وقد عد العز ابن عبد السلام ﵀ في قواعده ثلاثًا وستين موضعًا، وكلها ترجح فيها جلب المصالح والمنافع على درء المفاسد. (١)
على أنه قد يتعارض مانعٌ ومقتضٍ، ولا يقدم أحدهما على الآخر، بل يعمل في كل منهما بما يقتضيه، وقد مَثَّلوا لذلك بالمسألة التالية:
رجل قال لامرأته: إن لم أطلقك اليوم ثلاثًا فأنت طالق، ثم أراد أن لا يطلق امرأته، ولا يصير حانثًا، قالوا: الحيلة في هذا ما روي عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- وعليه الفتوى:
أن يقول لامرأته في اليوم: أنت طالق ثلاثًا على ألف درهم، فإذا قال لها ذلك تقول المرأة: لا أقبل، فإذا قالت المرأة ذلك ومضى اليوم كان الزوج بارًّا في يمينه، ولا يقع الطلاق؛ لأنه طلقها في اليوم ثلاثًا، وإنما لم يقع الطلاق عليها لردِّ المرأة، وهذا لا يُخرج كلامَ الزوج من أن يكون تطليقًا. (٢)
ولا فرق عندهم في تقديم المانع على المقتضي بين أن يجيئا معًا كأكثر الفروع والأمثلة المضروبة والمخرجة على القاعدة، وبين أن يطرأ المانع على المقتضي قبل حصول المقصود من المقتضي، ففي كلٍّ يُقَدَّمُ المانع، كما لو شهد لامرأة أجنبية عنه، ثم صار أجيرًا -أي: أجيرًا خاصًّا- قبل القضاء بشهادته بطلت شهادته في المسألتين. (٣)
أدلة القاعدتين:
سبقت أدلة للقاعدتين من القرآن، والسنة، والمقاصد، والقواعد الشرعية، ويمكن إضافة الحديث التالي:
стр. 562
- عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "ردَّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا" (١).
وجه الدلالة:
المصلحة الخاصة عارضتها مفسدةٌ متعديةٌ؛ بحيث إن مصلحة الانقطاع للتعبد عارضتها مفسدة تقليل نسل الأمة، ومنْع تكثير سوادها، مع ما في ذلك من المفاسد التي تعود عليه خاصة.
ونحو هذا المعنى ثابت في حديث أنس بن مالك ﵁ قال أنس ﵁: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رَغِب عن سنتي فليس منِّي" (٢).
стр. 563
القواعد من الثالثة إلى السابعة:
٣ - الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. (١)
٤ - يُختار أهون الشرين أو أخف الضررين. (٢)
٥ - يُتَحَمَّلُ الضرر الخاص لدفع الضرر العام. (٣)
٦ - إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمها ضررًا بارتكاب أخفهما. (٤)
٧ - إذا اجتمع ضرران أسقط الأصغر الأكبر (٥)
المعنى العام للقواعد:
هذه القواعد مختلفةٌ مبنًى مقتربةٌ معنًى في الجملة؛ لذا ناسب جمعها معًا، وهي متعلقة بالقاعدة الفقهية السابقة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، ومتفرعة عن القاعدة الكلية الكبرى: "لا ضرر ولا ضرار".
وهي تدور حول المعنى الكلي العظيم والذي ابتنيت عليه الشريعة السمحة من تحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها.
وتعتبر قاعدة: "يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام" مبنيةً على المقاصد الشرعية في مصالح العباد، استخرجها المجتهدون من الإجماع، ومعقول النصوص، وتعتبر قيدًا لقاعدة: "الضرر لا يزال بمثله". (٦)
فالشرع إنما جاء ليحفظ على الناس دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأنسابهم،
стр. 564
وأموالهم، فكل ما يؤدي إلى الإخلال بواحد منها فهو مضرة يجب إزالتها ما أمكن، وفي سبيل تأكيد مقاصد الشرع بدفع الضرر الأعم بارتكاب الضرر الأخص، ولهذه الحكمة شُرِعَ حدُّ القطع حمايةَّ لَلأموال، وحدُّ الزنا والقذف صيانةً للأعراض، وحدُّ الشرب حفظًا للعقول، والقصاصُ وقتلُ المرتد صيانةَّ لَلأنفس والأديان، ومن هذا القبيل شُرِعَ قتلُ الساحرِ المضرِ، والكافرِ المضلِّ؛ لأن أحدهم يفتن الناس، والآخر يدعوهم إلى الكفر، فيتحمل الضرر الأخص ويرتكب؛ لدفع الضرر الأعم. (١)
ولأجل هذا جوَّز الفقهاء الحجرَ على المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس. (٢)
أدلة القواعد:
أدلة هذه القواعد كثيرة شهيرة تقدم عدد منها، ويمكن أن نسوق دليلين للتمثيل فقط من الكتاب والسنة:
أولًا: القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
وجه الدلالة:
قررت الآية حكمين هامين هما: حرمة الميتة والدم ولحم الخنزير، والثاني إباحة الميتة للمضطر.
وبالنظر في الآية يظهر التعارض بين مفسدتين إحداهما أعظم من الأخرى، فالأكل من الميتة مفسدة ومعصية، وترك الأكل منها مع عدم وجدان غيرها مفسدة أعظم؛ لإفضائها إلى هلاك النفس وفواتها بالجوع.
стр. 565
والأُولى دون الثانية في الضرر والمفسدة؛ لذا جاء الحكم الشرعي بإباحتها للمضطر عند خوف الهلكة.
ثانيًا: السنة المطهرة:
حديث أنس بن مالك ﵁: أن أعرابيًّا قام إلى ناحية في المسجد فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله ﷺ : "دعوه ولا تزرموه". فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبَّهُ عليه (١).
وجه الدلالة:
قال الإمام النووي: "وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأتِ بالمخالفة استخفافًا أو عنادًا، وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما؛ لقوله ﷺ : "دعوه" لمصلحتين إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد" (٢).
على أنه لو حبس بوله تضرر، ولو أنهم نهروه لنفر، وربما رجع عن دينه، فاحتملت أدون المفسدتين لدرء أعلاهما.
стр. 566
المبحث السابع القواعد المتعلقة بالمآلات
المطلب الأول: القواعد الأصولية والمقاصدية
القاعدة الأولى: النظير في المآلات معتبر مقصود شرعًا:
المعنى العام للقاعدة:
المآلات هي واحد المآل، وهو مصدر ميمي من آل الشيء يؤول أَوْلًا ومآلًا بمعنى: رجع، والموئل: المرجع وزنًا ومعنًى.
كما يأتي بمعنى الإصلاح والسياسة، من قولهم: آلَ المالَ، أي: أصلحه وساسه، وآل على القوم: أي: ولي عليهم (١).
واعتبار المآل من حيث معناه الإضافي بمعنى الاعتداد بالشيء وما يصير إليه.
أما المعنى الاصطلاحي لاعتبار المآلات وباعتبار هذا التركيب فله معنى لقبي خاص يضبط حقيقته، ويبين ماهيته، فإنه يدور حول تحقيق المناط في آحاد الصور بالنظر إلى مقاصد الشرع في تشريع الأحكام؛ فهو حكم على مقدمات التصرفات والأفعال بالنظر إلى نتائجها وما تفضي إليه.
وقد عبَّر عن هذا بعض الباحثين بقوله: "هو تحقيق مناط الحكم بالنظر في الاقتضاء التبعي الذي يكون عليه عند تنزيله من حيث حصول مقصده، والبناء على ما يستدعيه ذلك الاقتضاء" (٢).
стр. 567
فهذا المبدأ يُعْنَى بمراعاة ما ينشأ عن تصرفات وأفعال المكلفين من آثار وأحوال لها دخل مباشر في تكوين مناط الحكم وتكييفه، ومن ثم إصدار الحكم على تلك الأفعال بحسب ما تنتهي إليه وتفضي من النتائج.
على أنه من المآلات ما يكون قطعيًّا في تحققه وحصوله، ومنها ما يكون ظنيًّا في تحققه، ولم يبلغ مبلغ القطع واليقين، ومنها ما يكون نادرًا، أو موهومًا.
