ابن عباس؛ فعِلْمُ الناس عامته عن أصحاب هؤلاء الأربعة، فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس، وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود" (١).
وبالجملة فقد تلقى كبار التابعين عن الصحابة وتحقق هذا الاتصال والتلقي فأخذ اللاحق عن السابق، ووجدت اجتهادات لصغار الصحابة والتابعين في مسائل جدَّت وحوادث وقعت لم تكن معهودة في الزمن الأول.
وبالجملة فقد اعتبر الشاطبي مصادر الصحابة في الاستنباط راجعةً إلى الكتاب والسنة والإجماع والرأي (٢).
"وكان الصحابة -أيضًا- يشرعون أحكامًا لحوادث بناءً على المصلحة الواجب مراعاتها، أو المفسدة الواجب دفعها؛ فكان اجتهادهم فيما لا نص فيه، لا سيما فيما فيه مجال يتسع لحاجات الناس ومصالحهم" (٣).
وبانقراض عصر التابعين ودخول عصر تابعي التابعين وما تلاه من عصور الأئمة الأربعة المجتهدين؛ فقد برزت هذه المذاهب الفقهية والمدارس العلمية، والتي تميزت باجتماع همم الطلبة على نشرها، والعناية بتحريرها وضبط أصولها، وتدوين مسائلها.
وبهذا استقرَّت مناهج الأئمة الأربعة على أنها طرق للنظر والاستنباط في بحث أحكام النوازل والمستجدات؛ وذلك لاستيعابهم لسائر أساليب المتقدمين مما لا يسع أحدًا جاء بعدهم أن يحدث طرقًا تختلف كلية عما قرروه من أصول وقواعد (٤).
стр. 632
ومن غير شكٍّ فإن المذاهب الأربعة وما دُوِّن فيها من ذخيرة فقهية وثروة علمية تمثل تراثًا ثريًّا ومصدرًا غنيًّا، لا غنى لباحث في المسائل المعاصرة عنه.
وفي المطلب الآتي مزيد إيضاح، وبيان لتلك الأصول التي ظهر اعتماد الأئمة الأربعة عليها في إدراك الأحكام، وبناء منهج الاستنباط لنوازل المسائل والأقضيات.
المطلب الأول: مناهج الأئمة الأربعة وأتباع مذاهبهم في الحكم على النوازل:
لقد اتفق الأئمة الأربعة وأتباع مذاهبهم من الفقهاء على اعتماد الأصول الأربعة لمصادر التشريع، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإن وجدت بينهم اختيارات خاصة في مسائل أصولية تتعلق بهذه المباحث الأربعة والمصادر العامة للتشريع، وانفرد بعضهم بالعناية بأصول أخرى إضافية، وعرف في مذهبه الفقهي التعويل عليها والاستناد إليها.
مذهب مالك:
فمالك إمام دار الهجرة يعتبر إجماع أهل المدينة ويعده حجةً شرعية ودليلًا من الأدلة المعتبرة خلافًا لبقية المذاهب الفقهية؛ وذلك لأنه رأى أن الناس تبع لأهل المدينة من المهاجرين والأنصار؛ ولما اختصهم الله به من هجرة نبيهم إليهم وحياته بين أظهرهم وحضورهم الوحي والتنزيل، ومعرفتهم بالفقه والتأويل.
حتى قال مالك ﵀ في رسالته إلى الليث ﵀ (١): "فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرًا معمولًا به لم أر لأحدٍ خلافه، للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحدٍ انتحالها ولا
стр. 633
ادعاؤها" (١).
وقد جاء فقهاء المالكية بعد إمامهم فزادوا الأمر وضوحًا وتفصيلًا؛ فأقاموا تفرقة بين عمل أهل المدينة المبني على الاجتهاد، وبين العمل المبني على النقل (٢)؛ فالثاني حجة دون الأول على رأي طائفة من المالكية (٣).
وقد وجد في مذاهب أخرى ما يدل على مراعاة الترجيح بالعمل دون ذكر قطر بعينه؛ فالإمام أحمد ﵀ قال: "شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها" (٤). وهو يدل على اعتبار العمل عنده.
كذا نقل عنه عمل بحديث ضعيف لكون العمل عليه، وهو حديث "العرب أكفاء إلا حائكًا أو حجامًا" (٥)؛ فقيل له: كيف تأخذ به وأنت تضعفه؟
قال: العمل عليه.
قال الموفق: أي: أنه يوافق أهل العرف (٦).
وكذلك يرجح بالعمل عند الشافعية؛ فقد ذكر ابن الصلاح ﵀ في أحكام المفتي والمستفتي: أن القول القديم إذا قيل فيه إنه جرى به العمل فإن هذا يدل على أن
стр. 634
القول القديم هو المفتى به (١).
وبينوا حال خبر الآحاد مع عمل أهل المدينة؛ فما كان من الأخبار مطابقًا وموافقًا فقد تأكد الأمر بالعمل، وما كان مخالفًا فإن كان عملهم من طريق النقل تُرِكَ به الخبر، وإن كان إجماعهم اجتهادًا قُدِمَ الخبر عند الجمهور، وفيه خلاف بين المالكية.
وما لم يكن ثم عمل بخلاف ولا وفاق خبر الواحد؛ فالمصير إلى خبر الواحد ولا بد.
وفرَّق ابن القيم في عمل أهل المدينة بين حالين وعصرين، عصر الرسول والصحابة، وعصر من جاء بعدهم؛ فإن العمل بالمدينة كان بحسب من جاء من المفتين وتولى من العمال والولاة وعمل به المحتسبون (٢).
كما اعتبر مالك ﵀ من أكثر الفقهاء مراعاة للمصالح المرسلة وأخذًا بها، حتى عُدَّتْ من أصوله التي انفرد بمزيد العناية بها، وبذلك ننتهي إلى أن أصول المذهب هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصالح المرسلة.
ويلاحظ أنه رَدَّ إجماع أهل المدينة إلى دليل السنة.
وينسب إلى مالك ﵀ تقديم القياس على الخبر الواحد، كما ذكر ذلك ابن القصار ﵀ (٣) في مقدمته الأصولية (٤).
وعلى الصحيح فإنه يَعتبر قولَ الصحابي حجةً بشرط عدم المخالف، ويَعمل
стр. 635
بالاستحسان، وذكر الزرقاني ﵀ (١) أربع مسائل صرح مالك فيها بالاستحسان فذكره بلفظه، وإلَّا فقد عمل به فيما فوق تلك المسائل، وأما تلك المسائل فقد انفرد باستحسانها دون باقي الأئمة (٢).
كما اشتهر عنه مراعاة الخلاف؛ كما نقل عن الإمام أحمد ﵀ ذلك أيضًا (٣).
وعُنِيَ المالكية بكتب النوازل والمسائل، ودونوا في ذلك شيئًا كثيرًا.
مذهب أبي حنيفة:
وأما الإمام أبو حنيفة ﵀ فقد أكثر من الاستدلال بالاستحسان، ومعلومٌ اعتمادُهُ على رفع الحرج والمشقات، وتحصيل المصالح والمنافع بالاجتهاد، وذلك حين يؤدي القياس إلى غلو أو ضرر أو مشقة شديدة.
كما ظهر في فقهه مراعاة الأعراف والعمل بموجبها، وهو أمر أدى إلى مرونة ظاهرة في مذهبه، ويسر بالغ في فروعه ومسائله.
كما عرف للحنفية موقف من أحاديث الآحاد؛ حيث لم يكتفوا بما اشترطه أهل الحديث وجمهور الفقهاء من شروط لقبوله؛ بل أضافوا شروطًا، منها:
١ - ألا يكون خبر الواحد مما تعم به البلوى، واحتج أبو حنيفة لردِّهِ بأن ما تعم به البلوى يكثر وقوعه فيكثر السؤال عنه، وما يكثر السؤال عنه يكثر الجواب عنه فيقع التحدث به كثيرًا، وينقل نقلًا مستفيضًا ذائعًا، فإذا لم ينقل مثله دلَّ على فساد أصله (٤).
стр. 636
٢ - ألَّا يخالف حديث الآحاد القياس حالَ كون راويه غير فقيه:
فهم يذهبون إلى تقديم القياس عليه في هذه الحالة، لا سيما مع عدم علم راويه بالفقه؛ لاحتمال خطئه (١).
٣ - ألَّا يخالف حديث الآحاد الأصول العامة حال كون راويه غير فقيه (٢).
٤ - ألَّا يعمل الراوي بخلاف الحديث الذي رواه (٣).
هذا، وقد تناول العلماء في بقية المذاهب رأي الحنفية بالمناقشة والتفنيد، وطال بينهم الحجاج في هذه المسائل الأصولية والضوابط العلمية للاستنباط.
