العرف وتغير الزمان والمكان، بل لا يقوم بهذا إلا العالم الرباني الذي امتلأ قلبه بخشية الله، واتبع رسول الله ﷺ ، وتضلَّع من علوم الشريعة، وفَهِمَ هذا الضابطَ حقَّ الفهم، ولاحظ كيف طبقه الأئمة المتقدمون، وكيف كانوا يراعونه، وبالله التوفيق.
ثامنًا: أن يذكر دليل الحكم في فتيا النازلة:
وذلك لأن الحجة إنما هي في دليل الحكم، لا سيما إن كان من كتاب أو سنة أو قول صحابي، قال ابن القيم ﵀: "ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه ذلك، ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجًا مجرَّدًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم، ومن تأمَّل فتاوي النبي ﷺ -الذي قوله حجة بنفسه- رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته" (١).
وقد ذهب كثير من العلماء إلى عدم مطالبة المفتي بذكر الدليل في فتياه (٢).
والظاهر أن هذا يختلف باختلاف حال المستفتي، وطبيعة الفتوى أو النازلة، فإذا كان السائل طالبَ علمٍ، أو له دراية بالأدلة وعلوم الشرع، أو طلب معرفة الدليل، فإنَّ المفتي يذكر له الدليل والحكمة من المشروعية تطمينًا لقلبه وزيادةً في علمه.
وكذلك إذا كانت النازلة عامة تتعلق بالأُمَّة، أو تمسُّ مصالح المسلمين، أو ذات تفاصيل ومداخل ومخارج، فينبغي أن يذكر فيها الأدلة والحجج، ويبسط القول ويجيب عن الإشكالات، ونحو ذلك.
أما إذا كان المستفتي عاميًّا لا يفقه معنى الدليل -ولا سيما إن كان من غير الكتاب والسنة- ولا وجه الاستدلال فلا حاجة لذكره له؛ لعدم الفائدة، وإنما يجيبه بما يحتاجه من
стр. 702
الحكم الشرعي.
تاسعًا: أن يذكر البدائل المباحة عند المنع:
وهذا الأدب له أصل من الكتاب والسنة، وعليه شواهد كثيرة.
فمن القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، فلما نهاهم عن هذه الكلمة "راعنا" أرشدهم إلى ما يؤدي المعنى المراد مع السلامة من المحذور، فقال: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان" (١)، وهذا من أحسن البيان وأبلغه حيث نهاه عن شيء، وأرشده إلى البديل الصحيح، وبيَّن له الحكمة في النهي، فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم.
ولا ريب أن هذا الأمر له أهمية كبيرة في عصرنا حيث الانفتاح على معطيات الحضارة عبر وسائل الإعلام وغيرها، وهذه التقنيات فيها الكثير مما يخالف شريعتنا، ولا غرو في ذلك؛ إذ كانت قادمة من مجتمعات لا تراعي قيمًا ولا دينًا ولا أخلاقًا، وقد غزت هذه المستجدات بلاد المسلمين وانبهر بها كثير من الناس ومارسوها، فإذا ما نهاهم الفقيه عنها وبيَّن لهم أدلة المنع منها فلا بدَّ أن يرشدهم إلى البدائل المباحة، والوسائل المتاحة؛ ليوسع عليهم ولا يُوقعهم في حرج أو عنت، وهذا من كمال النصيحة للمسلمين.
стр. 703
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلَّا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم. . ." (١)، وهذا شأن ورثة الأنبياء كذلك.
عاشرًا: أن يمهد لما قد يُستغرب من أحكام:
ومما يلتحق بما تقدم أنَّه ينبغي للمفتي أن يمهد للحكم المستغرب بما يجعله مقبولًا لدى المستفتي في النازلة.
قال ابن القيم ﵀: "إذا كان الحكم مستغربًا جدًّا فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذنًا به، كالدليل عليه، والمقدمة بين يديه، فتأمَّل ذكره قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السنَّ الذي لا يولد فيه لمثله في العادة، فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته من غير أب، فإنَّ النفوس لمَّا آنست بولد بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادةً سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب" (٢).
حادي عشر: مراعاة الحكمة في الجواب، وإرشاد السائل إلى ما ينفعه:
إذا سأل المستفتي عن مسألة لا نفعَ فيها، أو ستشغله عما هو أنفع، أو دلَّ جهله بما سأل عنه على جهله بما هو أخفى منه مع شدة الحاجة إليه، فإن على المفتي أن يُراعي هذه المقامات، ويهتم بما هو أنفعُ للسائل، وأصلح له في دينه ودنياه، وذلك من كمال فقهه ونصحه وربانيته، ولهذا الأصل شواهد من الكتاب والسنة، فقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فسألوه عن السبب في كون الهلال يبدو صغيرًا ثم يكبر، فعدل بهم إلى ما ينبغي أن يعرفوه ويسألوا عنه، وهذا يسمى "أسلوب الحكيم".
وكذلك ورد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال: "يا رسول الله، إنا نركب البحر
стр. 704
ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال ﷺ : "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (١)، فلما كان السائل جاهلًا بطهورية ماء البحر، فقد تحقق جهله بطعام البحر وميتته؛ فلذا أجاب عن سؤاله، وزاده بما يحتاج إليه مما عرف أنه يجهله.
وقد ترجم البخاري ﵀ لذلك في صحيحه، فقال: "باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله عنه"، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ "ما يلبس المحرم؟ فقال رسول الله ﷺ : لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف، إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل الكعبين" (٢).
فالسؤال عما يلبس المحرم، ولمَّا كان المُحَرَّمُ عليه أمورًا معينة، وبيانها أنفع ليجتنبها ويلبس ما عداها عدل إلى بيان ما يَجتنبُ المحرم لبسه.
ثاني عشر: سلامة الفتيا والجواب من الغموض والمصطلحات الخاصة:
لما كانت الفُتيا بيانًا للحكم الشرعي، وتحمل في طياتها تبليغًا للسائل وجب تقديمها بأسلوب بيِّنٍ واضح قويم، يفهمه السائل بلا التباس، ويدركه أوساط الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
لذا كان من المتحتم أن تصاغ الفتوى بأسلوب محرَّرٍ رصين خالٍ من المصطلحات
стр. 705
التي يتعذر فهمها على المستفتي، وأن تكون واضحة الدلالة غيرَ موهمة.
هذا وإن بعض المتصدرين للفتيا يعمد إلى حيلة لا تخفى؛ إذ يضمن فتواه عدة أقوال ليقحم فيها آراء معينة يريد أن ينشرها بين الناس، ولا يسلك جادة أهل العلم بتزييفها وبيان تهافتها، بل يترك الأقوال مطلقة مرسلة بدون ترجيح، وقد يصرح للسائل بأن له أن يختار ما شاء من الأقوال؛ إذ من ابتلي بشيء مما اختلف فيه فليقلد من أباح! أو الخلاف رحمة! ولا إنكار في مسائل الخلاف! وهذا إنما يزين باطله بهذه القواعد، ويتعمد الغموض في الفتوى، وعدم الوضوح فيها؛ ليسهل عليه التخلص من تتبع الناصحين ونقدهم، والله عند لسان كل قائل وقلبه!
ثالث عشر: تغليب التيسير على التعسير، والتبشير على التنفير:
إن التكليف في شريعة الإسلام بحسب الطاقة والوسع، وإن طاقات الناس تتفاوت، وظروفهم تختلف؛ ولهذا راعى الشرع الأعذار والضرورات، وجعل لها أحكامها الخاصة، حتى إنه ليبيح بها المحظورات، ويُسقط الواجبات (١).
وشريعتنا تتميز بالوسطية واليسر؛ ولذا ينبغي للناظر في أحكام النوازل -ولا سيما نوازل الأقليات المسلمة- من أهل الفُتيا والاجتهاد أن يكون على الوسط المعتدل بين طرفي التشدد والانحلال، كما قال الشاطبي ﵀: "المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم إلى مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة، فإنه قد مرَّ أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين، خرج عن قصد الشارع؛ ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذمومًا عند العلماء الراسخين، فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة
стр. 706
الخلق، أما في طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضًا؛ لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين وأدَّى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة، وهو مشاهد، وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي على الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك، والأدلة كثيرة" (١).
