٦ - التكرار والشيوع:
بمعنى أن العادة حتى تُعْتَبَرَ لا بد من تكرار استعمالها وشيوع العمل بها إلى أن يصير المعنى المنقول إليه مفهومًا بغير قرينة، ويكون هو السابق إلى الفهم دون غيره عند الإطلاق (١).
وهذا الشرط مختلَفٌ فيه كالشرط السابق.
فإذا تحققت الشروط السالفة كان العرف ملزِمًا ومعتبرًا، وهو ما أشار إليه الفقهاء والأصوليون بعباراتٍ متعددةٍ وقواعدَ محددةٍ.
ومما ينبغي استحضاره: أن العرف ليس دليلًا بذاته وإن اتُّفِقَ على اعتباره؛ فالعرف ترجع دلالته إلى الكتاب والسنة والإجماع، فدلالته ليست ذاتية على التحقيق.
وأما قول الفقهاء: "إن الثابت بالعرف كالثابت بالنص" (٢) فمعناه: أن ما أجمله النص فبينه فبينه العرف فهو كالثابت بالنص، وهو ما عُبِّرَ عنه بصورة أوضح في مثل قولهم:
"التعيين بالعرف كالتعيين بالنص" (٣)، "المعروف كالمشروط" (٤)، و"المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (٥).
وغاية العرف أن يكون أمارةً كاشفة عن المصلحة التي دعت الناس إلى التعامل بما تعارفوه، وكان ذلك سببًا في انتشاره واطِّراده، فإن كانت تلك المصلحة حقيقيةً وليست بملغاة ولم تعارض نصوص الشريعة؛ فإنها تعتبر من المصلحة المرسلة، وهي معتبرة من أدلة التشريع في الجملة.
стр. 597
وأما إن كانت غير حقيقية أو متوهمة أو مخالفة لأصول الشريعة أو نصوصها - فالعرف الراجع إليها غير معتبر؛ لأنه عرف فاسد (١).
وإذا تبين ما ذُكِرَ فلا غنى بالمجتهد والقاضي والمفتي عن اعتبار العرف الجاري في التعامل بين الناس لدى الإفتاء؛ لأن النص قد يتوقف في أخذ الحكم منه على العرف والعادة.
كما أنه لدى التطبيق يُطْلَبُ مراعاة العرف في مثل المعاملات الجارية بين الناس.
وقد نصَّ العلماء على ذلك كثيرًا؛ فهذا ابن عابدين في رسالته "نشر العَرْفِ في بناء بعض الأحكام على العُرْفِ" يقول: "فهذا كله وأمثاله دلائل واضحة على أن المفتي ليس له الجمود على المنقول في كتب ظاهر الرواية من غير مراعاة الزمان وأهله، وإلَّا يُضَيِّعُ حقوقًا كثيرة ويكون ضرره أكثر من نفعه، وليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما بظاهر الرواية ويتركا العرف، والله أعلم " (٢).
وقال القرافي: "إن إجراء هذه الأحكام التي مَدْرَكُهَا العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما في الشريعة يتبعُ العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة، إلى ما تقتضيه العادة المتجددة". ثم شرع يفصل: "ألا ترى أنهم لما جعلوا أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن يحمل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقدًا معيَّنًا حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عيَّنا ما انتقلت العادة إليه وألغينا الأول؛ لانتقال العادة منه " (٣).
وفيما يلي بعض الأمثلة على تغير الفتيا بتغير العرف:
١ - إن أبا حنيفة لم يجوِّز بيع النحل ودود القز قياسًا على سائر الهوام بجامع عدم المالية
стр. 598
والتقوم، ثم أجاز محمد بن الحسن الشيباني بيعهما؛ لأنهما صارا في عهده متقومين (١).
٢ - لما ورد الحديث بإخراج صاع من تمر أو شعير أو قمح أو زبيب أو أقط (٢) في زكاة الفطر -رأى العلماء أن هذه الأقوات كانت هي غالب القوت عندما قال رسول الله ﷺ ذلك الحديث في ذلك الزمان؛ فكأنه قال: أخرجوا صاعًا من غالب قوت البلد التي أنتم فيها. وعلى ذلك أفتى العلماء بجواز إخراج صاع من الأرز والذرة ونحوه، إذا كان هذا هو غالب قوت البلد في زمانهم (٣).
٣ - إذا استأجر رَجلٌ رجلًا لعمل معين كخياطة ثوب أو لطبع كتاب أو غير ذلك من الأعمال التي يلزم الصانع فيها أدوات لإتمام صنعته؛ فهل هذه الأدوات على المستأجر، أم على الصانع؟
اختلف الشافعية، وصحح الرافعي الرجوع في ذلك إلى العادة فيحكم بها ويتغير الحكم بتغيرها (٤).
٤ - لو حلف رجل أن لا يأكل لحمًا لم يحنث بأكل السمك وإن سماه الله لحمًا طريًّا، وكذلك لو حلف أن لا يجلس على بساط أو تحت سقف أو في ضوء سراج لم يحنث بالجلوس على الأرض، وإنْ سمَّاها الله بساطًا، ولا تحت السماء وإنْ سمَّاها الله سقفًا، ولا في الشمس
стр. 599
وإن سمَّاها الله سراجًا، فيقدم العرف على الشرع في جميع ذلك؛ لأنها اسْتُعملت في الشرع تسمية بلا تعليق حكم وتكليف (١).
٥ - إذا اختلف الزوج والزوجة في قبض الصداق بعد الدخول، فإن القول قول الزوج؛ بناء على العادة في بلد ما مِن أن الزوج لا يدخل حتى يدفع كامل الصداق، وإن القول قول الزوجة في بلد آخر؛ بناء على عاداتهم من عدم دفع كامل الصداق قبل الدخول؛ فاختلف الحكم تبعًا للعادة بأن جعل القول للزوج تارة وللزوجة تارة أخرى، ولا يوجد اختلاف في أصل الدليل الشرعي (٢).
ومن القواعد المرادفة لقاعدة العرف معتبر والعادة محكمة والمندرجة تحتها ما يلي:
١ - استعمال الناس حجة يجب العمل بها (٣):
وعلى اعتبار الاستعمال مرادفًا للعادة تعتبر هذه القاعدة مرادفةً لقاعدة العادة محكمة.
وأماَّ إذا كان الاستعمال بمعنى نقل اللفظ عن وضعه الأصلي واستعماله في المعنى المجازي شرعًا وغلبة استعماله فيه- فإن معناها إذن: أن الحقيقة العرفية محكَّمة في فهم الألفاظ.
فلو حلف لا يأكل شواءً اختصت عينه باللحم المشوي دون البيض أو الباذنجان أو غيرهما مما قد يشوى (٤).
٢ - الثابت بالعرف كالثابت بدليل شرعي، الثابت بالعرف كالثابت بالنص (٥)، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (٦).
стр. 600
فما تَوافقَ عليه الناس وتحققت فيه الشروط فإنه محكَّم؛ لأنه حينئذ يكون كالثابت بدليل شرعي؛ فيُعمَل به ويُحتَكَم إليه؛ كالدليل الشرعي سواء بسواء.
٣ - إنما تعتبر العادة إذا اطَّردت أو غَلبت (١)، والعبرة للغالب الشائع لا للنادر (٢).
