والمجلات والصحف والإذاعات والفضائيات -يظهر بجلاء ذلك التنوع الضخم في أسئلة النوازل لدى تلك الأقليات الإسلامية فضلًا عن الأسئلة فيما لا يعد من قبيل المسائل المستجدة والقضايا المستحدثة، ولا تخطئ عين متفحص أن هذه الإجابات التي تصدر إلى تلك الأقليات الناشئة في مواطنها المقيمة في بلاد لا تحكم بشريعة ربها، والمتفاوتة في ظروفها وآلامها ومشكلاتها- ترجع إلى ثلاثة مناهج في تعاملها مع تلك الأسئلة، وتعاطيها مع تلك المشكلات.
وفيما يلي بيان مختصر لتلك المناهج:
المنهج الأول: منهج التضييق والإفراط:
وأصحاب هذا المنهج فريقان؛ أهل ظاهرية حديثة، وأهل مذهبية قديمة.
فأما الأولون فعلى الظواهر النصية يجمدون، وعن مقاصد الشريعة يعرضون، لا يقولون بالقياس، ويحمِّلون النصوص فوق ما قد تحتمله من دلالات، ويعتقدون النصوص وحدها وافية بأحكام كل نازلة بطريق النص عليها، أو بما لا يحتمل في الفهم إلا وجهًا واحدًا، وهم يحمِّلون الاستصحاب ما لا يحتمل، وينكرون تغير الفتيا بتغير الأوصاف والأعراف والمصالح والعلل.
وهؤلاء تحملهم ظاهريتهم على تحوطٍ يفضي إلى تشدد؛ لذا يبالغون في سدِّ الذرائع، ولا يعرفون في الفقه إلا رأيًا واحدًا هو الراجح المطلق، وما سواه عدم من العدم!
وعدم إدراك قواعد ومقاصد فقه الأقليات وإعمال تلك الأصول والضوابط يفضي بصاحبه إلى تشديد وتعسيرٍ الشريعةُ منه بريئة.
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَليْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وفي الحديث: "يسِّروا ولا تعسِّروا وبشِّروا ولا تنفِّروا" (١).
стр. 667
وقد قال الإمام أحمد: "من أفتى الناس ليس ينبغي أن يحمل الناس على مذهبه ويشدد عليهم" (١).
وليت هؤلاء حين شددوا في رأي أحالوا على غيرهم؛ فإنه يجوز للمفتي أن يحيل من استفتاه على غيره ممن يخالفه القول في أمر اجتهادي لا نصَّ فيه ولا إجماع، ولو كان شأنه خطيرًا؛ لأن قصارى ما عند هذا المفتي هو ما انتهى إليه رأيه، ولعله يتهم رأيه إن كان منصفًا، ولعل ما عند غيره من الرأي أولى وأفضل مما عنده!
وقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن مسألة في الطلاق فقال: "إذا فعله يحنث". فقال له السائل: إن أفتاني أجد بأنه لا يحنث -يعني: يصح؟ - فقال: "نعم، تعرف حلقة المدنيين؟ "؛ فَدَلَّهُ على مفتٍ يخالفه في اجتهاده؛ لما في ذلك من السعة على المستفتي (٢).
وبالجملة فإن هؤلاء الصنف يغلب عليهم التشديد، ويتجافون عن التيسير، ويغلب عليهم التعصب لرأي في أمر اجتهادي، أو تشدد في أمر خلافي، وقد قال سفيان الثوري: "إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد" (٣).
وأما الصنف الثاني فهم أصحاب المذهبية المفرطة، الذين يعتقدون أنه يجب على كل أحد أن ينتمي إلى أحد المذاهب الأربعة المتبوعة، ويُلزمون علماء كل مذهب بالاجتهاد في إطاره فحسب؛ تخريجًا على قول الإمام أو الأصحاب، فإذا سُئلوا فإنهم لا يُفتُون إلا بنص الإمام أو تخريجًا أو إلحاقًا، فإن لم يجدوا كان المنع والحظر إليهم أقربَ من الإباحة والحِلِّ.
وقد قال شيخ الإسلام ﵀: "وإذا نزلت بالمسلم نازلة يَستفتي من اعتقد أنه يُفتيه
стр. 668
بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول ﷺ في كل ما يوجبه ويخبر به؛ بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ " (١).
وهم يغلبون إطلاق قاعدة "الخروج من الخلاف مستحب"؛ فكل ما وقع للأقليات من مسائل، أو جاء من ديارهم من أقضيات فهو محل شبهة فينبغي أن يحتاط فيها ويفتوا بالأشد، وبالاحتياط.
وقاعدة: "الخروج من الخلاف مستحب" مقيدة بقيود يتعين مراعاتها، منها:
- ألَّا يؤدي الخروج من الخلاف إلى الوقوع في محظور شرعي.
- ألَّا يكون دليل المخالف معلومَ الضعفِ فلا يلتفت عندئذٍ إلى خلافه.
- ألَّا يؤدي الخروج من الخلاف إلى وقوع في خلاف آخر.
- ألَّا يكون العامل بالقاعدة مجتهدًا، فإذا كان مجتهدًا لم يجز له الاحتياط فيها، بل ينبغي عليه أن يُفتي الناس بما ترجح عنده من الأدلة والبراهين (٢).
ومما لا شك فيه أن حاجة الأقليات إلى السعة والتيسير بالغة، فلو أن امرأة مسلمة في ديار غير المسلمين لا عائلَ لها ولا مُعينَ، ثم مات عنها أبوها غير المسلم تاركًا لها ما يكفي سدادًا من عيشها وصلاحًا لحالها، وغناءً من فقرها وحاجتها في ذلك المجتمع غير المسلم الذي لا يقيم للنساء قدرًا، ولا يرعى لهن حرمة -أفلا يتسع الفقه الإسلامي في تلك الديار لأن تُفْتَى بجواز أخذها لإرثها من أبيها؟ وهذا وإن خالف ظاهرَ نصٍّ، ومذاهبَ الأربعة الفقهاء فإنه قد وافق قول معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان من الصحابة،
стр. 669
وسعيد بن المسيب ومسروق من التابعين، ومحمد بن الحسن ويحيى بن يعمر وإسحاق بن راهويه وابن تيمية وابن القيم فيما رجحوه في ديار الإسلام؛ فكيف بغيرها؟!
المنهج الثاني: منهج التساهل والتفريط:
وأصحاب هذا المنهج فِرَقٌ:
إحداهما: تقدم المصلحة على النص.
والثانية: تنهزم أمام الواقع الماثل في حياة الأقليات وديارها البعيدة عن ديار أهل الإسلام مبنى ومعنى، وربما اجتمعت السوأتان معًا.
والثالثة: من يفعل ذلك رغبة أو رهبة.
فأصحاب التوجه الأول يغلبهم النظر إلى مصالح عاجلة وجزئية عن النظر إلى المصالح الآجلة والكلية؛ فالتيسير مصلحة تقابلها مصلحة إقامة دين الأقلية، والاقتراض بالربا يفتح بابًا للسعة في الدنيا، ولكنه يغلق أبواب السعة في الآخرة. فغدا أصحاب هذا التوجه يُقَدِّمون مصالحَ موهومةً على نصوص معلومة؛ فلا مانع من التعامل بالبيوع المحرمة والفاسدة في دار غير المسلمين، ولا حرج على من لجأ إلى حيل باطلة وإن تخوَّض بسببها في الدماء أو الفروج المحرمة بغير برهان، والأقليات لها فقه خاصٌّ يحكمها، وأصول للاستنباط تخالف ما عليه المسلمون في بلادهم، والاجتهاد أبوابه مُشْرَعَةٌ وبلا شروط أو حدود!!
وعليه فإن دعاوي التجديد الفقهي والأصولي رائجة بين أصحاب هذا المنهج المصلحي التجديدي التحايلي المتهافت!
وأصحاب التوجه الثاني مهمتهم "إضفاء الشرعية على هذا الواقع؛ بالتماس تخريجات وتأويلات شرعية تعطيه سندًا للبقاء، وقد تكون مهمتهم تبرير أو تمرير
стр. 670
ما يراد إخراجه للناس من قوانين أو قرارات أو إجراءات تريدها السلطة.