لهذا ينبغي للمفتي أن يراعي حالة المستفتي، أو واقع النازلة، فيسير في نظره نحو الوسط المطلوب باعتدال لا إفراط فيه نحو التشدد، ولا تفريط فيه نحو التساهل وفق مقتضى الأدلة الشرعية وأصول الفُتيا.
فالعلم هو العاصم من الحكم بالجهل، والورع هو العاصم من الحكم بالهوى، والاعتدال هو العاصم من الغلو والتفريط، وهذا الاتجاه هو الذي يجب أن يسود، وهو الاتجاه الشرعي الصحيح، وهو الذي يدعو إليه أئمةُ العلم المصلحون (٢).
وهذا الرأي يؤكده الإمام الشاطبي -وغيره- حيث يقول في فصل "الوسطية في الفتوى": "فعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفُتيا بإطلاق مضادًّا للمشي على التوسط، كما أن الميل إلى التشديد مضادٌّ له أيضًا، وربما فهم بعض الناس أن ترك الترخص تشديد، فلا يجعل بينهما وسطًا، وهذا غلط، والوسط هو معظم الشريعة وأمُّ الكتاب، ومن تأمَّل موارد الأحكام بالاستقراء التامِّ عَرف ذلك، وأكثر مَن هذا شأنه من أهل الانتماء إلى العلم يتعلق بالخلاف الوارد في المسائل العلمية، بحيث يتحرى الفتوى بالقول الذي يوافق هوى المستفتي، بناء منه على أن الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديد عليه وحرج في حقه، وأن الخلاف إنما كان رحمة لهذا المعنى، وليس بين التشديد والتخفيف واسطة، وهذا قلب للمعنى المقصود من الشريعة، وقد تقدَّم أن
стр. 707
اتباع الهوى ليس من المشقَّات التي يترخص بسببها، وأن الخلاف إنما هو رحمة من جهة أخرى، وأن الشريعة حَمْلٌ على التوسط، لا على مطلق التخفيف، وإلا لزم ارتفاع مطلق التكليف من حيث هو حرج ومخالفة للهوى، ولا على مطلق التشديد، فليأخذ الموفق من هذا الموضوع حذره، فإنه مزلة قدم على وضوح الأمر فيه" (١).
رابع عشر: احترام العلماء وتقدير اجتهادات المخالفين:
مضت السنة حميدةً بين أهل العلم برعاية أقدار العلماء وصيانة حرماتهم، والكفِّ عن أعراضهم، ومعرفة الرجال بالحق، لا الحق بالرجال، مع حسن الظن وتقديم العذر، والاعتذار عن المخطئ من أهل العلم.
وكان الحرص على الجماعة ووحدة الصف شعارهم ودأبهم وديدنهم؛ وذلك من لدن الصحابة وإلى يوم الناس هذا؛ وكان من الصحابة من يصلي خلف من لا يتوضأ من أكل لحم الجزور، ولا من خروج الدم بالحجامة، ولا من أكل ما مسته النار مع أن مذهبه بخلاف ذلك.
وصلَّى الرشيد إمامًا وقد احتجم ولم يتوضأ، وصلى خلفه أبو يوسف، ولم يُعِدِ الصلاة مع أن الحجامة عنده تنقض الوضوء، وكان أحمد يرى نقض الوضوء من الرعاف والحجامة، فقيل له: إن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل يُصلِّي خلفه؟
فقال: كيف لا أصلي خلف مالك، وسعيد بن المسيب؟!
وكان أهل العلم يتبادلون الثناء والاحترام والإكرام والدعاء بظهر الغيب؛ فيقدر التلميذ شيخه، ويثني الشيخ على تلميذه، ويدعو كل منهما للآخر.
فإذا اختلفوا فبأدب جمٍّ وبتقدير متبادل؛ قال الشافعي ﵀ ليونس الصدفي ﵀ (٢)
стр. 708
وقد تناظرا في مسألة فلم يتفقا، فلما التقيا أخذ الشافعي بيده، وقال: "يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟ " (١).
وعليه فلو أن مفتيًا فردًا أو مجمعًا فقهيًّا أفتى فتيا في شأن نوازل الأقليات وكانت خطأ لسبب أو لآخر -فإن هذا لا يُعَدُّ بذاته سببًا كافيًا للقدح في دين أحد أو تجريحه، فضلًا عن أن القطع في مثل هذه الفتاوي بالخطأ أمر ليس باليسير؛ وذلك لما يحتفُّ بواقع تلك المسائل، وحال أهلها من أمور تلتبس وتخفى على كثيرين؛ مما قد يتطرق معه الخطأ في الفتيا من جهة تصويرها أو تكييفها أو تطبيق الأدلة عليها.
فلا غنى عن الانضباط بأدب الخلاف، والورع عن الوقوع في أعراض العلماء، مع بيان الحق بدليله من غير إقذاع في عبارة، أو غمز في إشارة.
المطلب الثالث: الطريقة العامة لاستنباط حكم النازلة:
إن استباط حكم النوازل ولا سيما في بلاد الأقليات من أدقِّ مسالك الفقه وأصعبها؛ لأن الوقائع التي تحدث للأفراد والمجتمعات لا تتناهى صورها، ولا تقف أنماطها عند حد معين، وتزداد صعوبة هذا الفقه مع تعاقب الأجيال، وتطور الأعصار وسرعة التغير في معطيات الحضارة والتداخل الشديد بين الشعوب والمجتمعات، وعولمة الأعراف والعادات مما جعل الناظر في النوازل يَطرق أبوابًا لم تُطرق من قبل، ولا تُفتحُ هذه الأبواب -غالبًا- إلا بجهد مضاعف ودراسة وافية عميقة متكاملة.
وأكثرُ ما يحدث في ساحة الإفتاء المعاصرة من غلط وخلط إنما هو في الغالب من خطأ التصور للنازلة، أو التقصير في معرفة التكييف الصحيح لها، ومعلوم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره،
стр. 709
فإذا فسد التصور فبدهي أن يفسد الحكم؛ ولهذا قال الحجوي ﵀: "أكثر أغلاط الفتاوي من التصور" (١).
ومهما كان علم المفتي بالنصوص ومعرفته بالأدلة فإن هذا لا ينتج الحكم الصحيح ما لم يؤيد بمعرفة الواقع وفهمه على حقيقته وحسن تصوره.
وعليه فإن الناظر في نازلة من النوازل عليه أن يسلك المنهج الآتي بخطواته الثلاثة:
أولًا: التصور، ثانيًا: التكييف، ثالثًا: التطبيق (٢).
قال الشيخ السعدي ﵀: "جميع المسائل التي تحدث في كل وقت سواء حدثت أجناسها أو أفرادها يجب أن تُتَصور قبل كل شيء، فإذا عُرفت حقيقتها وشُخصت صفاتها، وتصورها الإنسان تصورًا تامًّا بذاتها ومقدماتها ونتائجها طُبقت على نصوص الشرع وأصوله الكلية؛ فإن الشرع يحلُّ جميع المشكلات: مشكلات الجماعات والأفراد، ويحل المسائل الكلية والجزئية، يحلها حلًّا مرضيًا للعقول الصحيحة، والفطر السليمة.
ويشترط أن ينظر فيه البصير من جميع نواحيه وجوانبه الواقعية والشرعية" (٣).
فهذه ثلاثة مدارك لا بدَّ لها من هذا الترتيب، فإن وقع خلل في أحدها نتج عنه ولا بدَّ خلل في الذي يليه، وصدق إياس بن معاوية (٤) ﵀ لما قال لربيعة بن أبي عبد الرحمن
стр. 710
-﵀: "إن الشيء إذا بني على عوج، لم يكد يعتدل" (١).
والمتأمل في كثير من الفتاوي المعاصرة الجانحة عن الصواب يجد أن الخطأ الرئيس فيها هو خطأ في تصورها، أو في إلحاقها بما يناسبها من أبواب الفقه ومسائله.
وفيما يلي بيان مختصر لهذه المدارك الثلاثة:
المدرك الأول: التصور:
التصور أو التصوير هو حصول صورة الشيء في الذهن أو العقل، أو إدراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات (٢).
ولذا شاع أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره (٣)، وقد يعبر عن هذا بقولهم: إن الحكم على الشيء بدون تصوره محال (٤).