وهما قاعدتان تُعَبِّران عن بعض شرائط العرف لكي يُعتبر، وهي شرائط الاطِّراد والغلبة والشيوع والاشتهار بين الناس.
٤ - العرفُ الذي تُحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارِنُ السابق دون المتأخر اللَّاحق (٣).
فلا عِبرة للعرف الطارئ؛ فلا بد من أن يكون العرف سابقًا في الوجود عن الحكم لا تاليًا له متأخِّرًا عنه؛ فيحمل الحكم على العرف الموجود وقت التلفظ.
٥ - الحقيقة تُترك بدلالة العادة (٤).
فدلالة اللفظ الحقيقية تُترك ولا تُعتبر إذا دلَّ العرف والعادة على استعمال هذه اللفظة استعمالًا مغايرًا لمعناها الحقيقي، ويُبنَى الحكمُ على المعنى الذي دل عليه العرف والعادة (٥).
٦ - الكتاب كالخطاب (٦).
فالكتابة كالمخاطبة الشفهية؛ لأن ما يترتب عليهما واحد، والكتابة ممن نأى بمنزلة الخطاب ممن دنا، وكلُّ كتاب يُحَرَّرُ على الوجه المتعارف عليه بين الناس يكون حجة على كاتبه؛ كالنطق باللسان.
стр. 601
القاعدة الثانية: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان (١).
هذه القاعدة متفرعة عن قاعدة العرف والعادة، وهي أهم قاعدة تُبنى عليها، ولا شك أن لها تعلُّقًا كبيرًا بما يتصل بالأقليات المسلمة والتي تعيش زمان غربتها اليوم.
ولخصوصية هذه القاعدة وأهميتها أُفْرِدَتْ.
وللقاعدة صيغ متقاربة، منها:
ما ذكره الخرشي (٢) من قوله: "الأمور العرفية تتغير بتغير العرف" (٣).
وهذا ما بينه قبل ذلك القرافي بقوله: "فإن القاعدة المجمع عليها أن كل حكم مبني على عادة، إذا تغيرت العادة تَغَيَّرَ" (٤).
وقال أيضًا: "وإن اختلفت العوائد في الأمصار والأعصار وجب اختلاف هذه الأحكام" (٥).
معنى القاعدة:
هذه القاعدة وقع اختلاف في صيغتها، ومعارضة عند بعض الفقهاء لمعناها، وكُتبت حولها رسائلُ كثيرةٌ، وبحوث عديدة، ومن ذلك:
١ - "الفقه والقضاء وأولو الأمر ودورهم التطبيقي لقاعدة تغير الأحكام بتغير الأزمان"، أ. د. محمد راشد علي، وهي رسالة ماجستير في كلية الشريعة، جامعة الأزهر، القاهرة.
стр. 602
٢ - "تغير الفتوى بتغير الحال"، د. سيد إبراهيم درويش، وهي رسالة دكتوراه في كلية الشريعة جامعة الأزهر، القاهرة.
٣ - "تغير الأحكام في الشريعة الإسلامية"، د. إسماعيل كوكسال، جامعة الزيتونة، تونس.
٤ - "تغير الأحكام- دراسة تطبيقية لقاعدة لا ينكر تغير الأحكام بتغير القرائن والأزمان"، د. هاسليم مكداش، وهي رسالة دكتوراه بقسم الشريعة في جامعة الجنان بلبنان.
٥ - "تغير الظروف وأثره في اختلاف الأحكام في الشريعة الإسلامية"، د. محمد قاسم المنسي، وهي رسالة دكتوراه بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة.
٦ - "مدى تغير الأحكام بتغير الجهات الأربع (الزمان والمكان والأشخاص والأحوال) "، د. عبد الله ربيع عبد الله، وهو بحث للترقية في كلية الدراسات الإسلامية والعربية، جامعة الأزهر.
٧ - "تغير الأحكام في الشريعة الإسلامية"، د. محمد أردوغان، وهي رسالة بالتركية في جامعة مرمرا باسطنبول.
إلى غير ذلك من بحوث كثيرة تناولت الموضوع وعالجته بطرائقَ شتى، وهذا يؤكد أهميته، ويُرشح جدارته.
ونظرًا لأن المقصود في هذا المجال ذِكْرُ القواعد التي يَعتمد عليها تأصيل فقه نوازل الأقليات المسلمة؛ فإننا نعرض عن الإطالة بذكر خلافات ومناظرات في صحة القاعدة ومعناها؛ لنعطي خلاصة سالمة -بإذن الله- مع الإحالة إلى ما سبق من موجبات تغير الفتيا والأحكام الاجتهادية بتغير ما يؤثر في الفتيا.
والمعنى الذي لا اختلاف عليه لهذه القاعدة هو:
أنه لا يستنكر -كما لا يجهل- اختلاف الفتيا والأحكام في الموارد الاجتهادية بتغير ما تَستند إليه من الأعراف والعادات، أو المكان والبيئات، أو الأشخاص والأحوال.
стр. 603
والتعبير بالزمان إنما كان لأنه وعاء التغير وظرف العوائد؛ فما كان من الأعراف أو العادات ليست أحكامًا شرعية بذاتها ولا مناطًا لحكم شرعي فما يُبنَى عليها من أحكام يتغير بتغييرها، ما لم تخالف نصًّا شرعيًّا أو إجماعًا منعقدًا، وما كان من الأعراف مناطًا لحكم شرعي لكن يتغير بتغير الأعراف والصالح فهو أيضًا مما يناله التغيير.
يدخل في هذا جميع التراتيب والأوضاع واللوائح الإدارية والإنسانية والتطورات العلمية، والاقتصادية والتي من شأنها أن تتغير الحياة بتغيرها، وأن تتأثر بتبديلها.
فالنظام التجاري والمرور وأنظمة المحاكم والجامعات والمؤسسات العقارية والبلديات ودوائر التوثيق والتصديقات، وأنواع التعزيرات المرتبطة بالمخالفات في تلك الجهات؛ كبيع الفاسد من الطعام، أو التزوير في المحَرَّرات، أو المخالفة في اشتراطات الصحة والسلامة، ونحو ذلك -فهذا كله مما تتغير أحكامه، وتتبدل بتبدل الأعراف واللوائح والتراتيب.
وقد جرى ذِكْرُ أمثلة من تلك الأحكام التي تتغير بتغير الأعراف وفساد أهل الزمان؛ كتضمين الصناع، واتخاذ الدواوين، وتضمين الساعي بالفساد، وأخذ الأجرة على أعمال من القربات، واتخاذ دار للسجن، ونحو ذلك (١).
قال القرافي ﵀: "إذا جاء رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجْرِهِ على عرف بلدك، واسأله عن عرف أهل بلده، وأجْرِهِ عليه وأفْتِهِ به دون عُرْفِ بلدك والمقرر في كتبك؛ فهذا هو الحق الواضح" (٢).
ويقول القرافي ﵀: "إن إجراء هذه الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير
стр. 604
تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين؛ بل كل ما في الشريعة يتبع العوائد؛ يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضلَّ وأضلَّ" (٢).
