← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقولًا وردًّا، ومجازاةً عليها، فميزان الأعمال إنما هو النية والقصد (١). وإذا كانت الأمور بمقاصدها فإنه ينبغي على كل مكلَّف أن يكون قصده في أفعاله وأقواله الظاهرة والباطنة موافقًا لقصد الشارع الحكيم؛ وذلك حتى تؤتي ثمارها وتعود بصالح نتائجها، وإلا فإنه لا يكفي أن يكون ظاهر الفعل مشروعًا ليوصف بالمشروعية وإنما لا بد أن يكون قصد المكلف المباشر للفعل مشروعًا أيضًا. ومخالفة قصد الشارع ومنافاته هدمٌ للمصالح التي شرعت من أجلها الأحكام، وعلى سبيل المثال فإذا كان المكلف مأمورًا بالنكاح استحبابًا لتحصيل مصالح العفاف واستمرار النسل ونحو ذلك؛ فإن قصده التحليل للزوج الأول يهدم هذه المصالح ويقضي عليها ويناقض مقصود الشارع. والطلاق أبيح لتحقيق مصلحة مشروعة ودرء مفسدة ممنوعة، فإذا استعمل الزوج هذا الطلاق ليحرم المرأة من حقها في الإرث لدى مرضه مرض الموت فقد ناقض مقصود الشارع من تشريع الطلاق. وهكذا لو خالف المكلف مقصود الشارع في البيع والهبة والشركات ونحوها. وبالجملة فإن المكلف عليه أن يجرى على موافقة قصد الشارع لتتحقق له المصالح الدينية والدنيوية، وينال أجر العبودية في أعماله العادية والعبادية، وبهذا يعمر الأرض وتحقق خلافته فيها وتثمر الثمرات المرجوة، وبهذا يكون قد حقق العبودية التي تعني ألا يتصرف العبد إلا بما يرضي ربه ومولاه، ولو خالف في ذلك هواه ومشتهاه، فيقتضي هذا موافقة لقصد الشارع، أو على الأقل ترك المناقضة لمقصوده. وهذا الأمر يتحقق بامتثال الأمر والقصد معًا سواء اطلع المكلف على المصالح أو

стр. 527

لا، وسواء اطلع على المفاسد المترتبة على المخالفة أو لا. القواعد المندرجة تحت القاعدة: قاعدة الأمور بمقاصدها أوسع القواعد وأجمعها، ومن أكثرها فروعًا وأشملها، فإن عددًا كبيرًا من القواعد الصغرى قد اندرج تحتها، ودخل في طياتها بما يوسع تطبيقها، ويعظم الإفادة منها. ومن أهم تلك القواعد ما يلي: ١ - القربات التي لا لبس فيها لا تحتاج إلى نية الإضافة لله تعالى (١). ٢ - الألفاظ إذا كانت نصوصًا في شيء غير متردد لم تحتج إلى نية تعيين المدلول (٢). ٣ - لا ثواب إلا بنية (٣). ٤ - منافع الأعيان المتعينة لا تحتاج إلى تعيين (٤). ٥ - الحقوق إذا تعينت لا تحتاج إلى تعيين (٥). ٦ - الخطأ فيما لا يشترط له التعيين لا يؤثر (٦). ٧ - مقاصد اللفظ على نية اللافظ (٧). ٨ - هل العبرة بصيغ العقود، أو بمعانيها؟ (١).

стр. 528

٩ - هل الأيمان مبنية على الألفاظ، أو الأغراض (٢). ١٠ - هل الأيمان مبنية على العرف (٣). ١١ - اليمين على نية الحالف، أو على نية المستحلف (٤). ١٢ - المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات، كما هي معتبرة في القربات والعبادات (٥). ١٣ - يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد (٦). ومن القواعد المستثناة من قاعدة الأمور بمقاصدها: ١ - من استعجل شيئًا قبل أوانه عُوقب بحرمانه (٧). ٢ - الإيثار في القرب مكروهٌ، وفي غيرها محبوب (٨). تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: لا تكاد تنحصر تلك التطبيقات التي تندرج تحت قاعدة الأمور بمقاصدها في حياة الأقليات الإسلامية، فهي كما تتعلق بالعبادات تتعلق بالمعاملات وقضايا الأحوال الشخصية والجنايات ومسائل السياسة الشرعية في تلك الديار، وللتمثيل فقط أسوق

стр. 529

من قرارات مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا القرار الآتي مع تسبيبه وتوجيهه. "لا حرج في دراسة القوانين الوضعية المخالفة للشريعة، أو تولي تدريسها للتعرف على حقيقتها، وبيان فضل أحكام الشريعة عليها، أو للتوصل بدراستها إلى العمل بالمحاماة؛ لنصرة المظلومين، واستخلاص حقوقهم، بشرط أن يكون عنده من العلم بالشريعة ما يمنعه من التعاون على الإثم والعدوان". والأمور بمقاصدها، وقد قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١)، ودراسة القوانين الوضعية تشبه دراسة العقائد الباطلة، وقد أعلمنا الله تعالى في كتابه الكريم بالعديد من العقائد الباطلة والشرائع المنحرفة؛ للتحذير منها، ومناظرة أهلها وجدالهم بالتي هي أحسن، فمن درس القانون الوضعي لهذه الأغراض، فلا حرج عليه، كما أنه تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، والحالات التي أباح قرار المجمع فيها دراسة القوانين الوضعية داخلة في التعاون على البر والتقوى؛ إذ من البر إنصاف المظلومين. "تولي الصالحين الأكفاء من المسلمين بعض الولايات العامة خارج بلاد الإسلام، أو في البلاد التي تحكم بالقوانين الوضعية المخالفة للشريعة أولى من تركها لأهل الشر والفساد، وبطانة السوء الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، كما فعل نبي الله يوسف ﵇. دلَّ على ذلك: تولي يوسف ﵇ الحكم في دولة كافرة، ولم يمكنه أن يحكم بكل أحكام الإسلام. إقرار النبي ﷺ للنجاشي في ملكه مع كون النجاشي كان كذلك حاكمًا مسلمًا في دولة كافرة، وكان تبعًا لذلك يحكم بأشياء من شريعتهم تخالف شريعة القرآن.

стр. 530

وممن أباح ذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث قال: "والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرًا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا، بل وإمامًا، وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك. فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها" (١). وقال القرطبي ﵀: "قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنّه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء؛ وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز ذلك. وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليوم غير جائز؛ والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه. والله أعلم. قال الماوردي: فإن كان المولي ظالمًا فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين؛ أحدهما: جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده؛ لأن يوسف ولي من قبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله، لا بفعل غيره" (٢).