ولا يَعني هذا ازورارًا من الحنفية وإمامهم عن الحديث وحجيته في مقابل الرأي؛ فقد نُقِلَ عن بعض الحنفية ما نصه: "إذا صحَّ الحديث وكان على خلاف المذهب عُمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه، ولا يخرج مقلده عن كونه حنفيًّا بالعمل به؛ فقد صحَّ عن أبي حنيفة أنه قال: "إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي"، وقد حكى ذلك ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة" (٤).
وقد قرَّر الحنفية ما يُفْتَى به في مذهبهم من تقديم قول الإمام لا سيما إذا كان معه أحد صاحبيه، فإن اختلف قولهما عن قوله لاختلاف الزمان وتغيره أخذ بقول المتأخر، وإذا اجتمع المتأخرون من أئمة المذهب على أمر اختير قولهم وعمل به (٥)، كما عدوا مسائل يُفْتَى فيها بقول زفر (٦)، وقدم قول أبي يوسف في القضاء مطلقًا (٧).
стр. 637
وبالجملة قالوا: إن المتون مقدمة على الشروح، والشروح مقدمة على الفتاوي، فإذا تعارض ما في المتون والفتاوي فالمعتمد ما في المتون، وكذا يقدم ما في الشروح على ما في الفتاوي (١).
مذهب الشافعي:
فإذا تحولنا إلى إمام علم الأصول وواضع لبناته الأولى فإننا نجد الإمام الشافعي ﵀ ينبه على أن العلم طبقات: الأولى: الكتاب والسنة، والثانية: الإجماع فيما ليس كتابًا ولا سنة، الثالثة: أن يقول صحابي فلا يُعْلَمُ له مخالف من الصحابة، الرابعة: اختلاف الصحابة، الخامسة: القياس (٢).
وبشأن أقاويل الصحابة نجده يفصل في الرسالة فيقول: "أقاويل الصحابة إذا تفرقوا فيها نصير إلى ما وافق الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصحَّ في القياس، وإذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلاف صرتُ إلى اتباع قوله إذا لم أجد كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا ولا شيئًا في معناه، يحكم له بحكمه، أو وُجِدَ معه قياس" (٣).
ووجدنا الشافعي ينكر الاستحسان ويردُّه، ويقول: "من استحسن فقد شرع" (٤).
كما وجدناه يقبل المرسل -وهو من قسم الضعيف- ولكن بشروط فصَّلها في رسالته، وحاصلها:
١ - أن يُقَوِّيَ المرسلَ حديثٌ مسندٌ متصل في معناه، وعندها تكون الحجة للمسند دون المرسل.
стр. 638
٢ - أن يُقَوَّى المرسل بمثله بشرط قبول أهل العلم له وأخذهم به.
٣ - أن يوافقَ المرسلُ قولَ بعضِ الصحابة؛ فإنه يكون في معنى الرفع.
٤ - أن يتلقاه أهل العلم بالقبول فيفتي به جماعة منهم (١).
ومع ذلك إذا عارضه مسندٌ في موضوعه قُدِّمَ المسندُ عليه.
وللشافعي موقف من الذرائع؛ فهو لا يقول بها، ويقول: "لا أتهم أحدًا".
ويتفق مع من قال بالمصالح المرسلة بشرط ملاءمتها للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول (٢).
وقد روى مذهبَهُ الجديدَ ستةٌ من أصحابه وتلامذته، وأتباع المذهب يأخذون بالراجح من أقواله، وهو ما نَصَّ على رجحانه، وإلَّا فما علم تأخره، وإلا فما فرع عليه وحده، وإلا فما قال عن مقابله: مدخول أو يَلزمه فساد، وإلَّا فما أفرده في محل أو جواب، وإلَّا فما وافق مذهب مجتهد لتقويته به، فإن خلا عن ذلك كله فهو لتكافؤ نظيره.
وإنما يعتبر المتأخر مذهب الشافعي إذا أفتى به، أما إذا ذكره في مقام الاستنباط والترجيح ولم يصرح بالرجوع عن الأول فلا (٣).
قال النووي ﵀: "كل مسألة فيها قولان للشافعي ﵀، قديم وجديد؛ فالجديد هو الصحيح، وعليه العمل؛ لأن القديم مرجوع عنه، واستثنى جماعة من أصحابنا نحو عشرين مسألة أو أكثر، وقالوا: يفتى فيها بالقديم" (٤).
مذهب أحمد:
فإذا انتهى الأمر إلى إمام أهل السنة والجماعة بأن تأثره بمنهج شيخه الشافعي
стр. 639
وأخذه بأصوله، ويظهر جليًّا أن الإمام أحمد يعظم النصوص ويقدمها، ويثني بالعناية بأقاويل الصحابة وفتاويهم، وبها يفتي، فإذا اختلفوا تخيَّرَ من أقوالهم ما كان أقربها وأشبهها بالكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم.
وكان يأخذ بالضعيف الذي يسميه غيره بالحسن، ويقدمه على الرأي والقياس، وكان يرى القياسَ آخرَ هذه الأصول رتبةً؛ فلا يصير إليه إلَّا إذا لم يجد في الباب نصًّا، ولا قولًا لصاحب، ولا أثرًا مرسلًا، ولا أثرًا ضعيفًا، فهذا عنده موضع ضرورة إذن (١).
وكثيرًا ما ظهر في فقه مدرسته أثرُ الاستصحاب في الأحكام، وجاء مذهبه ثانيًا بعد مذهب المالكية في العمل بالاستصلاح (٢).
وظهر العمل بسد الذرائع جليًّا في فتاوي الإمام؛ فحرم العينة والبيوع التي يتوصل بها إلى الحرام؛ فلا يصح بيع العنب لمن يعصره خمرًا، ولا يصح بيع الدار لمن يستعملها استعمالًا غير شرعي، وقال عن نفسه: "وأنا أنظر في الحديث فإذا رأيت ما هو أقوى وأحسن أخذت به وتركت الأول" (٣).
وإذا كان المذهب ظاهرًا مشهورًا بحيث اختاره جمهور الأصحاب واعتمدوا نقله والانتصار له حتى قلَّ ذِكْرُ الرواية الثانية -فهذا لا إشكال في أنه المذهب، وإن وُجِدَ من الأصحاب من يدعي أن المذهب غيره.
وإذا كانت الروايتان بمستوى واحد أو متقارب في الظهور بحيث وقع الخلاف في ترجيح إحداها على الأخرى بين الأصحاب وتقاربت الأدلة في القوة -فإن معرفة المذهب الصحيح في هذه الحالة تكون على مراتب:
стр. 640
المرتبة الأولى: أن يتفق محققو المذهب على رواية واحدة، فتكون حينئذٍ هي المعتمدة والصحيحة في المذهب، وهؤلاء هم:
الموفق ابن قدامة ت: ٦٢٠ هـ، مجد الدين ابن تيمية (١) ت: ٦٥٣ هـ، شمس الدين ابن أبي عمر المقدسي (٢) ت: ٦٨٢ هـ، شمس الدين ابن مفلح ت: ٧٦٣ هـ، زين الدين ابن رجب ت: ٧٩٥ هـ، سراج الدين الدجيلي (٣) ت: ٧٣٢ هـ، نجم الدين ابن حمدان ت: ٦٩٥ هـ، شمس الدين ابن عبد القوي المقدسي (٤) ت: ٦٩٩ هـ، وجيه الدين ابن المنجى التنوخي (٥) ت: ٦٠٦ هـ، تقي الدين ابن تيمية ت: ٧٢٨ هـ.
المرتبة الثانية: إذا اختلف المحققون في الرواية الصحيحة قُدِّمَ ما قدمه ابن مفلح في الفروع.
стр. 641
المرتبة الثالثة: فإن لم يُقَدِّمْ ابنُ مفلح إحدى الروايتين في الفروع؛ فالمذهب ما اتفق عليه الموفق ابن قدامة ومجد الدين ابن تيمية.
المرتبة الرابعة: إذا اختلف الشيخان فالمذهب مع من وافقه ابن رجب في "القواعد الفقهية"، أو شيخ الإسلام ابن تيمية.
فإن لم يوافقهم أحد فالمذهب ما عليه الموفق في "الكافي" أو غيره، ثم ما عليه المجد.
المرتبة الخامسة: إذا لم يكن للشيخين جميعًا ولا لأحدهما منفردًا تصحيح في المسألة فعلى الترتيب التالي:
١ - ما قاله ابن رجب.
٢ - ما قاله الدجيلي في "الوجيز".
٣ - ما قاله ابن حمدان في "الرعاية الكبرى" و"الصغرى"؛ فإن اختلفا قُدِّمَ ما في "الرعاية الكبرى".
٤ - ما قاله ابن عبد القوي.
٥ - ما قاله ابن منجى في "الخلاصة".
٦ - ثم ما قاله ابن عبدوس (١) في "التذكرة".
ثم هذه المراحل أغلبية وعلى سبيل الاحتمال، وقد لا تَطَّرِدُ اطِّرادًا تامًّا بسبب تفاوت ما يكون به الترجيح والتصحيح للنصوص والأدلة والمآخذ (٢).