أدلة القاعدة:
كل دليل وَرَدَ في الاستدلال على تغير الأحكام المبنية على الأعراف والعوائد بتغيرها فهو دليل لهذه القاعدة ولا بد، كما أن كل دليل تناول صلة الاستحسان، أو سد الذرائع، أو المصلحة المرسلة بتغير الفتيا والأحكام، فهو دليل لهذه القاعدة ولا بد.
وذلك نظرًا لكون التغير في الفتيا والأحكام الاجتهادية يرجع إلى تلك الأصول الشرعية.
وقد نقل العلماء الإجماع على معنى هذه القاعدة؛ فقال القرافي: "إن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيف دارت، وتَبطل معها إذا بطلت؛ كالنقود في المعاملات، والعيوب في الأعراض في المبايعات، ونحو ذلك؛ فلو تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى لَحُمِلَ الثمن في البيع على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها، وكذلك إذا كان الشيء عيبًا في الثياب عادة رُدَّ به المبيع، فإذا تغيرت العادة لم يعد عيبًا يُرَدُّ به، وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهذا مجمع عليه بين العلماء، ولا خلاف فيه" (٣).
وعلى هذا علق ابن القيم فقال: "وهذا محض الفقه" (٤).
стр. 605
وقد سبق قريبًا قول القرافي: إن مخالفة ذلك هو خلاف الإجماع.
فإذا تقرَّرَ تغير الفتيا والأحكام المستندة إلى الأعراف والعادات فلا بد من ضبط ذلك التغير بضوابطَ حاكمةٍ وقواعد واضحة؛ فإن قاعدة "تغير الفُتيا بتغير الأزمان" لا يمكن أن تنعكس بالسلب على أصل عبودية الخلق للخالق؛ لأن هذا التغير هو مراد الشارع الحكيم، وتحققه لا يمكن أن يكون إلا ضمن مشيئة الله ومراده؛ لأن الله تعالى هو المتفرد على عباده بالألوهية والحاكمية.
لذلك يجب أن يأتي هذا التغير منسجمًا مع النصوص والأحكام مؤتلفًا مع المقاصد العامة للتشريع، وإن اختلف مع الأهواء والأمزجة؛ لأن الله أعلم بما يُصلح الناسَ ويُفسدهم، كما يجب أن يبقى مبدأ الامتثال ببقاء الأحكام التعبدية التي لم تعلل على حالها جملة وتفصيلًا.
ومن أجل تحقيق هذا وضع العلماء ضوابطَ لِتَغَيُّرِ الفُتيا، بتغيُّرِ العرف والعادة، وبيانها كالتالي:
الضابط الأول: ألَّا يكون تغير العرف مصادمًا للنصوص الشرعية:
الأصل التمسك بالنص، وعدم مخالفته، وتحكيمه في كل ما يمكن تحكيمه فيه دون التحول إلى غيره، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال عز من قائل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال ﷺ : ". . . وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. . . " (١).
стр. 606
فكل تغير في العادات أو الأعراف هدمته الشريعة فلا اعتبار له، ولا وزن له؛ فإذا صار عُرف الناس في بلاد ما اتباع كل ناعق، أو مسايرة كل صيحة، أو صرعة غربية؛ فإن هذا هو العرف الفاسد الذي لا قيمة له.
وعلى سبيل المثال: إذا كان من عادة الغرب ابتذال المرأة وإهانتها على نحو ما يرى من بيعها في أسواق النخاسة العالمية، وإجبارها على ممارسة أعمال تنافي طبيعتها وخلقتها؛ فإن هذا العرف إذا انتقل إلينا لا يبيح عري المرأة ولا اختلاطها بشكل مستهتر بالرجل؛ فإن النصوص الشرعية المتضافرة تمنع ذلك، وتقطع سبيله.
ونختم قولنا -مكرِّرِين-: إن الأحكام الثابتة بناء على النص لا تتغير أحكامها؛ لأن النص أقوى من العرف؛ إذ لا يحتمل أن يكون مستندًا على باطل بخلاف العرف والعادة فقد تكون مبنية على باطل (١).
فيتعين مراعاة مراتب الأدلة الشرعية ومراتب التعليل في الأحكام الشرعية، وترتيب الأدلة على حسب قوتها، فلا يصح أن تختلط مستويات الأدلة، فإذا وُجِدَ النصُّ فلا مساغ للاجتهاد مع وجود النص، وكذلك لا اعتبار للمصلحة مع وجود النص، وإذا سبق الإجماع فلا اعتبار للعرف الطارئ، وهكذا.
الضابط الثاني: أن يكون التغير موافقًا لمقاصد الشريعة:
التدابير التي تتطلبها مصالح الناس في زمن ما إذا لم تُحقق الغرض منها في زمن آخر بسبب تغير الظروف- فإنه لا مانع شرعًا من استحداث تدابير جديدة تلائم الظروف الجديدة، وبالتالي يتغير الحكم تبعًا لذلك؛ إذ المعول عليه في ذلك هو موافقة مقاصد الشريعة في تحقيق مصالح الناس سواء بجلب المصلحة، أو دفع المفسدة.
يقول ابن عقيل (٢): "السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح،
стр. 607
وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ﷺ ولا نزل به وحي" (١).
وتطبيقًا لذلك رأينا الفقه المعاصر يُرشِد إلى ضرورة توثيق عقد النكاح استنادًا إلى أدلة من المصلحة المرسلة، وسد ذرائع الفساد، وضياع الحقوق.
كما وجدنا تحديدًا لأساليب التقاضي وفض النزاع وتخصيص محاكم لأغراض معينة؛ كالمعاملات أو الأحوال الشخصية؛ وذلك محكوم لما سبق أيضًا من عدم مصادمة النصوص الشرعية؛ فلا سبيل إذن إلى إباحة ربا محرم تحت هذا النص، أو القول مثلًا بجواز تأمين تجاري بحجة أن فيه نفعًا أو تحقيقًا لمصلحة!
الضابط الثالث: أن يكون التغير معتبرًا شرعًا:
ولا يكون كذلك إلَّا إذا ترتب على إهمال هذا التغير الطارئ اختلالُ مصلحة من المصالح الضرورية، أو الحاجية، أو أدى إلى وقوع حرج ومشقة معتبرين، أو أدى إلى إخلال حقيقي بفطرة الإنسان ومقوماته وخصائصه (٢).
ومما يشهد لهذا نهيه ﷺ عن إقامة الحدود في أرض العدو، وفي الحديث: "لا تُقطع الأيدي في الغزو" (٣). وقد روي أن عمر ﵁ كتب إلى الناس: "أن لا يَجْلِدَنْ أميرُ جيش ولا سرية ولا رجلٌ من المسلمين أحدًا وهو غازٍ، حتى يقطع الدرب قافلًا؛ لئلَّا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار" (٤).
стр. 608
ومن هذا الباب: لم يُعْطِ عمرُ المؤلفةَ قلوبهم من الزكاة (١)، وأسقط الحد عمن سرق في عام المجاعة (٢).