وبلا شك فهو مقدَّم على أخويه وبدونه يُعَدُّ الإقدام على الحكم ضربًا من الخبط في عماية، وقاصمة من القواصم، وكثير من الناس يتوهم أن لديه التصور الصحيح مع أنه فاسد التصور سقيم الفهم على حد قول أبي الطيب:
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيْحًا ... وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيْمِ
فلا بدَّ في تصور النازلة وفهمها فهمًا صحيحًا من الجمع بين أمرين:
١ - تصور النازلة في ذاتها.
٢ - تصور ما يحيط بها من ملابسات وقرائن وأحوال.
ولا يكفي الأول وحده، بل لا بدَّ من النظر في الثاني؛ إذ للقرائن والملابسات أعظم الأثر في تغير الحكم فليضبط هذا المقام جيدًا، وليحرر فإنه من الأهمية بمكان.
стр. 711
ثم إن تصور النازلة وفهمها فهمًا صحيحًا قد يتطلب استقراءًا نظريًّا وعمليًّا، وقد يفتقر إلى إجراء استبانة، أو جولة ميدانية، أو مقابلات شخصية، وربما احتاج الأمر إلى معايشة ومعاشرة.
وربما كان سؤال أهل الشأن والاختصاص كافيًا، كمراجعة الأطباء في النوازل الطبية، والاقتصاديين في الأمور الاقتصادية، والسياسيين في الأمور السياسية، وهكذا (١). ومن هنا قال الخطيب البغدادي ﵀: "إن العلوم كلها أبازير (٢) للفقه، وليس دون الفقه علم إلا وصاحبه يحتاج إلى دون ما يحتاج إليه الفقيه؛ لأن الفقيه يحتاج أن يتعلق بطرف من معرفة كل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وإلى معرفة الجد والهزل، والخلاف والضد، والنفع والضر، وأمور الناس الجارية بينهم، والعادات المعروفة منهم، فمن شرط المفتي النظر في جميع ما ذكرناه، ولن يدرك ذلك إلا بملاقاةِ الرجال، والاجتماع مع أهل النحل والمقالات المختلفة، ومُسَاءَلَتِهِمْ وكثرة المذاكرة لهم، وجمع الكتب ودرسها، ودوام مطالعتها" (٣).
ويمكن أن يقال: إن تصور أي نازلة من النوازل لا بدَّ له من خطوات هي:
١ - الاستقصاء والتحري عن الدراسات السابقة وحول النازلة سواء أكانت هذه الدراسات شرعية، أم غير شرعية.
٢ - النظر في جذور النازلة وتاريخ نشأتها، وهي من الأهمية بمكان، مع غفلة كثير عنها.
٣ - البحث عن ظروف النازلة وبيئتها وأحوالها المحيطة بها، وهي الناحية الجغرافية.
٤ - معرفة مدى انتشارها وحاجة الناس إليها وأهميتها.
٥ - معرفة ما يترتب عليها من مصالح ومفاسد، ونحو ذلك.
стр. 712
٦ - الرجوع إلى أهل الشأن والاختصاص، وسؤالهم عما يتعلق بهذه النازلة ومباحثتهم فيما يشكل من تفاصيلها (١)؛ فلا بدَّ من معرفة أصولها وفروعها وظروفها، ولا بدَّ كذلك من تحديث المعلومات؛ فإن الأساليب تتجدد وتختلف من عصر لآخر، وزماننا من أشد الأزمنة تغيرًا وتطورًا، وقد سمي بعصر السرعة -وهو كذلك- فلا يليق بالفقيه أن يكون بمعزل عن هذه التطورات والتغيرات، وإلا ضلَّ وأضلَّ، والله المستعان. هذا ما يتعلق بالمدرك الأول وهو التصور (٢).
وعليه فإن الحكم مثلًا على طفل الأنابيب، أو التأمينات في ديار الأقليات، أو الاستنساخ، ونحو ذلك موقوف بشكل أوليٍّ على فهم حقيقة هذه المصطلحات، وتصور مدلولها بشكل واضح.
المدرك الثاني: التكييف:
وهذا المصطلح وإن كان حديث الاستعمال إلا أن الفقهاء القدامى قد مارسوه تحت تسميات عدة، وألفاظ مختلفة، مع اتحاد المعنى مع "التكييف"، فقد أطلقوا عليه، حقيقة الشيء وماهيته، وطبيعته، والقياس، والتخريج الفقهي، والأشباه الفقهية.
ومن أحسن التعريفات للتكييف الفقهي ما ذكره الدكتور محمد عثمان شبير بقوله:
"هو تحديد حقيقة الواقعة المستجدة لإلحاقها بأصل فقهي خصَّه الفقه الإسلامي بأوصاف فقهية، بقصد إعطاء تلك الأوصاف للواقعة المستجدة عند التحقق من المجانسة والمشابهة بين الأصل والواقعة المستجدة في الحقيقة" (٣).
стр. 713
وكذلك ما استنبطه الدكتور مسفر القحطاني بقوله: "التصور الكامل للواقعة وتحرير الأصل الذي تنتمي إليه" (١).
وكذا ما ذكره الدكتور محمد الجيزاني بقوله:
"تصنيف المسألة تحت ما يناسبها من النظر الفقهي، أو يقال: هو ردُّ المسألة إلى أصل من الأصول الشرعية" (٢).
وقد عُرِّف التكييف بتعريفات أخرى كثيرة لا تخلو من انتقاد، أعرضنا عنها خشية الإطالة.
ويتلخص من التعريفات المذكورة أن تكييف النازلة متوقف على تحصيل أمرين:
١ - حصول الفهم الصحيح والتصور التام للمسألة النازلة، كما مضى بيانه في المدرك الأول.
٢ - أن يكون لدى الناظر المعرفة التامة بأحكام الفقه وقواعده، وهذا إنما يتأتَّى لمن استجمع شروط الاجتهاد.
ولا شك أن التكييف الفقهي للنازلة من أهم خطوات استنباط حكمها؛ لأنه يضع الأمر النازل في إطار توصيف دقيق لواقع المسألة، مما يُعِين على إلحاقها بباب من أبواب الفقه تدرس في إطاره، ويُلْتَمَسُ حكمها في سياقه.
والتكييف نوعان: بسيط ومركَّب.
فالبسيط هو الجليُّ، وهو ما سهل فيه ردُّ النازلة إلى أصل فقهي واضح.
والمركَّب هو ما أشكل فيه ردُّ النازلة إلى أصل فقهي معين، بل يتجاذب النازلةَ أكثرُ من أصل.
ويمكن في هذا النوع دون النوع الأول أن تجعل النازلة مسألة مستقلة بذاتها بحيث ينظر إليها باعتبار أنها مركَّبة من عدة أصول، ولا تُرَدُّ إلى أصل معين من الأصول الفقهية المقررة
стр. 714
عند الفقهاء، فلا بدَّ أن يستقل بنظر خاص وحكم معين (١).
أنواع التكييف الفقهي:
إذا كان التكييف الفقهي مقاربًا لكلٍّ من القياس والتخريج والأشباه، فيمكن أن نستخلص أنواع التكييف الفقهي من خلال قراءة متأنية لكل من القياس والتخريج والأشباه، وهو يتنوع باعتبارات مختلفة إلى أنواع:
١ - النص والإجماع.
٢ - التكييف على قاعدة كلية عامة.
٣ - التكييف على نص فقهي لفقيه.
٤ - الاستنباط (٢).
أولًا: التكييف على نصٍّ شرعي من الكتاب أو السنة أو الإجماع:
الأصل أن يكون التكييف مبنيًّا على نصٍّ شرعي، وذلك إمَّا بدلالة العموم، أو المفهوم، أو الإيماء، أو الإشارة، أو القياس، أو يبنى على الإجماع، ومن أمثلته:
الحكم بدخول الشَّعْرِ الصناعي (الباروكة) تحت قوله ﷺ : "لعن الله الواصلة والمستوصلة" (٣).
ثانيًا: التكييف على قاعدة كلية عامة:
ولكل قاعدة كلية مناط وهو المعنى الذي يربط بين موضوعها وحكمها، فلا بدَّ
стр. 715
للفقيه من تحقيق المناط في تكييف الوقائع على القواعد الكلية، أي: التحقق من وجود المعنى الذي يربط بين الموضوع والحكم الكلي في الفرع، كما أنه لا بدَّ من مراعاة المآلات فينظر في الظروف المحتفَّةِ بالفرع مما لم تتعرض له القاعدة، ويُراعي تلك الظروف وما يترتب عليها من نتائج عند التكييف الفقهي للواقعة المستجدة على القاعدة الكلية.