ومن هؤلاء من يفعل ذلك مخلصًا مقتنعًا لا ينبغي زلفى إلى أحد، ولا مكافأة من ذي سلطان؛ ولكنه واقع تحت تأثير الهزيمة النفسية أمام حضارة الغرب وفلسفاته ومُسَلَّماته" (١).
فالقوانين الغربية لديهم تتفق مع الإسلام في أكثر الجوانب، والشريعة كأنها مطبقة في بلاد غير المسلمين، والانتماء إلى تلك البلاد جنسيةً يوجب القبول بأحكامها ديانةً ويُلزم بإعطاء الولاء ظاهرًا وباطنًا.
وبسبب من هذه الرؤية تتميع كثير من المواقف، وتتحلل كثير من العقائد، ويضعف التمسك بكثير من الأحكام الأصلية والفرعية على حدٍّ سواء؛ فليست المحافظة على أديان الأقليات بمقصد، ولا تبليغ الدين ورعاية حرماته بهدفٍ!
وفي هذا الصدد تُطبق قواعد العرف والرخص والمشقات والضرورات ونحوها على غير وجهها، وتُتَّبع رخص المذاهب بغير ضابط، ويُتذرع بالخلاف لاختيار الأيسر مطلقًا.
وأصحاب التوجه الثالث: "منهم من يفعل ذلك رغبة في دنيا يملكها أصحاب السلطة، أو من وراءهم، من الذين يحركون الأزرار من وراء الستار، أو حبًّا للظهور والشهرة على طريقة خالِفْ تُعْرَفْ، إلى غير ذلك من عوامل الرغب والرهب، أو الخوف والطمع التي تحرك كثيرًا من البشر، وإن حملوا ألقاب أهل العلم، وأُلبسوا لباس أهل الدين" (٢).
فلا مانع من تولي المرأة الولاية العامة والقضاء، بل وخطبة الجمعة، وإمامة المصلين!
ولا حرج من تغير الفتيا بتغير الرياح!
стр. 671
يقول الإمام القرافي ﵀: "لا ينبغي للمفتي إذا كان في المسألة قولان:
أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف -أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف، وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين، ودليل على فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه، وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق، نعوذ بالله من صفات الغافلين" (١).
وقد عدَّ ابن السمعاني (٢) من شروط العلماء أهل الإفتاء: الكف عن الترخيص والتساهل، ثم صنف ﵀ التساهل نوعين:
"- أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام، ويأخذ ببادئ النظر، وأوائل الفكر فهذا مقصر في حقِّ الاجتهاد، ولا يحل له أن يفتي ولا يجوز.
- أن يتساهل في طلب الرخص وتأوُّل السنة فهذا متجوز في دينه وهو آثمُ من الأول" (٣).
المنهج الثالث: منهج الوسطية والاعتدال:
الوسطية في هذا الباب هي وسطية الإسلام في استنباط الأحكام، وهي وسطية بين طرفي التشديد والإفراط، وبين التسيب والتفريط، وهي وسطية تنضبط بالنصوص، وترعى المقاصد، وتحقق المصالح، وتفرق بين الفتيا العامة والخاصة في شأن الأقليات، وهي وسطية السداد في الإفتاء مع المقاربة، لا تكلف
стр. 672
العباد ما يرهقهم عنتًا، ولا تفتح لهم بابًا إلى الاجتراء على الأحكام والحرمات.
والأمر كما قال الشاطبي ﵀: "المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور؛ فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال" (١).
وهو منهج لا يجمد على مذهب بعينه، ولا يهمل آراء المجتهدين، يسعى أربابه إلى رأب الصدع ولمِّ الشمل، ووحدة صف الأقليات، وتقدير ضروراتهم بقدرها، ومراعاة حاجاتهم بما يحققها، ويوازن بين النصوص ومقاصد الشرع، ولا يقيم الشقاق بين النصوص الجزئية والمصالح المرعية؛ فهو منهج فقهي تأصيلي، لا تسويغي ولا تبريري.
وهو منهج يراعي أن ما عَمَّتْ به البلوى في بلد لم تعمَّ به في غيره، وأن الذرائع كما يجب سدُّها قد يجب فتحُها، وأن الأحكام المنوطة بالأعراف والعادات تتغير بتغيرها، وأن اختلاف المقاصد يورث اختلاف الأحكام، وأن اختلاف الديار والأحوال له مدخل في تغير الفتيا بالنسبة للأقليات، وما استقرَّ عليه الصالحون من علماء قُطْرٍ، أو جرت به الفتيا في بلد لا ينبغي زلزلته أو توهينه (٢).
وهو منهج يتجنب أصحابه مصادمة النصوص الشرعية والإجماع المنعقد، ويحذرون من بناء فتياهم على قياس فاسد أو ما لا يصلح دليلًا في ذاته.
ولا يَعتبرون من الشذوذ في الإفتاء مخالفة المجتهد المتأهل للأئمة الأربعة في مذاهبهم وفتاويهم، وربما أخذوا ببعض تلك الفتاوى التي رُفضت في زمن
стр. 673
أصحابها، ثم تلقَّاها الناس بعد ذلك بالقبول.
وفي نوازل الأقليات يتأكد الرجوع إلى هيئات الإفتاء الجماعي؛ لقربها من الصواب بكثرة الفقهاء، وبوجود العلماء والخبراء بأحوال تلك الأقليات وملابسات ما يستجد في حياتهم من قضايا، وبطول البحث والمناقشات مما قد يتجنب معه ما يمكن أن يكون في الاجتهاد الفردي من قصور أو شذوذ.
وأرباب هذا المنهج هم فقهاء أهل السنة النبلاء، وأئمة الفتيا الصالحين الفضلاء، عُرِفَتْ في الأمة بالخير سابقتهم، وتُلُقِّيَتْ بالقبول من الخاصة والعامة فتاويهم، فلا يدخل فيهم أصحاب توجه بدعي، ولا منهج غير مرضي.
стр. 674
المبحث الثاني
طرق استنباط أحكام النوازل وضوابطها
هناك ضوابط ينبغي أن يراعيها الناظر في النوازل، ولا يخلَّ بها، وهذه الضوابط منها ما يحتاجه قبل الحكم في النازلة، ومنها ما يحتاجه في الاستنباط أثناء البحث والاجتهاد في حكم النازلة، وسنبدأ بذكر الضوابط التي تراعى قبل الحكم في النازلة، ومنها:
المطلب الأول: ضوابط قبل الاستنباط لحكم النازلة:
أولًا: تحقق وقوع النازلة:
جاء عن السلف الصالح التحذير من السؤال عما لم يقع وكراهية الكلام فيه؛ وذلك لأنه اشتغال عن الأَولى من معرفة أحكام ما نزل بالناس، ولأنه يدل على فراغ ذهني، ويفتح باب الجدال ويضيع الأوقات، ويشتت الجهود بلا فائدة تُذْكَرُ، فضلًا عن كونه مزلةَ أقدامٍ نتيجة عدم التصور الكامل للأمر؛ إذ لا ريب أنَّ تصور ما وقع أيسر وأضبط من تصور ما لم يقع، ولكنْ هناك فرق بين مسائل يحتمل وقوعها، ومسائل يستحيل حدوثها، أو يندر وقوعها، فالأُولى: لا حرج على المجتهد أن ينظر فيها، ويُوَلِّدُ أحكامها، والثانية: لا يحسن به أن يضيع وقته فيها، فيشغل نفسه عما هو أولى وأهم، وقد استعاذ النبي ﷺ من علم لا ينفع (١).
وقد تضمنت كتب آداب طالب العلم والعالم، وكتب آداب الفُتيا ونحوها آثارًا عن السلف في ذم هذا النوع من المسائل، فمما جاء عن الصحابة ﵃ في ذلك:
стр. 675
أن رجلًا جاء إلى عبد الله بن عمر ﵄ فسأله عن شيء فقال له ابن عمر: "لا تسأل عما لم يكن فإني سمعت عمر ﵁ يلعن من سأل عما لم يكن" (١).
وكان زيد بن ثابت ﵁ إذا سأله رجل عن شيء قال: "آلله! أكان هذا؟ فإن قال: نعم، تكلم فيه، وإلَّا لم يتكلم" (٢).