стр. 642
المطلب الثاني: ضوابط الإفادة من المذاهب الفقهية في الحكم على النوازل .
بعد أن تقررت أصول الأئمة الأربعة بشيء من الإيضاح وبان اتفاق الجميع على مرجعية الكتاب والسنة، وما استند إليهما من الإجماع، أو القياس، وتميزت ملامح اجتهاد كل مدرسة في التعامل مع الكتاب والسنة في دلالات ألفاظها وموقف كلٍّ من أحاديث الآحاد، والمراسيل، والحديث الضعيف، ورتبة ذلك في سُلَّم أولويات الاستنباط، والموقف من القياس وسائر الأدلة المختلف فيها؛ كالاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، وقول الصحابي وغيرها -فقد تكشف البحث عن جملة حقائق مهمة:
أولاها: مذاهب الفقهاء الأربعة المتبوعين مناهج وطرق مشروعة لاستنباط أحكام الحوادث ومعرفة ما يجب حيال النوازل، وهي مدارس للتعلم وطرق للتعبد.
قال الشاطبي: "إذا ثبت أن الحمل على التوسط هو الموافق لقصد الشارع، وهو الذي كان عليه السلف الصالح فلينظر المقلد أي مذهب كان أجرى على هذا الطريق فهو أحق بالاتباع وأولى بالاعتبار، وإن كانت المذاهب كلها طرقًا إلى الله تعالى، ولكن الترجيح فيها لا بد منه؛ لأنه أبعد من اتباع الهوى، وأقرب إلى تحري قصد الشارع في مسائل الاجتهاد" (١).
ثانيها: اعتمدت المذاهب جميعًا -على تفاوت بينها- النظر إلى المقاصد والمصالح، فمن متوسع في الأخذ بها متعمق في أغاويرها، دائر مع إيرادها وصدرها، ومن متشبث بالنصوص متمسك بأهدابها؛ فالتباين إنما هو في التنائي عن النص والشسوع عنه، أو اللياطة به واللصوق (٢).
ثالثها: كل المذاهب -بدون استثناء- اعتمدت قادة مجتهدين، ومجتهدي مذهب، ومقلدين متبصرين، ومقلدين ناقلين، وجعلت مَنْ سلك سبيلهم من عوام المسلمين في
стр. 643
سعة من دينه، وسداد في أمره.
كما أنها اعتمدت ما اشتهر من أقوال هؤلاء وتَرَجَّحَ، غير أنها ذكرت جواز العمل بغير الراجح وبغير المشهور منها؛ لضرورة أو حاجة تنزل منزلتها بضوابط معلومة، منها: عروض مصلحة تُستجلب، أو مفسدة تُستدفع، أو إحراز رفق بالعباد، أو تحقيق تيسير على الناس، وقد ذكر السبكي في فتاويه أنه يجوز تقليد الوجه الضعيف في نفس الأمر بالنسبة للعمل في حق نفسه، لا الفتوى والحكم، فقد نقل ابن الصلاح الإجماع على أنه لا يجوز (١).
وعند المالكية اشترطوا ألَّا يكون القول ضعيفًا جدًّا، وأن تثبت نسبته إلى قائل يُقْتَدَى به علمًا وورعًا، وأن تكون الضرورة محققةً، لا متوهمةً (٢).
وقد نقل ابن عابدين جواز العمل بالقول الضعيف للمصلحة، وفي موضع ضرورة طلبًا للتيسير، وقال: "وبه عُلِمَ أن المضطر له العمل بذلك لنفسه كما قلنا، وأن المفتي له الإفتاء به للمضطر، وينبغي أن يلحق بالضرورة -أيضًا- ما قدمناه من أنه لا يُفْتَى بكفر مسلم في كفره اختلافٌ، ولو رواية ضعيفة؛ فقد عدلوا عن الإفتاء بالصحيح؛ لأن الكفر شيء عظيم" (٣).
وقد حقَّق بعض الباحثين جواز العمل بالمرجوح والأخذ به عند الضرورة والحاجة التي تنزل منزلتها؛ وذلك لدفع مفسدة تعتبر شرعًا، لا لجلب مصلحة؛ استنادًا إلى أن الضرورات تبيح المحظورات، وجواز ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما قال القرافي ﵀: "إذا رأينا من فعل شيئًا مختلفًا في تحريمه وتحليله، وهو يعتقد تحريمه
стр. 644
أنكرنا عليه؛ لأنه منتهك الحرمة من جهة اعتقاده" (١).
رابعها: وجد بعد عصر نشوء المذاهب الأربعة علماء متفقهة بدأوا متمذهبين وانتهوا مجتهدين يتصرفون تصرفات المجتهد المطلق، وقد جمعت فتاويهم ودونت مسائلهم، ويمثل هذا التوجه مجموعة فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية؛ حيث يعتمد اعتمادًا واصبًا على الكتاب والسنة وأقوال السلف، يصحح ويرجح أقوالًا للصحابة والتابعين شبه مهجورة إذا ظهر له أنها أسعد بالدليل والقواعد، "وتكاد فتاوي ابن تيمية تكون المجموعة الفريدة -بعد عصر المجتهدين- التي ارتفعت عن التقليد، وسمت عن مجرد النقل عن الأئمة إلى مرتبة الاستنباط والتصرف في الأدلة؛ تفصيلًا لمجمل، وتأويلًا لمشكل، وترجيحًا عند تعارض.
مع العلم أن فتاوي ابن تيمية تمثل خلاصة فقهه الذي يتفق غالبًا مع المشهور من مذهب أحمد، إلا أنها أيضًا تمثل اجتهاداته واختياراته التي قد يرجح منها الرواية المرجوحة، وفي أحيان أخرى قد يعتمد فيها بعض آراء أئمة المذاهب الأخرى، وبخاصة المذهب المالكي، إلا أنه قد يخالف الأئمة الأربعة، ويعتمد أقوال الصحابة أو التابعين، ويتصرف تصرف المجتهد المطلق، مع اختيارات يصعب تقليدها أحيانًا" (٢).
وفيما يأتي ضوابط نافعة في الإفادة من المذاهب الفقهية الأربعة في معرفة أحكام النوازل الواقعة، ولا سيما نوازل الأقليات المسلمة:
أولًا: التزام المذهب الواحد غير لازم:
الناظر في مسائل النوازل -ولا سيما نوازل الأقليات- لا بد له من أهلية علمية
стр. 645
متميزة؛ نظرًا لجِدَّة تلك المسائل، ووعورة مسالك تحصيل أحكامها، مع تلاطم في متغيرات الواقع الذي يحيط بها، وعليه فلا بد أن يكون من أهل العلم بالفقه المعتبرين، وهذا لا يتأتى إلا بعد درس للفقه طويل، وخبرة ببعض مذاهب الأئمة فيه، ومع شيوع دعوى تعذر وجود المجتهد المستقل في هذا الزمان؛ فإن هذا لا يمنع من وجود مجتهد في مذهب إمام من الأئمة، أو نوع من أنواع الفقه والعلم، أو في مسألة أو مسائل من العلم، وهذا يستتبع أن يوسع الباحث في نوازل الأقليات المعاصرة دائرة بحثه؛ فيطلع على مذاهب الأئمة الأربعة، وأقوالهم وفتاويهم، وسواء أكان مقلدًا في مذهبه الفقهي، أم مجتهدًا.
يقول القرافي: "يجوز تقليد المذاهب في النوازل" (١).
وقال النووي: "الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزم المقلد التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، أو من اتفق" (٢).
وقال ابن حجر: "وظاهره جواز الانتقال من مذهب لآخر، وأفتى شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام بجواز تقليد إمام مذهب في مسألة، وآخر في أخرى، وهكذا من غير التزام مذهب معين" (٣).
وقال ابن السبكي: "يجوز تقليد الصحابة ﵃ (أي: خلافًا للمعتمد في المذهب) وهو الصحيح عندي" (٤).
وبناءً على هذا فإنه مما يُعِين على الوصول إلى الحق ومعرفة وجه الصواب في النوازل المعاصرة تتبع مطاوي الكتب وخبايا الأسفار، وأقوال علماء المذاهب في شتى
стр. 646
الأمصار، وبمقدار علو الهمة في تحصيلها تتنور الأفكار.
ويؤكد الشيخ الزرقا على اعتبار مجموعة المذاهب الاجتهادية كمذهب واحد كبير في الشريعة، وكل مذهب منها يعتبر كالقول في المذهب الواحد؛ فيختار العلماء من هذه المذاهب، ويرجحون ما هو أوفى بمصالح الناس وحاجتهم في هذا العصر (١).