стр. 531

المبحث السادس القواعد المتعلقة بالتعارض والترجيح بين المصالح والمفاسد المطلب الأول: القواعد الأصولية والمقاصدية القاعدة الأولى: عند تعارض المصالح تُقَدَّمُ أولاها وأرجحها: المعنى العام للقاعدة: يدور معنى هذه القاعدة -المتفق عليها في الجملة- على تقديم أولى المصالح عند تعارضها، والترجيح بينها عند تنازعها بناءً على حجة التقديم والأولوية المعتبرة. فإذا كانت المصالح من حيث قوتها قد تنقسم إلى ضرورية وحاجية وتحسينية؛ (١) فإن الضروري منها يقدم على ما سواها؛ وذلك لأن الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها بحيث لا يستقيم النظام باختلالها. (٢) والحاجي منها يقدم على التحسيني في نفس المرتبة؛ وذلك لأنَّ الأمة تحتاج إليه لاقتناء مصالحها، وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاته لما فسد النظام، ولكنه كان على حالة غير منتظمة (٣)، فما يتعلق منها بحفظ الأديان يقدم في الجملة على ما سواه مما هو في رتبته، وما كان متعلقًا بحفظ الأنفس يقدم على ما دونه من حفظ العقل والنسل والمال. . . وهكذا. وما كان منها عامًّا شاملًا يقدم على ما كان خاصًّا، فالمصلحة العامة ترجح على المصلحة الخاصة عند التعارض. (٤)

стр. 532

وما كان منها كليًّا يقدم على الجزئي الظني من المصالح ولا اعتبار للموهوم منها إطلاقًا عند التعارض. (١) وما كان من المصالح متعديًا يرجح على القاصر عند التعارض إذا كان من رتبة واحدة. ويقدم ما يدوم نفعه على ما لا دوام لنفعه. وما كان من المصالح أخرويًّا فإنه يقدم -في الجملة- على الدنيوي (٢)، والحكم التكليفي يترجح على الوضعي. (٣) وما كان من المصالح واجبًا عينيًّا مضيقًا فإنه يقدم على ما وجب وجوبًا كفائيًّا موسعًا. (٤) والواجب يقدم على المندوب عند التعارض، والفرض أفضل من النفل (٥)، ويقدم آكد الواجبين عند التعارض. والوجوب يرجح على ما سوى التحريم. (٦) والندب أولى من الإباحة. (٧) ونحو هذا من قواعد التعارض بين المصالح، ولا شك أن محلَّ هذه القواعد والترجيحات هو عند العجز عن تحصيل المصلحتين معًا؛ إذ القاعدة المقدَّمة أن تحصيل المصلحتين أولى من تفويت إحداهما (٨).

стр. 533

فلا شك أن الجمع أولى من الترجيح (١)، إلا أنه عند التعارض تُحَصَّلُ أعظمُ المصلحتين بتفويت أدناهما، ويُرَجَّح خيرُ الخيرين بتفويت أدناهما. أدلة القاعدة: لقد تضافرت الأدلة من المنقول والمعقول على أنه إذا تلازمت المصالح وتزاحمت ولم يمكن تحصيلها جميعًا فإنه يُختار الأعظمُ والأعلى والأهمُّ، وإن فات ما دونها من المصالح، وفيما يلي طرفٌ من الأدلة باختصار: أولًا: القرآن الكريم: • الآيات التي ورد فيها الأمر باتباع الأحسن والأخذ بالأفضل: مثل: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُم﴾ [الزمر: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥]. وجه الأدلة: الأحسن يحتمل معنى التفضيل، كأنه قال: إذا وُجد مباحان، فخذوا بالأحسن منهما كالعفو والقصاص، والصبر والانتصار. (٢) • الآيات التي ورد فيها الأفضل والأكمل ثوابًا، مثل: قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].

стр. 534

وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وجه الدلالة: لقد جاز إخراج الصدقة جهارًا، والأولى والأفضل إخراجها إسرارًا، والجهاد في سبيل الله أفضل من القعود، والعفو أولى من عدمه. وهكذا تتباين رتب الأعمال، وتتفاوت الأجور على الطاعات. ثانيًا: السنة المطهرة: • الأحاديث التي قدمت الأولويات في الدعوة إلى دين الله، وفرَّقت بين مصلحة القيام بالفرائض، والقيام بالنوافل: مثل: قوله ﷺ لمعاذ حين أرسله إلى اليمن: "يا معاذ إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجابٌ" (١). ومثل قوله ﷺ حين سأله رجل عن الإسلام فقال: "خمس صلوات في اليوم والليلة".

стр. 535

فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلَّا أن تطَّوع". قال رسول الله ﷺ : "وصيام رمضان". قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا، إلَّا أن تطوع". قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة؛ قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلَّا أن تطوع". قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص! قال رسول الله ﷺ : "أفلح إن صدق" (١). • الأحاديث التي دلت على التفريق بين رتب الطاعات: مثل: قوله ﷺ حين سئل أيُّ العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" (٢). وقوله ﷺ حين سئل أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٣). وقوله ﷺ حين سئل أيُّ الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (٤). وجه الدلالة: دلت الأحاديث السابقة على أن الأعمال متفاضلة في نفسها وفي ثوابها، وفي أولويتها عند التزاحم، وفي أرجحيتها في الطلب الشرعي، فَتُقَدَّم الفرائض على النوافل، ويُقَدَّم

стр. 536

الإيمان بالله على سائر الفرائض، وتُقَدَّم النوافل المتعدية على غيرها. والسنة تزخر ببيان المفاضلة في الأعمال بناءً على زمانها (١)، وترجيحها بناءً على مكانها (٢). كما وَرَدَ فيها التحذير من الذنوب والمعاصي بحسب رتبها، فالشرك بالله أخطرها، ثم الكبائر، ثم الصغائر. . . وهكذا. ثالثًا: القواعد الشرعية: قواعد نفي الحرج ورفع الضيق، كقاعدة: المشقة تجلب التيسير، وكقاعدة: إذا ضاق الأمر اتسع (٣)، وقاعدة: لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة (٤)، ومثل ذلك قواعد الأصول والمقاصد، وغيرها من قواعد الفقه التي تتضافر جميعًا على نفي الضرر وفتح باب السعة (كالمصالح المرسلة، وكالأخذ بالأحوط، والاستحسان. . . وغيرها)، فإذا كان المكلف مأمورًا بمصلحة ما وقد تعارضت مع غيرها ولا سبيل للجمع بينهما فلا بد إذًا من الترجيح، ولا يصلح ترجيح بلا مرجح، وعند التزاحم لا بد عند تقديم حقٍّ على غيره أن يكون مرجحًا وله أسباب (٥)؛ إذ التحكم باطل، والعمل بالتشهي ممنوع. ومتى كان الترجيح بالأهمية، أو الأولوية، أو غلبة النفع، أو نحو ذلك كان ترجيحًا له أسبابه، وكان محقِّقًا لمقصود الشارع ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وفي الحديث: "وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٦).