وعن مسروق قال: "كنت أمشي مع أبي بن كعب ﵁ فقال فتى: ما تقول يا عماه في كذا وكذا؟ قال: يا ابن أخي أكان هذا؟ قال: لا، قال: فاعفنا حتى يكون" (٣).
وجاء نحو هذا عن التابعين ﵃، فعن عبد الملك بن مروان أنه سأل ابن شهاب الزهري ﵀ عن مسألة، فقال له ابن شهاب: أكان هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، قال: فدعه فإنه إذا كان أتى الله له بفرج" (٤).
فعلى المفتي والمجتهد في النوازل عامة، وفيما يتعلق بمسائل الأقليات خاصة أن يتأكد من وقوع النازلة، ولا يفرض مسائل غريبة، أو نادرة الوقوع، وأما إذا كانت المسائل متوقعة الحصول، أو ستحصل قطعًا، كمثل ما جاء في الكتاب والسنة من أمور غيبية لمَّا تحصل بعد لكننا جازمون بوقوعها؛ فإن البحث عنها مشروع، والنظر فيها مطلوب؛ لبيان أحكامها وتفصيل أحوالها؛ ولذا سأل الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ اليوم الذي كَسَنَةٍ
стр. 676
من أيام الدجال: أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ فقال: "لا؛ اقدروا له قدره" (١).
وهذا عين الفقه في الدين، فقد سألوا عما تيقنوا حصوله، وكان سؤالهم نافعًا للأمة بلا ريب، سواء منهم من سيوجد في عصر الدَّجال، أو حتى من وجد قبله، وبلا شك فقد أفاد هذا بلاد الأقليات المسلمة في زماننا، والتي يبقى الليل فيها ستة أشهر، والنهار ستة أشهر، كما في بعض المناطق القطبية، أو يَقِلُّ فيها الليل جدًّا أو النهار وهو -لعمر الله- دليل على كمال هذا الدين وشموله، فلله الحمد والمنة.
فمثل هذه المسائل التي يُتوقع حصولها يُشْرع البحث فيها والسؤال عنها، وقد بيَّن ابن القيم ﵀ هذا المعنى فقال: "والحق التفصيل؛ فإذا كان في المسألة نص من كتاب الله، أو سنة عن رسول الله ﷺ ، أو أثر عن الصحابة لم يُكْرَهِ الكلام فيها، وإن لم يكن فيها نص ولا أثر، فإن كانت بعيدة الوقوع، أو مقدرة لا تقع لم يُستحب له الكلام فيها، وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد، وغرض السائل الإحاطة بعلمها؛ ليكون منها على بصيرة إذا وقعت اسْتُحِبَّ له الجواب بما يعلم، ولاسيما إن كان السائل يتفقه بذلك، ويعتبر بها نظائرها ويُفرع عليها، فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى، والله أعلم" (٢).
ثانيًا: أن تكون النازلة من المسائل التي يسوغ النظر فيها:
تقرَّرَ فيما سبق أنه ينبغي على المجتهد ألَّا يشغل نفسه إلا بما ينفع الناس، وهذا الضابط ينطبق على ما سبق من التأكد من وقوع النازلة، أو غلبة الظن بوقوعها، وينطبق كذلك على ما نحن بصدده من المسائل التي حكمها كحكم ما لم يقع من المسائل؛ لعدم النفع والفائدة في البحث عن أحكامها، فعلى المجتهد والناظر أن يراعي ما فيه نفع الناس، وألا يشغل نفسه والآخرين إلا بما
стр. 677
ينفع الناس ويحتاجون إليه في دينهم ودنياهم.
أما الأسئلة الجدلية أو التي يراد بها إعنات المسئول، أو التعالم والتفاصح، أو نحو ذلك من المقاصد المذمومة، فلا ينبغي للناظر في النوازل أن يُلقي لها بالًا؛ لما فيها من المفسدة الراجحة على المصلحة -إن وجدت- ولذا روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن الغلوطات (١).
قال الخطابي في هذا المعنى: "إنه نهى أن يعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط؛ ليستزلوا بها ويستسقط رأيهم فيها، وفيه كراهية التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسألة، ووجوب التوقف عما لا علم للمسئول به" (٢).
ومما يلحق بهذا: أنه لا اجتهاد في مورد النص، فلا يجتهد الإنسان في مقابلة دليل قطعي، وإنما يجتهد في الجمع بين النصوص أو الترجيح بينها، وكذا فيما لا نص فيه.
وبناء على ما سبق فإن هذا الأصل تحته صور يسوغ للمجتهد أن ينظر فيها، وهي كما يلي:
١ - أن تكون هذه المسألة مما لا نص فيها قاطع ولا إجماع.
٢ - أن يكون ما ورد فيها من أدلة محتملًا قابلًا للتأويل، أو النصوص فيه متعارضة في الظاهر، وتحتاج إلى جمع أو ترجيح.
٣ - أن تكون المسألة مترددة بين طرفين وضح في كل واحد منهما مقصد الشارع في الإثبات في أحدهما، والنفي في الآخر.
٤ - ألَّا تكون المسألة المجتهد فيها من مسائل أصول الاعتقاد؛ فإن الخلاف في هذه
стр. 678
المسائل لا يسوغ، وينكر فيها على المخالف لعقيدة السلف.
٥ - أن تكون المسألة المجتهد فيها من النوازل والوقائع، أو مما يمكن وقوعها في الغالب، وتمس الحاجة إلى معرفة أحكامها، كما سبق (١).
ثالثًا: تقوى الله وصدق اللَّجَأ إليه تعالى وسؤاله التوفيق:
وهذا من أهم الآداب التي يتعين على المفتي والمجتهد مراعاتها عند النظر؛ ليحصل له التوفيق للصواب، فإنَّ الله تعالى يقول عن الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].
ويقول سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، ويقول سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٥ - ٢٨].
وقال النبي ﷺ : "دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت" (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥ - ١٠٦]، الأمر بالاستغفار مقرونًا بالحكم بين الناس، مما يشير إلى أنه ينبغي للمفتي أن يستغفر ربه، ويلجأ إليه قبل الإفتاء والحكم.
стр. 679
إنَّ من أعظم المزالق عند بعض المفتين ضعف الصلة بالله تعالى، وقلة اللَّجَأ إليه، والاعتماد على ما أوتيه المرء من ذكاء؛ ولذا يكثر من هؤلاء اتباع الهوى، وإرضاء الناس رعاة كانوا أو رعية، وقد حذر الله تعالى من ذلك، فقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩].
إنَّ هذا الصنف من المفتين عزيز ليس في زماننا فحسب، بل وفيما مضى من الأزمنة، كما قال سفيان الثوري ﵀: "ما من الناس أعزُّ من فقيه ورع" (١).
إذ العلم الحقيقي هو ما أورث الخشية من الله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال ابن القيم ﵀: "ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى ملهِم الصواب، ومعلم الخير وهادي القلوب؛ أن يلهمه الصواب، ويفتح له طريق السداد، ويدلَّه على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق، وما أجدر مَنْ أَملَ فضلَ ربه أن لا يحرمه إيَّاه، فإذا وجد في قلبه هذه الهمَّة فهي طلائع بشرى التوفيق، فعليه أن يوجه وجهه، ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد، وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة، فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النَّازلة منها، فإن ظفر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله؛ فإنَّ العلم نور الله يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد، ولا بد أن تضعفه، وشهدتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه إذا أعيته المسائل استصعبت عليه فرَّ منها إلى التوبة
стр. 680
والاستغفار، والاستغاثة بالله واللجوء إليه، واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًّا وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من وفق لهذا الافتقار علمًا وحالًا وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد، فقد أُعطي حظَّه من التوفيق، ومن حرمه فقد منع الطريق والرفيق" (١).