على أنه لا ينبغي أن يهمل أن مراتب الصالح قد تتغير بتغير الأزمان والأمصار والأحوال؛ فما كان حاجيًّا في زمن قد يصير ضروريًّا في غيره، وما كان تحسينيًّا قد يغدو حاجيًّا؛ وذلك لتغير ظروف الحياة والبيئات والأعراف؛ فلا شك أن الكهرباء -مثلًا- في الزمن الأول رُبَّما كانت تحسينية، أما الآن فهي حاجية، ومن قبل الحاجات العامة، وقد يصل النظر بها إلى رتبة الضروري، وهذا له تعلُّقٌ على كل حال بالحاجي والتحسيني دون الضروري؛ فإنه في كل زمان ومكان يبقى الضروري ضروريًّا؛ لأنه يُمَثِّلُ النظام العام والأصول الشرعية؛ فالتغير لا يجري إلا فيما كان حاجيًّا أو تحسينيًّا (٣).
وقد روي عن عمر عبد العزيز: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" (٤).
الضابط الرابع: أن يكون الناظر في التغير من المجتهدين:
ولا سيما الاجتهاد الجماعي، وأن يتمتع المجتهد بالجمع بين فقه الشرع وفهم الواقع، وبالجمع بين إدراك المسألة الجزئية والإحاطة بالأصول العامة والقواعد الكلية، مع توفر آلات الاجتهاد وأدوات الفُتيا، وإمعان النظر، واختبار كل تغير في الأحوال والأحداث.
وأخيرًا فإن الذي يقول -في حقِّ هذه العوائد والأعراف-: إنها تغيرت وبالتالي تتغير الفتيا المرتبة عليها إنما هم أهل العلم والمعرفة بالشرع، وليس أهل الهوى والجهل (٥).
стр. 609
ولاشك أنها مسالك ضيقة لا يسلكها إلا الخريت الماهر (١).
ومما ينبغي أن يعلم: أن تغير الفتيا بتغير ما ترتبت عليه إنما هو مما يهدف إلى إبقاء الأمور تحت حكم الشريعة وسلطانها، وإن تغيرت صورتها الظاهرة؛ فهو ليس خروجًا على الشريعة واستحداثًا لأحكام جديدة.
وأن التغير في الفتيا هو تغيُّرٌ خاص من حيث الزمان والمكان والشخص، حيث تتغير فقط بالنسبة للزمان أو المكان أو الشخص الذي تغيرت في حقه مسوغات الفتيا، وهذا معناه أن الأمور تكون باقية علي ما هي عليه في بقية الأماكن والأزمان والأشخاص.
وأن أهل العلم عندما قالوا بمراعاة الأصول والعوائد ونحوها إنما قالوا ذلك حتى لا يقعوا في الظلم؛ إما ظلم العباد بإلزامهم بما لم يُلزمهم به الشرع، وإما ظلم أنفسهم بالخطأ على الدين.
والأقليات المسلمة بحاجة إلى فقه هذه القواعد الضابطة والأصول الحاكمة لنوازل وفقه هذه الأقليات التي تعيش خارج أرضها ومحكومة بغير شريعة ربها في أغلب أحوالها.
وهذا يشير إلى أهمية تحقيق المناط، وهو تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع، علة حكم ما في محله نص أو إجماع؛ فيبين المجتهد وجودها في الفرع (٢).
ومجال تطبيق هذه القاعدة في نوازل الأقليات يتضح في لجوء الفقيه إلى أهل الخبرة في كل القضايا التي علَّقَ الشارع حكمها على وصف أو شرط أو مانع أو سبب؛ للتحقق من قيام أي منها ليرتب عليه الحكم المناسب (٣).
стр. 610
المبحث التاسع القواعد المتعلقة بالولاية والسياسة الشرعية
القاعدة الأولى: التصرف على الرعية منوط بالمصلحة: (١)
المعنى العام للقاعدة:
وردت هذه القاعدة بعبارات متقاربة، منها: قول الإمام الشافعي ﵀: "منزلة الوالي من رعيته بمنزلة والي مال اليتيم من ماله" (٢) وعبَّر عنها التاج السبكي بقوله: "كل متصرف عن الغير فعليه أن يتصرف بالمصلحة" (٣).
وواضح أن من الفقهاء من أطلق التعبير، فقال: التصرف على الرعية منوط بالمصلحة، ومنهم: مَنْ قيَّد بلفظ الإمام، فقال: "تصرُّفُ الإمام على الرعية منوط بالمصلحة".
وهذه القاعدة تفيد أن نفاذ تصرف الراعي على الرعية، ولزومه عليهم شاءوا أو أبوا معلَّق ومتوقف على وجود الثمرة والمنفعة في ضمن تصرفه، دينية كانت أو دنيوية، فإن تضمن التصرف منفعة ما وجب عليهم تنفيذه، وإلا رُدَّ؛ لأن الراعي ناظر، وتصرفه حينئذ متردد بين الضرر والعبث، وكلاهما ليس من النظر في شيء. (٤)
وهذه القاعدة قاعدة مطَّردة تسري على الحكام والولاة، كما تسري على كل أسرة وراعيها (٥) والرعية هنا كل من دخل تحت ولاية مَنْ ولَّاه الله أمرهم.
стр. 611
كما أن القاعدة تشير إلى أهمية أن يرعى كلُّ راعٍ رعيته بنصحه، وطلب الخير لها، وتحقيق مصالحها العامة، وأن كل تصرف على خلاف هذه المصلحة مما يُقصد به استثمار، أو استبداد، أو يؤدي إلى ضرر أو فساد فهو غير جائز.
فالولاة والعمال والأمراء والقضاة والقادة وغيرهم ليسوا عمالًا لأنفسهم، إنما هم وكلاء عن الأمة في القيام بشئونها، فعليهم أن يراعوا خير التدابير؛ لإقامة العدل، وإزالة الظلم، وإحقاق الحق، وصيانة الأخلاق، وتطهير المجتمع من الفساد، ونشر العلم ومحاربة الجهل، والحرص على الأموال العامة، ورعايتها وإنفاقها فقط فيما يعود على الأمة بالخير والنفع، كما لا يجوز لهم أن يُحابُوا بها أحدًا دون أحد لجاه أو لسلطان أو لرغبة أو لطمع؛ لأنه لا يجوز للوالي أن يأخذ درهمًا من أموال الناس إلا بحق، كما لا يجوز له أن يضعه إِلَّا في يد مستحق.
وقد أخذ الشافعي ﵀ هذه القاعدة من قول عمر ﵁: "إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيتُ عنه استعففتُ، وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف" (١).
وأيضًا ما ذكره القاضي أبو يوسف في "الخراج" حيث قال: "بعث عمر بن الخطاب ﵁ عمار بن ياسر على الصلاة والحرب، وبعث عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وبعث عثمان بن حنيف على مساحة الأرضين، وجعل بينهم شاة كلَّ يوم، في بيت المال، شطرها وبطنها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود وربعها الآخر لعثمان بن حنيف، وقال: إني أنزلت نفسي وإياكم من هذا المال بمنزلة ولي اليتيم، فإن الله تبارك
стр. 612
وتعالى قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]
والله ما أرى أرضًا يؤخذ منها شاة كل يوم إلا استسرع خرابها". (١)
أدلة القاعدة:
أولًا: القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٩].
وجه الدلالة:
الأمانات تتضمن الولاياتِ كلَّها الدينية والدنيوية، كبيرها وصغيرها، وأنه يتحتم على كل من يقوم بولاية ما أن يقيم العدل، ويزن الأمور بالقسطاس المستقيم.