стр. 537

وهكذا فإن قواعد المقاصد تقتضي تقديم الضروري على ما عداه، وتقديم الحاجيات على التحسينات، وتقديم كل مرتبة على مكملاتها، فمثلًا: "مصلحة البدن مقدمة على مصلحة المال، ومصلحة القلب مقدمة على مصلحة البدن". (١) القاعدة الثانية: عند تعارض المفاسد تدفع أعظمها فسادًا: المعنى العام للقاعدة: "إذا دار الأمر بين درء مفسدتين وكانت إحداهما أكثر فسادًا من الأخرى، فدرء العليا منهما أولى من درء غيرها، وهذا موضع يقبله كل عاقل، واتفق عليه أولو لعلم ". (٢) وكما أن القاعدة السابقة تنص على تقديم المصلحة الأرجح والأولى عند التعارض بين المصالح، فكذا عند تعارض المفاسد تدفع المفسدة الأكبر، ولا شك أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك، فيرتكب أدنى المكروهين ضررًا ليتخلص به من أشدهما ضررًا (٣). فمطلوب الشريعة ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعًا. (٤) أدلة القاعدة: أولًا: القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ

стр. 538

أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وجه الدلالة: قال ابن تيمية في معنى الآية: "يقول الله : وإن كان قتل النفوس فيه شرٌّ، فالفتنة الحاصلة بالكفر وظهور أهله أعظم من ذلك، فيندفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما". (١) ثانيًا: السنة المطهرة: ١ - عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ستكون أثرة وأمور تنكرونها" قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: "تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم" (٢). ٢ - وعن أسيد بن حضير ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" (٣). وجه الدلالة: الحديثان يوجهان إلى الصبر على مفسدة أمراء الجور، وتَرْكِ قتالهم لما يترتب عليه من الفتنة الكبيرة والشر المستطير، قال ابن تيمية: "فَأَمَرَ -مع ذكره لظلمهم- بالصبر وإعطاء حقوقهم وطلب المظلوم حقه من الله، ولم يأذن للمظلوم المبغي عليه بقتال الباغي في مثل هذه الصور؛ فإن فيه فتنةً وشرًّا أعظم من ظلمهم، فالمشروع فيه الصبر". (٤) ٣ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ قسمًا، فقلت: والله يا رسول الله لَغيرُ هؤلاء كان أحقَّ به منهم، قال: "إنهم خيروني أن يسألوني بالفُحش، أو

стр. 539

يبخِّلوني، فلست بباخل" (١). وجه الدلالة: "الحديث فيه ارتكاب مفسدة لأجل أخرى؛ فإن القوم خيروه ﷺ بين أمرين مكروهين لا يتركونه من أحدهما: المسألة الفاحشة، والتبخيل، والتبخيل أشدُّ، فدفع ﷺ الأشدَّ بإعطائهم" (٢). ومثل هذا تركه ﷺ الصلاةَ على الغالِّ (٣) والمدين (٤) وتركه قتلَ المنافقين (٥)، وهذا يدل بجلاء على صحة هذه القاعدة، وكثرة تطبيقاتها. وفي تقريرها من جهة القواعد الأصولية والمقاصدية يقول العز ابن عبد السلام ﵀: "وقد أمر الله بإقامة مصالح متجانسة، وأخرج بعضها عن الأمر إنما لمشقة ملابستها، وإما لمفسدة تعارضها، وزَجَرَ عن مفاسد متماثلة، وأخرج بعضها عن الزجر، إما لمشقة اجتنابها، وإما لمصلحة تعارضها". (٦)

стр. 540

القاعدة الثالثة: المصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد فهي المقصودة شرعًا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد (١): معنى القاعدة: تقرَّر فيما مضى من قواعد المقاصد: أن الشريعة تَجلب المصالح وتُكثرها، وتَدفع المفاسد وتُقللها، كل ذلك من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، فالمفاسد أو المصالح ممنوعة أو مشروعة من أجل إقامة الحياة الدنيا على نحو يوصل إلى مرضاته تعالى في الآخرة، لا لمجرد نيل الشهوات الدنيوية، أو تحصيل اللَّذات العاجلة، وإلَّا لما كانت حاجةٌ لإنزال الشريعة "فوضع الشريعة، وإن كان لمصالح العباد، فإنما هو حسب أَمْرِ الشارع، وعلى الحد الذي حدَّهُ، لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم". (٢) والمصالح والمفاسد منها: دنيوي -أي: وجوده في الحياة الدنيا- ومنها: أخروي يكون في الآخرة. فأما المصالح الدنيوية فلا يمكن -بحسب العادة- أن تتجرد عن المفسدة الدنيوية أيضًا، فهي لا تتمحض مصالحَ خالصة لا تشوبها شائبةُ مفسدةٍ من تكليف ومشقة، تصاحب المصلحة أو تسبقها أو تلحقها. يقول العز ابن عبد السلام ﵀: "إن المصالح الخالصة عزيزة الوجود، فإن المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمراكب والمساكن لا تحصل إلا بِنَصَبٍ مقترنٍ بها، أو سابقٍ، أو لاحقٍ" (٣). وكذلك المفاسد قَلَّ أن تتمحضَ، فما من مفسدةٍ إلَّا وتقترن بها أو تلحقها أو تسبقها

стр. 541

مصلحة ما. فالخمر والميسر وإن كانت المفاسد فيها كثيرةً وكبيرةً وراجحةً إلَّا أن فيها مصلحةً ولو كانت قليلةً أو ضعيفةً أو مرجوحةً. ولذا قال سبحانه: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. والشارع الحكيم -سبحانه- في خطابه الشرعي يراعي الغالب من الأمرين، فيكون الحكم الشرعي للغالب، سواء أكان الغالبُ جانبَ الأمر، أم كان الغالبُ جانبَ الحظر، فالشارع يقيم الحكم للغالب من الجهتين: المصلحة أو المفسدة، والمفسدة إذا شابت الفعل المأمور به فليست هي المقصودة بذلك الأمر، وإنما المقصود الجهة الغالبة من المصلحة. وفي هذا يقول العز ﵀: "فإن قيل: الجهاد إفساد، وتفويت للنفوس والأطراف والأموال، وهو مع ذلك قربة إلى الله؟ قلنا: لا يتقرب به من جهة كونه إفساداً، وإنما يتقرب به من جهة كونه وسيلةً إلى درء المفاسد وجلب المصالح" (١). وكذا إقامة القصاص والحدود مع ما فيه من فوات الأنفس والأطراف لمن تقام عليه فإنه إنما يتقرب به من جهة كونه وسيلة إلى درء المفاسد عن المجتمع بأسره. وعليه فإنه عند اختلاط وامتزاج المصالح بالمفاسد الراجعة إلى الدنيا فإنها تفهم على مقتضى الغالب: "فإذا كان الغالب جهة المصلحة، فهي المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلبت الجهة الأخرى، فهي المفسدة المفهومة عرفاً؛ ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوباً إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال فيه: إنه مصلحة، وإذا غلبت جهة المفسدة، فمهروب عنه، ويقال: إنه مفسدة" (٢).

стр. 542

وغني عن البيان أنه متى أمكن تحصيل الصالح ودرء المفاسد كان هذا هو المتعين. وأما إن استوى طرفا المصلحة والمفسدة في الأمر فقد يُتَخير بينهما وقد يُتوقف فيهما. يقول الطوفي: "وإن اجتمع فيه الأمران: المصلحة والمفسدة، فإن أمكن تحصيل المصلحة ودفع المفسدة تعين، وإن تعذر فُعل الأهم من تحصيلٍ أو دفعٍ إن تفاوتا في الأهمية، وإن تساويا فبالاختيار، أو القرعة إن اتجهت التهمة، وإن تعارض مصلحتان أو مفسدتان أو مصلحة ومفسدة وتَرَجَّحَ كل واحد من الطرفين بوجه دون وجه، اعتبرنا أرجح الوجهين تحصيلًا أو دفعًا، فإن تساويا في ذلك عدنا إلى الاختيار أو القرعة". (١) وقد أنكر بعض العلماء وجود حالة يستوي فيها طرفا المصلحة والمفسدة، حتى قال ابن القيم ﵀: "هذا القسم لا وجود له، وإنْ حصرَهُ التقسيم، فإمَّا أن يكون حصوله أولى بالفاعل وهو راجح المصلحة، وإمَّا أن يكون عدمه أولى به وهو راجح المفسدة، وأما فعل يكون حصوله أولى لمصلحته وعدمه أولى به لمفسدته، وكلاهما متساويان، فهذا مما لم يقم دليل على ثبوته، بل الدليل يقتضي نفيه، فإن المصلحة والمفسدة، والمنفعة والمضرة، واللذة والألم، إذا تقابلا فلا بد أن يغلب أحدهما الآخر" (٢). وقد مالت طائفة إلى إثبات هذه الحالة، منهم: العز ابن عبد السلام ﵀ (٣). وقال الغزالي ﵀: "إن الأسباب الدنيوية مختلطة قد امتزج خيرها بشرها، فقلما يصفو خيرها. . . ولكن تنقسم إلى ما نفعه أكثر من ضره. . . وإلى ما ضره أكثر من نفعه وإلى ما يكافئ ضرره نفعه" (٤).