رابعًا: تفهُّم النازلة وتصوُّرها تصوُّرًا صحيحًا دقيقًا:
يَطرق المجتهد في نوازل الأقليات موضوعات لم تُطرق -غالبًا- من قبل بهذه الصورة، وإنما هي قضايا مستجدة يغلب عليها طابع العصر الحديث وتقنيات الحضارة المعاصرة التي لم تَدُرْ بخلد العلماء السابقين، ولا سيما في غير ديار الإسلام، والمفتي يلزمه ثلاثة أمور:
١ - تصوُّر المسألة تصوُّرًا صحيحًا؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
٢ - معرفة الأدلة الواردة فيها وكلام أهل العلم حولها.
٣ - تنزيل هذه الأدلة على واقع المستفتي والسائل، وهي أصعبها.
إن ما حفل به العصر من متغيرات هائلة في شتى مجالات المعرفة والعلم والتقنية لا يصلح معه أن يكون المجتهدون إزاءه في التباس أو تقليد أو انعزال، فترى كثيرًا منهم مترددين أو مؤثرين جانب الورع أو الخوف، أو سالكين الطريق الأسهل بالمنع منه، والتحذير والإحجام عن النظر فيه، فإذا ما دُهي به الناس وتعاطوه وأصبح جزءًا من واقعهم بدءوا ينظرون إليه بعين الاعتبار، ويتعاملون معه تعاملًا مختلفًا، بل المفترض أن يكون علماء الشرع -ولاسيما من كان منهم في تلك البلاد التي تسكنها الأقليات- أسبقَ الناس إلى فهم هذه المستجدات، ومعرفة تفاصيلها لإبداء حكم الشرع فيها، وأن يحملوا نوعًا من المبادرة في مثل
стр. 681
هذه المسائل، لا أن يلوذوا بالصمت.
والحاصل أن فهم واقع النازلة فهمًا صحيحًا من أهم المهمات، وأوجب الواجبات على العلماء والمفتين، ولأهمية هذا الضابط جاء في كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁: "إن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أُدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بالحق لا نفاذ له. . . ثم الفهمَ الفهمَ فيما أُدلي إليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال والأشباه، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى وأشبهها بالحق. . . " (١).
وقد شرح ابن القيم هذا الكتاب في إعلام الموقعين شرحًا حافلًا، ومما قال فيه:
"ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا، ومن تأمَّل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحةً بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله" (٢).
стр. 682
وينبغي للمفتي أن يتفطن من مقصود السائل، ويستفصل عما يحتاج إلى استفصال، فعند التفصيل يحصل التحصيل، وإجمال الفتوى عند الحاجة إلى التفصيل يجعل الحكم واحدًا لصور مختلفة تختلف الفتوى باختلافها، فيكون المفتي مجيبًا بغير الصواب.
خامسًا: التأني واستشارة أهل الخبرة والاختصاص فيما أشكل:
يَلزم المتصدرَ للفتيا أن يتثبت ويتحرى ويتأنى في النظر للمسألة من جميع جوانبها؛ لأن النظر القاصر ينشأ عنه من الغلط والوهم ما يُفسد الأديان ويُضَلُّ به بنو الإنسان، وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من أُفتي بغير علم -وفي رواية: بفتيا غير ثبت- كان إثمه على من أفتاه" (١).
وكان ابن مسعود ﵁ يُسأل عن المسألة فيتفكر فيها شهرًا، ثم يقول: "اللهم إن كان صوابًا فمن عندك، وإن كان خطأ فمن ابن مسعود" (٢)، وقال ﵁: "من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون" (٣).
وقال الإمام مالك بن أنس ﵀: "إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن"، وقال أيضًا: "ربما وردت عليَّ المسألة فأفكر فيها ليالي" (٤).
كما أن من لوازم التثبت سؤالَ أهل الاختصاص فيما يتعلق بعلومهم، كأهل الطب والفلك والاقتصاد ونحوها؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].
стр. 683
قال الخطيب البغدادي ﵀: "ثم يذكر المسألة لمن بحضرته ممن يصلح لذلك من أهل العلم ويشاورهم في الجواب، ويسأل كل واحد منهم عما عنده فإنَّ في ذلك بركةً واقتداءً بالسلف الصالح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وشاوَرَ النبيُّ ﷺ في مواضعَ وأشياءَ (١) وأمر بالمشاورة وكانت الصحابة تتشاور في الفتاوي والأحكام" (٢).
وعن ابن وهب ﵀ (٣) قال: سمعت مالكًا ﵀ يقول: "العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق، وكان يقال: التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما عجَّل امرؤ فأصاب، واتَّأد آخر فأصاب إلَّا كان الذي اتَّأد أصوبَ رأيًا، ولا عجَّل امرؤ فأخطأ، واتَّأد آخر فأخطأ إلا كان الذي اتَّأد أيسرَ خطأً" (٤).
وقد كان أبو بكر وعمر ﵄ يسألان الناس عما ليس لهما به علم، ويتحريان في ذلك، وفي الصحيحين حديث ابن عباس ﵄ في جمعِ عمرَ المهاجرين والأنصار لاستشارتهم في أمر الوباء الذي وقع بالشام ومحاجته لأبي عبيدة بن الجراح ﵄ (٥).
стр. 684
وعن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر ﵁ إذا وَرَدَ عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا ﷺ فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﷺ جمعَ رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به (١).
وقال أبو حصين الأسدي ﵀ (٢): "إنَّ أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر" (٣).
قال البخاري ﵀: "وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداءً بالنبي ﷺ . . . وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولًا كانوا أو شبابًا وكان وقَّافًا عند كتاب الله " (٤).
ومما يلتحق بهذا عدمُ التسرع في النفي العام، كأن ينفي كلامًا عن إمام، أو ينفي ورود حديث أو صحته أو ضعفه، أو ينفي الخلاف ويدعي الإجماع، وكثيرًا ما يكون في المسألة خلاف؛ بل ربما يكون مشهورًا.
стр. 685
سادسًا: التورع عن الفُتيا ما أمكن، وترك التكلف:
الفُتيا أمرها عظيم وخطرها جسيم، وقد تواتر عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف مراعاة هذا الأمر والتأكيد عليه، فعن ابن عباس ﵄ قال: "إذا أخطأ العالم أن يقول: لا أدري؛ فقد أُصيبت مقاتله" (١).
وما أكثر ما ينبغي أن تقال: "لا أدري" في مثل نوازل الأقليات اليوم.
وعن عقبة بن مسلم ﵀ (٢) قال: صحبت عبد الله بن عمر أربعة وثلاثين شهرًا، فكثيرًا ما كان يُسأل فيقول: لا أدري، ثم يلتفت إليَّ فيقول: تدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسرًا لهم إلى جهنم (٣).
وقال ابن أبي ليلى ﵀ (٤): "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ فما كان منهم محدث إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفُتيا، يُسأل
стр. 686
أحدهم عن المسألة فيردَّها إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجعَ إلى الأول" (١).
وعن ابن سيرين ﵀: أنه كان لا يفتي في الفروج بشيء فيه اختلاف (٢).
وقال سفيان الثوري ﵀: "أدركت الفقهاء وهم يَكرهون أن يجيبوا في المسائل والفُتيا حتى لا يجدوا بدًّا من أن يفتوا، وقال: أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها، وأجهلهم بها أنطقهم" (٣).
وسئل مالك ﵀ عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] (٤).
وقال أحمد ﵀ في رواية ابن منصور (٥): "لا ينبغي أن يجيب في كل ما يُستفتَى فيه" (٦).
وقد قال أبو بكر الخطيب والصيمري (٧) -رحمهما الله-:
"من حرص على الفتوى وسابقَ إليها وثابرَ عليها قلَّ توفيقه واضطرب في أمره، وإذا
стр. 687
كان كارهًا لذلك غير مختار له ما وجد مندوحة عنه وقدر أن يحيل بالأمر فيه على غيره كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في جوابه وفتياه أغلب" (١).
سابعًا: التجرد من الهوى والغرض في السؤال والجواب:
وهذا ضابط مهم للغاية؛ إذ قد يدفع الهوى المستفتي إلى أن يصوغ السؤال بطريقة معينة ليحصل على الجواب الذي يريده، فلا ينبغي للمفتي أن يُستغفل، بل عليه أن يكون يقظًا للسؤال ولحال السائل، عالمًا بحيل الناس ودسائسهم حتى لا يغلبوه بمكرهم فيستخرجوا منه الفتاوي حسب أهوائهم.