ومحل النظر في المآلات إنما هو في الأفعال والتصرفات.
ولذا عبر عنها الشاطبي بقوله: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا" (١).
والأفعال هي كل ما يصدر عن المكلَّف، وتتعلق به قدرته من قول أو فعل أو اعتقاد أو نية (٢).
فيشمل الفعل وهو أعم من الاعتقاد والقول، كما يشمل الواقع والمتوقع؛ لأنهم عبروا بالتعلق عما من شأنه أن يتعلق وإن لم يقع بعد، تسميةً للشيء باسم ما يؤول إليه (٣).
ولا يشترط في هذه الأفعال أن تكون موافقة أو مخالفة، فهي عمومًا يُنْظَرُ في آثارها وما يترتب عليها من نتائجها مطلقًا.
وهذه القاعدة وثيقة التعلق بقواعد المقاصد، والتي من أهمها: "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع" (٤).
كما ترتبط بالقاعدة المقاصدية الأخرى: المقاصد معتبرة في التصرفات (٥)، وهي قريبة من القاعدة الفقهية الكبرى: الأمور بمقاصدها (٦).
стр. 568
والقاعدة مترتبة على مجموعة القواعد المتعلقة بالتعارض بين المصالح والمفاسد؛ وذلك لأن فعل المكلف قد يكون مشروعًا لمصلحة فيه تُسْتَجْلَبُ، أو مفسدة تُدرأ، ولكن بالنظر إلى مآله قد نجده على خلاف ما قُصِدَ فيه، فإذا أُطْلِقَ القول فيه بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي استجلاب المصلحة، أو تزيد عليها، مما قد يمنع إطلاق القول بالمشروعية.
وبالمثل إذا أُطْلِقَ القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية.
وعليه: فإن إهمال النظر إلى المآلات من حيث إفضاء الأفعال والتصرفات إلى نقيض المقصود الذي شُرِعَتْ له يُرتب أنواعًا من الخلل؛ إذ ربما أدى القول بعدم مشروعية الفعل إلى استدفاع مصلحة تربو على المفسدة التي مُنِعَ الفعلُ من أجلها.
وقد يؤدي القول بإطلاق مشروعية الفعل إلى جلب مفسدة أكبر من المصلحة التي شُرِعَ الفعل من أجلها، وهكذا تكون الآثار المترتبة على إهمال النظر إلى المآل على الضد والنقيض مما قصده الشارع وأراده، ونقيض مقصد الشارع باطل، فما يؤدي إليه مثله.
وبناءً على ذلك فإن المجتهد الناظر في هذه المسائل -لا سيما المستجدة والنازلة- عليه أن يراعي مآلات الأفعال، ونتائجها بما يتفق مع مقصد الشارع من تشريع تلك الأفعال والتصرفات، فإذا كان الفعل في مآله لا يتفق مع مقصد الشارع منعه المجتهد ابتداءً قبل وقوعه؛ لأن "الدفع أسهل من الرفع" (١).
وهذه القاعدة تتطلب من المجتهد أن يكون دقيقَ النظر عميقَ البحث، وقد علَّق الشاطبي على أهمية الدربة على هذا المعنى، فقال: "وهو مجال للمجتهد صعبُ المورد،
стр. 569
إلا أنه عذبُ المذاق، محمودُ الغِبِّ، جارٍ على مقاصد الشريعة" (١).
أدلة القاعدة:
أولًا: القرآن الكريم:
١ - مجموعة الآيات المستدَلُّ بها على قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].
ونحوها من الآيات، فهي تنهى عن أفعال معينة تؤول عاقبتها إلى عكس مقصودها من تعظيم الله تعالى.
٢ - مجموعة الآيات التي ترشد إلى اعتبار المآل بدليل ربط الشارع بين الأحكام ونتائجها العملية، نحو:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]،
فهذه الآيات ترشد إلى اعتبار مآل هذه التصرفات والأفعال بشكل مباشر في تحصيل التقوى، وحصول أمن المجتمعات، وتُحقق الحفاظ على حياة الناس.
٣ - مجموعة الآيات التي تبين اعتبار المآلات بشكل خاص، ومنها: قوله تعالى:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ
стр. 570
كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩].
وجه الدلالة:
لا شك أن إعطابَ السفينة أو إلحاقَ ضررٍ بها ينبغي منعه ودفعه؛ لكونه مضرَّةً ومفسدةً، لكن لما لُوحظ مآلُ هذا الفعلِ من نجاةِ السفينةِ من الملِكِ الظالم كان هذا الإضرارُ محمودًا من جهةِ مآله، ومشروعًا من جهة نتيجته.
٤ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
وجه الدلالة:
قد يجلد من رأى الزنا بعيني رأسه فشهد به من غير أن يأتي عليه بأربعة شهداء، وهذا في ذاته ضررٌ ومفسدةٌ إلَّا أنها لمَّا حفظتِ الأعراضَ ومنعت من إشاعة الفاحشة أو تشويه الشرفاء، فقد جاء هذا الاحتياطُ في عدد الشهود، وإقامة حدِّ القذف على من قذف؛ للمآلِ المرجو من حفظ المجتمع المسلم أن تُستعلَنَ فيه الفاحشةُ، أو تُنتهكَ فيه أعراضُ المؤمنين بالبهتان.
٥ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١].
وجه الدلالة:
السؤال وسيلة العلم، والنبي ﷺ خيرُ من يُسأل؛ ليبين أحكام الله تعالى، فإذا ترتب على هذا السؤال تشديدٌ على المسلمين بتشريع يوجب أو يمنع فإن السؤال لا يكون مآله محمودًا؛ إذ أعظم المسلمين في المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء فَحُرِّمَ لأجل مسألته، أو وجب لأجل مراجعته، والأصل أن ما سكت عنه الشارعُ الحكيمُ فهو عفوٌ ورحمة منه بعباده.
وقد ذُمَّ السابقون بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.
ثانيًا: السنة المطهرة:
стр. 571
الأحاديث التي سبقت في قواعد تعارض المصالح والمفاسد وتدافعها، مثل:
١ - حديث بول الأعرابي في المسجد، ونهيه ﷺ عن قطع بوله (١)؛ لما يؤول من انتشار النجاسة وحصول النفرة.
٢ - وحديث امتناعه ﷺ عن قتل المنافقين؛ لئلَّا يتحدث الناسُ أن محمدًا ﷺ يقتل أصحابه! (٢)، ونحو ذلك.
٣ - وعن عوف بن مالك ﵁ قال: قال ﷺ : "خيار أئمتكم الذين تُحبونهم ويُحبونكم، وتُصَلُّون عليهم ويُصَلُّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم، وتَلعنونهم ويَلعنونكم". قالوا: قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: "لا ما أقاموا فيكمُ الصلاةَ، لا ما أقاموا فيكمُ الصلاةَ، ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فَلْيَكْرَهْ ما يأتي من معصية الله، ولا يَنْزِعَنْ يدًا من طاعة" (٣).
وجه الدلالة:
في الخروج على الظالم مصلحةُ عزله وتوليةُ العدلِ، وإشاعةُ الصلاحِ، وإزالةُ الفسادِ، إلَّا أنه لما يؤول إليه ويفضي من استباحة دماء أهل الإسلام، وحصول الفتن في مجتمعات المسلمين، وغيرِ ذلك من أسبابٍ- أمر النبي ﷺ بالصبر على جور الأئمة، وعدمِ منابذتِهم أو الخروجِ عليهم.
٤ - عن أم كلثوم بنت عقبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: "ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس، ويقول خيرًا وينمي خيرًا". وقالت: لم أسمعْهُ
стр. 572
يُرَخِّصُ في شيءٍ مما يقول الناس إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجلِ امرأتَهُ، وحديثُ المرأةِ زوجَهَا (١).