стр. 543

وقد رجَّح بعض العلماء في حالة الاستواء اختيار درء المفسدة، فقد قال ابن السبكي ﵀: "تقديم درء المفاسد على جلب المصالح عند التعارض إنما هو فيما إذا تساويا من حيث المصلحة والمفسدة" (١). وقال الخادمي ﵀ (٢): "والأصل في اجتماع المفسدة والمصلحة ترجيح جانب المفسدة عند الاستواء" (٣). وقد يستدل لذلك المنحى بقوله ﷺ : "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٤). حيث أطلق في الحديث الاجتناب في المنهيات، ولو مع مشقة في الترك، وقيد في المأمورات بقدر الطاقة والوسع، وقد نقل هذا عن الإمام أحمد ﵀. (٥) ولأن الغالب في الواجبات أن لها بدلاً، وأما فعل المحرمات فإنه لا يُتَمَكَّنُ غالبًا من تلافي مفسدتها بعد وقوعها. فلو أن إنساناً أكره على أحد أمرين إما ترك واجب، أو فعل محرم، وهما في رتبة واحدة، فالأولى ترك الواجب بدلاً من فعل المحرم؛ إذ درءُ المفسدة مقدَّمٌ على جلب المصلحة.

стр. 544

أدلة القاعدة: أولًا: القرآن الكريم: ١ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. وجه الدلالة: دلت الآية على أولوية درءِ المفسدة عندما تكون أعظم رتبة من المصلحة حالَ اجتماعها في الخمر أو في الميسر، وهي تدل على أن الحكم للغالب من المصلحة أو المفسدة، وأن المغلوب في حكم الاعتياد لا قيمة له في ميزان الشرع؛ ولهذا لعَن النبيُّ ﷺ في الخمر عشرةَ أصناف (١)؛ مع وجود مصلحة ما لهم فيها. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١].

стр. 545

وجه الدلالة: دلت الآية على المنع من نكاح المشركات وإنكاح المشرك للمؤمنة؛ لما في ذلك من المفسدة الغالبة في الدين، وقطع اعتبار المصلحة المترتبة على هذا النكاح، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾. ثانيًا: السنة المطهرة: ١ - قوله ﷺ في قصة عبد الله بن أبي بن سلول، وقد قال له عمر ﵁: يا رسول الله؛ دعني أضرب عنق هذا المنافق! قال النبي ﷺ : "دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (١). وجه الدلالة: لما عظمت المفسدة بقتل المنافق عبد الله بن أبي بن سلول على مصلحة قتله أَمَرَ النبي ﷺ بالكفِّ عنه؛ فالإبقاء على حياته -مع ما فيه من المفاسد- مصلحته راجحة على مفسدة الصد عن سبيل الله ودينه، إذا تحدث الناس أن محمدًا ﷺ إذا اختلف مع بعض أصحابه قتلهم. ٢ - قوله ﷺ لعائشة حين سألته عن الجدر وباب الكعبة، فقال: "ولولا أن قومك حديثٌ عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تُنكِر قلوبهم أن أُدخل الجَدْرَ في البيت، وأن أُلصِقَ بابه بالأرض" (٢).

стр. 546

وجه الدلالة: غلَّب النبي ﷺ مصلحة تأليف القلوب على الإسلام على مفسدة بقاء جزء من البيت خارج بنائه، وارتفاع باب الكعبة عن الطائفين والزوَّار. ثالثًا: المعقول: ١ - لو أن الجهة المغلوبة كانت مقصودةً للشارع ومعتبرةً لم يكن الفعل مأمورًا به بإطلاق، أو منهيًّا عنه بإطلاق، بل يكون مأمورًا به من حيث المصلحة، ومنهيًّا عنه من حيث المفسدة، ومعلوم قطعًا أن النهي عن الخمر والميسر ونحوهما كان قاطعًا باتًّا غيرَ معللٍ بالمصلحة. (١) ٢ - لو كانت الجهة المغلوبة مقصودةً ومعتبرةً للشارع مع الجهة الغالبة سواءً بسواءٍ لكان تكليفًا بما لا يطاق، وهو باطل شرعًا؛ وذلك لأن الجهة المرجوحة مضادة في الطلب للجهة الراجحة، فيكون المكلف مأمورًا بالإيقاع وبعدمه في وقت واحد في محل واحد، وهو تكليف محالٌ لا يطاق (٢). تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: إن هذه القاعدة الأصولية المقاصدية تقيم البرهان على ارتباط وثيق بين المصلحة من جهة، وبين الأحكام من جهة أخرى، كما أنها تجعل الكلمة الأخيرة عند التعارض هي لنص الشارع الحكيم، مع قطع النظر للمغلوب من المصالح أو المفاسد. ولا شك أنَّ ثمةَ تطبيقاتٍ كثيرةً ومتعددةً لهذه القاعدة وسابقتها في حياة الأقليات الإسلامية، والتي تعيش نائية عن بلاد المسلمين، ومحكومة بغير شرائعهم، وعليه: فإن مسائلَ كثيرةً مما اعتبر الشارع فيها وجوهًا من المصالح أو المفاسد تشرع لأجلها الأحكام سوف تبقى

стр. 547

متأبدةً بأحكامها، وإن حاول بعضهم الولوج إلى استبدال أحكامها أو تغييرها بحجة المصلحة. فالاقتراض الربوي لشراء المساكن -مثلًا- أو التمويل الربوي للأعمال الصناعية أو الإنتاجية سوف يبقى محرمًا بحرمة الربا، وإن ذكرت مصالحُ فهي غير ملتفتٍ إليها من قِبَلِ الشارع الحكيم، وهي مرجوحة أمام عظم المفاسد التي تترتب على مخالفة النصوص الشرعية القطعية، والحقائق التاريخية، والوقائع الجارية والحالية. والتحاق أبناء الأقليات المسلمة بجيوش غير المسلمين، والعمل بها في المجالات العسكرية سيبقى محرمًا بحرمة موالاة غير المؤمنين، وإن ذكرت مصالحُ ترتبط بالمواطنة، أو بغيرها، فهي غير ملتفتٍ إليها من قِبَلِ الشارع الحكيم، وهي أيضًا مرجوحة أمام عظم المفاسد التي تترتب على مخالفة النصِّ الشرعي القطعي. والقدس الأبية أرض إسلامية لا يملك الفلسطينيون أن يتنازلوا عنها، ولا أن يساوموا عليها، ولا أن يبيعوا أرضها لليهود، وإن ذكرت مصالحُ ترتبط بإقامة دولة فلسطينية متنازلة عن قدسها، فهي كذلك غير ملتفتٍ إليها شرعًا، وهي مرجوحة أمام عظم المفاسد التي تترتب على مخالفة النصوص الشرعية، والحقائق التاريخية، والاعتبارات الواقعية.