"وهنا يلزم الفقيه أو المفتي أو الباحث الشرعي أن يسبح سبحًا طويلًا في آفاق الفقه بمختلف مدارسه ومشاربه، ولا يقف عند الرأي السائد والشائع؛ فكم من آراء رشيدة مخبوءة في بطون الكتب لا يعلمها إلا القليلون، أو لعلها لا تُعْلَمُ إلا بالبحث والتفتيش، وكم من آراء مهجورة تستحق أن تُشهَرَ، وآراء ضعفت في زمنها يجدر بها أن تقوى الآن، وكم من آراء أهيل عليها التراب؛ لأنها لم تجد من ينصرها ويدافع عنها، أو لأنها كانت سابقة لزمنها فلعلها لم تكن صالحة لذلك الزمن، وهي صالحة لزمننا هذا.
ولعل أبرز مثال لذلك: آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في الطلاق ونحوه؛ فقد رفضها أكثر أهل عصره، واتهموه من أجلها بتهم شتى، وحاكمه علماء وقته، ودخل السجن أكثر من مرة من أجل آرائه وفتاويه، ثم فاء في الأعصر الأخيرة طوائف من أهل العلم إلى فتاويه فأفتوا بها؛ لأنهم رأوا فيها إنقاذ الأسرة المسلمة من الانهيار بسبب كثرة إيقاع الطلاق، مع حرص الزوجين على بقاء العشرة.
ولو أردت أن أضرب مثلًا لذلك في موضوعنا، لوجدت أمثلة شتى.
ومن ذلك: ما يتعرض له كثير من الذين يهديهم الله للإسلام؛ فيدخلون في دين الله من الرجال والنساء ثم يتوفى آباؤهم أو أمهاتهم، وقد تركوا وراءهم تركات كثيرًا ما تكون كبيرة، فهل يسع المسلم والمسلمة أن يرث هذا المال من أبيه وأمه؟ والقوانين تجعل له الحق في الميراث وهو وأسرته في حاجة إليه، وإخوانه من المسلمين من حوله في حاجة إليه؟
стр. 647
إن الذي يكتفي بالمذاهب الأربعة المشهورة عند أهل السنة؛ بل الذي يقرأ المذاهب السبعة أو الثمانية (بزيادة مذهب الجعفرية والزيدية والإباضية والظاهرية) يجد أن اختلاف الدين مانع من موانع الميراث المشهورة، وهم يستندون في ذلك إلى الحديث المشهور: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (١). والحديث الآخر: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (٢).
ولكن من يبحث خارج المذاهب الأربعة يجد قولًا معتبرًا بجواز توريث المسلم من الكافر، وهو رأي قال به بعض الصحابة والتابعين؛ فقد روي عن معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان من الصحابة، كما روي عن محمد ابن الحنفية (٣)، ومحمد بن علي ابن الحسن (٤)، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، وعبد الله بن مغفل، ويحيى ابن يعمر (٥)، وإسحاق بن راهويه.
стр. 648
وقد رجح هذا الرأيَ شيخُ الإسلام ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن القيم رحمهما الله، وهو ترجيح له وزنه وقيمته في عصرنا (١).
وأول أصحاب هذا القول "الكافر" في حديث: "لا يرث المسلم الكافر". أن المراد الكافر الحربي، مثل: حمل طائفة من العلماء حديث: "لا يقتل المسلم بكافر" (٢). على الكافر الحربي. قال ابن القيم: "وحمله على الحربي هنا أولى وأقرب محملًا" (٣)(٤).
فإن قيل: إن العمل في مسألة ما باجتهاد إمام وفي أخرى باجتهاد أمام آخر يعتبر تلفيقًا وهو ممنوع -فالجواب:
اتفق العلماء على أن التلفيق إذا أبطل إجماعًا فإنه لا يجوز، ثم اختلفوا فيما لو عمل في مسألة باجتهاد إمام وفي أخرى باجتهاد آخر، ورجح الجوازَ جمهورُ الفقهاء الذين لا يلزمون المقلِّد باتباع مذهب واحد في كل مسألة.
وجرى الخلاف بينهم في التلفيق بين قولين لمجتهدين مختلفين في مسألة واحدة، وذلك على ثلاثة مذاهب أساسية:
الأول: الجواز مطلقًا.
الثاني: المنع مطلقًا.
الثالث: الجواز بشروط.
وفيما يلي أدلة كل فريق:
стр. 649
القائلون بالجواز مطلقًا:
استدل القائلون بالجواز بأدلة، منها: أن الأصل جوازه ما لم يثبت منعه بدليل شرعي من كتاب، أو سنة، أو إجماع، ولم يوجد، كما أن الحال في عهد أوائل الأمة كان على ذلك، حيث عمل العامة بالتلفيق من لدن الصحابة فمن بعدهم، وذلك من غير نكير، وقد ذهب إلى جوازه طائفة من علماء المذاهب أنفسهم، يقول الشيخ مرعي الحنبلي (١) في رسالة في جواز التلفيق للعوام: ". . . والذي أذهب إليه وأختاره القول بجواز التقليد في التلفيق، لا بقصد تتبع ذلك؛ لأن من تتبع الرخص فسق، بل حيث وقع ذلك اتفاقًا، خصوصًا من العوام الذين لا يسعهم غير ذلك. . . ولا يسع الناس غير هذا، ويؤيده أنه في عصر الصحابة والتابعي ﵃ ومع كثرة مذاهبهم وتباينهم -لم ينقل عن أحد منهم أنه قال لمن استفتاه: الواجب عليك أن تراعي أحكام مذهب من قلدته؛ لئلَّا تلفق في عبارتك بين مذهبين فأكثر، بل كل من سئل منهم عن مسألة أفتى السائل بما يراه، مجيزًا له العمل من غير فحص ولا تفصيل، ولو كان ذلك لازمًا لما أهملوه، خصوصًا مع كثرة تباين أقوالهم" (٢).
وقال الدسوقي المالكي في حواشيه على (شرح خليل) في بحث الفتوى من خطبة الكتاب: وفي كتاب الشبراخيتي (امتناع التلفيق) والذي سمعناه من شيخنا نقلًا عن شيخه الصغير وغيره أن الصحيح جوازه وهو فسحة.
قال الدسوقي: وبالجملة ففي التلفيق في العبادة الواحدة من مذهبين طريقتان:
المنع: وهو طريقة المصاروة.
стр. 650
والجواز: وهو طريقة المغاربة، ورجحت" (١).
وقال ابن الهمام -في فتح القدير في كتاب أدب القاضي-: المقلد له أن يقلد أي مجتهد شاء، ثم قال: "وأنا لا أدري ما يمنع هذا (أي: تتبع الرخص، وأخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه) من النقل أو العقل، وكون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، ما علمت من الشرع ذمه عليه، وكان ﷺ يحب ما خفف عن أمته" (٢).
كما نقل مثل هذا عن ابن نجيم المصري الحنفي وغيره، وقد صلى أبو يوسف خلف هارون الرشيد بعد أن احتجم ولم يتوضأ؛ عملًا بمذهب مالك، وأخذ أبو يوسف بقول أهل المدينة، حين أُعلم أنه صلى بعد أن اغتسل من ماء بئر فيه فأرة ميتة، فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا".
ثانيًا: القائلون بالمنع مطلقًا:
١ - التلفيق يؤدي إلى التلاعب بأمور الدين وأحكام الشرع؛ لكونه يؤدي إلى تتبع الرخص والأخذ بما هو أيسر من المذاهب، وهذا لا يجوز.
وقد أثر عن الإمام أحمد قوله: "لو أن رجلًا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا" (٣).
٢ - إن الأخذ بالتلفيق يلزم منه احتمال الوقوع في خلاف المجمع عليه؛ لأنه ربما يكون المجموع الذي عمل به ولَفَّقَهُ مما لم يقل به أحد (٤) فيكون باطلًا.
стр. 651
ونوقش القول بأن التلفيق يؤدي إلى تتبع الرخص والبحث عن الأيسر من المذاهب، وهو ما يؤدي إلى التلاعب بأحكام الدين، نوقش بأن هذا مردود؛ لأنه لا ملازمة بين هذا وبين التلفيق، فالتلفيق يمكن أن يكون دون تتبع الرخص وبحث عن الأيسر من المذاهب؛ لأن الملفق إنما يعمل بما هو أليق وأرفق لحاله، وهذا يساير ما قصده الشرع الحكيم من التخفيف والتيسير (١).
ثالثًا: القائلون بالجواز بشروط:
واستدل القائلون بالجواز بشروط بأدلة المجيزين مع مراعاة ما عند المانعين لتكون الشروط هي:
١ - ألا يؤدي ذلك إلى تتبع الرخص في المذاهب والعمل بالتشهي.
٢ - أن يصار إليه عند الضرورة وما ينزل منزلتها.
وقد حاول الدكتور وهبة الزحيلي أن يقدم ضابطًا يُسْتَنَدُ إليه في جواز التلفيق وعدم جوازه فقال: "كل ما أفضى إلى تقويض دعائم الشريعة، والقضاء على سياستها، وحكمتها فهو محظور، وخصوصًا الحيل، وأن كل ما يؤيد دعائم الشريعة، وما ترمي إليه حكمتها وسياستها لإسعاد الناس في الدارين وتيسير العبادات عليهم وصيانة مصالحهم في المعاملات؛ فهو جائز مطلوب.