ومن أمثلة هذا النوع: مشروعية السعي فوق سطح المسعى عملًا بالقاعدة الفقهية: "الهواء يأخذ حكم القرار".
ثالثًا: التكييف على نصٍّ فقهي لفقيه:
نصُّ الفقيه: هو الحكم الذي دلَّ عليه بلفظ صريح، أو فهمه أصحابه من طريق دلالة الاقتضاء أو التنبيه أو الإيماء.
ويمكن التَّعَرُّف على نصوص الفقهاء من خلال كتبهم، أو نقل تلاميذهم عنهم، وقد يختلف النقل فيصار إلى الترجيح على المنهج الذي بينه أصحاب هذا الفقيه وأتباعه، ويكون الراجح نصًّا للفقيه ومذهبًا له (١).
ومن أمثلته: جواز ما يسمَّى بـ (البوفيه المفتوح) تخريجًا على صور إجازة الفقهاء الانتفاع بالحمامات مع تفاوت استهلاك المياه والصابون وغيرها وثبات الأجرة.
رابعًا: التكييف عن طريق الاستنباط:
أي: استخراج الحكم بالاجتهاد، وقد يستخرجه عن طريق الاستصلاح، أو سدِّ الذرائع، أو الاستحسان، أو نحو ذلك من الطرق.
ومن أمثلته: الحكم بجواز عقود التوريد والمقاولات والصيانة ونحوها؛ استصلاحًا أو استحسانًا؛ لدفع حرج أو مشقة ونحوها.
стр. 716
ومنهج الاستنباط ذكره الزركشي ﵀ فقال:
"اعلم أنه حق على المجتهد أن يطلب لنفسه أقوى الحجج عند الله ما وجد إلى ذلك سبيلًا؛ لأن الحجة كلما قويت أمن على نفسه من الزلل، وما أحسن قول الشافعي في الأم: وإنما يؤخذ العلم من أعلى.
وقال -فيما حكاه عنه الغزالي في المنخول-: إذا وقعت الواقعة فليعرضها (المجتهد) على نصوص الكتاب، فإن أعوزه فعلى الخبر المتواتر، ثم الآحاد، فإن أعوزه لم يخض في القياس، بل يلتفت إلى ظواهر الكتاب، فإن وجد ظاهرًا نظر في المخصصات من قياس وخبر، فإن لم يجد مخصصًا حكم به، وإن لم يعثر على ظاهر من كتاب ولا سنة نظر إلى المذاهب فإن وجدها مجمعًا عليها اتبع الإجماع، وإن لم يجد إجماعًا خاض في القياس، ويلاحظ القواعد الكلية أولًا ويقدمها على الجزئيات. . . فإن عدم قاعدة كلية نظر في النصوص ومواقع الإجماع، فإن وجدها في معنى واحد ألحق به، وإلا انحدر إلى قياس مخيل، فإن أعوزه تمسك بالشبه، ولا يعول على طرد.
قال الغزالي: هذا تدريج النظر على ما قاله الشافعي، ولقد أخر الإجماع عن الأخبار، وذلك فيه تأخير مرتبة لا تأخير عمل؛ إذ العمل به مقدم، ولكن الخبر مقدم في المرتبة عليه فإنه مستند قبول الإجماع (١).
وخالف بعضهم فقال: الصحيح أن نظره في الإجماع يكون أولًا؛ إذ النصوص يحتمل أن تكون منسوخة، ولا كذلك الإجماع، وإنما قدَّم الشافعيُّ النصَّ على الظاهر تنبيهًا على أنه يطلب من كل شيء ما هو الأشرف، فأوَّل ما يطلب من الكتاب والسنة النص، فإن لم يجد فالظاهر، فإن لم يجد في منطوقها ولا مفهومها رجع إلى أفعال النبي ﷺ ، ثم في تقريره بعض أمته، فإن لم يجد
стр. 717
نظر في الإجماع، ثم في القياس إن لم يجد الإجماع، وسكت الشافعي عما بعد ذلك، ولا شك أن آخرَ المراتبِ إذا لم يجد شيئًا الحكمُ بالبراءة الأصلية (١).
المدرك الثالث: التطبيق:
تطبيق الحكم على النازلة يراد به: تنزيل الحكم الشرعي على المسألة النازلة.
ذلك أن تصور النازلة وفهمها فهمًا صحيحًا، ثم تكييفها من الناحية الفقهية يتعرف بهما على حكم النازلة المناسب لها، وهذا نظر جزئي خاص.
أمَّا تنزيل هذا الحكم على النازلة فهو أمر آخر؛ إذ يحتاج ذلك إلى نظر كليٍّ عام، فلا بدَّ من مراعاة المصالح عند تطبيق الحكم على النازلة بحيث لا يفضي تحصيل المصلحة الجزئية إلى تفويت مصلحة عظمى.
وعليه فإعطاء النازلة حكمًا خاصًّا بها لا بدَّ أن يُحَافَظَ معه على مقاصد الشريعة؛ ولهذا ترك النبي ﷺ هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم ﵇ مراعاة للمصلحة العليا (٢).
إن تنزيل الأحكام على النوازل ليس بالأمر الهين، وإنما يحتاج إلى فقه دقيق، ونظر وثيق، وقد أشار السبكي ﵀ إلى الفرق بين الفقيه المطلق وهو الذي يصنف ويدرس، وبين الفقيه المفتي وهو الذي ينزل الأحكام الفقهية على أحوال الناس الواقعات، وذكر أن الفقيه المفتي أعلى رتبة من الفقيه المطلق، وأنه يحتاج إلى تبصر زائد على حفظ الفقه وأدلته (٣).
فلا بدَّ حينئذٍ من مراعاة مقاصد الشريعة ومصالحها وقواعدها الكلية والموازنة بين
стр. 718
المصالح والمفاسد، والنظر إلى المآلات وتقدير حالات الضرورة وعموم البلوى، واعتبار الأعراف والعادات، واختلاف الأحوال والظروف والزمان والمكان، إلى غير ذلك.
فإنْ عَجَزَ الفقيه عن الوصول إلى حكم في النازلة فإن عليه التوقف حتى يجد فيها مخرجًا، وينتهي إلى قول محدد فيها، فإن كانت مسألة تضيق وقت العمل بها جاز له أن يُقلد فيها أوثق العلماء عنده علمًا ودينًا.
قال ابن عبد البر ﵀: "ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولًا في دينه لا نظير له من أصل، ولا هو في معنى أصل، وهذا الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديمًا وحديثًا، فتدبَّرْهُ" (١).
المطلب الرابع: الاستنباط بالرد إلى الأدلة الشرعية وضوابطه:
الأدلة الشرعية التي تفيد في استثمار الأحكام واستنباطها معلومة مشهورة، وطريق الاستنباط منها مذكورة ومعروفة؛ قال الشافعي ﵀: "نعم يحكم بالكتاب والسنة المجتمع عليها التي لا اختلاف فيها، فنقول لهذا: حكمنا بالحق في الظاهر والباطن، ويحكم بالسنة التي قد رُوِيَتْ من طريق الانفراد لا يجتمع الناس عليها؛ فنقول: حكمنا بالحق في الظاهر؛ لأنه يمكن الغلط فيمن روى الحديث، ونحكم بالإجماع، ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة ضرورة؛ لأنه لا يحلُّ القياس والخبر موجود" (٢).
فهذه الأدلة هي المصادر الأصلية، وهي متفق عليها في الجملة -بحمد الله- وكلها يعود إلى كتاب الله تعالى، كما قال الشافعي ﵀: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" (٣).
стр. 719
ثم تأتي الأدلة التي اختلف فيها في رتبة ثانية بعد الأصول الأربعة المذكورة، وتُسمَّى المصارد الفرعية وأهمها: الاستحسان، والاستصلاح، والعرف، والاستصحاب، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، وسدُّ الذرائع، وغير ذلك.
وفيما يأتي بيان تلك المصادر الأصلية والفرعية، مع ذكر أسباب الرد إليها لدى استنباط أحكام النوازل وعمل المجتهد فيها بالاستنباط.