قال ابن عابدين ﵀: "وهذا شرط في زماننا وليحترز من الوكلاء في الخصومات فإنَّ أحدهم لا يرضى إلا بإثبات دعواه لموكله بأي وجه أمكن، ولهم مهارة في الحيل والتزوير، وقلبِ الكلام وتصوير الباطل بصورة الحق، فغفلة المفتي يَلزم منها ضرر عظيم في هذا الزمان" (٢).
فكيف بزماننا اليوم وبنوازل لا عهد لأحد بها؟!
وقال ابن القيم ﵀: "فكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق، وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل، ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك، بل هو أغلب أحوال الناس" (٣).
ثم قال ﵀: "ينبغي للمفتي أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرًا فطنًا فقيهًا بأحوال الناس وأمورهم، يؤازره فقهه في الشرع وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ" (٤).
стр. 688
وأما المفتي فإن تجرده من الهوى أشدُّ لزومًا من المستفتي؛ لأنه موقِّع عن الله تعالى مخبر بشرعه، فإن أفتى بهواه موافقة لغرضه أو غرض من يحابيه كان مفتريًا على الله؛ إذ سينسب باطله وإفكه إلى شريعة الله -عياذًا بالله- وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧]، وقال سبحانه: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
ولقد كثر في زماننا من يُفتي بالباطل اتباعًا لهوى نفسه، أو هوى الحكام والمسئولين، أو هوى العامة والمستفتين.
وقد يداخل الهوى بعضَ المفتين فيتعلق بالخلاف الوارد في المسألة ويُفتي بما يوافق هواه أو هوى مستفتيه آخذًا بأي قول قيل في المسألة، ولو كان مطَّرَحًا أو شاذًّا لا يُعَوَّل عليه أو لا يُعرف قائله، وربما علل باطله بدعوى التيسير ورفع الحرج وأنَّ الخلاف رحمة، وأنَّ من ابتلي بما فيه الخلاف فليقلد من أباح، مع أن تتبع الرخص فسق وزندقة، كما هو مشهور عند العلماء وأهل الأصول.
وقد أحسن ابن القيم ﵀ إذ قال: "لا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض، فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به ويفتي به ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر" (١).
ثامنًا: أهلية المفتي للفتيا:
لما كانت الفُتيا خبرًا عن الله وتوقيعًا عنه تعالى فلا بد للمتصدر لها من شروط تتحقق فيه؛ ليكون أهلًا للقيام بهذه المهمة العظيمة التي تولاها الله بنفسه، فقال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ
стр. 689
قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ. . .﴾ [النساء: ١٧٦].
قال صالح بن أحمد (١): قلت لأبي: ما تقول في الرجل يُسْأَلُ عن الشيء، فيجيب بما في الحديث، وليس بعالم في الفقه؟ فقال: يجب على الرجل إذا حمل نفسه على الفُتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالمًا بالسنة، وإنما جاء خلاف من خالف؛ لقلة معرفتهم بما جاء به النبي ﷺ وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها (٢).
وقيل لابن المبارك: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالمًا بالأثر بصيرًا بالرأي.
وقيل ليحيي بن أكثم (٣): متى يجب لرجل أن يفتي؟ فقال: إذا كان بصيرًا بالرأي بصيرًا بالأثر.
قال ابن القيم معلقًا: يريدان بالرأي القياس الصحيح والمعاني والعلل الصحيحة التي علق الشارع بها الأحكام، وجعلها مؤثرة فيها طردًا وعكسًا (٤).
ولهذا ذهب أكثر الأصوليين إلى أن المفتي هو المجتهد (٥) وعبروا عن غير المجتهد بالمقلد وبالمستفتي.
واشترطوا في المجتهد أن يكون صحيح العقل، عالمًا بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ،
стр. 690
والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، وسائر ما يعتري الألفاظ من وجوه الدلالات، ومن ذلك أيضًا: معرفة آثار الصحابة والإشراف على مسائل الخلاف والوقوف على مواضع الإجماع، والاطلاع على الفتاوي، ومعرفة اختلاف العلماء في لسان العرب، والإحاطة بوجوه الجمع والترجيح، ومعرفة القواعد الكليات الجامعة للجزئيات، والأصول التي تنطوي تحتها الفرعيات، ومعرفة الأشباه والنظائر، وملاحظة الفروق بين المسائل (١).
فهذه جملة الآلة التي لا بدَّ منها للمجتهد حتى يصلح له النظر في المستجدات، ويعتبر له قول، وتُقبل له فتوى في نائبات المسائل والنوازل، والاجتهاد منصِبٌ يقبل التجزؤ على الصحيح من أقوال أهل العلم، وعليه لا يلزم المجتهد في الواقعة إلَّا أن يكون ملمًا بما تَرِدُ إليه من القواعد والأصول، عارفًا بما يختصُّ بها من الأخبار والأقوال.
المطلب الثاني: ضوابط في أثناء استنباط الحكم على النازلة:
سبق الكلام في المطلب الأول على بعض الضوابط التي يحتاجها الناظر في النوازل قبل الفُتيا في الواقعة، وفي هذا المطلب بيان لبعض الضوابط والآداب التي ينبغي أن تراعى أثناء استنباط حكم النازلة والفتيا فيها؛ ومن هذه الضوابط ما يلي:
أولًا: أن يتطابق الاجتهاد مع ما يحقق العبودية لله رب العالمين:
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
فالإسلام هو الاستسلام لله، والتجرد من متابعة غير رسول الله ﷺ ، والشريعة وضعت ليخرج المكلف من عبادة النفس والهوى إلى عبادة المولى جل وعلا، فإمَّا أن يكون المرء عبدًا لله، وإلا فهو عبد لغيره، وغيره قد يكون هواه، فكل من استكبر عن
стр. 691
عبادة الله لا بدَّ أن يعبد غيره (١).
قال ابن القيم في النونية:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ... فبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ والشَّيْطَانِ
ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣].
وجعل النبي ﷺ من انشغل بالدنيا ورضي بها وكانت هي محلَّ سعادته ومعقدَ ولائه وبرائه عابدًا لها، فقال ﷺ : "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعْطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش. . ." (٢).
والعبادة ليست قاصرة على الشعائر، بل معناها جامع، كما قال شيخ الإسلام ﵀: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة (٣).
فالدين كله داخل في العبادة، ومن ثم فتصرفات المسلم كلها يجب أن تكون ضمن إطار العبادة، لأجل تحقيق العبودية لله رب العالمين، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بأصلين:
١ - أن لا يعبد إلا الله.
٢ - أن لا يعبد الله إلا بما أمر وشرع (٤).
فلا يعبد الله بغير ذلك من الأهواء والظنون والبدع.
стр. 692
وبناء على هذا الضابط المهم فالاجتهاد يجب أن يتطابق مع مبدأ العبودية لله تعالى، وأن يكون ضابط العبودية منطلقًا في التعامل مع كافة ما يطرأ من نوازل ومستجدَّات، وألا يقصر مفهوم العبودية على الناحية الشعائرية فقط، بل لا بدَّ أن يتسع ليشمل نواحي المعاملات والأنكحة والجنايات، وغير ذلك مما يجب إدراجه ضمن مبدأ العبودية الإلهية (١).
ثانيًا: عدم الخروج عن طريق السلف في فهم الأدلة:
يجب على المجتهد في تعامله مع الأدلة أن يرجع لأقوال السلف، وكيفية فهمهم لها، وأن يكون فهمه موافقًا لمنهجهم، وألَّا يخرج عن أقوالهم، وألَّا يتكلم في مسألة ليس له فيها إمام، كما قال الإمام أحمد ﵁.
وعلامة صحة اجتهاده أن يوافق السلف في فهمهم واجتهادهم، أما أن يشذ عنهم ويأتي بقول جديد لم يعرف عندهم، أو أنكروه على قائله، فإن ذلك عبث، وليس اجتهادًا.
ويجب أن يعرف الخلاف الذي عدَّهُ السلف سائغًا من الخلاف الذي أنكروا فيه على المخالف.