والتلفيق الجائز هو عند الحاجة أو الضرورة، وليس من أجل العبث، أو تتبع الأيسر والأسهل عمدًا بدون مصلحة شرعية، وهو مقصور على بعض أحكام العبادات والمعاملات الاجتهادية لا القطعية" (٢).
стр. 652
الترجيح:
ولعل الراجح من هذه الأقوال: قول من قال بجوازه؛ لتواتر عمل السلف من أئمة المذاهب وغيرهم عليه؛ ولأن هذا النهي عنه ما نقل إلا في القرن السابع، وقد مضى عمل الأمة على خلافه، وذلك الجواز بشرط ألا يخرق إجماعًا.
وبناءً على ما سبق فإنه يجوز للمفتي أن يستعمل التلفيق في الفُتيا، وذلك بالضوابط التالية:
١ - أن يتبع القول لدليله: فلا يختار من المذاهب أضعفها دليلًا، بل يختار أقواها دليلًا، ولا يتبع شواذ الفُتيا، وأن يكون عليمًا بمناهج المذهب الذي يختار منه.
٢ - أن يجتهد في ألا يترك المتفق عليه إلى المختلف فيه، فمثلًا: إذا أحيط خبرًا بالمذاهب الإسلامية على تولي المرأة عقد زواجها بنفسها، لا يفتي بقول أبي حنيفة الذي انفرد به من بين الجمهور، بل يفتي بقول الجمهور، ولا مانع من أن يبين له قول أبي حنيفة ووجه اختياره رأيَ الجمهور.
٣ - ألَّا يتبع أهواء الناس: بل يتبع الدليل، وينظر في المصالح المعتبرة شرعًا، وأن يكون حسن القصد في اختيار ما يختار، فلا يختار لإرضاء حاكم أو لهوى الناس، ويجهل غضب الله تعالى ورضاه، فلا يكون كأولئك المفتين الذين يتعرفون مقاصد الحكام قبل أن يفتوا، فهم يفتون لأجل الحكام، لا لأجل الحق، ولقد رأى الناس من بعض المفتين أنه يتبع موضع التسامح بالنسبة للحاكم ولنفسه، وموضع التشدد بالنسبة للناس، فيختار لنفسه من المذاهب أيسر الآراء، ويختار لغيره آراء مذهبه الذي يفتي به، ولو بلغ حد التشدد (١).
ويلخص العلامة القاسمي (٢) الموقف من التلفيق، فيقول:
стр. 653
"والقصد أن التلفيق الذي يبحث عنه المتأخرون ينبغي للمفتي إذا اسْتُفْتِيَ عن مسألة منه أن ينظر إلى مأخذها من الكتاب والسنة أو مدركها المعقول منها، وأما تسرعه إلى القول بالتلفيق بطلانًا أو قبولًا فعدول عن منهج السلف، على أن ما يسمونه بعدُ تلفيقًا -بقطع النظر عما ذكرنا من شأنه- ربما رجع إلى نوع الرخص التي يحب الله أن تؤتى" (١).
فإن قيل: أليس في هذا تتبع لرخص المذاهب، وخروج عن السبيل القويم إلى مسلك ذميم من تتبع الرخص والمسائل الشاذة في كل مذهب؟
فالجواب كما تقدم: إن تتبع الرخص في كل مذهب ممنوع إلا أن يؤدي إليه اجتهاد معتبر، أو تقليد سائغ.
ثانيًا: استخراج الأصول والقواعد والضوابط النافعة في الحكم على النوازل:
مما لا شك فيه أن الفقه فيما مضى قد ساير حياة الناس، وضبط إيقاع الحياة وواكب المستجدات في كل عصر بحسبه، وتصدى فقهاؤنا الأقدمون لأقضيات متعددة ومسائل مستحدثة لم يكن للسابقين عليهم عهد بها؛ فاستثمروا أحكام تلك النوازل بثاقب النظر وبديع الاستنباط؛ فأكدوا برهان صلاحية الشريعة الإسلامية وأصالتها، وقدموا الدليل على إعجازها وتمام كمالها.
وتصدى الفقهاء والمجتهدون لمسائل شتى، فوضعوا لها حلولًا جزئية وأحكامًا خاصة، ومن جملة تلك الفروع المستكثرة والمسائل المتنوعة قعدوا قواعد جامعة، في الفقه تارة، وفي الأصول أخرى، وفي مقاصد الشريعة تارة ثالثة.
وهذه القواعد الجامعة والضوابط الحاكمة كانت بمثابة علامات الطريق ومنارات الاهتداء لمن جاء بعدهم، فحذا حذوهم ونسج على منوالهم؛ فاعتدوا بتلك القواعد
стр. 654
الجامعة النافعة، وعملوا من خلالها على التصدي لصعاب النوازل، ومدلهمات المسائل، وفيما سبق عرضه من قواعد أصولية وفقهية ما يشهد على أن اجتهادهم كان عن تقعيد وتأصيل؛ يبنى عليه التفصيل ويرتبط بالدليل والتعليل.
وفي التأكيد على هذا المعنى قال ابن عبد البر ﵀ في باب من كتاب "جامع بيان العلم وفضله" بعنوان: "اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة"، يقول ﵀: "وهذا يوضح لك أن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالم بها" (١).
وعليه فإنه يتعين على فقهاء الزمن الحاضر دراسة تلك الفتاوي والمسائل التي حكم فيها المتقدمون وفقًا لأصولهم وقواعدهم؛ ليستنبطوا تلك القواعد الجامعة، لترد إليها النوازل المعاصرة، وليستعينوا بذلك التراث الفقهي على تكوين الملكة الأصولية المقاصدية الفقهية التي تهيئ للتعامل مع المسائل المستحدثة، ولا سيما في مجال الأقليات الإسلامية التي تكثر عوارضها وتتنوع طوارئها ومشكلاتها.
وعلى فقهاء الزمن الحاضر أن يعلِّموا طلبتهم هذه المنهجية بالاتكاء على ما أصَّله الأقدمون، والانتفاع بطريقتهم العلمية الرائقة، وما أحسن قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀-في مجلس للتفقه والتعليم-: "أما بعد: فقد كنا في مجلس التفقه في الدين، والنظر في مدارك الأحكام الشرعية، تصويرًا وتقريرًا، وتأصيلًا وتفصيلًا، فوقع الكلام في. . . فأقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مبني على أصلٍ وفصلين. . . " (٢).
ودراسة ما كتبه الأقدمون في مقاصد الشريعة يفيد العالم المجتهد المتصدي لنوازل العصر كثيرًا، ويمكنه من التفريق بين رتب المقاصد والمقدم منها عند التعارض،
стр. 655
والتمييز عند اختلاط الأحكام وتداخلها بين رتب المأمورات والمنهيات، وإدراك مراتب الأدلة والأحكام، ومعرفة مواضع الإجماع والاتفاق، ومواقع السعة والاختلاف، وأسباب الترجيح والمرجحات، ونحو ذلك مما تكمل به عدة فقيه يدرس نوازل العصر.
وبمثل هذا المسلك الرشيد تتحقق مصالح العباد ويتبصر الفقيه بما به تحقق الرشاد في الفتاوى، وتظهر صحة قول الإمام الشافعي وأرجحيته حين قال: "وليس يؤمر أحد أن يحكم بحق إلا وقد علم الحق، ولا يكون الحق معلومًا إلا عن الله نصًّا أو دلالة من الله؛ فقد جعل الله الحق في كتابه، ثم في سنة نبيه ﷺ ؛ فليس تنزل بأحدٍ نازلة إلا والكتاب يدل عليها نصًّا أو جملة" (١).
وليس يخفى أنه ما من عالم مجتهد قد حفظت أقواله، وجمعت مصنفاته إلَّا وقد بث في ثنايا ما ألف وصنف وما أفتى فيه من مسائل ونوازل أصولًا وضوابط في سائر أبواب الفقه والعلم، ومنهم من عني بالتصنيف في القواعد الفقهية والأصولية خاصة، ومنهم من تناول القواعد المقاصدية، وقد اشتهر جمع من العلماء بالعناية بهذا المنحى في التأليف والتصنيف، وليس في الأقدمين كالشافعي والعز ابن عبد السلام وابن تيمية والشاطبي وابن القيم في هذا المجال أحد!
ثم إن المحدثين والمعاصرين قد أدلوا في هذا المجال بدلاء متفاوتة، وإن كان حظ معظمهم في الجمع والترتيب والتنضيد والتنسيق أوفر من حظهم في التأصيل والتقعيد.
ولا إشكال في هذا فإن من المتفقهين غير فقهاء وهم الرواة، ومنهم حاملو الفقه الفقهاء، ومن الصنف الأخير صفوة هم أهل الاستنباط والتقعيد والتأصيل، وأولئك ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين!