أولًا: الكتاب والسنة (النصوص):
لا اختلاف أن القرآن والسنة هما الأصلان المعصومان والوحيان المطهران، وهما المشتملان على أدلة الأحكام من غير نقصان، وعمل المجتهد فيهما على ثمانية أقسام ذكرها الماوردي ﵀ فقال:
أحدها: ما كان الاجتهاد مستخرجًا من معنى النص:
كاستخراج علَّة الربا من البُرِّ، فهذا صحيح عند القائلين بالقياس.
ثانيها: ما استخرجه من شبه النص:
كالعبد في ثبوت ملكه؛ لتردد شبهه بالحُرِّ في أنه يملك؛ لأنه مكلَّف، وشبهه بالبهيمة في أنه لا يملك؛ لأنه مملوك، فهو صحيح غير مدفوع عند القائلين بالقياس والمنكرين له، غير أن المنكرين له جعلوه داخلًا في عموم أحد الشبهين، ومن قال بالقياس جعله ملحقًا بأحد الشبهين.
ثالثها: ما كان مستخرجًا من عموم النص:
كالذي بيده عقدة النكاح في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاح﴾ [البقرة: ٢٣٧] يعم الأب والزوج، والمراد به أحدهما، وهذا صحيح يتوصل إليه بالترجيح.
رابعها: ما استخرج من إجمال النص:
كقوله تعالى في المتعة: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛
стр. 720
فيصح الاجتهاد على قدر المتعة باعتبار حال الزوجين.
خامسها: ما استخرج من أحوال النص:
كقوله تعالى في المتمتع: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فاحتمل صيام الثلاثة قبل عرفة، واحتمل صيام السبعة إذا رجع في طريقه، وإذا رجع إلى بلده، فيصح الاجتهاد في تغليب إحدى الحالتين على الأخرى.
سادسها: ما استخرج من دلائل النص:
كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، فاستدللنا على تقدير نفقة الموسر بمُدَّين، بأن أكثر ما جاءت به السنة في فدية الآدمي أن لكِّل مسكين مُدَّين، واستدللنا على تقدير نفقة المعسر بمُدٍّ بأن أقلَّ ما جاءت به السنة في كفارة الوطء، أن لكل مسكين مُدًّا.
سابعها: ما استخرج من أمارات النص:
كاستخراج دلائل القِبلة لمن خفيت عليه، مع قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، مع الاجتهاد في القِبلة بالأمارات والدلالة عليها من هبوب الرياح ومطالع النجوم.
ثامنها: ما استخرج من غير نص ولا أصلٍ:
قال: واختلف أصحابنا في صحة الاجتهاد بغلبة الظن على وجهين:
أحدهما: لا يصح حتى يقترن بأصل؛ لأنه لا يجوز أن يرجع في الشرع إلى غير أصل، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ ولهذا كان ينكر القول بالاستحسان؛ لأنه تغليب ظن بغير أصل.
والثاني: يصح الاجتهاد به؛ لأن الاجتهاد في الشرع أصل، فجاز أن يُسْتَغْنَى عن أصل. وقد اجتهد العلماء في التعزير على ما دون الحد بآرائهم في أصله من ضرب وحبس، وفي تقديره بعشر جلدات في حال، وبعشرين في حال، وليس لهم في هذه
стр. 721
المقادير أصل مشروع. والفرق بين الاجتهاد بغلبة الظن وبين الاستحسان: أن الاستحسان يترك به القياس، والاجتهاد بغلبة الظن يستعمل مع عدم القياس (١).
الفرع الأول: ضوابط الاستنباط من الكتاب والسنة:
عند الاستنباط من نصوص الكتاب والسنة يتعين مراعاة الضوابط التالية:
أولًا: تلقي نصوص الوحيين بالتسليم والتعظيم:
أَمَرَ الله تعالى بالدخول في شرائع الإيمان كافَّةً، ونهى عن الإيمان ببعض والتكذيب ببعض، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] وأَمَرَ المؤمنين أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، كما نعى القرآن على من آمن ببعض الكتاب أو الرسل وكفر ببعض.
وفي الحديث: "إن القرآن لم ينزل يُكَذِّبُ بعضُهُ بعضًا؛ بل يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فَرُدُّوه إلى عالمه" (٢).
"فينبغي للمسلم أن يُقَدِّرَ قدرَ كلام الله ورسوله، فجميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس" (٣).
فكل ما أَمَرَ به الشارع أو نهى عنه، أو دلَّ عليه وأخبر به، فحقُّهُ التصديقُ والتسليم مع الإجلال والتعظيم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
стр. 722
[الحج: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
وما كان -من أَمْرِ الله- متعلِّقًا بعمل فحقُّهُ الامتثالُ والاتباع بلا تردد، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
والسنة صنو الكتاب في وجوب التسليم والتعظيم.
قال الأوزاعي (١)(٢) للزهري: يا أبا بكر، حديث رسول الله ﷺ : "ليس منا من لطم الخدود و. . ." (٣)، و"ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقَّ -وفي رواية: شرف- كبيرنا" (٤)، وما أشبه من الحديث ما معناه؟ فأطرق الزهري ساعة، ثم رفع رأسه فقال: "من الله العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم" (٥).
وَوَرَدَ ذلك عن الزهري عقب روايته لحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. . ." (٦)، والحديث رواه الأوزاعي عن الزهري، ثم قال: فقلت للزهري: ما هذا؟
стр. 723
فقال: "من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم، أَمِرُّوا أحاديثَ رسول الله ﷺ كما جاءت" (١)، زاد في لفظ: "من الله القول، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، أَمِرُّوا حديثَ رسول الله ﷺ كما جاء بلا كيفٍ" (٢)، وقال مَرَّةً: "وكانوا يُجْرُون الأحاديث عن رسول الله ﷺ كما جاءت تعظيمًا لحرمات الله" (٣).
"والإنسان إذا علم أن الله تعالى أصدق قيلًا، وأحسن حديثًا، وأن رسوله هو رسول الله بالنقل والعقل والبراهين اليقينية، ثم وَجَدَ في عقله ما ينازعه في خبر الرسول، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، فإن العامِّيَ يصدق لأهل الاختصاص ما يقولونه دون اعتراض، وإن لم يتضح له وجهه، وإذا اتضح ازداد نورًا على نور. . . فكيف حال الناس مع الرسل وهم الصَّادقون المصدقون؛ بل لا يجوز أن يخبر الواحد منهم خلاف ما هو الحق في نفس الأمر" (٤).
ثانيًا: جمع النصوص في الباب الواحد وإعمالها ما أمكن:
إن معقد السلامة من الانحراف أو الخطأ عند بحث نازلة وتفصيل أحكامها هو جمع ما وَرَدَ بشأنها من نصوص الكتاب والسنة على درجة الاستقصاء، مع تحرير دلالات كلٍّ، وتصحيح النقل عن النبي ﷺ ، واعتماد فَهْمِ الصحابة والثقات من علماء السلف الصالح ﵃، فإن بدا ما ظاهره التعارض بين نصوص الوحيين عند المجتهد -لا في الواقع ونفس الأمر- فينبغي الجمع بين هذه الأدلة بردِّ ما غمض منها واشتبه إلى ما ظهر منها
стр. 724
واتضح، وتقييد مطلقها بمقيدها، وتخصيص عامِّهَا بخاصِّهَا، فإن كان التعارض في الواقع ونفس الأمر فبنسخ منسوخها بناسخها -وذلك في الأحكام دون الأخبار؛ فإن الأخبار لا يدخلها نسخ- وإن لم يكن إلى علم ذلك من سبيل، فبردِّهِ إلى عالمه ﵎.
قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
وفي الحديث قوله ﷺ : "نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زاجرًا، وآمرًا، وحلالًا، وحرامًا، ومحكمًا، ومتشابهًا، وأمثالًا، فأحِلُّوا حلاله، وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أُمرتم به، وانتهوا عما نُهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمة، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا" (١).
وإذا اتضح هذا؛ فإنه لا يجوز أن يؤخذ نص وأن يطرح نظيره في نفس الباب، أو أن تُعْمَلَ مجموعةٌ من النصوص وتُهْمَلَ الأخرى؛ لأن هذا مظنة الضلال في الفهم، والغلط في التأويل، قال الإمام أحمد ﵀: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا" (٢).