وجه الدلالة:
"الكذب مفسدة محرمة، إلَّا أن يكونَ فيه جلبُ مصلحةٍ، أو درءُ مفسدةٍ، فيجوزُ تارةً، ويجبُ أخرى، وله أمثلةٌ، أحدها: أن يكذب لزوجته لإصلاحها وحسن عشرتها فيجوز؛ لأن قبح الكذب الذي لا يضرُّ ولا ينفع يسيرٌ، فإذا تضمن مصلحةً تربو على قبحه أُبيح الإقدام عليه تحصيلاً لتلك المصلحة، وكذلك الكذبُ للإصلاح بين الناس، وهو أولى بالجواز؛ لعموم مصلحته" (٢).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى اثنانِ دون صاحبِهما؛ فإن ذلك يحزنه" (٣).
وجه الدلالة:
الأصل في التناجي الجواز، لكن لما وُجد ثالثٌ يحزنه ذلك، وربما يفضي إلى عداوة كان ممنوعًا منه؛ لما يؤول إليه من المفسدة الراجحة.
ثالثًا: أقوال الصحابة وفتاويهم:
١ - فتوى عمر ﵁ في قتل الجماعة بالواحد، وقوله: "لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم" (٤).
والأصل أن النفس بالنفس، لكن لما خُشِيَ من أن يقع الاشتراك في القتل ليدرأ
стр. 573
القصاص، فيكون من ذلك مفاسدُ عظيمةٌ تفضي إلى إبطال القصاص -أفتى عمر ﵁ بقتل الجماعة إذا تمالؤوا على قتل واحد.
وقد كتب عمر ﵁ إلى حذيفةَ بنِ اليمان بأن يُطَلِّقَ امرأة كتابية تزوجها (١)؛ لئلا يفضي هذا إلى إهمال الزواج من المسلمات.
كما حكم بإيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثًا (٢)؛ ليتعودوا الاحتياط، وليتحفظوا في باب الأَيمان.
وقد تنازل الحسنُ بن عليٍّ ﵁ عن الخلافة لمعاويةَ لِيُصلح بين فئتين عظميتين من المسلمين، وكان جديرًا بالخلافة حقيقًا بها (٣).
رابعًا: المعقول:
عَرَضَ الشاطبيُّ لثلاثةِ أدلةٍ هي:
الدليل الأول: التكاليف الشرعية إنما شُرعت لمصالح العباد، وهي إما دنيوية أو أخروية، فأمَّا الأخروية فترجع إلى مآل المكلف في آخرته؛ ليكون من أهل النعيم المقيم، لا من أهل الجحيم.
стр. 574
وأما الدنيوية: فإن الأعمال مقدمات لنتائج المصالح، وهي أسباب لمسببات مقصودة للشارع الحكيم، والمسبباتُ هي مآلاتُ الأسباب، فاعتبارُها في جريان الأسبابِ مطلوبٌ، وهو معنى النظر في المآلات.
الدليل الثاني: أن مآلات الأعمال إما أن تكون معتبرةً شرعًا، أو غير معتبرة، فإن اعتبرت فهو المطلوب، وإن لم تعتبر أمكن أن يكون للأعمال مآلاتٌ مضادةٌ لمقصود تلك الأعمال، وذلك غير صحيح؛ لما تقرر سابقًا من أن التكاليف الشرعية لمصالح العباد، ولا مصلحة تتوقع مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد.
الدليل الثالث: الاستقراء التامُّ؛ وذلك لأنَّ تَتَبُّعَ أدلة الشريعة المختلفة يُرشد إلى اعتبار النظر في المآلات جملةً وتفصيلًا (١).
وبالجملة فإن الأدلة الدالة على هذا الأصل ليست مقصورةً ولا محصورةً بما سبق، ولقد ساق ابن القيم ﵀ تسعةً وتسعين دليلًا من الكتابِ والسنةِ وعملِ الصحابة ﵃ كلها تنطق بهذا الأصل وتقرره (٢).
ضوابط الاجتهاد بالنظر في المآلات:
ومما ينبغي الالتفات إليه في هذه القاعدة: ضوابطُ الاجتهاد بالنظر في المآلات، ومن ذلك:
١ - تَرَجُّحُ حصولِ المآل سواء أكان مصلحة أم مفسدة، وذلك بغلبة الظن على أقل تقدير:
وقد قضى عمر في رجلٍ فتحَ نوافذَ على بيتِ جارِهِ بأن يوضع سرير خلف تلك الكوى النافذة، ويقوم عليه رجل، فإن تأتَّى له النظرُ إلى ما في دار الرجل مُنِعَ من ذلك،
стр. 575
وإن لم يتأتَّ له ذلك لم يُمنع (١)، وهذا إنما ينطلق من التحقق من مفسدةِ هذا العمل مآلًا.
٢ - أن يكون النظر على وفق مقاصد الشريعة:
وذلك لأن المآلات ربما وقع فيها تعارضٌ بين مصلحة ومفسدة، وفي حال التزاحم لا بدَّ من الاحتكام إلى مقاصد الشريعة، فلا عبرةَ بمفسدة هيئة في جنب مصلحة عظمى.
فالتصرف إذا كان سيفضي إلى مفسدة أكيدة، أو إبطالِ مقصدٍ شرعيٍّ مُنِعَ منه، وإن كان جائزًا في الأصل، واتَّفَقَ على شرعية هذا التصرفِ سائرُ المحققين من العلماء. (٢)
٣ - أن يكون المآل المتوقع منضبطًا في علته وحكمه:
فلا بدَّ أن تكون مفسدة المآل أو مصلحته مسلَّمةَ الحكمِ، بحيث لا يخالف من يعتدُّ بقوله في مقتضاه، وإلاَّ فإن الاجتهاد على هذا النحو مقدوحٌ فيه بمنع حكم الأصل، وكذا ينبغي أن تكون العلة محققةَ الظهورِ في هذا المآل ومعتبرةً في مقدارها، بحيث يتفق على أن هذا القدر منها يعدُّ فاحشًا كثيرًا، يخرج عن مألوف العرف، وتبقى بقاءً مؤثرًا، أو تتمادى في الكبر.
وقد ذكر ابن عبد البر أن المفسدة التي يُحْكَمُ بوجوب دفعها هي ما بان ضررها، وبقي أثرها، وخِيفَ تماديها (٣).
تعلق قاعدة المآلات بالقواعد الأصولية والمقاصدية:
تعتبر قاعدة مراعاة المآلات والنظر في عواقب التصرفات بمثابة الأصل العامِّ والمستند الأول لعدد من القواعد التشريعية العامة، وهذا ما أشار إليه الشاطبي بقوله: "هذا الأصل
стр. 576
ينبني عليه قواعدُ، منها: قاعدة الذرائع (١). . .، ومنها: قاعدة الحيل. . . (٢)، ومما ينبني على هذا الأصل قاعدة الاستحسان (٣)، ومنها: قاعدة مراعاة الخلاف" (٤)، وقاعدة: التقييد في استعمال الحق.
فجميع هذه القواعد متفرعة عن أصل النظر إلى المآل، وبيان ذلك: أن سدَّ الذرائع هو: حسم الوسائل التي ظاهرها المشروعية، وتؤدي إلى الوقوع في ممنوع منهيٍّ عنه غالبًا أو كثيرًا (٥)، وتظهر صلة هذا المنهج الأصولي بمبدأ النظر إلى المآل من خلال معرفة أركانه الثلاثة، وهي:
١ - الوسيلة المشروعة.
٢ - والمتوسل إليه الممنوع.
٣ - والواسطة بين هذين الطرفين، وهو الإفضاء (٦).
فلما صارت الوسيلة المشروعة مفضيةً في الكثير أو الغالب إلى مآل ومقصد محرم مُنعت تلك الوسيلة التفاتًا إلى مفسدة المآل؛ كونها أغلب وأرجح، وشواهدها جميعُ ما تقدَّم، من مثل: النهي عن سب آلهة المشركين، والامتناع عن قتل المنافقين.
والملاحظ في سدِّ الذريعة أن الفعل المشروع المؤدي -كثيرًا أو غالبًا- إلى مآل محظور يمنع بقطع النظر عن قصد الممارس لذاك الفعل، أي: أنه يمنع سواء أقصد المكلف ذاك
стр. 577
المآل، أم لم يقصده، إمعانًا في سدِّ أبواب الممنوعات.