ثم إن منهج السلف هو منهج لهم في جملتهم، وبناء عليه فلا يصح أن يأتي بقول مهجور، أو لم تثبت نسبته إلى قائله فيقول به زاعمًا أن له فيه سلفًا، بل لا بدَّ من صحة ثبوته عن قائله، ومن كون الأدلة تحتمله، ومن كونه لم يُنْكَرْ على قائله من أئمة زمانه وعلماء عصره، فلا يقال مثلًا بحل نكاح المتعة؛ لأنه قول ابن عباس ﵄، ويدَّعي أن ذلك ليس خارجًا عن منهج السلف؛ لأن هذا القول إن سلم أن ابن عباس ﵄ لم يرجعْ عنه فهو مخالف للأدلة الصريحة، وقد أنكره عليه غيره من الصحابة والتابعين والأئمة، فكيف وقد رجع عنه؟!
فالمقصود أن منهج السلف لا يعني اعتماد قول مهجور أو ضعيف جدًّا لا يعدو أن
стр. 693
يكون اجتهادًا أخطأ فيه صاحبه، فلا يحتج به على أنه من طريق السلف.
ثالثًا: التحرر من الخوف وضغط الواقع الفاسد:
إن مهمة الشرائع هي تصحيح الواقع الفاسد الذي يحياه الناس، ووضع المنهج الصحيح الذي يحكم الحياة والأحياء، ولا ينبغي أن تنقلب الصورة فيصبح الواقع الفاسد هو الحاكم على الشرع، وتصبح النصوص والأحكام الشرعية أداةً لتبرير الواقع الذي يعيشه الناس.
والمجتهد لا بدَّ أن يتحرر من عقدة الخوف من ضغط الواقع الذي تردَّى الناس إليه، ويحاول أن يرتقي بهم إلى أفق الشرع الرحب السمح الذي يتناسب مع الفطرة السوية، ولا يصادم مصالح العباد ومنافعهم، كما لا ينبغي أن تكون اجتهاداته وفتاويه تبريرًا لهذا الواقع المنحرف، وتسويغًا لأباطيله، بأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان، ولا قام عليها من برهان.
وقد يكون هذا التبرير ممن باعوا دينهم بدنياهم أو بدنيا غيرهم، أو قد يكون من مخلصين غيورين على دينهم، ولكن الواقع يضغط عليهم بقوة من حيث يشعرون، أو لا يشعرون، فهم يركبون الصعب والذلول لتطويع النصوص للواقع، على حين يجب أن يطوع الواقع للنصوص؛ لأن النصوص هي الميزان المعصوم الذي يُحتكم إليه ويُعَوَّلُ عليه.
والواقع يتغير من حسن إلى سيئ، ومن سيئ إلى أسوأ أو بالعكس، فلا ثبات له ولا عصمة؛ ولهذا يجب أن يرد المتغير إلى الثابت، ويرد غير المعصوم إلى المعصوم، ويرد الموزون إلى الميزان (١).
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
стр. 694
ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
وضغط الواقع ونفرة الناس عن الدين لا يُسوِّغ التضحية بالثوابت والمسلمات، أو التنازل عن الأصول والقطعيات، مهما بلغت مجتمعات الأقليات من تغير وتطور، فإن نصوص الشرع جاءت صالحة للناس في كل زمان ومكان.
ولعل عقدة النقص تجاه الغرب وحضارته وفكره، والتقليد أو التبعية، فإن شئت قلت: العبودية لهذا التغريب المتعمد للمجتمع على أيدي نفر يعتبرون الغرب إمامًا يجب أن يُتَّبع، ومثالًا يجب أن يُحتذَى، وما كان من أفكارنا وقيمنا وتقاليدنا ونظمنا مخالفًا للغرب، اعتبروه عيبًا في حضارتنا ونقصًا في شريعتنا، ثم تبدأ المحاولات لتبرير هذا الوضع وإضفاء الشرعية عليه، واصطياد الشبهات، وتحريف الأدلة عن مواضعها؛ كل هذا هو أكبر دليل على الهزيمة النفسية والمروق من الدين شيئًا فشيئًا عندما يُفتح الباب للتنازل عن الحق من أجل إرضاء الباطل، أو الالتقاء معه في منتصف الطريق.
ومما يلجأ إليه بعض المجتهدين والمفتين -تحت ضغط الواقع الفاسد- هو اللجوء إلى الحيل الباطلة لإضفاء الشرعية على المخالفات الصريحة الواضحة، وقد عقد ابن القيم أبوابًا كثيرة في كتابه "إعلام الموقعين" للرد على هذه الحيل الباطلة وتفنيدها ودحض شبهات مدعيها فأحسن وأجاد، ومما قاله: "فتعالى شارع هذه الشريعة الفائقة لكل شريعة أن يشرع فيها الحيل التي تُسقط فرائضه، وتُحِلُّ محارمه، وتُبطل حقوق عباده، ويفتح للناس أبواب الاحتيال وأنواع المكر والخداع، وأن يبيح التوصل بالأسباب المشروعة إلى الأمور المحرمة الممنوعة، وأن يجعلها مضغة لأفواه المحتالين، عرضة لأغراض المخادعين، الذين يقولون ما لا يفعلون، ويظهرون خلاف ما يبطنون" (١).
стр. 695
وقال تحت باب "تجويز الحيل يناقض سدَّ الذرائع": "وتجويز الحيل يناقض سدَّ الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع يسدُّ الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليه بحيله، فأين من يمنع من الجائز خشيةَ الوقوع في المحرم، إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه؟ " (١).
ولا يخفى أن هذا اللون من الاجتهاد لتبرير الواقع تحت دعوى التيسير ورفع الحرج له آثار سيئة على الدين وعلى الأمة، ومما لا خلاف عليه أن من مقاصد الشريعة الغراء: رفعَ الحرج وجلبَ النفع ودرءَ المشقة والضرر عن المسلم في الدارين، ولكن دون تسيب في الترخص، أو ردِّ بعض النصوص، وتأويلها بما لا يحتمل وجهًا في اللغة، أو في الشرع.
ودعاة التغريب يجدون متكئًا قويًّا، وركنًا متينًا يلجئون إليه عندما يجدون من يبرر لهم دعاواهم باسم الاجتهاد لإضفاء الشرعية على فساد القيم وفساد التصور، فهم يريدون إسلامًا غربيًّا يناسب أهواءهم ويلتقي مع مصالحهم، فتارة يقولون: لا نأخذ بأقوال الأئمة والفقهاء، ولا الشراح والمفسرين، فإنها آراء بشر، ولا نأخذ إلا من الوحي المعصوم.
فإن وافقتَهم على ذلك -افتراضًا- قالوا: إنا نأخذ ببعض الوحي دون بعضه. . . نأخذ بالقرآن، ولا نأخذ بالسنة، فإن فيها الضعيفَ والموضوعَ والمردودَ، أو نأخذ بالسنة المتواترة، ولا نأخذ بسنن الآحاد، أو نأخذ بالسنة العملية، ولا نأخذ بالسنة القولية!!
فإن سلم لهم ذلك، قالوا: القرآن نفسه إنما كان يعالج أوضاع البيئة العربية المحدودة، وشؤون المجتمع البدوي الصغير، فلا بدَّ أن نأخذ ما يليق بتطورنا، وندع منه ما ليس كذلك!!
فإذا قال القرآن: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وإذا سَمَّى
стр. 696
لحم الخنزير "رجسًا" قالوا: إنما قال القرآن ذلك في خنازير كانت سيئة التغذية، أما خنازير اليوم فليست كذلك، إنها خنازير عصرية، وليست خنازير متخلفة كخنازير العصور الماضية!!
وإذا قال القرآن في الميراث: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، قالوا: إنما كان قبل أن تخرج المرأة للعمل، وتثبت وجودها في ميادين الحياة المختلفة.
أما اليوم فقد أصبح لها شخصيتها واستقلالها الاقتصادي، فلزم أن ترث كما يرث الرجل، ولم يعد مجال للتفرقة بين الجنسيين!!
وإذا قال القرآن: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، قالوا: إنما حرَّم القرآن ذلك في بيئة حارَّة، ولو نزل القرآن في بيئة باردة لكان له موقف آخر!! (١).