وقال الشاطبي ﵀: "ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما ثبت
стр. 725
من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها. . . " (١).
ومما يلتحق بهذا المعنى: جمعُ روايات الحديث الواحد، والنظر في أسانيده وألفاظه معًا وقبول ما ثبت، وطرح ما لم يثبت، وكما قيل: والحديث إذا لم تجمع طرقه لم تتبين علله، ثم النظر في الحديث بطوله وفي الروايات مجتمعة.
وقد حكى الباقلاني الإجماع على منع التعارض بين الأدلة الشرعية في نفس الأمر مطلقًا، كما روى الخطيب البغدادي عنه ذلك، فقال: "يقول الباقلاني: وكل خبرين عُلِمَ أن النبي ﷺ تكلم بهما، فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين؛ لأن معنى التعارض بين الخبرين والقرآن من أَمْرٍ ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب أحدهما منافيًا لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف إن كانا أمرًا ونهيًا، وإباحة وحظرًا، أو يوجب كون أحدهما صدقًا والآخر كذبًا إن كانا خبرين، والنبي ﷺ منزه عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة، وكل مثبت للنبوة" (٢).
ثالثًا: حجية فهم الصحابة والسلف الصالح:
إذا كان الكتاب الكريم حَمَّالَ أوجهٍ في الفهم مختلفة؛ فإن بيان أصحاب نبينا ﷺ له حجة وأمارة على الفهم الصحيح، فهم أبرُّ الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأصحها فطرة، وأحسنها سريرة، وأصرحها برهانًا، حضروا التنزيل وعلموا أسبابه، وفهموا مقاصد الرسول ﷺ وأدركوا مراده، اختارهم الله تعالى -على علم- على العالمين سوى الأنبياء والمرسلين، "فكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة ﵃" (٣).
стр. 726
"فمن أخبرنا الله أنه علم ما في قلوبهم، فرضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم، أو الشك فيهم البتة" (١).
قال قتادة ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]: "أصحاب محمد ﷺ " (٢).
وقال سفيان ﵀ في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]: "هم أصحاب محمد ﷺ " (٣).
وفي منزلة علمهم واجتهادهم وفتاويهم قال الإمام الشافعي ﵀: ". . . فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عامًّا وخاصًّا، وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومَنْ أدركنا ممن يُرضَى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله ﷺ فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله" (٤).
وأفضل علم السلف والخلف ما كانوا مقتدين فيه بالصحابة.
يقول ابن تيمية ﵀: "ولا تجد إمامًا في العلم والدين، كمالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومثل: الفضيل (٥)،
стр. 727
وأبي سليمان (١)، ومعروف الكرخي (٢)، وأمثالهم، إلا وهم مصرِّحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب" (٣).
ثم إن التابعين وتابعيهم قد حصل لهم من العلم بمراد الله ورسوله ما هو أقرب إلى منزلة الصحابة ممن هم دونهم؛ وذلك لملازمتهم لهم، واشتغالهم بالقرآن حفظًا وتفسيرًا، وبالحديث رواية ودراية، ورحلاتهم في طلب الصحابة وطلب حديثهم وعلومهم مشهورة معروفة، "ومن المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم، وهو بذلك أقوم، كان أحقَّ بالاختصاص به، ولا ريب أن أهل الحديث أعلمُ الأمة وأخصُّها بعلم الرسول ﷺ " (٤).
رابعًا: الإيمان بالنصوص على ظاهرها، وردُّ التأويل المتعسف:
ويقصد بظاهر النصوص مدلولها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النصَّ عند الأصوليين، والظاهر عندهم ما احتمل معنًى راجحًا وآخرَ مرجوحًا،
стр. 728
والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، "فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين" (١)، فالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم، ونفيه يكون تكذيبًا للمتكلم، أو اتهامًا له بالعيِّ وعدم القدرة على البيان عما في نفسه، أو اتهامًا له بالغبن والتدليس، وعدم النصح للمكلَّف، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله الأمين ﷺ .
ومراد المتكلم يُعْلَمُ إمَّا باستعماله اللفظ الذي يدلُّ بوضعه على المعنى المراد مع تخلية السياق عن أية قرينة تصرفه عن دلالته الظاهرة، أو بأن يصرِّح بإرادة المعنى المطلوب بيانه، أو أن يحتفَّ بكلامه من القرائن التي تدلُّ على مراده، وعلى هذا فصرف الكلام عن ظاهره المتبادر -من غير دليل يوجبه أو يبين مراد المتكلم- تحكمٌ غير مقبول سببه الجهل أو الهوى، ولا يسلم لهذا المتأول تأويله (٢) حتى يجيب على أمور أربعة:
أحدها: أن يبيِّن احتمال اللفظ لذلك المعنى الذي أورده من جهة اللغة.
الثاني: أن يبيِّن وجه تعيينه لهذا المعنى أنه المراد.
الثالث: أن يقيم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره؛ لأن الأصل عدمه، قال ابن الوزير ﵀: "من النقص في الدين ردُّ النصوص والظواهر، وردُّ حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدلُّ على ثبوت الموجب للتأويل. . . " (٣).
стр. 729
الرابع: أن يبيِّن سلامة الدليل الصارف عن المعارض؛ إذ دليل إرادة الحقيقة والظاهر قائم، وهو إما قطعيٌّ، وإما ظاهر، فإن كان قطعيًّا لم يُلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلا بدَّ من الترجيح (١).
ومما يدلُّ على إعمال الظواهر: أنه لا يتم بلاغ ولا يكمل إنذار، ولا تقوم الحجة ولا تنقطع المعذرة بكلام لا تفيد ألفاظه اليقين، ولا تدلُّ على مراد المتكلم بها؛ بل على خلاف ذلك، فينتفي عن القرآن -والعياذ بالله- معنى الهداية، وشفاء الصدور، والرحمة، التي وصف الله تعالى بها كتابه الكريم، ومعاني الرأفة والرحمة والحرص على رفع العنت والمشقة عن الأمة، التي وصف الله تعالى بها نبيه ﷺ في كتابه العزيز، وهو الذي ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلا التباس في أمره ونهيه، ولا إلغاز في إرشاده وخبره، باطنه وظاهره سواء، كيف لا، وهو القائل: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم وبنذرهم شرَّ ما يعلمه لهم. . ." (٢).
وفي إنكار التأويل الكلامي ومناهج الفلاسفة والعقلانيين ومن تأثَّرَ بهم من المتكلمين، يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد توسَّع مَنْ تأخَّرَ عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يَرُدُّون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل -ولو كان مستكرهًا- ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتَّبوه هو أشرف العلوم، وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عاميٌّ جاهل،
стр. 730
فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف" (١).
خامسًا: درء التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل:
مما ينبغي اعتقاده أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة في دلالتها، لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة؛ ذلك أن العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالًا وتفصيلًا.
فأمَّا الإجمال، فمن جهة شهادة العقل بصحة النبوة، وصدق الرسول ﷺ ، فيلزم من ذلك تصديقه في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة.
وأما التفصيل، فمسائل الشريعة ليس فيها ما يَرُدُّهُ العقل؛ بل كل ما أدركه العقل من مسائلها فهو يشهد له بالصحة تصديقًا وتعضيدًا، وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظم الشريعة، وتفوقها، ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع تلك المسائل التي عجز العقل عن إدراكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.
فإن وُجِدَ ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فإما أن يكون النقل غير صحيح، أو يكون صحيحًا ليس فيه دلالة صحيحة على المدَّعَى، وإما أن يكون العقل فاسدًا بفساد مقدماته.
"والمقصود هو بيان أنه إذا ظهر تعارض بين الدليلين النقلي والعقلي، فلا بدَّ من أحد ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يكون أحد الدليلين قطعيًّا، والآخر ظنيًّا، فيجب تقديم القطعي نقليًّا كان، أو عقليًّا، وإن كانا ظنِّيين فالواجب تقديم الراجح، عقليًّا كان، أو نقليًّا.
الثاني: أن يكون أحد الدليلين فاسدًا، فالواجب تقديم الدليل الصحيح على الفاسد سواء أكان نقليًّا، أم عقليًّا.