أما بالنسبة لقاعدة منع الحيل: فيظهر وجه صلتها بمبدأ النظر إلى المآل بالنظر إلى حقيقتها؛ إذ هي تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر (١)، كالواهبِ مالَهُ عند رأس الحولِ فرارًا من الزكاة، فإن الهبة في أصلها مشروعة، ولكنها آلت في هذا الظرف إلى مآلٍ ممنوع، وهو التهرب من الزكاة، فاعتبرت في حكم العدم، وعُومل الواهبُ بنقيض مقصوده (٢).
وأما قاعدة الاستحسان: فقد سبقت الإشارة إليها، وإظهار ما بينها وبين مبدأ رفع الحرج من علاقة وصلة، أما صلتها بمبدأ النظر إلى المآل فيبدو باستحضار وجه الصلة بينها وبين مبدأ رفع الحرج؛ ذلك أن القول باطراد الحكم الأصلي المقتضي الحظرَ قد يؤول إلى الإيقاع في الحرج والمشقة، وتفويتِ حاجةٍ أساسيةٍ للعامةِ، فالالتفات إلى ذلك المآلِ اقتضى العدولَ بالمسألة من حكمِ نظائرِهَا إلى ما هو مخالفٌ، وهذا ما أشار إليه الشاطبي بقوله: "فيكون إجراء القياس مطلقًا في الضروري يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده، فَيُستثنَى موضعُ الحرج". (٣)
وقد قرر الشاطبي أن قاعدة الاستحسان عند مالك ترجع إلى نظرية اعتبار المآل، (٤) فجعل الاستحسانَ مبنيًّا على قاعدة المآل، لا على مجرد التشهي والتشريع بحسب الهوى.
وأما قاعدة مراعاة الخلاف: فتتجلى صلتها بالوقوف على المقصود بهذه القاعدة؛ إذ
стр. 578
مفاد هذه القاعدة: اعتبار رأي المخالف في الحكم رغم مرجوحية دليله؛ نظرًا لما يلزم عن التقيد في بعض الوقائع من مآلٍ ممنوع (١).
وأمثلة ذلك كثيرة، منها:
١ - ما قاله العز ابن عبد السلام ﵀ من جواز صلاة الشافعي خلف المالكي وبالعكس، وإن اختلفا في كثير من الفروع التي تمسُّ شروطَ الصلاة مراعاةً منه لرأي المخالفين؛ ذلك أن القول ببطلان صلاة غير الشافعي سيؤدي إلى مفسدة كبيرة، وهو ما وضحه بقوله: "الجماعة للصلاة مطلوبة للشارع، فلو قلنا بالامتناع من الائتمام خلف من يخالف في المذهب؛ لأدى إلى تعطيل الجماعات". (٢)
فالإمام العز يستند في بيانه لوجه القول بجواز صلاة المالكي خلف الشافعي وبالعكس إلى مآل القول ببطلان تلك الصلاة من نقضها لوحدة الأمة، وإثارتها لنوازع الاختلاف والفتن.
فاطِّراد القول ببطلان صلاة من لم يقرَّ أركان الصلاة المعتبرة عند الشافعية (٣) سيؤول إلى بطلان صلاة كلِّ شافعيٍّ يَقتدي بمالكيٍّ، ناهيك عن بطلان صلاة الإمام المالكيِّ.
ومن هنا حكى المازري (٤) الإجماعَ على جواز صلاة أتباع المذاهب خلف بعضهم، وإن اختلفوا في الفروع الظنية مراعاةً للخلاف. (٥)
стр. 579
٢ - ما قاله الشافعية من استحباب الدَّلك في الوضوء، واستيعاب الرأس بالمسح، وترك صلاة الأداء خلف القضاء وعكسه، وقطع المتيممِ الصلاةَ إذا رأى الماءَ خروجًا من خلاف مَنْ أوجب الجميع. (١)
٣ - ومنها -أيضًا- ما قاله الحنفية في السفيه المحجور عليه إذا أراد عمرة واحدة، فالقياس أن يُمْنَعَ؛ لأنها تطوع فصارت كالحج تطوعًا، غير أن قاعدةَ مراعاةِ الاختلاف تقتضي ألَّا تمُنع استحسانًا؛ لأن بعض العلماء قال بوجوبها، فَيُمَكَّنُ منها احتياطًا، ومراعاةً للخلاف. (٢)
٤ - ما قاله المالكية في أن كلَّ عقدٍ اخْتُلِفَ في فساده، كنكاحِ الشغار، ونكاحِ وليٍّ فقدَ شرطًا، أو نكاحٍ بغير وليٍّ فهو كالصحيح من حيث: التحريم، والإرث، والصداق، وفسخه بطلاق اعتبارًا لرأي المخالف القائل بصحة ذلك العقد. (٣)
فهذه الصور وغيرها راعت مآلَ اطَّرادِ الحكم على وفق الرأي الراجح من إبطال كثير من تصرفات المكلفين، أو تعريض أعمالهم للخدش والخلل، فتفاديًا لذاك المآلِ الممنوعِ أُخِذَتْ بالاعتبار الآراءُ الأخرى المحتملة للصحة والصواب: "وهو أمر يعكس واقعية الشريعة الإسلامية في معالجتها للقضايا وفقَ حقائقها وآثارِها المترتبةِ عليها". (٤)
كما أن لهذه القاعدة تعلُّقًا -أيضًا- بقاعدة تقييد الشخص في استعمال حقِّه:
"وخلاصة هذه القاعدة أن المجتهد ينظر إلى مآلِ استعمالِ الشخص لحقِّه الذي قرَّره الشارع له، فإذا تبين للمجتهد أن الشخص لم يستعمل حقَّه إلَّا للإضرار بغيره، فإنه
стр. 580
يحكم بالمنع من هذا الفعل؛ عملًا بقاعدة اعتبار المآلِ، أما إذا لم ينحصر استعمالُ الحقِّ في قصد الإضرار بالغير، بل كان الشخص قاصدًا لمصلحة نفسه من الفعل، وصحب هذا القصدَ قصدُ الإضرار بالغير، فإن على الفقيه أن يجري موازنة بين الحقَّين، وذلك على أساس قوة المصالح التي تُستعمل هذه الحقوق لحمايتها، فيقدِّم مصلحة الجماعة في دفع الأضرار العامة على مصلحة الشخص في استعمال حقِّه، ويقدِّم الحقَّ الذي يُستعمل محافظةً على النفس على الحقِّ الذي يُستعمل محافظة على المال، والمصلحةَ الحاجيةَ على التحسينيةِ. . . وهكذا". (١)
وإذا ما نُظِرَ إلى تلك القواعد والأصول جميعًا بنظرة أعمق فإنه يتلمس ما بينها من التقاء واجتماع.
فقاعدة سدِّ الذرائع، والاستحسان، ومراعاة الخلاف، وتقييد الشخص في استعمال حقِّه تتركز حولَ مضمونِ الاستثناءِ، فالاستحسانُ استثناءٌ من الأصول العامة والقواعد الكلية، حين يكون طرد تلك القواعد سببًا في الحرج والمشقة البالغة، ومخالفة مقصود الشارع.
بينما سدُّ الذرائع استثناءٌ من حكم المشروعية بالمنع من الجائز إذا كان يؤدي إلى ممنوع في حالة من الحالات.
أما مراعاةُ الخلافِ فهو استثناءٌ في الأخذ بالراجح للعمل بالمرجوح؛ احتياطًا للمصالح المشروعة.
وكذلك تقييدُ الشخص في استعمال حقِّه فإنما هو استثناءٌ من الأصلِ المتقرِّرِ إذا ترتب على استعمال الحقِّ ضررٌ متعدٍّ مقصودٌ إليه دون غيره.
وبالنظر إلى غاية هذه الأصول والقواعد جميعًا فإنها غاية واحدة تنتهي إلى حفظ المصالح
стр. 581
وإقامتها، ودفع المفاسد وتقليلها، فهي تدور حول محورِ تحقيقِ المصالحِ المعتبرة، وذلك -في الجملة- من خلال قاعدةِ مراعاة التصرفات، ونتائج الأفعال وما تنتهي إليه.