стр. 656
ومن الفقهاء من تقصر همته على تنزيل الأحكام في مواقعها، ومنهم من تتعدى همته الواقع الحاضر إلى المستقبل، وينفذ بصره من الحال إلى المآل، ويمتلك رؤية ارتيادية واستراتيجية في السياسة الشرعية؛ فيبصر مواقع المصلحة ويتوخاها، ومواقع المفسدة ويتخطاها.
ويرتب الأولويات ويرعاها، وهذا يمتلك ناصية ما يسمى بفقه التوقع بعد فقه الواقع!
ولا شك أن الصنف الأخير أندر من الكبريت الأحمر، وأنفس من الإبريز الأصفر.
ثالثًا: تطبيق بعض الفتاوي القديمة جزئيًّا أو كليًّا في المسائل المعاصرة:
الفتاوي السابقة ميدان فسيح ينتفع من خلاله الفقيه، ويستأنس به المجتهد، وهو علم لا غنى عنه للفقيه المعاصر؛ فهو علم تروى فيه الأحكام الصادرة عن الفقهاء في الوقائع الجزئية؛ ليسهل الأمر على القاصرين بعدهم (١).
ومعرفة تلك الفتاوي القديمة تعطي صورة عن النازلة في عهدها السابق وتطورها الذي جد في الوقت اللاحق، والفقيه حيث يطالع مسالك العلماء في تقرير حكمها يتمهد طريق بحثه، وتتذلل وعورة سبيله في بحث النازلة؛ فربما طبق على هذه الفتاوي مباشرة، وربما لمح أوجهًا للفرق والتمييز بين القديم والحديث.
يقول الشيخ الزرقاء ﵀: "وكُتُبُ الفتاوي هذه تمثل الناحية التطبيقية العلمية من الفقه، وتُظهر نتائج المبادئ النظرية والأحكام المقررة، ومدى ملاءمتها للمصلحة التطبيقية عند وقوع الحوادث المتوقعة كل وقت؛ لأن الحوادث المتأخرة كثيرًا ما تتشابه مع وقائع الماضي" (٢).
وحين تُذكر الفتاوي القديمة تأتي في المقدمة فتاوي أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم -كما قال ابن القيم ﵀-: "مثلوا الوقائع بنظائرها وشبهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعض
стр. 657
في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبينوا لهم سبيله" (١).
ثم مَنْ بعدهم مِنْ التابعين وتابعيهم لهم تبع في هذا المنهج والمسلك.
ومن غير شك فإن النوازل المعاصرة ازدادت تعقيدًا بتعقيدات العصر، وبظهور مخترعات علمية مذهلة التطور، لا في مجال المعلومات فحسب، بل في كل مجال علمي، ودراسة الفتاوي القديمة تعطي تصورًا عن وضع النازلة الجديدة وإلى أي مدى يمكن اعتبارها نازلة من كل وجه، وهذا قد يفيد في تكييفها، ومن ثم استنباط الحكم المناسب لها.
وفي التراث الفقهي المذهبي القديم ما يشير بجلاء إلى مآخذ أحكام معاصرة، ومسائل نازلة كالتلقيح الصناعي، وقد ذَكَرَ الفقهاء حكم استدخال المرأة منيًّا في فرجها، وسواء أكان المني لزوجها، أم لغيره، وسواء أكان ذلك لشهوة، أم لا؟ وسواء أكان ذلك عن قصد، أم لا؟ بما يمكن أن يكوَّن أمارات ترشد إلى حكم التلقيح المجهري والصناعي اليوم (٢).
وفي التراث الفقهي المذهبي ما يتناول حكم الوفاة الدماغية، وما يترتب عليها؛ فقد تناول الفقهاء حكم من جرح فلم تبقَ فيه إلا مثل حركة المذبوح بحيث يعمل قلبه وأعضاؤه تتحرك حركة لا إرادية؛ فهل يحكم له بالحياة، أم لا؟ وما حكم من جنى عليه في هذه الحالة، وهل يعد قاتلًا، أم لا؟ (٣).
стр. 658
وفي التراث الفقهي ما يتعرض لحكم إعادة الجزء المقطوع في حدٍّ أو قصاصٍ من الجاني بعد تنفيذ الحكم، وقد تناول الفقهاء هذه المسألة، أو ما هو قريب منها في حال إذن المجني عليه في الإعادة والرد، وفي حال لم يأذن، وفي حال استطاع المجني عليه الإعادة لعضوه المقطوع، وفي حال لم يستطع (١).
وينبغي التنبه إلى أن دلالة تلك الفتاوي القديمة على النوازل المستجدة قد لا تكون بطريق المطابقة، وإنما بطريق التضمن أو اللزوم، وقد لا تكون بمفهوم الموافقة، وإنما قد تكون بمفهوم المخالفة.
رابعًا: الاعتماد على النصوص في ضوء المقاصد:
وأخيرًا فإن المفتي المعاصر اليوم إذا طالع هذه الفتاوي وتأمل في طريقة الفقهاء القدامى بان له تعلقهم بالنصوص والتزامهم بها، وحرصهم عليها، وعنايتهم بفقهها، وما صادمها أو عارضها أو أهدرها فهو مرفوض.
كما تبرز -وبوضوح أيضًا- عنايتهم بالمعاني والمقاصد والمصالح، والأصل أن يجتمع في حس الفقيه النص وما يقتضيه، والمصلحة والمعنى معًا.
ولقد رأينا في فقه المذاهب أيضًا رعاية ما سبق آنفًا؛ فالمزارعة مثلًا فاسدة في ظاهر الرواية عند الحنفية، وهو رأي أبي حنيفة، لكن الفتيا المعتمدة في مذهب الفقهاء الحنفية هي على قول الصاحبين، وهو أن المزارعة جائزة (٢)؛ للنص عليها ولحاجة الناس إليها؛ لأن النبي ﷺ "عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" (٣).
стр. 659
وهذا مذهب المالكية والحنابلة مع الظاهرية (١).
ومثل هذا كثير مشهور معروف من مذاهب الفقهاء من لدن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فقد كانوا ﵃ ينظرون إلى النصوص، وإلى مقاصدها معًا، ولا يغفلون حكمها وعللها ومصالح الناس.
وتصرفات الصحابة الفقهية تؤكد على كلية الشريعة الكبرى التي تستند إليها أحكامها، وهي جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها.
وباستقراء ما أثر عن الصحابة نجد نماذج كثيرة تنم عن اجتهادات عميقة لا تخرج عن روح النص، وإن بدت للبعض مخالفة له، من ذلك:
أن الرسول ﷺ أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيًا وواليًا فطلب منه رسول الله ﷺ عند أخذه الزكاة من أهل اليمن التوسط في أخذه فقال: "خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر" (٢).
لكن معاذًا نظر إلى الحكمة من أخذ الزكاة فقال لأهل اليمن: "ائتوني بعرض ثياب خميص، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير أهوَنُ عليكم، وخيرٌ لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة" (٣).
стр. 660
وقد أفتى وقضى الخلفاء الراشدون في كثير من القضايا، كان بعضها يشتمل على تغييرات طفيفة، أو كبيرة عما كان يُفْتَى به في عهد الرسول ﷺ ، وبعضها مما لم يسن فيها الرسول ﷺ سنة.
وقد سبقت اجتهادات عمر ﵁ في منع التزوج بالكتابيات (١)، ودرء حد السرقة عام الرمادة (٢)، وإجازته للتسعير (٣).
وتضمين علي ﵁ للصناع (٤)، وغيرها.
وهذه الاجتهادات كلها دائرة في إطار السياسة الشرعية ورعاية المصالح الإنسانية، من غير مناقضةٍ لمقصود النص، ولا إبطالٍ للفظه، "ومن أراد أن يعرف المناسبات والمصالح والمفاسد فعليه أن يعرض ذلك على عقله، بتقدير أن الشرع لم يَرِدْ به، ثم يبني عليه الأحكام" (٥).
стр. 661
المطلب الثالث: المناهج المعاصرة في التعامل مع نوازل الأقليات:
تمهيد
لنوازل الأقليات المسلمة خصوصيات كثيرة ومتنوعة بتنوع خصائص وظروف تلك الأقليات في مواطنها، وقد سبق ذكر طرف من تلك الخصوصيات، وتنبيه على المقاصد الشرعية لفقه النوازل للأقليات الإسلامية، وهي مقاصد تدور على حفظ حياة تلك الأقليات، والتمكين لها في تلك المجتمعات، وحمايتها من الذوبان ومن الانعزال، مع تطلع إلى نشر دين الإسلام بالحال والمقال، وإقامة علاقة رشيدة مع الواقع الذي تعيش فيه تلك الأقليات.
والتعامل مع نوازل تلك الأقليات يحتاج إلى اجتهاد يقوم على الانتقاء بالترجيح في ظل متغيرات كثيرة، ولا يمتنع أن يكون في بعض مسائله اجتهاد جديد من غير تعويل على انتقاء، أو تخريج، ويبقى أن الاجتهاد في تحقيق المناط باقٍ لا ينقطع؛ لأنه تطبيق للقاعدة العلمية المتفق عليها على واقع جديد تنطبق عليه تلك القاعدة.