رابعًا: أن يلتزم الشروط المقررة عند اختيار أحد المذاهب في المسألة:
وهذه الشروط هي:
١ - أن يتبع القول لدليله ولا يختار من المذاهب أضعفها دليلًا، بل يختار أقواها دليلًا؛ لأن الفُتيا شرع عام على المكلفين، واتباع الشرع إنما يكون بالدليل، وليس اتباعًا للهوى، والأدلة يجب فيها اتباع الراجح، أما الحكم أو الفُتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع.
٢ - أن يجتهد ويستفرغ وسعه تمامًا في ألا يخالف الإجماع.
٣ - أن لا يتبع أهواء الناس، بل يتبع الدليل والمصلحة المعتبرة شرعًا بشروطها (٢).
خامسًا: أن يستدل ثم يعتقد، ولا يعتقد ثم يستدل:
فالواجب على المفتي أن يتصور المسألة جيدًا، ثم يستدل على حكمها بأدلة الشريعة
стр. 697
بالمنهجية المعتبرة عند أهل العلم، ثم يفتي بما ظهر له، وأما أن يتصور في ذهنه الجواب، ثم يبحث في الأدلة عما يوافق اعتقاده السابق، وربما يلوي أعناق النصوص؛ لتدل على ما يوافق اعتقاده فهذه خيانة للأمانة وإضلال للناس، وهو منهج أهل البدع والأهواء، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويصرفون النصوص عن ظواهرها؛ لتوافق آراءهم وأهواءهم.
قال ابن القيم ﵀ ردًّا على من أوَّل حديثًا صحيحًا تأويلًا غير سائغ: "هذا لفظ الحديث وهو الأصح إسنادًا، وهو لا يحتمل ما ذكرتم من التأويل بوجه ما، ولكن هذا عمل من جعل الأدلة تبعًا للمذهب، فاعتقد ثم استدلَّ، وأما من جعل المذهب تبعًا للدليل، واستدلَّ ثم اعتقد لم يمكنه هذا العمل" (١).
سادسًا: ألا يجزم بأن هذا حكم الله إذا كان الجواب مبنيًّا على الاجتهاد:
إن المفتي التقي الورع لا يجزم بأن جوابه هو حكم الله في نفس الأمر إذا لم يكن عنده دليل قطعيٌّ، بل كان جوابه مبنيًّا على الظن والاجتهاد، وإنما يقول: هذا ما ظهر لي، أو نحو ذلك، ويعتقد أن رأيه صواب محتمل الخطأ، وأن رأي غيره خطأ محتمل الصواب.
وقد ثبت أن النبي ﷺ نهى أميره بريدة ﵁ أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال له: "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك" (٢).
قال ابن القيم ﵀: "فتأمل كيف فرَّق بين حكم الله، وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يُسمى حكم المجتهدين حكمَ الله، ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حكمًا حكم به، فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر! فقال: لا! بل اكتب: هذا ما رأى عمر، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر" (٣).
стр. 698
وهكذا لا ينبغي أن يقول فيما أدَّاه اجتهاده، ولم يظفر فيه بنص عن الله ورسوله: هذا حلال وهذا حرام.
ولهذا كان السلف يتورعون عن إطلاق الحرام على كثير من الأمور التي يرون تحريمها إذا لم تثبت بنص قاطع، وإنما يقولون: نكره كذا، لا ينبغي كذا، ونحو هذا، حتى لا يقع الواحد منهم فيما حذر الله منه وزجر عنه بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].
قال الإمام مالك ﵀: "لم يكن من أمر الناس، ولا مَنْ مضى مِنْ سلفنا، ولا أدركنا أحدًا ممن يُقتدَى به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، وما كانوا يجترئون على ذلك، إنما كانوا يقولون: نكره كذا، ونرى هذا حسنًا، ينبغي هذا، ولا نرى هذا" (١).
وقال ابن القيم ﵀: لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله ﷺ بأنه أحلَّ كذا، أو حرَّمه، أو أوجبه، أو كرهه، إلَّا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نصَّ الله ورسوله ﷺ على إباحته، أو تحريمه، أو إيجابه، أو كراهته، وأمَّا ما وجده في كتابه الذي تلقَّاه عمن قلده دينه فليس له أن يشهدَ على الله ورسوله به، ويغرَّ الناس بذلك، ولا علم له بحكم الله ورسوله.
قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحلَّ الله كذا، أو حرَّم الله كذا، فيقول الله له: كذبت لم أُحِلَّ كذا ولم أُحَرِّمْهُ. . . وسمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسًا فيه القضاة وغيرهم فَجَرَتْ حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر، فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال: هذا حكم الله، فقلت له: صار قول زفر هو حكم الله
стр. 699
الذي حكم به وألزم به الأُمَّة! قل: هذا حكم زفر، ولا تقل: هذا حكم الله (١).
سابعًا: مراعاة الحال والزمان والمكان، أو فقه الواقع المحيط بالنازلة:
قد تتغير الفُتيا بتغير الزمان والمكان إذا كان الحكم مبنيًّا على عرف البلد، ثم تغير العرف إلى عرف جديد لا يخالف النصوص الشرعية، كألفاظ العقود والطلاق واليمين، ونحوها.
فعلى المفتي مراعاة هذا الأصل وضبطه، فربَّ فتوى تصلح لعصر دون عصر، ومصر دون مصر، وشخص دون شخص، بل قد تصلح لشخص في حال، ولا تصلح له في حال أخرى.
ولعل من المهم أن نشير -مرة أخرى- إلى بعض الضوابط الهامة التي سبقت، والتي يجب أن تراعى عند تغير الأزمنة أو الأمكنة أو الظروف، مما يؤدي إلى تغير الفتيا، ومنها:
١ - أن الشريعة الإسلامية ثابتة لا تتغير بتغير الأحوال ومرور الزمان، وكون بعض الأحكام الشرعية تختلف بسبب تغير الزمان أو المكان أو العرف فليس معناه أن الأحكام مضطربة -عياذًا بالله- أو متباينة، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وإنما ذلك لأن الحكم الشرعي لازمٌ لعلته وجارٍ معها، فيدور معها وجودًا وعدمًا، فإذا اختلفت الأحوال والأمكنة والأزمنة اختلفت العلل في بعض الأحكام، فيتغير الحكم بناءً على ذلك، وهو عين المصلحة والحكمة واليسر ورفع الحرج، وذلك من كمال الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ولله الحمد والمنة.
٢ - إن تغير الفُتيا بتغير الزمان أو الكان أو العوائد والأعراف، ونحو ذلك، ليس خاضعًا للتشهي وأهواء الناس، وإنما يرجع لوجود سبب شرعي يدعو المجتهد إلى إعادة النظر في مدارك الأحكام، ومن ثم تتغير الفُتيا تبعًا لتغير مداركها نتيجةً لمصالح
стр. 700
معتبرة شرعية، وأصول ثابتة مرعية؛ إذ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.
٣ - إن تغير الفُتيا يجب أن يكون مقصورًا على أهل الفُتيا والاجتهاد من العلماء الربانيين الذين يخشون الله وينصحون لعباد الله، ويسيرون في دربهم على بصيرة واتباع، لا على هوى وابتداع، وليس لمن قصر باعه وقلَّ اطلاعه في العلم، ولا لمن بضاعته مزجاة أن يتصدر لذلك أو يمارسه، وإلا أفسد أكثر مما يصلح وأضلَّ الناسَ بغير علم، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].
وكلما كان المفتي أعلمَ بالشريعة وأصولها وقواعدها، وأعظمَ ممارسة، وأوسعَ اطلاعًا، وأخشى لله وأعلمَ به -كان اجتهاده أضبطَ ونظره أصوبَ.
وكذلك كلما كان النظر جماعيًّا وتمهَّل الإنسان وتأنَّى وتثبَّت واستشار أهل الخبرة والاختصاص والنظر الصحيح كان أوفقَ للحق، فإن يد الله مع الجماعة ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] (١).