تعلق قاعدة المآلات بالقواعد الفقهية:
القواعد الفقهية التي سبق عرضها في مجال تعارض المصالح والمفاسد هي قواعد متعلقة بالمآلات، وذلك نحو:
- درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
- الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
- يُختار أهونُ الشرين أو أخف الضررين.
- إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما.
- يُتَحَمَّلُ الضرر الخاص بدفع الضرر العام.
ونحوها من القواعد التي تراعَى فيها المآلات وعواقب التصرفات.
ومن القواعد الفقهية التي ترتبط بهذا المبدأ ما يلي:
القاعدة الأولى: من استعجل شيئًا قبل أوانه عُوقب بحرمانه (١):
ولقد تنوعت عبارات الفقهاء في التعبير عن هذه القاعدة، فمنهم من عَّبر عنها من الحنفية بقوله: "من استعجل ما أخَّره الشرع يُجازَى بردِّه" (٢).
وعبَّر عنها بعض المالكية فقالوا: "الأصل المعاملة بنقيض المقصود الفاسد" (٣).
وعبَّر عنها بعض الشافعية فقالوا: "المعارضة بنقيض المقصود" (٤).
стр. 582
وعبَّر عنها بعض الحنابلة فقالوا: "من تعجَّل حقَّه، أو ما أُبيّحَ له قبل وقته على وجه محرم عُوقب بحرمانه" (١).
وهذه القاعدة على اختلاف صيغها ذات مضمون واحد، وهو يدور حول سدِّ ذرائع الفساد، وإغلاق أبواب الوسائل المحرمة.
وإذا كانت القاعدة الكلية الكبرى "الأمور بمقاصدها" تُقَرِّرُ أن الفاعل يُعامَلُ بحسب مقصده، فإن هذه القاعدة تمثل استثناءً حين يُعامَل بنقيض قصده، فمن توسل بمحرَّم أو تذرَّع بحيلة باطلة استعجالاً لما هو مقرر له، أو ما كان من حقه مؤجلًا، فإنه يعامل بنقيض مقصوده، ويمنع مما كان مستحِقًّا له زجزًا وردعًا له وعقوبة، علاوة على العقوبة المستحقة على الفعل نفسه (٢).
وهذه القاعدة تقرر النظر إلى هذا القصد السيئ والفعل المحرم بالإبطال؛ لأن الغايات لا تُسَوِّغُ الوسائل إذا كانت محرمة، فمن احتال على تحليل الحرام، أو تحريم الحلال، فإنه يعامل بنقيض قصده عقوبةً له.
فنصوص القرآن الكريم والسنة وفتاوي الأئمة دالة على أن من احتال على الشرع فأبطل الحقوق، وأحلَّ الحرام، وحرم الحلال أنه يُعامَل بنقيض قصده جزاءً وفاقًا (٣).
فمن القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣].
стр. 583
وجه الدلالة:
لما احتال اليهود على الصيد المحرم يوم السبت، ووضعوا الشباك وأخذوا الصيد يوم الأحد، سمَّى الله هذا العملَ اعتداءً وجازاهم بنقيض قصدهم بأن عاقبهم (١).
ومن السنة النبوية:
١ - قوله ﷺ : "قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه" (٢).
وجه الدلالة:
استحقَّ اليهود اللعنة والعقوبة بما احتالوا على النهي؛ فإن الله تعالى حرَّم عليهم شحوم الميتة، فأذابوها، ثم باعوها، وأكلوا ثمنها.
٢ - قوله ﷺ : "لا يرث القاتل" (٣).
وجه الدلالة:
من قَتَلَ مورِّثَهُ متعجلًا إرثَهُ منه عُوقب بنقيض قصده، فمنع من ميراثه، وقياسًا مَنْ قَتَلَ الموصي له بطلتْ وصيته.
٣ - قوله ﷺ : "لعن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له"، وسماه ﷺ بالتيس المستعار (٤).
стр. 584
وجه الدلالة:
لمَّا قصدا بهذا النكاح التحليل، واحتالا على استباحة الحرام وتحليله استحقّا اللعنةَ من رسول الله ﷺ .
وقد أفتى العلماء -وفقًا لهذه القاعدة- بما يسدُّ باب الحيل المحرمة.
وقد ذُكِرَ للإمام أحمد ﵀ أن امرأة كانت تريد أن تفارق زوجها فيأبى عليها، فقال لها بعض أرباب الحيل: لو ارْتَدَدْتِ عن الإسلام بِنْتِ؛ ففعلتْ.
فغضب أحمد ﵀ وقال: "من أفتى بهذا أو علَّمه أو رضي به فهو كافر" ووجهُهُ أنه أمر باستحلال الكفر، وذلك كفر (١).
وذهب بعض الحنفية إلى عدم وقوع الفرقة أصلًا بهذا زجراً لها، ومن أفتى منهم بوقوع الفرقة قال: وليس لها بعد توبتها أن تتزوج بغير زوجها، وتُجْبَر على تجديد عقدها بمهر يسير مع زوجها الأول، وبه يُفْتَى. (٢)
القاعدة الثانية: ما قارب الشيءَ يُعطَى حُكْمَه:
وقد تنوعت عبارة الفقهاء في التعبير عن هذه القاعدة، فقالوا: ما قارب الشيء هل يُعْطَى حكمَه؟ (٣)
وقالوا: المشرف على الزوال هل يُعْطَى حكمَ الزائل؟ (٤)
وقالوا: المتوقَّعُ هل يُجْعَلُ كالواقع؟ (٥)
стр. 585
وألحقوا بها ما هو أخص منها، كقولهم:
هل العبرة بالحال أو المآل؟ (١)
الطارئ هل يُنَزَّلُ منزلةَ المقارِن؟ (٢)
وألحقوا بها ما هو قريب منها، كقولهم:
تنزيل الاكتساب منزلة المال الحاضر. (٣)
وهذه القواعد بجملتها تؤكد على معنى اعتبار المآل وأثره القوي في بناء الأحكام والفتاوي عليه؛ حيث تدلُّ القاعدة المذكورة أن ما لاح منه الإفضاء إلى مآل ما إلى حدِّ القرب؛ فإنه يُعْطَى حكمَ مآلِهِ الذي يُؤذن بقرب الإفضاء إليه.
وقد صِيغتْ أكثر هذه القواعد بصيغة الاستفهام؛ للإفصاح عن الخلاف فيها، واختلاف الترجيح في الفروع تبعاً لذلك.
والفقهاء ذكروا القاعدة وصيغها كثيرًا في ثنايا تعليل الأحكام.
ولقد ذهب بعض الحنفية والمالكية، وهو أحد القولين للشافعية والحنابلة إلى أن العبرة بالمآل وثاني الحال، أي: بما يؤول إليه الشيء في المستقبل، فَيُسْنَدُ الحكم إليه في الحال. (٤)
قال ابن رجب: ومن عجَّل عبادة قبل وقت الوجوب، ثم جاء وقت الوجوب وقد تغير الحال، بحيث لو فعل المعجَّل في وقت الوجوب لم يجزئه، فهل تجزئه أو لا؟ (٥)
وقد قال أصحاب هذا الرأي: إن العبرة بالمآل بحسب ما يطرأ في المستقبل؛ لأن ما يحدث في المستقبل لو كان موجودًا في الحال لأثَّر في الحكم فيعتدُّ بالمآل ويُعْطَى حكمَ الحال.
стр. 586
فيجوز مثلًا التيمم لمن معه ماء يحتاج إلى شربه في المآل، لا في الحال (١)، ويُنَزَّلُ القادر على الكسب منزلةَ واجدِ المال في منعه من الزكاة. (٢)
ويباح بيع ما لا يُنْتَفَعُ به في الحال كدود القزِّ الذي يُنْتَفَعُ به بعد حياته باستخراج الحرير، (٣) وكذا الصغير من الحيوان الذي يُنْتَفَعُ به بعد مُدَّةٍ.
وذهب الحنفية والظاهرية، وهو أحد قولي الشافعية والحنابلة إلى ابتناء الحكم على الحال دون المآل (٤).
وإنما كان الحكم بناء على الحال دون المآل؛ لأن إنشاء التصرف هو الذي قد نشأ عنه الحكم المتعلق بمن أنشأ هذا التصرف، ووقت الإنشاء كان في الحال، فتكون العبرة بالحال، لا بالمآل.