ومن شواهد هذه القاعدة في كتاب الله الكريم: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
فهذه الآيات على اختلاف موارد نزولها تفرض الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين.
ففي الآية الأولى نُهِيَ الأولياءُ أن يؤتوا السفهاء أموالهم مخافةَ أن يضيعوها؛ لضعف عقولهم، وخفة أحلامهم، حتى تزول صفة السفه عنهم، وفي الآية التالية وقع التنبيه على أنه لا يصح التصرف في مال اليتيم إلا بالخصلة التي هي أنفع له كتثميره وحفظه، أو أخذه قرضًا.
وهكذا في سائر الأحوال جعل التصرف منوطًا بالمصلحة. (٢)
стр. 613
ثانيًا: السنة المطهرة:
١ - قوله ﷺ : "ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لم يجهد لهم وبنصح إلا لم يدخل معهم الجنة" (١).
٢ - قوله ﷺ : "ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلَّا حرم الله عليه الجنة" (٢).
٣ - قوله ﷺ : "كلكم راعٍ ومسئول عن رعيته؛ فالإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راعٍ وهو مسئول عن رعيته" (٣).
وجه الدلالة:
الأحاديث السابقة تبيِّنُ اطِّراد القاعدة وشمولها لكل راعٍ ورعية، وتَعِدُ الناصح من الولاة خيرًا عظيمًا، وتُنذر الخائن منهم شرًّا مستطيرًا.
ولا شك أن القواعد الشرعية والأصول العقلية كافة تحمل على جلب المصالح ودرء المفاسد، وعليه فلا يجوز لوالٍ أو وصي أو قاضٍ أو إمام أن يعمل في رعيته إلا بما تقتضيه المصلحة من جلب منفعة، أو دفع مفسدة.
стр. 614
القاعدة الثانية: يقوم أهل الحل والعقد عند الاقتضاء مقام الإمام ونائبه:
المعنى العام للقاعدة:
هذه القاعدة قاعدة فقهية مستنبطة من كلام علماء السياسة الشرعية والولايات العامة أولًا، ثم مما قرره فقهاء المالكية ثانيًا.
ومصطلح أهل الحل والعقد أطلقه أبو الحسن الأشعري (١) المتوفى سنة ٣٢٤ هـ (٢)، ثم ذكره أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ (٣) ثم أبو الحسن الماوردي المتوفى سنة ٤٥٠ هـ (٤)، ثم شاع بعد ذلك وذاع في كتب السياسة الشرعية، والفقه والأصول وعلم العقيدة، وغيرها من العلوم.
وقد ارتبط هذا المصطلح بمصطلحات أخرى تقاربه في معناه، مثل: "أولو الأمر"، "أهل الاختيار"، "أهل الشورى"، "أهل الشوكة"، "أهل الاجتهاد"، "أهل الرأي والتدبير" وغيرها من مصطلحات في باب السياسة الشرعية.
والمقصود بأهل الحل والعقد -اصطلاحًا- ما قاله النووي ﵀: "وتنعقد الإمامة بالبيعة، والأصح بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم". (٥)
стр. 615
وهذا ما تابعه عليه أكثر المتأخرين أيضًا، يقول الشيخ محمد عبده: "وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند، وسائر الرؤساء والزعماء، الذين يَرجع إليهمُ الناسُ في الحاجات والمصالح العامة" (١).
وإلى قريب منه ذهب الشيخ محمود شلتوت (٢)، فقال: "أهل الحل والعقد هم أولو الأمر الذين يمثلون الأمة ويختارون باسمها الخليفة، وهم أهل العلم والرأي والخبرة في كل ناحية من نواحي النشاط الحيوي بالأمة" (٣).
وقد وقع بعض الخلاف اليسير في المقصود بذلك، وكان ينبغي ألا يقع خلاف فيه، يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "كان ينبغي أن تكون تسميتهم بأهل الحل والعقد مانعة من الخلاف فيهم؛ إذ المتبادر أنهم زعماء الأمة وأولو المكانة، وموضع الثقة من سوادها الأعظم، بحيث تتبعهم في طاعة من يُوَلَّونَ عليها فينتظم به أمرها، ويكون بمأمن من عصيانها وخروجها عليه". (٤)
والحاصل أن هذا الاصطلاح متعارف عليه بين علماء الشريعة دلت عليه الآيات الكريمات الآمرة بمشورة العلماء والحكماء، وأصحاب الكفاية والدراية، كما دلت عليه الآيات الواردة في شأن مسئولية أهل العلم وبيان مرجعيتهم، والأمر باتباعهم وسؤالهم، كما نبهت عليه الآيات الآمرة بالانتصاب للدعوة والاجتماع على الأمر والنهي، مع النصح لأئمة المسلمين وعامتهم.
стр. 616
كما تقضي به قواعد الاجتماع والعمران البشري، والسياسة الشرعية، من كونهم ممثلين عن الأمة في النظر لها والقيام بمصالحها من تولية أئمتها ومحاسبتهم وعزلهم، وقد ذكر الماوردي (١) وأبو يعلى (٢) ثلاثة شروط لأهل الحل والعقد بصفتهم أهل الاختيار والبيع، وهي:
١ - العدالة الجامعة لشروطها.
٢ - العلم الذي يُتَوَصَّلُ به إلى معرفة من يستحق الإمامة.
٣ - الرأي والحكمة المؤديان إلى معرفة الأصح للإمامة.
وذلك بعد الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والذكورة (٣).
واشترط بعضهم سكنى دار الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] (٤).
فمن اجتمعت فيه هذه الصفات الأساسية فقد صار منهم، ثم هم يتفاوتون بحسب صفاتهم التكميلية، ومنها: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، والخبرة والتجربة والورع. (٥)
وأهل الحل والعقد هم وكلاء الأمة ونوابها في عقد الأمور الكبيرة العظيمة وحلها، وهذا العمل الجليل يعقد لهم ولاية ونفوذًا للكلمة في عموم الأمة.
ومما يُستأنس به للدلالة على معنى قيام النقباء والوكلاء عن الأمة ما ثبت أن رسول الله ﷺ قال -حين أذن له المسلمون في عتق سبي هوزان-: "إني لا أدري من أَذِنَ منكم
стр. 617
ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم" (١).
فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أن الناس قد طيبوا وأذنوا. وهو يدل على مشروعية إنابة البعض عن الكل.
فالعلاقة إذن وكالة صريحة أو ضمنية بينهم وبين الأمة. (٢)
فيقومون نيابة عن الأمة في اختيار الأصلح للإمامة العظمى، قال الماوردي: "فإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار تصفَّحوا أحوال الإمام الموجودة فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلًا، وأكملهم شروطًا، ومن يُسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقفون عن بيعته" (٣) وعلى الإمام أن يشاورهم ويرجع إليهم في أمور المسلمين العامة ولا يستبد برأيه دونهم، قال ابن خويز ﵀ (٤): "واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكُتَّاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها (٥).
كما أن عليهم أن يعلنوا بعزل الإمام إذا وقع منه كفر صراح، قال ابن حجر: "ينعزل (يعني الإمام) بالكفر إجماعًا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض" (٦).