стр. 548

القاعدة الرابعة: الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم تعارضها مصلحة راجحة (١). القاعدة الخامسة: ما حرم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة (٢). المعنى العام للقاعدتين: هاتان القاعدتان يتجاذبهما نظر الفقيه والأصولي، فالأولى تفيد أن كل وسيلة مباحة تفضي إلى مفسدة غالبًا ومفسدتها أرجح من مصلحتها -يجب منعُهَا وسدُّ طريقها. يقول ابن تيمية ﵀: "كل فعل أفضى إلى المحرم كثيرًا كان سببًا للشر والفساد، فإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية، وكانت مفسدته راجحة نهي عنه". (٣) وهذا ما يعبر عنه العلماء بسدِّ الذرائع، قال الشاطبي: "حقيقة الذرائع: التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة". (٤) وأما القاعدة الثانية فيعبر عنها بقاعدة: فتح الذرائع، فمن الذرائع ما يجب فتحه؛ لما فيه من المصالح الراجحة على المفسدة المتوقعة، فإذا تبين في فعلٍ ما مفسدة ومصلحة راجحة فلا مجال لإعمال قاعدة سدِّ الذرائع؛ لما يترتب عليها من الحرج وتفويت المصالح. قال ابن تيمية ﵀: "وما كان منهيًّا عنه لسد الذريعة، لا لأنه مفسدة في نفسه يشرع إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولا تُفَوَّتُ المصلحة لغير مفسدة راجحة". (٥) ومن الفقهاء من اعتمد سدَّ الذرائع دون فتحها، كالإمام مالك ﵀ فإنه يبالغ في سدِّ الذرائع، حتى ينهى عنها مع الحاجة إليها. (٦)

стр. 549

والمراد بالحاجة هنا المشقة التي تلحق المكلَّف بسبب ترك هذا الفعل، بحيث لا تصل إلى درجة التلف والهلاك. وسبب إيراد هاتين القاعدتين هو تعارض المصالح والمفاسد، فمتى تعارضت مفسدة مرجوحة بمصلحة راجحة، فالعبرة بالراجحة. قال ابن تيمية: "والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم". (١) أدلة القاعدتين: أطال ابن القيم في الاستدلال لسدِّ الذرائع حتى ذكر في إعلام الموقعين تسعةً وتسعين دليلًا على اعتبار سدِّ الذرائع أصلًا شرعيًّا. ومن ذلك ما يلي: أولًا: القرآن الكريم: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. وجه الدلالة: سبُّ دين الكفار الباطل جائز؛ لكن نُهي عنه لما يترتب عليه من المفسدة الكبيرة، وهي مبادلة السب بالسب، ولا شك أن مصلحة تركهم سبَّ الله تعالى راجحة على مصلحة سب آلهتهم الباطلة. (٢) ولكن إذا كان في سبِّ آلهتهم ما يغيظهم فيحملهم على النظر فيما هم عليه من سفه وباطل، ولم ينشأ عن ذلك مفسدة تفوق هذه المصلحة أو تساويها جاز. (٣)

стр. 550

٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. وجه الدلالة: الأصل أن الضرب في الأرض جائز، لكن منع منه أنها قد تتوصل به أحيانًا إلى إبداء زينتها، والتبرج بها، وهذا مفسدته راجحة على مصلحة جواز الضرب، فإن لم يكن أجنبي عنها ففعلت ذلك أمام زوجها لم يكن من حرج. ٣ - قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]. وجه الدلالة: نكاح الكاتبيات جائز فإذا أفضى إلى عزوف المسلمين عن زواج المسلمات، ولَحِقَ بهن ضرر لأجل ذلك جاز للحاكم منعُهُ سدًّا للذريعة، كما فعل عمر ﵁ حين رأى المسلمين استكثروا من نكاح الكتابيات، وأنهن غلبن المسلمين على نسائهم. والنص القرآني لم يجعل نكاح الكتابيات واجبًا، وإنما أباحه فقط، والمباح لا يبقى على بابه إن أدَّى فعله أو تركه إلى ضرر. ثانيًا: من السنة المطهرة: ١ - عن جابر بن عبد الله ﵄: أن عبد الله بن أبي بن سلول قال عقب تداعي المهاجرين والأنصار: أقد تداعوا علينا لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيثَ -لعبد الله- فقال النبي ﷺ :

стр. 551

"لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه" (١). وجه الدلالة: "أنه ﷺ كان يكفُّ عن قتل المنافقين مع كونه مصلحةً؛ لئلَّا يكونَ ذريعةً إلى أن يقال: إنَّ محمدًا يقتل أصحابه؛ لأن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه، وممن لم يدخل فيه، وهذا النفور حرام". (٢) ٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَحَرَّوْا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبَها؛ فإنها تطلعت بقرنَي شيطان" (٣). لما كان الكفار يسجدون للشمس في تلك الأوقات نُهي عن الصلاة فيها؛ لئلَّا يكون المصلي متشبهًا بالكفار، وفي المقابل أبيحتِ النوافلُ ذواتُ الأسباب في أوقات النهي، بناءً على أن النهي عن الصلاة كان لسدِّ الذريعة فيباح للمصلحة الراجحة. (٤) على أن جملة كبيرة من الأحكام يمكن تخريجها على هذا النحو؛ كإباحة النظر إلى المخطوبة، وقد نُهي عن النظر سدًّا لذريعة الفتنة بالنساء، وكإباحة السفر بالمرأة إذا خيف ضياعها كسفرها من دار الحرب، وكسفر أم المؤمنين عائشة ﵂ لما تخلَّفت عن الركب، فسافرت مع صفوان بن المعطل، فإنه لم يُنْهَ عنه إلَّا لإفضائه إلى المفسدة، فإذا