الثالث: أن يكون أحد الدليلين صريحًا والآخر ليس بذاك، فهنا يجب تقديم الدلالة
стр. 731
الصريحة على الدلالة الخفية، لكن قد يخفى من وجوه الدلالات عند بعض الناس ما قد يكون بينًا وواضحًا عند البعض الآخر، فلا تعارض في نفس الأمر عندئذٍ.
أما أن يكون الدليلان قطعيين -سندًا ومتنًا- ثم يتعارضان، فهذا لا يكون أبدًا، لا بين نقليين، ولا بين عقليين، ولا بين نقليٍّ وعقليٍّ" (١).
وخلاصة اعتقاد أهل السنة في هذا الباب: "أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه" (٢).
وقد أعمل الصحابة ﵃ هذا الأصل، وتلقاه عنهم التابعون، وتواترت عبارات أهل العلم بهذا المعنى.
يقول الإمام الشافعي ﵀: "كل شيء خالف أمر رسول الله ﷺ سقط، ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله ﷺ ، فليس لأحد معه أَمْرٌ ولا نهي غير ما أمر هو به" (٣).
وعليه فإذا كان التعارض بين نصين فعلى المستنبط العناية بالآتي مراعيًا الترتيب:
١ - الجمع والتوفيق بين المتعارضين بوجه مقبول.
لأنه إذا أمكن ذلك، ولو من بعض الوجوه، كان العمل بهما متعينًا، ولا يجوز الترجيح بينهما؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما بالكلية.
٢ - الترجيح بين الدليلين بأحد المرجحات.
стр. 732
٣ - النسخ لأحد الدليلين.
٤ - تساقط الدليلين إذا تعذرت الوجوه السابقة فيترك العمل بهما معًا، ويعمل بغيرهما من الأدلة، كأن الواقعة حينئذٍ لا نصَّ فيها، وهذه صورة فرضية لا وجود لها (١).
والمستنبط للأحكام الفقهية في النوازل المعاصرة قد يقع له إشكال من تعارض الأدلة، فلا بدَّ أن يتعرف على الطريق الذي يسلكه في التعامل مع هذا الإشكال بأيسر طريق.
ونحصر النقاط التي يتبعها المستنبط في ذلك فيما يأتي:
التأكد من حصول التعارض بين الدليلين، ويكون ذلك بالتحقق مما يلي:
١ - تساوي الدليلين في القطعية والظنية من جهتي الثبوت والدلالة؛ فلا تعارض بين قطعي وظني، ولا بين نص وقياس.
٢ - تساوي الدليلين في قوة الدلالة، بأن تكون دلالتهما من نوع واحد، كدلالة العبارة، أو الإشارة، أو المنطوق، أو المفهوم؛ فإن تفاوت أحدهما على الآخر في القوة فلا تعارض.
٣ - اتحاد محل الحكم وزمانه، فإن اختلف المحل أو الزمن فلا تعارض (٢).
فإذا توافرت هذه الأمور أعمل المنهج السابق في العمل عند التعارض، فعلى المجتهد في النوازل التزام القواعد والضوابط عند الترجيح والجمع، ولا يرجح بلا مرجح أو يجمع بدون داعي الجمع، يقول الشاطبي ﵀: "لا يصح إعمال أحد دليلين متعارضين جزافًا من غير نظر في ترجيحه على الآخر" (٣).
стр. 733
سادسًا: معرفة حال الدليل من حيث العمل به:
يقول الشاطبي: كل دليل لا يخلو:
١ - أن يكون معمولًا به في السلف المتقدمين دائمًا أو أكثريًّا.
٢ - أو لا يكون معمولًا به إلا قليلًا أو في وقت ما.
٣ - أو لا يثبت به عمل.
فهذه ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون معمولًا به دائمًا أو أكثريًّا، فلا إشكال في الاستدلال به، ولا في العمل على وفْقِهِ، كفعل النبي ﷺ مع قوله في الطهارات والصلوات على تنوعها من فرض أو نفل.
والثاني: ألَّا يقع العمل به إلا قليلًا، ووقع إيثار غيره والعمل به دائمًا أو أكثريًّا؛ فذلك الغير هو السنة المتبعة.
وأما ما لم يقع العمل عليه إلا قليلًا، فيجب التثبت فيه وفي العمل على وفْقِهِ. . . ولهذا القسم أمثلة كثيرة، ولكنها على ضربين:
أحدهما: أن يُتبين فيه للعمل القليل وجهٌ يصلح أن يكون سببًا للقلة، كما جاء في حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ يومين (١)، وبيان رسول الله ﷺ لمن سأله عن وقت الصلاة، فقال: "صل معنا هذين -يعني: اليومين-" (٢)، فصلاته في اليوم (الثاني) في
стр. 734
أواخر الأوقات وقع موقع البيان لآخر وقت الاختيار الذي لا يُتَعَدَّى.
ثم لم يزل مثابرًا على أوائل الأوقات إلا عند عارض؛ كالإبراد في شدة الحَرِّ ونحو ذلك.
والضرب الثاني: ما كان على خلاف ذلك، ويأتي على وجوه:
١ - أن يكون محتملًا في نفسه، والذي هو أبرأ للعهدة وأبلغ في الاحتياط تَرْكُهُ، والعمل على وفق الأغلب، كقيام الرجل للرجل إكرامًا له وتعظيمًا، فإن العمل المتصل تركه؛ فقد كانوا لا يقومون لرسول الله ﷺ إذا أقبل عليهم.
٢ - أن يكون مما فُعِلَ فلتةً، فسكت عنه النبي ﷺ مع علمه به، ثم بعد ذلك لا يفعله ذلك الصحابي ولا غيره، ولا النبي ﷺ ، ولا يأذن فيه ابتداءً لأحد، كما في قصة الرجل الذي بعثه النبي ﷺ في أَمْرٍ فعمل فيه، ثم رأى أن قد خان الله ورسوله، فربط نفسه بسارية من سواري المسجد (١).
٣ - أن يكون العمل القليل رأيًا لبعض الصحابة لم يُتَابَعْ عليه، كما روي عن أبي طلحة الأنصاري أنه أكل بَرَدًا وهو صائم في رمضان، فقيل له: ألست صائمًا؟ فقال: بلى؛ إن ذا ليس بطعام ولا شراب؛ وإنما هو بركة من السماء، نطهر به بطوننا! (٢).
٤ - أن يكون عُمِلَ به قليلًا ثم نسخ، فترك العمل به جملة، فلا يكون حجة بإطلاق،
стр. 735
فكان من الواجب في مثله الوقوف مع الأمر العام.
ومثاله: حديث الصيام عن الميت (١)؛ فإنه لم يُنقَل استمرارُ عملٍ به ولا كثرة، إن أغلب الرواية فيه دائرة على عائشة وابن عباس، وهما أول من خالفاه.
وبسبب ذلك ينبغي للعامل أن يتحرَّى العمل على وفق الأولين، فلا يسامح نفسه في العمل بالقليل إلا قليلًا وعند الحاجة ومسِّ الضرورة.
أما لو عمل بالقليل دائمًا للزمه أمور:
١ - المخالفة للأولين في تركهم الدوام عليه، وفي مخالفة السلف الأولين ما فيها.
٢ - استلزام ترك ما داوموا عليه.
٣ - أن ذلك ذريعة إلى اندراس أعلام ما داوموا عليه، واشتهار ما خالفه.
فالحذرَ الحذرَ من مخالفة الأولين، فلو كان ثَمَّ فضلٌ ما، لكان الأولون أحقَّ به، والله المستعان.
والقسم الثالث: أن لا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال، فهو أشدُّ مما قبله، فكل مَنْ خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كافٍ. والحديث الضعيف الذي لا يعمل العلماء بمثله جارٍ هذا المجرى.
وكثيرًا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة، يُحَمِّلُونهما مذاهبهم، ويُغَبِّرُون بمشتبههما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء (٢).
وقد أوردتُ كلامَ الشاطبي بطوله لبيان أهمية هذا الضابط، والتنبيه على عناصره وأقسامه
стр. 736
ومتعلقاته، وإن لم يكن من القصد مناقشة ما ضرب من أمثلة فقهية تتفاوت فيها الأنظار.
ثانيًا: الإجماع:
الإجماع هو اتفاق المجتهدين من أُمَّة النبي ﷺ على حكم شرعي ظني في عصر غير عصر الرسول ﷺ (١).