стр. 618
وقال إمام الحرمين ﵀: "الإسلام هو الأصل والعصام، فلو فرض انسلال الإمام عن الدين لم يَخْفَ انخلاعُهُ، وارتفاعُ منصبه وانقطاعه، فلو جدَّدَ إسلامًا لم يَعُدْ إمامًا إلا أن يُجَدَّدَ اختيارُهُ" (١).
فإن خلا الزمان عن إمام أو نائبه لموت أو فقد حسي بالأسر أو نحوه، أو فقدٍ شرعيٍّ بالكفر، أو بترك تحكيم الشريعة واستبدالها، آل الأمر إلى أهل الحل والعقد، وعادت الولاية العامة إليهم. قال الجويني: "فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطانٍ ذي نجدة واستقلال وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء، وحقٌّ على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يَرجعوا إلى علمائهم، ويَصْدُروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك فقد هُدُوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاةَ العباد، فإنْ عسر جمعهم على واحد استبدَّ أهل كل صقع وناحية باتباع عالمهم" (٢).
وعليه فإن شغور الزمان عن إمام يُعيدُ السلطان إلى الأمة ممثلةً في أهل الحل والعقد فيها، فتصدر عنهم وتأخذ بقولهم؛ حيث صاروا نوابها في إقامة دينها وحفظ أمرها، حتى يجتمعوا على واحد يبايعونه إمامًا.
وعلى ما تقدَّم فإن معنى هذه القاعدة: أن واجبات الإمام لا تسقط بغيابه أو بفقده، إنما تصير إلى نواب الأمة من أهل الحل والعقد، فيقومون بالواجبات العلمية والاجتماعية والسياسية والدينية حتى ينصب الإمام.
стр. 619
أدلة القاعدة:
أولًا: القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
وجه الدلالة:
أولو الأمر إما أن يكونوا علماء أو أمراء، والعلماء ورثة الأنبياء فتجب طاعتهم لصفة العلم فيهم، وأما الأمراء والزعماء فتجب طاعتهم في المعروف لينتظم أمر الناس.
قال ابن العربي: "والصحيح عندي أنهم الأمراء والعلماء جميعًا، أما الأمراء فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم، وأما العلماء فلأن سؤالهم واجب متعين على الخلق، وجوابهم لازم، وامتثال فتواهم واجب" (١).
فإن لم يكن ثمة أمراء فقد وجبت طاعة العلماء والزعماء، وكل من كان متبوعًا متابعًا لأهل العلم (٢).
ثانيًا: السنة المطهرة:
قوله ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" (٣).
стр. 620
وجه الدلالة:
أفاد قوله: ولزوم الجماعة: لزومها بالمعنى العلمي وهم أهل الحق والاجتماع على الاتباع، ولزومها بالمعنى العملي وهم المجتمعون على إمام على مقتضى الشرع، فإذا شغر الزمان عن الإمام وعجز الناس عن الجماعة بالمعنى العملي السياسي فيلتزمون جماعة أهل الحل والعقد، فتجب طاعتهم، وتحرم منابذتهم؛ لأنهم إما علماء، وهؤلاء طاعتهم لازمة؛ لأنهم المراجع العلمية التي يصدر عنها الناس، وإما أمراء وزعماء، فهؤلاء طاعتهم فرض بالنص والإجماع، وإما زعماء ووجهاء، وهؤلاء يطاعون تبعًا لأولئك (١).
وقوله ﷺ : "عليكم بالجماعة" (٢)، وقوله: "يد الله مع الجماعة" (٣)، ونحو ذلك يفيد لزوم الجماعة والحذر من الشذوذ والفُرقة.
стр. 621
ثالثًا: القواعد الشرعية العامة، وبعض القواعد الفقهية الخاصة:
أما القواعد الشرعية فتقضي بأنه لا يصلح تفويت مصالح المسلمين بغياب الإمام أو فقده، فتمضي الأمة -من خلال أهل الحل والعقد فيها- إلى القيام بهذه الواجبات الشرعية العملية والعلمية حتى ينصب الإمام، وفي هذا إعمال لقواعد الفقه الكلية، مثل: الضرر يزال، وتحصيل المصالح، ودفع المفاسد.
وأما القواعد الفقهية الخاصة، فقد قرَّر المالكية قاعدة قيام جماعة المسلمين مقام القاضي، أو قيام العدول مقام القاضي. (١)
وذلك لأن الإمام في الأصل نائب عن الجماعة، فلا يستبعد أن تنوب الجماعة مناب الإمام إذا تعذر وجوده.
وقد نصَّ المالكية في باب أحكام زوجة المفقود على أن جماعة المسلمين تقوم مقام القاضي، قال خليل (٢) في مختصره: "فصل: ولزوجة المفقود الرفع للقاضي، والوالي، ووالي الماء، وإلا. . . فلجماعة المسلمين" (٣).
قال الحطاب (٤): "وأما جماعة المسلمين فظاهر كلامه أنه لا يصح ضربهم الأجل (أي: لزوجة المفقود) إلا عند فقد من ذكر" (٥). وهم: القاضي، والوالي، وقاضي الماء.
стр. 622
وفي شرح المواق (١): "وقال القابسي (٢) وغيره من القرويين: لو كانت المرأة في موضع لا سلطان فيه، لرفعت أمرها إلى صالحي جيرانها؛ يكشفوا عن خبر زوجها، ثم ضربوا لها الأجل أربعة أعوام، ثم عدة الوفاة، وتحل للأزواج؛ لأن فعل الجماعة في عدم الإمام كحكم الإمام". (٣)
وقال الدردير في الشرح الصغير على "أقرب المسالك": "أو لجماعة المسلمين عند عدمه (أي: الإمام) ولو حُكمًا، كما في زمننا بمصر؛ إذ لا حاكم فيها شرعي، ويكفي الواحد من جماعة المسلمين إن كان عدلًا عارفًا شأنه أن يرجع إليه في مهمات الأمور بين الناس، لا مطلق واحد، وهو مجمل كلام العلامة الأجهوري، وهو ظاهر لا خفاء به، والاعتراض عليه تعسف". (٤)
وقال ابن عرفة ﵀ (٥): "الذي استمرَّ عليه قضاة بلدنا أن الرفع إلى العدول كالرفع إلى السلطان" (٦).
نقل ابن فرحون عن المازري أن ولاية القضاء تنعقد بعقد "ذوي الرأي وأهل العلم والمعرفة والعدالة، لرجل منهم كملت فيه شروط القضاء، وهذا حيث لا يمكنهم
стр. 623
مطالعة الإمام في ذلك" (١).
وعند الحنابلة ما يوافق ما قرره المالكية؛ فهذا أبو يعلى الفراء يقول: "ولو أن أهل بلد قد خلا من قاضٍ أجمعوا على أن قلَّدوا عليهم قاضيًا، نظرت: فإن كان الإمام موجودًا بطل التقليد، وإن كان مفقودًا صح ونفذت أحكامه عليهم" (٢).
وعند الحنفية يقول ابن عابدين ﵀: "فلو كان الولاة كفارًا يجوز للمسلمين إقامة الجمعة، ويصير القاضي قاضيًا بتراضي المسلمين" (٣).
وهذا يدل بجلاء على مضي كلمة أهل الحل والعقد في الأمة عند غياب الأئمة أو فقدهم شرعًا.