стр. 552

كان مقتضيًا للمصلحة الراجحة لم يكن مفضيًا إلى المفسدة. (١) وكذلك دفع الرشوة مَنْهِيٌّ عنه؛ لأنه وسيلة لأخذ محرم، فلو توقفت عليها حاجةٌ ومصلحة شرعية راجحةٌ أبيحت للدافع وظلَّت حرمتها على الآخذ. (٢) وبالجملة فإن تعميم هذا الأصل اعتمادًا على تلك الشواهد يرجع أيضًا إلى مسألة أصولية هي: القياس على الرخص، وجوازه هو قول الأكثر من الأصوليين؛ لعموم الأدلة على حجية القياس، ولأن الحكم يدور مع العلة، فإذا وجدت علة الرخصة في موضعٍ آخرَ ثبت حكمها (٣). التطبيقات في حياة الأقليات: تموج حياة الأقليات بتدافعات كثيرة يجب التأمل فيها، ومن ذلك: مناظرة المخالفين في أصل الدين ببلاد الأقليات الإسلامية، وبيان فساد معتقداتهم وبطلان أديانهم جائز مع ما يتضمنه من قدح في عقائدهم ومعبوداتهم من دون الله؛ فإن أفضى ذلك إلى مفسدةِ وُلُوغِهِمْ في أعراض المسلمين ودمائهم وأديانهم فيجب الكفُّ عنه؛ سدًّا لهذه الذريعة التي تخول لهم -والدولة بأيديهم- أن يتناولوا أهل الإسلام حالَ استضعافهم بحروب الإبادة والاستئصال. ومن ذلك -أيضًا-: عقودُ التأمين خارج بلاد المسلمين إذا كانت من شأنها إقامة المؤسسات والمشروعات الإسلامية التي تحفظ على المسلمين هنالك أديانهم واجتماع أمرهم كالمدارس والمراكز الإسلامية ونحوها، فإنه يباح إجراؤها، مع أن تلك العقود محرمة سدًّا لذريعة الربا والغرر والقمار وأكل المال بالباطل، لكنها لما تعينت وسيلة لحفظ الأديان بأقامة تلك المؤسسات الإسلامية المهمة جازت؛ لأن ما حرم سدًّا للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة.

стр. 553

القاعدة السادسة: إذا تعارض الواجب والمحظور أيهما يقدم ؟ المعنى العام للقاعدة: لا خلاف أنه إذا تعارض واجب مع مندوب أن يقدم الواجب، وأن الفرض أفضل من النفل، بحيث إذا تعارض واجب مع مندوب أو مسنون، ثم ضاق الوقت عن المسنون؛ فإنه يترك تقديمًا لمصلحة الواجب؛ وذلك لأن الفرض والواجب أحبُّ إلى الله من المندوب، وثوابه أعظم وأكثر. (١) والاتفاق حاصل أيضًا بين الأصوليين على أن الواجب يرجح على ما سوى التحريم فيرجح الوجوب على الكراهة والندب والإباحة، وقد يعبر عن هذا بقول بعض الأصوليين: "يقدم الأمر على ما سوى النهي" (٢). إلا أنه وقع الخلاف: هل يقدم الأمر على النهي، أم يقدم النهي على الأمر مطلقًا، وبعبارةٍ أدقَّ: هل يُقَدَّمُ فعلُ الواجب على ترك المحظور، أم يُقَدَّمُ تركُ المحظور على فعل الواجب عند التعارض؟ أدلة القاعدة: اختلف الأصوليون في ذلك على مذهبين: الأول: يُقَدَّمُ النهي أو المحظور على ما سواه مطلقًا، وهذا مذهب جمهور الأصوليين واختيار أكثرهم (٣).

стр. 554

الثاني: يقدم الأمر أو الواجب على ما سواه مطلقًا، وهذا مذهب ابن تيمية وابن القيم. (١) وذهب الآمدي والهندي (٢) وابن حمدان إلى تقديم المبيح على الأمر أو النهي. (٣) وقد استدل أصحاب المذهب الأول لمذهبهم وعللوه بعدد من الأدلة والتعليلات منها: ١ - أن النهي وَرَدَ جازمًا وعُلِّقَ الأمرُ بالاستطاعة، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷺ : "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". (٤) وقال الشاطبي -تعليلًا لهذا المذهب-: "إن المناهي تمتثل بفعل واحد وهو الكفِّ، فللإنسان قدرة عليها في الجملة من غير مشقة، وأما الأوامر فلا قدرة للبشر على فعل جميعها، وإنما تتوارد على المكلف على البدل بحسب ما اقتضاه الترجيح، فترك بعض الأوامر ليس بمخالفة على الإطلاق بخلاف بعض النواهي فإنه مخالفة في الجملة". (٥) وقال الطوفي -في تسبيب الفرق بين المأمور به والمنهي عنه-: "لأن تَرْكَ المنهي عنه عبارة عن استصحابِ حالِ عدمِهِ والاستمرار على عدمه، وليس ذلك ما لا يُستطاع حتى يسقط التكليف به، بخلاف فعل المأمور به، فإنه عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود، وذلك يتوقف على شروط وأسباب كالقدرة على الفعل ونحوها، وبعض ذلك يستطاع، وبعضه لا يستطاع، فلا جَرَمَ سقط التكليف به؛ لأن الله أخبر

стр. 555

أنه لا يكلِّفُ نفسًا إلا وُسعها، وهذه رخصة عظيمة في كثير من الأحكام". (١) ٢ - النهي يقدم لشدة الطلب فيه، ولاقتضائه الدوام، بخلاف الأمر الذي لا يفيد التكرار فإن النهي يفيده. (٢) واستدل القائلون بتقديم الأمر مطلقًا بمجموعات من الأدلة: قال ابن القيم: "فإن تَرْكَ الأمر أعظمُ من ارتكاب النهي في أكثر من ثلاثين وجهًا، ذكرها شيخنا -يعني: ابن تيمية ﵀- في بعض تصانيفه". (٣) وذكر ابن القيم ﵀ ثلاثة وعشرين وجهًا تدل على أن تَرْكَ الأمر أعظمُ من ارتكاب النهي. (٤) ومن ذلك: ١ - أن الطاعة والمعصية إنما تتعلقان بالأمر أصلًا وبالنهي تبعًا، فالمطيع ممتثل المأمور، والعاصي تارك المأمور، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]. ٢ - أن فعل المأمورات أحبُّ عند الله من ترك المنهيات، ومما يدل على ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وقول النبي ﷺ حين سئل: أي الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها. . . " (٥) ونحو ذلك. وأما في جانب المنهيات فأكثر ما جاء لنفي المحبة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ

стр. 556

الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وأخبر في بعض المواضع أنه سبحانه يكرهها ويسخطها، فقال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]. ٣ - كما أن فِعْلَ المأمور مقصود لذاته، وتَرْكَ النهي مقصود لتكميل فِعْلِ المأمور، فهو منهي عنه لأجل كونه يُخِلُّ بفعل المأمور أو يُضْعِفه وينقصه، كما في نهيه تعالى عن الخمر والميسر بكونهما يصدان عن ذكر الله وعن الصلاة، فالمنهيات قواطع وموانع صادَّةٌ عن فعل المأمورات، أو عن كمالها. ٤ - أن العبادة التي لأجلها خُلِقَ الخلقُ هي تلك الأوامرُ، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ٥ - أنه لو تَرَكَ جميعَ المنهيات، ولم يأتِ بالإيمان والأعمال المأمور بها لم ينفعه ذلك التَرْكُ شيئًا وكان خالدًا في النار، ولو قال المدعو إلى الإيمان: لا أُصدق ولا أُكذب، ولا أُحب ولا أبغض، ولا أعبده ولا أعبد غيره كان كافرًا بمجرد الترك والإعراض، بخلاف ما لو آمن ثم ارتكب المنهيات بغلبة شهوته، أو ضعف عزيمته فلا يكون كافرًا. وقد أجاب أصحاب هذا القول عن أدلة أصحاب القول الأول بما يَرُدُّ مذهبَهُمْ، ومن ذلك: ١ - أن الحديث المستَدَلَّ به على تقييد الأمر بالاستطاعة لا يدل على المدعى من اعتناء الشرع بترك المنهيات أكثر من عنايته بفعل المأمورات؛ وذلك لأن المطلوب هو الكفُّ، فلا يُتَصوَّرُ فيه عدمُ الاستطاعة، بخلاف الفعل؛ فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثَمَّ جاء التقييد في الأمر بحسب الاستطاعة دون النهي. (١) ٢ - كما أن ترك الأمر منهي عنه، واجتناب النهي مأمور به، وما ذكر من يسر تَرْكِ النهي

стр. 557

لا يدلُّ على كون الاعتناء بالنهي أشدَّ من الاعتناء بالأمر. (١) وذهب الآمدي ومن معه إلى تأييد مذهبهم بأدلة كلامية، منها: ١ - أن مدلول المبيح متحد ومحدد، ومدلول الأمر متعدد؛ لأنه يشمل الوجوب والندب والإباحة، فكان المبيح أولى. ٢ - المبيح يمكن العمل بمقتضاه على تقديريه: على تقدير مساواته للأمر، ورجحانه، والعمل بمقتضى الأمر متوقف على الترجيح، وما يتم العمل به على تقديريه، يكون أولى مما لا يتم العمل به إلا على تقدير واحد. ٣ - غاية ما يلزم من العمل بالمبيح تأويل الآخر بصرفه عن محمله الظاهر إلى المحمل البعيد، والعمل بالأمر يلزم منه تعطيل المبيح بالكلية، والتأويل أولى من التعطيل (٢). وقد رُدَّ على تلك الوجوه بردود كثيرة، منها: ١ - أن الإباحة كثيرًا ما تَرِدُ عليها القيودُ التي تحيلها إلى الوجوب، أو الكراهة، أو التحريم، أو الندب، وهذا مما لا يحتمله الأمر أو النهي، فالصلاة واجبة فلا يتغير حكمها بحال، والزنا حرام فلا يتبدل حكمه أبدًا، بخلاف النكاح فإنه يباح في أصله، ويتغير حكمه بناءً على تغير الظروف والأحوال. ٢ - وهذا يدل على ضعف جانب المبيح إذا تعارض مع الأمر أو النهي، وعليه فيقدمان عليه. ٣ - المصالح المترتبة على فعل الأمر وترك النهي أعظم من المصالح المترتبة على فعل المباح؛ وذلك لتعلق الثواب والعقاب بالأمر والنهي بخلاف المباح. وعلى ذلك فإن الحق ظاهر في تقديم الأمر أو النهي إذا تعارضا مع المبيح.

стр. 558

وأما ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم من تقديم الواجب على المحظور، أو الأمر على النهي، فلا شك أن أصل الأوامر الشرعية ورأسها من الإيمان مقدمٌ على فعل كل نهي دون الشرك والكفر. والتعارض المقدر إذا كان بشكل مطلق أو كلي أو أغلبي وكان في محلٍّ واحدٍ أو حالٍ واحدةٍ فيقدم الأمر على النهي، ويكون تَرْكُ الأمر أعظمَ من ارتكاب النهي. وأما ما يتعلق بالجزئيات من ذلك، كأن يتعارض فعل المأمور الجزئي مع ارتكاب المنهي الجزئي في محلٍّ واحد، فينبغي النظر في رتبة المأمور ورتبة المحظور، فإن كانت المفاسد المترتبة على فعل المحرم أعظمَ من مفاسد ترك الواجب احتُمِلت مفسدة ترك الواجب لدرء مفسدة فعل المحرم، وإن كانت مفسدة ترك الواجب أعظمَ ففعل المحرم أولى، وهذا له تعلق بالترجيح بين المصالح والمفاسد عند التعارض، وضوابط ذلك من الكلية والجزئية والتعدي والقصور. وعليه فلا بدَّ ولا غنى عن النظر في مراتب الأمر والنهي، والواجب والمحرم عند التعارض، فإذا تعارضت صغيرة مع واجب شرعي فليقدم الواجب -فضلًا عن ركن أو أصل من أصول الإيمان- وإذا تعارضت الكبيرة مع الواجب الذي هو من جنس الوسائل -مثلًا- فليقدم ترك مثله على ارتكاب مثلها. فإن استوت الرتبتان بين الواجب والمحظور، أو نقصت رتبة الواجب، أو حصل تردد أو اشتباه فليعمل عندئذٍ بمذهب عامة الأصوليين من تقديم درء المفسدة على جلب المصلحة، أو تقديم الامتناع عن ارتكاب المنهي عنه درءًا لمفسدته، ولو فَوَّتَ هذا تحصيلَ مصلحة الأمر. على أنه لا اختلاف على أن ترك الحرام أولى من فعل ما يُستحب، فإذا كان الدنو والقرب من الإمام وإدراك الصف الأول يوم الجمعة وفي الجماعة مستحبًّا متأكدًا فإن تخطي الرقاب يوم الجمعة محرم، فَيُنهَى عن ذلك، ولو فَوَّتَ المصلحة المترتبة على فعل المستحب.

стр. 559

تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات: ما تزال حياة الأقليات تزخر بكثير من التعارضات والتناقضات، ومن أشدها: ما قد يقع من تعارض بين واجب ومحرم، فلو أن امرأة غير مسلمة تمكَّنَ دين الله من قلبها فدخلت في الإسلام فانبتَّتْ صلتها بأهلها من أهل ملتها الأولى، ولم تجد من تأوي إليه من المسلمين في تلك الدار، فأرادت الهجرة أو السفر من ذلك المكان إلى غيره حفظًا لدينها أو خوفًا على حريتها أو حياتها، وهي منهية عن السفر بدون محرم -على ما هو الأصل في حكم سفر المرأة- فإن أمرها بالهجرة والانتقال مقدم هنا على ما عارضه من النهي عن سفرها بغير محرم، فيقدم الأمر على النهي، والواجب على المحظور، على أن رتبة الأمر هنا فوق رتبة النهي؛ فإن النهي هنا من باب النهي عن الوسائل المفضية للفساد والفتنة، والأمر إنما هو من باب المقاصد لإقامة أمر ضروري وهو حفظ الدين. ولو أن مسلمًا عمل بجيش غير المسلمين في ديار الأقليات فتوجَّه الأمر إليه بقتل المسلمين وحربهم -كما وقع للمسلمين الأمريكان عند غزو أمريكا لبلاد الأفغان وغيرها- فقد تعارض ما وجب الوفاء به من الأعمال المتعاقد عليها مع دولته مع النهي عن قتل المسلم للمسلم بدون حقٍّ مشروع؛ فيقدم النهي لأن رتبته أعلى؛ إذ حِفْظُ النفس المعصومة مقدمٌ على حفظ ما دونها؛ ولأن المفاسد المترتبة على قتل المسلم -وهو كبيرة- أعظمُ من المفاسد المترتبة على تركه الوفاءَ بمقتضيات عقد وظيفته الذي هو من جنس الوسائل. والأمثلة على تلك التعارضات في بلاد الأقليات كثيرة شهيرة، والموفَّقُ مَنْ عصمه الله.

стр. 560

المطلب الثاني: القواعد الفقهية: القاعدة الأولى: إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع (١): القاعدة الثانية: درء المفاسد أولى من جلب المصالح (٢): المعنى العام للقاعدتين: هاتان القاعدتان متقاربتان في المعنى، وقد تقدم في قواعد الأصول ما يدل على أن محلهما إذا توارد المقتضي والمانع على محل واحد، أما إذا لم يردا على محل واحد فإنه يعطى كل منهما حكمه. فلو أنه جَمَعَ بين من تحلُّ له ومن لا تحلُّ له في عقد واحد: صحَّ العقد في الحلال، وبطل في الأخرى، وكما لو جَمَعَ بين وقف وملك، وباعهما صفقةً واحدة: صحَّ في الملك بحصته من الثمن. وكما لو جَمَعَ بين ماله ومال غيره وباعهما صفقةً واحدةً؛ لأنه يصح في ماله ويتوقف في مال الغير على إجازة المالك. وهاتان القاعدتان قد يخرج عنهما فروع تُستثْنَى بسبب ما قد يحصل من التردد في الفروع، وتقدير المصالح ورجحانها على المفاسد والعكس؛ لأن المراد من تقديم المانع على المقتضي هو رعايته وتقديم العمل به. وعليه: فإن محلهما في حال تساوي المصالح والمفاسد أو التردد في أيهما أغلب، فيجوز الكذب بين المتخاصمين للإصلاح؛ إذ مفسدة الكذب قاصرة على نفس الفاعل، وهو من يصلح، والمصلحة متعدية، وهنا غلب جلب المنفعة على درء المفسدة.

стр. 561

وقد عد العز ابن عبد السلام ﵀ في قواعده ثلاثًا وستين موضعًا، وكلها ترجح فيها جلب المصالح والمنافع على درء المفاسد. (١) على أنه قد يتعارض مانعٌ ومقتضٍ، ولا يقدم أحدهما على الآخر، بل يعمل في كل منهما بما يقتضيه، وقد مَثَّلوا لذلك بالمسألة التالية: رجل قال لامرأته: إن لم أطلقك اليوم ثلاثًا فأنت طالق، ثم أراد أن لا يطلق امرأته، ولا يصير حانثًا، قالوا: الحيلة في هذا ما روي عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- وعليه الفتوى: أن يقول لامرأته في اليوم: أنت طالق ثلاثًا على ألف درهم، فإذا قال لها ذلك تقول المرأة: لا أقبل، فإذا قالت المرأة ذلك ومضى اليوم كان الزوج بارًّا في يمينه، ولا يقع الطلاق؛ لأنه طلقها في اليوم ثلاثًا، وإنما لم يقع الطلاق عليها لردِّ المرأة، وهذا لا يُخرج كلامَ الزوج من أن يكون تطليقًا. (٢) ولا فرق عندهم في تقديم المانع على المقتضي بين أن يجيئا معًا كأكثر الفروع والأمثلة المضروبة والمخرجة على القاعدة، وبين أن يطرأ المانع على المقتضي قبل حصول المقصود من المقتضي، ففي كلٍّ يُقَدَّمُ المانع، كما لو شهد لامرأة أجنبية عنه، ثم صار أجيرًا -أي: أجيرًا خاصًّا- قبل القضاء بشهادته بطلت شهادته في المسألتين. (٣) أدلة القاعدتين: سبقت أدلة للقاعدتين من القرآن، والسنة، والمقاصد، والقواعد الشرعية، ويمكن إضافة الحديث التالي:

стр. 562

- عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "ردَّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا" (١). وجه الدلالة: المصلحة الخاصة عارضتها مفسدةٌ متعديةٌ؛ بحيث إن مصلحة الانقطاع للتعبد عارضتها مفسدة تقليل نسل الأمة، ومنْع تكثير سوادها، مع ما في ذلك من المفاسد التي تعود عليه خاصة. ونحو هذا المعنى ثابت في حديث أنس بن مالك ﵁ قال أنس ﵁: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رَغِب عن سنتي فليس منِّي" (٢).

стр. 563

القواعد من الثالثة إلى السابعة: ٣ - الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. (١) ٤ - يُختار أهون الشرين أو أخف الضررين. (٢) ٥ - يُتَحَمَّلُ الضرر الخاص لدفع الضرر العام. (٣) ٦ - إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمها ضررًا بارتكاب أخفهما. (٤) ٧ - إذا اجتمع ضرران أسقط الأصغر الأكبر (٥) المعنى العام للقواعد: هذه القواعد مختلفةٌ مبنًى مقتربةٌ معنًى في الجملة؛ لذا ناسب جمعها معًا، وهي متعلقة بالقاعدة الفقهية السابقة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، ومتفرعة عن القاعدة الكلية الكبرى: "لا ضرر ولا ضرار". وهي تدور حول المعنى الكلي العظيم والذي ابتنيت عليه الشريعة السمحة من تحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها. وتعتبر قاعدة: "يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام" مبنيةً على المقاصد الشرعية في مصالح العباد، استخرجها المجتهدون من الإجماع، ومعقول النصوص، وتعتبر قيدًا لقاعدة: "الضرر لا يزال بمثله". (٦) فالشرع إنما جاء ليحفظ على الناس دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأنسابهم،

стр. 564

وأموالهم، فكل ما يؤدي إلى الإخلال بواحد منها فهو مضرة يجب إزالتها ما أمكن، وفي سبيل تأكيد مقاصد الشرع بدفع الضرر الأعم بارتكاب الضرر الأخص، ولهذه الحكمة شُرِعَ حدُّ القطع حمايةَّ لَلأموال، وحدُّ الزنا والقذف صيانةً للأعراض، وحدُّ الشرب حفظًا للعقول، والقصاصُ وقتلُ المرتد صيانةَّ لَلأنفس والأديان، ومن هذا القبيل شُرِعَ قتلُ الساحرِ المضرِ، والكافرِ المضلِّ؛ لأن أحدهم يفتن الناس، والآخر يدعوهم إلى الكفر، فيتحمل الضرر الأخص ويرتكب؛ لدفع الضرر الأعم. (١) ولأجل هذا جوَّز الفقهاء الحجرَ على المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس. (٢) أدلة القواعد: أدلة هذه القواعد كثيرة شهيرة تقدم عدد منها، ويمكن أن نسوق دليلين للتمثيل فقط من الكتاب والسنة: أولًا: القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وجه الدلالة: قررت الآية حكمين هامين هما: حرمة الميتة والدم ولحم الخنزير، والثاني إباحة الميتة للمضطر. وبالنظر في الآية يظهر التعارض بين مفسدتين إحداهما أعظم من الأخرى، فالأكل من الميتة مفسدة ومعصية، وترك الأكل منها مع عدم وجدان غيرها مفسدة أعظم؛ لإفضائها إلى هلاك النفس وفواتها بالجوع.

стр. 565

والأُولى دون الثانية في الضرر والمفسدة؛ لذا جاء الحكم الشرعي بإباحتها للمضطر عند خوف الهلكة. ثانيًا: السنة المطهرة: حديث أنس بن مالك ﵁: أن أعرابيًّا قام إلى ناحية في المسجد فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله ﷺ : "دعوه ولا تزرموه". فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبَّهُ عليه (١). وجه الدلالة: قال الإمام النووي: "وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأتِ بالمخالفة استخفافًا أو عنادًا، وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما؛ لقوله ﷺ : "دعوه" لمصلحتين إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد" (٢). على أنه لو حبس بوله تضرر، ولو أنهم نهروه لنفر، وربما رجع عن دينه، فاحتملت أدون المفسدتين لدرء أعلاهما.
следующие страницы →