وهذه الأيام تشهد اهتمامًا متزايدًا بشأن الأقليات؛ فالمجلس الأوروبي للإفتاء معني بمسائلها، ومجمع فقهاء الشريعة بأمريكا يعقد المؤتمرات لبحث نوازلها، ومن قبلهما مجمع الفقه الإسلامي بجدة، وبرابطة العالم الإسلامي كثيرًا ما عنيا ببحث قضاياها من خلال مؤتمرات وبحوث متعددة.
كما أن المفتين عبر وسائل الإعلام الفضائية المباشرة يبثون فتاويهم، ويجيبون على البعد عن أسئلة مشاهديهم ومستمعيهم من أبناء المسلمين خارج ديار الإسلام حول العالم.
стр. 662
الفرع الأول: نماذج من نوازل الأقليات المسلمة:
وهذه النوازل باب مفتوح ونهر ممدود، لا تنقطع روافده، ولا تجف منابعه، ما تبدل الجديدان، وبقيت في الأرض حياة، فحياة الناس متجددة، والوتيرة في ذلك متسارعة، وفيما يلي نماذج من تلك النوازل لها علاقة بشتى أبواب الفقه:
أولًا: من نوازل الأقليات في العبادات:
- أوقات الصلاة لأهل القطبين وأحكامها.
- الصلاة في الطائرات والمركبات الفضائية.
- الخطبة والصلاة في معابد غير المسلمين، وما مدى حرمة تلك المعابد.
- حكم إمامة المرأة للرجال في الصلاة أو في الجمعة.
- خطبة الجمعة بغير العربية.
- دفن المسلم في مقابر غير المسلمين.
- دفن المسلم على طريقة غير المسلمين (التابوت).
- المشاركة في تشييع جنازة غير المسلم.
- دخول الكنائس للعزاء ونحوه.
- أحكام ذبائح غير المسلمين.
- أحكام الأطعمة والأدوية التي تدخلها مواد نجسة أو محرمة.
- حكم إعطاء الزكاة لغير المسلمين.
- حكم توظيف أموال الزكاة في مشاريع تجارية لدعم المراكز الإسلامية.
- حكم نقل أموال الزكاة من مواردها.
- حكم دفع أموال الزكاة لأعمال الجمعيات والمراكز الإسلامية.
стр. 663
- حكم دفع أموال الزكاة إلى مصارف غير منصوص عليها؛ لحاجة الأقليات إليها.
- كيفية صيام أهل القطبين.
ثانيًا: من نوازل الأقليات في المعاملات:
- حكم العمل والتعامل مع البنوك خارج بلاد الإسلام.
- حكم التمويل البنكي لشراء المساكن.
- أحكام عقود التأمين التجاري.
- أحكام الضرائب وحكم التحايل عليها والتهرب منها.
- حكم الإجارة على الأعمال المحرمة، أو التي تشتمل على محرمات.
- حكم دفع الرشاوى لإنجاز بعض الأعمال الإسلامية أو الشخصية.
- حكم الإجارة على طباعة مطبوعات دينية لغير المسلمين.
- حكم الإجارة على بناء دور العبادة لغير المسلمين.
- حكم الإجارة على بناء دور اللهو المحرم ونحوها.
- حكم الإجارة في أعمال المطاعم والفنادق والأعمال السياحية.
- حكم الاشتغال بالمحاماة، وتوكيل غير المسلمين.
- حكم الاشتغال بالقضاء.
- حكم الاشتغال بالأعمال العسكرية.
ثالثًا: من نوازل الأقليات في النكاح والطلاق:
- حكم الزواج من غير المسلمات في غير دار الإسلام.
- حكم النكاح المؤقت في غير دار الإسلام.
- حكم توثيق الزواج في المحاكم غير المسلمة.
стр. 664
- حكم الزواج الصوري بقصد الحصول على الإقامة أو الجنسية في غير دار الإسلام.
- حكم زواج المسلمة من غير المسلم وما يترتب عليه من آثار.
- حكم إجراء عقد الزواج بين المسلم والكتابية على يد القسيس في الكنيسة.
- حكم اللجوء إلى الشرطة أو المحاكم غير المسلمة في الخلافات الزوجية.
- حكم بقاء من أسلمت تحت زوجها الكافر طمعًا في إسلامه.
- ولاية عقد النكاح لمن لا ولي لها في بلاد الأقليات.
- حكم تعدد الزوجات في البلاد غير المسلمة التي لا يجيز قانونها تعدد الزوجات.
- حكم الزواج بنية الطلاق لمن أقام بتلك الديار.
- حكم طلب الطلاق من القاضي غير المسلم في غير دار الإسلام.
- ما يترتب على وقوع الطلاق من آثار في غير دار الإسلام.
- حكم الطلاق الصوري لأجل التعدد في تلك البلاد.
- حكم البقاء مع غير المسلمة التي دخلت في الإسلام، ثم لم تلتزم بشرائعه.
- ولاية المراكز الإسلامية في التطليق والتفريق.
رابعًا: من نوازل الأقليات الأسرية والاجتماعية:
- حكم نزع حجاب المسلمة في المدارس والمصالح الحكومية.
- حكم الوقف والوصية والهبة بين المسلمين وغير المسلمين.
- حكم الوصية والوقف لابن الزنا، وللولد غير المسلم.
- أحكام المشاركات في الأعياد الدينية، أو المناسبات القومية، ونحو ذلك.
- أحكام المشاركات في الجمعيات الاجتماعية، أو الدينية، أو الفكرية.
- موقف الأقليات المسلمة عند تعرضها للاعتداء من أهل تلك الدار.
стр. 665
خامسًا: من نوازل الأقليات في السياسة الشرعية:
- حكم ولاية أهل الحل والعقد في تلك الديار على الأقليات المسلمة.
- حكم تولي الوظائف العامة في الدولة غير المسلمة.
- حكم إقامة الأحزاب الإسلامية في الدولة غير المسلمة.
- حكم الانضمام إلى أحزاب غير إسلامية.
- حكم تحالف الأحزاب الإسلامية مع أحزاب غير إسلامية.
- حكم المشاركة في الترشيح والانتخابات النيابية.
- واجب الأقليات في نصرة القضايا الإسلامية.
إلى آخر هذه المسائل الكثيرة والمتشعبة في شتى نواحي الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وهذه النوازل إنما هي أسئلة تدل على أن اغترابهم عن بلاد الإسلام لم يُنسهم دينهم، بل هم حريصون تمام الحرص على إرضاء باريهم، وعدم الخروج عن سلطان دينه وأحكام شرعته.
كما أن هذه الأسئلة وأخواتها تتطلب الإجابة من علماء الشريعة الراسخين في العلم، الذين استفرغوا وسعهم في معرفة الشرع، ومعرفة الواقع على حدٍّ سواء؛ إذ لا يكفي واحد عن الآخر، وبطبيعة الحال -وكما تقدم- فإن بعض هذه الأمثلة تحتاج إلى اجتهاد جديد، وأخرى إلى ترجيح وانتقاء من الذخيرة الفقهية، مع اجتهاد دائم في تحقيق المناط، ورعاية حالة وجود المسلمين على أرض غير إسلامية مما يعرف بمسألة الدار، والتي قد يعبر عنها أيضًا بحكم المكان.
الفرع الثاني: المناهج المعاصرة فى الحكم على نوازل الأقليات:
بتتبع تلك الأسئلة الواردة عن مختلف وسائل الاتصال والإعلام، وبتتبع الإجابات الصادرة عبر مختلف وسائل تبليغ الفتيا من الرسائل والكتب والبحوث
стр. 666
والمجلات والصحف والإذاعات والفضائيات -يظهر بجلاء ذلك التنوع الضخم في أسئلة النوازل لدى تلك الأقليات الإسلامية فضلًا عن الأسئلة فيما لا يعد من قبيل المسائل المستجدة والقضايا المستحدثة، ولا تخطئ عين متفحص أن هذه الإجابات التي تصدر إلى تلك الأقليات الناشئة في مواطنها المقيمة في بلاد لا تحكم بشريعة ربها، والمتفاوتة في ظروفها وآلامها ومشكلاتها- ترجع إلى ثلاثة مناهج في تعاملها مع تلك الأسئلة، وتعاطيها مع تلك المشكلات.
وفيما يلي بيان مختصر لتلك المناهج:
المنهج الأول: منهج التضييق والإفراط:
وأصحاب هذا المنهج فريقان؛ أهل ظاهرية حديثة، وأهل مذهبية قديمة.
فأما الأولون فعلى الظواهر النصية يجمدون، وعن مقاصد الشريعة يعرضون، لا يقولون بالقياس، ويحمِّلون النصوص فوق ما قد تحتمله من دلالات، ويعتقدون النصوص وحدها وافية بأحكام كل نازلة بطريق النص عليها، أو بما لا يحتمل في الفهم إلا وجهًا واحدًا، وهم يحمِّلون الاستصحاب ما لا يحتمل، وينكرون تغير الفتيا بتغير الأوصاف والأعراف والمصالح والعلل.