تطبيقات القاعدة في تأصيل فقه الأقليات:
لا شك أن هذه القاعدة مفيدة جدًّا في أحوال الأقليات المسلمة في غير ديار المسلمين، وهي بهذا تفتح باب الولاية على المسلمين هناك لأهل العلم والفضل فيهم، من الأفراد والهيئات، ولا سيما فيما يتصل بالأحوال الشخصية والمعاملات المالية، ونحوها.
ومن الأمثلة التي يجري فيها إعمال هذه القاعدة: تفويض ولاية التفريق والتطليق الجبري على الزوج في ديار الأقليات إلى العلماء المؤهلين القائمين على المراكز الإسلامية في بلاد الأقليات؛ حيث إن اللجوء إلى القضاء الوضعي في تلك الديار لا يترتب عليه وحده إنهاء الزواج من الناحية الشرعية، إلا إذا صدر الطلاق من الزوج، وفي حالة امتناعه يجوز للمراة أن ترفع أمرها للمراكز الإسلامية، وما في حكمها مما يعتبر مرجعًا لجماعة المسلمين هنالك.
كذلك تتولى هذه المراكز -من الناحية الشرعية- عقود الزواج لمن لا ولي لها؛ وذلك استنادًا إلى القاعدة التي تقررت من قيام جماعة العدول مقام القاضي، وقيام أهل الحل والعقد مقام الإمام أو نائبه (٤).
стр. 624
فقه النوازل للأقليات المسلمة «تأصيلا وتطبيقا»
تأليف
الدكتور محمد يسري إبراهيم
[المجلد الثاني]
دار اليسر
стр. 625
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أصل هَذَا الْكتاب رِسَالَة علمية حصل بهَا الباحث على دَرَجَة الدكتوراه فِي الْفِقْه الإسلامي من كُلية الشَّرِيعَة والقانون جَامِعَة الْأَزْهَر الشريف وَقد أجيزت الرسَالَة بِتَقْدِير مرتبَة الشّرف الأولى والتوصية بالطبع والتداول بَين الجامعات
حُقُوقُ الطَّبع مَحْفُوظة للِمُؤَلف
الطبعة الأولى
طبعة خَاصَّة لوزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية
١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م
إصَدارَات
وَزَارَة الأَوْقَافِ وَالشُّؤُوْن الإِسلاميِّةِ
إدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسلَامِيَّةِ - دَوْلةِ قَطَر
دارُ اليُسر
٢٠ ش عبد الْعَزِيز عِيسَى، المنطقة التَّاسِعَة، الْحَيّ الثَّامِن: مَدِينَة نصر، الْقَاهِرَة.
تليفون: ٠٠٢٠٢٢٤٧٠٩٢٦٩
فاكس: ٠٠٢٠٢٢٤٧١٤٨٠١
مَحْمُول: ٠٠٢٠١٠٦٢٢٧٦٢٠٨
خدمَة العملاء: ٠٢٢٠١١١٨٠٠٦٠٦٠
Email: alyousr@gmail.com
www.dar-alyousr.com
رقم الْإِيدَاع بدار الْكتب المصرية
٢٠٧١٣/ ٢٠١١
ISBN: ٩٧٨ - ٩٧٧ - ٥١٠٢ - ٠٩ - ٦
стр. 628
الفْصَلُ الرَّابِعُ
مناهج وطرق استنباط الأحكام الفقهية للنوازل وضوابطها
المبحث الأول: مناهج الحكم على النوازل.
المبحث الثاني: طرق استنباط أحكام النوازل وضوابطها.
стр. 629
المبحث الأول
مناهج الحكم على النوازل
تَمَهيد
كان الأصل في الصدر الأول أن تردَّ المسائل والأحكام إلى النبي ﷺ فيصدر السائل عن فتياه ﷺ ، وبوفاته ﷺ كان الرد إلى أصحابه المجتهدين ﵃، ولا شك أن الصحابة هم أولى الأمة بموافقة الحق والهداية إلى الصواب، ومنهم من زكاهم الله ورسوله بأعيانهم، وأشار بالعلم والفقه في دين الله إلى مقامهم؛ ولذا كان العلم بفتاويهم وأقاويلهم ومذاهبهم من أنفع ما يتزود به الفقيه، وبالجملة فإنه كلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب والتوفيق أغلب، فآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا (١).
وقد واجهوا ﵃ نوازل لم يكن لهم بها عهد في حياة نبيهم ﷺ ، فبذلوا وسعهم واستفرغوا جهدهم في دَرْكِ أحكامها، ومعرفة وجوه الفتيا في مسائلها ونوازلها، وقد مارسوا ﵃ الاجتهاد جماعيًّا وفرديًّا في تلك المسائل المستجدة؛ فمن مسائل الاجتهاد الجماعي: قتال مانعي الزكاة، واجتماع الناس على رأي أبي بكر وفقهه بعد نقاش وحوار علمي من عمر ﵁، وبعد مقتل كثير من القُرَّاءِ في حروب الردة شرح الله صدر الصديق لرأي عمر بجمع القرآن؛ فأسند ذلك إلى زيد بن ثابت ﵁، وجرى العمل في ذلك استنادًا إلى قاعدة المصالح المرسلة، وهكذا تعددت أمثلة الاجتهاد، أو الإفتاء الجماعي.
ومن أمثلة الاجتهاد الفردي: رأي عمر في إمضاء الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد (٢) مع
стр. 630
خلاف ينقل عن بعض الصحابة له في ذلك (١)، وكذا قتله الجماعة بالواحد (٢)، وتوريثه المطلقة ثلاثًا في مرض الموت ما دامت في عدتها (٣).
وهكذا انفرد عمر بآراء، كما انفرد ابن عباس وابن عمر ﵃ وغيرهما باجتهادات، وشارك الصحابةَ في ذلك كبارُ التابعين؛ كسعيد بن المسيب ﵀ في المدينة.
ويقول الدهلوي ﵀: "كان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة، وكان أحفظهم لقضايا عمر، ولحديث أبي هريرة" (٤)، ومذهب سعيد بن المسيب هو كالأصل لمذهب الإمام مالك بالمدينة؛ كما كان مذهب إبراهيم النخعي أصل مذهب الحنفية بالعراق (٥)، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أخذ النخعي وعلقمة (٦) وغيرهما.
يقول ابن القيم ﵀: "والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود، وأصحاب زيد بن ثابت، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب عبد الله
стр. 631
ابن عباس؛ فعِلْمُ الناس عامته عن أصحاب هؤلاء الأربعة، فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس، وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود" (١).
وبالجملة فقد تلقى كبار التابعين عن الصحابة وتحقق هذا الاتصال والتلقي فأخذ اللاحق عن السابق، ووجدت اجتهادات لصغار الصحابة والتابعين في مسائل جدَّت وحوادث وقعت لم تكن معهودة في الزمن الأول.
وبالجملة فقد اعتبر الشاطبي مصادر الصحابة في الاستنباط راجعةً إلى الكتاب والسنة والإجماع والرأي (٢).
"وكان الصحابة -أيضًا- يشرعون أحكامًا لحوادث بناءً على المصلحة الواجب مراعاتها، أو المفسدة الواجب دفعها؛ فكان اجتهادهم فيما لا نص فيه، لا سيما فيما فيه مجال يتسع لحاجات الناس ومصالحهم" (٣).