والإجماع حجة متى انعقد بشروطه المعتبرة (٢).
والإجماع المستند إلى المصلحة أو العرف وليس إلى نصٍّ شرعي يجوز رفعه بإجماع لاحِقٍ إذا تغيرت المصلحة التي بُني عليها الإجماع السابق، فلا تبقى للإجماع الأول حجيَّة إذا لم تتحقق تلك المصلحة، فإذا تغيرت وتحولت لم يكن هناك وجه لبقاء حجية ذلك الإجماع (٣).
وتطبيقًا لما سبق أجاز أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله- إعطاء الزكاة لبني هاشم عند عدم حصولهم على حقِّهم من الخمس (٤)، وذهب بعض التابعين إلى جواز التسعير (٥).
ووجه الرَّدِّ إلى الإجماع في استنباط أحكام النوازل يتأتَّى من جهات:
الأولى: أن الإجماع متى تأتَّى في مسألة فإنه يستند بالأصالة إلى نصٍّ من كتاب وسنة؛ فيثبت فيه عندئذٍ ما يثبت من جهة الرَّدِّ إلى الكتاب والسنة.
الثانية: الإجماع لا تجوز مخالفته إذا انعقد صحيحًا، والناظر في الفقه عمومًا، وفي النوازل خاصة عليه أن يتحرى ألَّا يُفتيَ بخلاف ما أُجمع عليه؛ إذ لا اجتهاد مع إجماع صريح.
стр. 737
ولهذا كان من شروط المتصدي للفتيا والاجتهاد: العلم بمواقع الإجماع، ومواطن الخلاف. قال سعيد بن جبير (١): "أعلم الناس أعلمهم بالإجماع والاختلاف" (٢).
الثالثة: الإفتاء الجماعي ليس إجماعًا، وليست أعمال المجامع الفقهية إجماعًا أصوليًّا، ولو كانت مجامعَ دوليةً أو عالميةً، على أن الرأي فيها يصدر بأغلبية مطلقة أو اتفاق، وهذا يمكن أن يقترب في المعنى من قول الجمهور عند الأقدمين، ولا شك أن الأصل كثرة الصواب وموافقة الحق في المسائل التي قال بها الجمهور قديمًا أو حديثًا، من غير قطع في جميع المسائل.
ومن كان مجتهدًا فخالف الجمهور فلا حرج عليه، ويسوغ له أن يفتى باجتهاده، ولا يجوز نقض حكم إذا حكم به، ولا منعه من الفتيا، ولا منع أحد من تقليده (٣).
ثالثًا القياس:
هو حمل فرعٍ على أصلٍ في حكمٍ بجامعٍ بينهما (٤).
وهو حجة عند أكثر العلماء من لدن الصحابة ﵃، قال ابن القيم: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض ويعتبرون النظير بنظيره" (٥).
стр. 738
وللقياس أركان، ولكلِّ ركنٍ أحكامٌ وشروط تُمَثِّلُ بالجملة شروط صحة القياس الذي يعتبر لاستنباط الأحكام، ويُرْجَعُ إليه في إدراك الواجب في الوقائع المختلفة.
ومن غير شك فإن القياس هو مظهر من مظاهر إحكام الشريعة وكمالها، وهو برهان صلوحيتها وسعتها؛ فإن النصوص تتناهى وليست كذلك الوقائع والحوادث؛ "فلا سبيل لإعطاء الحوادث والمعاملات الجديدة منازلها وأحكامها في فقه الشريعة إلا عن طريق الاجتهاد بالرأي الذي رأسه القياس؛ فالقياس أغزر المصادر الفقهية في إثبات الأحكام الفرعية للحوادث" (١).
وعليه فإن الناظر في أحكام النوازل لا يتأتَّى له بحثٌ ولا استدلال إلَّا بعد العلم بالقياس ولا بدَّ، والمعول في إدراك أحكام النوازل عليه هو القياس.
وعلى المفتي أن يُطَوِّلَ البحث في درك النصوص أولًا، ثم التعرف على علل الأحكام ثانيًا؛ إذ العلة هي ركن القياس الأكبر، وعليها مداره واعتماده، ومباحثها من أدقِّ مباحث علم الأصول وأصعبها.
والأحكام المعللة بوصف ظاهر منضبط يشرع الحكم عند وجوده يمكن قياس نظائرها عليها، وتلك العلل قد تكون ثابتة لا تَغَيُّرَ فيها كعلة السُّكر لإثبات حد الخمر، وعلة الإيلاج في فرج محرَّم لإثبات حد الزنا، وقد تكون العلة قابلة للتغير بتغير الأعراف أو المصلحة، وعلى المجتهد أن يتتبع تلك العلل، وأن يعرف أيها يؤثر في جلب الحكم (٢).
وقد يظهر بجلاء أن علَّة الحكم مرتبطة بمصلحة ما فإذا زالت فلا ينبغي أن يبقى للحكم وجود؛ ولذا رأينا عمر ﵁ يقول -بعد أن جمع الصحابة على إمام في التراويح-: "نِعْمَ
стр. 739
البدعة هذه" (١)؛ لأن علة تركه ﷺ المداومة عليها هو خشيته أن تُفرض على أُمَّتِهِ (٢).
وأَمَرَ عمرُ بن عبد العزيز ﵀ بكتابة السنة وتدوينها مع أنه ﷺ نهى عن أن يكتب عنه شيء غير القرآن؛ خوفًا من أن يختلط القرآن بغيره، فلما زال هذا السبب كُتِبَت السُّنة (٣).
وإذا كانت تلك الأمثلة قد حُسم أمرُها في فقه الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، فإن ثمة أمثلةً في عالم اليوم قابلة لهذا التغير ومرشحة لهذا التطور، وإن لم يقع عليها اتفاق.
وهكذا ينفتح باب الاجتهاد بسبب اختلاف الواقع بين زمنه ﷺ والعصور المتقدمة من جهة، وبين العصور المتأخرة من جهة أخرى.
رابعًا: المصلحة المرسلة:
المصلحة -لغةً-: ما فيه صلاح قوي، وهي ضدُّ المفسدة (٤).
وفي الاصطلاح معناها: جلبُ المنفعة ودفعُ المضرة (٥)، أو ما تضمن جَلْبَ المنافع ودَرْءَ المفاسد على وجه لا يستقلُّ العقل بدركه على حال (٦).
стр. 740
والمصالح من حيث حكمها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - المصالح المعتبرة: وهي التي حَكَمَ الشارع عليها بالاعتبار، وذلك كتشريع القصاص لمصلحة حفظ النفس، وتشريع الجهاد لمصلحة حفظ الدين، وهذه لا خلاف في اعتبارها، وليست هي المعنية بالدراسة في أصل المصلحة.
٢ - المصالح الملغاة: وهي التي حكم الشرع عليها بالإلغاء، وذلك كمصلحة الأنثى في مساواتها بالذكر في الميراث، ومصلحة المرابي في تنمية ماله عن طريق الربا، فهذه لا خلاف في إهدارها، وعدم التعويل عليها.
٣ - المصالح المرسلة: وهي التي لم يشهد لها الشارع بالاعتبار، ولا بالإلغاء، مع دخولها تحت أصل كلي معمول به في الشرع، وهذه هي المقصودة عند إطلاق لفظ المصلحة في الأصول.
فهي: "كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع الضرورية، والحاجية ودون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء" وقد سمَّاها العلماء مصلحة مرسلة، أما كونها مصلحة: فلأنها تجلب نفعًا، وتدفع ضررًا، وهي مرسلة: لأنها مطلقة عن اعتبار الشارع أو إلغائه، فهي إذن تكون في الوقائع المسكوت عنها، وليس لها نظير منصوص على حكمه حتى تقاس عليه، وفيها وصف مناسب لتشريع حكم معين، من شأنه أن يحقق منفعة أو يدفع مفسدة (١).
حجية المصلحة المرسلة:
لا خلاف بين العلماء في أن العبادات لا يجري فيها العمل بالمصالح المرسلة؛ لأن العبادة سبيلها التوقيف، فلا مجال فيها للاجتهاد والرأي، والزيادة عليها ابتداع في الدين، والابتداع مذموم (٢)، ويدل على ذلك السنة والإجماع والاستقراء (٣).