وهؤلاء تحملهم ظاهريتهم على تحوطٍ يفضي إلى تشدد؛ لذا يبالغون في سدِّ الذرائع، ولا يعرفون في الفقه إلا رأيًا واحدًا هو الراجح المطلق، وما سواه عدم من العدم!
وعدم إدراك قواعد ومقاصد فقه الأقليات وإعمال تلك الأصول والضوابط يفضي بصاحبه إلى تشديد وتعسيرٍ الشريعةُ منه بريئة.
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَليْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وفي الحديث: "يسِّروا ولا تعسِّروا وبشِّروا ولا تنفِّروا" (١).
стр. 667
وقد قال الإمام أحمد: "من أفتى الناس ليس ينبغي أن يحمل الناس على مذهبه ويشدد عليهم" (١).
وليت هؤلاء حين شددوا في رأي أحالوا على غيرهم؛ فإنه يجوز للمفتي أن يحيل من استفتاه على غيره ممن يخالفه القول في أمر اجتهادي لا نصَّ فيه ولا إجماع، ولو كان شأنه خطيرًا؛ لأن قصارى ما عند هذا المفتي هو ما انتهى إليه رأيه، ولعله يتهم رأيه إن كان منصفًا، ولعل ما عند غيره من الرأي أولى وأفضل مما عنده!
وقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن مسألة في الطلاق فقال: "إذا فعله يحنث". فقال له السائل: إن أفتاني أجد بأنه لا يحنث -يعني: يصح؟ - فقال: "نعم، تعرف حلقة المدنيين؟ "؛ فَدَلَّهُ على مفتٍ يخالفه في اجتهاده؛ لما في ذلك من السعة على المستفتي (٢).
وبالجملة فإن هؤلاء الصنف يغلب عليهم التشديد، ويتجافون عن التيسير، ويغلب عليهم التعصب لرأي في أمر اجتهادي، أو تشدد في أمر خلافي، وقد قال سفيان الثوري: "إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد" (٣).
وأما الصنف الثاني فهم أصحاب المذهبية المفرطة، الذين يعتقدون أنه يجب على كل أحد أن ينتمي إلى أحد المذاهب الأربعة المتبوعة، ويُلزمون علماء كل مذهب بالاجتهاد في إطاره فحسب؛ تخريجًا على قول الإمام أو الأصحاب، فإذا سُئلوا فإنهم لا يُفتُون إلا بنص الإمام أو تخريجًا أو إلحاقًا، فإن لم يجدوا كان المنع والحظر إليهم أقربَ من الإباحة والحِلِّ.
وقد قال شيخ الإسلام ﵀: "وإذا نزلت بالمسلم نازلة يَستفتي من اعتقد أنه يُفتيه
стр. 668
بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول ﷺ في كل ما يوجبه ويخبر به؛ بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ " (١).
وهم يغلبون إطلاق قاعدة "الخروج من الخلاف مستحب"؛ فكل ما وقع للأقليات من مسائل، أو جاء من ديارهم من أقضيات فهو محل شبهة فينبغي أن يحتاط فيها ويفتوا بالأشد، وبالاحتياط.
وقاعدة: "الخروج من الخلاف مستحب" مقيدة بقيود يتعين مراعاتها، منها:
- ألَّا يؤدي الخروج من الخلاف إلى الوقوع في محظور شرعي.
- ألَّا يكون دليل المخالف معلومَ الضعفِ فلا يلتفت عندئذٍ إلى خلافه.
- ألَّا يؤدي الخروج من الخلاف إلى وقوع في خلاف آخر.
- ألَّا يكون العامل بالقاعدة مجتهدًا، فإذا كان مجتهدًا لم يجز له الاحتياط فيها، بل ينبغي عليه أن يُفتي الناس بما ترجح عنده من الأدلة والبراهين (٢).
ومما لا شك فيه أن حاجة الأقليات إلى السعة والتيسير بالغة، فلو أن امرأة مسلمة في ديار غير المسلمين لا عائلَ لها ولا مُعينَ، ثم مات عنها أبوها غير المسلم تاركًا لها ما يكفي سدادًا من عيشها وصلاحًا لحالها، وغناءً من فقرها وحاجتها في ذلك المجتمع غير المسلم الذي لا يقيم للنساء قدرًا، ولا يرعى لهن حرمة -أفلا يتسع الفقه الإسلامي في تلك الديار لأن تُفْتَى بجواز أخذها لإرثها من أبيها؟ وهذا وإن خالف ظاهرَ نصٍّ، ومذاهبَ الأربعة الفقهاء فإنه قد وافق قول معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان من الصحابة،
стр. 669
وسعيد بن المسيب ومسروق من التابعين، ومحمد بن الحسن ويحيى بن يعمر وإسحاق بن راهويه وابن تيمية وابن القيم فيما رجحوه في ديار الإسلام؛ فكيف بغيرها؟!
المنهج الثاني: منهج التساهل والتفريط:
وأصحاب هذا المنهج فِرَقٌ:
إحداهما: تقدم المصلحة على النص.
والثانية: تنهزم أمام الواقع الماثل في حياة الأقليات وديارها البعيدة عن ديار أهل الإسلام مبنى ومعنى، وربما اجتمعت السوأتان معًا.
والثالثة: من يفعل ذلك رغبة أو رهبة.
فأصحاب التوجه الأول يغلبهم النظر إلى مصالح عاجلة وجزئية عن النظر إلى المصالح الآجلة والكلية؛ فالتيسير مصلحة تقابلها مصلحة إقامة دين الأقلية، والاقتراض بالربا يفتح بابًا للسعة في الدنيا، ولكنه يغلق أبواب السعة في الآخرة. فغدا أصحاب هذا التوجه يُقَدِّمون مصالحَ موهومةً على نصوص معلومة؛ فلا مانع من التعامل بالبيوع المحرمة والفاسدة في دار غير المسلمين، ولا حرج على من لجأ إلى حيل باطلة وإن تخوَّض بسببها في الدماء أو الفروج المحرمة بغير برهان، والأقليات لها فقه خاصٌّ يحكمها، وأصول للاستنباط تخالف ما عليه المسلمون في بلادهم، والاجتهاد أبوابه مُشْرَعَةٌ وبلا شروط أو حدود!!
وعليه فإن دعاوي التجديد الفقهي والأصولي رائجة بين أصحاب هذا المنهج المصلحي التجديدي التحايلي المتهافت!
وأصحاب التوجه الثاني مهمتهم "إضفاء الشرعية على هذا الواقع؛ بالتماس تخريجات وتأويلات شرعية تعطيه سندًا للبقاء، وقد تكون مهمتهم تبرير أو تمرير
стр. 670
ما يراد إخراجه للناس من قوانين أو قرارات أو إجراءات تريدها السلطة.
ومن هؤلاء من يفعل ذلك مخلصًا مقتنعًا لا ينبغي زلفى إلى أحد، ولا مكافأة من ذي سلطان؛ ولكنه واقع تحت تأثير الهزيمة النفسية أمام حضارة الغرب وفلسفاته ومُسَلَّماته" (١).
فالقوانين الغربية لديهم تتفق مع الإسلام في أكثر الجوانب، والشريعة كأنها مطبقة في بلاد غير المسلمين، والانتماء إلى تلك البلاد جنسيةً يوجب القبول بأحكامها ديانةً ويُلزم بإعطاء الولاء ظاهرًا وباطنًا.
وبسبب من هذه الرؤية تتميع كثير من المواقف، وتتحلل كثير من العقائد، ويضعف التمسك بكثير من الأحكام الأصلية والفرعية على حدٍّ سواء؛ فليست المحافظة على أديان الأقليات بمقصد، ولا تبليغ الدين ورعاية حرماته بهدفٍ!
وفي هذا الصدد تُطبق قواعد العرف والرخص والمشقات والضرورات ونحوها على غير وجهها، وتُتَّبع رخص المذاهب بغير ضابط، ويُتذرع بالخلاف لاختيار الأيسر مطلقًا.
وأصحاب التوجه الثالث: "منهم من يفعل ذلك رغبة في دنيا يملكها أصحاب السلطة، أو من وراءهم، من الذين يحركون الأزرار من وراء الستار، أو حبًّا للظهور والشهرة على طريقة خالِفْ تُعْرَفْ، إلى غير ذلك من عوامل الرغب والرهب، أو الخوف والطمع التي تحرك كثيرًا من البشر، وإن حملوا ألقاب أهل العلم، وأُلبسوا لباس أهل الدين" (٢).
فلا مانع من تولي المرأة الولاية العامة والقضاء، بل وخطبة الجمعة، وإمامة المصلين!
ولا حرج من تغير الفتيا بتغير الرياح!