وبانقراض عصر التابعين ودخول عصر تابعي التابعين وما تلاه من عصور الأئمة الأربعة المجتهدين؛ فقد برزت هذه المذاهب الفقهية والمدارس العلمية، والتي تميزت باجتماع همم الطلبة على نشرها، والعناية بتحريرها وضبط أصولها، وتدوين مسائلها.
وبهذا استقرَّت مناهج الأئمة الأربعة على أنها طرق للنظر والاستنباط في بحث أحكام النوازل والمستجدات؛ وذلك لاستيعابهم لسائر أساليب المتقدمين مما لا يسع أحدًا جاء بعدهم أن يحدث طرقًا تختلف كلية عما قرروه من أصول وقواعد (٤).
стр. 632
ومن غير شكٍّ فإن المذاهب الأربعة وما دُوِّن فيها من ذخيرة فقهية وثروة علمية تمثل تراثًا ثريًّا ومصدرًا غنيًّا، لا غنى لباحث في المسائل المعاصرة عنه.
وفي المطلب الآتي مزيد إيضاح، وبيان لتلك الأصول التي ظهر اعتماد الأئمة الأربعة عليها في إدراك الأحكام، وبناء منهج الاستنباط لنوازل المسائل والأقضيات.
المطلب الأول: مناهج الأئمة الأربعة وأتباع مذاهبهم في الحكم على النوازل:
لقد اتفق الأئمة الأربعة وأتباع مذاهبهم من الفقهاء على اعتماد الأصول الأربعة لمصادر التشريع، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإن وجدت بينهم اختيارات خاصة في مسائل أصولية تتعلق بهذه المباحث الأربعة والمصادر العامة للتشريع، وانفرد بعضهم بالعناية بأصول أخرى إضافية، وعرف في مذهبه الفقهي التعويل عليها والاستناد إليها.
مذهب مالك:
فمالك إمام دار الهجرة يعتبر إجماع أهل المدينة ويعده حجةً شرعية ودليلًا من الأدلة المعتبرة خلافًا لبقية المذاهب الفقهية؛ وذلك لأنه رأى أن الناس تبع لأهل المدينة من المهاجرين والأنصار؛ ولما اختصهم الله به من هجرة نبيهم إليهم وحياته بين أظهرهم وحضورهم الوحي والتنزيل، ومعرفتهم بالفقه والتأويل.
حتى قال مالك ﵀ في رسالته إلى الليث ﵀ (١): "فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرًا معمولًا به لم أر لأحدٍ خلافه، للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحدٍ انتحالها ولا
стр. 633
ادعاؤها" (١).
وقد جاء فقهاء المالكية بعد إمامهم فزادوا الأمر وضوحًا وتفصيلًا؛ فأقاموا تفرقة بين عمل أهل المدينة المبني على الاجتهاد، وبين العمل المبني على النقل (٢)؛ فالثاني حجة دون الأول على رأي طائفة من المالكية (٣).
وقد وجد في مذاهب أخرى ما يدل على مراعاة الترجيح بالعمل دون ذكر قطر بعينه؛ فالإمام أحمد ﵀ قال: "شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها" (٤). وهو يدل على اعتبار العمل عنده.
كذا نقل عنه عمل بحديث ضعيف لكون العمل عليه، وهو حديث "العرب أكفاء إلا حائكًا أو حجامًا" (٥)؛ فقيل له: كيف تأخذ به وأنت تضعفه؟
قال: العمل عليه.
قال الموفق: أي: أنه يوافق أهل العرف (٦).
وكذلك يرجح بالعمل عند الشافعية؛ فقد ذكر ابن الصلاح ﵀ في أحكام المفتي والمستفتي: أن القول القديم إذا قيل فيه إنه جرى به العمل فإن هذا يدل على أن
стр. 634
القول القديم هو المفتى به (١).
وبينوا حال خبر الآحاد مع عمل أهل المدينة؛ فما كان من الأخبار مطابقًا وموافقًا فقد تأكد الأمر بالعمل، وما كان مخالفًا فإن كان عملهم من طريق النقل تُرِكَ به الخبر، وإن كان إجماعهم اجتهادًا قُدِمَ الخبر عند الجمهور، وفيه خلاف بين المالكية.
وما لم يكن ثم عمل بخلاف ولا وفاق خبر الواحد؛ فالمصير إلى خبر الواحد ولا بد.
وفرَّق ابن القيم في عمل أهل المدينة بين حالين وعصرين، عصر الرسول والصحابة، وعصر من جاء بعدهم؛ فإن العمل بالمدينة كان بحسب من جاء من المفتين وتولى من العمال والولاة وعمل به المحتسبون (٢).
كما اعتبر مالك ﵀ من أكثر الفقهاء مراعاة للمصالح المرسلة وأخذًا بها، حتى عُدَّتْ من أصوله التي انفرد بمزيد العناية بها، وبذلك ننتهي إلى أن أصول المذهب هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصالح المرسلة.
ويلاحظ أنه رَدَّ إجماع أهل المدينة إلى دليل السنة.
وينسب إلى مالك ﵀ تقديم القياس على الخبر الواحد، كما ذكر ذلك ابن القصار ﵀ (٣) في مقدمته الأصولية (٤).
وعلى الصحيح فإنه يَعتبر قولَ الصحابي حجةً بشرط عدم المخالف، ويَعمل
стр. 635
بالاستحسان، وذكر الزرقاني ﵀ (١) أربع مسائل صرح مالك فيها بالاستحسان فذكره بلفظه، وإلَّا فقد عمل به فيما فوق تلك المسائل، وأما تلك المسائل فقد انفرد باستحسانها دون باقي الأئمة (٢).
كما اشتهر عنه مراعاة الخلاف؛ كما نقل عن الإمام أحمد ﵀ ذلك أيضًا (٣).
وعُنِيَ المالكية بكتب النوازل والمسائل، ودونوا في ذلك شيئًا كثيرًا.
مذهب أبي حنيفة:
وأما الإمام أبو حنيفة ﵀ فقد أكثر من الاستدلال بالاستحسان، ومعلومٌ اعتمادُهُ على رفع الحرج والمشقات، وتحصيل المصالح والمنافع بالاجتهاد، وذلك حين يؤدي القياس إلى غلو أو ضرر أو مشقة شديدة.
كما ظهر في فقهه مراعاة الأعراف والعمل بموجبها، وهو أمر أدى إلى مرونة ظاهرة في مذهبه، ويسر بالغ في فروعه ومسائله.
كما عرف للحنفية موقف من أحاديث الآحاد؛ حيث لم يكتفوا بما اشترطه أهل الحديث وجمهور الفقهاء من شروط لقبوله؛ بل أضافوا شروطًا، منها:
١ - ألا يكون خبر الواحد مما تعم به البلوى، واحتج أبو حنيفة لردِّهِ بأن ما تعم به البلوى يكثر وقوعه فيكثر السؤال عنه، وما يكثر السؤال عنه يكثر الجواب عنه فيقع التحدث به كثيرًا، وينقل نقلًا مستفيضًا ذائعًا، فإذا لم ينقل مثله دلَّ على فساد أصله (٤).