وبناءً على اختلاف الأنظار في أيِّهما يقدَّم اختلفتِ الأحكامُ. ومآخذُ الأدلة قد تُعْطِي ما يخدم المذهبين.
تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات:
تعتبر هذه القاعدة من أهم القواعد في الإفتاء للأقليات في الواقع المعاصر؛ وذلك لأن كثيرًا من الأفعال؛ بل وردود الأفعال في تلك الديار قد تبدو داخلة ضمن إطار المشروعية، إلا أنه بالنظر إلى مآلاتها لا يمكن بحال أن تباح أو تستباح.
وكثير من الأمور المتعلقة بحياة الأقليات وشئونها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تخضع لهذه القاعدة.
وعليه فقد جرت الفتيا في تلك الديار بالتزام النظام العام والقانون الحاكم في تلك
стр. 587
الديار إذا كان عدم التزامه يرتب ضررًا فادحًا على الشخص أو الجماعة، أو يعرض الفرد أو الطائفة لما لا قبل لهم به من العقوبة والنكال، وذلك بشرط ألا يُفضي هذا إلى ارتكاب للمنكرات أو وقوع في المخالفات.
وفيما يلي بعض هذه الأمثلة:
- ما نصَّ عليه الحنابلة من منع المسلم الذي دخل أرض العدو بأمان أن يتزوج منهم؛ مراعاة لما ينجم عن هذا الزواج من مآل يتهدد نسل المسلمين، وهو الأمر الذي عبَّر عنه ابن قدامة بقوله: "لأنه لا يأمن من أن تأتي امرأته بولد فيستولي عليه الكفار، وربما نشأ بينهم فيصير على دينهم" (١).
فالحنابلة لم ينظروا إلى صورة الفعل فقط، وإنما نظروا -أيضًا- إلى نتيجته ومسببه؛ أي: على ضوء ذلك المآل الذي هو مفسدة غالبة، فحكموا على الفعل بالمنع، سواء أكان تحريمًا، أم كراهة.
وتخريجًا على هذا منع عدد من الفقهاء المعاصرين الزواج من أهل تلك الديار اختيارًا؛ للمفاسد المذكورة ولغيرها مما استجد في الوقت الراهن (٢) على أن نفس قاعدة المالآت أعملها بعض الفقهاء المعاصرين اليوم في الرد على من قال بحرمة نكاح من أقام بغير بلاد المسلمين ينوي الطلاق قبل مغادرة تلك البلاد؛ ذلك أن منعه من مثل هذا النكاح قد يؤول به إلى ارتكاب الحرام (٣).
وبهذه القاعدة أخذ من قال بحل التأمين التجاري على المؤسسات الإسلامية بديار الغرب، حيث يُفضي عدم إجراء هذا التأمين عليها إلى تعرضها إلى أخطار محدقة تنتهي إلى إضعاف وجودها أو زوالها من حياة الأقلية المسلمة التي تحتاج إليها في إقامة دينها (٤).
стр. 588
المبحث الثامن القواعد المتعلقة بالعرف (١)
القاعدة الأولى: العرف معتبر في التشريع، أو: العادة محكمة (٢):
المعنى العام للقاعدة:
العرف: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول (٣).
وهو ما يعرف بين الناس، وما تعارفوا عليه (٤).
وعرَّفه بعض المعاصرين بقوله: "هو ما استقرَّ في النفوس، واستحسنته العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول، واستمرَّ الناس عليه، بما لا تَرُدُّه الشريعة وأقرَّتهم عليه" (٥).
وهذا المعنى الاصطلاحي يتفق من وجه مع بعض المعاني اللغوية للعرف، وهو معنى التتابع والسكون والطمأنية؛ فإن العرف لا يعتبر إلا إذا كان مستمرًّا ومستقرًّا ومطَّردًا اطِّرادًا بَيِّنًا (٦).
والعرف له تقسيمات كثيرة؛ فمنه عرفٌ ثابت وآخرُ متبدل، ومنه عرفٌ قوليٌّ وآخرُ عمليٌّ، ومنه عرفٌ عامٌّ وآخرُ خاصٌّ، ومنه عرفٌ صحيح وآخرُ فاسد.
وقد قرَّر الأصوليون والفقهاء -جميعًا- اعتبار العرف وقالوا به، وأظهروا أثره في
стр. 589
الفتاوي والأحكام، واستدلوا على اعتباره وأثره في التشريع وأصوله وقواعده بأدلة كثيرة مستفيضة.
ومعنى اعتباره: الاعتداد به ومراعاته، والأخذ به في بناء الأحكام، ويكون دليلًا على مشروعية الحكم ظاهرًا؛ فما غلب على الناس من معاملة، أو معنى من المعاني، أو نحو ذلك فيجب النظر إليه لدى تفصيل أحكام الوقائع التي تحدث بينهم؛ فإذا تبدل العرف بعرف طارئ كان على الفقيه أن يراعي العرف الطارئ في بناء الأحكام؛ إذ النظر في الوقائع يتجدد بتجدد العرف (١).
والعادة قريبة المعنى من العرف لغةً واصطلاحًا؛ فهي في اللغة تدور على معنى العود والتكرار، والدأب والاستمرار، وكل من عاد إلى شيء بعد انصرافه عنه فهو عائد (٢).
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، والعادة هي ما يتكرر مرة بعد أخرى؛ فتشمل ما كان مصدره العقل، وتلقته الطباع السليمة، وقد قال كثير من الأصوليين والفقهاء بترادف العادة مع العرف (٣).
ومنهم من لَاحَظَ أن العادة تنشئ عرفًا (٤).
ومنهم من خصَّ العادة بأنها العرف العملي (٥).
ومنهم من اعتبرها والنظائر بمعنى واحد، وإن اختلف مفهومهما (٦).
стр. 590
ومعنى قولهم: العادة محكمة: أنها تجعل حكمًا لإثبات حكم شرعي (١).
ولا شك أن العادة تُحَكَّمُ ويُحتج بها عند عدم مخالفتها لنصٍّ شرعي أو شرط لأحد المتعاقدين، فما لم يَرِدْ بضبطه ضابط شرعي، أو لا نص فيه لأحد المتعاقدين فمردُّهُ إلى العرف والعادة ولا بد (٢).
أدلة القاعدة:
أولًا: القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
وجه الدلالة:
أفادت الآيات التي ذكرت العرف بنصه أو بمعناه اعتباره في تقرير الأحكام ورعايته.
قال القرافي ﵀-في الفروق عند حديثه عن اختلاف الزوجين في متاع البيت وأن القول لمن شهدت له العادة-: "لنا قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فكل ما شهدت به العادة قُضِيَ به لظاهر هذه الآية، إلا أن يكون هناك بينة" (٣).
وقد ذكر ابن العربي في أحكام القرآن معنى العرف عند المفسرين، ثم قال: "أما العرف فالمراد به هنا: المعروف من الدين، المعلوم من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، المعلق عليها في كل شريعة، ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ تتناول جميع المأمورات والمنهيات، وأنه -أي: العرف- ما عُرِفَ
стр. 591
حكمُه واستقرَّ في الشريعة موضعُه، واتفقت القلوب على علمه وعمله" (١).
وأما قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فقال الطبري -في تفسيرها-: "ويعني بقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بما يجب لمثلها على مثله؛ إذ كان الله -جل ذكره- قد علم تفاوت أحوال خلقه بالغنى والفقر" (٢).
ولا شك أن تفاوت أحوال الناس يقتضي تحكيم العرف في ذلك، فتلزم الأزواج النفقة على ما جرى به العرف، وعلى قدر اجتهاد الحكام في ذلك.
ومثل هذا يقال في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وهذا يتفاوت بحسب حال الزوج يسارًا أو إعسارًا، وبحسب حال أهل ذلك المكان، وغير ذلك.
وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] إشارة ظاهرة إلى اعتبار العرف؛ فقد أحالت الآية الكريمة في بيان الوسط في الكفارة على العرف -كما صرح بذلك العلماء- فيطعم الوسط عددًا وقدرًا؛ فتكفي في العدد وجبتان؛ لأنه الوسط بين وجبة واحدة وثلاث وجبات، ويطعم الوسط في القدر والنوع؛ مثل الخبز والتمر، والخبز والزيت (٣).