غير أنه لا يصح أن يُطْلَقَ العنانُ في ذلك للمفسدين والمبطلين ومتبعي الهوى؛ ليخالفوا النصوص والقواعد بحجة مراعاة العرف والزمان والمكان، أو ليتأولوا تأويلًا باطلًا متعسفًا، أو ليطوعوا الشريعة لواقع غير إسلامي بدعوى فهم الواقع، ومراعاة
стр. 701
العرف وتغير الزمان والمكان، بل لا يقوم بهذا إلا العالم الرباني الذي امتلأ قلبه بخشية الله، واتبع رسول الله ﷺ ، وتضلَّع من علوم الشريعة، وفَهِمَ هذا الضابطَ حقَّ الفهم، ولاحظ كيف طبقه الأئمة المتقدمون، وكيف كانوا يراعونه، وبالله التوفيق.
ثامنًا: أن يذكر دليل الحكم في فتيا النازلة:
وذلك لأن الحجة إنما هي في دليل الحكم، لا سيما إن كان من كتاب أو سنة أو قول صحابي، قال ابن القيم ﵀: "ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه ذلك، ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجًا مجرَّدًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم، ومن تأمَّل فتاوي النبي ﷺ -الذي قوله حجة بنفسه- رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته" (١).
وقد ذهب كثير من العلماء إلى عدم مطالبة المفتي بذكر الدليل في فتياه (٢).
والظاهر أن هذا يختلف باختلاف حال المستفتي، وطبيعة الفتوى أو النازلة، فإذا كان السائل طالبَ علمٍ، أو له دراية بالأدلة وعلوم الشرع، أو طلب معرفة الدليل، فإنَّ المفتي يذكر له الدليل والحكمة من المشروعية تطمينًا لقلبه وزيادةً في علمه.
وكذلك إذا كانت النازلة عامة تتعلق بالأُمَّة، أو تمسُّ مصالح المسلمين، أو ذات تفاصيل ومداخل ومخارج، فينبغي أن يذكر فيها الأدلة والحجج، ويبسط القول ويجيب عن الإشكالات، ونحو ذلك.
أما إذا كان المستفتي عاميًّا لا يفقه معنى الدليل -ولا سيما إن كان من غير الكتاب والسنة- ولا وجه الاستدلال فلا حاجة لذكره له؛ لعدم الفائدة، وإنما يجيبه بما يحتاجه من
стр. 702
الحكم الشرعي.
تاسعًا: أن يذكر البدائل المباحة عند المنع:
وهذا الأدب له أصل من الكتاب والسنة، وعليه شواهد كثيرة.
فمن القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، فلما نهاهم عن هذه الكلمة "راعنا" أرشدهم إلى ما يؤدي المعنى المراد مع السلامة من المحذور، فقال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان" (١)، وهذا من أحسن البيان وأبلغه حيث نهاه عن شيء، وأرشده إلى البديل الصحيح، وبيَّن له الحكمة في النهي، فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم.
ولا ريب أن هذا الأمر له أهمية كبيرة في عصرنا حيث الانفتاح على معطيات الحضارة عبر وسائل الإعلام وغيرها، وهذه التقنيات فيها الكثير مما يخالف شريعتنا، ولا غرو في ذلك؛ إذ كانت قادمة من مجتمعات لا تراعي قيمًا ولا دينًا ولا أخلاقًا، وقد غزت هذه المستجدات بلاد المسلمين وانبهر بها كثير من الناس ومارسوها، فإذا ما نهاهم الفقيه عنها وبيَّن لهم أدلة المنع منها فلا بدَّ أن يرشدهم إلى البدائل المباحة، والوسائل المتاحة؛ ليوسع عليهم ولا يُوقعهم في حرج أو عنت، وهذا من كمال النصيحة للمسلمين.
стр. 703
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلَّا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم. . ." (١)، وهذا شأن ورثة الأنبياء كذلك.
عاشرًا: أن يمهد لما قد يُستغرب من أحكام:
ومما يلتحق بما تقدم أنَّه ينبغي للمفتي أن يمهد للحكم المستغرب بما يجعله مقبولًا لدى المستفتي في النازلة.
قال ابن القيم ﵀: "إذا كان الحكم مستغربًا جدًّا فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذنًا به، كالدليل عليه، والمقدمة بين يديه، فتأمَّل ذكره قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السنَّ الذي لا يولد فيه لمثله في العادة، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته من غير أب، فإنَّ النفوس لمَّا آنست بولد بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادةً سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب" (٢).
حادي عشر: مراعاة الحكمة في الجواب، وإرشاد السائل إلى ما ينفعه:
إذا سأل المستفتي عن مسألة لا نفعَ فيها، أو ستشغله عما هو أنفع، أو دلَّ جهله بما سأل عنه على جهله بما هو أخفى منه مع شدة الحاجة إليه، فإن على المفتي أن يُراعي هذه المقامات، ويهتم بما هو أنفعُ للسائل، وأصلح له في دينه ودنياه، وذلك من كمال فقهه ونصحه وربانيته، ولهذا الأصل شواهد من الكتاب والسنة، فقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فسألوه عن السبب في كون الهلال يبدو صغيرًا ثم يكبر، فعدل بهم إلى ما ينبغي أن يعرفوه ويسألوا عنه، وهذا يسمى "أسلوب الحكيم".
وكذلك ورد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال: "يا رسول الله، إنا نركب البحر
стр. 704
ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال ﷺ : "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (١)، فلما كان السائل جاهلًا بطهورية ماء البحر، فقد تحقق جهله بطعام البحر وميتته؛ فلذا أجاب عن سؤاله، وزاده بما يحتاج إليه مما عرف أنه يجهله.
وقد ترجم البخاري ﵀ لذلك في صحيحه، فقال: "باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله عنه"، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ "ما يلبس المحرم؟ فقال رسول الله ﷺ : لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف، إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل الكعبين" (٢).
فالسؤال عما يلبس المحرم، ولمَّا كان المُحَرَّمُ عليه أمورًا معينة، وبيانها أنفع ليجتنبها ويلبس ما عداها عدل إلى بيان ما يَجتنبُ المحرم لبسه.
ثاني عشر: سلامة الفتيا والجواب من الغموض والمصطلحات الخاصة:
لما كانت الفُتيا بيانًا للحكم الشرعي، وتحمل في طياتها تبليغًا للسائل وجب تقديمها بأسلوب بيِّنٍ واضح قويم، يفهمه السائل بلا التباس، ويدركه أوساط الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
لذا كان من المتحتم أن تصاغ الفتوى بأسلوب محرَّرٍ رصين خالٍ من المصطلحات
стр. 705
التي يتعذر فهمها على المستفتي، وأن تكون واضحة الدلالة غيرَ موهمة.
هذا وإن بعض المتصدرين للفتيا يعمد إلى حيلة لا تخفى؛ إذ يضمن فتواه عدة أقوال ليقحم فيها آراء معينة يريد أن ينشرها بين الناس، ولا يسلك جادة أهل العلم بتزييفها وبيان تهافتها، بل يترك الأقوال مطلقة مرسلة بدون ترجيح، وقد يصرح للسائل بأن له أن يختار ما شاء من الأقوال؛ إذ من ابتلي بشيء مما اختلف فيه فليقلد من أباح! أو الخلاف رحمة! ولا إنكار في مسائل الخلاف! وهذا إنما يزين باطله بهذه القواعد، ويتعمد الغموض في الفتوى، وعدم الوضوح فيها؛ ليسهل عليه التخلص من تتبع الناصحين ونقدهم، والله عند لسان كل قائل وقلبه!
ثالث عشر: تغليب التيسير على التعسير، والتبشير على التنفير:
إن التكليف في شريعة الإسلام بحسب الطاقة والوسع، وإن طاقات الناس تتفاوت، وظروفهم تختلف؛ ولهذا راعى الشرع الأعذار والضرورات، وجعل لها أحكامها الخاصة، حتى إنه ليبيح بها المحظورات، ويُسقط الواجبات (١).
وشريعتنا تتميز بالوسطية واليسر؛ ولذا ينبغي للناظر في أحكام النوازل -ولا سيما نوازل الأقليات المسلمة- من أهل الفُتيا والاجتهاد أن يكون على الوسط المعتدل بين طرفي التشدد والانحلال، كما قال الشاطبي ﵀: "المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم إلى مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة، فإنه قد مرَّ أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين، خرج عن قصد الشارع؛ ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذمومًا عند العلماء الراسخين، فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة