في كتب القواعد الفقهية.
كما يدل على ذلك أيضًا قصةُ لجوءِ الصحابة ﵃ للمثول أمام الحاكم النجاشي الكافر -يومئذٍ- مرتين بسبب مطالبة كفار قريش بهم، وللذود عن حقهم في إبطال مزاعم قريش الباطلة فيهم، ومن قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بشأن الرواية التي كتبها المدعو سلمان رشدي [القرار الثالث: يعلن المجلس أنه يجب ملاحقة هذا الشخص، بدعوى قضائية جزائية تقدم عليه، وعلى دار النشر التي نشرت له هذه الرواية، وفي المحاكم المختصة في بريطانيا، وأن تتولى رفع هذه الدعوى عليه منظمة المؤتمر الإسلامي التي تمثل الدول الإسلامية، وأن توكِّلَ لهذه الدعوى أقوى المحامين المتمرسين في القضايا الجنائية أمام محاكم الجزاء البريطانية] (١)، وواضح من القرار تجويزهم
стр. 520
التحاكم إلى المحاكم البريطانية في تلك النازلة.
وأما ما يدل على القيد الأول: تعذر استخلاص الحقوق أو دفع المظالم عن طريق القضاء الشرعي، فهو أنه إذا أمكن استخلاص الحق أو دفع المظلمة عن طريق القضاء الشرعي لم تكن هناك ضرورة تلجئ إلى التحاكم إلى القانون الوضعي الذي حكمه التحريم، كما تقدم لغير الضرورة.
وأما ما يدل على القيد الثاني: معرفة حكم الشرع في النازلة وعدم المطالبة بزيادة، فهو أن المطالبة بزيادة على حكم الشرع ظلم، والظلم حرام، دلَّ على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع، فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]، ومن أدلة السنة: الحديث القدسي: "إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا" (١)، ومن دلائل ذلك: أن المسلم يجب عليه في حالة سلوك الوسيلة المباحة، وهي التحاكم إلى الشرع، ألا يأخذ مال غيره، وإن حكم له به الحاكم الشرعي؛ لقوله ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها، أو فليتركها" (٢)؛ فمن باب أولى لا يبيح له حكم الحاكم غير الشرعي أن يظلم غيره.
ومن دلائل ذلك أيضًا: القاعدة الفقهية: "الضرورة تقدر بقدرها"، ودلائلها المعروفة، ولأن الضرورة أباحت سلوك وسيلة محرمة لاستخلاص الحق ودفع الظلم،
стр. 521
ولم تبح سلوكها لظلم الآخرين وأخذ ما ليس بحق.
ومن أدلة القيد الثالث، وهو كراهة القلب للتحاكم إلى القانون الوضعي: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، ومنها: حديث: "فليغيره. . . فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (١)، وحديث: "ولكن من رضي وتابع" (٢).
يجب على المسلمين المقيمين خارج ديار الإسلام أفرادًا وجماعات أن يسعوا إلى إيجاد البديل الشرعي عن القضاء الوضعي، وذلك عن طريق مجالس الصلح والتحكيم ونحوه، والسعي إلى التسكين القانوني لهذه الآليات، والحصول على إقرار دول إقامتهم بأحكامها، وعليهم أن يتواصوا فيما بينهم بالأخلاق الإسلامية الكريمة التي تقيهم الخصومات ابتداءً.
ودليله أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومن الواجب: تحكيم شرع الله، والتحاكم إليه، ومن الواجب على المقيم خارج بلاد الإسلام: أن يظهر بها دينه، وهذه الواجبات لا تتم إلا بما ذكر في قرار المجمع، والله تعالى أعلى وأعلم (٣).
المطلب الثاني: القواعد الفقهية المتعلقة بالمقاصد:
قاعدة: الأمور بمقاصدها:
معنى القاعدة:
стр. 522
هذه القاعدة على وجازة ألفاظها أجمع القواعد الكلية الكبرى؛ حيث إن أعمال المكلَّف وتصرفاته القولية والفعلية تختلف نتائجها وتتباين أحكامها الشرعية المترتبة عليها بحسب مقصود المكلف وغايته من تلك الأقوال والأفعال والتصرفات.
ولفظة الأمور عامة بدليل دخول "أل" الجنسية عليها، ولفظة "مقاصدها" عامة؛ لإضافتها إلى ضمير لفظ عام.
فالقاعدة تشمل جميع ما يثاب عليه العبد، أو يعاقب، فتشمل بعمومها الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح، وكما تشمل الفعل تشمل الترك إذا كان مقصودًا بنية، فأحكام الأمور بمقاصدها التي دعت إليها وبعثت عليها (١).
وقد يعبر عن القاعدة بدليلها، وهو حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٢)، فيقال: قاعدة: "إنما الأعمال بالنيات"، والمقاصد معتبرة في العبادات والعادات (٣).
والنية في اللغة: العزم على الشيء، يقال: نويت نية، أي: عزمت (٤).
وهي بمعناها العام: "انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع، أو دفع ضرٍّ، حالًا أو مآلًا، والشرع خصَّها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاءَ وجه الله تعالى وامتثالًا لحكمه" (٥).
والنية تعرف اصطلاحًا بأنها: قصد الشيء مقترنًا بفعله، أو: القصد الكلي الشامل للعزم والقصد المقارن للفعل (٦).
стр. 523
أو هي: قصد كلي نسبي، شامل للعزم والقصد المتقدم على الفعل، أو المقارن له في بعض أحواله (١).
وللنية مرادفات متعددة، منها: القصد والإرادة والعزم.
وتقترب ألفاظ أخرى من معناها مع وجود فروق، مثل: الهم، والمشيئة، والرغبة، والابتغاء، ونحوها.
والنية بمعناها العام وهو: الإخلاص لله تعالى في القول والعمل تدخل في جميع الأعمال الأخروية دخولًا أوليًّا، وقد صاغ بعض الفقهاء من ذلك المعنى قاعدة فقهية واعتبرها قاعدة الفقه الكلية الأولى، فقال ابن نجيم: "لا ثواب إلا بالنية" (٢).
والمقصود من النية في العبادات أمران:
أولهما: تمييز العبادات عن العادات:
فالإمساك عن المفطرات -مثلًا- قد يكون بنية الصيام فيكون قربة، وقد يكون حمية أو تداويًا، فلا يكون عبادة.
ثانيهما: تمييز العبادات:
سواء بين الفروض كالظهر والعصر، أو بين الفروض والنوافل كسنة الفجر وفريضته.
والنية محلها القلب إجماعًا؛ لأنها من عمله (٣)، ولا يكفي التلفظ باللسان دون عقد القلب، ولا يشترط مع عمل القلب التلفظ.
ولم ينقل عنه ﷺ ولا الصحابة ﵃ تلفظ بالنية إلَّا في الحج، وقد قيل: إن هذا من
стр. 524
إظهار النسك، لا من الجهر بالنية (١).
ووقت النية أول العبادات ولو حكمًا، فإذا تأخرت عنه لم يصحَّ في الجملة، ويجوز ويجزئ تقدمها عليه في الصيام المفروض، ويستصحب حكمها ما لم يشتغل بعمل آخر يقطعها، فمن نوى الصلاة عند الوضوء، ثم حضر المسجد فافتتح صلاته بتلك النية أجزأته؛ لأن النية المتقدمة باقية إلى وقت الشروع حكمًا (٢)، وللفقهاء تفاصيل كثيرة في أمر نية العبادات، وفروق بين المفروض والمندوب منها.
أدلة القاعدة:
أولًا: السنة المطهرة:
١ - قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. . ." الحديث، وفي رواية: "إنما الأعمال بالنية" (٣).
وجه الدلالة: أفادت عبارة الحديث أن الأعمال تقبل أو ترد، ويثاب عليها أو يعاقب بحسب النية الباعثة عليها، والداعية إليها، فلا يحصل للعامل من عمله إلا ما نواه به (٤).
٢ - قوله ﷺ : "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلَّا أُجرت عليها حتى ما تجعل في
стр. 525
فم امرأتك" (١).
٣ - قوله ﷺ : "رُبَّ قتيلٍ بين الصفين الله أعلم بنيته" (٢).
٤ - قوله ﷺ : "لا عمل لمن لا نية له" (٣).
٥ - قول ﷺ : "إنما يبعث -وفي رواية: يحشر- الناس على نياتهم" (٤).
وجه الدلالة:
والأحاديث بجملتها دالة على اعتبار تأثير النية في أعمال الخلق صحةً وفسادًا،
стр. 526
وقولًا وردًّا، ومجازاةً عليها، فميزان الأعمال إنما هو النية والقصد (١).
وإذا كانت الأمور بمقاصدها فإنه ينبغي على كل مكلَّف أن يكون قصده في أفعاله وأقواله الظاهرة والباطنة موافقًا لقصد الشارع الحكيم؛ وذلك حتى تؤتي ثمارها وتعود بصالح نتائجها، وإلا فإنه لا يكفي أن يكون ظاهر الفعل مشروعًا ليوصف بالمشروعية وإنما لا بد أن يكون قصد المكلف المباشر للفعل مشروعًا أيضًا.
ومخالفة قصد الشارع ومنافاته هدمٌ للمصالح التي شرعت من أجلها الأحكام، وعلى سبيل المثال فإذا كان المكلف مأمورًا بالنكاح استحبابًا لتحصيل مصالح العفاف واستمرار النسل ونحو ذلك؛ فإن قصده التحليل للزوج الأول يهدم هذه المصالح ويقضي عليها ويناقض مقصود الشارع.
والطلاق أبيح لتحقيق مصلحة مشروعة ودرء مفسدة ممنوعة، فإذا استعمل الزوج هذا الطلاق ليحرم المرأة من حقها في الإرث لدى مرضه مرض الموت فقد ناقض مقصود الشارع من تشريع الطلاق.
وهكذا لو خالف المكلف مقصود الشارع في البيع والهبة والشركات ونحوها.
وبالجملة فإن المكلف عليه أن يجرى على موافقة قصد الشارع لتتحقق له المصالح الدينية والدنيوية، وينال أجر العبودية في أعماله العادية والعبادية، وبهذا يعمر الأرض وتحقق خلافته فيها وتثمر الثمرات المرجوة، وبهذا يكون قد حقق العبودية التي تعني ألا يتصرف العبد إلا بما يرضي ربه ومولاه، ولو خالف في ذلك هواه ومشتهاه، فيقتضي هذا موافقة لقصد الشارع، أو على الأقل ترك المناقضة لمقصوده.
وهذا الأمر يتحقق بامتثال الأمر والقصد معًا سواء اطلع المكلف على المصالح أو
стр. 527
لا، وسواء اطلع على المفاسد المترتبة على المخالفة أو لا.
القواعد المندرجة تحت القاعدة:
قاعدة الأمور بمقاصدها أوسع القواعد وأجمعها، ومن أكثرها فروعًا وأشملها، فإن عددًا كبيرًا من القواعد الصغرى قد اندرج تحتها، ودخل في طياتها بما يوسع تطبيقها، ويعظم الإفادة منها.
ومن أهم تلك القواعد ما يلي:
١ - القربات التي لا لبس فيها لا تحتاج إلى نية الإضافة لله تعالى (١).
٢ - الألفاظ إذا كانت نصوصًا في شيء غير متردد لم تحتج إلى نية تعيين المدلول (٢).
٣ - لا ثواب إلا بنية (٣).
٤ - منافع الأعيان المتعينة لا تحتاج إلى تعيين (٤).
٥ - الحقوق إذا تعينت لا تحتاج إلى تعيين (٥).
٦ - الخطأ فيما لا يشترط له التعيين لا يؤثر (٦).
٧ - مقاصد اللفظ على نية اللافظ (٧).
٨ - هل العبرة بصيغ العقود، أو بمعانيها؟ (١).
стр. 528
٩ - هل الأيمان مبنية على الألفاظ، أو الأغراض (٢).
١٠ - هل الأيمان مبنية على العرف (٣).
١١ - اليمين على نية الحالف، أو على نية المستحلف (٤).
١٢ - المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات، كما هي معتبرة في القربات والعبادات (٥).
١٣ - يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد (٦).
ومن القواعد المستثناة من قاعدة الأمور بمقاصدها:
١ - من استعجل شيئًا قبل أوانه عُوقب بحرمانه (٧).
٢ - الإيثار في القرب مكروهٌ، وفي غيرها محبوب (٨).
تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات:
لا تكاد تنحصر تلك التطبيقات التي تندرج تحت قاعدة الأمور بمقاصدها في حياة الأقليات الإسلامية، فهي كما تتعلق بالعبادات تتعلق بالمعاملات وقضايا الأحوال الشخصية والجنايات ومسائل السياسة الشرعية في تلك الديار، وللتمثيل فقط أسوق
стр. 529
من قرارات مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا القرار الآتي مع تسبيبه وتوجيهه.
"لا حرج في دراسة القوانين الوضعية المخالفة للشريعة، أو تولي تدريسها للتعرف على حقيقتها، وبيان فضل أحكام الشريعة عليها، أو للتوصل بدراستها إلى العمل بالمحاماة؛ لنصرة المظلومين، واستخلاص حقوقهم، بشرط أن يكون عنده من العلم بالشريعة ما يمنعه من التعاون على الإثم والعدوان".
والأمور بمقاصدها، وقد قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١)، ودراسة القوانين الوضعية تشبه دراسة العقائد الباطلة، وقد أعلمنا الله تعالى في كتابه الكريم بالعديد من العقائد الباطلة والشرائع المنحرفة؛ للتحذير منها، ومناظرة أهلها وجدالهم بالتي هي أحسن، فمن درس القانون الوضعي لهذه الأغراض، فلا حرج عليه، كما أنه تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، والحالات التي أباح قرار المجمع فيها دراسة القوانين الوضعية داخلة في التعاون على البر والتقوى؛ إذ من البر إنصاف المظلومين.
"تولي الصالحين الأكفاء من المسلمين بعض الولايات العامة خارج بلاد الإسلام، أو في البلاد التي تحكم بالقوانين الوضعية المخالفة للشريعة أولى من تركها لأهل الشر والفساد، وبطانة السوء الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، كما فعل نبي الله يوسف ﵇.
دلَّ على ذلك:
تولي يوسف ﵇ الحكم في دولة كافرة، ولم يمكنه أن يحكم بكل أحكام الإسلام.
إقرار النبي ﷺ للنجاشي في ملكه مع كون النجاشي كان كذلك حاكمًا مسلمًا في دولة كافرة، وكان تبعًا لذلك يحكم بأشياء من شريعتهم تخالف شريعة القرآن.
стр. 530
وممن أباح ذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث قال: "والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرًا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا، بل وإمامًا، وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك. فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها" (١).
وقال القرطبي ﵀: "قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنّه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء؛ وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز ذلك. وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليوم غير جائز؛ والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه. والله أعلم. قال الماوردي: فإن كان المولي ظالمًا فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين؛ أحدهما: جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده؛ لأن يوسف ولي من قبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله، لا بفعل غيره" (٢).