وما يتعلق بحقوق الزوجة على زوجها فمردُّه -أيضًا- إلى العرف، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
ثانيًا: السنة المطهرة:
وهي سنة قولية وتقريرية.
فأما القولية: فمثل قوله ﷺ لهند بنت عتبة وقد شكت بخل زوجها أبي سفيان
стр. 592
-﵁: "خذي ما يكفيكِ وولدَكِ بالمعروف" (١).
وقوله ﷺ -في حجة الوداع عن نفقة الزوجات-: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (٢).
وجه الدلالة:
ظاهر من الحديثين اعتبار العرف في التشريع فيما جاء من الأحكام مطلقًا ولم يُفَصَّلْ.
وقال النووي ﵀ ضمن فوائد الحديث: "اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي" (٣).
والسنة التقريرية تؤكد القولية؛ فإن النبي ﷺ أقرَّ أمورًا كثيرة من أعراف الجاهلية التي لا تُعارِضُ الشرع المطهر؛ بل وشارك فيها بنفسه ﷺ .
فأقرَّ عقودًا كثيرة كانوا يتعاملون بها؛ كالبيع، والإيجار، والسَّلَم، والمضاربة، وأبطل ما كان محرمًا في الشرع، وأقرَّ النبي ﷺ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية (٤).
كما أقرَّ على أمور كثيرة من المباحات، وأقرَّ نكاحًا وأبطل نكاحًا، إلى آخر ما يعرف في هذا الشأن من السنة التقريرية.
ثالثًا: الإجماع:
قال القرافي ﵀ "وأما العرف فمشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها" (٥).
стр. 593
وقد استند القرافي في مشروعيته إلى إجماع لا يستند إلى نصٍّ مرفوع إلى النبي ﷺ ؛ وإنما إلى ما جرى به العرف في زمنه ﷺ ، وبين الصحابة من العمل بالقِرَاض أو المضاربة، وهذا الإجماع السكوتي المستَنِدُ إلى العرف الجاري أو السنة التقريرية حجة عند الأكثر.
وقد قال الشوكاني ﵀: "وهذه الآثار تدل على أن المضاربة كان الصحابة يتعاملون بها من غير نكير؛ فكان ذلك إجماعًا منهم على الجواز" (١).
وقال ابن حزم ﵀: "كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل في القرآن والسنة نعلمه -ولله الحمد- حاشا القِراض؛ فما وجدنا له أصلًا فيهما ألبتة؛ ولكنه إجماع صحيح مجرد" (٢).
وقد استدل بعض العلماء على حجية العرف بالأدلة العامة القاطعة النافية للحرج؛ فقد قال الشيخ محمد مصطفى المراغي في سياق حجية العرف: "وأرى أن العمل به عملٌ بالأدلة الشرعية، وعملٌ بما يستفاد من مدارك التشريع في مواطنَ كثيرةٍ، وإن شئت فقل: إنه الكتاب؛ ففي الكتاب الكريم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذان النصان يجب أن تبقى سيطرتهما تامة على جميع التشريع الإسلامي، فإذا وجدنا أن العمل بالنصوص الخاصة يوقع في الحرج لحدوث ضرورة ما، أو لحدوث عرف عام يوجب تركه الحرج- وجب أن تقف النصوص الخاصة عن عملها في تلك المواطن، وأن يُعْمَلَ بالنص العام القاطع الموجب لنفي الحرج.
من ذلك نعلم أن العرف ليس دليلًا، وأنه لم يُعْمَلْ به لاعتباره دليلًا، وإنما يُعْمَلُ به امتثالًا للدليل العام القاطع الموجب لنفي الحرج (٣).
стр. 594
شروط اعتبار العرف:
اشترط العلماء لاعتبار العرف شروطًا أهمها:
١ - أن يكون العرف مطَّردًا أو غالبًا:
ويقصد بالاطِّراد أن يكون العمل بالعرف مستمرًّا في جميع الحوادث، لا يختلف من شخص لآخر، ولا يُقصد به العموم الذي هو الانتشار في سائر الأقطار؛ لذا جاز أن يكون العرف عامًّا في جميع الأمصار، ولا يكون مطَّردًا، والعرف الخاص قد يكون مطَّردًا وغير مطَّرد، وهذا الذي لا يكون منتشرًا في جميع الأمصار ومعنى: غالبًا، أي: يكون شائعًا بين أهله في أكثر الحوادث؛ إذ العبرة للغالب الشائع، وليس للقليل النادر (١).
لذا قال الفقهاء: "إنما تُعتبر العادة إذا اطَّردت أو غلبت" (٢).
٢ - أن يكون العرف مقارِنًا أو سابقًا:
ولا يُعتبر العرف المتأخر في التصرفات السابقة، قال ابن نجيم: "العرف الذي تُحمل عليه الألفاظ إنما هو العرف المقارِن أو السابق دون المتأخ؛ ولذا قالوا: لا عبرة بالعرف الطارئ" (٣).
٣ - ألَّا يترتب على العمل بالعرف تعطيل نصٍّ ثابت أو معارضة أصلٍ قطعي:
فكل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر؛ ومن المعلوم أن العرف لا يستقل بإنشاء الحكم الشرعي، وإنما هو فقط يؤدي دوره في تنزيل الحكم الشرعي على الواقع، وعليه فلو تعارض العرف مع النص من كل وجهٍ أو الأصل الشرعي القطعي؛ فإن هذا العرف يُهدر ولا يُلتفت إليه؛ كتعارف الناس في بعض الأوقات على تناول المحرمات، وأكل الربا، وخروج النساء متبرجاتٍ، فإذا كان كذلك فلا اعتبار
стр. 595
للعرف؛ لأن اعتماده يكون إقرارًا لتشريع مضاد لشرع الله، ولا مشرِّع إلا الله تعالى؛ فالنصُّ أقوى، فلا يُتْرَكُ الأقوى للأوهى (١) وهذا موضع اتفاق.
٤ - ألَّا يُعَاَرضَ العرف بتصريحٍ بخلافه:
فإن خالف العرفَ شرطٌ على خلافه فإن الشرط مقدم؛ لأنه أقوى (٢)، فلو استأجر شخص سيارة من مكان إلى مكان، واشترط أن يدفع عشرين جنيهًا فليس لصاحب السيارة أن يُلزمه بأكثر، بحجة أن ذلك هو عرف الناس، وليس له أن يدفع أقلَّ استمساكًا بالعرف؛ لأن الشرط جاء على خلافه؛ فلا اعتبار له، وإنما الاعتبار عندئذ للشرط.
والقاعدة أنه لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح.
٥ - أن يكون العرف عامًّا:
وهذا الشرط اختلف العلماء فيه، فليس هذا موضع إجماع، وقد تقدم أن عموم العرف غير اطراده؛ لأنه قد يكون عامًّا، ولا يستمر العمل به في جميع الحوادث فلا يطَّرد، وقد يكون خاصًّا بفئة أو طائفة أو مهنة، أو أهل بلد خاص؛ فالعام قد يكون غير مطَّرد، والمطَّرد قد يكون غير عام (٣)، "والذين قالوا باشتراط هذا الشرط في العرف لا يَقصدون كل أنواع العرف، وإنما يَقصدون العرف القاضي على الأدلة، وهو ما يكون دليلًا على الحكم ظاهرًا، أما العرف المرجوع إليه في تطبيق الأحكام العامة أو المطلقة على الحوادث فهذا لا يُشترط فيه العموم، وكذلك العرف الذي يُنَزَّلُ منزلة النطق" (٤).
стр. 596
٦ - التكرار والشيوع:
بمعنى أن العادة حتى تُعْتَبَرَ لا بد من تكرار استعمالها وشيوع العمل بها إلى أن يصير المعنى المنقول إليه مفهومًا بغير قرينة، ويكون هو السابق إلى الفهم دون غيره عند الإطلاق (١).
وهذا الشرط مختلَفٌ فيه كالشرط السابق.
فإذا تحققت الشروط السالفة كان العرف ملزِمًا ومعتبرًا، وهو ما أشار إليه الفقهاء والأصوليون بعباراتٍ متعددةٍ وقواعدَ محددةٍ.
ومما ينبغي استحضاره: أن العرف ليس دليلًا بذاته وإن اتُّفِقَ على اعتباره؛ فالعرف ترجع دلالته إلى الكتاب والسنة والإجماع، فدلالته ليست ذاتية على التحقيق.
وأما قول الفقهاء: "إن الثابت بالعرف كالثابت بالنص" (٢) فمعناه: أن ما أجمله النص فبينه فبينه العرف فهو كالثابت بالنص، وهو ما عُبِّرَ عنه بصورة أوضح في مثل قولهم:
"التعيين بالعرف كالتعيين بالنص" (٣)، "المعروف كالمشروط" (٤)، و"المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (٥).
وغاية العرف أن يكون أمارةً كاشفة عن المصلحة التي دعت الناس إلى التعامل بما تعارفوه، وكان ذلك سببًا في انتشاره واطِّراده، فإن كانت تلك المصلحة حقيقيةً وليست بملغاة ولم تعارض نصوص الشريعة؛ فإنها تعتبر من المصلحة المرسلة، وهي معتبرة من أدلة التشريع في الجملة.
стр. 597
وأما إن كانت غير حقيقية أو متوهمة أو مخالفة لأصول الشريعة أو نصوصها - فالعرف الراجع إليها غير معتبر؛ لأنه عرف فاسد (١).
وإذا تبين ما ذُكِرَ فلا غنى بالمجتهد والقاضي والمفتي عن اعتبار العرف الجاري في التعامل بين الناس لدى الإفتاء؛ لأن النص قد يتوقف في أخذ الحكم منه على العرف والعادة.
كما أنه لدى التطبيق يُطْلَبُ مراعاة العرف في مثل المعاملات الجارية بين الناس.
وقد نصَّ العلماء على ذلك كثيرًا؛ فهذا ابن عابدين في رسالته "نشر العَرْفِ في بناء بعض الأحكام على العُرْفِ" يقول: "فهذا كله وأمثاله دلائل واضحة على أن المفتي ليس له الجمود على المنقول في كتب ظاهر الرواية من غير مراعاة الزمان وأهله، وإلَّا يُضَيِّعُ حقوقًا كثيرة ويكون ضرره أكثر من نفعه، وليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما بظاهر الرواية ويتركا العرف، والله أعلم " (٢).
وقال القرافي: "إن إجراء هذه الأحكام التي مَدْرَكُهَا العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما في الشريعة يتبعُ العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة، إلى ما تقتضيه العادة المتجددة". ثم شرع يفصل: "ألا ترى أنهم لما جعلوا أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن يحمل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقدًا معيَّنًا حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عيَّنا ما انتقلت العادة إليه وألغينا الأول؛ لانتقال العادة منه " (٣).
وفيما يلي بعض الأمثلة على تغير الفتيا بتغير العرف:
١ - إن أبا حنيفة لم يجوِّز بيع النحل ودود القز قياسًا على سائر الهوام بجامع عدم المالية
стр. 598
والتقوم، ثم أجاز محمد بن الحسن الشيباني بيعهما؛ لأنهما صارا في عهده متقومين (١).
٢ - لما ورد الحديث بإخراج صاع من تمر أو شعير أو قمح أو زبيب أو أقط (٢) في زكاة الفطر -رأى العلماء أن هذه الأقوات كانت هي غالب القوت عندما قال رسول الله ﷺ ذلك الحديث في ذلك الزمان؛ فكأنه قال: أخرجوا صاعًا من غالب قوت البلد التي أنتم فيها. وعلى ذلك أفتى العلماء بجواز إخراج صاع من الأرز والذرة ونحوه، إذا كان هذا هو غالب قوت البلد في زمانهم (٣).
٣ - إذا استأجر رَجلٌ رجلًا لعمل معين كخياطة ثوب أو لطبع كتاب أو غير ذلك من الأعمال التي يلزم الصانع فيها أدوات لإتمام صنعته؛ فهل هذه الأدوات على المستأجر، أم على الصانع؟
اختلف الشافعية، وصحح الرافعي الرجوع في ذلك إلى العادة فيحكم بها ويتغير الحكم بتغيرها (٤).
٤ - لو حلف رجل أن لا يأكل لحمًا لم يحنث بأكل السمك وإن سماه الله لحمًا طريًّا، وكذلك لو حلف أن لا يجلس على بساط أو تحت سقف أو في ضوء سراج لم يحنث بالجلوس على الأرض، وإنْ سمَّاها الله بساطًا، ولا تحت السماء وإنْ سمَّاها الله سقفًا، ولا في الشمس
стр. 599
وإن سمَّاها الله سراجًا، فيقدم العرف على الشرع في جميع ذلك؛ لأنها اسْتُعملت في الشرع تسمية بلا تعليق حكم وتكليف (١).
٥ - إذا اختلف الزوج والزوجة في قبض الصداق بعد الدخول، فإن القول قول الزوج؛ بناء على العادة في بلد ما مِن أن الزوج لا يدخل حتى يدفع كامل الصداق، وإن القول قول الزوجة في بلد آخر؛ بناء على عاداتهم من عدم دفع كامل الصداق قبل الدخول؛ فاختلف الحكم تبعًا للعادة بأن جعل القول للزوج تارة وللزوجة تارة أخرى، ولا يوجد اختلاف في أصل الدليل الشرعي (٢).
ومن القواعد المرادفة لقاعدة العرف معتبر والعادة محكمة والمندرجة تحتها ما يلي:
١ - استعمال الناس حجة يجب العمل بها (٣):
وعلى اعتبار الاستعمال مرادفًا للعادة تعتبر هذه القاعدة مرادفةً لقاعدة العادة محكمة.
وأماَّ إذا كان الاستعمال بمعنى نقل اللفظ عن وضعه الأصلي واستعماله في المعنى المجازي شرعًا وغلبة استعماله فيه- فإن معناها إذن: أن الحقيقة العرفية محكَّمة في فهم الألفاظ.
فلو حلف لا يأكل شواءً اختصت عينه باللحم المشوي دون البيض أو الباذنجان أو غيرهما مما قد يشوى (٤).
٢ - الثابت بالعرف كالثابت بدليل شرعي، الثابت بالعرف كالثابت بالنص (٥)، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (٦).
стр. 600
فما تَوافقَ عليه الناس وتحققت فيه الشروط فإنه محكَّم؛ لأنه حينئذ يكون كالثابت بدليل شرعي؛ فيُعمَل به ويُحتَكَم إليه؛ كالدليل الشرعي سواء بسواء.
٣ - إنما تعتبر العادة إذا اطَّردت أو غَلبت (١)، والعبرة للغالب الشائع لا للنادر (٢).
وهما قاعدتان تُعَبِّران عن بعض شرائط العرف لكي يُعتبر، وهي شرائط الاطِّراد والغلبة والشيوع والاشتهار بين الناس.
٤ - العرفُ الذي تُحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارِنُ السابق دون المتأخر اللَّاحق (٣).
فلا عِبرة للعرف الطارئ؛ فلا بد من أن يكون العرف سابقًا في الوجود عن الحكم لا تاليًا له متأخِّرًا عنه؛ فيحمل الحكم على العرف الموجود وقت التلفظ.
٥ - الحقيقة تُترك بدلالة العادة (٤).
فدلالة اللفظ الحقيقية تُترك ولا تُعتبر إذا دلَّ العرف والعادة على استعمال هذه اللفظة استعمالًا مغايرًا لمعناها الحقيقي، ويُبنَى الحكمُ على المعنى الذي دل عليه العرف والعادة (٥).
٦ - الكتاب كالخطاب (٦).
فالكتابة كالمخاطبة الشفهية؛ لأن ما يترتب عليهما واحد، والكتابة ممن نأى بمنزلة الخطاب ممن دنا، وكلُّ كتاب يُحَرَّرُ على الوجه المتعارف عليه بين الناس يكون حجة على كاتبه؛ كالنطق باللسان.